Teftâzânî — Şerhu'l-Makâsıd (Mâtürîdî/Eş'arî kelam)
الأول أن الوجود والوجوب والإمكان إن كانت أمورا اعتبارية لا تحقق لها في الأعيان لم تصلح أجزاء من العلة الموجدة وإن كانت وجودية متحققة فسواء صدرت عن الواجب أو عن العقل لزم كون الواحد مصدرا لأكثر من الواحد وكذا لو جعلنا جهات كثرة العقل تعقله للوجوب ونحوه الثاني أنه يلزم على ما ذكر أن يصدر عن كل عقل فلك ونفس وعقل إلى مالا يتناهى فلا تنحصر العقول في عدد فضلا عن العشرة الثالث أن حديث إسناد الأشرف إلى الأشرف خطابي لا يليق بالعلوم البرهانية الرابع أن إسناد فلك الثوابت مع كثرتها إلى العقل الثاني باعتبار إمكانه يثبت صدور الكثير عن الواحد وكذا إسناد الصور والأعراض العنصرية إلى العقل الأخير الخامس أنه لو كانت الحيثيات العدمية والاعتبارية كافية في صدور الكثير عن الواحد لجاز إسناده إلى الواجب باعتبار ما له من السلوب والإضافات السادس أنه إذا كانت العقول مختلفة بالنوع حتى كان الأخير مما تنقطع عنده سلسلة العقول والأفلاك بأن لا يصدر عنه فلك وعقل ونفس جاز في جانب الابتداء أن لا يصدر عن العقل الأول إلا عقل ثان وعن الثاني إلا عقل ثالث وهكذا حتى يكون صدور الفلك الأعظم بعد صدور عقول كثيرة وحينئذ لا يصح الجزم بأنه يصدر عن العقل الأول فلك وعقل ونفس وبأن العقول عشرة على عدد الأفلاك مع الأول كيف والأفلاك الجزئية كثيرة يستدعي كل منها مبدأواعترفوا بأنه يحتمل أن يكون بين الفلك الأعظم وفلك الثوابت أفلاك كثيرة وأن يكون كل من الثوابت على فلك هذا ولا يخفى أن كلا مهم في هذا المقام مع ابتنائه على أن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد يشتمل على مقدمات أخر ضعيفة وأن الاحتمال والأولوية لا يجدي نفعا في المطالب العلمية قال المبحث الثالث
جعل هذا من مباحث العقول نظرا إلى أن الملائكة عند الفلاسفة هم العقول المجردة والنفوس الفلكية وتخص باسم الكروبيين مالا يكون له علاقة مع الأجسام ولو بالتأثير والقائلون من الفلاسفة بالجن والشياطين زعموا أن الجن جواهر مجردة لها تصرف وتأثير في الأجسام العنصرية من غير تعلق بها تعلق النفوس البشرية بأبدانها والشياطين هي القوى المتخيلة في أفراد الإنسان من حيث استيلائها على القوى العقلية وصرفها عن جانب القدس واكتساب الكمالات العقلية إلى اتباع الشهوات واللذات الحسية والوهمية ومنهم من زعم أن النفوس البشرية بعد مفارقتها عن الأبدان وقطع العلاقة منها إن كانت خيرة مطيعة للدواعي العقلية فهم الجن وإن كانت شريرة باعثة على الشرور والقبائح معينة على الضلالة والانهماك في الغواية فهم الشياطين وبالجملة فالقول بوجود الملائكة والجن والشياطين مما انعقد عليه إجماع الآراء ونطق به كلام الله تعالى وكلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وحكى مشاهدة الجن عن كثير من العقلاء وأرباب المكاشفات من الأولياء فلا وجه لنفيها كما لا سبيل إلى إثباتها بالأدلة العقلية ( قال وزعموا أن لكل فلك روحا ) يشير إلى ما ذهب إليه أصحاب الطلسمات من أن لكل فلك روحا كليا يدبر أمره وتتشعب منه أرواح كثيرة مثلا للعرش أعني الفلك الأعظم روح يدبر أمره في جميع ما في جوفه يسمى بالنفس الكلية والروح الأعظم وتتشعب منه أرواح كثيرة متعلقة بأجزاء العرش وأطرافه كما أن النفس الناطقة تدبر أمر بدن الإنسان ولها قوة طبيعية وحيوانية ونفسانية بحسب كل عضو وعلى هذا يحمل قوله تعالى يوم يقوم الروح والملائكة صفا وقوله تعالى وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وهكذا سائر الأفلاك وأثبتوا لكل درجة روحا يظهر أثره عند حلول الشمس تلك الدرجة وكذا لكل يوم من الأيام والساعات والبحار والجبال والمفاوز والعمران وأنواع النباتات والحيوانات وغير ذلك على ما ورد في لسان الشرع من ملك الأرزاق وملك الجبال وملك البحار وملك الأمطار وملك الموت ونحو ذلك وبالجملة فكما ثبت لكل من الأبدان البشرية نفس مدبرة فقد أثبتوا لكل نوع من الأنواع بل لكل صنف روحا يدبره يسمى بالطباع التام لذلك النوع تحفظه من الآفات والمخافات وتظهر أثره في النوع ظهور أثر النفس الإنسانية في الشخص وقد دلت الأخبار الصحاح على كثرتهم جدا كقوله عليه السلام أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجدا وراكع قال وعندنا ظاهر الكتاب والسنة وهو قول أكثر الأمة أن الملائكة أجسام لطيفة نورانية قادرة على التشكلات بأفكار مختلفة كاملة في العلم والقدرة على الأفعال الشاقة شأنها الطاعات ومسكنها السموات هم رسل الله تعالى إلى أنبيائه عليهم السلام وأمناؤه على وحيه يسبحون الليل والنهار لا يفترون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون والجن أجسام لطيفة هوائية يتشكل بأشكال مختلفة وتظهر منها أفعال عجيبة منهم المؤمن والكافر والمطيع والعاصي والشياطين أجسام نارية شأنها إلقاء النفس في الفساد والغواية بتذكير أسباب المعاصي واللذات وإنساء منافع الطاعات وما أشبه ذلك على ما قال الله تعالى حكاية عن الشيطان وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم قيل تركيب الأنواع الثلاثة من امتزاج العناصر الأربعة إلا أن الغالب على الشياطين عنصر النار وعلى الآخرين عنصر الهواء وذلك أن امتزاج العناصر قد لا يكون على القرب من الاعتدال بل على قدر صالح من غلبة أحدها فإن كانت الغلبة للأرضية يكون الممتزج مائلا إلى عنصر الأرض وإن كانت للمائية فإلى الماء أو للهوائية فإلى الهواء أو للنارية فإلى النار لا يبرح ولا يفارق إلا بالاختيار أو بأن يكون حيوانا فيفارق بأن الاختيار وليس لهذه الغلبة حد معين بل تختلف إلى مراتب بحسب أنواع الممتزجات التي تسكن هذا العنصر ولكون الهواء والنار في غاية اللطافة والشفيف كانت الملائكة والجن والشياطين بحيث يدخلون المنافذ والمضائق حتى أجواف الإنسان ولا يرون بحس البصر إلا إذا اكتسبوا من الممتزجات الأخر التي يغلب عليها الأرضية والمائية جلابيب وغواشي فيرون في أبدان كأبدان الناس أو غيره من الحيوانات والملائكة كثيرا ما تعاون الإنسان على أعمال يعجز هو عنها بقوته كالغلبة على الأعداء والطيران في الهواء والمشي على الماء وتحفظه خصوصا المضطرين عن كثير من الآفات وأما الجن والشياطين فيخالطون بعض الأناسي ويعاونونهم على السحر والطلسمات والنيرنجات وما يشاكل ذلك قال ولا يمتنع أن يكتسبوا إشارة إلى دفع إشكالات تورد على هذا المذهب وهي أن الملائكة والجن والشياطين إن كانت أجساما ممتزجة من العناصر يجب أن تكون مرئية لكل سليم الحس كسائر المركبات وإلا لجاز أن يكون بحضرتنا جبال شاهقة وأصوات هائلة لا نبصرها ولا نسمعها والعقل جازم ببطلان ذلك على ما هو شأن العلوم العادية وإن كانت غلبة اللطيف بحيث لا تجوز رؤية الممتزج يلزم أن لا يروا أصلا وأن تتمزق أبدانهم وتنحل تراكيبهم بأدنى سبب واللازم باطل بما تواتر من مشاهدة بعض الأنبياء والأولياء إياهم ومكالمتهم ومن بقائهم زمانا طويلا مع هبوب الرياح العاصفة والدخول في المنافذ الضيقة وأيضا لو كانوا من المركبات المزاجية لكانت لهم صور نوعية وأمزجة مخصوصة تقتضي أشكالا مخصوصة كما في سائر الممتزجات فلا يتصور التشكل بالأشكال المختلفة وحاصل الجواب منع الملازمات إما على القول باستناد الممكنات إلى القادر المختار فظاهر لجواز أن تخلق رؤيتهم في بعض الأبصار والأحوال دون البعض وأن يحفظ بالقدرة والإرادة تركيبهم وتبديل أشكالهم وإما على القول بالإيجاب فلجواز أن يكون فيهم من العنصر الكثيف ما يحصل معه الرؤية لبعض الأبصار دون البعض وفي بعض الأحوال دون البعض أو يظهروا أحيانا في أجسام كثيفة هي بمنزلة الغشاء والجلباب لهم فيبصروا أن تكون نفوسهم أو أمزجتهم أو صورهم النوعية تقتضي حفظ تركيبهم عن الانحلال وتبدل أشكالهم بحسب اختلاف الأوضاع والأحوال أو يكون فيهم من الفطنة والذكاء ما يعرفون به جهات هبوب الرياح وسائر أسباب انحلال التركيب فيحترزون عنها ويأوون إلى أماكن لا يلحقهم ضرر وأما الجواب بأنه يجوز أن تكون لطافتهم بمعنى الشفافية دون رقة القوام فلا يلائم ما يحكى عنهم من النفوذ في المنافذ الضيقة والظهور في ساعة واحدة في صور مختلفة بالصغر والكبر ونحو ذلك قال خاتمة يشير إلى ما ذهب إليه بعض المتألهين من الحكماء ونسب إلى القدماء من أن بين عالمي المحسوس والمعقول واسطة يسمى عالم المثل ليس في تجرد المجردات ولا في مخالطة الماديات وفيه لكل موجود من المجردات والأجسام والأعراض حتى الحركات والسكنات والأوضاع والهيئات والطعوم والروائح مثال قائم بذاته معلق لا في مادة ومحل يظهر للحس بمعونة مظهر كالمرآة والخيال والماء والهواء ونحو ذلك وقد ينتقل من مظهر إلى مظهر وقد يبطل كما إذا فسدت المرآة والخيال أو زالت المقابلة أو التخيل وبالجملة هو عالم عظيم الفسحة غير متناه يحذو حذو العالم الحسي في دوام حركة أفلاكه المثالية وقبول عناصره ومركباته آثار حركات أفلاكه وإشراقات العالم العقلي وهذا ما قال الأقدمون أن في الوجود عالما مقداريا غير العالم الحسي لا تتناهى عجائبه ولا تحصى مدته ومن جملة تلك المدن جابلقا وجابرصا وهما مدينتان عظيمتان لكل منهما ألف باب لا يحصى ما فيهما من الخلائق ومن هذا العالم تكون الملائكة والجن والشياطين والغيلان لكونها من قبيل المثل أو النفوس الناطقة المفارقة الظاهرة فيها وبه تظهر المجردات في صور مختلفة بالحسن والقبح واللطافة والكثافة وغير ذلك بحسب استعداد القابل والفاعل وعليه بنوا أمر المعاد الجسماني فإن البدن المثالي الذي تتصرف فيه النفس حكمه حكم البدن الحسي في أن له جميع الحواس الظاهرة والباطنة فيلتذ ويتألم باللذات والآلام الجسمانية وأيضا يكون من الصور المعلقة نورانية فيها نعيم السعداء وظلمانية فيها عذاب الأشقياء وكذا أمر المنامات وكثير من الإدراكات فإن جميع ما يرى في المنام أو يتخيل في اليقظة بل يشاهد في الأمراض وعند غلبة الخوف ونحو