Qur'an&Sunnah

Mâtürîdî — Kitâbü't-Tevhîd (Mâtürîdî)

قسم V01/P178–V01/P180

ثم نرجع إلى مناظرة من أنكر الرسالة للوجوه التي ذكر ها بعد إقراره بالتوحيد وإيمانه بالأمر والنهى مع ما فيما ذكرت من أدلة الأمر والنهى مقرونة بالحاجة إلى الرسالة كفاية لمن تصح نفسه ثم نقول يجب القول بالرسالة بضرورة العقل في إيجاب الحاجة إليها دينا ودنيا ثم في إثبات الأفضال من الله إن كان في العقل منه غنى فأمر الدنيا فيما به أيضا قوام الدين ونحو أن خلق البشر وجعلهم أهل المحنة وأنبت لهم من الأرض بما أنزل من ماء السماء أغذية لهم وأدوية ثم أنبت منها الأدواء والسموم القاتلة ومنح في عقولهم الإمتحان بأنفسهم ليعرفوا المؤذى من المغذى لما لعل فيه عطب الممتحن وليس في العقول سبيل يعرف ذلك لزم القول بمن يطلعه الله على كل جوهر منها ليحيى بما يأكلون أبدانهم ويقيموا به دينهم ثم في الإبتداء ليس في العقول سبيل يعرف الوجوه التي تنبت من الزراعة وما فيها من التدبير ثم بعد التمام والعلم بجوهر لا بد ممن يعلم كيف يستعمله حتى يصلح للإغتذاء على اختلاف ما جعل لصلاح ذلك ثم جعل في الطعام أنواع الأذى مما يدفع إليه المنتفع إذا لم يحفظ حده لأنه ممن يعلم حد ذلك ثم دواه إن ضره بالقدر الذي به يدفع ضرره ثم علوم الطب مع تفاوت الطبائع وإستعمال السموم القاتلة ليعرفوا قدر النافع مما يقوم معه البدن ثم في أنواع الحرف التي بها قوام سترهم وكنهم والوقاية لهم من الحر والبرد ثم فيها خلقت لهم من الدواب الصعبة مما ليس يعلم المتأهل فيها أنها لأي منفعة خلقت ولا أنها لمنافعه خلقت أو لا ولا كيف يروضها إذ طبع كل منها النفار عما هي له حتى تنقاد وتخضع ثم في أنواع التجارات التي لا يقوم لهم دين ولا دنيا إلا بها ثم ما فرق حوائجهم في البلدان الذي ليس في طبعهم ولا في عقولهم ما يدلهم أو يبين لهم في كل حاجة أنها أين تطلب ثم في معرفة طرقها إذ ليس في العقل ما يدل على مكانها ولا على طرقها ثم في تعرف الألسن التي بها قام النفس للمعاش وفهم المعاد ثم نتعرف الأسماء التي لولا هي مافهمت حاجة ولا أمكن أحدا معرفة موضعها ثم في وجوه أسباب التناسل وفي معرفة تربية الصغار ثم في العلم بتدبير أغذية ما ليس يتطرق ثم بظهور بعلم الخلق بعضهم من بعض جميع ما ذكرت من الألسن والأسماء والحرف والطب والصناعات كلها وطرق البلدان ورياضة الدواب وكيفية إستعمالها وجميع ما ذكرت هو الدليل البين أن أصولها تعليم وإشارة لا إستخراج العقول والله الموفق فهذا مع الأمر المعروف الموجود من فزع بعض إلى بعض عند النوائب وما يحزنهم من الأمور المهمة للإستعانة برأيهم والصدور عن مشورتهم بما عندهم فضل في العالم ثم تعليم فنون الآداب ثم قيام كل بما يستفيد أنواع العلم من درس الكتب والإستماع إلى الحكماء فدل ذلك أنهم لم يروا بعقولهم كفاية عن الإستعانة وآداء حاجاتهم جميعا لزم في العقل الفزع إلى ناصح صدوق وذلك ظن الخلق بأولئك إنه وصل إليهم العلوم على ألسن هؤلاء فعلى ذلك أمر الدين والدنيا وعلى ذلك علم السحر يعتبر جواهر الأشياء بأنواع المعالجات وعلوم محاربة أعداء الدين والأموال كلها مستفادة في الأمر الظاهر من الألسن وما عنها يوجد فأول ذلك تعليم يكون من العليم الحكيم ثم مما يلزم القول بالرسالة بضرورة العقل هو أنه قد ثبت حسن معرفة المنعم والشكر له في العقل وقبح الجحود له والكفران بنعمته ثم ما من شيء تقع عليه حاسة من حواسه إلا ولله عليه في سلامة حاسته وما أدرك نعم يعجز عن الإحاطة بها

قسم V01/P180–V01/P182

ثم بعد هذا له عبارتان إحداهما تفاوت إستحقاق المنعمين الشكر وتفاضل أقدار النعم مما لا يبلغ علم أحد نهايتها إلا علم من أنشأها فعلى هذا لا يبلغ عقل بما به تمام شكرها إلا هو فيلزم العقل من يخبر عمن منه تلك النعم والأخرى أن تلك النعم إذ هي تفرقت على الحواس وأصابت كل جارحة منها فلزم استعمال كل جارحة في شكر ما له عليها من النعم مع ما إذا أردت أن تعرف قدرها اعتبر بالمبتلى بالآفة بها لعلة يخف عليه بذل الدنيا ثم كان ما بكل جارحة تؤدي من الشكر لا يعرف بالعقل فيلزم القول بمخبر يخبر عن الله وأيضا إن الله إذ خلق البشر خلقا أمكنه إستعمال كل جارحة منه بما جعل من اللين بالمفاصل يقبض بها ويبسط ويعطى ويأخذ ويتقلب على مختلف الأحوال وينتشر في مفترق الأفعال مما لو لم يكن خلقه لاستعمال جميع ذلك في العادة لجعل فيه وسع العمل والنفع خاصة كالدواب والطيور فثبت أنه خلق للعبادة فلا بد من مبين مائيتها في كل جارحة ثم الأصل في ذلك مما يوجب ضرورة العقل الحاجة إلى الرسل وجوه أحدها وجود التنازع الظاهر بين الخلق على إدعاء كل منهم أحق بالحق وأولى بالإصابة واتفاق أن ليس فيهم من يفزع إليه ليحكم بينهم ويريهم بما به يتألف قلوبهم وتجتمع كلمتهم ومعلوم أن التنازع هو أصل كل فساد ومقدمة كل فناء وذلك كله قبيح في العقول فقد انتهت عاقبة العقول إلى من يعينها ويردها إلى ما جعلت هي له من الصلاح والمعرفة ومعلوم أن لا أحد أعلم بذلك ممن خلقها وأنشأها وفي ذلك لزوم القول برسول نعلم أنه من عنده جاء وبالله التوفيق ودليل آخر إنه معلوم أن العلماء يتفاضلون في إدراك ما به مصالحهم في أمر الدين والدنيا يكون عند واحد من ذلك ما ليس عند غيره وإذا ثبت ذلك فلا ندفع أن يكون عند الله مما به صلاح عباده مما ليس عند خلقه فيوصلها إليهم برسله والله المعين ودليل آخر إنه لا يخلو الأمر من أن يرجع إلى ما يدعوه إليه غفلة أو يلزم على بعض الصدور عما أراه غيره ممن هو أرجح منه عقلا فإن كان الحق هو الأول ليجب الجمع بين العقول والقول لكل بالإصابة إذا قال بما أراه عقله وفي ذلك شهادة بإصابة كل ذي دين اعتمد على عقله وذلك محال لتناقض الآراء والقول وإن كان الوجه الثاني فيصير عقله كرسول يأتيهم من عند الله فيحتاج ذلك إلى دليل يعلمنا شخصه ثم لا فصل بين دليل يقوم بصدقه فيما يخبر عن الله أو بإصابة الحق في كل ما ينطق به عن عقله والله الموفق فهذا مع ما يعلم أن الأشغال وازدحامها على العقول يلبسها فكذلك الهموم وأنواع ما جبل عليه البشر وكذلك أنواع الألم وأسباب لا تحصى مما يشغل العقول ويمنعها عن الإحاطة بالحق في كل لطيف وجليل وكذلك غلبة الشهوات وكثرة الأماني واللذات فلذلك لا بد من رسول الله ليبينهم ويدلهم عند الإشتباه على الحق ولا قوة إلا بالله وقد بينا بحمد الله حاجة العقول للرسل والقول بهم وعجز العقول عن الإحاطة بالكل والأصل في ذلك وجهان أحدهما أن الله تعالى جعل لكل مدرك آلة بها يدرك ثم هؤلاء تحيط ذاته دون أسباب تتصل به ثم مع ذلك تعترضه آفات يلزمه تفاديها بالمؤاذرة له من الأعوان والحفظ له من الأضداد التي هي أعداء تمنع ليشهد بحق الإدراك على العلم بمنع البعد ذلك واللطافة عن العمل حق العمل فعلى ذلك العقل إذ هو سبب مخلوق له حد كغيره من أسباب الإدراك يعترضه ما يعترض غيره مع غموض الأشياء وإستغلاقها ومن مادته النظر في الأسباب أعلى ذلك مما يسمع من كلام الحكماء وأحقهم من له على حكمته برهان ولا قوة إلا بالله

