Qur'an&Sunnah

Eş'arî — Risâle ilâ Ehli's-Sağr (Eş'arî)

قسم V01/P140

رسالة إلى أهل الثغر بسم الله الرحمن الرحيم قال السيد الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعري البصري رحمه الله الحمد لله الذي حبب إلينا التمسك بالسنن الهادية وجنبنا سبل البدع المردية وكنف قلوبنا بثلج اليقين وأعزنا بسلطان الدين وجعلنا لرسوله صلى الله عليه وسلم متبعين وبإمامته معتصمين ووهب لنا من أنس الجماعة ما زالت به عنا وحشة الشذوذ والبدع حمدا نحوز فيه شرف طاعته ونستمري به جميل مواهبه وصلى الله على محمد نبيه الداعي إليه والسفير بيننا وبينه الذي أيده الله عز وجل بآياته وقطع دواعي الشبه فيه لمعجزاته حتى أنهج السبيل إليه ونبه على ما في أفعاله من وجود الأدلة عليه بأوضح بيان وأظهر برهان حتى غاض الباطل خاسئا حسيرا وأضاء الحق غالبا منصورا فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وعلا بالحجة صلى الله عليه وسلم أما بعد أيها الفقهاء والشيوخ من أهل الثغر بباب الأبواب حرسكم الله بسلطانه وأيدكم بنصره فقد وقفت على ما ذكرتموه في كتابكم الوارد علي بمدينة السلام من خير نعم الله عليكم واستقامة أحوالكم فأسرني وكثر لله عز وجل عليه شكري ورغبت إليه تعالى ومجتهدا في تمام ما أولاكم وإسباغ نعمة علينا وعليكم وهو تعالى ولي الإجابة وحقيق لجميل الموهبة ووقفت أيدكم الله على ما ذكرتموه من أحمادكم جوابي عن المسائل التي كنتم أنقذتموها إلي في العام الماضي وهو سنة سبع وستين ومائتين ووقوع ماذكرته فكم فيها الموقع الذي حمدتموه وعرفتم وجه الصواب فيه وإعراضكم عمن ألقى تلك المسائل واحتال في بثها عندكم وحمدت الله عز وجل على حراستنا وإياكم من شبه الملحدين في دينه والصادين عن اتباع رسله وسألته أن يجعلنا وإياكم من المتمسكين بحبله والمقيمين على الوفاء بعهده إنه ولي ذلك والقادر عليه ووقفت على ما التمستموه من ذكر الأصول التي عول سلفنا رحمة الله عليهم وعليها وعدلوا إلى الكتاب والسنة من أجلها واتباع خلفنا الصالح لهم في ذلك وعدولهم عما صار إليه أهل البدع من المذاهب التي أحدثوها وصاروا إلى مخالفة الكتاب والسنة بها وما ذكرتموه من شدة الحاجة إلى ذلك فبادرت أيدكم الله بإجابتكم إلى ما سألتموه لما أوجبه من حقوقكم والكرامة لكم وذكرت لكم جملا من الأصول مقرونة بأطراف من الحجاج تدلكم على صوابكم في ذلك وخطأ أهل البدع فيما صاروا إليه من مخالفتهم وخروجهم عن الحق الذي كانوا عليه قبل هذه البدع معهم ومفارقتهم بذلك الأدلة الشرعية وما أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم منها ونبه عليها وموافقتهم بذلك لطرق الفلاسفة والصادين عنها والجاحدين لما أتت به الرسل عليهم السلام منها ولم ألكم وسائر من تأمل ما ذكرته نصحا لما يوجب على من حق نعم الله فيكم وأرجوه من نيل الثواب بإجابتكم مستعينا في جميع ذلك بالله عز وجل وتوكلا عليه وهو حسبي ونعم الوكيل اعلموا أرشدكم الله أن الذي مضى عليه سلفنا ومن اتبعهم من صالح خلفنا أن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم إلى سائر العالمين وهم أحزاب متشتتون وفرق متباينون منهم كتابي ويدعو إلى الله بما تعبد به في كتابه وفلسفي قد تشعبت به الأباطيل في أمور يدعيها بقضايا العقول وبرهمي تنكر أن يكون لله رسول ودهري يدعي الإهمال ويخبط في عشو الضلال وثنوى قد اشتملت عليه الحيرة ومجوس يدعي ما ليس له به خبرة وصاحب صنم يعتكف عليه ، ويزعم أن له ربا يتقرب بعبادة ذلك الصنم إليه لينبههم جميعا على حدثهم ويدعوهم إلى توحيد المحدث لهم ويبين لهم طرق معرفته بما فيهم من آثار صنعته ويأمرهم برفض كل ما كانوا عليه من سائر الأباطيل بعد تنبيهه صلى الله عليه وسلم لهم على فسادها ودلالته على صدقه فيما يخبرهم به عن ربهم تعالى بالآيات الباهرة والمعجزات القاهرة ويوضح لهم سائر ما تعبدهم الله عز وجل به من شريعته

قسم V01/P140–V01/P151

وأنه صلى الله عليه وسلم دعا جماعتهم إلى الله ونبههم على حدثهم بما فيهم من اختلاف الصور والهيئات وغير ذلك من اختلاف اللغات وكشف لهم عن طريق معرفة الفاعل لهم بما فيهم وفي غيرهم بما يقتضي وجوده ويدل على إرادته وتدبيره حيث قال عز وجل وفي أنفسكم أفلا تبصرون فنبههم عز وجل بتقلبهم في سائر الهيئات التي كانوا عليها على ذلك وشرح ذلك بقوله عز وجل ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين وهذا من أوضح ما يقتضي الدلالة على حدث الإنسان ووجود المحدث له من قبل أن العلم قد أحاط بأن كل متغير لا يكون قديما وذلك أن تغيره يقتضي مفارقة حال كان عليها قبل تغيره وكونه قديما ينفي تلك الحال فإذا حصل متغيرا بما ذكرناه من الهيئات التي لم يكن قبل تغيره عليها دل ذلك على حدوثها وحدوث الهيئة التي كان عليها قبل حدوثها إذ لو كانت قديمة لما جاز عدمها وذلك أن القديم لا يجوز عدمه وإذا كان هذا على ما قلنا وجب أن يكون ما عليه الأجسام من التغير منتهيا إلى هيئات محدثة لم تكن الأجسام قبلها موجودة بل كانت قبلها محدثة ويدل ترتيب ذلك على محدث قادر حكيم من قبل أن ذلك لا يجوز أن يقع بالاتفاق فيتم من غير مرتب له ولا قاصد إلى ما وجد منه فيها دون ما كان يجوز وقوعها عليه من الهيئة المخالفة لها وجواز تقدمها في الزمان وتأخرها بذلك إلى محدثها ومرتبها لأن سلالة الطين والماء المهين يحتمل من الهيئات ضروبا كثيرة لا يقتض واحد منها سلالة الطين ولا الماء المهين بنفسه ولايجوز أن يقع شيء من ذلك فيها بالإتفاق لاحتمالها لغيره فإذا وجدنا ما صار إليه الإنسان في هيئته المخصوصة به دون غيره من الأجسام وما فيه من الآلات المعدة لمصالحه كسمعه وبصره وشمه وحسه والآت ذوقه وما اعد له من آلات الغذاء التي لا قوام له إلا بها على ترتيب ما قد حوج إليه من ذلك حتى يوجد في حال حاجته إلى الرضاع بلا أسنان تمنعه من غذائه وتحول بينه وبين مرضعته فإذا نقل من ذلك وحوج إلى غذاء لا ينتفع به ولا يصل منه إلى غرضه إلا بطحنها له جعل له منها بقدر ما به الحاجة في ذلك إليه والمعدة المعدة لطبخ ما يصل إليها من ذلك وتلطيفه حتى يصل إلى الشعر والظفر وغير ذلك من سائر الأعضاء في مجار لطاف قد هيئت لذلك بمقدار ما يقيمها والكبد المعدة لتسخينها بما يصل من حرارة القلب والرئة المهيأة لإخراج بخار الحرارة التي في القلب وإدخال ما يعتدل به من الهواء البارد باجتذاب المناخر وما فيها من الآلات المعدة لخروج ما يفضل من الغذاء عن وقت الحاجة في مجاري ينفذ ذلك منها وغيرذلك مما يطول شرحه مما لا يصح وقوعه بالاتفاق ولا يستغنى فيما هو عليه عن مقوم يرتبه إذ كان ذلك لا يصح أن يترتب وينقسم في سلالة الطين والماء المهين بغير صانع ولا مدبر عند كل عاقل متأمل كما لا يصح أن يترتب الدار على ما يحتاج إليه فيها من البنا بغير مدبر يقسم ذلك فيها ويقصد إلى ترتيبها ثم زادهم تعالى في ذلك بيانا بقوله إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب فدلهم تعالى بحركة الأفلاك على المقدار الذي بالخلق الحاجة إليه في مصالحهم التي لا يخفى مواقع انتفاعهم بها