ذلك من الصور المقدارية التي لا تحقق لها في عالم الحس كلها من عالم المثل وكذا كثير من الغرائب وخوارق العادات كما يحكى عن بعض الأولياء أنه مع إقامته ببلدته كان من حاضري المسجد الحرام ايام الحج وأنه ظهر من بعض جدران البيت أو خرج من بيت مسدود الأبواب والكوات وأنه أحضر بعض الأشخاص أو الثمار أو غير ذلك من مسافة بعيدة في زمان قريب إلى غير ذلك والقائلون بهذا العالم منهم من يدعي ثبوته بالمكاشفة والتجارب الصحيحة ومنهم من يحتج بأن ما يشاهد من تلك الصور الجزئية في المرايا ونحوها ليست عدما صرفا ولا من عالم الماديات وهو ظاهر ولا من عالم العقل لكونها ذوات مقدار ولا مرتسمة في الأجزاء الدماغية لامتناع ارتسام الكبير في الصغير ولما كانت الدعوى عالية والشبهة واهية كما سبق لم يلتفت إليها المحققون من الحكماء والمتكلمين قال المقصد الخامس في الإلهيات أي المباحث المتعلقة بذات ا لله تعالى وتنزيهاته وصفاته وما يجوز عليه ومالا يجوز وأفعاله وأسمائه فلهذا جعل المقصد ستة فصول يشتمل الأول منها على تقدير الأدلة على وجود الواجب وعلى تحقيق أن ذاته هل تخالف سائر الذوات وطريق إثبات الواجب عند الحكماء أنه لا شك في وجود موجود فإن كان واجبا فهو المرام وإن كان ممكنا فلا بد له من علة بها يترجح وجوده وينقل الكلام إليه فإما أن يلزم الدور أو التسلسل وهو محال أو ينتهي إلى الواجب وهو المطلوب وعند المتكلمين أنه قد ثبت حدوث العالم إذ لا شك في وجود حادث وكل حادث فبالضرورة له محدث فإما أن يدور أو يتسلسل وهو محال وإما أن ينتهي إلى قديم لا يفتقر إلى سبب أصلا وهو المراد بالواجب وكلا الطريقين مبني على امتناع وجود الممكن أو الحادث بلا موجد وعلى استحالة الدور والتسلسل والمتكلمون لما لم يقولوا بقدم شيء من الممكنات كان إثبات القديم إثباتا للواجب ولا يرد عليهم ما جوزه الحكماء من تعاقب الحوادث من غير بداية كالحركات والأوضاع الفلكية أما أولا فلما مر في مسألة حدوث العالم وأما ثانيا فلأن ذلك إنما هو في المعلولات دون العلل الموجدة التي لا بد من وجودها مع وجود المعلول وتوهم بعضهم أنه يمكن الاستدلال على وجود الواجب بحيث لا يتوقف على امتناع الترجيح بلا مرجح بأن يقال لا بد أن يكون في الموجودات موجود لا يفتقر إلى الغير دفعا للدور والتسلسل ولا معنى للواجب سوى هذا وفيه نظر لأن مجرد الاستغناء عن الغير لا يقتضي الوجوب وامتناع العدم إلا على تقدير بطلان الترجح بلا مرجح وإلا لجاز أن يكون المستغني عن الغير يوجد تارة ويعدم أخرى من غير أن يكون ذلك الوجود والعدم لذاته ولا لغيره بل بمجرد الاتفاق ومنهم من توهم صحة الاستدلال بحيث لا يفتقر إلى إبطال الدور والتسلسل وذلك وجوه
الأول لو لم يكن في الموجودات واجب لكانت بأسرها ممكنة فيلزم وجود الممكنات لذواتها وهو محال وفيه نظر لأن وجود الممكن من ذاته إنما يلزم لو لم يكن كل ممكن مستندا إلى ممكن آخر لا إلى نهاية وهو معنى التسلسل وإن أريد مجموع الممكنات من حيث هي فلا بد من بيان أن علتها ليست نفسها ولا جزأ منها بل خارجا عنها وذلك إحداد له إبطال التسلسل وبهذا يظهر أن الوجه الثاني مشتمل على إبطال التسلسل وتقريره أن مجموع الممكنات أعني المأخوذ بحيث لا يخرج عنه واحد منها ممكن بالطريق الأول وكل ممكن فله بالضرورة فاعل مستقل أي مستجمع بجميع شرائط التأثير وفاعل مجموع الممكنات لا يجوز أن يكون نفسها وهو ظاهر ولا كل جزء منها وإلا لزم توارد العلل المستقلة على معلول واحد مع لزوم كون الشيء علة لنفسه ولعلله لأن المستقل بعلية المركب يجب أن يكون علة لكل جزء منه إذ لو وقع شيء من الأجزاء بعلة أخرى بطل الاستقلال ولا بعض الأجزاء منه أما أولا فلأنه يلزم كونه علة لنفسه ولعلله على ما مر وأما ثانيا فلأنه معلول لجزء آخر لأن التقدير أن كل جزء فرض فهو ممكن يستند إلى ممكن آخر فلا يكون مستقلا بالفاعلية وأما ثالثا فلأن كل جزء فرض كونه مستقلا بفاعلية ذلك المجموع فعلته أولى بذلك لكونه أقدم وأكثر تأثيرا أو أقل احتياجا فلا يتعين شيء من الأجزاء لذلك فتعين كون المستقل بفاعلية مجموع الممكنات عنها والخارج عن مجموع الممكنات يكون واجبا بالضرورة وأنت خبير بأن هذا أول الأدلة المذكورة لبطلان التسلسل وقد سبق الكلام فيه تقرير أو اعتراضا وجوابا فلا حاجة إلى الإعادة الوجه الثالث مجموع الممكنات ممكن وكل ممكن فله علة بها يجب وجوده لأن الممكن مالم يجب وجوده لم يوجد على ما مر والعلة التي بها يجب وجود المجموع المركب من الممكنات الصرفة لا يجوز أن يكون بعضا من جملتها لأن كل بعض يفرض فله علة يفتقر هو إليها فلا يتحقق وجوب الوجود بالنظر إلى مجرد وجوده فتعين أن يكون خارجا عنها وهو الواجب وهذا بخلاف المجموع المفروض من الواجب والممكنات فإن بعضا منه أعني الواجب بحيث يتعين للعلية ويتحقق الوجوب بالنظر إليه ولما كان وجوب الوجود في قوة امتناع العدم كان لهذا تقرير آخر وهو أنه لا بد لمجموع الممكنات من فاعل مستقل يمتنع عدمها بالنظر إلى وجوده ولا شيء من أجزاء المجموع كذلك ولا خفاء في رجوع هذا إلى بعض أدلة إبطال التسلسل وورود المنع بأن ما بعد المعلول المحض لا إلى نهاية كذلك أي يجب به وجود المجموع ويمتنع عدمه الوجه الرابع أن العلة التامة للحادث المقارنة له في آن حدوثه ضرورة امتناع تخلف المعلول عن العلة أو تقدمه عليها لو لم تكن واجبا أو مشتملا عليه لزم المحال لأنها لو كانت ممكنة بتمامها فإما أن يكون لها علة من خارج فلا تكون تامة لاحتياج الحادث إلى تلك العلة الخارجة أيضا وقد فرضناها تامة هف وأما أن لا يكون لها علة من خارج وحينئذ إما أن يمتنع وجودها قبل ذلك الحادث فيلزم الانقلاب من الامتناع الذاتي إلى الإمكان وإما أن يمكن فيكون اختصاصها بالزمان المعين ترجحا بلا مرجح وفيه نظر أما أولا فلأن الظرف إن تعلق بوجود العلة فلا نسلم على تقدير الامتناع لزوم الانقلاب وإن تعلق بالامتناع والإمكان فلا نسلم على تقدير الامتناع لزوم الترجح بلا مرجح وقد سبق مثل ذلك في دفع ما توهم من امتناع الحادث في الأزل ثم إمكانه
وأما ثانيا فلأن ما ذكر مشترك الإلزام لجريانه في العلة التامة المشتملة على الواجب وكذا في العلة التامة التي هي تكون نفس الواجب لكن بالنظر إلى وجود الحادث قال المبحث الثاني قد سبقت الدلالة على وجود الصانع بالبراهين وههنا نشير إلى وجوه إقناعية وإلى كونه من المشهورات التي لم يخالف فيها أحد ممن يعتد به بذلا للمجهود في إثبات ما هو معظم المطالب العالية بيان ذلك أنه لا يشك أحد في وجود عالم الأجسام من الأفلاك والكواكب والعناصر والمركبات المعدنية والنباتية والحيوانية وفي اختلاف صفات لها وأحوال وقد صح الاستدلال بذواتها وصفاتها لإمكانها وحدوثها على وجود صانع قديم قادر حكيم فيأتي أربعة طرق هي الشائعة فيما بين الجمهور وأشير إليها في أكثر من ثمانين موضعا من كتاب الله تعالى كقوله تعالى إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون وكقوله تعالى ومن آياته الليل والنهار والشمس وكقوله تعالى وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره وكقوله تعالى سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم وكقوله تعالى ألم نخلقكم من ماء مهين وكقوله تعالى ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إلى غير ذلك من مواضع الإرشاد إلى الاستدلال بالعالم الأعلى من الأفلاك والكواكب وحركاتها وأوضاعها والأحوال المتعلقة بها وبالعالم الأسفل من طبقات العناصر ومراتب امتزاجاتها والآثار العلوية والسفلية وأحوال المعادن والنباتات والحيوانات سيما الإنسان وما أودع بدنه مما يشهد به علم التشريح وروحه مما ذكر في علم النفس ومبنى الكل على أن افتقار الممكن إلى الموجد والحادث إلى المحدث ضروري يشهد به الفطرة وأن فاعل العجائب والغرائب على الوجه الأوفق الأصلح لا يكون إلا قادرا حكيما فإن قيل سلمنا ذلك لكن لم لا يجوز أن يكون ذلك الصانع جوهرا روحانيا من جملة الممكنات دون الواجب تعالى وتقدس فالجواب من وجوه الأول أنه يعلم بالحدس والتخمين أن الصانع لمثل هذا لا يكون إلا غنيا مطلقا يفتقر إليه كل شيء ولا يفتقر هو إلى شيء بل يكون وجوده لذاته فيكون الدليل من الإقناعيات والاستكثار منها كثيرا ما يقوي الظن بحيث يفضي إلى اليقين الثاني أن ذهن العاقل ينساق إلى أن هذا الصانع إن كان هو الواجب الخالق فذاك وإن كان مخلوقا فخالقه أولى بأن يكون قادرا حكيما ولا يذهب ذلك إلى غير النهاية الظهور بعض أدلة بطلان التسلسل فيكون المنتهى إلى الواجب تعالى وتقدس ولهذا صرح في كثير من المواضع بأن تلك الآيات إنما هي لقوم يعقلون