قسم V01/P182–V01/P184

وجه آخر إن الله جل ثناؤه جعل السبب الذي به درك كل خارج عن الحسن وجهين أحدهما الإستدلال بالذي عاين إذا اتصل الغائب بالذي عاين كاتصال دخان بالنار وضياء الشمس بها وكاتصال أثر الفعل بالفاعل نحو الكتابة والبنيان ونحو ذلك والثاني الخبر ينبئ عن حال ذلك نحو البلدان النائية والأحوال المتغيرة والأمور النازلة معروف ذلك عند جميع العقلاء وبذلك معرفة الإنسان الأجناس والفصول والأنواع وأنواع الطب واللسان وعلوم الصناعات والحروب وغير ذلك ثم نعرف الأمر والنهى والوعد والوعيد فيما ليس بمحسوس دليله لا وجه لإدراكه إلا بالخبر وذلك نحو المباح والمحظور وما فيه كل شيء من مختلف الأحوال فيلزم في نحو هذا القول بالخبر وفيه إيجاب القول بالرسالة ثم الأصول ثلاثة ممتنع وواجب وواسط وهو الممكن وعلى ذلك جميع أمر العالم فالواجب في العقل على جهة لا يجوز مجئ الخبر بغيره وكذلك الممتنع ويجئ في الممكن إذ هو المنقلب من حال إلى حال ويد إلى يد وملك إلى ملك وفي ذلك ليس في العقل إيجاب جهة ولا امتناع من جهة فتجيء الرسل ببيان الأولى من ذلك في كل حال والله الموفق وما ذكر في الآيات فإن لكل من ذلك علامة تعلم وآية تظهر مع ما كانت المعارضة فاسدة لأنه لا يخلو من أن يكون يصدق أحد في الخبر فيكون ذلك السؤال عليه أو لا يقر بشيء البتة وفي ذلك سقوط خبره هذا عن نفسه مع ما كانت المقابلات بالخروج على غير الحقائق من طريق العيان أظهر مما قال ثم لم يجب به نفى علم العيان كيف وجب ما ذكر وما ذكر من غير عصر الرسل فذلك كلام في قبول الأخبار يلزمه من وجه يضطر إليه فيبطل سعيه ويناظر فيما قال إنه مما يحرمه العقل من المديح حق لمن ذلك علمه مما يوجب العقل أو الطبيعة أن يجعل الكل ما حوته نفسه وما نفرت عنه طبيعته بصده فيقلب الأحكام عن حقائقها ويبين أنه عن جهل بالعقل خرجت قضاياه فحق مثله أن يعلم حقيقة العقل فيبطل بحكمه ويمقت نفسه بجهله العقل من الهوى والله الموفق ثم لو كان في العقل الغنى عنه لجائز إرسال الرسل من طريق الأفضال إذ الله موصوف معروف الإحسان فيه تتقلب عباده وما من نعمة لله تعالى إلا ولله تعالى على عباده فضل زينهم وجمالهم نحو الأذنين والعينين وكل ذي عدد في الجسد ثم في كثرة النعم في كثرة ما أنشأ من دلائل التوحيد والرسالة وإن كان بدون ذلك كفاية ثم بكثرة الفواكه والملاذ وإن كان القليل من ذلك كافيا وبعد لو كان بالعقل كفاية فهو يسده الحد في ذلك والتعاون بأنواع واستشارة أهل النظر فيما خص الله لهم وأزاح عنهم الإشكال ثم الإجتهاد الوافر له يبذل فيه كل مجهود فكان في إرسال الرسل تيسير عليهم وتخفيف وذلك من عظيم المنن فكفران مثله يدل على حمق الرجل وجهله بالمنن حتى عدها بلاء مع ما للعقول أشغال وللأنفس أهواء يستر العقول فإرسال الرسل معونه لهم وإرشاد وذلك هو الذي جبلت العقول على حبه مع ما فيه تذكير وتنبيه وتحذير لوجه التقصير فيكون ذلك مما يحث على النظر ويدعو إلى الفكر وإستعمال العقول وذلك معروف في جميع أمور الدنيا وسياسات الملك مع ما جعل الهوى منازعا له وقد جعل للهوى أعوان من الأماني والشهوات وشياطين مزينة لها فكيف ينكر جعل أعوان للعقول أحقهم بذلك الرسل وبعد فإن جميع نوازع الهوى مشاهدة حسية وجميع أسباب عمل الحق غائبة إذ المذكر هو ذكر الثواب والعقاب والأمر بترك الشهوات والملاذ وذلك أمر عسير على الطبع والهوى فيحتاج في ذلك إلى الإستعانة برؤية من تذكر رؤيتهم المعاد ويخبرون عن المنقلب بما فيه من اليسر والعسر ليصير ذلك بحق العيان فيسهل على الطبع سهولة ما يوافق الطبع والله الموفق

قسم V01/P184–V01/P187

ونوع آخر من الأصل في ذلك وجود الرسل بما معهم من الأدلة والبرهان مما يعلم جميع منكري الرسل أن ليس مع أحد منهم دليل يحقق تكذيبه أو يزيل عن نفسه صفة المتعنتين مع كثرة حيلهم في مقابلات أدلتهم وطعنها مرة بالسحر وبوجوه أخرى ثم مع بذلهم مجهودهم من دنياهم في إطفاء نورهم فلم يروا غير الظهور والغلبة حتى أحوج الله جميع الأنام إلى الذين يؤمنون بالرسل على تعرفهم بما علموا في الجملة أن لهم في أمورهم غنى رجاء أن يصلح أمرهم فيتفق كلمتهم وعلى ذلك سياسات ملوك الدنيا ثم لا يقوم رعية لا تجعل فيهم شريعة يلزمون القيام بها وأساسا يبنون عليه ولا بد لأمثال ذلك من تدبير ممن يعلم أنه إذا خلقهم جعل لهم وجها يصلحون عليه ولا قوة إلا بالله ثم نذكر طرفا مما ذكره الوراق فقال فيما جاء به الرسل من الآيات المعجزات التي بمثلها يثبت القول بالتوحيد إنهم لم يمتحنوا قوى الخلق ولا وقفوا على طبائع العالم التي يستعان بها في الأفعال بل لم تبلغ علم أكثرهم فكيف يعرفون بذلك مبالغ الحيل وهل الذي رأوا إلا كلعب أتى العجب وهل حدث السحر إلا لجذب حجر المغناطيس الحديد فيقال له أبلغت أنت الذي ذكرت لتعلم أنت الذي قلت طعن أو تمويه فمهما قالوا من شيء فهو له جواب في الأول وجواب آخر إنه لو كان في جوهر العالم الذي ذكر لم يحتمل ظهور ما ذكر من الحجر لأن الخاص إنما يحفظ بإسمه لما يخرج من الإحتمال لبعد في الآيات وتخصيص ذلك من جوهره في الأعجوبة فأوجب ذلك أمرا ما جاء به الرسل خصوصا لهم ليكون لهم إنه في الخروج عن جوهره بالذي يدعى مع ما بينا فيما تقدم أنه نشأ بين قوم على طبع علموا أن مثله لا يحتمل ذلك بجوهر بشر بالذي جاء به وبعد فقد كثر عنهم الآيات من أنواع ما لا يحتمل ذلك بالإطلاع على جوهر الأرض إلا أن يطلعه من علم جواهرها وفي ذلك الذي ذكر على أنه ما من نبي صحت نبوته إلا وقد شهد قومه منه من إعلام الصدق ما يجب قبول قوله لولا الآيات ثم يقال أنت ممن تقبل خبرا في الدنيا فإن قال نعم كلف دليلا على صدقه أوضح من أدلة الرسل وفي ذلك وجوب القول بالذي ذكرت وإن قال لا يشهد عليه العقل وكل شيء جعله حجة بالكذب وعارضه ابن الروندي إن أحدا لو ادعى طبيعة يحدث بها الكواكب أو لو نصبه مقابل الشمس يذهب ضوؤها أو إنه إذا مس البحر لفظ البحر جميع ما فيه وإذا مسح به قدمه لصار في الهواء وارتفع إلى السماء ويصير سحابا يمطر فإذ لزم تكذيب بما ادعى الخروج عن طبائع معروفة فمثله الأول مع ما كان المكذب ليس معه شيء ومع الآخر شيء بالظنون يرد وبالإحتمال وما به قد يمكن عيب والحجة ظاهرة فلزم القول به واحتج على الوراق بما أجمع على موت البشر كلهم وإن لم يشهدوا الكل بالرسل فقال فيه الإجماع قال أبو منصور رحمه الله وقد علم أنه لم يشهد بل لم يبلغ علمه شيء والثاني أنه علق دليله في ذلك بالمحنة وقد زال والثالث إذ لا يبلغ التدبير ثبت أنه قيل بالرسل وقال في قول الفلسفة إن تركيب الحيوان تركيب يموت تأملوا حماقته بعد قول قوم لو أدركوه لأدركوه بالرسل ثم ينكر قول الرسل مع البرهان والثاني أنه لم يمتحن عقول جميع الفلاسفة ولا هم امتحنوا طبائع الجميع والثالث أنه لو كان بالتركيب لما اختلف قدر الحياة وقال بالطباع إن النفس لا تطمع في دفعه ولا ترجو الظفر به فجوابه إنه لم يمتحن طبائع الكل والثاني أنها سكنت إلى هذا بالتوارث من قول الرسل والثالث كذلك آيات الرسل لم يطمع إلا بعسر إتيان مثلها وهي بحيث تحتمل الطمع مع ما كانت فيها ما لا يطمع مع التقريع والتحذير وفيها ما لا يحتمل الطمع البتة نحو انشقاق القمر

قسم V01/P187–V01/P188

ثم يقال له تعتقد شيئا البتة فإن قال لا أقر أنه لم يعتقد تكذيب من ذكر ولا أنه هو ولا هو حي أو ميت فتكلفه الأجوبة والمعارضات خطأ وإن قال نعم قيل لعلك تعتقده بما لم يبلغ قوة دركك وعلمك بالأشياء مبلغ الإحالة إذ قد رأيت كثيرا من المعتقدين بطل اعتقادهم فلعل طبيعتك أرتك ذلك الفساد ويجوز أن يكون في الطبائع طبيعة نقية يدرك لذلك فيما اعتقدت ويظهر جهلك فمهما قال من شيء فهو له في جميع ما أنكر جواب وأصله أن كل من استخار الخروج من المعارف والتفوه بغير الموجود في الطبائع بلا شيء سوى أنه لم يكن أو لعله يكون أبطل سبيل تثبيت شيء البتة أو نفيه ويكون في حد الشاكين في البيان كله ولا قوة إلا بالله ثم الأصل عندنا في إعلام الرسل وجهان أحدهما ظهور أحوالهم على جهة يدفع العقول عنهم الريبة وتأبى فيهم توهم الظنة بما صحبوهم في الصغر والكبر فوجدوهم ظاهرين أصفياء أتقياء بين أظهر قوم ما احتمل التسوية بينهم بينهم على ذلك ولا تربيتهم تبلغ ذلك على ظهور أحوالهم لهم وكونهم بينهم في القرار والإنتشار فيعلم بإحاطة أن ذلك حفظ من يعلم أنه يقيمهم مقاما شريفا ويجعلهم أمناء على العيوب والأسرار وهذا مما يميل إلى قبوله الطبيعة ويستحسن جميع أمورهم العقل فيكون الراد عليه يرد بعد المعرفة رد تعنت له إما لإلف وعادة على خلاف ذلك أو لشرف ونباهة في العاجل أو لمطامع ومنال وإلا فما من قلب إلا ويميل إلى من دون هذا رتبته ومحله ولا قوة إلا بالله