قسم V01/P151–V01/P160

كالليل الذي جعل لسكونهم ولتبريد ما زاد عليهم من حر الشمس في زروعهم وثمارهم والنهار الذي جعل لانتشارهم وتصرفهم في معايشهم على القدر الذي يحتملونه في ذلك ولو كان دهرهم كله ليلا لأضر بهم ما فيه من الظلمة التي تقطعهم عن التصرف في مصالحهم وتحول بينهم وبين إدراك منافعهم وكذلك لو كان دهرهم كله نهارا لأضر بهم ذلك ودعاهم ما فيه من الضياء إلى التصرف في طلب المعاش مع حرصهم على ذلك إلى ما لا يطيقونه فأداهم قلة الراحة إلى عبطهم وجعل لهم من النهار قسطا لتصرفهم لا يجوز بهم قدر الطاقة فيه وجعل لهم من الليل قسطا لسكونهم لا يقصر عن قدر حاجتهم لتعتدل في ذلك أحوالهم وتكمل مصالحهم وجعل لهم من البرد والحر فيهما مقدار ما لهم ولثمارهم ولمواشيهم من الصلاح رفقا لهم وجعل لون ما يحيط بهم من السماء ملاوما لأبصارهم ولو كان لونها على خلاف ذلك من الألوان لأفسدها ودلهم على حدثها بما ذكرناه من حركاتها واختلاف هيئاتها كما ذكرنا آنفا ودلهم على حاجتها وحاجة الأرض وما فيها من الحكم على عظمتها وثقل أجرامها إلى إمساكه عز وجل لهما بقوله تعالى إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا فعرفنا تعالى أن وقوعهما لا يصح أن يكون من غيره وأن وقوفهما لا يجوز أن يكون بغير موقف لهما ثم نبهنا على فساد قول الفلاسفة بالطبائع وما يدعونه من فعل الأرض والماء والنار والهواء في والأشجار وما يخرج منها من سائر الثمار بقوله عز وجل ^ وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل ) ثم قال عز وجل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ثم نبه تعالى خلقه على أنه واحد باتساق أفعاله وترتيبها وأنه تعالى لا شريك له فيها بقوله لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ووجه الفساد بذلك لو كان إلهين ما اتسق أمرهما على نظام ولا يتم على إحكام وكان لا بد أن يلحقهما العجز أو يلحق أحدهما عند التمانع في الأفعال والقدرة على ذلك وذلك أن كل واحد منهما لا يخلو أن يكون قادرا على ما يقدر عليه الآخر على طريق البدل من فعل الآخر أو لا يكون كل واحد منهما قادرا على ذلك فإن كان كل واحد منهما قادرا على فعل ما يقدر عليه الآخر على طريق البدل من بدل الآخرة أو لا يكون كل واحد منهما قادرا على ذلك فإن كان كل واحد منهما قادرا على فعل ما يقدر عليه الآخر بدلا منه لم يصح أن يفعل كل واحد منهما ما يقدر عليه الآخر إلا بترك الآخر له وإذا كان كل واحد منهما لا يفعل إلا بترك الآخر له جاز أن يمنع كل واحد منهما صاحبه من ذلك ومن يجوز أن يمنع ولا يفعل إلا بترك غيره له فهو مدبر عاجز وإن كان كل واحد منهما لا يقدر على ما فعل مثل مقدور الآخر بدلا منه وجب عجزهما وحدوث قدرتهما والعاجز لا يكون إلها ولا ربا . . . . . ثم نبه المنكرين للإعادة مع إقرارهم بالإبتداء على جواز إعادته تعالى لهم حيث قال لهم لما استكبروها وقالوا ^ من يحيى العظام وهي رميم قل يحيها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ^ ثم أوضح لهم ذلك بقوله عز وجل الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون فدلهم بما يشاهدونه من جعله النار من العفار والمرخ وهما شجرتان خضراوان إذا حكت إحداهما الأخرى بتحريك الريح لهما اشتعل النار فيهما على جواز إعادته المياة في العظام النخرة والجلود المتمزقة

قسم V01/P160–V01/P169

ثم نبه عباد الأصنام لهم على فساد ما صاروا إلى عبادتها مع نحتها بقوله عز وجل أتعبدون ما تنحتون ثم قال ^ والله خلقكم وما تعلمون ^ فبين لهم فساد عبادتها ووجوب عبادته دونها بأنها إذا كانت لا تصير أصناما إلا بنحتكم لها فأنتم أيضا أولى أن تكونوا على ما أنتم عليه من الصور والهيئات التي لم تكن إلا بفعلي وإني مع خلقي لكم وما تنحتونه خالق لنحتكم إذ كنت أنا المقدر لكم عليه والممكن لكم منه ثم رد على المنكرين لرسله بقوله ^ وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس ^ وقال ^ رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) ثم احتج النبي صلى الله عليه وسلم على أهل الكتاب بما في كتبهم من ذكر صفته والدلالة على اسمه ونعته وتحدي النصارى لما كتموا ما في كتابهم من ذلك وجحدوه بالمباهلة عند أمر الله عز وجل له بذلك بقوله تعالى فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين وقال لليهود لما بهتوه ^ فتمونوا الموت إن كنتم صادقين ^ فلم يجسر أحد منهم على ذلك مع اجتماعهم على تكذيبه وتناهيهم في عداوته واجتهادهم في التنفير عنه لما أخبرهم بحلول الموت بهم إن أجابوه إلى ذلك فلولا معرفتهم بحاله في كتبهم وصدقه فيما يخبرهم لأقدموا على إجابته ولسارعوا إلى فعل ما يعلمون أن فيه توهين أمره ثم إن الله عز وجل بعد إقامة الحجج عليهم أزعج خواطر جماعتهم للنظر فيما دعاهم إليه ونبههم عليه بالآيات الباهرة والمعجزات القاهرة وأيده بالقرآن الذي تحدى به فصحاء قومه الذين بعث إليهم لما قالوا أنه مفتري أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات أو بسورة مثله وقد خاطبهم فيه بلغتهم فعجزوا عن ذلك مع إخباره له أنهم لا يأتون بمثله ولو تظاهر على ذلك الإنس والجن وقطع صلى الله عليه وسلم عذرهم به وعذر غيرهم كما قطع موسى عليه السلام عذر السحرة وغيرهم في زمانه بالعصى التي فضحت سحرهم وبان بما كان منها لهم ولغيرهم أن ذلك من فعل الله وأن هذا ليس يبلغه قدرهم ولا يطمع فيه خواطرهم وكما قطع عيسى عليه السلام عذر من كان في زمانه من الأطباء الذين قد برعوا في معرفة العقاقير وقواما في الحشائش وقدر ما ينتهي إليه علاجهم وتبلغه حيلهم بإحياء الموتى بغير علاج وإبراء الأكمة والأبرص وغير ذلك مما قهرهم به وأظهر لهم منه ما يعلمون بيسير الفكر أنه خارج عن قدرهم وما يصلون إليه بحيلهم وكذلك قد أزاح نبينا صلى الله عليه وسلم بالقرآن وما فيه من العجائب علل الفصحاء من أهله وقطع به عذرهم لمعرفتهم أنه خارج عما انتهت إليه فصاحتهم في لغاتهم ونظموه في شعرهم وبسطوه في خطبهم وأوضح لجميع من بعث إليه من الفرق الذي ذكرناها فساد ما كانوا عليه بحجج الله وبيانه ودل على صحة ما دعاهم إليه ببراهين الله وآياته حتى لم يبق لأحد منهم شبهة فيه ولا احتيج مع ما كان منه صلى الله عليه وسلم في ذلك إلى زيادة من غيره ولو لم يكن ذلك كذلك لم يكن صلى الله عليه وسلم حجة على جماعتهم ولا كانت طاعته لازمة لهم مع خصامهم وشدة عنادهم قد احتجوا عليه ذلك ودفعوه عما يوجب طاعتهم له وقرعوه بتقصيره عن إقامة الحجة عليهم فيما يدعوهم إليه مع طول تحديه لهم وكثرة تبكيتهم وطول مقامه فيهم ولكنهم لم يجدوا سبيلا مع حرصهم عليه وإذا كان هذا على ما ذكرناه علم صحة ما ذهبنا إليه في دعوته صلى الله عليه وسلم إلى التوحيد وإقامة الحجة على ذلك وإيضاحه الطرق إليها

