Qur'an&Sunnah

Mâtürîdî — Kitâbü't-Tevhîd (Mâtürîdî)

قسم V01/P388–V01/P390

ثم إن الله عز وجل شهد لمن آمن بالله ورسوله واليوم الآخر بالإيمان بقوله آمن الرسول وقد مدح بقطع القول به بقوله قولوا آمنا بالله ثم خاطب الله في كثير من العبادات بإسم الإيمان وفي كثير من الحل والحرمة في ذلك ثم لم يوجد أحد يخرج في شيء مما أحل بإسم الإيمان وأمر به ظنا منه بنفسه أنه ليس تحقيق لذلك الإسم وأن المراد ينصرف إلى غيره فكذلك في التسمى ثم الأصل في ذلك أن الإيمان مما ينسب إلى الله بالإنعام كقوله تعالى صراط الذين أنعمت عليهم وبالإمتنان بقوله يمن عليكم وبالتزيين في القلوب والتحبيب بقوله ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وبالأفضال قوله فلولا فضل الله عليكم ورحمته فلا يخلو من يستثنى من أن يكون عرف صدق نفسه وعظيم نعم الله وأفضاله أو لم يعلم ذلك أو علم أنه على غير ذلك فإن علم أنه على غير ذلك فبعدا له فإن الثنيا لا تنفعه سوى الإرتياب فيما زعم أنه لم يعلمه وإن لم يعلم صدقه فيما قال ولا إمتنان الله وأنعامه فويل له إذ جهل أعظم نعم الله وكفر به وإن علم ذلك فإن في حرف الشك عند السامعين ستر نعم الله وكفران مننه فذلك آية الزوال وسبب المحق والله الموفق ثم الأصل عندنا أن الثنيا حرف يستعمل في موضع التحرج وهذا موضع لو تحقق الذي له يتحرج لا ينفعه التحرج بل يلزمه مقت الله ونقمته ولو لم يتحقق يلحقه حكم كفران نعم الله حيث لم يره منه ولم يشكر له إذ أوجب له ولايته وأضاف إلى نفسه الأخراج من الظلمات إلى النور ولا قوة إلا بالله ثم الحق على مذهب المعتزلة والخوارج والحشوية الإستثناء في الدين وبخاصة في الإيمان فأما عند المعتزلة والخوارج فإنه يخرج من حيث لا يشعر به ويمتنع عن الإجابة من حيث لا يعلم به وإذا كان كذلك فهو أبدا في جهل من حاله فحقه أن يتسمى به وعلى ذلك لم يسمع أحد سمى نفسه برا تقيا زكيا طيبا مطيعا لله إذ هو اسم لأحد نوعي الخيرات أو لها جميعا فالإيمان عند ذلك ما كان لهم التسمى به دون الثنيا وكذلك الحشوية إذ القول عندهم في الإيمان وفي كل من أسماء المدح واحد ولا يسمون بغير ذلك بلا ثنيا وفي لزوم هو لا في مذهبهم الثنيا ثم الله تعالى قال يا أيها الذين آمنوا في غير موضع باسم مقطوع لم يجز أن يستحق شيئا مما جرى الخطاب به من أمر ونهى ووعد ووعيد وترغيب وترهيب فيكون عامة آيات الله في الخطاب خارجة مخرج عبث إذ الحق من جملة المذاهب من لا يلزمه هذا القول بمذهبه قال أو لم يقل والله الموفق فإن قال قائل فقد ذكر الله الثنيا في غير موضع الشك فيجوز الثنيا على ذلك ثم قوله لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين قيل هذا ليس لكم لأنا قد بينا تحقيق الشك على مذهبكم ثم لم يكن الإحتجاج بخروج عن موضع الشك ولو كنتم كذلك إذ قد ذكر الله أهل اليقين في غير موضع بإسم القطع فقولوا لا يتم بلا ثنيا ولا قوة إلا بالله