قسم V01/P188–V01/P190

والثاني مجيء الآيات الخارجة عن طبائع أهل البصر في ذلك النوع الممتنعة عن أن يطمع في مثلها أو يبلغ بكنهها التعلم مع ما لو احتمل أن يبلغ أحد ذلك بالتعلم والإجتهاد فإن الرسل بما نشأوا لا في ذلك وربوا لا به يظهر أنهم استفادوه بالله أكرمهم بذلك لما يجعلهم أمناء على وحيه ولهم أيضا معاني فاقوا بها السحرة على أن علم السحر أصله من السماء لكن الناس نسوا أصله وتوارثوه بالتعلم وكذلك المكاسب والحرف والصناعات كلها فمن أكرم لا بالوجه الذي هو طريقه في المعارف علم أن ذلك تخصيص لأمر عظيم مع ما كان معهم معان يعلم بها أنهم مبعوثون أحدها أنها تخرج حقيقة تبقى ببقاء الخلقة والسحر هو شيء يأخذ البصر ثم يضمحل والثاني أن آية الرسل تمنع أن يدعيها من ليس برسول فيتبقى معه إن كانت في جهة سحرا وما كان والثالث أن أولئك الذين تكلفوا استخراج العجائب بالتعلم فهم قد مالوا إلى لو كان حقا لكان به غنى عن عرض الدنيا فكان معهم دليل الكذب والرابع إن الرسل حملوا ما في الأنفس إنكاره ذلك من كفها عن الملاذ والشهوات وحفظها عن الذين بهم عز الدنيا وشرفها ودعاء أمثالها إلى ترك ذلك لله والخامس مخاطرتهم بالأنفس وبذلها في وقت ضعفهم وقلة أنصارهم من الخلق والتعرض للجبارين بتنغيص ما هم فيه عليهم وإظهار القوة لهم من عند العزيز على ما علموا من سوء صنيعهم بالمخالفين لهم وبخاصة من يخافون منهم تفريق جمعهم وتشتيت أمورهم وأيضا إنهم إلى ما في العقول بيانه وفي سياسات الملك حسنه وبما في توقيف الخلق عليه صلاحهم دينا ودنيا ولا قوة إلا بالله وأيضا أنهم لم يقصروا في شيء دعوا إليه إجتهادا ولا روى في شيء من أمورهم هوادة ولا عرف في شيء من أخلاقهم نكير ولا في شيء من الأسباب التي بكل واحد مما فيها بعد الناس بذلك ما يوصف بالتمام من السخاء والشجاعة ومكارم الأخلاق والرحمة بالخلق والإشفاق عليهم وفي الزهادة في الدنيا وتحمل مؤن الخلق وغير ذلك مما يحق الميل إلى كل من فيه خصلة منها والتعظيم له لمكان ذلك فكيف لمن جمع الخصال المعروفة في المكارم مع حسن الأداء عن الله جل ثناؤه والصبر له فيما يصيبهم من المكروه مما لا يحتمل أن يكون شيء من ذلك يحتمل على تمكين الخلاص ببعض المداهنة وفيهم أيضا وعد العواقب ورجوع الأمر إليهم فخرج الأمر على ذلك وفيهم أنه لم يذكر عن أحد نظر إليه بعين التبجيل واستمع إليهم بالنصح لأنفسهم إلا أبصروا الحق في مقالتهم ولا اتبعهم أحد فخالفهم إلا بعد العلم منه بإيثاره الدنيا على الآخرة والباطل على الحق وكل الذي ذكرت كان لمحمد صلى الله عليه وسلم مع غير ذلك من الآيات التي دامت له مما فيه إظهار نبوته وأنه خاتم الأنبياء منها هذا القرآن الذي تحدى به جميع الكفرة أن يأتوا بمثله وإن يعينهم على ذلك الجن والإنس فما طمع في ذلك إلا سفيه أخرق هجره قومه لسخفه وفيه أيضا بيان الحكم لجميع النوازل التي تحدث إلى يوم القيامة ليعلم أنه جاء من عند من يعلم الغيب وما يكون أبدا وبما جاء له من البشارات في فتح البلدان وإظهاره دينه بين أهل الأديان وما فيه من الإنباء عما كان مما يعلم الخلق أنه لم يكن اختلف إلى أحد ممن يعلم ذلك ولا نظر في كتاب قط لتبقى له تلك الآيات مع ما ذكر شأنه في الكتب السماوية حاج أهل الكتاب فلم يمكنهم إنكاره إشفافا على أنفسهم بل قد باهلهم مباهلته اليهود بقوله فتمنوا الموت والنصارا بقوله تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم والجميع بقوله فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون وإظهاره اشفاقا وإظهاره الأمر عنهم والثقة بالله بقوله والله يعصمك من الناس مع ما له آيات في الخلق وهو النور الذي انتقل من ظهر إلى ظهر حتى خرج هو وما كان من الخاتم بين كتفيه وما وصف بالربعة ثم كان لا يزاحم طولين إلا فاقهما ثم كان من السحاب الذي يظله قبل أن يوحى إليه ثم كان من شق بطنه وغسل ما فيه معلوم ذلك ورده إلى موضعه ثم كان من هجر عبادة الأوثان في صغره مع حرص قومه على ذلك وما استقى به العباس فسقوا ثم ما وصف من معاملته الكفرة أنه لم يكن يداري ولا يماري ولم يكن فحاشا ولا صخابا ثم ما لم يأخذوا عليه كذبا قط وبذلك وصفه أعداؤه ثم ما جاء من الآيات التي لما اختلفوا فيه فعرفوه بالسحر والكهانة والشعر ونحو ذلك فما كان إلا لكثرة آياته ولا قوة إلا بالله

قسم V01/P190–V01/P193

ثم طعن الوراق المحتج بالقرآن بأوجه أحدها تفاوتهم في البلاغة ولعله تآليف أبلغهم والثاني أن الحروب معه شغلتهم عن مثله والثالث أنه لم يكونوا أهل نظر ومعرفة ألا ترى أنهم صدوا عن الإقرار مع توفر أسبابه عند أصحاب الضرورة وعن النظر والمعرفة مع أسباب ذلك عند أصحاب الإكتساب والرابع خصوص واحد بقوة من بين الجميع من غير أن يوجب ذلك له شيئا فمثله النبوة أو أن يكون قدرتهم كانت بالفكر والتخيير فلم يتكلفوا ذلك فأما الأول فإنه لو كان ما قال يمتنعون عن ذلك بعد الجهد فدل تركهم دونه أنهم تركوه طباعا وأيضا أنه لو كان كذلك لم يحتمل مثله ممن يقول لئن اجتمعت الإنس والجن أن يكون أحد من البشر يبلغ علمه باللسان ذلك والثالث أنه إذ نشأ بينهم ومن عندهم عرف اللسان فلولا أن له في ذلك من الله خصوصا لم يكن لغيره لا يحتمل أن يصير بهذا المحل والرابع قد تكلفوا المجاوبات لأقوام معروفين في فن حتى اجتهدوا في قصيدة حولا فلو كان يحتمل وسعهم أو يرجون البلوغ بطرق ما احتمل تركهم وفي ذلك تشبيه على القوم وقد بذلوا مهجهم ودنياهم في إطفاء هذا النور والفصل الثاني لا يحتمل الذي ذكر لما بذلك غنى لهم عن بذل المهج ولما أمهلوا قريبا من عشرين سنة قبل الحروب ولما فيه تقريع الجن والإنس وإنما حارب قوم وبعد فإن المحاربة لم تمنعهم من محاربات سمعوا من رسول الله كذلك القرآن لو احتمل وسعهم والثالث لو كان كذلك لاستقبلوا بالإنكار والدفع كفعل العرف لا بالخضوع والإمتناع على أن العرب أذكى الناس عقلا وأشدهم حمية وقد قاتلوا الشعراء بالأشعار أيضا وبعد فإن التقريع كان به جميع البشر والجن وقد انتشر أمره وظهر في الآفاق وأيضا فإن الذي حمله على ذلك وما جاء به نشأ بينهم وإن كان له معرفة ونظر مع نشوئه بينهم فذلك أيضا أنه له ولا قوة إلا بالله وجواب الرابع أن الله تعالى إذا خص أحدا بقوة لا يشاركه فيها أحد يمنعه عن دعوى النبوة باللفظ كما منع من يظفر بحجر المغناطيس ولو علم أنه يدعى لا يعطيه والثاني أن لا أحد في شيء له فضل قوة إلا طمع غيره استتمام ذلك أو عمل ذلك النوع بقدر قوته والدليل ما يخرج من الطباع وبعد فإنه لو كان له في ذلك فضل قوة بها عمل لكان لا يتمكن نيلها بهم وليست لهم إذ لا يوجد مثل ذا في شيء من الأمور دل أن الله جعل فيه ليكون آية لقوله وسنذكر جمل هذه التأويلات بعد الفراغ من فصوله وقوله على البديهة فقد أمهلوا مع ما لم يحتمل أن يكون من البشر يعلم بفضل القوة ما تسأل عنه وقد تكلفوا الأشعار ثم نصب الحروب وجمع الأعوان وبذل الأعيان ثم اقتتال الأقران والمبادرات الفظيعة فلو كان وهمهم يحتمل القيام بذلك أيسر عليهم ثم قد دعوا إلى إتيان السورة نحو ثلاث آيات لو احتملها وسع البشر لكان ساعة من النهار كافية لذلك أقاويل ابن الروندى في الرسالة وبيان فسادها قال الشيخ رحمه الله احتج ابن الراندي بما تقدم من الأغذية والسموم في إثبات الرسالة ثم قال لا يخلو الأمر في الخبر إما أن لا يثبت البتة فيجب الجهل بالأيام الماضية والأماكن النائية والوقائع السالفة أو نقبل التواتر وما يضطر إليها فجب به إخبار الرسل ولا قوة إلابالله ثم نذكر جمل ما يبين فساد طعنه من وجوه الحجج بالقرآن إذ هي من وجوه أحدها بنظمه من غير أن كان فيه غريب مبتدع يخرج ذلك عن عرف العرب بل هو بأعذب لفظ وأملح نظم وقد احتملت العرب المؤن التي هلكوا فيها ولا يحتمل ترك الأمر اليسير مع التحدي والتقريع مع سلامة أحب الأشياء إليهم وهي الحياة وتبدل المبهج مع ضنهم بها إلا عن عجز ظهر لهم من أنفسهم طباعا أو إمتحانا

قسم V01/P193–V01/P195

والثاني بيان جميع الأمور التي بها علم العلماء أهل الكتاب مع العلم بمن شهد رسول الله أنه لم يكن اختلف إليهم ولا كان يخط كتابا بيمينه فيحتمل إستعادته ثبت أن ذلك كان بتعليم الله إياه والثالث الإخبار بما يكون له من الفتوح ودخول الخلق في دينه أفواجا وإظهار دينه على الأديان في وقت ضعفه وقلة أعوانه وكثرة أعدائه فكان على ما أخبره القرآن وبالله التوفيق والرابع أن الله تعالى جمع في القرآن أصول جميع النوازل التي تكون إلى يوم القيامة دل أنه عالم الغيب حتى أعلمه أصول ذلك وأيضا ما أظهر من موافقة القرآن سائر كتب الله وبيان نعت محمد صلى الله عليه وسلم وأمته كقوله الذي يجدونه مكتوبا عندهم وقوله محمد رسول الله وقوله يعرفونه كما يعرفون أبناءهم من غير اجتراء أحد منهم على إنكار ذلك ودفعه ثبت أن الذي أنزل هذه الكتب هو الله سبحانه فجعلها كلها متفقة على اختلاف الأزمنة وتباعد الأوقات ليعلموا أن القرآن من عند من جاء منه الكتب وأن الذي جاء منه الكتب قديم لم يزل حجته في الأولين والآخرين واحدا وأيضا ما سبق من ذكر المباهلة وما كان من الأخبار أنه يسأل عن كذا ويستفتى عن كذا فكان على ما ذكر على ما في القرآن من قصة الجن وتصديقهم وشهادتهم له بموافقة الكتب وبالله العصمة والأصل في هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث في عصر لم يعرف فيه التوحيد بل كان عباد الأوثان والأصنام والنيران فجمع ما أنزل عليه من القرآن هو من أنجح ما لو اجتمع موحدو العالم من مضى منهم ومن يكون أبدا على إظهار أدلته ما احتملت بلوغ عشرها فضلا عن الإحاطة في ذلك الزمان الذي لا يقدر على موجد واحد ولا قوة إلا بالله وأيضا أن القرآن أنزل في عشرين سنة فصاعدا بالتفاريق ما خرج كله على وزن واحد من النظم وعلى موافقة بعضه بعضا مما لو احتمل كون مثله عن الخلق لم يمتنع من الخلق من الإختلاف في شيء من ذلك دل أنه أنزل من عند علام الغيوب ولا قوة إلا بالله واحتج في إثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم مع ما بينا بقوله لليهود فتمنوا الموت بوجهين أحدهما الوعد بأنهم لو تمنوا الموت لماتوا والثاني أنهم لا يتمنون أبدا ولا شيء أيسر عليهم من تمنى ذلك وبمباهلة النصارى والإخبار بوقوع اللعن ثبت أنه معلوم النعت في كتبهم فأدخل الوراق أنهم لو تمنوا باللسان لقيل إنما أريد به القلب والثاني أنهم قد آمنوا بموسى وعيسى وقد أخبراهم بذلك كما يخبر المنجمة فجواب الأول أن المباهلة لا تحتمل ذلك وأيضا إنهم أهل بصر إذا لو ردوا لقابلوا بأنهم فعلوا ذلك أيضا بقلوبهم والحرف الثاني لو كان كذلك ما امتنعوا عن مقابلته عند قوله لتدخلن المسجد الحرام وقوله ليظهره على الدين كله ولو كان بذلك كان التصديق لما احتمل المقابلة بأعز الأشياء وهي الأنفس والأموال قال الفقيه رحمه الله وأيضا أنه لو كان بالذي ذكر لم يكن خبر رسول الله لن يتمنوه بذلك بل كان بالذي يعلم أنهم لا يفعلون ولا قوة إلا بالله وطعن ولو كان على حكم قول المنجمة لما تقرر عندهم حتى يتحرجوا الإجابة لم يكن الذي جاء به رسول الله بدون ذلك لم يتحرجوا عما خوفهم فيسلموا ولا قوة إلا بالله وطعن في قوله وما كنت تتلو من قبله من كتاب إن الحفظ يقوم مقام الكتاب وأحال لأن الحفظ يكون عن تلاوة وما بالإلقاء عليه فهو عن كتاب يقرأ وبعد فإنما ذلك إنما يكون بمن يظهر اختلافه عند من يعرف به ومعلوم أنه نشأ بين أظهرهم لم يعرف في شيء من ذلك ولولا ذلك لكان هذا القدر من المقابلة سهلا لا يعجزون عنه وطعن في أخبار القرآن إنه خبر الآحاد وذلك كذب بل رواه كافة عن كافة مع ما في هذا إقرار أنه حجة

