Qur'an&Sunnah

Teftâzânî — Şerhu'l-Makâsıd (Mâtürîdî/Eş'arî kelam)

قسم V02/P172–V02/P174

الثالث أن الأسماء منحصرة في التسعة والتسعين والرواية المشتملة على تفصيلها غير مذكورة في الصحيح ولا خالية عن الاضطراب والتغيير وقد ذكر كثير من المحدثين أن في إسنادها ضعفا وعلى هذا يظهر معنى قوله عليه السلام إن الله وتر يحب الوتر أي جعل الأسماء التي سمى بها نفسه تسعة وتسعين ولم يكملها مائة لأنه وتر يحب الوتر ويكون معنى إحصائها الاجتهاد في التقاطها من الكتاب والسنة وجمعها وحفظها على ما قال بعض المحدثين أنه صح عندي قريب من ثمانين يشتمل عليه الكتاب والصحاح من الأخبار والباقي ينبغي أن يطلب من الأخبار بطريق الاجتهاد والمشهور أن معنى إحصائها عدها والتلفظ بها حتى ذكر بعض الفقهاء أنه ينبغي أن تذكر بلا إعراب ليكون إحصاء ويشكل بما هو مضاف كمالك الملك وذو الجلال وقيل حفظها أو التأمل في معانيها قال المقصد السادس في السمعيات وفيه فصول أربعة مباحث النبوة ومباحث المعاد ومباحث الأسماء والأحكام وما يلايمها ومباحث الإمامة قال الفصل الأول في النبوة وفيه مباحث وهو كون الإنسان معبوثا من الحق إلى الخلق فإن كان النبي مأخوذا من النبوة وهو الارتفاع لعلو شأنه واشتهار مكانه أو من النبي بمعنى الطريق لكونه وسيلة إلى الحق تعالى فالنبوة على الأصل كالأبوة وإن كان من النبأ وهو الخبر لإنبائه عن الله تعالى فعلى قلب الهمزة واوا ثم الإدغام كالمروة قال المبحث الأول النبي إنسان بعثه الله لتبليغ ما أوحي إلي وكذا الرسول وقد يخص بمن له شريعة وكتاب فيكون أخص من النبي واعترض بما ورد في حديث من زيادة عدد الرسل على عدد الكتب فقيل هو من له كتاب أو نسخ لبعض أحكام الشريعة السابقة والنبي قد يخلو عن ذلك كيوشع عليه السلام وفي كلام بعض المعتزلة أن الرسول صاحب الوحي بواسطة الملك والنبي هو المخبر عن الله تعالى بكتاب أو إلهام أو تنبيه في المنام ثم البعثة لطف من الله تعالى ورحمة للعالمين لما فيها من حكم ومصالح لا تحصى منها معاضة العقل فيما يستقل بمعرفته مثل وجود الباري وعلمه وقدرته لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ومنها استفادة الحكم من النبي فيما لا يستقل به العقل مثل الكلام والرؤية والمعاد الجسماني ومنها إزالة الخوف الحاصل عند الإتيان بالحسنات لكونه تصرفا في ملك الله بغير إذنه وعند تركها لكونه ترك طاعة ومنها بيان حال الأفعال التي تحسن تارة وتقبح أخرى من غير اهتداء العقل إلى مواقعها ومنها بيان منافع الأغذية والأدوية ومضارها التي لا تفي بها التجرية إلا بعد أدوار وأطوار مع ما فيها من الأخطار ومنها تكميل النفوس البشرية بحسب استعداداتهم المختلفة في العلميات والعمليات ومنها تعليم الصنايع الخفية من الحاجيات والضروريات ومنها تعليمهم الأخلاق الفاضلة الراجعة إلى الأشخاص والسياسات الكاملة العايدة إلى الجماعات من المنازل والمدن ومنها الإخبار بتفاصيل ثواب المطيع وعقاب العاصي ترغيبا في الحسنات وتحذيرا عن السيئات إلى غير ذلك من الفوائد فلهذا قالت المعتزلة بوجوبها على الله تعالى والفلاسفة بلزومها في حفظ نظام العالم على ما سيجيء والحاصل أن النظام المؤدي إلى صلاح حال النوع على العموم في المعاش والمعاد لا يتكمل إلا ببعثة الأنبياء فيجب على الله عند المعتزلة لكونه لطفا وصلاحا للعباد وعند الفلاسفة لكونه سببا للخير العام المستحيل تركه في الحكمة والعناية الإلهية وإلى هذا ذهب جمع من المتكلمين بما وراء النهر وقالوا أنها من مقتضيات حكمة الباري عز وجل فيستحيل أن لا يوجد لاستحالة السفه عليه كما أن ما علم الله وقوعه يجب أن يقع لاستحالة الجهل عليه ثم طولوا في ذلك وعولوا على ضروب من الاستدلال مرجعها إلى ما ذكرنا من لزوم السفه والعبث كما في خلق الأغذية والأدوية التي لا تتميز عن السموم المهلكة إلا بتجارب لا يتجاسر عليها العقلاء ولا يفي بها الأعمار وخلق الأبدان التي ليس لها بدون الغذاء إلا الفناء وخلق نوع الإنسان المفتقر في البقاء إلى اجتماع لا ينتظم بدون بعثة الأنبياء وكخلق العقل المائل إلى المحاسن النافر عن القبايح الجازم بأن شرفه وكماله في العلم بتفاصيل ذلك والعمل بمقتضياتها من الامتنثال والاجتناب وأنه لا يستقل بجميع ذلك على التفصيل بل يفتقر إلى بيان ممن أوجدها ودعا إلى الإتيان بالبعض منها والانتهاء عن البعض كالمجمل من الخطاب فإن خلق العقل مائلا إلى المحاسن نافرا عن القبايح بمنزلة الخطاب في كونه دليلا على الأمر والنهي اللذين هما من الصفات القائمة بذاته تعالى إذ لا معنى لهما سوى الدعوة إلى المباشرة والامتناع وكما في جعل بعض الأفعال بحيث قد يحمد عاقبته فيجب وقد يذم فيحرم كالصوم مثلا فلو لم يكن له بيان من الشارع لكان في ذلك إباحة ترك الواجب وإباحة مباشرة المحظور وهو خارج عن الحكمة فظهر بهذه الوجوه وأمثالها أنه لا بد من النبي البتة ولهذا كان في كل عصر للعقلاء نبي أو من يخلفه في إقامة الدليل السمعي وكان الغالب على المتمسكين بالشرايع سلوك طريق الحق وسبيل النجاة والرشاد مع اشتغالهم باكتساب أسباب المعاش وخلو أكثرهم عن صناعة النظر وحذاقة الذهن وعلى الفلاسفة المتشبثين بأذيال العقل العدول عن الصواب والوقوع في الضلال مع رجاحة عقولهم ودقة أنظارهم وإقبالهم بالكلية على البحث عن المعارف الإلهية والعلوم اليقينية وأنت خبير بأن في ترويج أمثال هذا المقال توسيع لمجال الاعتزال فإنهم لا يعنون بالوجوب على الله تعالى سوى أن تركه لقبحه محل بالحكمة ومظنة لاستحقاق المذمة فالحق أن البعثة لطف من الله تعالى ورحمة يحسن فعلها ولا يقبح تركها على ما هو المذهب في سائر الألطاف ولا تبتني على استحقاق من المبعوث واجتماع أسباب وشروط فيه بل الله تعالى يختص برحمته من يشاء من عباده وهو أعلم حيث يجعل رسالته قال وللمنكرين المنكرون للنبوة منهم من قال باستحالتها ولا اعتداد بهم ومنهم من قال بعدم الاحتياج إليها كالبراهمة جمع من الهند أصحاب برهام ومنهم من لزم ذلك من عقايدهم كالفلاسفة النافين لاختيار الباري وعلمه بالجزئيات وظهور الملك على البشر ونزوله من السموات ومنهم من لاح ذلك على أفعاله وأقواله كالمصرين على الخلاعة وعدم المبالاة ونفي التكاليف ودلالة المعجزات وهؤلاء آحاد وأوباش من الطوايف لا طائفة معينة يكون لها ملة ونخلة وبالجملة للمنكرين شبه

قسم V02/P174–V02/P175

الأولى أن البعثة تتوقف على علم المبعوث بأن الباعث هو الله تعالى ولا سبيل إلى ذلك والجواب المنع لجواز أن ينصب دليلا له أو يخلق علما ضروريا فيه الثانية وهي للبرهمة أن ما جاء به النبي إما أن يكون موافقا للعقل حسنا عنده فيقبل ويفعل وإن لم يكن نبي أو مخالفا له قبيحا عنده فيرد ويترك وإن جاء به النبي وأياما كان لا حاجة إليه فإن قيل لعله لا يكون حسنا عند العقل ولا قبيحا قلنا فيفعل عند الحاجة لأن مجرد الاحتمال لا يعارض تنجز الاحتياج ويترك عند عدمها للاحتياط والجواب أن ما يوافق العقل قد يستقل بمعرفته فيعاضده النبي ويؤكده بمنزلة الأدلة العقلية على مدلول واحد وقد لا يستقل فيدل عليه ويرشده وما يخالف العقل قد لا يكون مع الجزم فيدفعه النبي أو يرفع عنه الاحتمال وما لا يدرك حسنه ولا قبحه قد يكون حسنا يجب فعله أو قبيحا يجب تركه هذا مع أن العقول متفاوتة فالتفويض اليها مظنة التنازع والتقاتل ومفض إلى اختلال النظام وأن فوائد البعثة لا تنحصر في بيان حسن الأشياء وقبحها على ما تقدم الثالثة أن العمدة في باب البعثة هي التكليف وهو عبث لا يليق بالحكيم إذ لا يشتمل على فائدة للعبد لكونه في حقه مضرة ناجزة ومشقة ظاهرة ولا للمعبود لتعاليه عن الاستفادة والانتفاع وأيضا منه شغل للقلب عما هو غاية الأعمال ونهاية الكمال أعني الاستغراق في معرفته والفناء في عظمته والجواب أن مضاره الناجزة قليلة جدا بالنسبة إلى منافعها الدنيوية والأخروية الظاهرة لدى الواقفين على ظواهر الشريعة النبوية فضلا عن الكاشفين عن أسرارها الخفية وإذا تأملتم فالتكليف صرف إلى ما ذكرتم لا شغل عنه على ما توهمتم الرابعة وهي لأهل الخلاعة المنهمكين في اتباع الهوى وترك الطاعة إنا نجد الشرايع مشتملة على أفعال وهيئات لا نشك في أن الصانع الحكيم لا يعتبرها ولا يأمر بها كما نشاهد في الحج والصلاة وكغسل بعض الأعضاء لتلوث بعض آخر إلى غير ذلك من الأمور الخارجة عن قانون العقل والجواب أنها أمور تعبدية اعتبرها الشارع ابتلاء للمكلفين وتطويعا لنفوسهم وتأكيدا لملكة امتثالهم الأوامر والنواهي ولعل فيها حكما ومصالح لا يعلمها إلا الله والراسخون في العلم وقد أشار إليها بعض الخائضين في بحار أسرار الشريعة الخامسة القدح في ثبوت المعجزة ووجه دلالتها ونقلها سيأتي بأجوبتها قال المبحث الثاني المعجزة مأخوذ من العجز المقابل للقدرة وحقيقة الإعجاز إثبات العجز استعير لإظهاره ثم أسند مجازا إلى ما هو سبب العجز وجعل اسما له فالتاء للنقل من الوصفية إلى الإسمية كما في الحقيقة وقيل للمبالغة كما في العلامة وذكر إمام الحرمين بناء على رأي الأشعري أن ههنا تجوزا آخر هو استعمال العجز في عدم القدرة كالجهل في عدم العلم وهو في الحقيقة ضد للقدرة وإنما يتعلق بالموجود وبما يقدر عليه حتى أن عجز الزمن إنما هو عن القعود بمعنى أنه وجد منه اضطرارا لا اختيارا فلتحقق العجز عن المعارضة لوجدت المعارضة الاضطرارية والمعجزة في العرف أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي مع عدم المعارضة وإنما قال أمر ليتناول الفعل كانفجار الماء من بين الأصابع وعدمه كعدم إحراق النار ومن اقتصر على الفعل جعل المعجزة ههنا كون النار بردا وسلاما أو بقاء الجسم على ما كان عليه من غير احتراق واحترز يقيد المقارنة للتحدي عن كرامات الأولياء والعلامات الإرهاصية التي تتقدم بعثة الأنبياء وعن أن يتخذ الكاذب معجزة من مضى من الأنبياء حجة لنفسه وبقيد عدم المعارضة عن السحر والشعبذة كذا ذكره الإمام الرازي وفيه نظر أما