قسم V01/P390–V01/P393

ثم يقال قد ذكر الله تعالى الظن ولعل وعسى والخوف في موضع اليقين فقولوا عند السؤال نظن ونخاف ولعل ومثل ذا فإذ لم يجب هذا بما العرف فيه عبر وإن اعترض في مواضع لهذه الأحرف مساغ في حق اليقين لعلك وكذلك أمر الثنيا ثم يعارض لجميع ما ذكر من الإيمان بالله ومحمد مع الثنيا فإيذا كان القول ممتنعا والواصف به في حق من لم يؤمن قلوبهم فكذلك الأول وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن أفضل الأعمال فقال إيمان لا شك فيه وجهاد لا غلول فيه وحج مبرور فقال الله تعالى إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا فإن قيل ما الحكمة في قوله لتدخلن المسجد الحرام قيل يخرج هذا عندنا على وجوه والله أعلم بحقيقة ذلك لكنه خبر أخبر عن قول غيره لم يقل لتدخلن إن شئت ولكن قال إن شاء الله ليعلم أنه قول غيره ثم احتمل أن يكون الله علم رسوله أن يقول ذلك ويستثنى لما هو وعد وقد كان قال ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ولأفعلنا ولتدخلن واحد لكنه أمر بالثنيا إن كان وعده له أو لا ليعلم الناس حق الوعد كما أمره بالمشورة ليعلم الناس خطرها أو لما كان أضاف الله إليه الدخول وقد كان وعد خاصته أو من بقى منهم فالثنيا لما خشي الفناء على بعض المخاطبين أو كان في قوله لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ثم هو يتوجه وجهين أحدهما أن يكون رأي كذلك قولا مقرونا بالثنيا فذكر على ذلك إذ كان رسول الله أخبر القوم بالدخول لوقت لم يبين له فاستثنى في ذلك وذلك حق في كل ما يرتاب لا ما يتقين فيه على ما ذكرنا فمن كان على يقين من دينه وعلم من صدق ممن يعلم حد الإيمان وأنه قد أوفاه فعليه أن يقوله شكرا لما أنعم الله به عليه وليس في ذلك تزكية لاشتراك الجميع في ذلك ولما أمروا به ولما هو معلوم الحد ولما باليقين به يعلم مواقع الخطاب ودخوله فيه ولما يعلم أن الله إذ سماهم به سماهم بما استحقوا ذلك مع ما ألزم الله عز وجل بظاهر الدين أحكاما من معاملات الخلق وأنواع الحقوق مما يلزمهم إظهار ذلك للقيام بالحقوق التي يلزم الناس بها ولا قوة إلا بالله العظيم مسألة ألحقت بالمتن في نسخة مسألة الإسلام والإيمان تكلم الناس في الإسلام أنه اسم الإيمان في التحقيق أو غيره فأما من يقول بأن الإيمان اسم لجميع الخيرات فقد اختلفوا في ذلك خلافا يشبه أهل القول به وإلا فلا معنى لاختلافهم إذ احتجوا بقوله تعالى ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وصيروا لكل شيء يقبل إسلاما وكل خير إيمان وكل مقبول خير وكل خير مقبول فيكونان في الحقيقة واحدا لكنهم فرقوا بينهما استدلالا بتفريق الكتاب بقوله قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا فأذن لهم بالخبر عن الإسلام ولم يأذن لهم بالإخبار عن الإيمان وكذا روى في قصة جبريل فيما سأل رسول الله عن الإيمان فقال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله وسأل عن الإسلام فقال أن تشهد أن لا إله إلا الله وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت فقال في الأول فإن فعلت هذا فأنا مؤمن وفي الثاني فأنا مسلم قال نعم صدقت قال ففرق الكتاب بين الأمرين ثم السنة ثم تصديق جبريل في ذلك ثم الشهادة بالإسم الذي ذلك فعله ثم أخبر عليه السلام أن هذا جبريل أتاكم ليعلمكم أمر دينكم ولا يحتمل إجتماع أمناء السماء والأرض على تعليم أمر بالتفريق والحق فيها الجمع فثبت به التفريق بينهما