الثالث أن المقصود بالإرشاد إلى هذه الاستدلالات تنبيه من لم يعترف بوجود صانع يكون منه المبدأ وإليه المنتهى وله الأمر والنهي وكونه ملجأ الكل عند انقطاع الرجاء عن المخلوقات مذكور في بعض المواضع من التنزيل كقوله تعالى فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين وكقوله تعالى أم من يجيب المضطر إذا دعاه وكقوله تعالى ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله إلى غير ذلك تنبيها على أنه مع ثبوته بالأدلة القطعية والوجوه الإقناعية مشهور يعترف به الجمهور من المعترفين بالنبوة وغيرهم إما بحسب الفطرة أو بحسب التهدي إليه وأجيب بالاستدلالات الخفية على ما نقل الأعرابي أنه قال البعرة تدل على البعير وآثار الأقدام على المسير فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج لا تدل على اللطيف الخبير وخالفت الملاحدة في وجود الصانع لا بمعنى أنه لا صانع للعالم ولا بمعنى أنه ليس بموجود ولا بمعدوم بل واسطة بل بمعنى أنه مبدع لجميع المتقابلات من الوجود والعدم والوحدة والكثرة والوجوب والإمكان فهو متعال عن أن يتصف بشيء منها فلا يقال له موجود ولا واحد ولا واجب مبالغة في التنزيه ولا خفاء في أنه هذيان بين البطلان قال المبحث الثالث الحق أن الواجب تعالى يخالف الممكنات في الذات والحقيقة إذ لو تماثلا وامتاز كل عن الآخر بخصوصية فمثل الوجوب والإمكان إما أن يكون من لوازم الذات فيلزم اشتراك الكل فيه أو الذات مع الخصوصية فيلزم التركيب المنافي للوجوب الذاتي نعم يشارك ذاته ذات الممكنات بمعنى أن مفهوم الذات أعني ما يقوم بنفسه ويقوم به غيره صادق على الكل صدق العارض على المعروض كما أن وجود الواجب ووجود الممكن مع اختلافهما بالحقيقة يشتركان في مطلق الوجود الواقع عليهما وقوع لازم خارجي غير مقوم فالأدلة المذكورة في اشتراك الوجود من صحة القسمة إلى الواجب والممكن ومن الجزم بالمطلق مع التردد في الخصوصية ومن اتحاد المقابل لا تفيد إلا الاشتراك في مفهوم الذات وصدقه على جميع الذوات من غير دلالة على تماثل الذوات وتشاركها في الحقيقة فما ذهب إليه بعض المتكلمين من أن ذات الواجب تماثل سائر الذوات وإنما تمتاز بأحوال أربعة هي الوجود الواجبي الذي قد يعبر عنه بالوجوب والحياة والعلم التام والقدرة الكاملة أو بحالة خامسة تسمى بالإلهية هي الموجبة لهذه الأربع تنسكا بالوجوه المذكورة غلط من باب اشتباه العارض بالمعروض فإن قيل فكيف لم يلزم المتكلمين القائلين بتماثل وجود الواجب والممكن تركب الواجب قلنا لأن المتصف بالوجوب والمقتضي للوجود هو الماهية المخالفة لسائر الماهيات والوجود زائد عليها قال المبحث الرابع قد يجعل من مطالب هذا الباب أن الصانع أزلي أبدي ولا حاجة إليه بعد إثبات صانع واجب الوجود لذاته لأن من ضرورة وجوب الوجود امتناع العدم أزلا وأبدا وبعض المتكلمين لما اقتصروا في البيان على أن لهذا العالم صانعا من غير بيان كونه واجبا أو ممكنا افتقروا إلى إثبات كونه أزليا أبديا فبينوا الأول بأنه لو كان حادثا لكان له محدث ويتسلسل وبأنا سنقيم الدلالة على أن المؤثر في وجود العالم هو الله تعالى من غير واسطة والثاني بأن القديم يمتنع عليه العدم لكونه واجبا أو منتهيا إليه بطريق الإيجاب لأن الصادر بطريق الاختيار يكون مسبوقا بالعدم وقد سبق بيان ذلك قال الفصل الثاني في التنزيهات أي سلب مالا يليق بالواجب عنه وفيه مباحث الأول في نفي الكثرة عنه بحسب الأجزاء بأن يتركب من جزئين أو أكثر وبحسب الجزئيات بأن يكون الموجود واجبين أو أكثر واستدل على نفي التركيب بأن كل مركب يحتاج إلى الجزء الذي هو غيره وكل محتاج إلى غير ممكن لأن ذاته من دون ملاحظة الغير لا يكون كافيا في وجوده وإن لم يكن ذلك الغير فاعلا له خارجا عنه وبأن كل جزء منه إما أن يكون واجبا فيتعدد الواجب وسنبطله أولا فيحتاج الواجب إلى الممكن فيكون أولى بالإمكان وبأنه إما أن يحتاج أحد الجزئين إلى الآخر فيكون ممكنا ويلزم إمكان الواجب أولا فلا يلتئم منهما حقيقة واحدة كالحجر الموضوع بجنب الإنسان واستدل على امتناع تعدد الواجب بوجوه
الأول لو كان الواجب مشتركا بين اثنين لكان بينهما تمايز لامتناع الإثنينية بدون التمايز وما به التمايز غير ما به الاشتراك ضرورة فيلزم تركب كل من الواجبين مما به الاشتراك وما به الامتياز وهو محال لا يقال هذا إنما يلزم لو كان الوجوب المشترك مقوما وهو ممنوع لجواز أن يكون عارضا والاشتراك في العارض مع الامتياز بخصوصية لا يوجب التركيب لأنا نقول وجوب الواجب نفس ماهيته إذ لو كان عارضا لها كان ممكنا معللا بها إذ لو علل بغيرها لم يكن ذاتيا وإذا علل بها يلزم تقدمه على نفسه لأن العلة متقدمة على المعلول بالوجود والوجوب وإذا كان الوجوب نفس الماهية كان الاشتراك فيه اشتراكا في الماهية والماهية مع الخصوصية مركبة قطعا فإن قيل لم لا يجوز أن تكون الخصوصية من العوارض قلنا لأنها تكون معللة بالماهية أو بما يقوم بها من الصفات وهو ينافي التعدد المفروض إذ الواجب حينئذ لا يكون بدون تلك الخصوصية أو بأمر منفصل فيلزم الاحتياج المنافي لوجوب الوجود وهذا يصلح أن يجعل دليلا مستقلا بأن يقال لو تعدد الواجب فالتعين الذي به الامتياز إن كان نفس الماهية الواجبة أو معللا بها أو يلازمها فلا تعدد وإن كان معللا بأمر منفصل فلا وجوب بالذات لامتناع احتياج الواجب في تعينه إلى أمر منفصل فلهذا جعل في المتن دليلا ثانيا الثالث لو كان الواجب أكثر من واحد لكان لكل منهما تعين وهوية ضرورة وحينئذ إما أن يكون بين الوجوب والتعين لزوم أو لا فإن لم يكن بل جاز انفكاكهما لزم جواز الوجوب بدون التعين وهو محال لأن كل موجود متعين أو جواز التعين بدون الوجوب وهو ينافي كون الوجوب ذاتيا بل يستلزم كون الواجب ممكنا حيث تعين بلا وجوب وإن كان بين الوجوب والتعين لزوم فإن كان الوجوب بالتعين لزم تقدم الوجوب على نفسه ضرورة تقدم العلة على المعلول بالوجود والوجوب مع محال آخر وهو كون الوجوب الذاتي بالغير إن جعل التعين زائدا وإن كان التعين بالوجوب أو كلاهما بالذات لزم خلاف المفروض وهو تعدد الواجب لأن التعين المعلول لازم غير متخلف فلا يوجد الواجب بدرنه وإن كان التعين والوجوب بأمر منفصل لم يكن الواجب واجبا بالذات لاستحالة احتياجه في الوجوب والتعين بل في أحدهما إلى أمر منفصل وهو ظاهر ( قال الرابع ) شروع في طرق المتكلمين فمنها أنها لو وجد إلهان ويتصفان لا محالة بصفات الألوهية من العلم والقدرة والإرادة وغير ذلك فإذا قصدا إلى إيجاد مقدور معين كحركة جسم معين في زمان معين فوقوعه إما أن يكون بهما فلزم مقدور بين قادرين مستقلين بمعنى استقلال كل منهما بإيجاده وقد سبق في بحث العلة امتناع ذلك وإما أن يكون بأحدهما فيلزم الترجح بلا مرجح لأن المقتضي للقادرية ذات الآلة وللمقدورية إمكان الممكن فنسبة الممكنات إلى الإلهين المفروضين على السوية من غير رجحان لا يقال يجوز أن لا يقع مثل هذا المقدور للزوم المحال أو يقع بهما جميعا لا بكل منهما ليلزم المحال لأنا نقول الأول باطل للزوم عجزهما ولأن المانع عن وقوعه بأحدهما ليس إلا وقوعه بالآخر فيلزم من عدم وقوعه بهما وقوعه بهما وكذا الثاني لأن التقدير استقلال كل منهما بالقدرة والإرادة
الوجه الخامس أنه لو وجد إلهان بصفات الألوهية فإذا أراد أحدهما أمرا كحركة جسم مثلا فإما أن يتمكن الآخر من إرادة ضده أو لا وكلاهما محال أما الأول فلأنه لو فرض تعلق إرادته بذلك الضد فإما أن يقع مرادهما وهو محال لاستلزامه اجتماع الضدين أو لا يقع مراد واحد منهما وهو محال لاستلزامه عجز الإلهين الموصوفين بكمال القدرة على ما هو المفروض ولاستلزامه ارتفاع الضدين المفروض امتناع خلو المحل عنهما كحركة جسم وسكونه في زمان معين أو يقع مراد أحدهما دون الآخر وهو محال لاستلزامه الترجح بلا مرجح وعجز من فرض قادرا حيث لم يقع مراده وأما الثاني فلأنه يستلزم عجز الاخر حيث لم يقدر على ما هو ممكن في نفسه أعني إرادة الضد والمقدمات كلها بينة سوى هذه فإنها ربما تمنع ويقال لا نسلم أن مخالفة أحدهما للآخر وإرادة ضد ما أراده ممكنة حتى يكون عدم القدرة عليها عجزا وذلك أن الممكن في نفسه ربما يصير ممتنعا بحسب شرط ككون الجسم في هذا الحيز حال الكون في حيز آخر والجواب أن الممكن في ذاته ممكن على كل حال ضرورة امتناع الانقلاب والممتنع فيما ذكرتم من تحيز الجسم هو الاجتماع أعني كونه في آن واحد في حيزين فكذا ههنا يمتنع اجتماع الإرادتين وهو لا ينافي إمكان كل منهما فتعين أن لزوم المحال إنما هو من وجود الإلهين فإن قيل كل منهما عالم بوجوه المصالح والمفاسد فإذا علما المصلحة في أحد الضدين امتنع إرادة الآخر قلنا لو سلم كون الإرادة تابعة للمصلحة نفرض الكلام فيما إذا استوت في الضدين وجوه المصالح فإن قيل ما ذكرتم لازم في الواحد إذا وجد المقدور فإنه لا يبقى قادرا عليه ضرورة امتناع إيجاد الموجود فيلزم أن لا يصلح للألوهية قلنا عدم القدرة بناء على تنفيذ القدرة ليس عجزا بل كمالا للقدرة بخلاف عدم القدرة بناء على سد الغير طريق القدرة عليه فإنه عجز بتعجيز الغير إياه وهذا البرهان يسمى برهان التمانع وإليه الإشارة بقوله تعالى لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فإن أريد بالفساد عدم التكون فتقريره أنه لو تعدد الإله لم تتكون السماء والأرض لأن تكونهما إما بمجموع القدرتين أو بكل منهما أو بأحدهما والكل باطل أما الأول فلأن من شأن الإله كمال القدرة وأما الآخران فلما مر وإن أريد بالفساد والخروج عما هما عليه من النظام فتقريره أنه لو تعدد الإله لكان بينهما التنازع والتغالب وتميز صنع كل عن صنع الآخر بحكم اللزوم العادي فلم يحصل بين أجزاء العالم هذا الالتيام الذي باعتباره صار الكل بمنزلة شخص واحد ويحتل الانتظام الذي به بقاء الأنواع وترتب الآثار الوجه السادس لو وجد إلهان فإن اتفقا على إيجاد كل مقدور لزم التوارد وإن اختلفا لزم مفاسد التمانع أعني عجزهما أو عجز أحدهما مع الترجح بلا مرجح الوجه السابع لو تعدد الإله فما به التمايز لا يجوز أن يكون من لوازم الإلهية ضرورة اشتراكها بل من العوارض فيجوز مفارقتها فترتفع الإثنينية فيلزم جواز وحدة الاثنين وهو محال الوجه الثامن أن الواحد كاف ولا دليل على الثاني فيجب نفيه وإلا لزم جهالات لا تحصى مثل كون كل موجود نبصره اليوم غير الذي كان بالأمس ونحو ذلك فإن قيل كان الله تعالى في الأزل ولا دليل حينئذ أجيب بأن المراد أن مالا دليل لنا عليه يجب علينا نفيه ولنا دليل على وجوده في الأزل وقد يجاب بأن المراد أن ما لا يمكن أن يقوم عليه دليل يجب نفيه والله الواحد قد قام عليه الدليل فيما لا يزال وإن لم يكن في الأزل بخلاف الشريك فإنه لو كان عليه دليل فإما أزلي وهو بط لأنه لا يلزم افتقاره إلى المؤثر بل لا يجوز عند المتكلمين وإما حادث وهو لا يستدعي مؤثرا ثانيا ولا يخفى ضعفه بل ضعف هذا المأخذ الوجه التاسع أنه لا أولوية لعدد دون عدد فلو تعدد لم ينحصر في عدد واللازم باطل لما سبق من الأدلة على تناهي كل ما دخل تحت الوجود وقد سبق ضعفه