قسم V02/P175

أولا فلأنه لا بد من قيد الظهور على يد المدعي ومن جهته احترازا عن أن يتخذ الكاذب معجزة من يعاصره من الأنبياء حجة لنفسه وعن أن يقول معجزتي ما ظهر مني في السنين الماضية فقد صرحوا بأنه لا عبرة بذلك ومن قيد الموافقة للدعوى احترازا عما إذا قال معجزتي نطق هذا الجماد فنطق بأنه مفتر كذاب ولهذا قال الشيخ أبو الحسن هي فعل من الله تعالى أو قائم مقام الفعل يقصد بمثله التصديق وقال بعض الأصحاب هي أمر قصد به إظهار صدق من ادعى الرسالة وأما ثانيا فلأن القوم عدوا من المعجزات ما هو متقدم غير مقرون بالتحدي ولا مقصود به إظهار الصدق لعدم الدعوى حينئذ كإظلال الغمام وتسليم الحجر والمدر ونحو ذلك وأما

قسم V02/P175–V02/P177

ثالثا فلأن المعجزة قد تتأخر عن التحدي كما إذا قال معجزتي ما يظهر مني يوم كذا فظهرت ويمكن الجواب عن الأول بأن ذكر التحدي مشعر بالقيدين فإن معناه طلب المعارضة فيما جعله شاهدا لدعوته وتعجيز الغير عن الإتيان بمثل ما أبداه تقول تحديت فلانا إذا باريته الفعل ونازعته الغلبة وتحديته القراءة أينا إقراء وبالتحدي يحصل ربط الدعوى بالمعجزة حتى لو ظهرت آية من شخص وهو ساكت لم يكن معجزة وكذا لو ادعى الرسالة فظهرت الآية من غير إشعار منه بالتحدي قالوا ويكفي في التحدي أن يقول آية صدقي أن يكون كذا وكذا ولا يحتاج إلى أن يقول هذه آيتي ولا يأتي أحد بمثلها فعلى هذا لا تكون معجزة نبي ماض ولا معاصر معجزة للغير وعن الثاني إن عد الإرهاصات من جملة المعجزات إنما هو على سبيل التغليب والتشبيه والمحققون على أن خوارق العادات المتعلقة ببعثة النبي إذا كانت متقدمة فإن ظهرت منه فإن شاعت وكان هو مظنة البعثة كما في حق نبينا عليه السلام حيث أخبر بذلك بعض أهل الكتاب والكهنة فإرهاص أي تأسيس لقاعدة البعثة وإلا فكرامة محضة وإن ظهرت من غيره فإن كان من الأخبار فكذلك أي أرهاص أو كرامة وإلا فإرهاص محض كظهور النور في جبين عبدالله أو ابتلاء كما إذا ظهرت على يد من ادعى الألوهية فإن الأدلة القطعية قائمة على كذبه بخلاف مدعي النبوة فلهذا جوزوا إظهارها على يد المتأله دون المتنبي وعن الثالث أن المتأخر إن كان بزمان يسير يعد مثله في العرف مقارنا فلا إشكال وإن كان بزمان متطاول فالمعجزة عند من شرط المقارنة هو ذلك القول المقارن فإنه إخبار بالغيب لكن العلم بإعجازه متراخ إلى وقت وقوع ذلك الأمر ومن جعل المعجزة نفس ذلك الأمر فهو لا يشترط المقارنة وعلى التقديرين لا يصح من ذلك النبي تكليف الناس بالتزام الشرع ناجزا لانتفاء المعجزة أو العلم بها لكن لو بين الأحكام وعلق التزامها بوقوع ذلك الأمر صح عند الإمام ولم يصح عند القاضي ثم المراد بعدم المعارضة أن لا يظهر مثله ممن ليس بنبي وأما من نبي آخر فلا امتناع وزاد بعضهم في تفسير المعجزة قيدا آخر وهو أن يكون في زمان التكليف لأن ما يقع في الآخرة من الخوارق ليست بمعجزة ولأن ما يظهر عند ظهور أشراط الساعة وانتهاء التكاليف لا يشهد بصدق الدعوى لكونه زمان نقض العادات وتغير الرسول قال وإما إمكانها فضروري قدح بعض المنكرين للنبوة في المعجزات بأن تجويز خوارق العادات سفسطة إذ لو جازت لجاز أن ينقلب الجبل ذهبا والبحر دهنا والمدعي للنبوة شخصا آخر عليه ظهرت المعجزة إلى غير ذلك من المحالات وبعضهم بأنها على تقدير ثبوتها لا تثبت على الغائبين لأن أقوى طرق نقلها التواتر وهو لا يفيد اليقين لأن جواز الكذب على كل أحد يوجب جوازه على الكل لكونه نفس الآحاد ولأنه لو أفاده لإفادة خبر الواحد لأن كل طبقة يفرض عدد التواتر فعند نقصان واحد منه إن بقيت مفيدة لليقين وهكذا إلى الواحد فظاهر وإن لم تبق كان المفيد هو ذلك الواحد الزائد ولأنه غير مضبوط بعدد بل ضابطة حصول اليقين فإثبات اليقين به يكون دورا والجواب عن الأول أن المراد بخوارق العادات أمور ممكنة في نفسها ممتنعة في العادة بمعنى أنها لم يجز العادة بوقوعها كانقلاب العصا حية فإمكانها ضروري وإبداعها ليس أبعد من أبداء خلق الأرض والسماء وما بينهما والجزم بعدم وقوع بعضها كانقلاب الجبل والبحر وهذا الشخص وأمثال ذلك لا ينافي الإمكان الذاتي على ما سبق في صدر الكتاب وعن الثاني بأن المتواترات أحد أقسام الضروريات فالقدح فيها بما ذكر مع أنه ظاهر الاندفاع لا يستحق الجواب وأما وجه دلالتها أي وجه دلالة المعجزة على صدق الرسالة أنها عند التحقيق بمنزلة صريح التصديق لما جرت العادة به من أن الله تعالى يخلق عقيبها العلم الضروري بصدقه كما إذا قام رجل في مجلس ملك بحضور جماعة وادعى أنه رسول هذا الملك إليهم فطالبوه بالحجة فقال هي أن يخالف هذا الملك عادته ويقوم عن سريره ثلاث مرات ويقعد ففعل فإنه يكون تصديقا له ومفيدا للعلم الضروري بصدقه من غير ارتياب فإن قيل هذا تمثيل وقياس للغائب على الشاهد وهو على تقدير ظهور الجامع إنما يعتبر في العمليات لإفادة الظن وقد اعتبرتموه بلا جامع لإفادة اليقين في العلميات التي هي أساس ثبوت الشرايع على أن حصول العلم فيما ذكرتم من المثال إنما هو بشواهد من قرائن الأحوال قلنا التمثيل إنما هو للتوضيح والتقريب دون الاستدلال ولا مدخل لمشاهدة القرائن في إفادة العلم الضروري لحصوله للغائبين عن هذاالمجلس عند تواتر القضية إليهم وللحاضرين فيما إذا فرضنا الملك في بيت ليس فيه غيره ودونه حجب لا يقدر على تحريكها أحد سواه وجعل مدعى الرسالة حجته إن الملك يحرك تلك الحجب من ساعته ففعل فإن قيل ههنا احتمالات تنفي الدلالة على الصدق في الجزم به وهي أنواع

قسم V02/P177

الأول احتمال أن لا يكون ذلك الأمر من الله تعالى بل يستند إلى المدعي بخاصية في نفسه أو مزاج في بدنه أو لاطلاع منه على خواص في بعض الأجسام يتخذها ذريعة إلى ذلك أو يستند إلى بعض الملائكة أو الجن أو إلى اتصالات كوكبية وأوضاع فلكية لا يطلع عليها غيره إلى غير ذلك من الأسباب الثاني احتمال أن لا يكون خارقا للعادة بل ابتداء عادة أراد الله إجراءها أو تكرير عادة لا تكون إلا في دهور متطاولة كعود الثوابت إلى نقطة معينة الثالث احتمال أن يكون مما يعارض إلا أنه لم يعارض لعدم بلوغه إلى من يقدر المعارضة أو المواضعة من القوم وموافقة في إعلاء كلمته أو الخوف أو لاستهانة وقلة مبالاة أو لاشتغال بما هو أهم أو عورض ولم ينقل لمانع