قسم V01/P393–V01/P395

ثم اختلف الذين قالوا الإيمان هو التصديق لا غير في الإسلام فمنهم من يوافق هو لا في جعل الإسلام إسما لما ظهر من القرب والإيمان للتصديق خاصة إستدلالا بالذي ذكرت من حكم الكتاب والسنة إنه إذن للأعراب بالتسمى بالإسلام بالظاهر ولم يأذن بالتسمى بالإيمان لما لم يكن لهم حقيقة في القلب ومثله الخبر إذ رد الإسلام إلى ظواهر الأمور والإيمان إلى التصديق بالذي ذكر وهذا القول أقرب بظاهر القولين من الأول لأن الأولين لم يجعلوا اسم الإسلام على الظاهر والإيمان على التصديق بل جعلوا الإسلام على الظاهر والباطن جميعا فهم خالفوا جميع ما احتجوا به مع ما كان كل منهم إذا سئل عن الإيمان أضافه إلى جميع الخيرات فعلى قولهم خالفوا ما احتجوا به من القرآن ببيان الموضع له وبما جاء من تفسير الأمناء في ذلك ولا قوة إلا بالله وأما القول عندنا في الإيمان والإسلام إنه واحد في أمر الدين في التحقيق بالمراد وإن كانا قد يختلفان في المعنى باللسان ولما فيه من الإختلاف أبت أنفس الكفرة التسمى بالإسلام وليس أحد منهم يأبى التسمى بالإيمان أو لما كان من المعروف من الإسلام أنه اسم الذين وليس كذلك المعروف من الإيمان ولذلك قيل دار إسلام ودار الكفر ولم يقل دار إيمان ولا تكذيب وإن كان الكفر تكذيبا فعلى ذلك أمر التسمى به ثم من جهة التحقيق بالمراد في الدين إن الإيمان هو اسم لشهادة العقول والآثار بالتصديق على وحدانية الله تعالى وأن له الخلق والأمر في الخلق لا شريك له في ذلك والإسلام هو إسلام المرء نفسه بكليتها وكذا كل شيء لله تعالى بالعبودة لله لا شريك فيه فحصلا من طريق المراد فيهما على واحد إلا أن الأول بالإيمان بالله وأن له ما ذكرنا والثاني في جعل ما ذكرنا لله يشهد لما بينا قوله جل ثناؤه ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون أن وصف المسلم بمن هو سلم لرجل والكافر بمن فيه شركاء متشاكسون ثم قال قوم الإسلام في اللغة الإخلاص وعلى ذلك قوله إذ قال له ربه أسلم وقوله آمنا بالله إلى قوله ونحن له مسلمون فهو على إخلاص العبد نفسه لله تعالى ولا يجعل لأحد فيها شركا وهو يرجع أيضا إلى ما بينا وقال قائلون الإسلام الإستسلام والخضوع لله وعلى هذا أمر الأعراب أن يقولوا أسلمنا لكن ذلك على الإستسلام للمؤمنين لا لله كما قال جل وعلا لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله وكما وصفهم في قوله يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو وغير ذلك مما أظهر به خوف المنافقين من أصحاب رسول الله ولذلك كانوا يظهرون الإيمان بالله ورسوله وينكرون بقلوبهم والإسلام هو الخضوع لله تعالى والإستسلام له بالإختيار على ما هم عليه لله بالخلقة والجوهر والإيمان لا يتوجه إلى هذا الوجه فنفى عنهم وإن كانوا أظهروه من عند أنفسهم لأن حقه القلب واللسان معبر عنه لذلك شهد الله تعالى على المنافقين بالكذب بما أخبروا من إيمانهم إذ حقيقته بالقلب ولم يكن لهم ذلك ولهذا ما بقى إيمانهم وأثبت لهم القول به لا غير ولا قوة إلا بالله ثم إذا كان حقيقة الإسلام ما ذكرنا وحقيقة الإيمان ما ذكرنا ففاسد وجود أحدهما بالحقيقة والآخر ليس وجوده بالحقيقة فلذلك قيل هما واحد في التحصيل وإن كانت العبارة من الإسم في الإطلاق ربما تختلف كالإنسان وابن آدم ورجل وفلان يختلف من ظاهر الإسلام المعنى وفي التحقيق واحد من حيث كان بوجود واحد وجود الآخر إلا من الوجه الذي وصفت في حق الإسلام الذي هو باللسان والله أعلم