قسم V01/P195–V01/P197

وطعن التواتر بما لا تخلو الجماعة عن البعد من السمع فيحتمل الحيلة أو القرب فلا يحتمل مباشرة مثله إلا اليسير قال ابن الروندي هذه الجهلة بالمحافل وإلا الأمر في ذلك ينتشر ما كان من قبل حتى لا يكاد شيء منه يخفى على الأبعدين فضلا عن الأقربين وطعن أيضا بإجماعات اليهود والنصارى قال ابن الروندي إما أن ينكر الخبر البتة فيبطل مذهبه في تقليد الماني وقوله هذا أو يجيز خبرا لا بد إذ ذاك من الرجوع إلى إجماع أهل الحق في الأصول العقلية فيقبل أخبارهم وإجماعاتهم إذ هم المتمسكون به ونحن أولئك بحمد الله قال الشيخ رحمه الله والأصل في هذا أن الأخبار التي لزم في العقول قبولها لما في ذلك بطلان حكمة السمع واللسان وفيه زوال علوم المعاش والمعاد وانقطاع الأصول إلى الأغذية والأدوية التي بها حياة الأبدان ثم كانت الأخبار تتفاقم في الإنتشار على قدر الأمور التي عنها الأخبار في العظم نحو ملك لو قتل لانتشر أمره بالضرورة حتى لو أحب الناس كتمان مثله لما قدروا عليه وكذلك الخارجة من المعارف المعتادة وفيما يقل خطره أو يجرى على المعتاد لا يظهر ظهوره بل لعله لا يذكر معروف ذلك في الخلقة وعلى ذلك انتشرت أخبار الفتوح وقهر الملوك فعلى مثل هذا أمر الرسل لأنهم جاءوا بالأمور العظام الخارجة عن الأمر المعتاد عندهم فيظهر أخبارهم فتنتشر حتى تبلغ أقاصي الدنيا وأدانيها إذ هي على وجه لا يملك السامعون كتمانها على ما ذكرت من تغاضي الخلقة في نشر مثله مع ما قد ينتشر مثل ما ذكرت مما لا منفعة فيه فالذي يعم الخلق جميعا معناه أحق في ذلك وفي كل أمر منتشر عن أحد يعود الخبر إن كان على حق أو جور فيعلم ما افتعل منه فيغير وما صدق فيه فيقر وفي ذلك لزوم انتشار أخبار الرسل في حياتهم وظهور المفتعل من ذلك فيمحى أثره بالنهى والتغيير فيبقى الحق الصدق منه دليل ذلك أمر رسول الله حتى لا تأتي ناحية نائية ولا مكانا بعيدا إلا وجدت أثره فيه ظاهرا وبخاصة في عصره إذ كان ينساب إليه من الآفاق ويظهر شأنه في البلاد فإذا كان كذلك لأوجه لقوله أخباره أخبار الآحاد ولا لما ذكر من الوجوه بل الخبر الواحد في الأمر المهم أو الخارج عن الأمر المعتاد ينتشر إنتشارا أظهر فكيف فيما فيه دعاء أهل الأديان وإرسال الكتب إلى الأفق ومجيء الوفود من كل النواحي وإمتحان الرسل بأنواع الحجاج وقصد الملوك نحوهم في إطفاء نورهم وإشفاقا منهم على ملكهم أن يذهب ويضمحل على ما عرفوا من ضعفهم في أبدانهم وقلة أعوانهم من جوهرهم فما ذلك الخوف إلا لعلمهم أنهم أتوا من عند القادر العليم وعلى ذلك مما يخرج مخرج الآيات من الأمور الخطرة لن يذهب أثر ذلك ما بقى لهم تبع وبمثله احتجاج ولا قوة إلا بالله وما ذكر من إجماعات اليهود والنصارى إنما ذلك أمور اختلفوا فيها على قدر ما احتمل آرائهم فانتشرت في اتباع كل منهم ليس ذلك في الآيات ولا في الأمور الخطرة وبعد فإنه متى بلغ ذلك تبديل الشرع حتى كاد أن يمحو أثره ويندرس خبره بفضل الله ومنه في إرسال من يحيى ذلك ويظهر ما عليه الرسل بالآيات القاهرة العقول ليعلموا بهم التغيير والتبديل وعلى ذلك الإنتشار ثم من حكم الله أن يختم بمحمد عليه السلام النبوة وأن لا يرسل إلى أمته بعده رسولا جعل أمته بحيث لا يحتمل تغير الأمور الجسيمة ومن عليهم بكتاب حفظه يعلم به التغيير والتبديل فتبقى شريعته إلى فناء العالم وبالله التوفيق

قسم V01/P197–V01/P199

قال أبو الحسين الروندي طعن الوراق أخبار براهين الرسل من حيث وردت من طريق أو طريقين وهذا بهت شديد بل أجمعت عليها أمتنا ثم أمر نبي الله مما توارث به الملحدون لتكلف الطعن والموحدون لرعاية الحق مع تطابق الكفرة على أن يجدوا في خلقه ضعفا أو في شجاعته أو له في شيء من المطامع رغبة أو إلى شيء من فنون منافع الدنيا ميلا فما وجدوا ذلك فهذا لو كان شرط صحة الأخبار كثرة العدد فكيف وشرطه الإستيلاء على القلوب وسكونها إليه وطمأنينة النفس بالمخرج والفحوى ورفع ما يعترض من الظنون وهكذا الأمر عند أخبار المحقين وإن قل عددهم وطعن الوراق في قوله فاسألوا أهل الذكر أن كيف أمر بذلك مع الشهادة عليهم بكتمان الحق فأجيب بما إذ أيد الله نبوة محمد بالحجج القاهرة مالوا إلى الكتاب فقيل لهم على أن الله يسخرهم في ذلك ويضرهم إلى الموافقة فيكون ذلك من جليل آياته إذ جمع عليه الأعداء والأولياء وهو قوله أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل وأيضا إن ذا على ما يعرف من لجاج الرجل بعد إقامة البرهان عليه أن يقال فاسأل ذلك فلانا ممن يطمع سكون قلبه إليه فيترك اللجاج والثالث أن يكون المراد يرجع إلى من أسلم منهم وبالله التوفيق وجائز أن يكون المراد بأهل الذكر هم أهل الشرف الذين يمنعهم شرفهم عند التحكيم إليه عن الكذب والله أعلم وطعن الوراق إخبار رسول الله بحضور الملائكة يوم بدر قال أين كانوا يوم أحد جواب الأول ظهور رؤوس ببدر بلا قاتل رأوه وبيان المذكور من الأعداد أنهم رأوا صورا لم يعرفوهم وجواب الثاني أن ذلك أول حرب فأراد الله تعالى أن ينصرهم ليظهر الحق ويبطل الباطل قال ابن الروندي العجب من الوراق حيث جحد أخبار الرسل مع البراهين ودعاء إلى قبول قول المنانية وألزم القوم حماقاتهم من بسط السماوات من جلود الشياطين واضطراب الأرض باضطراب الحيات والعقارب فيها وقبول أخبارهم بعمل النور والظلمة ودفع ما هو في عقولهم حسنة وبالله التوفيق قال الشيخ رحمه الله وفي أمر بدر وجوه من المعتبر أحدها عمل كف من تراب إن أصاب كلا منهم وفيه ما ذكر وفيه ما يشبه المباهلة من قول أبي جهل اللهم ابصر أمرنا وأوصلنا للرحم وجمع الأئمة من الكفرة وغير ذلك والله الموفق وزعم من أنكر الرسل بما لا يأمر الحكيم بما يقبح في العقل إذ لو جاز مجيء الخبر بمثله لجاز ذلك في إباحة الجور والكذب فأجيب بأن ما حسنه العقل وقبحه النوعان أحدهما لا يتغير نحو شكر المنعم وقبح السفيه والثاني هو الذي يحسنه العقل للعاقبة أو للمقدمة أو الحال نحو ما يحسن في العقل المنهمك في الفساد الباغي على وجه الإنتقام فجائز ورود الشرع بمثله وعلى ذلك أمر الذبائح ولو قدر الإباحة فيه كان كل حي يموت والذبح أروح إليه وأيسر عليه فيكون بمعنى الأشياء المباحة والثاني أن العدل في الجملة حسن والجور في الجملة قبح لكن من الأشياء المباحة والثاني أن العدل في الجملة حسن والجور في الجملة قبح لكن من الأشياء مما يظهر قبحه بالنهى وحسنه بالأمر وذلك نحو تقلب أحوال المرء وانتقاله وعلى ذلك ذبح الحيوان إذ جاءت به الرسل وهم لا يأتون إلا بالعدل وعلى الثنوية ما أجاز النور ضرر الظلمة لما رأى من المصلحة وفي مثله ذكر الوراق أن الرسل لو جاءوا إلى التمسك بحجج العقول فهم منا وإن جاءوا إلى خلافها فقد جعلها الله حججا لم يجز الغير إلا بالتغيير وفي ذلك زوال الخطاب