قسم V02/P177–V02/P180

الرابع احتمال أن لا يكون لغرض التصديق إما لانتفاء الغرض في فعله على ما هو المذهب وإما لثبوت غرض آخر مثل أن يكون لطفا بمكلف أو إجابة لدعوته أو معجزة لنبي آخر أو ابتلاء للعبد لينال الثواب بالتوقف عن موجبه أو النظر والاجتهاد في دفعه كما في إنزال المتشابه أو إضلالا للخلق على ما هو المذهب عندكم من أن الله يضل من يشاء من عباده وبعد تسليم انتفاء الاحتمالات وكون المعجزة بمنزلة صريح القول من الله تعالى بأن المدعي صادق فهو لا يوجب صدقة إلا بعد استحالة الكذب في اخبار الله تعالى ولا سبيل إلى ذلك بدليل السمع للزوم الدور ولا بدليل العقل لأن غايته أن الكذب قبيح وهو على الله تعالى مستحيل وثبوت المقدمتين بغير دليل السمع في حيز المنع فالجواب إجمالا أن الاحتمالات والتجويزات العقلية لا تنافي العلوم العادية الضرورية القطعية فنحن نقطع بحصول العلم بالصدق عقيب ظهور المعجزة من غير التفات إلى ما ذكر من الاحتمالات لا بالنفي ولا بالإثبات كما يحصل في المثال المذكور وإن كان الملك ظلوما غشوما كذوبا لا يبالي بإغواء رعيته والاستهزاء برسله وتفصيلا أولا أنا بينا أن لا مؤثر في الوجود إلا الله وحده سيما في مثل إحياء الموتى وانقلاب العصا حية وانشقاق القمر وسلام الحجر والمدر على أن مجرد التمكين وترك الدفع من قبل الحكيم القادر المختار كاف في إفادة المطلوب ولهذا ذهب المعتزلة إلى أن المعجزة تكون فعلا لله تعالى أو واقعا بأمره أو بتمكينه وثانيا أن كلامنا فيما حصل الجزم بأنه خارق للعادة وأن المتحدين عجزوا عن معارضته مع كونهم أحق بها إن أمكنت لكثرة اشتغالهم بما يناسب ذلك وكما لهم فيه وفرط اهتمامهم بالمعارضة وتوفر دواعيهم ولهذا كانت معجزة كل نبي من جنس ما غلب على أهل زمانه وتهالكوا عليه وتفاخروا به كالسحر في زمن موسى عليه السلام والطب في زمن عيسى والموسيقى في زمن داود والفصاحة في زمن محمد صلى الله عليه وسلم وثالثا أنه لا خفاء ولا خلاف في ترتب الغايات والآثار على بعض أفعاله وإن لم يجعلها إعراضا له على أنا لا نقول أنه فعل المعجزة لغرض التصديق بل أنها دلت على تصديق من الله تعالى قائم بذاته سواء جعل من جنس العلم أو كلام النفس أو غيرهما ورابعا أن ظهور المعجزة على يد الكاذب لأي غرض فرض وإن جاز عقلا بناء على شمول قدرة الله فهو ممتنع عادة معلوم الانتفاء قطعا كما هو حكم سائر العاديات وهذا ما قام القاضي ان اقتران ظهور المعجزة بالصدق أحد العاديات فإذا جوزنا انحرافها عن مجراها جاز إخلاء المعجزة عن اعتقاد الصدق وحينئذ يجوز إظهاره على يد الكاذب وأما بدون ذلك فلا لاستحالة العلم بصدق الكاذب ومنا من قال باستحالته عقلا فالشيخ لإفضائه إلى التعجيز عن إقامة الدلالة على صدق دعوى الرسالة والإمام وكثير من المتكلمين لأن الصدق مدلول بها لازم بمنزلة العلم لإتقان الفعل فلو ظهرت من الكاذب لزم كونه صادقا كاذبا وهو محال والماتريدية لإيجابه التسوية بين الصادق والكاذب وعدم التفرقة بين النبي والمتنبي وهو سفه لا يليق بالحكيم وخامسا أن مجرد إظهار المعجزة على يده يفيدنا العلم بصدقه وبتصديق الله إياه من غير افتقار إلى اعتبار كلام وإخبار ومن هنا يصح التمسك بخبر النبي في إثبات الكلام وامتناع الكذب والنقص على ما مر وإلى هذا يشير ما قال إمام الحرمين إنا نجعل إظهار المعجزة تصديقا بمنزلة أن يقول جعلته رسولا وأنشأت الرسالة فيه كقولك جعلتك وكيلا واستنبتك لشاني من غير قصد إلى إخبار وإعلام بما ثبت ومحصوله أنه يعتبر القول فيه إنشاء لا إخبارا وأما لو تم لنا نفي الكذب عنه بغير خبر النبي على ما سبق فلا إشكال قال خاتمة لا خفاء في ثبوت النبوة بخلق العلم الضروري كعلم الصديق رضي الله تعالى عنه وبخبر من ثبتت عصمته عن الكذب كنصوص التوراة والإنجيل في نبوة نبينا عليه السلام وكإخبار موسى عليه السلام بنبوة هارون وكالب ويوشع عليهم السلام فيما ذكر أمام الحرمين من أنه لا يمكن نصب دليل على النبوة سوى المعجزة لأن ما يقدر دليلا إن لم يكن خارقا للعادة أو كان خارقا ولم يكن مقرونا بالدعوى لم يصلح دليلا للاتفاق على جواز وقوع الخوارق من الله تعالى ابتداء محمول على ما يصلح دليلا للنبوة على الإطلاق وحجة على المنكرين بالنسبة إلى كل نبي حتى الذي لا نبي قبله ولا كتاب وأما ما سيأتي من الاستدلال على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بما شاع من أخلاقه وأحواله فعائد إلى المعجزة على ما تبين إن شاء الله تعالى قال المبحث الثالث في طريقة الفلاسفة هم يقرون بالاحتياج إلى النبي والشريعة وبثبوت المعجزة لكن يقررون ذلك على وجه لايوافق ما علم بالضرورة من الدين أما تقريرهم في الاحتياج إلى النبي فهو أن الإنسان مدني بالطبع أي محتاج في تعيشه إلى التمدن وهو اجتماعه مع بني نوعه للتعاون والتشارك في تحصيل ما يحتاجون إليه من الغذاء الموافق واللباس الواقي من الحر والبرد والمسكن الملائم بحسب الفصول المختلفة والسلاح الحامي عن السباع والأعداء فإن كل ذلك مما يحصل بالصناعات ولا يمكن للإنسان الواحد القيام بجميعها بل لا بد من أن يخبز هذا لذلك وذلك يخيط آخر وآخر يتخذ الإبرة له إلى غير ذلك من المصالح التي لا بقاء للنوع بدونها ثم ذلك التعاون والتشارك لا يتم إلا بمعاملات فيما بينهم وبمعاوضات ولا ينتظم إلا بقانون متفق عليه مبني على العدل والإنصاف ضابط لما لا حصر له من الجزئيات لئلا يقع الجور فيختل أمر النظام لما جبل عليه كل أحد من أنه يشتهي ما يحتاج إليه ويغضب على من يزاحمه وذلك القانون هو الشرع ولا بد له من شارع يقرره على ما ينبغي متميزا عن الآخرين بخصوصية فيه من قبل خالق الكل واستحقاق طاعة وانقياد وإلا لما قبلوه ولم ينقادوا له وأن يكون إنسانا يخاطبهم ويلزمهم المعاملة على وفق ذلك القانون ويراجعونه في مواضع الاحتياج ومظان الاشتباه فتلك الخصوصية هي البعثة والنبوة وذلك الإنسان الشارع لقوانين المعاملات فيما بينهم والسياسات في حق من يخرج من مصالح البقاء هو النبي فلا بد من أمر مختص يدل على أن شريعته من عند ربه ويقتضي لمن وقف عليه أن يقر بنبوته وينقاد له وهو المعجزة قالوا وهذا الإنسان هو الذي يجتمع فيه خواص ثلاث هي الاطلاع على المغيبات وظهور خوارق العادات ومشاهدة الملك مع سماع كلامه ومعنى ذلك على ما شرحه في الشفاء وغيره أنه يكون كاملا في قوته النفسانية أعني الإنسانية والحيوانية المدركة والمحركة بمعنى أن نفسه القدسية بصفاء جوهرها وشدة اتصالها بالمبادىء العالية المنتقشة بصور الكائنات ماضيها وحاضرها وآتيها وقلة التفاتها إلى الأمور الجاذبة إلى الخسة السافلة تكون بحيث يحصل لها جميع ما يمكن للنوع دفعة أو قريبا من دفعة إذ لا يحل هناك ولا احتجاب وإنما المانع هو انجذاب القوابل إلى عالم الطبيعة وانغماسها في الشواغل عن عالم العقل وإن قوته المتخيلة تكون بحيث يتمثل لها العقول المجردة صورا وأشباحا يخاطبونه ويسمعونه كلاما منظوما محفوظا وأن قوته المحركة تكون بحيث يطيع لها هيولي العناصر فيتصرف فيها تصرفها في بدنها فيعنون بالخصائص هذه القوى وبمشاهدة الملك هذ المعنى فلا يرد الاعتراض بأن الاطلاع على المغيبات وظهور خوارق العادات قد يوجد لغير الأنبياء فلا يكون من خواصهم وإن مشاهدة الملك وسماع كلامه مجرد عبارة لا يقولون بمعناها على أن الخاصة قد تطلق على الإضافية وإن ما ذكر بمجرد اعتبار مقارنته بالتحدي يصير خاصة حقيقية وإما تقريرهم في المعجزات فإجمالا أنه لا يبعد أن يختص بعض النفوس الإنسانية بقوة هي مبدأ لأفعال غريبة بسبب مالها من الخصوصية الشخصية أو بسبب أمر طار عليها من غير اكتساب أو حاصل لها بالاكتساب على ما هو شأن أكثر الأولياء وهذا لا ينافي اتحاد النفوس بحسب النوع وتفصيلا أن المشهور من معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء ثلاث بحسب القوة الإنسانية والقوة الحيوانية باعتبار الحركات والسكنات

قسم V02/P180

فالأول الاطلاع على المغيبات وليس ببعيد لتحققه في حال النوم على ما تعرفه من نفسك وتسمعه من غيرك وسبب ذلك اتصال النفس بالمبادىء العالية أعني العقول والنفوس السماوية المنتقشة بصور ما يستند إليها من الحوادث لما تقرر من أنها عالمة بذواتها وإن العلم بالعلل والأسباب يوجب العلم بالمعلولات والمسببات غاية الأمر أن علم العقول بالحوادث لا يكون إلا على وجه كلي خال عن قيد الهذية وخصوص الوقتية والكاملون قد يدركونها على الوجه الجزئي أما يجعلها جزئية بمعونة الحواس الباطنة على ما قررها الحكماء وإما لارتسامها في النفوس السماوية كذلك على ما يراه بعضهم ومعنى اتصال النفس بالمبادىء العالية صيرورتها مستعدة لفيضان العلوم عليها بحصول القوة لها وزوال المانع أعني الشواغل الحسية عنها بمنزلة مرآة مجلوة تحاذي شطر الشمس ولا يلزم من ذلك انتقاشها بجميع ما في المبادىء من الصور لأن القبول كل صورة استعدادا يخصها والثاني ظهور حركات وأفعال تعجز عن أمثالها أمثاله كحدوث رياح وزلازل وحرق وغرق وهلاك أشخاص ظالمة وخراب مدن فاسدة وانفجار المياه من الأحجار بل من أصابع وليس ببعيد لأن علاقة النفس مع البدن إنما هي بالتدبير والتصرف لا الحلول والانطباع فيجوز أن يكون بعض النفوس من القوة بحيث يتصرف في أجسام أخر غير بدنها بل في كلية العناصر حتى كأنها نفس لعالم العناصر