الوجه العاشر أن بعثة الأنبياء عليهم السلام وصدقهم بدلالة المعجزات لا يتوقف على الوحدانية فيجوز التمسك بالأدلة السمعية كإجماع الأنبياء على الدعوة إلى التوحيد ونفي الشركة وكالنصوص القطعية من كتاب الله تعالى على ذلك وما قيل أن التعدد يستلزم الإمكان لما عرفت من أدلة التوحيد ومالم يعرف أن الله تعالى واجب الوجود خارج عن جميع الممكنات لم يتأت إثبات البعثة والرسالة ليس بشيء لأن غايته استلزام الوجوب الوحدة لا استلزام معرفته معرفتها فضلا عن التوقف ومنشأ الغلط عدم التفرقة بين ثبوت لاشيء والعلم بثبوته ( قال خاتمة ) حقيقة التوحيد اعتقاد عدم الشريك في الألوهية وخواصها ولا نزاع لأهل الإسلام في أن تدبير العالم وخلق الأجسام واستحقاق العبادة وقدم ما يقوم بنفسه كلها من الخواص ونعني القدم بمعنى عدم المسبوقية بالعدم وأما بمعنى عدم المسبوقية بالغير فهو نفس الألوهية ووجوب الوجود فنحن إنما نقول بالصفات القديمة دون الذوات ومع ذلك لا نجعل الصفة غير الذات والمعتزلة إنما يقولون بخلق العباد لأفعالهم دون غيرها من الأعراض والأجسام نعم تفويضهم تدبير شطر من حوادث العالم وهو الشرور والقبائح إلى الشيطان على خلاف مشيئة الله تعالى وإن كان بأقداره وتمكينه خطب صعب وأصعب منه قول الفلاسفة بقدم العقول وإيجادها للنفوس وبعض الأجسام وتفويض تدبير عالم العناصر إليها وإلى الأفلاك فمرجع التوحيد عندهم إلى وحدة الواجب لذاته لا غير والمعتزلة إنما يبالغون في نفي تعدد القديم وأهل السنة في نفي تعدد الخالق والكل متفقون على نفي تعدد الواجب المستحق للعبادة والموجد للجسم وأما المشركون فمنهم الثنوية القائلون بأن للعالم إلهين نور هو مبدأ الخيرات وظلمة هو مبدأ الشرور ومنهم المجوس القائلون بأن مبدأ الخيرات هو يزدان ومبدأ الشرور هو أهرمن واختلفوا في أن أهرمن قديم أو حادث من يزدان وشبهتهم أنه لو كان مبدأ الخير والشر واحدا لزم كون الواحد خيرا وشريرا وهو محال والجواب منع اللزوم إن أريد بالخير من غلب خيره وبالشرير من غلب شره ومنع استحالة اللازم إن أريد خالق الخير وخالق الشر في الجملة غاية الأمر أنه لا يصلح إطلاق الشرير لظهوره فيمن غلب شره وعورض بأن الخير إن لم يقدر على دفع الشرير أو الشرور فعاجز وإن قدر ولم يفعل فشرير وإن جعل إبقاؤها خيرا لما فيه من الحكم والمصالح الخفية كما تزعم المعتزلة في خلق إبليس وذريته وأقداره وتمكينه من الإغواء فلعل نفس خلق الشرور والقبائح أيضا كذلك فلا يكون شرا وسفها ومنهم عبدة الملائكة وعبدة الكواكب وعبدة الاصنام أما الملائكة والكواكب فيمكن أنهم اعتقدوا كونها مؤثرة في عالم العناصر مدبرة لأمور قديمة بالزمان شفعاء للعباد عند الله تعالى مقربة إياهم إليه تعالى وأما الأصنام فلا خفاء أن العاقل لا يعتقد فيها شيئا من ذلك قال الإمام رحمه الله فلهم في ذلك تأويلات باطلة الأول أنها صور أرواح تدبر أمرهم وتعتني بإصلاح حالهم على ما سبق الثاني أنها صور الكواكب التي إليها تدبير هذا العالم فزينوا كلا منها بما يناسب ذلك الكوكب الثالث أن الأوقات الصالحة للطلسمات القوية الآثار لا توجد إلا أحيانا من أزمنة متطاولة جدا فعملوا في ذلك الوقت طلسما لمطلوب خاص يعظمونه ويرجعون إليه عند طلبه الرابع أنهم اعتقدوا أن الله تعالى جسم على أحسن ما يكون من الصورة وكذا الملائكة فاتخذوا صورا وبالغوا في تحسينها وتزيينها وعبدوها لذلك
الخامس أنه لما مات منهم من هو كامل المرتبة عند الله تعالى اتخذوا تمثالا على صورته وعظموه تشفعا إلى الله تعالى وتوسلا ومنهم اليهود القائلون بأن عزيرا ابن الله لما أحياه الله تعالى بعد موته وكان يقرأ التوراة عن ظهر قلبه ومنه النصارى القائلون بأن المسيح ابن الله حيث ولد بلا أب وورد في الإنجيل ذكرهما بلفظ الأب والابن والجواب أنه إن صح النقل من غير تحريف فمعنى الأبوة الربوبية وكونه المبدأ والمرجع ومعنى البنوة التوجه إلى جناب الحق عز وجل بالكلية كابن السبيل أو قصد التشريف والكرامة ولهذا نقل في الإنجيل مثل ذلك في حق الأمة أيضا حيث قال إني صاعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم وبالجملة فنفي الشركة في الألوهية ثابت عقلا وشرعا وفي استحقاق العبادة شرعا وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون ( قال المبحث الثاني ) الواجب ليس بجسم لأن كل جسم مركب من أجزاء عقلية هي الجنس والفصل ووجودية هي الهيولي والصورة أو الجواهر الفردة ومقدارية هي الأبعاض وكل مركب محتاج إلى جزئه ولا شيء من المحتاج بواجب وليس بعرض لأن كل عرض محتاج إلى محل يقومه إذ لا معنى له سوى ذلك ولا جوهر لأن معنى الجوهر متمكن يستغني عن المحل أو ماهية إذا وجدت كانت لا في موضوع فيكون وجوده زائدا عليه والواجب ليس كذلك على ما سبق وليس في مكان وجهه لأن المكان اسم للسطح الباطن من الحاوي المماس للسطح الظاهر من المحوي أو للفراغ الذي يشغله الجسم والجهة اسم المنتهى مأخذ الإشارة ومقصد المتحرك فلا يكونان إلا للجسم والجسماني والواجب ليس كذلك وللمتكلمين خصوصا القدماء منهم في هذه التنزيهات مسلك آخر ففي نفي الجوهرية والعرضية أن الجوهر اسم لما يتركب منه الشيء والعرض لما يستحيل بقاؤه وإن كان يصح في الشاهد جوهر قائم بنفسه وكل قائم بنفسه جوهر وكل عرض قائم بالغير وكل قائم بالغير عرض إلا أن إطلاق الاسم ليس من هذه الجهة بل من جهة ما ذكرنا بدلالة اللغة يقال فلان يجري على جوهره الشريف أي أصله وهذا الثوب جوهري أي محكم الأصل جيد الصنعة وهذا الأمر عارض أي يزول وعرض لفلان أمر أي معنى لا قرار له ولا يدوم ومنه العارض للسحاب ومن ههنا لا يجعلون الصفات القديمة القائمة بذات الله تعالى إعراضا وفي نفي الجسمية وجوه الأول أن كل جسم حادث لما سبق الثاني أن كل جسم متحيز بالضرورة والواجب ليس كذلك لما سيأتي الثالث أن الواجب لو كان جسما فإما أن يتصف بجميع صفات الأجسام فيلزم اجتماع الضدين كالحركة والسكون ونحوهما وأما أن لا يتصف بشيء فيلزم انتفاء بعض لوازم الجسم مع أن الضدين قد يكونان بحيث يمتنع خلو الجسم عنهما وأما أن يتصف بالبعض دون البعض فيلزم احتياج الواجب في صفاته إن كان ذلك لمخصص ويلزم الترجح بلا مرجح إن كان لا لمخصص الرابع أنه لو كان جسما لكان متناهيا لما مر في تناهي الأبعاد فيكون مشكلا لأن الشكل عبارة عن هيئة إحاطة النهاية بالجسم وحينئذ إما أن يكون على جميع الأشكال وهو محال أو على البعض دون البعض لمخصص فيلزم الاحتياج أو لا لمخصص فيلزم الترجح بلا مرجح لا يقال هذا وارد في اتصاف الواجب بصفاته دون أضدادها لأنا نقول صفاته صفات كمال يتصف بها لذاته وأضدادها صفات نقص يتنزه عنها لذاته بخلاف الأضداد المتواردة على الأجسام فإنها قد تكون متساوية الأقدام وفي نفي الحيز والجهة وجوه الأول أنه لو كان الواجب متحيزا لزم قدم الحيز ضرورة امتناع المتحيز بدون الحيز واللازم باطل لما مر من حدوث ما سوى الواجب وصفاته الثاني أنه لو كان في مكان لكان محتاجا إليه ضرورة والمحتاج إلى الغير ممكن فيلزم إمكان الواجب ولكان المكان مستغنيا عنه لإمكان الخلاء والمستغني عن الواجب يكون مستغنيا عما سواه بالطريق الأولى فيكون واجبا والمفروض أن الواجب هو المتمكن لا المكان ومبنى الوجهين على أن الحيز موجود لا متوهم
الثالث لو كان الواجب في حيز وجهة فإما أن يكون في جميع الأحياز والجهات فيلزم تداخل المتحيزات ومخالطة الواجب بما لا ينبغي كالقاذورات وإما أن يكون في البعض دون البعض فإن كان لمخصص لزم الاحتياج وإلا لزم الترجح بلا مرجح قال وأما المخالفون إجراء الجسم مجرى الموجود مخالف للعرف واللغة ولما اشتهر من الاصطلاحات لكن إطلاق الجوهر بمعنى الموجود القائم بنفسه وبمعنى الذات والحقيقة اصطلاح شائع فيما بين الحكماء فمن ههنا يقع في كلام بعضهم إطلاق لفظ الجوهر على الواجب وفي كلام ابن كرام أن الله تعالى إحدى الذات إحدى الجوهر ومع هذا فلا ينبغي أن يجترأ على ذلك ولا على إطلاق الجسم عليه بمعنى الموجود إما سمعا فلعدم إذن الشارع وإما عقلا فلإيهامه لما عليه المجسمة من كونه جسما بالمعنى المشهور ولما عليه النصارى من أنه جوهر واحد ثلاثة أقانيم على ما سيجيء وأما القائلون بحقيقة الجسمية والحيز والجهة فقد بنوا مذهبهم على قضايا وهمية كاذبة تستلزمها وعلى ظواهر آيات وأحاديث تشعر بها أما الأول فكقولهم كل موجود فهو إما جسم أو حال في جسم والواجب يمتنع أن يكون حالا في الجسم لامتناع احتياجه فتعين كونه جسما وكقولهم كل موجود إما متحيز أو حال في المتحيز ويتعين كونه متحيزا لما مر وكقولهم الواجب إما متصل بالعالم وإما منفصل عنه وأيا ما كان يكون في جهة منه وكقولهم الواجب إما داخل في العالم فيكون متحيزا أو خارج عنه فيكون في جهة منه ويدعون في صحة هذه المنفصلات وتمام انحصارها الضرورة والجواب المنع كيف وليس تركيبها عن الشيء ونقيضه أو المساوي لنقيضه وأطبق أكثر العقلاء على خلافها وعلى أن الموجود إما جسم أو جسماني أو ليس بجسم ولا جسماني وكذا باقي التقسيمات المذكورة والجزم بالانحصار في القسمين إنما هو من الأحكام الكاذبة للوهم ودعوى الضرورة مبنية على العناد والمكابرة أو على أن الوهميات كثيرا ما تشتبه بالأوليات وأما الثاني فكقوله تعالى وجاء ربك هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله الرحمن على العرش استوى إليه يصعد الكلم الطيب ويبقى وجه ربك يد الله فوق أيديهم ولتصنع على عيني لما خلقت بيدي والسماوات مطويات بيمينه يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله إلى غير ذلك وكقوله عليه السلام للجارية الخرساء أين الله فأشارت إلى السماء فلم ينكر عليها وحكم بإسلامها كقوله عليه السلام إن الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا الحديث إن الله خلق آدم على صورته إن الجبار يضع قدمه في النار إنه يضحك إلى أوليائه حتى تبدو نواجذه إن الصدقة تقع في كف الرحمن إلى غير ذلك والجواب أنها ظنيات سمعية في معارضة قطعيات عقلية فيقطع