قسم V01/P199–V01/P201

عارضه ابن الروندي بما يرى أسود الرأس ثم يراه أبيض أتغير بصره أو تغير الشيء على البصر إذ ليس هو بأسود لما يراه البصر فمثله أمر ما يراه العقل عدلا للأمر وكذلك هذا في القيام والقعود وكل الأحوال ومثله الحجامة والأكل والشرب قد تحسن هذه الأحوال على اختلافها ولم يجب به تغير العقل حتى يحسن فيه الذي كان يحسن بخلافه فمثله أمر الرسل ثم قد يجوز تحمل المؤن العظام لعواقب محمودة واختيار المضار لسلامة محمودة نحو التجارات والإجارات والزراعات والأدوية وأنواع الجراحات وكذلك اختيار ترك النفع لنفع أرجح منه وعلى ذلك أمر الشرائع ولا قوة إلا بالله وأيد الوراق الذي بينا أن في العقل ذم الإساءة إلى من لم يؤذ وإن لم يحب لغيره ما يحب المرء لنفسه والذبائح خارجة من ذلك فهذا لأنه توهمه مفردا من العلل فإذا تأمل حسن العواقب والسلامة مع عقيب المنافع وكذلك فضل راحة وفي الذبائح ذلك ونحن نقول وبالله التوفيق إن الأشياء نوعان أحدهما مما يحسن لنفسه ويقبح ضده وكل خلافاته والثاني ما يحسن الشيء وخلافاته على حسب الحاجة وقيام الدلالة من حمد العواقب وذمها فلزم القول في هذا بمن يعرف أحوال الحمد والذم فيخرج الأمر عليه على أنه لا بد لمن يكون يعتمد على عقله والإختلاف المتناقض ذلك سببه أو يرجع إلى مخصوص من العقل وفي ذلك القول بالرسول ثم أمر الذبائح لا يحتمل أن يكون قبحها لنفسها لما يحل في موضع الإنتقام ويحسن في العقول إذا تفكر في ذلك دفع الأذى والمكروه أو تقع العواقب فبطل قبح ذلك لنفسه فلزم جواز المحنة فيه بالترك والإذن وفي ذلك إباحة وأيضا أن كل شيء حسنه العقل فهو لا يقبح بحال وكذلك القبيح من الحسن وكل شيء قبح لنفار الطبع بما يتوهم حلوله في جوهر المتوهم فينفر طبعه لألمه ثم هذا قد يجوز أن يذهب ذلك بالإعتياد نحو القصابين والذين اعتادوا القتال فثبت أن النهى عنه طبيعي لا عقلي فتغير ذلك من العادة يزول وذلك نحو جواهر من الحيوان طبعه التوحش وعلى ذلك طبع الجميع عن الأحمال الثقيلة ثم تصير بالرياضة وتعويد غيره كأنها على ذلك طبعت فعلى ذلك أمر الحيوان وأيضا أن كل حي إذ هو يموت ثم لم يلحق أحد به لائمه فمثله إذا جاء الإذن ممن هو له وأحق من يقول الثنويه لأوجه أحدها استجازتهم تباين النور والظلمة ثم الإمتزاج ثم التباين وفي ذلك تفرق بين كل مقترنين وتميز بين كل ممتزجين وذلك معنى الذبح والثاني أن الألم إما أن يحل بجوهر النور فيصير محتملا للأذى وهو شر ولولا ذلك لم ينه عن الذبح إذ هو ذلك ثم هو لا يخلو من أن يحل بجوهر النور فقد عمل الشر أو بجوهر الظلمة فالنهى والإنكار مما لا معنى له لأنه ينكر على من لا يحتمل طبعه القبول في ذلك كمن يأمر من ليس له ما يطير به بالطيران أو أن يكون الألم يحل بجوهر الظلمة وذلك هو الحق عندهم ثم إما أن دخل عليه ذلك بجوهر النور فهو يصنع ما يذم عليه أو بجوهر الظلمة فقد أحسن حيث آلم الظلمة إذ ذلك عدل والله الموفق وأيضا إن في الذبح إخراج الروح الصافي من الظلمة الكدرة وذلك الحق وهو عاقبة كل شيء إثبات نبوة الأنبياء وبخاصة رسالة محمد صلى الله عليه وسلم

قسم V01/P201–V01/P204

ثم القول في نبوة الأنبياء وبخاصة في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ثبت بالجوهر ثم بأيات حسية وعقلية ثم بموافقة ظهور الأحوال التي هي أحوال الحاجة إليه فأما أمر الجوهر فقد بينا إبتداءه مع ما ذكر فيه أنه نظر إلى وجهه وإلى البدر فكان هو أحسن منه وأنه كان أطيب ريحا من المسك وألين من الحرير وكان يؤخذ بعرقه فينقع به في الطيب وقد وصفت خلقته بما لا يعرف أحد يوصف بمثله حسنا وجمالا وجل العين تراها تهيج في الحيرة بذي آفات في الخلقة فدل براءته عن كل الآفات وزينه بكل زين على استجابة أعلى الدرجات في الخلق وأفضل الأقدار ويدل على ذلك أنه لم يؤخذ عليه كذب قط ولا عرفت منه هفوة ولا منه عن أعدائه فرار ولا في أخلاقه سوء بل كان على ما وصف لا يداري ولا يماري ولا يعرف فحش ولا ينتصر لنفسه وكان في الإشفاق بالمحل الذي عوتب عليه بقوله فلا تذهب نفسك عليهم حسرات وقوله لعلك باخع نفسك وفي التحزن بما فيه هلاك الخلق كما وصفه الله وعصمه بقوله ولا تحزن عليهم وقال عزيز عليه ما عنتم وكان بالكرم بحيث عوتب به فقال ولا تبسطها كل البسط وقيل لم يكن يدخر شيئا لغد وقد عرض عليه أعلا ما يرغب فيه من متاع الدنيا والرياسة بأن يداهن قليلا فما أجاب فيه بل عادى لله الأقوياء والملوك والسادات حتى أكرمه الله بالرعب في قلوب الخلق فلم يكن يقصد إليهم في الحرب إلا خافوه وقيل والله يعصمك من الناس فلم يخفهم بعد ذلك ولا أذكر أنه ولا هم ذلك على ما أصاب أتباعه النكبات والشدائد ووعد أن يبلغ ملك أمته ما دوى له من الأرض من المشارق والمغارب وما روى ما ذكر من أنواع الفزع في قلوب أعدائه والحفظ عنه عما راموا به على موالاة أقربائه الأبعدين في ذلك وما اجتمعت آرائهم على إطفاء نوره وطمس أثره فما ازداد إلا ظهورا ولا قوة إلا بالله ثم الآيات الحسية انشقاق القمر واجتذاب الشجر وتسليم الحجر عليه ظاهر ذلك كله عرفوه ثم شربهم من الماء القليل الكثير من البشر ثم ابتلاء أعدائه بدعائه بالجدب والقحط ثم استغاثوا به فأغيثوا ثم الإشباع باليسير من الطعام الكثير من الخلق ثم أمر بيت المقدس ثم أمر مرور من طلبوه بالغار فأعمى الله بصرهم وحنين الخشب وشكاية الناقة وشهادة الشاة المصلية ثم ماساح بفرس من اتبعه الأرض ثم ما أخبر من قوله ولا يتمنونه وكان كذلك ثم بما قال ادعوا شركاءكم ثم كيدوني ولا تنظرون ما قدروا عليه ثم بكثرة ما يمكرونه حتى خلصه الله من ذلك ولعظيم ما يضمر أهل النفاق في أنفسهم فأطلعه الله حتى كانوا مع شدة تعنتهم يحذرون نزول سورة تنبئهم بما كان منهم وأظهرهم على ما قالوا فيه وفي متبعيه وما قال في أبي بكر وأصحابه من قوله أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم وكذلك في قوله ومن يرتدد منكم عن دينه وما أعلم عليا أنه يقتل الناكبين المشارفين وكان كذلك وما قال لعمار تقتلك الفئة الباغية وما وعد من الفتوح وسعة الدنيا على المؤمنين وغير ذلك مما يكثر ذكره لو استقصى فيه دواء نجباء أمته ثم عامة ذلك مما كان ظاهرا عند أعدائه مع ما كان في الكتب المنزلة بعثه وعلى ألسن الرسل جرت البشارة وأخذ العهد عليهم ولا قوة إلا بالله وأما العقلية فما بين الله من شأن القرآن الذي إنما يعرف خروجه عن احتمال وسع الخلق من بالغ في فنون الآداب وعرف جواهر الكلام وأصنافه ثم ما فيه من المحاجة في توحيد الرب وأدلة البعث مما لم يكن يومئذ على وجه الأرض من يدعى ذلك ثم ما فيه من الأنباء وما يكون أبدا ومن بيان النوازل التي تكون مما في استعمال العقول تطلع عليه

قسم V01/P204–V01/P207

وذكر أبو زيد أن الحسية من الآلات فما جاءت من الآثار كافية وأما العقلية فهي على وجوه أحدها أن أمره لم يكن مستغربا بل كان مستمرا على العادة بوجود مثله في الأمم فلذلك يبطل وجه الرد عليه في أول وهله قال الله تعالى وإن من أمة إلا خلا فيها نذير وقال ثم أرسلنا رسلنا تترا والثاني موافقة مجيئه وقت الحاجة إليه إذ كان زمان فترة ودروس العلم مع جرى عادة الله بمعاقبة أسباب الهداية عند زوال أهله عن نهج الهدى قال الله تعالى قد جاءكم رسولنا يبين لكم والثالث كون المبعوث فيهم بموضع الحاجة إليه لخلاء جنسه عن أسباب العلم بقوله هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم وغيره والرابع كونه في أظهر الأماكن للخلق إذ هو معالم أهل الآفاق في الدنيا وقال الله تعالى وكذلك أوحينا إليك والخامس يعنى القوم ذلك وإظهار الرغبة في ذلك وإذا اقترح مقترح على ربه إزالة علته لم يكن تعجب قطع معذرته قال الله تعالى ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله قال وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير فهذه الخمسة مما حاجهم به في أحوالهم ثم ما حاجهم بما في أحوال النبي منها أنه نشأ في قوم لم يكن لهم كتب ولا دراسة مع ما لم يفارق قومه وما كان لهم كتب قد سبق له الإرتياض في دراستها ثم كان في ضمن تلك لو طرأ عليهم طارئ لا يجهل مكانه وذلك قوله أم لم يعرفوا رسولهم وقوله تلك من أنباء الغيب نوحيها وقد نشأ أميا والأمي لا يأخذ عن الكتب ولا يستطيع التحفظ من الأفواه غاية الحفظ إنما يكون ضبطه بصور معقولة روحانية يرتفع بها عن الوهم دليله ما لا يوجد عن مثله رواية الأشعار مخافة الغلط وغيرها ولذلك اشتد تعجبهم من حفظ القرآن وقال الله تعالى سنقرئك فلا تنسى وقا ل لا تحرك به لسانك ولذلك قال الموصوف بالحفظ إنه لأشد تعصبا من قلوب الرجال من النعم من عقلها قال الله تعالى وما كنت تتلو من قبله من كتاب وأيضا أنه لم يذكر عنه في سالف عمره التشاغل بنظم الكلام وتعاطى ضروبه ثم يمتنع عن مثله أن يتهيأ له ما يعجز عنه المعروفين بإرتياضه دليله أنه لم يطعن بشيء من ذلك بل لما قيل بقوله قال لهم فأتوا بسورة مثله سكتوا ولم يدعوا عليه إظهاره فيه قال الله تعالى قل لو شاء الله ما تلوته عليكم وأيضا أن الله تعالى أمرهم بتأمل أحواله هل يجدون ما يعذرهم في ترك الإكتراث إليه فلم يجدوا قال الله تعالى قل إنما أعظكم بواحدة وأيضا مما دعاهم إلى النظر في أموره أن هل يجدون فيه ما وجدوا في المتسمين بصنعه الكلام من التصدي للملوك لنيل الدنيا بل عرضت عليه المطامع من الثروة والرياسة ليرجع عن دينه مما لديه يعز البشر فلم يجب إلى ذلك ليعلم بالطبيعة المستمرة على ما فيه مخالفة الهوى وكف النفس عن الملاذ إنه على ما راضه الله وأكرمه لدار كرامته دون الميل إلى شيء من حطام الدنيا وقال قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين وأيضا ما حاجهم بالدعاء إلى النظر في الأديان ليعلموا تمسكه بأحسن ما في العقول مما فيه لزوم اختيار مثله فقال قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم وقال تعالوا إلى كلمة سواء وأيضا أنه تحداهم بالعجز عما أتى به من القرآن ليكون حجة له عند امتناعه عن وسع البشر مع ما وجدت الصناعة التي بها نباهة ورفعة من الكلام نوعان أحدهما صناعة الشعر بالنظم الرائع والتأليف المؤنق والثاني صناعة الكهانة بإفادة المعاني العربية من تقدمه القول على الأشياء الكائنة ثم وجد القرآن بنظمه مستعليا على ما جاء به الشعراء وبمعانيه على ما جاء به الكهنة فوجب أنه ليس من كلام البشر وفي مثله احتجاج الله تعالى قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن وقوله وما هو بقول شاعر وقوله وقوله كتاب أنزلناه إليك مبارك وقوله قل فأتوا بكتاب من عند الله وأيضا ما أشار من التأييد الذي يظهر دعوته ويفلح حجته بما يبصره على من شاقه وحاده إذ الله تعالى بعثه في أوان طموس من أعلام الهدى ودروس من آثار الدين إلى العباد لينقذهم من الردى ثم لما أقامه هذا المقام الجليل والخطب الجسيم لم يخله عن نصره والتمكين له ليقوى منه عليه بما أكرمه من المقام بقوله إنا لننصر رسلنا وقوله كتب الله لأغلبن أنا ورسلي وبمثله سبقت كلمته لعباده المرسلين ثم كان له أيضا من خصوص حال أن بعث إلى الناس كافة ووعد له الغلبة والنصر ليعلم أنه لم يرجع قوته إلى معونة بشرية يتوصل بها طلاب دول الدنيا إلى بغياتهم من إرث ملك في حسبه أو قنية مال يستمتع بها كان كما قال الله ووجدك عائلا فأغنى ولا عشيرة بل كانوا أشد الناس عليه وأجهدهم في إطفاء نوره حتى قد أخرجوه من بين أظهرهم طريدا وحيدا ثم مع ذلك لم يدعو شيئا مما تسره إليه النفس إلا أتوه فلم يمل إليهم بل صبر على كل أذى واحتمل كل أمر صعب فما رضى منهم إلا بالإجابة له في الحق قال الله تعالى لقد جاءكم رسول من أنفسكم وقال إلا تنصروه فقد نصره الله وقال ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم وقال وما أفاء الله وغير ذلك من الآيات والأدلة الصادقة أنه بالله قام وبه انتصر