قسم V01/P395–V01/P397

ثم الأصل أنه من البعيد عن العقول أن يأتى المرء بجميع شرائط الإيمان ثم لا يكون مسلما أو يأتي بجميع شرائط الإسلام ثم لا يكون مؤمنا ثبت أنهما في الحقيقة واحد ومعلوم أن الذي يسع له التسمى بأحدهما يسع بالآخر وأن الذي به يختلف الأديان إنما هو الإعتقاد لا بأفعال سواه وبالوجود يستحق كل الإسم المعروف لذلك وجب ما قلنا وقد قال الله تعالى إن الدين عند الله الإسلام وقال ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه فالمؤمن بالصفة التي يصير بها مؤمنا لا يخلو من أن يكون أتى بالإسلام الذي هو الدين عند الله أو أتى ببعضه لا كله أو ابتغى غير دين الله فإن قال بالأول أذعن للحق وإن قال بالثاني فهو إذا لم يبتغ به دينا إنما ابتغى بعضه وذلك بعيد بل شهد الله على مثله بأنه كافر حقا وبعد فإن كل كافر قد يأتى ببعضه ثم لم يجب به الإسم وقد سمى به من ذكرت ثبت أنه قد أتى بالكل وإن قال بالثالث صير دار المؤمنين النار وأبطل جميع ما جاء به الرسل من الأمر بالإيمان بهم ثم لم يصر مسلما بذلك وجاء بما لا يقبل منه من الأديان ثبت أنه التام من الدين ولا قوة إلا بالله ثم الإختلاف الذي من خبر جبريل عليه السلام قد روى في ذلك اختلاف في اللفظ روى عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الإيمان ثم عن شرائع الإسلام فأجاب بالذي ذكر في السؤال عن الإسلام فيكون هذا الخبر تفسيرا للخبر الأول ويحمل الخبر الأول على جهتين إما على أن الراوي لم يسمع الشرائع في السؤال أو في الرواية عن الذي رواه فروى كذلك يؤيده خبر ابن عمر أن ذلك قد كان ومن البعيد أن يكون مقدار الأول ويؤيده ابن عمر لما يسقط الشهادة بما يخبر عن جبريل وعن الرسول بغير الذي قالا وغير مدفوع حقا البعض على بعض فيرونه على ما وقع عنده وأيد هذا ما ذكر في بعض الأخبار أن النبي عليه السلام قال هذا جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم وروى في غيره ليعلمكم أمر دينكم فكان في الخبر أمر دينكم وإن خفى على الآخر فمثله الخبر الأول والجهة الثانية على أن الإكتفاء به بوجهين أحدهما أنهم قد علموا أنه لا يجوز أن يكون مؤمنا غير مسلم في الحقيقة أو مسلما غير مؤمن فرأوا أن ذلك القدر كاف عن الإبلاغ في الذكر لظهور ذلك والآخر أن يكون الثاني عنده البيان عن أفعال الإسلام يرويه بإسمه على مجاز اللغة في تسمية الشيء بإسم سببه وإسم المتصل به ثم قد ثبت أنهما واحد في التحقيق على ما جرى به أحكام القرآن قال الله تعالى قولوا آمنا بالله إلى قوله ونحن له مسلمون فألزمهم اسم الإسلام بالذي به صاروا مؤمنين ومثله في يونس وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين فصيرهم بالذي آمنوا مسلمين وقال عز وجل يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين صير ذلك منهم إسلاما لو صدقوا في إيمانهم وكذلك به يكونون مؤمنين وقالت الملائكة فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين فصير الذين كانوا مسلمين مؤمنين ثم كذلك إن الله تعالى ذكر البشارة مرة بذكر الإيمان ومرة بذكر الإسلام ثبت أنهما في الحقيقة واحد وقد روى عن نبي الله عليه السلام أنه قال لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة وروى أنه لا يدخلها إلا نفس مسلمة ثم الأمر المتوارث من غير تنازع في تسمية كل مسلم مؤمنا وكل مؤمن مسلما