قسم V01/P169–V01/P179

وقد أكد الله تعالى دلالة نبوته بما كان من خاص آياته صلى الله عليه وسلم التي نقض بها عاداتهم كإطعامه الجماعة الكثيرة في المجاعة الشديدة من الطعام اليسير وسقيهم الماء في العطش الشديد من الماء اليسير وهو ينبع من بين أصابعه حتى رووا ورويت مواشيهم وكلام الذئب وأخبار الذراع المشويه انها مسموة وانشقاق القمر ومجيء الشجرة إليه عند دعائها إليه ورجوعها إلى مكانها بأمره لها وإخباره لهم صلى الله عليه وسلم بما تجنه صدورهم وما يغيبون به عنه من أخبارهم ثم دعاهم صلى الله عليه وسلم إلى معرفة الله عز وجل وإلى طاعته فيما كلف تبليغه إليهم بقوله تعالى ^ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ) وعرفهم أمر الله تعالى بإبلاغه ذلك وما ضمنه له من عصمته منهم بقوله تعالى يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس فعصمه الله منهم مع كثرتهم وشدة بأسهم وما كانوا عليه من شدة عنادهم وعداوتهم له حتى بلغ رسالة ربه تعالى إليهم مع كثرتهم ووحدته وتبري أهله منه ومعاداة عشيرته وقصد جميع المخالفين له حين سفه آرائهم فيما كانوا عليه من تعظيم أصنامهم وعبادة النيران وتعظيم الكواكب وإنكار الربوبية وغير ذلك مما كانوا عليه حتى بلغ الرسالة وأدى الأمانة وأوضح الحجة في فساد جميع ما نهاهم عنه مما كانوا عليه ودلهم على صحة جميع ما دعاهم إلى اعتقاده وفعله بحجج الله وتبيانه لهم وأنه صلى الله عليه وسلم لم يؤخر عنهم بيان شيء مما دعاهم إليه عن وقت تكليفه لهم وإنما جوز فريق من أهل العلم تأخير البيان فيما أجمله الله من الأحكام قبل بروز فعله لهم فأما تأخير ذلك عن وقت فعله فغير جائز عند كافتهم ومعلوم عند سائر العقلاء أن ما دعا النبي صلى الله عليه وسلم إليه من واجهه من أمته من اعتقاد حدثهم ومعرفة المحدث لهم وتوحيده ومعرفة أسمائه الحسنى وما هو عليه من صفات نفسه وصفات فعله وتصديقه فيما بلغهم من رسالته مما لا يصح أن يؤخر عنهم البيان فيه لأنه صلى الله عليه وسلم لم يجعل لهم فيما كلفهم من ذلك من مهلة ولا أمرهم بفعله في الزمن المتراخي عنه وإنما أمرهم بفعل ذلك على الفور وإذا كان ذلك من قبل أنه لو أخر ذلك عنهم لكان قد كلفهم ما لا سبيل لهم إلى فعله وألزمهم ما لا طريق لهم إلى الطاعة فيه وهذا غير جائز عليه لما يقتضيه ذلك من بطلان أمره وسقوط طاعته وهذا المعنى لم تجد عن أحد من صحابته خلاف في شيء مما وقف عليه السلام جماعتهم عليه ولا شك في شيء منه ولا نقل عنهم كلام في شيء من ذلك ولا زيادة على ما نبههم عليه من الحجج بل نصوا جميعا رحمة الله عليهم على ذلك وهم متفقون لا يختلفون في حدثهم ولا في توحيد المحدث لهم وأسمائه وصفاته وتسليم جميع المقادير إليه والرضا فيها بأقسامه لما قد ثلجت به صدورهم وتبينوا وجوه الأدلة التي نبههم صلى الله عليه وسلم عليها عند دعائه لهم إليها وعرفوا بها صدقه في جميع ما أخبرهم به وإنما تكلفوا البحث والنظر فيما كلفوه من الاجتهاد في حوادث الأحكام عند نزولها بهم وحدوثها فيهم وردها إلى معاني الأصول التي وقفهم عليها ونبههم بالإشارة على ما فيها فكان منهم رحمة الله عليهم في ذلك ما نقل إلينا من طريق الاجتهاد التي اتفقوا عليها والطرق التي اختلفوا فيها ولم يقلد بعضهم بعضا فيما صاروا إليه من جميع ذلك لما كلفوه من الاجتهاد وأمروا به

قسم V01/P179–V01/P188

فأما ما دعاهم إليه صلى الله عليه وسلم من معرفة حدثهم والمعرفة بمحدثهم ومعرفة أسمائه الحسنى وصفاته العليا وعدله وحكمته فقد بين لهم وجوه الأدلة في جميعه حتى ثلجت صدورهم به وامتنعوا عن استئناف الأدله فيه وبلغوا جميع ما وقفوا عليه من ذلك واتفقوا عليه من بعدهم فكان عذرهم فيما دعوا إليه من ذلك مقطوعا بما نبههم النبي صلى الله عليه وسلم من الدلالة على ذلك وما شاهدوه من آيات الدلالة على صدقه وعذر سائر من تأخر عنه مقطوع بنقلهم ذلك إليهم ونقل أهل كل زمانه حجة على من بعدهم من غير أن يحتاج أرشدكم الله في المعرفة لسائر ما دعينا إلى اعتقاده إلى استئناف أدلة غير الأدلة التي نبه النبي صلى الله عليه وسلم عليها ودعا سائر أمته إلى تأملها إذ كان من المستحيل أن يأتي بعد ذلك أحد بأهدى مما أتى أو يصلوا من ذلك إلى ما بعد عنه صلى الله عليه وسلم وجميع ما اتفقوا عليه من الأصول مشهور في أهل النقل الذين عنوا بحفظ ذلك وانقطعوا إلى الاحتياط في طلب الطرق الصحيحة إليه من المحدثين والفقهاء يعلمه أكابرهم أصاغرهم ويدرسونه صبيانهم في كتاتيبهم ليقرو ذلك عندهم وشهرته فيهم واستغناؤهم في العلم بصحة جميع ذلك بالأدلة التي نبههم صاحب الشريعة عليها في وقت دعوته واعلموا أرشدكم الله إنما دل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم من المعجزات بعد تنبيهه لسائر المكلفين على حدثهم ووجود المحدث لهم قد أوجب صحة أخباره ودل على أنما أتى به من الكتاب والسنة من عند الله عز وجل وإذا أثبت بالآيات صدقة فقد علم صحة كل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم عنه وصارت أخباره صلى الله عليه وسلم أدلة على صحة سائر ما دعانا إليه من الأمور الغائبة عن حواسنا وصفات فعله وصار خبره عليه السلام عن ذلك سبيلا إلى إدراكه وطريقا إلى العلم بحقيقته وكان ما يستدل به من أخباره صلى الله عليه وسلم على ذلك أوضح دلالة من دلالة الأعراض التي اعتمد على الاستدلال بها الفلاسفة ومن اتبعها من القدرية وأهل البدع المنحرفين عن الرسل عليهم السلام من قبل أن الأعراض لا يصح الاستدلال بها إلا بعد رتب كثيرة يطول الخلاف فيها ويدق الكلام عليها فمنها ما يحتاج إليه في الاستدلال على وجودها والمعرفة بفساد شبه المنكرين لها والمعرفة بمخالفتها للجواهر في كونها لا تقوم بنفسها ولا يجوز ذلك على شيء منها والمعرفة بأنها لا تبقى والمعرفة بإختلاف أجناسها وأنه لا يصح انتقالها من محالها والمعرفة بأن ما لا ينفك منها فحكمه في الحدث حكمها ومعرفة ما يوجب ذلك من الأدلة وما يفسد به شبه المخالفين في جميع ذلك حتى يمكن الاستدلال بها على ما هي أدلة عليه عند مخالفينا الذين يعتمدون في الاستدلال على ما ذكرناه بها لأن العلم بذلك لا يصح عندهم إلا بعد المعرفة بسائر ما ذكرناه آنفا ، وفي كل مرتبة مما ذكرنا فرق تخالف فيها ويطول الكلام معهم عليها وليس يحتاج أرشدكم الله في الاستدلال بخبر الرسول صلى الله عليه وسلم على ما ذكرناه من المعرفة بالأمر الغائب عن حواسنا إلى مثل ذلك لأن آياته والأدلة الدالة على صدقه محسوسة مشاهدة قد أزعجت القلوب وبعثت الخواطر على النظر في صحة ما يدعو إليه وتأمل ما استشهد به على صدقه والمعرفة بأن آياته من قبل الله تدرك بيسير الفكر فيها وانها لا يصح أن تكون من البشر لوضوح الطرق إلى ذلك