قسم V02/P180–V02/P183

والثالث الإمساك عن القوة مدة غير معتادة وليس ببعيد كما في بعض الأمراض لاشتغال الطبيعة بهضم الأخلاط الفاسدة وتحليل المواد الردية عن تحليل المواد المحمودة والرطوبات الأصلية المحوج إلى البدل فيجوز في حق الأشخاص الكاملة لانجذاب نفوسهم إلى جناب القدس بالكلية واستتباعها القوى الجسمانية التي بها الهضم والشهوة والتغذية وما يتعلق بذلك بل لا يبعد أن يكون هذا في حق هؤلاء أولى وأقرب منه في المرض لكون احتياج المريض إلى الغذاء أوفر وأوفى أما أولا فلتحلل رطوباته بسبب الحرارة الغريزية المسماة بسوء المزاج وأما ثانيا فلفرط احتياجه إلى حفظ القوى البدنية بحفظ الرطوبات التي بها تعتدل الحرارة الغريزية وذلك لما عرض لها بسبب المرض المضاد لها من الفتور وأما ثالثا فلاختصاص العارف بأمر يقتضي الاستغناء عن الغذاء والسكون البدني الحاصل بسبب ترك القوى البدنية أفاعيلها عند متابعتها النفس وأما تقريرهم لنزول الوحي وظهور الملك مع أنه من المجردات دون الأجسام فهو أن النائم ومن يجري مجراه في عدم استيلاء الحواس عليه قد يشاهد صورا غريبة ويسمع أصواتا عجيبة ليست بمعدومة صرفة ولا موجودة في الخارج بل في القوة المتخيلة والحس المشترك وربما لا يكون متأدية إليه من طرق الحواس الظاهرة بل من عالم آخر فلا يبعد أن يكون لبعض أفراد الإنسان نفس شريفة شديدة الاتصال بعالم العقل قليلة الالتفات إلى عالم الحس ومتخيلة شديدة جدا قوية التلقي من عالم الغيب قليلة الانغماس في جانب الظاهر لا يعصيها المصورة ولا يشغلها المحسوسات عن أفعالها الخاصة ويحصل لذلك الإنسان في اليقظة أن يتصل بعالم الغيب ويتمثل لقوته المتخيلة العقول المجردة والنفوس السماوية أشباحا مصورة سيما العقل الفعال الذي له زيادة اختصاص بعالم العناصر فتخاطبه وتحدث في سمعه كلام مسموعا يحفظ ويتلى ويكون ذلك من قبل الله وملائكته لا من الإنسان وهذا معنى الوحي ونزول الملك والكتاب وقد يكون ذلك على غاية الكمال فيعبر عنها بمشاهدة وجه الله الكريم وسماع كلامه من غير واسطة وأما تقريرهم في كون النبي مبعوثا من قبل الباري تعالى لحفظ النظام وصلاح العباد في المعاش والمعاد مع أنهم لا يثبتون له الفعل بالاختيار والعلم بالجزئيات ويقطعون بأنه تعالى بل جميع المبادي العالية لا يفعل لغرض في الأمور السافلة فهو أن العناية الإلهية بمخلوقاته أعني إحاطة علمه السابق بنظام الموجودات على الوجه الأليق في الأوقات المترتبة التي يقع كل موجود منها في واحد من تلك الأوقات يقتضي إفاضة ذلك النظام على ذلك الترتيب والتفصيل الذي من جملته وجود الشرع والشارع ووجوب ما به يكون النظام على وجه الصواب فيجب ذلك عنه وعن إحاطته بكيفية الصواب في ترتيب وجود الكل ليكون الموجود على وفق المعلوم وعلى أحسن النظام وإن لم يكن هناك انبعاث قصد وطلب منه تعالى وهذا ما قال في الشفاء أن العناية الإلهية تقتضي المصالح التي لها منفعة ما في البقاء كإنبات الشعر على الأشفار وعلى الحاجبين وتقعير الأخمص من القدمين فكيف لا تقتضي المنفعة التي هي في محل الضرورة للبقاء ولتمهيد نظام الخير وأساس المنافع كلها وكيف لا يجب وقد وجد ما هو مبني عليها ومتعلق بها وكيف يجوز أن يكون المبدأ الأول والملائكة بعده يعلمون ذلك ولا يعلمون هذا ففي الجملة قالوا بوجوب البعثة ولزوم النبوة فمن قال هي واجبة في الحكمة أراد تبقية النظام على الوجه اللايق ومن قال في العناية أراد تمثل النظام في علمه الشامل ومن قال في الطبيعة أراد وجود النظام الكامل ولقد أفصح عن المقصود بعض الإفصاح من قال أن المدبر الذي يسوق النوع من النقصان إلى الكمال لا بد أن يبعث الأنبياء ويمهد الشرايع كما هو موجود في العالم ليحصل النظام ويتعيش الأشخاص ويمكن لهم الوصول من النقصان إلى الكمال الذي خلقوا لأجله قال المبحث الرابع محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ولم يخالف في ذلك من أهل الملل والأديان إلا البعض من اليهود والنصارى وحجتنا أنه عليه السلام ادعى النبوة وأظهر المعجزة وكل من كان كذلك فهو نبي لما بينا اما دعوى النبوة فبالتواتر والاتفاق حتى جرت مجرى الشمس في الوضوح والإشراق وأما إظهار المعجزة فلأنه أتى بالقرآن وأخبر عن المغيبات وأظهر أفعالا على خلاف المعتاد وبلغت جملتها حد التواتر وإن كانت تفاصيلها من الآحاد فلنتكلم في الأنواع الثلاثة أما النوع الأول ففيه ثلاث مقامات لبيان إعجاز القرآن ووجه الإعجاز ودفع شبه الطاعنين أما المقام الأول فهو أنه صلى الله عليه وسلم تحدى بالقرآن ودعا إلى الإتيان بسورة مثله مصاقع البلغاء والفصحاء من العرب العرباء مع كثرتهم كثرة رمال الدهناء وحصى البطحاء وشهرتهم بغاية العصبية والحمية الجاهلية وتهالكهم على المباهاة والمباراة والدفاع عن الأحساب وركوب الشطط في هذا الباب فعجزوا حتى آثروا المقارعة على المعارضة وبذلوا المهج والأرواح دون المدافعة فلو قدروا على المعارضة لعارضوا ولو عارضوا لنقل إلينا لتوفر الدواعي وعدم الصارف والعلم بجميع ذلك قطعي كسائر العاديات لا يقدح فيه احتمال أنهم تركوا المعارضة مع القدرة عليها أو عارضوا ولم ينقل إلينا لمانع كعدم المبالاة وقلة الالتفات والاشتغال بالمهمات وأما المقام الثاني فالجمهور على أن إعجاز القرآن لكونه في الطبقة العليا من الفصاحة والدرجة القصوى من البلاغة على ما يعرفه فصحاء العرب بسليقتهم وعلماء الفرق بمهارتهم في فن البيان وإحاطتهم بأساليب الكلام وهذا مع اشتماله على الإخبار عن المغيبات الماضية والآتية كما سنذكره وعلى دقايق العلوم الإلهية وأحوال المبدأ والمعاد ومكارم الأخلاق والإرشاد إلى فنون الحكمة العلمية والعملية والمصالح الدينية والدنيوية على ما يظهر للمتدبرين ويتجلى على المتفكرين وذهب النظام وكثير من المعتزلة والمرتضى من الشيعة إلى أن إعجازه بالصرفة وهي أن الله تعالى صرف همم المتحدين عن معارضته مع قدرتهم عليها وذلك إما بسلب قدرتهم أو بسلب دواعيهم أو بسلب العلوم التي لا بد منها في الإتيان بمثل القرآن بمعنى أنها لم تكن حاصلة لهم أو بمعنى أنها كانت حاصلة فأزالها الله وهذا هو المختار عند المرتضى وتحقيقه أنه كان عندهم العلم بنظم القرآن والعلم بأنه كيف يؤلف كلام يساويه أو يدانيه والمعتاد أن من كان عنده هذان العلمان يتمكن من الإتيان بالمثل إلا أنهم كلما حاولوا ذلك أزال الله تعالى عن قلوبهم تلك العلوم وفيه نظر واحتجوا