قسم V01/P207–V01/P209

وأيضا مما حاجهم به ما ظهر من إنجاز الموعود في كل ما نطق به مما هو علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله ومن رام التوصل إليه ببعض حيل الإنسانية يضل حق ما جاء به في باطله وصدقه من كذبه ويحصل أمره على تمويه ومخادعة قال الله تعالى هل أنبئكم على من تنزل الشياطين فأخبر أن الكهنة يلقون ذلك من إفك الشياطين مما يختطفون فيحلون على اللمحة من لمح الحق أكاذيب القول وأباطيل الدعوى والأصل أن الكهانة محمول أكثرها على الكذب والمخادعة والسحر على الشبه والتخييل وما اختار الأنبياء يأخذونها على ألسن الملائكة البررة مما لا يوجد فيها غير الصدق والحق على التجربة والإمتحان وفعلهم حق ثابت على مر الأيام والزمان ولما أن كان كذلك ثم وجد كتاب الله ناطقا بإظهار دينه على كل الأديان مع ما أخبر من الحوادث والأكوان مثل قوله هو الذي أرسل رسوله بالهدى وقوله يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم وقوله أم يقولون نحن جميع منتصر وقوله إنا كفيناك المستهزئين وقوله قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم وقوله لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها وقوله ولا يزال الذين كفروا تصيبهم وقوله وإذ يعدكم الله وقوله ولقد صدقكم الله وعده وما جاء من التخصيص في أقوام أنهم لا يؤمنون وأنهم أصحاب الجحيم ثم ماتوا على الكفر وغير ذلك مما في كل من الأنباء الفانية الذي عند التدبير فيها يعلم أنه بالله علمها لتكون آيات له فمن تأمل ما عددنا من أحوال النبي عليه السلام علم أنه قد انتظمت جميع البراهين العقلية الدالة على نبوته وصلى الله على خير البرية ثم القول فيما بين المقرين بالرسل جملة والمنكرين لبعضهم على الإشارة أن نسألهم عن المعنى الذي له أقروا به أو أقر به سلفهم فإن أشاروا إلى معنى على تحقيق ذلك أنه من المعاني التي توجب النبوة ألزمناهم في نبوة محمد صلى الله عليه ذلك المعنى بعينه وإن كانت الآية مختلفة بأنفسها فإن المعنى الذي صارت الآية إنه غير مختلف وإن تعلقوا بظواهر الآيات لم يجدوا لأحد مثل الذي لمحمد عليه السلام في الأعجوبة والرفعة أو يخرجان على أمر واحد وإن ادعوا موافقتنا إياهم فإن جواب ذلك يخرج من وجوه أحدها يسأل عن علتهم قبل كوننا وظهور مواقفنا والثاني إنا قررنا بما ثبت لنا أن الذي أخبرنا بهم رسول وأنتم تنكرونه سقط دليلكم فما برهانكم والثالث أن يقابلوا بالفرق الذي لم يقروا وما بما ادعوا والرابع أن يقال إنما أقررنا نحن ممن قد أقر بنبوة نبينا فإن كان من يدعونه هو فقد ثبتت نبوة نبينا وإن لم يكن هو فما الدلالة على نبوة محمد ممن ادعيتم له النبوة ليسلم لكم ما أردتم وبالله المعونة آراء النصارى في المسيح والرد عليها قال الشيخ رحمه الله وتفرقت النصارى في المسيح فمنهم من جعل له روحين أحدهما محدثا وهو روح الناسوتيه يشبه أرواح الناس وروح لاهوتي قديمة جزء من الله صار في البدن ذلك وقالوا ليس إلا أب وابن وروح القدس وآخرون جعلوا الروح الذي في المسيح الله لا الجزء لكن فريقا منهم يجعل في البدن على كون الشيء في الشيء وفريقا التدبير لا على إحاطة البدن به وفيهم من يقول ليصل إليه جزء من الله تعالى ويصل جزء آخر قال ابن شبيب سمعت من مولديهم أنه كان ابن التبني لا ابن الولاد كما سمعت أزواج محمد عليه السلام أمهات وكما يقول الرجل لآخر يا بني

قسم V01/P209–V01/P212

قال الشيخ رحمه الله فيقال لهم إذ كانت الروح التي فيه قديمة وهي بعض كيف صار ابنا ولم يصل غيره من الأبعاض فإن قيل لأنه أقل لزمه جعل كل أبعاض العالم البنين للأكبر منها ويلزمه أن يجعل كل بعض من البقية كذلك فيصير بكليته بنين ثم المعروف أن الإبن يكون أصغر من الأب كيف صارا قديمين وإن جعل الكل في البذر قيل له أي شيء منه الإبن فإن قال الكل صير الكل ابنا وأبا وفي ذلك جعل الأب ابنا لنفسه فإن قيل هو جزء فيه من غير أن كان في كلية الأصل نفصان نحو الجزء المأخوذ من السراج عورض بما لو كان الجزء المأخوذ حادثا كما حدث في الذي يؤخذ من السراج فيبطل قوله في قدم الروح وهو الإبن وإن زعم أنه منقول من الله كالمأخوذ من السراج حل عليه ما سلف وبعد فما يدريه أن المأخوذ من السراج لا ينتقض فإن قيل معاينتنا إياه كذلك قيل لعل الله أحدثه أو يكون كالنار في الحجر فيخرج وأيهما كان فهو حادث والحادث مخلوق فلم جاز أن يكون إبنا قال من أن الله أظهر منه عجائب قيل وقد أظهر من موسى فقولوا هو ابن آخر فإن زعمتم أن ذلك كان بدعاء وتضرع فمثله أمر غيره مع ما يحكى عن عيسى أنه كان يقول ليلة الأحد اللهم إن كان من مشيئتك أن تصرف هذه الكأس المرة عن أحد فاصرفها عني فإن قيل كان عن عيسى البكاء والتضرع ليعلم الناس قيل مثله من موسى وبعد فإنه وموسى كانا يصليان نحو بيت المقدس ويتضرعان ثم البكاء والتضرع فعل الطباع لا يمتنع عنهما فما معنى التعليم ثم إن استحق هو ذلك بالعمل لزم ذلك في موسى وغيره فإن قيل استحق ذلك بإحياء الموتى لا غير قيل قد أحيا حزقيل إنسانا فإن عارض بالكثرة قيل اليهود يقولون موسى كان أكثر منه قال الفقيه رحمه الله وله أحيا عصا ميتة ثعبانا غير مرة فهو أعظم وإن احتج بإطعام البشر الكثير من طعام يسير عورض بنبينا إنه أحدث في إناء دقيقا لم يكن فيه فإن قيل صير الماء خمرا قيل اليسع أحدثه بلا عدة آنية لامرأة ثم صيره زيتا وإن احتج بالمشي على الماء فهم يقرون بذلك ليوشع بن نون ولإليا واليسع وإن استدلوا بالرفع إلى السماء فهم يقرون بذلك لإليا وقالوا ارتفع إلى السماء بمشهد من جماعة وإن احتجوا بإبراء الأكمه والأبرص ونحو ذلك فإحياء الميت أعظم منه وقد أقروا به لإليا واليسع مع ما عليهم في إقرارهم أن اليهود صلبوه وهزؤا به فإن كان الأول يدل على التعظيم فهذا يدل على التصغير وهلا صنع كصنيع إيليا حيث أتوه أن أرسل عليهم نارا فأكلتهم أكرمه الله به وإن رجعوا إلى إظهار العجائب في تحقيق التخصيص عورضوا بمن ذكرت وبعد فقولوا الله في السماء وفي الأرض لما أظهر في كل شيء منها عجائب فيوجب تخصيص كل شيء من الوجه الذي يخصونه فإن قال قوى المسيح على فعله لا أن فعل هو به قيل أكان يفعل الأجسام فإن قال نعم قيل أهو مخلوق فإذ قال نعم قيل بدنه وروحه كبدننا وروحنا ما باله قدر على ما لا نقدر عليه وقدر على ذلك بقوة هي جزء من الله أو قوة محدثة فإن قال بجزء هو يفعل أبطل قوله في فعل المسيح وهو إله المسيح ويكون هو الله لا المسيح وإن انقطع الجزء عن الله فإذا فعل كثيرا من الأجسام غير الله وإن ادعوا اتصاله بالله فيكون الفعل لها وهما لله فصار إلى أن الله هو الفاعل وإن زعموا أن فيه قوة يفعل بها الأجسام لا أنها بفعله جعلوا إله المسيح بعضه يصرفه كيف شاء وإن قال يفعل بنفسه لا بقوة حادثة عورض بناء على ما قررنا مسألة