قسم V01/P188–V01/P197

ولا سيما مع إزعاج الله تعالى قلوب سائر من أرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم على النظر في آياته بخرق عوائدهم له وحلول ما يعدهم من النقم عند إعراضهم عنه ومخالفتهم له على ما ذكرنا مما كان من ذلك عند عودة موسى وعيسى ومحمد عليهم السلام وإذا كان ذلك على ما وصفنا بان لكم أرشدكم الله أن طريق الاستدلال بأخبارهم عليهم السلام على سائر ما دعينا إلى معرفته مما لا يدرك بالحواس أوضح من الاستدلال بالأعراض إذ كانت أقرب إلى البيان على حكم ما شوهد من أدلتهم المحسوسة مما اعتمدت عليه الفلاسفة ومن اتبعهم من أهل الأهواء واغتروا بها لبعدها عن الشبه كما ذكرنا وقرب من أخلد ممن ذكرنا إلى الاستدلال به من الشبه ولذلك ما منع الله رسله من الاعتماد عليه لغموض ذلك على كثير ممن أمروا بدعائهم وكلفوا عليهم السلام إلزامهم فرضه فأخلد سلفنا رضي الله عنهم ومن اتبعهم من الخلف الصالح بعد ما عرفوه من صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما دعاهم إليه من العلم بحدثهم ووجود المحدث لهم بما نبههم عليه من الأدلة إلى التمسك بالكتاب والسنة وطلب الحق في سائر ما دعوا إلى معرفته منها والعدول عن كل ما خالفها لثبوت نبوته صلى الله عليه وسلم عندهم ونبههم بصدقه فيما أخبرهم به عن ربهم لما وثقته الدلالة لهم فيه وكفتهم العبرة بما ذكرناه له وأعرضوا عما صارت إليه الفلاسفة ومن اتبعهم من القدرية وغيرهم من أهل البدع من الاستدلال بذلك على ما كلفوا معرفته لاستغنائهم بالأدلة الواضحة في ذلك عنه وإنما صار من أثبت حدث العالم والمحدث له من الفلاسفة إلى الاستدلال بالأعراض والجواهر لدفعهم الرسل وإنكارهم لجواز مجيئهم وإذا كان العلم قد حصل لنا بجواز مجيئهم في العقول وغلط من دفع ذلك وبان صدقهم بالآيات التي ظهرت عليهم لم يسع لمن عرف من ذلك ما عرفه أن يعدل عن طرقهم إلى طرق من دفعهم وأحال مجيئهم . فلما كان هذا واجبا كما ذكرناه عند سلف الأمة والخلف رحمة الله عليهم كان اجتهاد الخلف في طلب أخبار النبي صلى الله عليه وسلم والاحتياط في عدالة الرواة لها واجبا عندهم ليكونوا فيما يعتقدونه من ذلك على يقين ولذلك كان أحدهم يرحل إلى البلاد البعيدة في طلب الكلمة تبلغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرصا عل معرفة الحق من وجهه وطلبا للأدلة الصحيحة فيه حتى تثلج صدورهم بما يعتقدونه وتسكن نفوسهم إلى ما يتدينون به ويفارقوا بذلك من ذمة الله في تقليده لمن يعظمه في سادته بغير دلالة تقتضي ذلك ولما كلفهم الله عز وجل ذلك وجعل أخبار نبيه صلى الله عليه وسلم طريقا إلى المعارف بما كلفهم إلى آخر الزمان حفظ أخباره صلى الله عليه وسلم في سائر الأزمنة ومنع من تطرق الشبه عليها حتى لا يروم أحد تغيير شيء منها أو تبديل معنى كلمة قالها إلا كشف الله عز وجل سره وأظهر في الأمة أمره حتى يرد ذلك عليه العربي والعجمي ومن قد أهل لحفظ ذلك من حملة علمه صلى الله عليه وسلم والمبلغين عنه كما حفظ كتابه حتى لا ينطق أحد من أهل الزيغ على تحريك حرف ساكن أو تسكين حرف متحرك إلا تبادر القراء في رد ذلك عليه مع اختلاف لغاتهم وتباين أوطانهم لما أراده الله عز وجل من صحة الأداء عنه ووقوع التبليغ لما أتى به نبينا صلى الله عليه وسلم إلى من يأتي في آخر الزمان لانقطاع الرسل بعده واستحالة خلوهم من حجة الله عليهم حتى قد ظهرذلك بينهم وأيست من نيله خواطر المنحرفين عنه

قسم V01/P197–V01/P208

وجعل الله ما حفظه من ذلك وجمع القلوب عليه حجة على من تعبد بعده صلى الله عليه وسلم بشريعته ودلالة لمن دعا إلى قبول ذلك ممن لم يشاهد الأخبار وأكمل الله عز وجل لجميعهم طرق الدين وأغناهم عن التطلع إلى غيرها من البراهين ودل على ذلك بقوله عز وجل اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا وليس يجوز أن يخبر الله عز وجل عن إكماله الدين مع الحاجة إلى غير ما أكمل لهم الدين به وبين النبي صلى الله عليه وسلم معنى ذلك في حجة الوداع لمن كان بحضرته من الجم الغفير من أمته عنداقتراب أجله ومفارقته لهم صلى الله عليه وسلم بقوله ( ( اللهم هل بلغت . . . ) ) فلو كنا نحتاج مع ما كان منه صلى الله عليه وسلم في معرفة ما دعانا إليه إلى ما رتبه أهل البدع من طرق الاستدلال لما كان مبلغا إذ كنا نحتاج في المعرفة بصحة ما دعانا إليه إلى علم ما لم يبينه لنا من هذه الطرق التي ذكروها ولو كان هذا كما قالوا لكان فيما دعا إليه وقوله بمنزلة اللغو ولو كان ذلك كذلك لعارضه المنافقون وسائر المرصدين لعداوته في ذلك ولم يمنعهم منه مانع كما لم يمنعهم من تعنيته في طلب الآيات ومجادلته في سائر الأوقات ولكنهم لم يجدوا سبيلا إلى الطعن لأنه صلى الله عليه وسلم لم يدع شيئا مما تهم الحاجة إليه في معرفة سائر ما دعاهم إلى اعتقاده أو مثل فعله إلا وقد بينه لهم ويزيد هذا وضوحا قوله صلى الله عليه وسلم ( ( إني قد تركتكم على مثل الواضحة ليلها كنهارها ) ) وإذا كان هذا على ما رضينا علم أنه لم يبق بعد ذلك عتب لزائغ ولا طعن لمبتدع إذ كان صلى الله عليه وسلم قد أقام الدين بعد أن أرسى أوتاده وأحكم أطنابه ولم يدع صلى الله عليه وسلم لسائر من دعاه إلى توحيد الله حاجة إلى غيره ولا لزائغ طعنا عليه ثم مضى صلى الله عليه وسلم محمودا بعد إقامته الحجة وتبليغ الرسالة وأداء الأمانة والنصيحة لسائر الأمة حتى لم يحوج أحدا من أمته البحث عن شيء قد أغفله هو مما ذكره لهم أو معنى أسره إلى أحد من أمته بل قد قال صلى الله عليه وسلم في المقام الذي لم ينكتم قوله فيه لاستحالة كتمانه على من حضره أوطى شيء منه على من شهده ( ( إني خلفت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وسنتي ) ) ولعمري إن فيهما الشفاء من كل أمر مشكل والبرء من كل داء معضل وإن في حراستهما من الباطل على ما تقدم ذكرنا له آية لمن نصح نفسه ودلالة لمن كان الحق قصده وفيما ذكرنا دلالة على صحة ما استندوا إلى الاستدلال وقوة لما عرفوا الحق منه فإذا كان ذلك على ما وصفنا فقد علمتم بهت أهل البدع لهم في نسبتهم لهم إلى التقليد وسوء اختيارهم في المفارقة لهم والعدول عما كانوا عليه معهم وبالله التوفيق وإذ قد بان بما ذكرناه استقامة طرق استدلالهم وصحة معارفهم فلنذكر الآن ما أجمعوا عليه من الأصول & باب ذكر ما أجمع عليه السلف من الأصول & التي نبهوا بالأدلة عليها وأمروا في وقت النبي صلى الله عليه وسلم بها . . . . . . . . . . الإجماع الأول واعلموا أرشدكم الله أن مما أجمعوا رحمة الله عليهم على اعتقاده مما دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إليه ونبههم بما ذكرناه على صحته أن العالم بما فيه من أجسامه وأعراضه محدث لم يكن ثم كان وأن لجميعه محدثا واحدا إخترع أجناسه وأحدث جواهره وأعراضه وخالف بين أجناسه