قسم V01/P397–V01/P398

ثم اتفاق أهل المذاهب في الإسلام أن ما يخرج من الإيمان يخرج من الإسلام وكذلك الذي يخرج من الإسلام يخرج من الإيمان ثم ما لا تنازع في الآخرة في جميع الفرق أن الدار التي هي لأهل الإسلام هي لأهل الإيمان وأن التي هي لهؤلاء هي لهؤلاء وكذلك قسم الله الخلق في الدنيا والآخرة فقال فمنكم كافر ومنكم مؤمن وما نظر صاحب القول في المسلم من هو منهما وقال الله تعالى يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فما فتوى صاحب هذا القول في المسلم أنه ما صفة وجهه وقال ومن يسلم وجهه إلى الله وقال ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين فما حاله لو قال أنا من المؤمنين وقال ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن كما قال ومن يسلم وجهه إلى الله ثم يقال لصاحب هذا القول تحقق هذا الإسم بأحدهما ويمنع الآخر حكما في أمر الدنيا والآخرة أو لا فإن حقق فيقال ما ذلك إلا أي الدارين يرد المسلم أو المؤمن ثم في الشاهد أي الإسمين أحمد وأي حق فيما بين العبد وربه أو بينه وبين الخلق تحقق له عند وجود أحد الإسمين ولا تحقق عند وجود الآخر فلا يجد إلى تحقيق ذلك سبيلا فيقال عند ذلك إذ لم يجعل الإسم بأحدهما علما لأمر منعت المسمى بالآخر وكذلك فيما يلحق الضرر فإذا صرت أنت بالتفريق عابثا ملبسا ثم الناس في عهد رسول الله ثلاثة مؤمن وكافر ومنافق لم يعرف للمسلم درجة خارجة من هؤلاء ولا للمؤمن وفي التفريق ذلك وذلك خلاف ما عليه الأمر الأول من الخلق على أن أهل الأديان جميعا فروا عن إسم الإسلام فلو لم يكن الإسلام معروفا عندهم أنه ما معناه وما الذي نفر عنه طباعهم لكان لا معنى لذلك وبه وصف الرسل أنهم سموا وإذا ثبت أنه معلوم عند الخلق فمن رام صرفه إلى معنى زائد في الدين أو إلى معنى زائد على الإيمان أو ناقص عنه يجب إن ذهب إلى معنى ناقص عنه أن يجعل الإسلام دون الإيمان فيجب حقيقته والتدين بذلك الدين ثم لا يكون مؤمنا وإن كان زائدا فيجب أن لا يقع النفار عن قدر ما يدعون إلى الإيمان وإن لم يوصف لهم أنه أسلم فإذ وجد ذلك ثبت أن معنى ذلك غير زائد على الآخر ولا له وجود دونه ولا قوة إلا بالله وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدل دينه فاقتلوه ثم بين الله دينه فقال فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فيقال أهو مسلم أو لا فإن قال لا فقد بدل إذا دين الله وإن قال نعم صار مسلما بفعل الإيمان لا غير على أن هذا الخبر في تبديل الدين وأنه معروف أنه الإعتقاد لا غير وأن المراد في ذلك راجع إلى الدين الذي هو الإسلام ثبت أنه معروف الحد والقدر يعرف مبدله ولو كانت الأفعال سوى الإعتقاد دينا كان كل واحد في كل أحواله مبدل الدين لوجود تلك الأفعال أفعال من القرب في كل وقت ولا قوة إلا بالله

قسم V01/P398–V01/P401

ثم يقال له الخبر الذي رويت في هذا الباب في تفسير الإسلام فيه ذكر الأمور الظاهرة وكذلك أهل النفاق يوافقون المؤمنين في الأمور الظاهرة وقد قيل لهم قولوا أسلمنا أهو الإسلام في الحقيقة أو لا فإن قال نعم هو الإسلام في الحقيقة صير قوله إن الدين عند الله الإسلام وقوله ورضيت لكم الإسلام دينا هو الذي ذكر فيجب أن يكون قوله ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين وقال كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم هو ذلك الذي قال لهم قولوا أسلمنا وما جاء به الخبر لوجود تلك الشهادة في أهل النفاق وتلك الأفعال فيكون المخلصون والمؤمنون قد ابتغوا غير الإسلام دينا وتركوا ما رضى الله عنهم وأهل النفاق الذين جاءوا به وذلك بعيد فثبت أن ذلك الإسلام الإنقياد والإستسلام وأما حقيقته فهو الدين في الحقيقة لا ما ذكر من الظواهر دليل ذلك الأمر الذي ذكروا أن الله قال في آخر السورة يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم ولو كان الإسلام ما أظهروا كيف قال إن كنتم صادقين ثم فيه أنه جعلهم مسلمين كما قالوا إن هدوا للإيمان لا بما أظهروا ثبت أن الإيمان هو الإسلام وكذلك قال ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ثم بين ذلك الدين الذي هو الإسلام وقال كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم صير ذلك لم يقبل دينا غير الإيمان الذي وصف ثم جعلهم مبدلين دين الإسلام بالكفر بعد الإيمان ليعلموا أنهما واحد مع ما كان فيما تقدم كفاية من قوله قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا إلى قوله مسلمون والأصل عندنا أن الأسماء إنما جعلت لمعرفة أهلها فيما أريدوا بأمور جعلت لهم وعليهم وفيما وعدوا وأوعدوا ثم لم يكن أحد يخير فيما جرى آية الذكر بإسم الإيمان أو الإسلام ممن ينتحل دين الإسلام في اقتضاء الذكر إياه من حيث الإسم ثبت أن حقيقتهما واحد وأن من يروم التفريق بينهما من بعيد يخترع و لا قوة إلا بالله تعالى وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين

نهاية النصّ المتاح.