قسم V02/P183–V02/P184

أولا بأنا نقطع بأن فصحاء العرب كانوا قادرين على التكلم بمثل مفردات السورة ومركباتها القصيرة مثل الحمد لله ومثل رب العالمين وهكذا إلى الآخر فيكونون قادرين على الإتيان بمثل السورة وثانيا بأن الصحابة عند جمع القرآن كانوا يتوقفون في بعض السور والآيات إلى شهادة الثقاة وابن مسعود رضي الله تعالى عنه قد بقي مترددا في الفاتحة والمعوذتين ولو كان نظم القرآن معجزا بفصاحته لكان كافيا في الشهادة والجواب عن الأول بأن حكم الجملة قد يخالف حكم الأجزاء وهذه بعينها شبهة من نفي قطعية الإجماع والخبر المتواتر ولو صح ما ذكر لكان كل من آحاد العرب قادرا على الإتيان بمثل قصايد فصحائهم كامرئ القيس وأضرابه واللازم قطعي البطلان وعن الثاني بعد صحة الرواية وكون الجمع بعد النبي صلى الله عليه وسلم لا في زمانه وكون كل سورة مستقلة بالإعجاز أن ذلك كان للاحتياط والاحتراز عن أدنى تغيير لا يخل بالإعجاز وأن إعجاز كل سورة ليس مما يظهر لكل أحد بحيث لا يبقى له تردد أصلا وقيل إعجازه بنظمه الغريب المخالف لما عليه كلام العرب في الخطب والرسائل والأشعار وقيل بسلامته عن الاختلاف والتناقض وقيل باشتماله على دقائق العلوم وحقايق الحكم والمصالح وقيل بإخباره عن المغيبات ورد بأن حماقات مسيلمة ومن يجري مجراه أيضا على ذلك النظم وبأنه كثيرا ما يسلم كلام البلغاء عن الاختلاف والتناقض ويشتمل كلام الحكماء على العلوم والحقايق والأخبار عن المغيبات التي لا توجد إلا في قليل من الكتاب فإن قيل لا يظهر فرق بين كون الإعجاز بنظمه الخاص وكونه ببلاغة النظم ليجعلا مذهبين متقابلين ويجعل كون الإعجاز بالأمرين جميعا مذهبا ثالثا ينسب إلى القاضي على ما قال إمام الحرمين أن وجه الإعجاز عندنا هو اجتماع الجزالة مع الأسلوب والنظم المخالف لأساليب كلام العرب من غير استقلال لأحدهما إذ ربما يدعي أن بعض الخطب والأشعار من كلام أعاظم البلغاء لا ينحط عن جزالة القرآن انحطاطا بينا قاطعا للأوهام وربما يقدر نظم ركيك يضاهي نظم القرآن على ما روي من ترهات مسيلمة الكذاب الفيل ما الفيل وما أدراك ما الفيل له ذنب وثيل وخرطوم طويل فلزم كون الإعجاز بالنظم البديع مع الجزالة أعني البلاغة وهو التعبير عن معنى سديد بلفظ شريف وأن ينبئ عن المقصود من غير مزيد ثم قال وفي القرآن سوى النظم والبلاغة وجهان آخران من الإعجاز هما الإخبار عن قصص الأولين من غير سماع وتلقين والإخبار عن المغيبات المستقبلة متكررة متوالية قلنا معنى الأول أن نظم القرآن وتركيبه يخالف المعتاد من أساليب كلام العرب إذ لم يعهد فيه كون المقاطع على مثل يعلمون ويفعلون والمطالع على مثل يا أيها الناس و يا أيها المزمل و الحاقة ما الحاقة و عم يتساءلون وأمثال ذلك ومعنى الثاني أن نظمه بالغ في الفصاحة والمطابقة لمقتضى الحال الجد الخارج عن طوق البشر وكان معنى النظم على الأول ترتب الكلمات وضم بعضها إلى البعض وعلى الثاني جمعها مترتبة المعاني متناسقة الدلالات على حسب ما يقتضيه العقل على ما قال عبدالقاهر أن النظم هو توخي معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يصاغ لها الكلام ولهذا زيادة بيان في بعض كتبنا في فن البيان وقد استدل على بطلان الصرفة بوجوه الأول أن فصحاء العرب إنما كانوا يتعجبون من حسن نظمه وبلاغته وسلاسته في جزالته ويرقصون رؤسهم عند سماع قوله تعالى وقيل يا أرض ابلعي ماءك الآية لذلك لا لعدم تأتي المعارضة مع سهولتها في نفسها الثاني أنه لو قصد الإعجاز بالصرفة لكان الأنسب ترك الاعتناء ببلاغته وعلو طبقته لأنه كلما كان أنزل في البلاغة وأدخل في الركاكة كان عدم تيسر المعارضة أبلغ في خرق العادة

قسم V02/P184–V02/P187

الثالث قوله تعالى قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا فإن ذكر الاجتماع والاستظهار بالغير في مقام التحدي إنما يحسن فيما لا يكون مقدورا للبعض ويتوهم كونه مقدورا للكل فيقصد نفي ذلك فإن قيل لو كان القصد إلى لإعجاز بالبلاغة لكان ينبغي أن يؤتى بالكل في أعلى الطبقات لكونه أبلغ في خرق العادة والمذهب أن الله تعالى قادر على أن يأتي بما هو أفصح مما أتى به وأبلغ وأن بعض الآيات في باب البلاغة أعلى وأرفع كقوله تعالى وقيل يا أرض ابلعي ماءك الآية بالنسبة إلى سورة الكافرين مثلا قلنا هذا أوفى بالغرض وأوضح في المقصود بمنزلة صانع يبرز من مصنوعاته ما ليس غاية مقدوره ونهاية ميسوره ثم يدعو جماهير الحذاق في الصناعة إلى أن يأتوا بما يوازي أو يداني دون ما ألقاه وأهون ما أبداه وأما المقام الثالث فإشراف العرب مع كمال حذاقتهم في أسرار الكلام وفرط عداوتهم للإسلام لم يجدوا فيه للطعن مجالا ولم يوردوا في القدح مقالا ونسبوه إلى السحر على ما هو دأب المحجوج المبهوت تعجبا من فصاحته وحسن نظمه وبلاغته واعترفوا بأنه ليس من جنس خطب الخطباء أو شعر الشعراء وإن له حلاوة وعليه طلاوة وإن أسافله مغدقة وأعاليه مثمرة فآثروا المقارعة على المعارضة والمقاتلة على المقاولة وأبى الله إلا أن يتم نوره على كره من المشركين ورغم المعاندين وحين انتهى الأمر إلى من بعدهم من أعداء الدين وفرق الملحدين اخترعوا مطاعين ليست إلا هزءة للساخرين وضحكة للناظرين منها أن فيه كلمات غير عربية كالإستبرق والسجيل والقسطاس والمقاليد فكيف يصح أنه عربي مبين فرد بأن ذلك من توافق اللغتين أو المراد أنه عربي النظم والتركيب أو الكل عربي على سبيل التغليب ومنها أن فيه خطأ من جهة الإعراب مثل إن هذان لساحران وأن الذين هادوا والصابئون ولكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة ورد بأن كل ذلك صواب على ما بين في علم الإعراب ومنها أن فيه مما يكذبه حيث أخبر بأنه لا يتيسر للبشر والجن بل الإنس والجن الآيتان بمثل سورة منه واقل السور ثلاث آيات ثم حكي عن موسى مع اعترافه بأن هارون أفصح منه مقدار إحدى عشرة آية منه وهي قوله تعالى رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري إلى قوله إنك كنت بنا بصيرا ورد بأن المحكي لا يلزم أن يكون لهذا النظم بعينه على أن المختار عند البعض في المتحدي به سورة من الطوال أو عشر من الأوساط ومنها أن فيه متشابهات يتمسك بها أهل الغواية كالمجسمة بمثل الرحمن على العرش استوى ورد بأنها لنيل المثوبة بالنظر والاجتهاد في طلب المراد أو لفوائد لا تحصى بالرجوع إلى الراسخين في العلم ومنها أن فيه عيب التكرار كإعادة قصة فرعون في عدة مواضع وكإعادة فبأي آلاء ربكما تكذبان و ويل يومئذ للمكذبين في سورة الرحمن والمرسلات ورد بأنه ربما يكون من محاسن الكلام على ما يقرره علماء البيان فيما وقع منه في القرآن ومنها أن فيه قوله ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا وأنت تجد فيه من الاختلاف المسموع من أصحاب القراءة ما يربى على اثني عشر ألفا ورد بأن المراد من الاختلاف المنفي هو التفاوت في مراتب البلاغة بحيث يكون بعضه قاصرا عن مرتبة الإعجاز لا يقال تقدير الطعن فاسد عن أصله لأنه استدلال بثبوت اللازم على ثبوت الملزوم لأنا نقول لا بل هو مبني على أن كلمة لو في اللغة تفيد انتفاء الجزاء لانتفاء الشرط يعني عدم وجدان الاختلاف فيه بسبب أنه ليس من عند غير الله وأما إذا حملت كلمة لو في الآية على ما هو قانون الاستدلال كما في قوله تعالى لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فهو استدلال بنفي اللازم على نفي الملزوم أي لكن لم يوجد فيه الاختلاف فلم يكن من عند غير الله وتمام تحقيق هذا المقام يطلب من شرحنا لتلخيص المفتاح ومنها أن فيه التناقض كقوله تعالى فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان مع قوله فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ليس لهم طعام إلا من ضريع مع قوله ولا طعام إلا من غسلين إلى غير ذلك من مواضع يتوهم فيها تنافي الكلامين ورد بمنع وجود شرايط التناقض وقد بين ذلك على التفصيل في كتب التفسير ومنها أن فيه الكذب المحض كقوله تعالى ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم للقطع بأن الأمر للسجود لم يكن بعد خلقنا وتصويرنا ورد بأن المراد خلق أبينا آدم وتصويره ومنها أن فيه الشعر من كل بحر وقد قال وما علمناه الشعر فمن الطويل فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ومن المديد واصنع الفلك بأعيننا ومن البسيط ليقضي الله أمرا كان مفعولا ومن الوافر ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ومن الكامل والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ومن الهزج تالله لقد آثرك الله علينا ومن الرجز ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا ومن الرمل وجفان كالجواب وقدور راسيات ومن السريع قال فما خطبك يا سامري ومن المنسرح إنا خلقنا الإنسان من نطفة ومن الخفيف أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ومن المضارع يوم التناد يوم تولون مدبرين ومن المقتضب في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ومن المجتث المطوعين من المؤمنين في الصدقات ومن المتقارب وأملي لهم إن كيدي متين ورد بأن مجرد كون اللفظ على هذه الأوزان لا يكفي بل لا بد من تعمد الوزن وعند البعض من التقفية على أن في كثير مما ذكر نوع تغيير ولو سلم فالتغليب باب واسع قال وأما النوع الثاني من أنواع المعجزات إخباره عن الغيوب الماضية والمستقبلة أما الماضية فكقصة موسى وفرعون وقصة يوسف وقصة إبراهيم ونوح ولوط وغيرهم عليهم السلام على تفاصيلها وطولها من غير سماع من أحد ولا يلقن من كتاب على ما أشير إليه بقوله تعالى تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا وأما المستقبلة فمنها ما في القرآن كقوله تعالى وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها الم غلبت الروم إلى قوله وعد الله لا يخلف الله وعده سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب سيهزم الجمع ويولون الدبر ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ليستخلفنهم في الأرض لتدخلن المسجد الحرام ليظهره على الدين كله لا يأتون بمثله فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ومنها ما ليس فيه كقوله عليه السلام لعلي رضي الله تعالى عنه تقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين ولعمار تقتلك الفئة الباغية وقوله عليه السلام زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها وقوله الخلافة بعدي ثلاثون سنة وكإخباره بهلاك كسرى وقيصر وزوال ملكهما وإنفاق كنوزهما في سبيل الله وباستيلاء الأتراك إلى غير ذلك مما ورد في صحاح الأحاديث وقد اقترنت بدعوى النبوة فيتميز عن الكرامات وبطهارة النفس وصوالح الأعمال وترك المراجعة إلى أحوال الكواكب والنظر في آلاتها فيتميز عن السحر والكهانة والنجوم وأمثال ذلك قال وأما النوع الثالث من أنواع المعجزات أفعال ظهرت منه عليه السلام على خلاف العادة تربى على ألف وقد فصلت في دلايل النبوة بعضها إرهاصية ظهرت قبل دعوى النبوة وبعضها تصديقية ظهرت بعدها وتنقسم إلى أمور ثابتة في ذاته أو أمور متعلقة لصفاته وأمور خارجة عنهما