قسم V01/P208–V01/P215

وأنه عز وجل لم يزل قبل أن يخلقه واحدا عالما قادرا مريدا متكلما سميعا بصيرا له الأسماء الحسنى والصفات العلا وانهم عرفوا ذلك بما نبههم الله عز وجل عليه وبين لهم صلى الله عليه وسلم وجه الدلالة فيه على ما تقدم شرحنا له قبل هذا الموضع الإجماع الثاني وأجمعوا على انه عز وجل غير مشبه لشيء من العالم وقد نبه الله عز وجل على ذلك بقوله ^ ليس كمثله شيء ^ . . . . . ويقول عز وجل ولم يكن له كفوا أحد وإنما كان ذلك كذلك لأنه تعالى لو كان شبيها لشيء من خلقه لاقتضى من الحدث والحاجة إلى محدث له ما اقتضاه ذلك الذي أشبهه أو اقتضى ذلك قدم ما أشبهه من خلقه وقد قامت الأدلة على حدث جميع الخلق واستحالة قدمه على ما بيناه آنفا وليس كونه عز وجل غير مشبه للخلق ينفي وجوده لأن طريق إثباته كونه تعالى على ما اقتضته العقول من دلالة أفعاله عليه دون مشاهدته الإجماع الثالث وأجمعوا أنه تعالى لم يزل موجودا حيا قادرا عالما مريدا متكلما سميعا بصيرا على ما وصف به نفسه وتسمى به في كتابه وأخبرهم به رسوله ودلت عليه أفعاله وأن وصفه بذلك لا يوجب شبهه لمن وصف من خلقه بذلك من قبل الشيئين لا يشبهان بغيرهما ولا باتفاق أسمائهما وإنما يشبهان بأنفسهما فلما كانت نفس الباري تعالى غير مشبهه لشيء من العالم بما ذكرناه آنفا لم يكن وصفه بأنه حي وقادر وعالم يوجب تشبهه لمن وصفناه بذلك منا وإنما يوجب اتفاقهما في ذلك اتفاقا في حقيقة الحي والقادر والعالم وليس اتفاقهما في حقيقة ذلك يوجب تشابها بينهما ألا ترى أن وصف الباري عز وجل بأنه موجود ووصف الإنسان بذلك لا يوجب تشابها بينهما وإن كانا قد اتفقا في حقيقة الموجود ولو وجب تشابههما بذلك لوجب تشابه السواد والبياض بكونهما موجودين فلما لم يجب بذلك بينهما تشابه وإن كانا قد اتفقا في حقيقة الموجود لم يجب أن يوصف الباري عز وجل بأنه حي عالم قادر ووصف الإنسان بذلك تشابههما وإن اتفقا في حقيقة ذلك وإن كان الله عز وجل لم يزل مستحقا لذلك والإنسان مستحقا لذلك عند خلق الله ذلك له وخلق هذه الصفات فيه الإجماع الرابع وأجمعوا على إثبات حياة الله عز وجل لم يزل بها حيا وعلما لم يزل به عالما وقدرة لم يزل بها قادرا وكلاما لم يزل به متكلما وإرادة لم يزل بها مريدا وسمعا وبصرا لم يزل به سميعا بصيرا وعلى أن شيئا من هذه الصفات لا يصح أن يكون محدثا إذ لو كان شيئا منها محدثا لكان تعالى قبل حدثها موصوفا بضدها ولو كان ذلك لخرج عن الإلهية وصار إلى حكم المحدثين الذين يلحقهم النقص ويختلف عليهم صفات الذم والمدح وهذا يستحيل على الله عز وجل وإذا استحال ذلك عليه وجب أن يكون لم يزل بصفة الكمال إذ كان لا يجوز عليه الانتقال من حال إلى حال الإجماع الخامس

قسم V01/P215–V01/P222

وأجمعوا على أن صفته عز وجل لا تشبه صفات المحدثين كما أن نفسه لا تشبه أنفس المخلوقين واستدلوا على ذلك بأنه لو لم يكن له عز وجل هذه الصفات لم يكن موصوفا بشيء منها في الحقيقة من قبل أن من ليس له حياة لا يكون حيا ومن لم يكن له علم لا يكون عالما في الحقيقة ومن لم يكن له قدرة فليس بقادر في الحقيقة وكذلك الحال في سائر الصفات ألا ترى من لم يكن له فعل لم يكن فاعلا في الحقيقة ومن لم يكن له إحسان لم يكن محسنا ومن لم يكن له كلام لم يكن متكلما في الحقيقة ومن لم يكن له إرادة لم يكن في الحقيقة مريدا وان من وصف بشيء من ذلك مع عدم الصفات التي توجب هذه الأوصاف لهل ا يكون مستحقا لذلك في الحقيقة وإنما يكون وصفه مجازا أو كذبا ألا ترى أن وصف الله عز وجل للجدار بأنه يريد أن ينقض لما لم يكن له إرادة في الحقيقة كان مجازا وذلك أن هذه الأوصاف مشتقة من أخص أسماء هذه الصفات ودالة عليها فمتى لم توجد هذه الصفات التي وصف بها كان وصفه بذلك تلقيبا أو كذبا فإذا كان الله عز وجل موصوفا بجميع هذه الأوصاف في صفة الحقيقة وجب إثبات الصفات التي اوجبت هذه الأوصاف له في الحقيقة وإلا كان وصفه بذلك مجازا كما وصف الجدار بأنه يريد لما لم يكن له إرادة مجازا وتبيين هذا أن وصف الإنسان بأنه مريد وسارق وظالم مشتق من الإرادة والسرقة والظلم وكذلك وصفه بأنه أسود مشتق من السواد فإذا وصف بذلك من ليس له هذه الصفات في الحقيقة كان وصفه بذلك تلقبيا ألا ترى أن من سمت العرب من أولادها بذلك لم يستحق الذم لأن تسميته بذلك لا يقتضي إثبات هذه الصفات وإنما وضعوا ذلك لهم تلقيبا كما يلقبونهم بزيد وعمرو وعلى مثل هذا جاء السمع في تسمية الجدار بأنه يريد لمالم يكن له إردة وإذا كان وصف الباري عز وجل بسائر ماذكرناه من كونه عز وجل حيا وقادرا وعالما ومتكلما ومريدا وسميعا وبصيرا في الحقيقة دون المجاز والتلقيب وجب إثبات هذه الصفات التي اشتق له عز وجل الأوصاف من أخص أسمائها وقد أوضح ذلك بقوله عز وجل ذو القوة المتين وقال أنزله بعلمه وقال ^ ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ) ولا يجب إذا أثبتنا ولا يجب إذا اثبتنا هذه الصفات له عز وجل على ما دلت العقول واللغة والقرآن والإجماع عليها أن تكون محدثة لأنه تعالى لم يزل موصوفا بها ولا يجب أن تكون أعراضا لأنه عز وجل ليس بجسم وإنما توجد الأعراض في الأجسام ويدل بأعراضها فيها وتعاقبها عليها على حدثها ولا يجب ان تكون غيره عز وجل لأن غير الشيء هو ما يجوز مفارقة صفاته له من قبل أن في مفارقتها له مايوجب حدثه وخروجه عن الألوهية وهذا يستحيل عليه كما لا يجب أن تكون نفس الباري عز وجل جسما أو جوهرا أو محدودا أو في مكان دون مكان أو في غير ذلك مما لا يجوز عليه من صفاتنا لمفارقته لنا فلذلك لا يجوز على صفاته ما يجوز على صفاتنا ولا يجب إذا لم تكن هذه الصفات غيره أن تكون نفسه لاستحالة كونه حياة أو علما أو قدرة لأن من كان كذلك لم يتأت منه الفعل وذلك أن الفعل يتأتى من الحي القادر العالم دون الحياة والعلم والقدرة . . . . . الإجماع السادس وأجمعوا على أن أمره عز وجل وقوله غير محدث ولا مخلوق وقد دل الله تعالى على صحة ذلك بقوله ألا له الخلق والأمر ففرق تعالى بين خلقه وأمره . . . . . وقال إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فبين بذلك تعالى أن الأشياء المخلوقة تكون شيئا بعد أن لم تكن بقوله وإرادته )

قسم V01/P222–V01/P238

وأن قوله غير الأشياء المخلوقة من قبل أن أمره تعالى للأشياء وقوله لها كوني لو كان مخلوقا لوجب أن يكون قد خلقه بأمر آخر وذلك القول لو كان مخلوقا لكان مخلوقا بقول آخر وهذا يوجب على قائله أحد شيئين إما أن يكون كل قول محدث قد تقدمه قول محدث إلى ما لا نهاية له وهذا قول أهل الدهر بعينه أو يكون ذلك القول حادثا بغير أمره عز وجل له فبطل معنى الامتداح بذلك وقد نص على هذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بحضرة أوليائه من الصحابة وأعدائه من الخوارج لما أنكروا عليه التحكيم فقال والله ما حكمت مخلوقا وإنما حكمت كلام الله فلم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة الذين يوالونه ولا أحد من الخوارج الذين يعادونه ولا روي عن أحد منهم خلاف له في ذلك الإجماع السابع وأجمعوا على أنه عز وجل يسمع ويرى وأن له تعالى يدين مبسوطتين وأن الأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه من غير أن يكون جوارحا وأن يديه تعالى غير نعمته وقد دل على ذلك تشريه لآدم عليه السلام حيث خلقه بيده وتقريعه لإبليس على الاستكبار عن السجود مع ما شرفه به بقوله ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي الإجماع الثامن وأجمعوا على أنه عز وجل يجيء يوم القيامة والملك صفا صفا لعرض الأمم وحسابها وعقابها وثوابها فيغفر لمن يشاء من المذنبين ويعذب منهم من يشاء كما قال وليس مجيئه حركة ولا زوالا وإنما يكون المجيء حركة وزوالا إذا كان الجائي جسما أو جوهرا فإذا ثبت أنه عز وجل ليس بجسم ولا جوهر لم يجب أن يكون مجيئه نقلة أو حركة ألا ترى أنهم لا يريدون بقولهم جاءت زيدا الحمى أنها تنقلت إليه أو تحركت من مكان كانت فيه إذ لم تكن جسما ولا جوهرا وإنما مجيئها إليه وجودها به وأنه عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا كما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وليس نزوله نقلة لأنه ليس بجسم ولا جوهر وقد نزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم عند من خالفنا . . . . . الإجماع التاسع وأجمعوا على أنه عز وجل يرضى عن الطائعين له وأن رضاه عنهم إرادته لنعيمهم وأنه يحب التوابين ويسخط على الكافرين ويغضب عليهم وأن غضبه إرادته لعذابهم وأنه لا يقوم لغضبه شيء وأنه تعالى فوق سمواته على عرشه دون أرضه وقد دل على ذلك بقوله أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض وقال إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه وقال الرحمن على العرش استوى وليس استواؤه على العرش استيلاء كما قال أهل القدر لأنه عز وجل لم يزل مستوليا على كل شيء وأنه يعلم السر وأخفى من السر ولا يغيب عنه شيء في السموات والأرض حتى كأنه حاضر مع كل شيء وقد دل الله عز وجل على ذلك بقوله ^ وهو معكم أينما كنتم ^ وفسر ذلك أهل العلم بالتاويل أن علمه محيط بهم حيث كانوا وأنه عز وجل كرسيا دون العرش وقد دل الله سبحانه على ذلك بقوله وسع كرسيه السماوات والأرض وقد جاءت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى يضع كرسيه يوم القيامة لفصل القضاء بين خلقه الإجماع العاشر وأجمعوا على وصف الله تعالى بجميع ما وصف به نفسه ووصفه به نبيه من غير اعتراض فيه ولا تكيف له وأن الإيمان به واجب وترك التكييف له لازم الإجماع الحادي عشر وأجمعوا على أن المؤمنين يرون الله عز وجل يوم القيامة بأعين وجوههم على ما أخبر به تعالى في قوله تعالى وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة وقد بين معنى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ودفع كل أشكال فيه بقوله للمؤمنين ^ ترون ربكم عيانا ^ وقوله ^ ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمرلا تضامون في رؤيته ^ فبين أن رؤيته تعالى بأعين الوجوه