قسم V01/P212–V01/P214

ثم نتكلم في دليل حدث الأجسام فإن صيره العقل لزمه في عيسى ذلك فإن قال السمع قيل ودليل صدق المسموع ما هو فإن قال حدوث الأشياء يصير حدوث الأشياء لا يعلم إلا بالسمع وصدق لا يعلم إلا بحدوث الأشياء فانقطع سبيل معرفة فيها إلا أن يقر بالعقل فيلزمه ذلك في المسيح ثم عارض من يقول ليس من الإكرام أعظم من قوله يا نبي قيل بلى يا أبي أكبر في التعظيم ولو قال يوجب التقدم أبطل اعتباره بالتعظيم لأنه من ذلك الوجه لا يراد بذلك ثم إذ ثبت ذا لعل غيره ممن قد سماه به فإن قيل في ذلك تسوية بنفسه قيل قد يقول الرجل لآخر يا أخي ولا يريد وبعد فإن في خلقه الكرام ولعل غيره سمى به فيشركه فيه الحواريون والأنبياء وعورض بالجليل من الأمور أنه يجوز القول به على الإكرام قيل أما النبوة فلا تجوز إلا في متفق الجنس لأنه لا يجوز أن يقول للحمار والكلب فلذلك لم يجز في الأول وفي الجملة جهة المحبة والولاية ويكون في غير الجنس كما يجب الحق في جهة الولاية والمحبة والملائكة ونحو ذلك مع ما يجوز أن يكون لله أخلاء وأحباب من الخلق ولا يجوز مثله في البنين ولا قوة إلا بالله والأصل في هذا عندنا أن الإختلاف رجع إلى وجهين أحدهما الربوبية والله تعالى جل ثناؤه قد بين إحالة ذلك بأكله وشربه دفع الحاجات إلى مكان الأقدار ووصفه بالصغر والكهولة وعبادته لله تعالى وتضرعه له وخضوعه ودعائه الخلق إلى عبادة الله وتوحيده وبشارته بمحمد صلى الله عليه وسلم وإيمانه بالرسل ثم جعل جل ثناؤه عليه جميع آيات الحدث وإمارات العبودة ما جعل في جميع العالم وكذلك هو صلى الله عليه وسلم لم يدع لنفسه سوى العبودة والرسالة فالقول له بالإلهية قول لا معنى له مع ما لو جاز ذلك لجاز لكل من البشر والعجب أنهم لم يكونوا في حياته ومقامه في الأرض يرضون له رتبة الرسالة مع ما له من البراهين ثم بعد رفعه أو موته عند عامتهم لم يرضوا له بالعبودة والرسالة حتى جعلوا له رتبة الربوبية ليشهد عليهم بالخلقة والجوهر والبيان وكل شيء منه بالكذب في الإبتداء والإنتهاء والثاني أن يكون ابنه وذلك يخرج على وجوه أحدها الولاد وذلك محال فاسد لغنى الرب عن أن تمسه الحاجة أو تغلبه الشهوة أو تعتريه الوحشة وهن أسباب طلب الولاد على إحالة كون الولاد من غير جوهر الوالد والله تعالى بذاته خارج عن شبه الخلق أو عن المعنى الذي يحتمل ذلك الوجه وعلى ما بين الله أنه لو اتخذ لهوا لما احتمل أن يتخذ مما عندنا وبعد فإن كل ذي ولد يحتمل الشرك وزوال ملكه إليه ومن هو بذاته رب ملك قادر لا يحتمل ذلك ومن يقول لا معنى له أن يكون جزء من الشيء ولده ويجب أن يكون غير كامل حتى يوجد وجهة الآيات لا يوجب ذلك لأن طريق معرفة البنوة في الشاهد ليس الآيات مع ما قد شورك فيها وبعد هو يدعى الصدق في الخلوص له بالعبودة فالآيات توجب ذلك لا غير أو من جهة الفضل ينسب إلى ذلك والأمر المعروف في الشاهد أن ذلك ليس من أسماء التعظيم بل تسميته المسيح والرسول أجل وأعظم في ذلك وبعد فقد أعطيت لكثير من الخلق من الله تعالى كرامات خصوا بها لم يوجب شيء منها إسم البنوة على أن البنوة في الكلام إنما هو من الصغار والضعاف لا من أصحاب القوة والرفعة وهكذا شأن أثر البنين فيكون بها إكرامه وتعظيمه بصغره إذ قد يكون ذلك من العظماء في الصغار ولا قوة إلا بالله أو أن يكون الله من حيث مفزعه وملجأه في كل أمر ونائبه فمن ذا الوجه كل الخلق كذلك وذلك كتسمية الهاوية أم أهلها والأرض أم أهلها فمن ذا الوجه يكون من حيث المفزع للخلق والمعمود إليه وإن كان لا يتكلم بمثله إلا بإذن ولا قوة إلا بالله مسألة أفعال الله

قسم V01/P214–V01/P215

زعم قوم من أهل التوحيد أن أكثر منتحليه خرج منه من وجهين إما جهلا بواجبه وإما عجزا عن تلخيص القول فيه من مذهب الثنوية وسائر الملحدين فزعم قوم أنه إذ كان كل مما يعقل لغير نفع فعله يقع فليس بحكيم ومن فعل فعلا لغير علة فهو عابث فظنوا أن لا يجوز لله أن يبتدأ فعل ضرر بأحد وأن ذلك يزيل الحكمة عنه فألزموه في كل فعل يفعله الأصلح لغيره في الدين والأحسن لغيره في العاقبة إذ هو متعال عن قول ينفعه أو عن أن يضره شيء فلم يروا له الفعل إلا بما ينفع غيره أو يدفع به الضرر عن غيره فيكون ذلك أيضا علة فعله على ما كان علة فعل كل حكيم منا ما تأمل من نفع عاجل أو آجل أو دفع ضرر لزم به فيجر بذلك حسن الثناء مع جزيل الثواب وضربوا لتقدير فعله بفعل غيره مثلا بما لا يجوز أن يكون منه الكذب أو الجور أو يكون منه الحركة من غير زوال أو السكون من غير قرار فثبت أن تقدير فعله على فعل الحكماء في الشاهد لازم إلا أنهم دفعوا عنه الإرتفاع بالفعل والإنحطاط بترك فعل ما فأوجبوا بذلك أنه بفعله لا يجر إلى نفسه النفع ولا يدفع عنها الضرر فيجب أن يكون فعله لحكمة بما ينفع غيره أو يدفع عن غيره الضرر وجعلوا ذلك علة فعله ليخرج عندهم فعله عن معنى العبث وبهذا الوجه خالفوا الثنوية إذ هم أبوا الفعل بغير نفع للفاعل فيه أن يكون من الحكمة فأثبتوا الفعل بجوهر الحكمة عند المزاج ليكون في خلاصه من جنس جوهر السفه فيصير فعله حكمة على التقدير بالشاهد مع ما كون شيء لا من شيء ممتنعا في الشاهد فأوجبوا لكلية العالم أصلا منه جعل وأنشئ لأنه لا فصل بين خروج الفعل عن حق الوجود في الشاهد فيلزم دفعه أن يكون ذلك من حكيم فخالفهم أهل التوحيد في هذين ثم ألزم فريق منهم إياه ما في العقل علة لم يكن له العقل دونها لما وجدوا فعل مثله في الشاهد عبثا وألزموا في فعل المضار لو كان لغير نفع يعقب سفها على ما ذكرت الثنوية في فعل لا ينتفع به الفاعل ثم تفرقوا فزعم قوم أنه لا ضرر في الحقيقة على المفعول به وإن سمع منه التضرع والشكوى وزعم قوم أن عليه في الحقيقة ضررا لكن عليه أن يعوضه عن ذلك ليصير الفعل به حكمة كالموجود في الشاهد ممن يحمل المؤن العظام وشرب الأدوية الكريهة مع القصد وقصد الخراج لتقع العواقب وليس له فعل الضار بغير إلا بعوض

قسم V01/P215–V01/P217

قال الشيخ من عرف الله حق المعرفة وعلم غناه وسلطانه ثم قدرته وملكه في أنه له الخلق والأمر عرف أن فعله لا يجوز أن يخرج عن الحكمة إذ هو حكيم بذاته غنى عليم والذي به الخروج عن الحكمة في الشاهد ويبعث صاحبه عليه جهله أو حاجته وهما منفيان عن الله فثبت أن فعله غير خارج عن الحكمة وعلى ما ذكرت يبطل أن يكون فعله في الحركة أو السكون إذ هما حاجتان يحلان في صاحبهما فيبلغه أحدهما إلى تأمل نفسه من الراحة والسلوى والآخر إلى ما يبلغه الهمة والرغبة إذ لا سبيل له إلى مقصوده إلا بالتحرك والزوال ولا إلى دفع الإعياء والتعب إلا بالقرار والسكون فأما الله سبحانه إذ ثبت غناه وقدرته بطل أن يعتريه حاجة أو يعتريه همة وعلى ذلك لما ثبتت قدرته وسلطانه وعلمه بطل وصفه بأن لا يقدر على فعل شيء ابتداء لا عن شيء إذ ذلك علم الحاجة وآية الضعف وحاجة جميع ما يحس ويبلغه علم البشر هي الدلالة على تقدير العالم وعالم به قدير غنى لم يجز إزالة ذلك بالذي عرف غناه وقدرته وحكمته وعلمه ولا قوة إلا بالله فلذلك لزم القول بضرورة العقل لجواز كون العالم لا عن شيء وخروج فعله على الحكمة وإن عجزت عقول حكماء العالم عن إدراكها لخروج وجه الحكمة عن نهاية قوة عقولهم على ما بينا من كون شيء لا عن شيء ومن جواز فعل ممن لا ينتفع به وبذلك تظهر حقيقة الأمر له وأن له الخلق والأمر ولكل ذي ملك أن يفعل في ملكه على قدر ما ملك منه ما شاء ولاقوة إلا بالله ثم الأصل أن الجور والسفه قبيحان وأن العدل والحكمة حسنان في الجملة لكن شيئا واحدا قد يكون حكمة في حال سفها في حال جورا في حال عدلا في حال نحو ما ذكرت من شرب الأدوية ثم أكل الأشياء وشربها ثم إتلاف الأشياء وإبقاؤها من أنواع الجواهر ما للحاجات أو للمجازات أو لحقوق أو لنحو ذلك وإذ ثبت حسن الحكمة في الجملة والعدل وقبح السفه والجور ولزم وصف الله تعالى في كل فعل خلقه في أقل ما يوصف أنه حكمة وعدل أو فضل وإحسان من حيث ثبت أنه جواد كريم غنى عليم وبطل أن يلحقه وصف الجور والسفه لما كان سببهما الجهل والحاجة قد ثبت انقسام الشيء الواحد على الجور والعدل وعلى الحكمة والسفه سببهما الجهل وجائز خفى وجه ذلك على الناظر المتأمل أو هو بالحس يريد الإطلاع على العلم به وقد ثبت احتمال الوجهين لايقع على واحد منهما الحس وعلم المتأمل ذلك بطل قضاؤه في شريعته على الإشارة إليه بالحكمة والسفه والعدل والجور فلزم بهذا جهل كل البشر لمعرفة حقيقة الأمرين في الشيء بالتأمل فيه أن يعرف جميع الأسباب التي بها تتغير أحوال المحسوسات على الحواس وإذا ثبت ذا بطل قول الثنوية بالإثنين فجهلهم بوجوه الحكمة في خلق الضار والنافع إذ قد يجوز أن يصير كل ضار في حال نافعا في أخرى وبطل من يقول من المعتزلة أن كل فعل لا ينفع آخر فهو غير حكمة مع ما لا يوجد ضرر البتة إلا وأمكن أن ينتفع به أحد إما من طريق الدلالة أو من طريق الموعظة أو ما فيه من تذكير النعمة وتحذير النقمة ومن تعريف من له الخلق والأمر في الخلق وغير ذلك مما يكثر ذكره ولا قوة إلا بالله ثم الأصل الذي يجعل الفعل في الشاهد سفها أحد أمرين إما تعدى الملك لا بإذن من له الملك لذلك الفعل أو لما فيه ركوب نهى ومخالفة الأمر ممن له الأمر والنهى وكل ذلك عن الله جل ثناؤه منفى ثبت أنه يتعالى عن احتمال لحوق هذا الوصف فعله ولا قوة إلا بالله