بأنها ليست على ظواهرها ويفوض العلم بمعانيها إلى الله تعالى مع اعتقاد حقيقتها جريا على الطريق الأسلم الموافق للوقف على إلا الله في قوله تعالى وما يعلم تأويله إلا الله أو تأول تأويلات مناسبة موافقة لما عليه الأدلة العقلية على ما ذكر في كتب التفاسير وشروح الأحاديث سلوكا للطريق الأحكم الموافق للعطف في إلا الله والراسخون في العلم فإن قيل إذا كان الدين الحق نفي الحيز والجهة فما بال الكتب السماوية والأحاديث النبوية مشعرة في مواضع لا تحصى بثبوت ذلك من غير أن يقع في موضع منها تصريح بنفي ذلك وتحقيق كما كررت الدلالة على وجود الصانع ووحدته وعلمه وقدرته وحقيقة المعاد وحشر الأجساد في عدة مواضع وأكدت غاية التأكيد مع أن هذا أيضا حقيق بغاية التأكيد والتحقيق لما تقرر في فطرة العقلاء مع اختلاف الأديان والآراء من التوجه إلى العلو عند الدعاء ورفع الأيدي إلى السماء أجيب بأنه لما كان التنزيه عن الجهة مما تقصر عنه عقول العامة حتى تكاد تجزم بنفي ما ليس في الجهة كان الأنسب في خطاباتهم والأقرب إلى صلاحهم والأليق بدعوتهم إلى الحق ما يكون ظاهرا في التشبيه وكون الصانع في أشرف الجهات مع تنبيهات دقيقة على التنزيه المطلق عما هو من سمات الحدوث وتوجه العقلاء إلى السماء ليس من جهة اعتقادهم أنه في السماء بل من جهة أن السماء قبلة الدعاء إذ منها تتوقع الخيرات والبركات وهبوط الأنوار ونزول الأمطار قال تنبيه لما ثبت لما ثبت أن الواجب ليس بجسم ظهر أنه لا يتصف بشيء من الكيفيات المحسوسة بالحواس الظاهرة أو الباطنة مثل الصورة واللون والطعم والرائحة واللذة والألم والفرح والغم والغضب ونحو ذلك إذ لا يعقل منها إلا ما يخص الأجسام وإن كان البعض منها مختصا بذوات الأنفس ولأن البعض منها تغيرات وانفعالات وهي على الله تعالى محال وأثبت الحكماء اللذة العقلية لأن كمالاته أمور ملائمة وهو مدرك لها فيبتهج بها واعترض بأنه إن أريد أن الحالة التي نسميها اللذة هي نفس إدراك الملائم فغير معلوم فإن أريد أنها حاصلة البتة عند إدراك الملائم فربما يختص ذلك بإدراكنا دون إدراكه فإنهما مختلفان قطعا واعلم أن بعض القدماء بالغوا في التنزيه حتى امتنعوا عن إطلاق اسم الشيء بل العالم والقادر وغيرهما على الله تعالى زعما منهم أنه يوجب إثبات المثل له وليس كذلك لأن المماثلة إنما تلزم لو كان المعنى المشترك بينه وبين غيره فيهما على السواء ولا تساوي بين شيئيته وشيئية غيره ولا بين علمه وعلم غيره وكذا جميع الصفات وأشنع من ذلك امتناع الملاحدة عن إطلاق اسم الموجود عليه وأما الامتناع عن إطلاق اسم الماهية فمذهب كثير من المتكلمين لأن معناها المجانسة يقال ما هذا الشيء أي من أي جنس هو قالوا وما روي أن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول إن لله تعالى ماهية لا يعلمها إلا هو ليس بصحيح إذ لم يوجد في كتبه ولم ينقل من أصحابه العارفين بمذهبه ولو ثبت فمعناه أنه يعلم نفسه بالمشاهدة لا بدليل أو خبر أو أن له اسما لا يعلمه غيره فإن لفظة ما قد تقع سؤالا عن الاسم قال الشيخ أبو منصور رحمه الله تعالى إن سألنا سائل عن الله تعالى ما هو قلنا إن أردت ما اسمه فالله الرحمن الرحيم وإن أردت ما صفته فسميع بصير وإن أردت ما فعله فخلق المخلوقات ووضع كل شيء موضعه وإن أردت ما ماهيته فهو متعال عن المثال والجنس ( قال المبحث الثالث ) الواجب لا يتحد بغيره ولا يحل فيه أما الاتحاد فلما سبق من امتناع اتحاد الاثنين ولأنه يلزم كون الواجب هو الممكن والممكن هو الواجب وذلك محال بالضرورة وأما الحلول فلوجوه
الأول أن الحال في الشيء يفتقر إليه في الجملة سواء كان حلول جسم في مكان أو عرض في جوهر أو صورة في مادة كما هو رأي الحكماء أو صفة في موصوف كصفات المجردات والافتقار إلى الغير ينافي الوجوب فإن قيل قد يكون حلول امتزاج كالماء في الورد قلنا ذلك من خواص الأجسام ومفض إلى الانقسام وعائد إلى حلول الجسم في المكان الثاني أنه لو حل في محل فإما مع وجوب ذلك وحينئذ يفتقر إلى المحل ويلزم إمكانه وقدم المحل بل وجوبه لأن ما يفتقر إليه الواجب أولى بأن يكون واجبا وإما مع جوازه وحينئذ يكون غنيا عن المحل والحال يجب افتقاره إلى المحل فيلزم انقلاب الغنى عن الشيء محتاجا إليه هكذا قرره الإمام رحمه الله ثم اعترض بأنه على التقدير الأول لا يلزم الافتقار لجواز أن توجب ذاته ذلك المحل والمحل الحلول أو توجب ذاته المحل والحلول جميعا ووجوب اللوازم والآثار عند المؤثر لا يوجب احتياجه إليها وعلى التقدير الثاني لا يلزم الانقلاب لأنا لا نسلم أن الحال في الشيء تكون محتاجا إليه كالجسم المعين يحل في الحيز المعين مع عدم احتياجه في ذاته إليه وقد يقرر بأنه إن كان مستغنيا بالذات عن المحل لم يحل فيه لأن الحال في الشيء محتاج إليه ولا شيء من الغنى بالذات كذلك وإلا أي وإن لم يكن مستغنيا بالذات لزم إمكانه وقدم المحل وهو ظاهر واعترض بأن عدم الاستغناء بالذات لا يستلزم الاحتياج بالذات ليلزم إمكانه وقدم المحل لجواز أن يكون كل من الغنى والاحتياج عارضا بحسب أمر خارج وأجيب بأن مجرد عدم الاستغناء بالذات يستلزم الإمكان لأن الواجب مستغن بالذات ضرورة ولا حاجة إلى توسيط الاحتياج بالذات وقد تقرر بأنه إن كان محتاجا بالذات لزم إمكانه وإلا امتنع حلوله ورد بأن عدم الاحتياج الذاتي لا ينافي عروض الاحتياج فلا ينافي الحلول الثالث أن الحلول في الغير إن لم يكن صفة كمال وجب نفيه عن الواجب وإن كان لزم كون الواجب مستكملا بالغير وهو باطل وفاقا الرابع أنه لو حل في شيء لزم تحيزه لأن المعقول من الحلول باتفاق العقلاء وهو حصول العرض في الحيز تبعا لحصول الجوهر وأما صفات الباري عز وجل فالفلاسفة لا يقولون بها والمتكلمون لا يقولون بكونها أعراضا ولا بكونها حالة في الذات بل قائمة بها بمعنى الاختصاص الناعت الخامس أنه لو حل في جسم على ما يزعم الخصم فإما في جميع أجزائه فيلزم الانقسام أو في جزء منه فيكون أصغر الأشياء وكلاهما باطل بالضرورة والاعتراف
السادس لو حل في جسم والأجسام متماثلة لتركبها من الجواهر الفردة المتفقة الحقيقة على ما بين لجاز حلوله في أحقر الأجسام وأرذلها فلا يحصل الجزم بعدم حلوله في مثل البعوضة وهو باطل بلا نزاع قال والقول بالحلول يعني كما قامت الدلالة على امتناع الحلول والاتحاد على الذات فكذا على الصفات بل أولى لاستحالة انتقال الصفة عن الذات والاحتمالات التي تذهب إليها أوهام المخالفين في هذا الأصل ثمانية حلول ذات الواجب أو صفته في بدن الإنسان أو روحه وكذا الاتحاد والمخالفون منهم نصارى ومنهم منتمون إلى الإسلام أما النصارى فقد ذهبوا إلى أن الله تعالى جوهر واحد ثلاثة أقانيم هي الوجود والعلم والحياة المعبر عنها عندهم بالأب والابن وروح القدس على ما يقولون آنا ايثا روحا قدسا ويعنون بالجوهر القائم بنفسه وبالأقنوم الصفة وجعل الواحد ثلاثة جهالة أو ميل إلى أن الصفات نفس الذات واقتصارهم على العلم والحياة دون القدرة وغيرها جهالة أخرى وكأنهم يجعلون القدرة راجعة إلى الحياة والسمع والبصر إلى العلم ثم قالوا إن الكلمة وهي أقنوم العلم اتحدت بجسد المسيح وتدرعت بناسوته بطريق الامتزاج كالحمر بالماء عند الملكائية وبطريق الإشراق كما تشرق الشمس من كوة على بلور عند النسطورية وبطريق الانقلاب لحما ودما بحيث صار الإله هو المسيح عند اليعقوبية ومنهم من قال ظهر اللاهوت بالناسوت كا يظهر الملك في صورة البشر وقيل تركب اللاهوت والناسوت كالنفس مع البدن وقيل إن الكلمة قد تداخل الجسد فيصدر عنه خوارق العادات وقد تفارقه فتحله الآلام والآفات إلى غير ذلك من الهذيانات وأما المنتمون إلى الإسلام فمنهم بعض غلاة الشيعة القائلون بأنه لا يمتنع ظهور الروحاني بالجسماني كجبرائيل في صورة دحية الكلبي وكبعض الجن أو الشياطين في صورة الأناسي ولا يبعد أن يظهر الله تعالى في صورة بعض الكاملين وأولى الناس بذلك علي رضي الله عنه وأولاده المخصوصون الذين هم خير البرية والعلم في الكمالات العلمية والعملية فلهذا كان يصدر عنهم في العلوم والأعمال ما هو فوق الطاقة البشرية ومنهم بعض المتصوفة القائلون بأن السالك إذا أمعن في السلوك وخاض معظم لجة الوصول فربما يحل الله فيه تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا كالنار في الجمر بحيث لا تمايز أو يتحد به بحيث لا إثنينية ولا تغاير وصح أن يقول هو أنا وأنا هو وحينئذ يرتفع الأمر والنهي ويظهر من الغرائب والعجائب مالا يتصور من البشر وفساد الرأيين غني عن البيان وههنا مذهبان آخران يوهمان بالحلول أو الاتحاد وليسا منه في شيء الأول أن السالك إذا انتهى سلوكه إلى الله وفي الله يستغرق في بحر التوحيد والعرفان بحيث تضمحل ذاته في ذاته تعالى وصفاته في صفاته ويغيب عن كل ما سواه ولا يرى في الوجود إلا الله تعالى وهذا الذي يسمونه الفناء في التوحيد وإليه يشير الحديث الإلهي أن العبد لا يزال يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي به يسمع وبصره الذي به يبصر وحينئذ ربما تصدر عنه عبارات تشعر بالحلول أو الاتحاد لقصور العبارة عن بيان تلك الحال وتعذر الكشف عنها بالمقال ونحن على ساحل التمني نغترف من بحر التوحيد بقدر الإمكان ونعترف بأن طريق الفناء فيه العيان دون البرهان والله الموفق