قسم V02/P187–V02/P188

فالأول كالنور الذي كان ينقلب في آبائه إلى أن ولد وكولادته مختونا مسرورا واضعا إحدى يديه على عينيه والأخرى على سؤته وما كان من خاتم النبوة بين كتفيه وطول قامته عند الطويل ووساطته عند الوسيط ورؤية من خلفه كان يرى من قدامه والثاني كاستجماعه الغاية القصوى من الصدق والأمانة والعفاف والشجاعة والفصاحة والسماحة والزهد والتواضع لأهل المسكنة والشفقة على الأمة والمصابرة على متاعب النبوة والمواظبة على مكارم الأخلاق وكبلوغه النهاية في العلوم والمعارف الإلهية وتمهيد المصالح الدينية والدنيوية وككونه مستجاب الدعوة على ما دعى لابن عباس رضي الله تعالى عنه بقوله اللهم فقهه في الدين فصار إمام المفسرين ودعا على عتبة بن أبي لهب بقوله اللهم سلط عليه كلبا من كلابك فافترسه الأسد وعلى مضر بقوله اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعل عليهم سنين كسني يوسف فمنع الله القطر عنهم سنين وعلى من لحقه من الكفار حين خرج من الغار بقوله يا أرض خذيه فساخت قوايم فرسه والثالث كخرور الأوثان سجدا ليلة ولادته وسقوط شرف قصور الأكاسرة وباء ظلال السحاب عليه وكانشقاق القمر وانقلاع الشجر وتسليم الحجر ونبوع الماء من بين أصابعه إلى أن رويت الجنود ودوابهم وشبع الخلق الكثير من طعامه اليسير وحنين الجذع في مسجد المدينة حين انتقل منه إلى المنبر وشكاية النوق عن أصحابها وشهادة الشاة المشوية يوم خيبر بأنها مسمومة ودرور الضرع من الشاة اليابسة الجرباء لأم معبد حين مسح يده عليها وخطاب الذئب وهب بن أوس بقوله أتعجب من أخذى شاة وهذا محمد يدعو إلى الحق فلا تجيبونه وتسبيح الحصى وغير ذلك مما لا يعد ولا يحصى قوله وقد يستدل ما سبق هو العمدة في إثبات النبوة وإلزام الحجة على المجادل والمعاند وقد يذكر وجوه أخر تقوية له وتتميما وإرشاد الطالب الحق وتعليما الأول أنه قد اجتمع فيه من الأخلاق الحميدة والأوصاف الشريفة والسير المرضية والكمالات العلمية والعملية والمحاسن البديعة الراجعة إلى النفس والبدن والنسب والوطن ما يجزم العقل بأنه لا يجتمع إلا لنبي وتفاصيل ذلك تصنيف على حدة الثاني أن من نظر فيما اشتملت عليه شريعته مما يتعلق بالاعتقادات والعبادات والمعاملات والسياسات والآداب وعلم ما فيها من دقايق الحكمة علم قطعها أنها ليست إلا وضعا إلهيا ووحيا سماويا والمبعوث بها ليس إلا نبيا الثالث أنه انتصب مع ضعفه وفقره وقلة أعوانه وأنصاره حربا لأهل الأرض آحادهم وأوساطهم وأكاسرتهم وجبابرتهم فضلل آرائهم وسفه أحلامهم وأبطل مللهم وهدم دولهم وظهر دينه على الأديان وزاد على مر الأعصار والأزمان وانتشر في الآفاق والأقطار وشاع في المشارق والمغارب من غير أن تقدر الأعداء مع كثرة عددهم وعددهم وشدة شوكتهم وشكيمتهم وفرط حميتهم وعصبيتهم وبذلهم غاية الوسع في إطفاء أنواره وطمس آثاره على إخماد شرارة من ناره فهل يكون ذلك إلا بعون إلهي وتأييد سماوي

قسم V02/P188–V02/P189

الرابع أنه ظهر أحوج ما كان الناس إلا من يهدي إلى الطريق المستقيم ويدعو إلى الدين القويم وينظم الأمور ويضبط حال الجمهور لكونه زمان فترة من الرسل وتفرق للسبل وانحراف في الملل واختلال للدول واشتعال للضلال واشتغال بالمحال فالعرب على عبادة الأوثان وؤد البنات والفرس على تعظيم النيران ووطئ الأمهات والترك على تخريب البلاد وتعذيب العباد والهند على عبادة البقر وسجود الحجر والشجر واليهود على الجحود والنصارى حيارى فيمن ليس بوالد ولا مولود وهكذا سائر الفرق في أودية الضلال وأخبية الخيال والخبال أفيليق بحكمة الملك الحق المبين أن لا يرسل رحمة للعالمين ولا يبعث من يجدد أمر الدين وهل ظهر أحد يصلح لهذا الشأن ويؤسس هذا البنيان غير محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبدمناف بن قصي بن كلاب بن مر بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات الخامس النصوص الواردة في كتب الأنبياء المتقدمين المنقولة إلى العربي المشهورة فيما بين أممهم أما في التوراة فمنها ما جاء في السفر الخامس جاء الله من طور سيناء وأشرق من سيعير واستعلن من جبال فاران يريد الإخبار عن إنزال التوراة على موسى بطور سيناء والإنجيل على عيسى بسيعير فإنه كان يسكن من سيعير بقرية تسمى ناصرة وإنزال القرآن على محمد بمكة فإن فاران في طريق مكة قبل العدن بميلين ونصف وهو كان المنزل وقد بقي اليوم على يسار الطريق من العراق إلى مكة وهذا ما ذكر في التوراة أن أسمعيل أقام برية فاران يعني بادية العرب ومنها ما جاء في السفر الخامس أنه تعالى قال لموسى صلى الله تعالى عليه وسلم إني مقيم لهم نبيا من بني إخوتهم مثلك وأجري قولي في فيه ويقول لهم ما آمرهم به والرجل الذي لا يقبل قول النبي الذي يتكلم باسمي فأنا أنتقم منه والمراد ببني إخوة بني إسرائيل بنو إسماعيل على ما هو المتعارف فلا يصرف إلى من بعد موسى من أنبياء بني إسرائيل ولا إلى عيسى لأنهم لم يكونوا من بني إخوتهم ولا إلى موسى لكونه صاحب شريعة مستأنفة فيها بيان مصالح الدارين فتعين محمد صلى الله عليه وسلم ومنها ما جاء في السفر الأول أنه تعالى قال لإبراهيم عليه السلام أن هاجر تلد ويكون من ولدها من يده فوق الجميع ويد الجميع مبسوطة إليه بالخشوع وأما في الإنجيل فمنها ما ورد في الصحاح الرابع عشر أنا أطلب لكم إلى أبي حتى يمنحكم ويعطيكم فارقليطا ليكون معكم إلى الأبد والفارقليط روح الحق واليقين وفي الخامس عشر وأما فارقليط روح القدس الذي يرسله أبي باسمي هو يعلمكم ويمنحكم جميع الأشياء وهو يذكركم ما قلته لكم ثم قال وإني قد أخبرتكم بهذا قبل أن يكون حتى إذا كان ذلك تؤمنوا به وقوله باسمي يعني بالنبوة ومعنى الفارقليط كاشف الخفيات وفي السادس عشر أقول لكم الآن حقا ويقينا أن انطلاقي عنكم خير لكم فإن لم أنطلق عنكم إلى أبي لم يأتكم الفارقليط وإن انطلقت أرسلت به إليكم فإذا جاء هو يفيد أهل العالم ويدينهم ويوبخهم ويوقفهم على الخطيئة والبر ثم قال إذا جاء روح الحق واليقين يرشدكم ويعلمكم ويدبركم ويذكركم لجميع الحق لأنه ليس يتكلم بدعة من تلقاء نفسه وأما في الزبور فقوله تقلد أيها الجبار السيف فإن ناموسك وشرايعك مقرونة بهيبة يمينك وسهامك مسنونة والأمم يخرون تحتك وقوله قال داود اللهم ابعث جاعل السنة حتى يعلم الناس أنه بشر يعني ابعث محمدا حتى يعلم الناس أن عيسى بشر قال في تلخيص المحصل وأمثال هذا كثير في كتب الأنبياء المتقدمين يذكرها المصنفون الواقفون على كتبهم ولا يقدر المخالف على دفعها أو صرفها إلى ملك أو نبي آخر ولا على أن يكتمها ولقد جمع أبو الحسين البصري في كتاب غرر الأدلة ما يوقف من نصوص التوراة على صحة نبوة محمد عليه السلام وأما المنكرون أنكر المشركون والنصارى والمجوس ومن يجري مجراهم نبوة محمد عليه السلام بغيا منهم وحسدا وعنادا ولددا من غير تمسك بشبهة وأكثر اليهود تمسكوا بأنه لو كان نبيا لزم نسخ دين موسى واللازم باطل أما أولا فلبطلان النسخ مطلقا لوجهين

قسم V02/P189–V02/P190

أحدهما أنه إن لم يكن لمصلحة فعبث وإن كان لمصلحة لم يعلمها عند شرعية الحكم المنسوخ فجهل وإن كان لمصلحة علمها وأهملها أو لا ثم راعاها فبداء أو نقول إن كان في شرعية الحكم المنسوخ مصلحة لم يعلم إهمالها عند النسخ فجهل وإن كان يعلمها فرأى رعايتها أو لا ثم أهملها فبداء والجواب أنه لمصلحة تجددت وحصلت بعدما لم تكن فإن المصالح تختلف باختلاف الأزمان والأحوال فرب دواء يصلح في الصيف دون الشتاء ولزيد دون عمرو ولهذا ورد في التوراة أن آدم أمر بتزويج بناته من بنيه ثم نسخ وفاقا وثانيهما أن الحكم إما مؤقت مثل صم غدا فنفيه بعد ذلك لا يكون نسخا وإما مؤبد مثل صم أبدا فنسخه تناقض بمنزلة قولك الصوم واجب أبدا وليس بواجب وإما مرسل لا توقيت فيه ولا تأبيد وحينئذ فإما أن يعلم الله تعالى استمراره أبدا فلا يرتفع للزوم الجهل أو إلى غاية ما فلا رفع بعدها ولا نسخ والجواب أنه مرسل عن توقيت الوجوب مثلا وتأبيده والمعلوم عند الله استمرار الوجوب إلى غاية هي وقت نسخه ورفعه ولا تناقض في ذلك سواء كان الواجب مؤقتا أو مؤبدا بمنزلة قولك صوم الغد أو الأبد واجب حينا دون حين وإنما التناقض في رفع الوجوب بعد تأبيده كما إذا قيل الوجوب ثابت أبدا ثم نسخ فيكون زمان لا وجوب فيه وهذا لا نزاع في امتناعه وهو المراد بقولهم أن النسخ ينافي التأبيد وعليه يبتني امتناع نسخ شريعتنا والفرق بين كون التأبيد راجعا إلى الواجب أو إلى الوجوب مما يتضح بالرجوع إلى الأصل الذي مهدناه في بحث الرؤية في قوله تعالى لا تدركه الأبصار على أن التحقيق أن لا رفع ههنا وإنما النسخ بيان لانتهاء حكم شرعي سبق على الإطلاق وأما ثانيا فلبطلان نسخ شريعة موسى عليه السلام لوجهين الأول أنه تواتر النص منه على تأبيدها مثل تمسكوا بالسبت أبدا وهذه شريعة مؤبدة ما دامت السموات والأرض والجواب أنه افتراء على موسى عليه السلام ودعوى تواتره مكابرة ولو صح لما ظهرت المعجزات على عيسى أو محمد عليهما السلام ولأظهروه في زمانهما احتجاجا عليهما ولو أظهروه لاشتهر لتوفر الدواعي على أنه كثير إما يعبر بالتأبيد فالدوام عن طول الزمان