قسم V01/P238–V01/P251

ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل مثل القمرمن قبل أن النبي صلى الله عليه وسلم شبه الرؤية بالرؤية ولم يشبه الله تعالى بالقمر وليس يجب إذا رأيناه تعالى أن يكون شبيها لشيء مما نراه كما لا يجب إذا علمناه انه يشبه شيئا نعلمه ولو كان يجب إذا رأيناه عز وجل أن يكون مثل المرئيين هنا لوجب إذا كان الله رائيا لنا وعالما بنا أن يكون مثل الرائين العالمين منا الإجماع الثاني عشر وأجمعوا على أنه عز وجل غير محتاج إلى شيء مما خلق وأنه تعالى يضل من يشاء ويهدى من يشاء ويعذب من يشاء وينعم على من يشاء ويعز من يشاء ويغفر لمن يشاء ويغني من يشاء وأنه لا يسأل في شيء من ذلك عما يفعل ولا لأفعاله علل لأنه مالك غير مملوك ولا مأمور ولا منهي وأنه يفعل ما يشاء ويفضل على من يشاء كما قال ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وقال ^ عذابي أصيب من أشاء ^ وبين تعالى أنه ليس يجري في أفعاله مجرى خلقه بقوله عز وجل لا يسأل عما يفعل وهم يسألون وقال تعالى ^ فعال لما يريد ^ الإجماع الثالث عشر وأجمعوا على أن القبيح من أفعال خلقه ما نهاهم عنه وزجرهم عن فعله وأن الحسن ما أمرهم به أو ندبهم إلى فعله أو أباحه لهم وقد دل عز وجل على ذلك بقوله وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا الإجماع الرابع عشر وأجمعوا على أن على جميع الخلق الرضا بأحكام الله التي أمرهم أن يرضوا بها والتسليم في جميع ذلك لأمره والصبر على قضائه والانتهاء إلى طاعته فيما دعاهم إلى فعله أو تركه الإجماع الخامس عشر وأجمعوا على أنه عادل في جميع أفعاله وأحكامه ساءنا ذلك أم سرنا نفعنا أو ضرنا . . . . . الإجماع السادس عشر وأجمعوا على انه تعالى قد قدر جميع أفعال الخلق وآجالهم وأرزاقهم قبل خلقه لهم وأثبت في اللوح المحفوظ جميع ما هو كائن منهم إلى يوم يبعثون وقد دل على ذلك بقوله ^ وكل شيء فعلوه في الزبر وكل صغير وكبير مستطر ^ وأخبر أنه عز وجل يقرع الجاحدين لذلك في جهنم بقوله ^ يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر ^ الإجماع السابع عشر وأجمعوا على أنه تعالى قسم خلقه فرقتين فرقة خلقهم للجنة وكتبهم بأسمائهم وأسماء آبائهم وفرقة خلقهم للسعير ذكرهم بأسمائهم وأسماء آبائهم ممتثلين في ذلك لقوله عز وجل ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ولقوله تعالى إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون وقد بين ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث القبضتين وحديث الصادق المصدوق عن عبد الله بن مسعود وما قاله النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضوان الله عليه حين قال يا رسول الله ( ( أرأيت ما نحن فيه أمر قد فرغ منه أم مستأنف فقال صلى الله عليه وسلم بل أمر قد فرغ منه قال عمر ففيم العمل يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ( اعملوا فكل ميسر لما خلق له ) ) وغير ذلك مما جاء في الكتاب والسنة الإجماع الثامن عشر

قسم V01/P251–V01/P260

وأجمعوا على ان الخلق لا يقدرون على الخروج مما سبق في علم الله فيهم وإرادته لهم وعلى أن طاعته تعالى واجبة عليهم فيما أمرهم وان كان السابق من علمه فيهم وإرادته لهم انهم لا يطيعونه وإن ترك معصيته لازم لجميعهم وإن كان السابق في علمه وإرادته انهم يعصونه لازم وانه تعالى يطالبهم بالأمر والنهي ويحمدهم على الطاعة فيما أمروا به ويذمهم على المعصية فيما نهوا عنه وأن جميع ذلك عدل منه تعالى عليهم كما أنه تعالى عادل على من خلقه منهم مع علمه أنه يكفر إذا أمره وأعطاه القدرة التي يعلم أنها تصيره إلى معصيته وأنه عدل في تبقيته المؤمنين إلى الوقت الذي يعلم أنهم يكفرون فيه ويرتدون عما كانوا عليه من إيمانهم وتعذيبه لهم على الجرم المنقطع بالعذاب الدائم لأنه عز وجل ملك لجميع ذلك فيهم غير محتاج في فعله إلى تمليك غيره له ذلك حتى يكون جائرا فيه قبل تملكه بل هو تعالى في فعل جميع ذلك عادل له وله مالك يفعل ما يشاء كما قال عز وجل ^ فعال لما يرد ^ الإجماع التاسع عشر وأجمعوا على أنه خالق لجميع الحوادث وحده لا خالق لشيء منها سواه وقد زجر الله عز وجل من ظن ذلك بقوله هل من خالق غير الله كما زجر من ادعى إلها غيره بقوله تعالى من إله غير الله وإنما سمي غيره خالقا في قوله الله أحسن الخالقين وإن كان خالقا وحده على طريق الاتساع كما يقال عدل العمرين على طريق الاتساع وإن كان عمر واحدا وكما يسمى غيره إلها في قوله ^ وانظر إلى إلاهك الذي ظلت عليه عاكفا ^ في المجاز الإجماع العشرون وأجمعوا على ان جنس استطاعه الإيمان غير جنس استطاعته الكفر من قبل أن جنس استطاعه الإيمان هدى وتوفيق يرغب إلى الله عز وجل في فعلها ويشكرعلى التفضل بها واستطاعه الكفر ضلال وخذلان يستعاذ بالله منها ويسأل العصمة بالهدى وقوة الإيمان بدلها وأن قدر المحدثين تختلف وتتجانس وتتضاد كما يختلف علمهم ويتجانس ويتضاد الإجماع الحادي والعشرون وأجمعوا على أن الإنسان غير غني عن ربه عز وجل في سائر أوقاته وعلى الرغبة إليه في المعونة على سائر ما امر به ممتثلين لما أمرهم به في قوله عز وجل إياك نعبد وإياك نستعين فلم يفرق بين العبادة وبين الاستعانة الإجماع الثاني والعشرون وأجمعوا على أن الإنسان لا يستطيع أن يفعل ما علم الله عز وجل أنه لا يفعله وقد نص على ذلك تعالى فيما حكاه عن الخضر في قوله لموسى عليهما السلام لما لم يصبر معه قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا ولم ينكر موسى قوله ولا رد عليه ماذكره . . . . . الإجماع الثالث والعشرون واجمعوا على ان الله عز وجل قدكلف الكفار الإيمان والتصديق بنبيه صلى الله عليه وسلم وإن كانوا غير عاملين بذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أوضح لهم الدلالة ولزمهم حكم الدعوة وإنما وجب عليهم من إيجاب الله عز وجل له وطريق معرفتهم بذلك العقول التي جعلت آلة تمييزهم وانهم أثموا في الجهل في ذلك من قبل إعراضهم عن تأمل ما دعوا إلى تأومله من الأدلة التي جعل لهم بها السبيل إلى معرفة وجوب ما دعوا إليه من النظر في آياته التي أزعج بخرق العادات فيها قلوبهم وحرك بها دواعي نظرهم الإجماع الرابع والعشرون وأجمعوا على أنهم يستحقون الذم بأعراضهم وتشاغلهم بما نهوا عنه عن التشاغل به الإجماع الخامس والعشرون