والثاني أن الواجب هو الوجود المطلق وهو واحد لا كثرة فيه أصلا وإنما الكثرة في الإضافات والتعينات التي هي بمنزلة الخيال والسراب إذ الكل في الحقيقة واحد يتكرر على المظاهر لا بطريق المخالطة ويتكثر في النواظر لا بطريق الانقسام فلا حلول ههنا ولا اتحاد لعدم الإثنينية والغيرية وكلامهم في ذلك طويل خارج عن طريق العقل والشرع وقد أشرنا في بحث الوجود إلى بطلانه لكن من يضلل الله فما له من هاد قال المبحث الرابع الجمهور على أن الواجب يمتنع أن يتصف بالحادث أي الموجود بعد العدم خلافا للكرامية وأما اتصافه بالسلوب والإضافات الحاصلة بعد مالم تكن ككونه غير رازق لزيد الميت رازقا لعمرو المولود وبالصفات الحقيقية المغيرة التعلقات ككونه عالما بهذا الحادث وقادرا عليه فجائز وكذا بالأحوال المتحققة بعد مالم تكن كالعالميات المتجددة بتجدد المعلومات عند أبي الحسين البصري على ما سيجيء تحقيق ذلك وبهذا يندفع ما ذكره الإمام الرازي من أن القول بكون الواجب محلا للحوادث لازم على جميع الفرق وإن كانوا يتبرأون عنه أما الأشاعرة فلأن زيدا إذا وجد كان الواجب غير قادر على خلقه بعد ما كان وفاعلا له عالما بأنه موجود مبصرا لصورته سامعا لصوته آمرا له بالصلاة بعدما لم يكن كذلك وأما المعتزلة فلقولهم بحدوث المريدية والكارهية لما يراد وجوده أو عدمه والسامعية والمبصرية لما يحدث من الأصوات والألوان وكذا يتجدد العالميات بتجدد المعلوميات عند أبي الحسين البصري وأما الفلاسفة فلقولهم بأن الله تعالى إضافة إلى ما حدث ثم فني بالقبلية ثم المعية ثم البعدية وهم لا يقولون بوجود كل إضافة حتى يلزم اتصافه بموجودات حادثة على ما هو المتنازع وهذه الشبهة هي العمدة في تمسك المجوزين فلا تكون واردة في محل النزاع وقد تمسك بأن المصحح لقيام الصفة بالواجب إما كونها صفة فيعم القديم والحادث وإما مع قيد القدم أعني كونه غير مسبوق بالعدم وهو عدمي لا يصلح جزأ للمؤثر وجوابه منع الحصر لجواز أن يكون المصحح ماهية الصفة القديمة المخالفة لماهية الصفة الحادثة على أن يكونا أمرين متخالفين متشاركين في مفهوم الوصفية ولو سلم يجوز أن يكون القدم شرطا أو الحدوث مانعا احتج المانعون بوجوه الأول أنه لو جاز اتصافه بالحادث لجاز النقصان عليه وهو باطل بالإجماع وجه اللزوم أن ذلك الحادث إن كان من صفات الكمال كان الخلو عنه مع جواز الاتصاف به نقصانا بالاتفاق وقد خلا عنه قبل حدوثه وإن لم يكن من صفات الكمال امتنع اتصاف الواجب به للاتفاق على أن كل ما يتصف هو به يلزم أن يكون صفة كمال واعترض بأنا لا نسلم أن الخلو عن صفة الكمال نقص وإنما تكون لو لم يكن حال الخلو متصفا بكمال يكون زواله شرطا لحدوث هذا الكمال وذلك بأن يتصف دائما بنوع كمال تتعاقب أفراده من غير بداية ونهاية ويكون حصول كلا لاحق مشروطا بزوال السابق على ما ذكره الحكماء في حركات الأفلاك فالخلو عن كل فرد يكون شرطا لحصول كمال آخر بل الاستمرار كمالات غير متناهية فلا يكون نقصا وأجيب بأن المقدمة إجماعية بل ضرورية والسند مدفوع بأنه إذا كان كل فرد حادثا كان النوع حادثا ضرورة أنه لا يوجد إلا في ضمن فرد وبأن الواجب على ما ذكرتم لا يخلو عن الحادث فيكون حادثا ضرورة وبأنه في الأزل يكون خاليا عن كل فرد ضرورة امتناع الحادث في الأزل فيكون ناقصا الثاني وهو العمدة عند الحكماء أن الاتصاف بالحادث تغير وهو على الله تعالى محال واعترض بأنه إن اريد بالتغير مجرد الانتقال من حال إلى حال فالكبرى نفس المتنازع وإن أريد تغير في الواجبية أو تأثير وانفعال عن الغير فالصغرى ممنوعة لجواز أن يكون الحادث معلول الذات بطريق الاختيار أو بطريق الإيجاب بأن يقتضي صفة كمالية متلاحقة الأفراد مشروطا ابتداء كل بانتهاء الآخر كحركات الأفلاك عندهم
الثالث أنه لو اتصف بالحادث لزم جواز أزلية الحادث بوصف الحدوث وهو باطل ضرورة أن الحادث ما له أول والأزلي مالا أول له وجه اللزوم أنه يجوز اتصافه بذلك الحادث في الأزل إذ لو امتنع لاستحال انقلابه إلى الجواز وجواز الاتصاف بالشيء في الأزل يقتضي جواز وجود ذلك الشيء في الأزل فيلزم جواز وجود الحادث في الأزل وجوابه أن اللازم من استحالة الانقلاب جواز الاتصاف في الأزل على أن يكون الأزل قيدا للجواز وهو لا يستلزم إلا أزلية جواز الحادث لا جواز الاتصاف في الأزل على أن يكون قيدا للاتصاف ليلزم جواز أزلية الحادث ولا خفاء في أن المحال جواز أزلية الحادث بمعنى إمكان أن يوجد في الأزل لا أزلية جوازه بمعنى أن يمكن في الأزل وجوده في الجملة وهذا كما يقال أن قابلية الإله لإيجاد العالم متحققة في الأزل بخلاف قابليته لإيحاد العالم في الأزل أي يمكن في الأزل أن يوجده ولا يمكن أن يوجده في الأزل ومبنى الكلام على أن يعتبر الحادث بشرط الحدوث وإلا فلا خفاء في إمكان وجوده في الأزل الرابع أنه لو جاز اتصافه بالحادث لزم عدم خلوه عن الحادث فيكون حادثا لما سبق في حدوث العالم ولمساعدة الخصم على ذلك أما الملازمة فلوجهين أحدهما أن المتصف بالحادث لا يخلو عنه وعن ضده وضد الحادث حادث لأنه منقطع إلى الحادث ولا شيء من القديم كذلك لما تقرر أن ما ثبت قدمه امتنع عدمه وثانيهما أنه لا يخلو عنه وعن قابليته وهي حادثة لما مر من أن أزلية القابلية تستلزم جواز أزلية المقبول فيلزم جواز أزلية الحادث وهو محال وكلا الوجهين ضعيف أما الأول فلأنه إن أريد بالضد ما هو المتعارف فلا نسلم أن لكل صفة ضدا وأن الموصوف لا يخلو عن الضدين وإن أريد مجرد ما ينافيه وجوديا كان أو عدميا حتى أن عدم كل شيء ضد له ويستحيل الخلو عنهما فلا نسلم أن ضدا الحادث حادث فإن القدم والحدوث إن جعلا من صفات الموجود خاصة فعدم الحادث قبل وجوده ليس بقديم ولا حادث وإن أطلقا على المعدوم ايضا باعتبار كونه غير مسبوق بالوجود أو مسبوقا به فهو قديم وامتناع زوال القديم إنما هو في الموجود لظهور زوال العدم الأزلي لكل حادث وأما الثاني فلأن القابلية اعتبار عقلي معناه إمكان الاتصاف ولو سلم فأزليتها إنما تقتضي أزلية جواز المقبول أي إمكانه لا جواز أزليته ليلزم المحال وقد عرف الفرق قال الفصل الثالث في الصفات الوجودية لا خفاء ولا نزاع في أن اتصاف الواجب بالسلبيات مثل كونه واحدا مجردا ليس في جهة وحيز لا يقتضي ثبوت صفات له وكذا بالإضافات والأفعال مثل كونه العلي والعظيم والأول والآخر والقابض والباسط والخافض والرافع ونحو ذلك وإنما الخلاف في الصفات الثبوتية الحقيقية مثل كونه العالم والقادر فعند أهل الحق له صفات أزلية زائدة على الذات فهو عالم له علم وقادر له قدرة وحي له حياة وكذا في السميع والبصير والمتكلم وغير ذلك مع اختلاف في البعض وفي كونها غير الذات بعد الاتفاق على أنها ليست عين الذات وكذا في الصفات بعضها مع بعض وهذا لفرط تحرزهم عن القول بتعدد القدماء حتى منع بعضهم أن يقال صفاته قديمة وإن كانت أزلية بل يقال هو قديم بصفاته وآثروا أن يقال هي قائمة بذاته أو موجودة بذاته ولا يقال هي فيه أو معه أو مجاورة له أو حالة فيه لإيهام التغاير وأطبقوا على أنها لا توصف بكونها أعراضا وخالف في القول بزيادة الصفات أكثر الفرق كالفلاسفة والمعتزلة ومن يجري مجراهم من أهل البدع والأهواء وسموا القائلين بها بالصفاتية ثم اختلفت عباراتهم فقيل هو حي عالم قادر لنفسه وقيل بنفسه وقيل لكونه على حالة هي اخص صفاته وقيل لا لنفسه ولا لعلل وكلام الإمام الرازي في تحقيق إثبات الصفات وتحرير محل النزاع ربما يميل إلى الاعتزال قال في المطالب العالية اهم المهمات في هذه المسألة البحث عن محل الخلاف فمن المتكلمين من زعم أن العلم صفة قائمة بذات العالم ولها تعلق بالمعلوم فهناك أمور ثلاثة الذات والصفة والتعلق ومنهم من زعم أن العلم صفة توجب العالمية وأن هناك تعلقا بالمعلوم من غير أن يبين أن المتعلق هو العلم أو العالمية ليكون هناك أمور أربعة أو كلاهما ليكون هناك أمور خمسة ثم قال وأما نحن فلا نثبت إلا أمرين الذات والنسبة المسماة بالعالمية وندعي أنها أمر زائد على الذات موجود فيه للقطع بأن المفهوم من هذه النسبة ليس هو المفهوم من الذات وأن من اعترف بكونه عالما لم يمكنه نفي هذه النسبة إذ لا معنى للعالم إلا الذات الموصوفة بهذه النسبة ولا للقادر إلا الذات الموصوفة بأنه يصح منه الفعل هذا وقد عرفت أنه لا يجوز أن يكون العلم نفس الإضافة وقد صرح هو أيضا بذلك حيث قال في نهاية العقول لو كان كونه عالما وقادرا مجرد أمر إضافي لتوقف ثبوته على ثبوت المعلوم والمقدور لأن وجود الأمور الإضافية مشروط بوجود المضافين لكن المعلوم قد يكون محالا وقد يكون ممكنا لا يوجد إلا بإيجاد الله المتوقف على كونه عالما قادرا قال لنا وجوه
الأول طريقة القدماء وهو اعتبار الغائب بالشاهد وتقريره على ما ذكره إمام الحرمين أنه لا بد في ذلك من جامع للقطع بأنه لا يصح في الغائب الحكم بكونه جسما محدودا بناء على أنا لا نشاهد الفاعل إلا كذلك والجوامع أربعة العلة والشرط والحقيقة والدليل فإنه إذا ثبت في الشاهد كون الحكم معللا بعلة كالعالمية بالعلم أو مشروطا بشرط كالعالمية بالحياة أو تقررت حقيقة في محقق ككون حقيقة العالم من قام به العلم أو دل دليل على مدلول عقلا كدلالة الأحداث على المحدث لزم اطراد ذلك في الغائب وقد ثبت في الشاهد أن حقيقة العالم من قام به العلم وأن الحكم بكون ا لعالم عالما معلل فلزم القضاء بذلك في الغائب وكذا الكلام في القدرة والحياة وغيرهما وهذا احتجاج على المعتزلة القائلين بصحة قياس الغائب على الشاهد عند شرائطه وبكون هذه الأحكام في الشاهد معللة بالصفات كالعالمية بالعلم فلا يتوجه منع الأمرين نعم يتوجه ما قيل أن هذه الأحكام إنما تعلل في الشاهد لجوازها فلا تعلل في الغائب لوجوبها وأن من شرط القياس أن يتماثل أمران فيثبت لأحدهما مثل ما ثبت للآخر وهذه الأحكام مختلفة غائبا وشاهدا بالقدم والحدوث والشمول واللاشمول وغير ذلك وكذا الصفات التي أثبتوها عللا لها وأجيب بأن الوجوب لا ينافي التعليل غايته أنه لا يعلل إلا بالواجب والجائز يعلل بالجائز وأنه لا اختلاف لهذه الأحكام ولا الصفات فيما يتعلق بالمقصود فإن العلم إنما يوجب كون العالم عالما من حيث كونه عالما لا من حيث كونه عرضا أو حادثا أو نحو ذلك الوجه الثاني أن الله تعالى عالم وكل عالم فيه علم إذ لا يعقل من العالم إلا ذلك وكذا القادر وغيره وتقرير آخر أن لله تعالى معلوما وكل من له معلوم فله علم إذ لا معنى للمعلوم إلا ما تعلق به العلم فإن قيل سلمنا أن له علما لكن لم لا يجوز أن يكون علمه نفس ذاته لا زايدا عليه وكذا سائر الصفات قلنا لأنه يلزم منه محالات أحدها أن لا يكون حمل تلك الصفات على الذات مفيدا بمنزلة قولنا الإنسان بشر والذات ذات والعالم عالم والعلم علم وثانيها أن يكون العلم هو القدرة والقدرة هي الحياة وكذا البواقي من غير تمايز أصلا لأنها كلها نفس الذات فينتظم قياس هكذا العلم هو الذات والذات هو القدرة لأن القدرة إذا كانت نفس الذات كان الذات نفس القدرة ضرورة وثالثها أن يجزم العقل بكون الواجب عالما قادرا حيا سميعا بصيرا من غير افتقار إلى إثبات ذلك بالبرهان لأن كون الشيء نفسه ضروري