قسم V01/P217–V01/P219

وليس ذلك كالكذب لأنه لا يصلح بحال كالفعل الذي ينقسم على الحكمة والسفه والعدل والجور وهذا من حيث الجملة لا انقلاب له ومن حيث الوقوع في شيء على الإشارة إليه ممكن فيه الأمران باختلاف الأحوال والأسباب لذلك لزم وصف الله تعالى في الجملة بالتعالي عن فعل السفه والجور وفي الإشارة أيضا لكن لا يجوز أن يوصف فما ظهر فعله بالسفه والجور بما لا يبلغه علم البشر ولا يدركه عقل ولا قوة إلا بالله ثم جملة ما يعلم به فساد الوصف بالجور والسفه والكذب وجهان أحدهما قبح ذلك في العقول بالبديهة والفكر جميعا حتى لا يزداد عند التأمل والبحث عنه إلا قبحا لا عند طول النظر فيه إلا فحشا وليس ذلك كالقبيح بالطبع إن ذلك يصير حسنا بالإعتياد وطول الصحة كالذبح وأنواع ذلك وكذلك نجد جواهر الدواب والسباع والطيور مستوحشة عن الناس بالطباع نافرة عما يراد بها من أنواع المكاسب والأعمال ثم تخرج عنها بالرياضة والتعليم حتى يألف بالذي كان تنفر عنه ويصير ذلك له كأنه الطباع المجبول ولا يكون الذي قبح بالعقل بهذا الوصف أبدا بل يزداد على طول النظر في شأنه ثم على ذلك من احتمل فعله ذلك لا يوثق لوعده ولا يخاف وعيده ولا يرغب في خبره ولا يؤمن شره ومن ذا شأنه وعمله فمحال احتمال إضافة مثله إلى العليم الحكيم بذاته الغنى بنفسه مع الوصف بأن لا يخفى عليه شيء ولا يصعب عليه أمره فيما أراد بل على قول المعتزلة لا يؤمن منه هذا إذ قد تخرج أكثر الأشياء عن إرادته ويوجد ما لا يريده في سلطانه منه بلا سلطان له في الإخراج عنه إذ لم يرده ويريد زيادة سلطان ويتولى ذلك أن يكون فيمنع عن ذلك نحو ما يريد أن يكون جميع خلقه مطيعين ويكون له في سلطانه وملكه الطاعة لا المعاصي فلا يكون ثم قد كان وعد لقوم مددا لأعمارهم وهو المبقى لهم إليها وكان في وعده أن يرزقهم إلى تلك المدد أنواع الرزق ويسوق إليهم أنواع الخيرات فيأتى خلق من خلائقه فيقتلوهم قبل مضى المدة فيمنعه عن إنجاز ما وعدوا الوفا بالفعل الذي أخبرهم أن يفعله من إبقاء حياتهم إلى تلك المدة وفي ذلك إيجاب الحاجة ولحوق الكذب اللذين يحققان السفه والجور مع تحقيقهم له القدرة على الظلم والجور والسفه والكذب وكل فعل لو كان لأسقط الربوبية وأزال الإلهية فأدخلو إلهيته وربوبيته تحت القدرة والتدبير فمتى يكون مع مثله أمن البقاء ومع حاله سكون القلب بالوفاء بالذي وعد ولا قوة إلا بالله مع ما كان موصوفا بالجود والكرم والعفو والإحسان وفي الفعل بالوصف الذي ذكرنا زواله جل عن ذلك وتعالى والوجه الثاني أن الذي يدعو إلى تلك الأفعال ويبعث عليها الحاجة والجهل وقد ثبت تعاليه عن الأمرين إذ هما يسقطان الربوبية ويزيلان التدبير وفي وجود العالم على ما عليه من دلالة غنى صاحبه وعلمه بإعطاء كل شيء حقه دليل إحالة هذا الوصف لذلك بطل أن يوصف في شيء من فعله بذلك ولا قوة إلا بالله

قسم V01/P219–V01/P222

ثم إذ كان الله جل ثناؤه موصوفا بالعلم والقدرة والجبروت والحياة لذاته لإحالة إحتمال الأغيار وإن لم يوجد في الحكماء كذلك لم يجب تقديره في أفعاله على أفعال الحكماء في الشاهد وجملة هذا الأصل أنه لا حكيم في الشاهد إلا وهو محتمل للسفه وكذلك الغنى والقدير يحتمل لأضداد تلك الصفات وكان بها موصوفا حتى أكرم بأضدادها فإنه له منها قدر ما أعطى منها فهو متى رأى السفه في شيء بين أن يكون قد أعطى علم حقيقة الحكمة في ذلك أو لا أو بلغ علمه ما يدرك حكمته أو لا أو مما كان من صفته القديمة باقية فيه يمنع ذلك إياه عن الإحاطة بذلك فلذلك تبطل وجه دعوى العبد في فعل الله أن ذا ليس بحكمة ولا كذا والذي يوضح ذلك علمه بجهله بأكثر الأشياء وعلمه بحاجته وعجزه في أكثر الأمور وإحاطته بسفهه في أغلب الأمر ومن هذا وصفه في نفسه فخوضه فيما لله أن يفعل عبث وجهل على الإشارة إليه وليس دون لزوم الجملة اشترك فيها العقلاء إذ ذلك حقيقة عمل العقل في الجملة وقد أعطى كل ذلك عبث لا معنى له وللذي بينا قال الله تعالى لا يسأل عما يفعل وهم يسألون إذ فعل كل أحد يحتمل السفه والحكمة وفعله يجل عن السفه وعلى كل أحد أمر ونهى إذ هو لغيره في الحقيقة والله يتعالى عن ذلك ولأن كلا إنما ملك قدرا من الأشياء وجدا والله المالك لها بكليتها ونحو ذلك مما يحيل معنى سؤال الرب وإذا استحال ذلك فالجواب عنه تكلف لكن الله بمنه وفضله وعد الهداية لسبيله لمن جاهد فيه فألزم ذلك الخضوع له والتضرع إليه ليطلعه على مكنون حكمته على قدر ما يتفضل به عليه بكرمه فإنه على كل شيء قدير مسألة في أفعال الخلق وإثباتها الحمد لله المتوحد بالقدم والإلهية المتفرد بالدوام والربوبية ذي البرهان المنير والملك الكبير الذي فطر الخلق بقدرته وصرفهم بحكمته على سابق علمه ومشيئته وتقلب كل في مواهبه وإحسانه أنشأ الأشياء كيف شاء لا يسأل عما يفعل وهم يسألون لما يتمكن منهم السفه والحكمة ليزجروا بالسؤال ثم بالجزاء عن السفه ويرغبوا في الحكمة ونسأله أن يكرمنا بالتوفيق ويجدد عزمنا التسديد وينور قلوبنا بالتوحيد فإنه حميد مجيد أما بعد فإن الله تعالى لما خلق البشر للمحنة بما جعلهم أهل تمييز وعلم بالمحمود من الأمور والمذموم وجعل ما يذم منها قبيحا في عقولهم وما يحمد حسنا وعظم في أذهانهم إيثار القبيح على الحسن والرغبة فيما يذم على ما يحمد دعاهم على ما عليه ركبوا وما به أكرموا إلى إيثار أمر على أمر وقبح في عقولهم إحتمال أمثالهم جعل الله جميع ما لهم فيه متقلب بين ضرر يتقى ونفع يرغب فيه ليكون ذلك لهم علما للموعود مما به الترغيب والترهيب وأنشأهم على طبائع تنفر عن أشياء وتميل إلى أشياء وأراهم في عقولهم حسن بعض مما تنفر عنه الطباع بحمد العواقب وقبح بعض ما تميل إليه بذم العواقب فصيرهم بحيث يحتملون المكروه على الطباع بلذيذ العاقبة ويقهرونه عما يدعوهم إليه بشهى النهاية ثم امتحنهم إذ أبت عقولهم احتمال أمثالهم ورغبت في محاسن الأعمال ومكارم الأخلاق باختيار ما حسن من الأعمال واجتناب ما قبح من ذلك ثم جعل ما فيه محنتهم أمرين العسير واليسير والسهل والصعب إذ هم بلا محنة يتعاطون الأمرين جميعا لما إليه مرجع ما أقدموا عليه وامتنعوا وعلى ذلك جعل الأسباب التي بها التوصل لهم إلى الأصل الذي به يرتقى إلى كل درجة وينال كل فضيلة وهو العلم على وجهين على الظاهر البين والخفى المستور ليتفاضل بذلك أولوا العقل على قدر تفاضلهم في الإجتهاد وإحتمال ما كرهته الطباع ونفرت عنه النفس وعلى ذلك جعل سبيله قسمين أحدهما العيان الذي هو أخص الأسباب وهوالذي ليس معه جهل ليكون أصلا لما خفى منه والثاني السمع الذي عن دلالة الأعيان يعرف صدقه وكذبه ثم جعل السمع قسمين محكم ومتشابه ومفسر ومبهم ليبين منتهى المعارف من الكف فيما يجب ذلك والإقدام فيما يلزمه ومن حمل المبهم على المفسر لزم المحكم وعرض المتشابه عليه ما أمكن أن يكون ما فيه مما يلزم تعرفه ومما إليه حاجة بأهل المحنة أو ترك الخوض في ذلك فيما أمكن الغنا عن تعرف حقيقة ما فيه فيكون محنة الوقوف إذ الله تعالى يمتحن بوجهين بالتسليم مرة وبالطلب ثانيا وإنما على العبد الطاعة في قدر الأمر ولما جمع جل ثناؤه كتابه على الأمرين يعرف الناس الدين أقروا بالكتاب أنه حق من عند الله لا يسع العدول عنه وأن من لزمه أفلح ونجا ومن مال عنه شقى وخسر حتى ظن كل فريق أنه قد أصاب المحكم من ذلك ولزمه وأن عليه فيما ذهب إليه خصومه أن يقف في ذلك أو يجمله على ما تقرر عنده فيما اعتقده فألزم تفرقهم الحاجة كلا يعرف المحكم من المتشابه لزوم العلم بالمتشابه أن لا يتناقض المحكم منه ثم معلوم أنه لا يحتمل القرآن الإختلاف وبه وصف الله أنه ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا وفي العقل إن تناقض أدلة من له الأدلة وهو دليل سفهه وجهله فثبت بذلك ان الذي له تفرقوا ليس من حيث القرآن ولا لما ليس فيه بيان بل دل تكليف الرد إلى القرآن ولزوم اتباعه على أن فيه بيان ذلك وإنما خفى المحكم على من لم يبلغه لمعان إما ميل طبيعة الجوهر إلى ما يتلذذ به أو لإلف بعض ما اعتاده أو لتقليد من وثق به أو لتقصير في الطلب أو لثقة منه بعقله أحب أن يسوى عليه حكمة الربوبية دون أن اتبع عقله ما ألقى في سمعه فصار به المحكم عنده متشابها أو لتقصير في البحث إذ الوجوه التي هي وجوه الشبهة على الذين عدلوا عن التوحيد على شهادة كلية الأشياء له بذلك ولا قوة إلا بالله