قسم V02/P190–V02/P192

وثانيهما أنه إما أن يكون صرح بدوام شريعته فيدوم أو بانقطاعها فيلزم تواتره لكونه من الأمور العظام التي تتوفر الدواعي على نقلها ولم تتواتر أو سكت عن الدوام والانقطاع فيلزم أن لا يتكرر ولا يتقرر إلى أوان النسخ وقد تقرر والجواب أنه صرح بانقطاعها بالناسخ ولم يتواتر لعدم توفر الدواعي ولقلة الناقلين في بعض الطبقات إذ لم يبق من اليهود في زمان بخت نصر إلا أقل من القليل أو سكت وقد تقرر وتكرر بناء على تكرر الأسباب والمحال أو على أن الأصل في الثابت هو البقاء حتى يظهر دليل العدم قال المبحث الخامس يريد أنه مبعوث إلى الثقلين لا إلى العرب خاصة على ما زعم بعض اليهود والنصارى زعما منهم أن الاحتياج إلى النبي إنما كان للعرب خاصة دون أهل الكتابين ورد بما مر من احتياج الكل إلى من يجدد أمر الشريعة بل احتياج اليهود والنصارى أكثر لاختلال دينهم بالتحريفات وأنواع الضلالات مع ادعائهم أنه من عند الله تعالى والدليل على عموم بعثته وكونه خاتم النبيين لا نبي بعده ولا نسخ لشريعته هو أنه ادعى ذلك بحيث لا يحتمل التأويل وأظهر المعجزة على وفقه وأن كتابه المعجز قد شهد بذلك قطعا كقوله تعالى وما أرسلناك إلا كافة للناس قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن الآيات ولكن رسول الله وخاتم النبيين ليظهره على الدين كله لا يقال ففي القرآن ما يدل على أن التوراة والإنجيل هدى للناس من غير تفرقة بين ما يوافق القرآن ويخالفه فيختص هداية القرآن وبعثة محمد عليه السلام بقومه الذين هم العرب على ما يشير إليه بقوله وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه لأنا نقول هما هدى للناس قبل نزول القرآن أو هدى لهم إلى الإيمان بمحمد عليه السلام والاتباع لشريعته لما فيهما من البشارة ببعثته والإنباء عن الاهتداء بمتابعته فإن قيل أليس عيسى عليه السلام حيا بعد نبينا رفع إلى السماء وسينزل إلى الدنيا قلنا بلى ولكنه على شريعة نبينا لا يسعه إلا اتباعه على ما قال عليه السلام في حق موسى أنه لو كان حيا لما وسعه إلا اتباعي فيصح أنه خاتم الأنبياء بمعنى أنه لا يبعث نبي بعده وأجمع المسلمون على أن أفضل الأنبياء محمد لأن أمته خير الأمم لقوله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس وكذلك جعلناكم أمة وسطا وتفضيل الأمة من حيث أنها أمة تفضيل للرسول الذي هم أمته ولأنه مبعوث إلى الثقلين وخاتم الأنبياء والرسل ومعجزته الظاهرة الباهرة باقية على وجه الزمان وشريعته ناسخة لجميع الأديان وشهادته قائمة في القيامة على كافة البشر إلى غير ذلك من خصايص لا تعد ولا تحصى وقوله تعالى ورفع بعضهم درجات إشارة إلى ذلك والأحاديث الصحاح في هذا المعنى كثيرة حتى قال عليه السلام أنا أكرم الأولين والآخرين على الله تعالى ولا فخر فما قال عليه السلام لا تخيروني على موسى وما ينبغي لعبد أن يقول إني خير من يونس بن متى تواضع منه واختلفوا في الأفضل بعده فقيل آدم لكونه أبا البشر وقيل نوح لطول عبادته ومجاهدته وقيل إبراهيم لزيادة توكله واطمئنانه وقيل موسى لكونه كليم الله ونجيه وقيل عيسى لكونه روح الله وصفيه وفضله النصارى على الكل بأنه كلمة القاها إلى مريم وروح منه طاهر مقدس لم يخلق من نطفة وقد ولدته سيدة نساء العالمين المطهرة عن الأدناس وتربى في حجر الأنبياء والأولياء وتكلم في المهد بعبودية نفسه وربوبية الله لم يخل زمانا من التوحيد والشرايع ولم يلتفت إلى زخارف الدنيا ولم يستمتع بلذاتها ولم يدخر قوت يوم ولم يسع في هلاك نفس أو سبيها أو استرقاقها ولا في أخذ مال ولا ولد ولا إيذاء لأحد معجزاته من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص أبهر المعجزات وأشهرها ثم هو في السماء ومن زمرة الأحياء ونبوته مما اتفق عليها ذوو الآراء واعترف بها خاتم الأنبياء والجواب أن البعض من ذلك حجة لنا وشاهد بفضل نبينا كالولادة من المشركين والمشركات والتربي في حجرهم مع المواظبة على التوحيد والطاعات وكالإقبال على الجهاد وقمع المشركين وقهر أعداء الدين وكالقيام بمصالح نظام العالم مع الاستغراق في التوجه إلى جناب القدس وأما معجزاته فإنما اشتهر تلك الشهرة بإخبار من نبينا وكتابه مع ذلك فأين هي من معجزاته ثم الكون ميتا في الأرض أنفع للأمة من الكون حيا في السماء حيث صارت الروضة المقدسة مهبطا للبركات ومصعدا للدعوات وموطنا للاجتماع على الطاعات إلى غير ذلك من أنواع الخيرات ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم مما نطق به العجماء وشهد به رب الأرض والسماء واتفق عليه من سبقه من الأنبياء وخصائصه مما لا يضبطه العد والإحصاء وقد أشرقت الأرض بنورها إشراق الشمس في كبد السماء فصياح الخصماء نباح الكلام في الليلة القمراء قال خاتمة قد ثبت معراج النبي صلى الله عليه وسلم بالكتاب والسنة وإجماع الأمة إلا أن الخلاف في أنه في المنام أو في اليقظة وبالروح فقط أو بالجسد وإلى المسجد الأقصى فقط أو إلى السماء والحق أنه في اليقظة بالجسد إلى المسجد الأقصى بشهادة الكتاب وإجماع القرن الثاني ومن بعدهم ثم إلى السماء بالأحاديث المشهورة والمنكر مبتدع ثم إلى الجنة أو العرش أو طرف العالم على اختلاف الآراء بخبر الواحد وقد اشتهر أنه نعت لقريش المسجد الأقصى على ما هو عليه وأخبرهم بحال غيرهم وكان على ما أخبر وبما رأى في السماء من العجائب وبما شاهد من أحوال الأنبياء على ما هو مذكور في كتب الأحاديث لنا أنه امر ممكن أخبر به الصادق ودليل الإمكان إما تماثل الأجسام فيجوز الخرق على السماء كالأرض وعروج الإنسان كغيره وإما عدم دليل الامتناع وأنه لا يلزم من فرض وقوعه محال وأيضا لو كان دعوى النبي صلى الله عليه وسلم المعراج في المنام أو بالروح لما أنكره الكفرة غاية الإنكار ولم يرتد بعض من اسلم ترددا منه في صدق النبي عليه السلام تمسك المخالف بما روي عن عايشة رضي الله عنها أنها قالت والله ما فقدت جسد محمد رسول الله وعن معاوية أنها كانت رؤيا صالحة وأنت خبير بأنه على تقدير صحة روايته لا يصلح حجة في مقابلة ما ورد من الأحاديث وأقوال كبار الصحابة وإجماع القرون اللاحقة المبحث السادس في عصمة الأنبياء وقد سبق أن المعجزة تقتضي الصدق في دعوى النبوة وما يتعلق بها من التبليغ وشرعية الأحكام فما يتوهم صدوره عن الأنبياء من القبايح إما أن يكون منافيا لما يقتضيه المعجزة كالكذب فيما يتعلق بالتبليغ أولا والثاني إما أن يكون كفرا أو معصية غيره وهي إما أن تكون كبيرة كالقتل والزنا أو صغيرة منفرة كسرقة لقمة والتطفيف بحبة أو غير منفرة ككذبة وهم بمعصية كل ذلك إما عمدا أو سهوا وبعد البعثة أو قبلها والجمهور على وجوب عصمتهم عما ينافي مقتضى المعجزة وقد جوزه القاضي سهوا زعما منه أنه لا يدخل في التصديق المقصود بالمعجزة وعن الكفر وقد جوزه الأزارقة من الخوارج بناء على تجويزهم الذنب مع قولهم بأن كل ذنب كفر وجوز الشيعة إظهاره تقية واحترازا عن إلقاء النفس في التهلكة ورد بأن أولى الأوقات بالتقية إبداع الدعوة لضعف الداعي وشوكة المخالف وكذا عن تعمد الكبائر بعد البعثة فعندنا سمعا وعند المعتزلة عقلا وجوزه الحشوية إما لعدم دليل الامتناع وإما لما سيجيء من شبه الوقوع وكذا عن الصغائر المنفرة لإخلالها بالدعوة إلى الاتباع ولهذا ذهب كثير من المعتزلة إلى نفي الكبائر قبل البعثة ايضا وبعض الشيعة إلى نفي الصغاير ولو سهوا والمذهب عندنا منع الكبائر بعد البعثة مطلقا والصغاير عمدا لا سهوا لكن لا يصرون ولا يقرون بل ينبهون فيتنبهون وذهب إمام الحرمين منا وأبو هاشم من المعتزلة إلى تجويز الصغاير عمدا لنا أنه لو صدر عنهم الذنب لزم أمور كلها منتفية