قسم V01/P260–V01/P265

وأجمعوا أيضا على أن الكافرين غير قادرين على العلم بما دعوا إليه مع تشاغلهم بالأعراض عنه وإيثارهم للجهل عليه مع كونهم غير عاجزين عن ذلك ولا ممنوعين منه لصحة أبدانهم وقدرتهم على ما تشاغلوا به من الإعراض عنه ، وآثروه من الجهل عليه وإنما أتوا في ذلك من جهة إعراضهم عنه وسوء الاختيار في التشاغل بتركه ولو كرهوا ما هم عليه من الإعراض عن تأمل أدلة الله التي نبههم نبيه صلى الله عليه وسلم عليها ودعاهم إلى تأملها لتأتي لهم ذلك وحصل لهم العلم به والقدرة عليه الإجماع السادس والعشرون وأجمعوا على أن الإنسان لا يقدربقدرة واحدة على مقدورين كما أنه لا يعلم بعلم واحد يكتسبه شيئا من تصرفه إلا بقدرة تخصه في حال وجوده لأن التصرف لا يصح وجوده إلا بها فلو وجد تصرفه مع عدم القدرة عليه لاستغنى في وجوده عنها كما أنها لو وجدت الحركة مع عدم محلها لاستغنت في الوجود عنه ولم يحتج إليه . . . . . الإجماع السابع والعشرون وأجمعوا على أنه لا يصح تكليف الإنسان الطاعة ونهيه عن المعصية إلا مع صحة بدنه وسلامة آلات فعله وإن كان لكل فعل يكتسبه قوة تخصه غير القوة عليه على تركه وغير الفعل المقدور بها وغير صحة بدنه كما أنه لا يصح أن يكلف فعلا إلا مع صحة عقله وآلات تمييزه وإن كان يحتاج في المعرفة لكل ما دعي إلى معرفته إلى علم يخصه ويصح معه فعله وليس يجب إذا كلفوا معرفة ما لا يعلمونه في حال التكليف لإعراضهم عنه أن يكلفوا الفعل مع عدم جميع علومهم إذ كان عدم جميع علومهم يخرجهم عن صحة عقولهم ويصيرهم إلى الجنون الذي لا يصح تكلف الاستدلال معه وكذلك الحكم في تكليفهم الإيمان الذي علم الله أنهم لا يفعلونه وسبق في الكتاب أنهم لا يكتسبونه وهم غير قادرين عليه ولا عن الخروج من علم الله فيه وحيزه عنهم به لا يخل بتكليفهم فعله من قبل ان أبدانهم صحيحة وآلات فعل ما كلفوه موجودة وقد مكنوا في فعله فهم غير عاجزين عنه ولا ممنوعين منه وإنما أتوا في ذلك بإعراضهم عما أمروا به وتشاغلهم بالكفر الذي قد آثروه عليه وشغلوا قدرهم بكسبه ولو كرهوا الكفر وما هم عليه من الإيثار له وأرادوا الإيمان لقدروا عليه ولا يجب إذا كلفوا ما هم غير قادرين على ما كلفوه من الإيمان لتشاغلهم عنه بالكفر الذي نهوا عنه أن يكلفوا الأفعال مع عدم جميع القدر من قبل أن خروجهم عن جميع القدر يصيرهم إلى العجز وفساد الأبدان والآلات التي لا يصح منهم الفعل مع عدمها كما لا يصح تكليفهم الاستدلال مع عدم جميع العلوم من قبل أن عدم جميع العلوم يصيرهم إلى فساد آلات الاستدلال التي لا يتأتى لهم الاستدلال مع فسادها وإنما يصح تكليفهم الأفعال مع صحة عقولهم وأبدانهم التي يتأتى لهم الأفعال معها وكونهم غير قادرين على ما تركوا من الأفعال وتشاغلوا عنه لا يخرجهم عن صحة أبدانهم ، ولا يصيرهم إلى العجز الذي لا يصح معه فعلهم ، كما أن قولهم غير عالمين إلى ما دعوا إلى معرفته وتشاغلهم بالإعراض عن الاستدلال عليه لا يخرجهم عن صحة عقولهم ولا يصيرهم إلى الجنون الذي لا يصح معه تكليفهم الإجماع الثامن والعشرون وأجمعوا على أن جميع ما عليه سائر الخلق من تصرفهم قد قدره الله عز وجل قبل خلقه لهم وأحصاه في اللوح المحفوظ لهم وأحاط علمه به وبهم وأخبر بما يكون منهم وأن أحدا لا يقدر على تغيير شيء من ذلك ولا الخروج عما قدره الله تعالى وسبق علمه به وبما يتصرفون في علمه وينتهون إلى مقاديره فمنهم شقي وسعيد الإجماع التاسع والعشرون

قسم V01/P265–V01/P271

وأجمعوا على أنه تعالى تفضل على بعض خلقه بالتوفيق والهدى وحبب إليهم الإيمان وشرح صدورهم وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان وجعلهم راشدين كما قال عز وجل فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام وقال ^ حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ) فعدد بذلك نعمته عليهم . الإجماع الثلاثون وأجمعوا على أن ما يقدرعليه من الألطاف التي لو فعلها لآمن جميع الخلق غير متناهية وأن فعل ذلك غير واجب عليه بل هو تعالى متفضل بما يفعله منها وأنه تعالى لم يتفضل على بعض خلقه بذلك بل أضلهم كما قال ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا وقد قال موسى عليه السلام لما جيء بالعجل الذي عمله السامري لبني إسرائيل وكان خواره فعل الباري تعالى عنده إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء ولم ينكر الله ذلك عليه ولو كان وصفه بذلك جورا كما يقول القدرية لما ترك إنكار ذلك عليه وزجره عنه وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم اعملوا فكل ميسر لما خلق له الإجماع الحادي والثلاثون وأجمعوا على أن الله تعالى كان قادرا على أن يخلق جميع الخلق في الجنة متفضلا عليهم بذلك لأنه تعالى غير محتاج إلى عبادتهم له وأنه قادر أن يخلقهم كلهم في النار ويكون بذلك عادلا عليهم لأن الخلق خلقه والأمر أمره لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ولأنه عز وجل فعل من ذلك ما أراد لا معقب لحكمه وهو السميع البصير الإجماع الثاني والثلاثون وأجمعوا على أنه تعالى لا يجب عليه أن يساوي بين خلقه في النعم وأن له أن يختص من يشاء منهم بما شاء من نعمة وقد دل على صحة قولنا بقوله تعالى ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وأخبرنا تعالى عما أراده في تفضل بعض خلقه المكلفين فقال أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم وقال في فريق آخر وهم أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا وإنما اختلف الفريقان لاختلاف ما أراده الله عز وجل لهم الإجماع الثالث والثلاثون وأجمعوا على أنه ليس لأحد من الخلق الاعتراض على الله تعالى في شيء من تدبيره ولا إنكار لشيء من أفعاله إذ كان مالك لما يشاء منها غير مملوك وأنه تعالى حكيم قبل أن ( يفعل ) سائر الأفعال وأن جميع ما يفعله لا يخرجه عن الحكمة وأن من يعترض عليه في أفعاله متبع لرأي الشيطان في ذلك حين امتنع من السجود لآدم عليه السلام وزعم أن ذلك فساد في التدبير وخروج من الحكمة حين قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين الإجماع الرابع والثلاثون وأجمعوا على أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا جميع الخلق إلى معرفة الله وإلى نبوته ونهاهم عن الجهل بالله عز وجل وعن تكذيبه وأنه صلى الله عليه وسلم بين لهم جميع ما دعاهم إليه من الإسلام والإيمان وما رغبهم فيه من منازل الإحسان وأوضح لهم الأدلة عليه وبين لهم الطريق إليه وأن جبريل عليه السلام جاءه في صورة أعرابي بحضرة أصحابه فقال له ما الإسلام فقال صلى الله عليه وسلم أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت في الحديث الطويل فقال صدقت قال فما الإيمان قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره وغير ذلك فقال صدقت قال فما الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإنك إن لم تكن تراه فإنه يراك ثم انصرف ونحن نتعجب من تصديقه النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد أمره لهم بطلبه فلم يجدوه بعد انصرافه هذا جبريل جاءكم يعلمكم أمر دينكم ولذلك قد بين لهم قبل ذلك طرق المعارف بحدثهم ودلهم على وجود المحدث لهم ودلهم على صدقه فيما أنبأهم به عن ربه تعالى على ما قد سلف شرحنا له الإجماع الخامس والثلاثون