ورابعها أن يكون العلم مثلا واجب الوجود لذاته قائما بنفسه صانعا للعالم معبودا للعباد حيا قادرا سميعا بصيرا إلى غير ذلك من الكمالات وليس كذلك وفاقا حتى صرح الكعبي بأن من زعم أن علم الله يعبد فهو كافر فإن قيل يكفي في عدم لزوم هذه المحالات كون المفهوم من الذات غير المفهوم من الصفات وكون المفهوم من كل صفة مغايرا للمفهوم من الأخرى وهذا لا نزاع فيه ولا يستلزم الزيادة بحسب الوجود كما هو المطلوب ألا ترى أن حمل مثل الكاتب والضاحك والعالم والقادر على الإنسان مفيد وربما يحتاج إلى البيان مع اتحاد الذات وعدم لزوم كون الكتابة هو الضحك أو الضاحك والناطق قلنا ليس الكلام في العالم والقادر والحي ونحو ذلك مما يحمل على الذات بالمواطأة بل في العلم والقدرة والحياة ونحوها مما لا يحمل إلا بالاشتقاق فإنها إذا كانت نفس الذات كان لزوم المحالات المذكورة ظاهرا فإن قيل إنما يلزم ذلك لو لم تكن الذات مع الصفات وكذا الصفات بعضها مع البعض متغايرة بحسب الاعتبار وإن كانت متحدة بحسب الوجود وذلك بأن تكون الذات من حيث التعلق بالمعلومات عالما بل علما ومن حيث التعلق بالمقدورات قادرا بل قدرة ومن حيث كونه بحيث يصح أن يعلم ويقدر حيا بل حياة وعلى هذا القياس ويكون معنى الحمل أن الذات متعلق بالمعلومات وبالمقدورات مثلا ولا خفاء في إفادته وافتقاره إلى البيان ولا في تمايز الاعتبارات بعضها عن البعض من غير تكثر في الذات أصلا بحسب الوجود وهذا كما أن الواحد نصف للاثنين ثلث للثلاثة ربع للأربعة وهكذا إلى غير النهاية مع أن الموجود واحد لا غير والحمل مفيد والنصفية متميزة عن الثلثية قلنا كون الذات نفس التعلق الذي هو العلم والقدرة مثلا ضروري البطلان ككون الواحد نفس النصفية والثلثية وإنما هو عالم وقادر فيبقى الكلام في مأخذ الاشتقاق أعني العلم والقدرة وأنه لا بد أن يكون معنى وراء الذات لا نفسه ولا يفيدك تسميته بالتعلق لأن مثل العلم والقدرة ليس من الاعتبارات العقلية التي لا تحقق لها في الأعيان بمنزلة الحدوث والإمكان بل من المعاني الحقيقية فلا بد من القول بكونها نفس الذات فيعود المحذور أو وراء الذات فيثبت المطلوب وأيضا وصف العالمية أو القادرية وكذا المعلومية أو المقدورية إنما يتحقق بعد تمام التعلق فعلى ما ذكر يكون كل من العلم والقدرة عبارة عن تعلق الذات بأمر فلا بد في التمايز من خصوصية بها يكون أحد التعلقين علما والآخر قدرة وهو المراد بالمعنى الزائد على الذات والحاصل أنه لا نزاع في أنه تعالى عالم حي قادر ونحو ذلك وهذه الألفاظ ليست أسماء للذات من غير اعتبار معنى بل هي أسماء مشتقة معناها إثبات ما هو مأخذ الاشتقاق ولا معنى له سوى إدراك المعاني والتمكن من الفعل والترك ونحو ذلك فلزم بالضرورة ثبوت هذه المعاني للواجب كيف والخلو عنها نقص وذهاب أي أنه لا يعلم ولا يقدر ثم هذه المعاني يمتنع أن تكون نفس الذات لامتناع قيامها بأنفسها ولما سبق من المحالات فتعين كونها معاني وراء الذات والمعتزلة مع ارتكابهم شناعة العالم بلا علم والقادر بلا قدرة لا يرضون رأسا برأس بل يباهون بنفي الصفات ويعدون إثباتها من الجهالات الوجه الثالث النصوص الدالة على إثبات العلم والقدرة بحيث لا يحتمل التأويل كقوله تعالى أنزله بعلمه وقوله فاعلموا أنما أنزل بعلم الله أي . . . لعلمه بمعنى أنه تعلق به العلم لا بمعنى مقارنا للعلم ليلزم كون العلم منزلا فيجب تأويله وكقوله تعالى أن القوة لله وقوله تعالى ( إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ) قال تمسك المخالف بوجود للقائلين بنفي الصفات شبه بعضها على أصول الفلسفة تمسكا للفلاسفة وبعضها على قواعد الكلام تمسكا للمعتزلة وبعضها من مخترعات أهل السنة على أحد الطريقين دفعا لها ولم يصرح في المتن بنسبة كل إلى من يتمسك به لعدم خفائه على الناظر في المقدمات
الأول وهو للفلاسفة لو كانت له صفة زائدة لكانت ممكنة لأن الصفة لا تقوم بنفسها فضلا عن الوجوب كيف وقد ثبت أن الواجب واحد وما وقع في كلام بعض العلماء من أن واجب الوجود لذاته هو الله تعالى وصفاته فمعناه أنها واجبة لذات الواجب أي مستندة إلى الله بطريق الإيجاب لا بطريق الخلق بالقصد والاختيار ليلزم كونها حادثة وكون القدرة مثلا مسبوقة بقدرة أخرى وما ثبت من كون الواجب مختارا لا موجبا إنما هو في غير صفاته وأما استناد الصفات عند من يثبتها فليس إلا بطريق الإيجاب وكذا قولهم علة الاحتياج إلى المؤثر هو الحدوث دون الإمكان ينبغي أن يخص بغير صفاته ولا يخفى أن مثل هذه التخصيصات في الأحكام العقلية بعيد جدا ثم صفاته على تقدير تحققها ولزوم إمكانها يجب أن تكون أثرا له لامتناع افتقار ا لواجب في صفاته وكمالاته إلى الغير فيلزم كونه القابل والفاعل وهو باطل لما مر وأجيب بالمنع كما مر وقد تقرر لزوم كونه الفاعل بأن جميع الممكنات مستندة إليه وكأنه إلزامي وإلا فأكثر الممكنات عند الفلاسفة أثر للغير وإن كانت بالآخرة منتهية إلى الواجب مستندة إليه بالواسطة وهذا لا يوجب كونه الفاعل الثاني الصفة الزائدة إن لم تكن كما لا يجب نفيها عنه لتنزهه عن النقصان وإن كانت يلزم استكماله بالغير وهو يوجب النقصان بالذات فيكون محالا وأجيب بأنا لا نسلم أن مالا يكون كما لا يكون نقصانا وأن مالا يكون عين الشيء يكون غيره بل صفاته لا هو ولا غيره ولو سلم فلا نسلم استحالة ذلك إذا كانت صفة الكمال ناشئة عن الذات دائمة بدوامه بل ذلك غاية الكمال الثالث وهو للمعتزلة أن عالميته واجبة لاستحالة الجهل عليه ولاستحالة افتقاره إلى فاعل يجعله عالما وكذا البواقي والواجب لا يعلل لأن سبب الاحتياج إلى العلة هو الجواز ليترجح جانب الوجود فعالميته مثلا لا تعلل بالعلم بل يكون هو عالم بالذات بخلاف عليتنا فإنها جائزة والجواب بعد تسليم كون العالمية أمرا وراء العلم معللا به كما هو رأي مثبتي الأحوال أن وجوبها ليس بمعنى كونها واجبة الوجود لذاتها ليمتنع تعليلها بل بمعنى امتناع خلو الذات عنها وهو لا ينافي كونها معللة بصفة ناشئة عن الذات فإن اللازم للذات قد يكون بوسط الرابع وهو العمدة الوثقى لنفات الصفات من المليين أنها إما أن تكون حادثة فيلزم قيام الحوادث بذاته وخلوه في الأزل عن العلم والقدرة والحياة وغيرها من الكمالات وصدورها عنه بالقصد والاختيار أو بشرائط حادثة لا بداية لها والكل باطل بالاتفاق وإما أن تكون قديمة فيلزم تعدد القدماء وهو كفر بإجماع المسلمين وقد كفرت النصارى بزيادة قديمين فكيف بالأكثر وأجيب بأنا لا نسلم تغاير الذات مع الصفات ولا الصفات بعضها مع البعض ليثبت التعدد فإن الغيرين هما اللذان يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر بمكان أو بزمان أو بوجود وعدم أو هما ذاتان ليست إحداهما الأخرى وتفسيرهما بالشيئين أو الموجودين أو الاثنين فاسد لأن الغير من الأسماء الإضافية ولا إشعار في هذا التفسير بذلك قال صاحب التبصرة وكذا تفسيرهما بالشيئين من حيث أن أحدهما ليس هو الآخر لصدقه على الكل مع الجزء كالعشرة مع الواحد وزيد مع رأسه مع أنه لم يقل أحد بكون الجزء غير الكل إلا جعفر بن حارث من المعتزلة وعد هذا من جهالاته لأن العشرة اسم للمجموع يتناول كل فرد مع أغياره فلو كان الواحد غير العشرة لصار غير نفسه لأنه من العشرة ولن تكون العشرة بدونه وقال أيضا كل الشيء ليس غيره لأن الشيء لا يغاير نفسه وأعجب من هذا ما قال لو كان الغيران هما الاثنين لكان الغير اثنا والاثن ليس بمستعمل والغير مستعمل والقول ما قال إمام الحرمين رحمه الله أن إيضاح معنى الغيرين مما لا يدل عليه قضية عقلية ولا دلالة قاطعة سمعية فلا يقطع ببطلان قول من قال كل شيئين غير أن نعم لا يقطع بالمنع من إطلاق الغيرية في صفات الباري وذاته لاتفاق الأمة على ذلك ثم قال ولا يتحاشى من إطلاق القول بأن الصفات موجودات والعلم مع الذات موجودان وكذا جميع الصفات فظهر أن القول بالتعدد لا يتوقف على القول بالتغاير فقولنا ولو سلم معناه ولو سلم التغاير أو التعدد بدون التغاير فالقول بأزلية الصفات لا يستلزم القول بقدمها لكونه أخص فإن القديم هو الأزلي القائم بنفسه ولو سلم أن كل أزلي قديم فلا نسلم أن القول بتعدد القديم مطلقا كفر بالإجماع بل في قدم الذاتي بمعنى عدم المسبوقية بالغير وقدم الصفات زماني بمعنى كونها غير مسبوقة بالعدم ولو سلم أن القول بتعدد القديم كفر ذاتيا كان أو زمانيا فلا نسلم ذلك في الصفات بل في الذوات خاصة أعني ما تقوم بأنفسها والنصارى وإن لم يجعلوا الأقانيم القديمة ذوات لكن لزمهم القول بذلك حيث جوزوا عليها الانتقال وقد سبق بيان ذلك وقوله تعالى وما من إله إلا إله واحد بعد قوله لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة شاهد صدق على أنهم كانوا يقولون بآلهة ثلاثة فأين هذا من القول بإله واحد له صفات كمال كما نطق بها كتابه قال وأما التمسك إشارة إلى شبه أخرى ضعيفة جدا