قسم V01/P271–V01/P291

وأجمعوا على أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وليس نقصانه عندنا شك فيما أمرنا بالتصديق به ولا جهل به لأن ذلك كفر وإنما هو نقصان في مرتبة العلم وزيادة البيان كما يختلف وزن طاعتنا وطاعة النبي صلى الله عليه وسلم وإن كنا جميعا مؤديين للواجب علينا . . . . . الإجماع السادس والثلاثون وأجمعوا على أن المؤمن بالله تعالى وسائر ما دعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان به لا يخرجه عنه شيء من المعاصي ولا يحبط إيمانه إلا الكفر وأن العصاة من أهل القبلة مأمورين بسائر الشرائع غير خارجين عن الإيمان بمعاصيهم وقد سمى الله عصاة أهل القبلة مؤمنين بقوله يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم الآية فلو كانوا خرجوا من الإيمان بمعاصيهم كما قالت القدرية لما تعلق عليهم فرض الطهارة وكان خطاب الله تعالى منصرفا إلى المؤمنين دونهم وكذلك قال ^ يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ) ولم يخص بالحض على ذلك الطائعين دون العاصين الإجماع السابع والثلاثون وأجمعوا على أنه لا يقطع على أحد من عصاة أهل القبلة في غير البدع بالنار ولا على أحد من أهل الطاعة بالجنة إلا من قطع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وقد دل الله عز وجل على ذلك بقوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ولا سبيل لأحد إلى معرفة مشيئته تعالى إلا بخبر وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ( لا تنزلوا أحدا من أهل القبلة جنة ولا نارا ) ) الإجماع الثامن والثلاثون وأجمعوا على أن العباد حفظة يكتبون أعمالا وقد دل على ذلك بقوله وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين الإجماع التاسع والثلاثون وأجمعوا على أن عذاب القبر حق وأن الناس يفتنون في قبورهم بعد أن يحييون فيها ويسألون فيثبت الله من أحب تثبيته وأنهم لا يذوقون ألم الموت كما قال تعالى ^ لا يذوقون فيها الموت إلى الموتة الأولى ^ وعلى أنه ينفخ في الصور قبل يوم القيامة ويصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون وعلى أن الله تعالى يعيدهم كما بدأهم حفاة عراة عزلا وأن الأجساد التي أطاعت وعصت هي التي تبعث يوم القيامة وكذلك الجلود التي كانت في الدنيا والألسنة والأيدي والأرجل هي التي تشهد عليهم يوم القيامة وأن الله تعالى ينصب الموازين لوزن أعمال العباد فمن ثقلت موازينه أفلح ومن خفت موازينه خاب وخسر وأن كفة السيئات تهوي إلى جهنم وأن كفة الحسنات تهوي عند زيادتها إلى الجنة . . . . . وأن الخلق يؤتون يوم القيامة بصحائف فيها أعمالهم فمن أوتي كتابه بيمينه حوسب حسابا يسيرا ومن أوتي كتابه بشماله فأولئك يصلون سعيرا الإجماع الأربعون وأجمعوا على أن الصراط جسر ممدود على جهنم يجوز عليه العباد بقدر أعمالهم وأنهم يتفاوتون في السرعة والإبطاء على قدر ذلك الإجماع الحادي والأربعون وأجمعوا على أن الله تعالى يخرج من النار من في قلبه شيء من الإيمان بعد الانتقام منه . . . . . الإجماع الثاني والأربعون وأجمعوا على أن شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر من أمته وعلى أنه يخرج من النار قوما من أمته بعدما صاروا حمما فيطرحون في نهر الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل وعلى أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم حوضا يوم القيامة ترده أمته لا يظمأ من شرب منه ويذاد عنه من بدل وغيره بعده . . . . . وعلى أن الإيمان بما جاء من خبر الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السموات واجب وكذلك ما روي من خبر الدجال ونزول عيسى بن مريم وقتله الدجال

قسم V01/P291–V01/P305

وغير ذلك من سائر الآيات التي تواترت الرواية بين يدي الساعة من طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة وغير ذلك مما نقله إلينا الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفونا صحته الإجماع الثالث والأربعون وأجمعوا على التصديق بجميع ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتاب الله وما ثبت به النقل من سائر سنته ووجوب العمل بمحكمه والإقرار بنص مشكله ومتشابهه ورد كل ما لم يحط به علما بتفسيره إلى الله مع الإيمان بنصه وأن ذلك لا يكون إلا فيما كلفوا الإيمان بجملته دون تفصيله . . . . . الإجماع الرابع والأربعون وأجمعوا على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليهم بأيديهم وبألسنتهم إن استطاعوا ذلك وإلا فبقلوبهم وأنه لا يجب عليهم بالسيف إلا في اللصوص والقطاع بعد مناشدتهم الإجماع الخامس والأربعون وأجمعوا على السمع والطاعة لأئمة المسلمين وعلى أن كل من ولي شيئا من أمورهم عن رضى أو غلبة وامتدت طاعته من بر وفاجر لا يلزم الخروج عليهم بالسيف جار أو عدل وعلى أن يغزوا معهم العدو ويحج معهم البيت وتدفع إليهم الصدقات إذا طلبوها ويصلي خلفهم الجمع والأعياد وأنه لا يصلي خلف أحد من أهل البدع منهم من أجل أنهم قد فسقوا بالبدع والإمامة موضع فضل ولا يصح أن يأتم العدل بالفاسق كما لا يجب أن يأتم القارىء بالأمي إلا أن يخاف منهم فيصلي معهم وتعاد الصلاة بعدهم الإجماع السادس والأربعون وأجمعوا على أن خير القرون قرن الصحابة ثم الذين يلونهم على ما قال صلى الله عليه وسلم ( ( خيركم قرني ) ) وعلى أن خير الصحابة أهل بدر وخير أهل بدر العشرة وخير العشرة الأئمة الأربعة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضوان الله عليهم . . . . . وأن أمامتهم كانت عن رضى من جماعتهم وأن الله ألف قلوبهم على ذلك لما أراده من استخلافهم جميعا بقوله ^ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كم استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ^ فجمع الله قلوب المؤمنين على ترتيبهم في التقديم من قبل أنهم لو قدموا عمر على الجماعة لخرج أبو بكر عما وعده الله به وكذلك لو قدم عثمان لخرج أبو بكر وعمر لأن الله قد علم أنه يبقى بعدهما وأنهما يموتان قبله وكذلك لو قدم علي على جميعهم لخرجوا من الوعد لعلم الله انهم يموتون قبله فرتبهم وألف بين قلوب المؤمنين على ذلك لينالوا جميعا ما وعدوا به وإن كان كل واحد منهم يعلم ذلك الإجماع السابع والأربعون وأجمعوا على أن الخيار بعد العشرة في أهل بدر من المهاجرين والأنصار على قدر الهجرة والسابقة وعلى أن كل من صحب النبي صلى الله عليه وسلم ولو ساعة أو رآه ولو مرة مع إيمانه به وبما دعا إليه أفضل من التابعين بذلك الإجماع الثامن والأربعون وأجمعوا على الكف عن ذكر الصحابة عليهم السلام إلا بخير ما يذكرون به وعلى أنهم أحق أن ينشر محاسنهم ويلتمس لأفعالهم أفضل المخارج وأن نظن بهم أحسن الظن وأحسن المذاهب ممتثلين في ذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ( إذا ذكر أصحابي فأمسكوا ) ) وقال أهل العلم معنى ذلك لا تذكروهم إلا بخير الذكر وقوله ( ( لا تؤذوني في أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ) ) وعلى ما أثنى الله تعالى به عليهم بقوله ^ محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل . . . ) إلى آخر ما قص الله عز وجل من ذكرهم ثم قال ليغيظ بهم الكفار الإجماع التاسع والأربعون

قسم V01/P305–V01/P312

وأجمعوا على أن ما كان بينهم من الأمور الدنيا لا يسقط حقوقهم كما لا يسقط ما كان بين أولاد يعقوب النبي عليه السلام من حقوقهم وعلى أنه لا يجوز لأحد أن يخرج عن أقاويل السلف فيما أجمعوا عليه وعما اختلفوا فيه أو في تأويله لأن الحق لا يجوز أن يخرج عن أقاويلهم الإجماع الخمسون وأجمعوا على ذم سائر أهل البدع والتبري منهم وهو الرافض والخوارج والمرجئة والقدرية وترك الاختلاط بهم لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك وما أمر به من الإعراض عنهم في قوله تعالى وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الخوارج كلاب أهل النار وما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ( فرقتان لا تنالهما شفاعتي المرجئة والقدرية ) ) وأنه عليه السلام قال : ( ( القدرية مجوس هذه الأمة ) ) وأنهم الذين يعترضون على الله في مقاديره ويزعمون أنهم يقدرون على الخروج من علمه وانهم يخلقون كخلقه وإنما شبههم النبي صلى الله عليه وسلم بالمجوس دون سائر الفرق من اليهود والنصارى في مشاركتهم لهم فيما يختصون به من قولهم إن الشر لا يفعله إلا الشرير وأن الله لا يفعل ذلك كما قالت المجوس في النور الذي يعبدونه وأنه لا يضر أحدا لأن من ضر غيره كان سفيها وقد أجمع المسلمون على أن الله الضار النافع وقال تعالى قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق الإجماع الحادي والخمسون وأجمعوا على النصيحة للمسلمين والتولي بجماعتهم وعلى التوادد في الله والدعاء لأئمة المسلمين والتبري ممن ذم أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته وأزواجه وترك الاختلاط بهم والتبري منهم فهذه الأصول التي مضى الأسلاف عليها واتبعوا حكم الكتاب والسنة بها واقتدى بهم الخلف الصالح في مناقبها نفعنا الله وإياكم آخره والحمد لله رب العالمين وهو حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله

نهاية النصّ المتاح.