الأولى أنه لو كان موصوفا بصفات قائمة بذاته لكان حقيقة الإلهية مركبة من تلك الذات والصفات وكل مركب ممكن لاحتياجه إلى الأجزاء والجواب بمنع الملازمة بل حقيقة الإله تلك الذات الموجبة للصفات الثانية أن القدم أخص أوصاف الإله والكاشف عن حقيقته إذ به يعرف تميزه عن غيره فلو شاركته الصفات في القدم لشاركته في الإلهية فيلزم من القول بها القول بالآلهة كما لزم النصارى والجواب منع كون الأخص والكاشف هو القدم بل وجوب الوجود الثالثة أنه لا دليل على هذه الصفات لأن الأدلة العقلية لا تتمم والسمعية لا تدل إلا على أنه حي عالم قادر إلى غير ذلك والنزاع لم يقع فيه وما لا دليل عليه يجب نفيه كما سبق مرارا والجواب منع المقدمتين الرابعة أنه لا يعقل من قيام الصفة بالموصوف إلا حصولها في الحيز تبعا لحصوله والتحيز على الله تعالى محال فكذا قيام الصفات به والجواب أن معنى القيام هو الاختصاص الناعت على ما هو مرادكم باتصافه بالأحكام والأحوال قال والقوى إلزاما يعني أن من الشبه القوية في هذا الباب وإن كانت مقدماتها إلزامية لا تحقيقية أنه لو كانت له صفات قديمة لزم قيام المعنى بالمعنى لأن القديم يكون باقيا بالضرورة وعندكم أن بقاء الشيء صفة زائدة عليه قائمة به وأن قيام المعنى بالمعنى باطل فمن الأصحاب من لم يجعل البقاء صفة زائدة بل استمرارا للوجود ومنهم من جوز في غير المتحيز قيام المعنى بالمعنى وإنما الممتنع قيام العرض بالعرض لأن معناه التبعية في التحيز والعرض لا يستقل بالتحيز فلا يتبعه غيره بل كلاهما يتبعان الجوهر ومنهم من امتنع عن وصف الصفات بالبقاء فلم يقل علمه باق وقدرته باقية بل قال هو باق بصفاته وهذا ضعيف جدا لأن الدائم الموجود أزلا وأبدا من غير طريان فناء عليه أصلا اتصافه بالبقاء ضروري ولا يفيد التحرز عن التكلم به ومنهم من قال هي باقية ببقاء هو بقاء الذات فإنه بقاء للذات وللصفات وللبقاء لأنها ليست غير الذات بخلاف بقاء الجوهر فإنه لا يكون بقاء لأعراضه لكونها مغايرة له والبقاء القائم بالشيء لا يكون بقاء لما هو غيره وبهذا صرح الشيخ الأشعري واعترض عليه بأن الصفات كما أنها ليست غير الذات ليست عينها فكيف يجعل البقاء القائم بالذات بقاء لما ليس بالذات ولما لم يقم به البقاء ولهذا لا يتصف بعض صفات الذات مع أنها ليست غير الذات بالبعض فلا يكون العلم مثلا حيا قادرا فظهر أن علة امتناع جعل بقاء الجوهر بقاء العرض ليست تغايرهما بل كون أحدهما ليس الآخر ومنهم من قال أن الصفة باقية ببقاء هو نفسها فالعلم مثلا علم للذات فيكون به عالما وبقاء لنفسه فيكون به باقيا كما أن بقاء الله تعالى بقاء له وبقاء للبقاء أيضا وهذا كالجسم يكون كائنا بالكون والكون يكون كائنا بنفسه وجاز حصول باقيين ببقاء واحد لأن أحدهما كان قائما بالآخر فلم يؤد إلى قيام صفة بذاتين بخلاف حصول متحركين بحركة وأسودين بسواد فإن قيل فمعلوم أن الشيء إنما يكون عالما بما هو علم قادرا بما هو قدرة باقيا بما هو بقاء إلى غير ذلك وههنا قد لزم كون الذات عالما وقادرا بما هو بقاء والعلم باقيا بما هو علم والقدرة باقية بما هو قدرة وهو محال قلنا اختلاف الإضافة بدفع الاستحالة فإن المستحيل هو أن يكون الشيء عالما أو قادرا بما هو بقاء له وباقيا بما هو علم أو قدرة له واللازم هو أن الذات عالم أو قادر بما هو بقاء للعلم أو القدرة والعلم أو القدرة باق بما هو علم أو قدرة للذات ولقائل أن يقول فحينئذ لا يبقى قولكم بقاء الباقي صفة زائدة عليه قائمة به على إطلاقه وأيضا إذا جاز كون بقاء العلم نفسه مع القطع بأن مفهوم البقاء ليس مفهوم العلم فلم لا يجوز مثله في الصفات مع الذات بأن يكون عالما بعلم هو نفسه قادرا بقدرة هي نفسه باقيا ببقاء هو نفسه إلى غير ذلك ولا يلزم إلا كون الجميع واحدا بحسب الوجود لا بحسب المفهوم والاعتبار قال ولهم في نفي القدرة تمسكت المعتزلة في امتناع كون الباري تعالى قادرا بالقدرة بأنه لو كان كذلك لما كان قادرا على خلق الأجسام واللازم باطل وفاقا بيان الملازمة من وجهين
أحدهما أن عدم صلوح قدرة العبد لخلق الأجسام حكم مشترك لا بد له من علة مشتركة وما هي إلا كونها قدرة فلو كانت للباري أيضا قدرة لكانت كذلك وثانيهما أن قدرة الباري على تقدير تحققها إما أن تكون مماثلة لقدر العباد فيلزم أن لا تصلح لخلق الأجسام لأن حكم الأمثال واحد وإما أن تكون مخالفة لها وليست تلك المخالفة أشد من مخالفة قدر العباد بعضها للبعض ومع ذلك لا يصلح شيء منها لخلق الأجسام فكذا التي تخلفها هذا القدر من المخالفة والجواب أنا لا نسلم أنه لا بد للحكم المشترك من علة مشتركة بل يجوز أن يعلل بعلل مختلفة إذ لا يمتنع اشتراك المختلفات في لازم واحد وههنا يجوز أن يعلل عدم صلوح قدر العباد لخلق الأجسام بخصوصياتها ولو سلم فلا نسلم أنه لا مشترك بينهما سوى كونها قدرة لجواز أن تكون أمرا أخص من ذلك بحيث تشمل قدر العباد ولا تشمل قدرة الباري ولا نسلم أن مخالفة قدرة الباري لقدر العباد ليست أشد من مخالفتها فيما بينها لجواز أن تنفرد بخصوصية لا توجد في شيء منها فتصلح هي لخلق الأجسام دونها قال وفي نفي العلم تمسكوا في امتناع كونه عالما بالعلم بوجوه الأول أنه لو كان كذلك لزم حدوث علمه أو قدم علمنا وكلاهما ظاهر البطلان وجه اللزوم أنه إذا تعلق علمنا بشيء مخصوص تعلق به علمه كان كلاهما على وجه واحد وهو طريق تعلق العلم بالمعلوم إلا أن يكون علمه به بطريق تعلق الذات وعلمنا به بطريق تعلق العلم كما في عالميته وعالميتنا وإذا كان كلاهما على وجه واحد كانا متماثلين فيلزم استواؤهما في القدم أو الحدوث والجواب أن تعلقهما من وجه واحد لا يوجب تماثلهما لجواز اشتراك المختلفات في لازم واحد ولو سلم فالتماثل لا يوجب تساويهما في القدم أو الحدوث لجواز اختلاف المتماثلات في الصفات كالوجودات على رأي المتكلمين الثاني لو كان عالما بالعلم لكان له علوم غير متناهية لأنه عالم بما لا نهاية له والعلم الواحد لا يتعلق إلا بمعلوم واحد وإلا لما صح لنا أن نعلم كونه عالما بأحد المعلومين مع الذهول عن علمه بالعلوم الأخر ولجاز أن يكون علم الواحد قائما مقام العلوم المختلفة في الشاهد للقطع بأن علمنا بالبياض يخالف علمنا بالسواد ولو جاز هذا لجاز أن يكون له صفة واحدة تقوم مقام الصفات كلها بأن تكون علما وقدرة وحياة وغير ذلك بل تقوم الذات مقام الكل ويلزم نفي الصفات وإذا لم يتعلق العلم الواحد إلا بمعلوم واحد لزم أن يكون له بحسب معلوماته الغير المتناهية علوم غير متناهية وهو باطل وفاقا واستدلالا بما مر مرارا من أن كل عدد يوجد بالفعل فهو متناه فإن قيل فكيف جاز أن يكون المعلومات غير متناهية قلنا لأن المعلوم لا يلزم أن يكون موجودا في الخارج والجواب أنه لا يمتنع تعلق العلم الواحد بمعلومات كثيرة ولو إلى غير نهاية وما ذكر في بيان الامتناع ليس بشيء لأن الذهول إنما هو عن التعلق بالمعلوم الآخر وعلمنا أيضا بالسواد والبياض لا يختلف إلا بالإضافة ولو سلم فقيام علمه مقام علوم مختلفة لا يستلزم جواز قيام صفة واحدة له مقام صفات مختلفة الجنس
الثالث لو كان الباري ذا علم لكان فوقه عليم لقوله تعالى وفوق كل ذي علم عليم واللازم باطل قطعا والجواب منع كونه على عمومه والمعارضة بالآيات الدالة على ثبوت العلم كما مر قال المبحث الثاني في أنه قادر المشهور أن القادر هو الذي إن شاء فعل وإن شاء ترك ومعناه أنه يتمكن من الفعل والترك أي يصح كل منهما عنه بحسب الدواعي المختلفة وهذا لا ينافي لزوم الفعل عنه عند خلوص الداعي بحيث لا يصح عدم وقوعه ولا يستلزم عدم الفرق بينه وبين الموجب لأنه الذي يجب عنه الفعل نظرا إلى نفسه بحيث لا يتمكن من الترك اصلا ولا يصدق إن شاء ترك كالشمس في الإشراق والنار في الإحراق وميل الإمام الرازي إلى أن الداعي من جنس الإدراكات وهو العلم أو الظني أو الإعتقاد أن في الفعل مصلحة ومنفعة مثلا وقيل من جنس الإرادة وقيل نفس المصلحة والمنفعة ولا خفاء في أنها لا يلزم أن تكون كذلك في نفس الأمر إذ ربما يظن المفسدة مصلحة فيقدم على الفعل ثم الأصل المعلول عليه في باب إثبات قادرية الباري أنه صانع قديم له صنع حادث وصدور الحادث عن القديم إنما يتصور بطريق القدرة دون الإيجاب وإلا يلزم تخلف المعلول عن تمام علته حيث وجدت في الأزل العلة دون المعلول ولا يتم هذا إلا بعد إثبات أن شيئا من الحوادث يستند إلى الباري تعالى بلا واسطة وذلك بأن يبين أنه قديم بذاته وصفاته وأن العالم حادث بجميع أجزائه على ما قرره المتكلمون أو يبين امتناع أن يكون موجبا بالذات ويكون في سلسلة معلولاته قديم مختار تستند إليه الحوادث وهذا مما وافقنا عليه الخصم أو حركة سرمدية تكون جزئياتها الحادثة شروطا ومعدات في حدوث الحوادث على ما زعمت الفلاسفة وقد سبق في بحث التسلسل بيان استحالة وجود مالا نهاية لها مجتمعة كانت أو متعاقبة وفي بحث حدوث العالم بيان استحالة أزلية الحركة قال إمام الحرمين رحمه الله دخول حوادث لا نهاية لأعدادها على التعاقب في الوجود معلوم البطلان بأوائل العقول وكيف ينصرم بالواحد على أثر الواحد ما انتفت عنه النهاية كالدورات التي قبل هذه الدورة التي نحن فيها على ما يزعم الملاحدة من أن العالم لم يزل على ما هو عليه ولم تزل دورة قبل دورة إلى غير أول ووالد قبل ولد وبذر قبل زرع ودجاجة قبل بيضة وهذا بخلاف إثبات حوادث لا آخر لها كنعيم الجنان فإنه ليس قضاء بوجود مالا يتناهى وهذا كما إذا قال لا أعطيك درهما إلا أعطيك قبله دينارا ولا أعطيك دينارا إلا أعطيك قبله درهما لم يتصور أن يعطيه على حكم شرطه درهما ولا دينارا بخلاف ما إذا قال لا أعطيك درهما إلا أعطيك بعده دينارا ولا أعطيك دينارا إلا أعطيك بعده درهما وبالجملة فالحدوث ينافي نفي الأولية ولا ينافي نفي الآخرية لا يقال قد يمكن تقرير هذا الاستدلال بحيث لا يفتقر إلى أحد الأمرين المذكورين كما ذكر في المواقف من أنه لو لم يكن قادرا لزم إما نفي الحادث أو عدم استناده إلى المؤثر أو التسلسل أو تخلف الأثر عن المؤثر التام لأنه إن لم يوجد حادث أصلا فهو الأمر الأول وإن وجد فإن لم يستند إلى مؤثر فهو الثاني وإن استند فإن لم ينته إلى قديم فهو الثالث وإن انتهى فلا بد من قديم يوجب حادثا بلا واسطة دفعا للتسلسل وهو الرابع لأنا نقول هذا أيضا تقرير للاستدلال المشهور بزيادة مقدمات لا حاجة إليها وهي الشرطيات الثلاث