قسم V02/P192–V02/P194

الأول حرمة اتباعهم لكنه واجب بالإجماع وبقوله تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله الثاني رد شهادتهم لقوله تعالى إن جاءكم فاسق الآية والإجماع على ذلك لكنه منتف للقطع بأن من يرد شهادته في القليل من متاع الدنيا لا يستحق القبول في أمر الدين القائم إلى يوم الدين الثالث وجوب منعهم وزجرهم لعموم أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكنه منتف لاستلزامه إيذائهم المحرم بالإجماع ولقوله تعالى إن الذين يؤذون الله ورسوله الآية الرابع استحقاقهم العذاب والطعن واللوم والذم لدخولهم تحت قوله تعالى ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم وقوله ألا لعنة الله على الظالمين وقوله لم تقولون ما لا تفعلون وقوله أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم لكن ذلك منتف بالإجماع ولكونه من أعظم المنفرات الخامس عدم نيلهم عهد النبوة ولقوله تعالى لا ينال عهدي الظالمين فإن المراد به النبوة أو الإمامة التي دونها السادس كونهم غير مخلصين لأن المذنب قد أغواه الشيطان والمخلص ليس كذلك لقوله تعالى حكاية لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين لكن اللازم منتف بالإجماع وبقوله تعالى في إبراهيم ويعقوب إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار وفي يوسف إنه من عبادنا المخلصين السابع كونهم من حزب الشيطان ومتبعيه واللازم قطعي البطلان الثامن عدم كونهم مسارعين في الخيرات ومعدودين عند الله من المصطفين الأخيار إذ لا خير في الذنب لكن اللازم منتف لقوله تعالى في حق بعضهم إنهم كانوا يسارعون في الخيرات وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار وحصول المطلوب من هذه الوجوه محل بحث لأن وجوب الاتباع إنما هو فيما يتعلق بالشريعة وتبليغ الأحكام وبالجملة فيما ليس بزلة ولا طبع واستحقاق العذاب ورد الشهادة إنما يكون بكبيرة أو إصرار على صغيرة من غير إنابة ورجوع ولزوم الزجر والمنع واستحقاق العذاب واللوم إنما هو على تقدير التعمد وعدم الإنابة ومع ذلك فلا يتأذى به النبي بل يبتهج بمجرد كبيرة سهوا أو صغيرة ولو عمدا لا يعد المرء من الظالمين على الإطلاق ولا من الذين أغواهم الشيطان ولا من حزب الشيطان سيما مع الإنابة وعلى تقدير كون الخيرات لعموم كل فعل وترك فمسارعة البعض إليها أو كونه من زمرة الأخيار لا ينافي صدور ذنب عن آخر سيما سهوا أو مع التوبة وبالجملة فدلالة الوجوه المذكورة على نفي الكبيرة سهوا أو لصغيرة الغير المنفر عمدا على ما هو المتنازع محل نظر احتج المخالف بما نقل من أقاصيص الأنبياء وما شهد به كتاب الله من نسبة المعصية والذنب إليهم ومن توبتهم واستغفارهم وأمثال ذلك والجواب عنه إما إجمالا فهو أن ما نقل آحادا مردود وما نقل متواترا أو منصوصا في الكتاب محمول على السهو والنسيان أو ترك الأولى أو كونه قبل البعثة أو غير ذلك من المحامل والتأويلات وإما تفصيلا فمذكور في التفاسير وفي الكتب المصنفة في هذا الباب أما في قصة آدم عليه السلام فأمران أحدهما ما ورد في التنزيل من أنه عصى وغوى وأزله الشيطان وخالف النهي عن أكل الشجرة واعترف بظلمه نفسه وعوتب قولا وفعلا بقوله تعالى ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وبنزع اللباس والإخراج من الجنة ثم تاب الله تعالى عليه واجتباه والجواب أنه كان قبل البعثة كيف ولم تكن له في الجنة أمة وكان عن نسيان لقوله تعالى فنسي ولم نجد له عزما أو كان زلة وسهوا حيث ظن أن المنهي شجرة بعينها وقد قرب فردا آخر من جنسها وإنما عوتب لترك التيقظ والتنبه لإصابة المراد وقد يعتذر بأنه وإن كان عمدا لكن لم يكن إلا صغيرة وهذا هو الظاهر إلا أن فيه تسليما للمدعي

قسم V02/P194–V02/P198

وثانيهما قوله تعالى هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها إلى قوله جعلا له شركاء فيما آتاهما ولم يقل أحد في حق الأنبياء بالشرك في الألوهية ولو قبل البعثة فالوجه أنه على حذف المضاف أي جعل أولادهما له شركاء بدليل قوله تعالى فتعالى الله عما يشركون أو المراد ما وقع له من الميل إلى طاعة الشيطان وقبول وسوسته أو الخطاب لقريش والنفس الواحدة قصي ومعنى جعل منها زوجها جعلها من جنسها عربية قرشية وإشراكهما فيما آتاهما الله تسمية أولادهما بعبدمناف وعبدالعزى وعبدالدار ونحو ذلك وأما الشبهة في حق نوح عليه السلام فهو أن قوله تعالى يا نوح إنه ليس من أهلك تكذيب له في قوله إن ابني من أهلي والجواب أنه ليس للتكذيب بل للتنبيه على أن المراد بالأهل في الوعد هو الأهل الصالح أو المعنى أنه ليس من أهل دينك أو أنه أجنبي منك وإن أضفته إلى نفسك بأبنائك لما روي من أنه كان ابن امرأته والأجنبي إنما يعد من آل النبي إذا كان له عمل صالح وأما بالشبهة في حق إبراهيم عليه السلام فهو أنه كذب في قوله تعالى هذا ربي و بل فعله كبيرهم و إني سقيم والجواب أن الأول على سبيل الفرض والتقدير كما يوضع الحكم الذي يراد إبطاله أو على الاستفهام أو على أنه كان في مقام النظر والاستدلال وذلك قبل البعثة والثاني على التعريض والاستهزاء والثالث على أن به مرض الهم والحزن من عنادهم أو الحمى على ما قيل وأما الشبهة في قصة يوسف من جهة يعقوب عليهما السلام الإفراط في المحبة والحزن والبكاء والجواب أنه لا معصية في ميل النفس سيما إلى من يلوح عيه آثار الخير والصلاح وأنواع الكمال ولا في بث الشكوى والحزن إلى الله تعالى في مصائب يكون من جهة العباد سيما إن قيل أنه كان من خوف أن يموت يوسف عليه السلام على غير دين الإسلام ومن جهة الإخوة ما فعلوا بيوسف وما قالوا من الكذب والجواب أنهم لم يكونوا أنبياء ومن جهة يوسف الهم المشار إليه بقوله تعالى ولقد همت به وهم بها جعل السقاية في رحل أخيه والرضاء بسجود إخوته وأبويه له والجواب أن ذلك قبل البعثة أو المراد وهم بها لولا أن رأى برهان ربه على أن يكون الجواب المحذوف ما دل عليه الكلام السابق ويكون التقدير لولا أن رأى برهان ربه لخالطها أو المراد الميلان المذكور في الطبيعة البشرية لا الهم بالمعصية والقصد إليها أو هو من باب المشارفة أي شارف أن يهم بها وبالجملة فلا دلالة ههنا على العزم والقصد إلى المعصية فضلا عما يذكره الخشوية من الخشويات ولهذا ورد في هذا المقام من الثناء على يوسف ما ورد من غير أن تقع عليه زلة أو يذكر له استغفار وتوبة وأما جعل السقاية في رحل أخيه فقد كان بإذنه ورضاه بل بإذن الله تعالى ونسبة السرقة إلى الإخوة تورية عما كانوا فعلوا يوسف مما يجري مجرى السرقة أو هو قول المؤذن والسجدة كانت عندهم تحية وتكرمة كالقيام والمصافحة أو كانت مجرد انحناء وتواضع لا وضع جبهة وأما في قصة موسى فقتل القبطي وتوبته عنه واعترافه لكونه من عمل الشيطان فمحمول على أنه كان خطأ وقبل البعثة وإذنه للسحرة في إظهار السحر بقوله ألقوا ما أنتم ملقون ليس رضاء به بل الغرض إظهار إبطاله أو إظهار معجزته ولا يتم إلا به وقيل لم يكن حراما حينئذ وإلقاء الألواح كان عن دهشة وتخير لشدة غضبه والأخذ برأس هارون وجره إليه لم يكن على سبيل الإيذاء بل كان يدنيه إلى نفسه ليتفحص منه حقيقة الحال فخاف هارون أن يحمله بنوا إسرائيل على الإيذاء ويفضي إلى شماتة الأعداء فلم يثبت بذلك ذنب له ولا لهرون فإنه كان ينهاهم عن عبادة العجل وقوله للخضر لقد جئت شيئا نكرا أي عجبا وما فعله الخضر كان بإذن الله تعالى وأما في قصة داود عليه السلام فلم يثبت سوى أنه خطب امرأة كان خطبها أوريا فزوجها أولياؤها داود دون أوريا أو سأل أن ينزل عنها فيطلقها وكان ذلك عادة في عهده فكان زلة منه لاستغنائه بتسعة وتسعين والخصمان كانا ملكين أرسلهما الله تعالى إليه لينبهاه فلما تنبه استغفر ربه وخر راكعا وأناب وسياق الآيات يدل على كرامته عند الله تعالى ونزاهته عما ينسبه إليه الحشوية إلا أنه بالغ في التضرع والتحزن والبكاء والاستغفار استعظاما للزلة بالنظر إلى ما له من رفيع المنزلة وتقرير الملكين تمثيل وتصوير للقصة لا إخبار بمضمون الكلام ليلزم الكذب ويحتاج إلى ما قيل أن المتخاصمين كانا لصين دخلا عليه للسرقة فلما رآهما اخترعا الدعوى أو كانا راعيي غنم ظلم أحدهما الآخر والكلام على حقيقته وأما في قصة سليمان فأمور أحدها ما أشير إليه بقوله إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد الخ وذلك أنه اشتغل باستعراض الأفراس حتى غربت الشمس وغفل عن العصر أو عن ورد كان له وقت العشي فاغتم لذلك واسترد الأفراس فعقرها والجواب أن ذلك كان على سبيل السهو والنسيان وعقر الجياد وضرب أعناقها كان لإظهار الندم وقصد التقرب إلى الله تعالى والتصدق على الفقراء من أحب ماله على أن من المفسرين من قال المراد حبه للجهاد وإعلاء كلمة الله وضمير توارت للجياد لا للشمس وإنما طفق مسحا بالسوق والأعناق تشريفا لها أو امتحانا أو إظهارا لإصلاح آلة الجهاد بنفسه وثانيها ما أشير إليه بقوله ولقد فتنا سليمان الآية فإن كان ذلك ما روي أنه ولد له ابن فكان يغذوه في السحابة خوفا من أن تقتله الشياطين أو تخبله مما راعه إلى أن ألقي على كرسيه ميتا فتنبه لخطائه في ترك التوكل فاستغفر وأناب فهذا مما لا بأس به وغايته ترك الأولى وليس في التحفظ ومباشرة الأسباب ترك الامتثال لأمر التوكل على ما قال عليه السلام اعقلها وتوكل وكذا ما روي أنه قال لأطوفن الليلة على سبعين امرأة كل واحدة تأتي بفارس مجاهد في سبيل الله ولم يقل إنشاء الله فلم تحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق ولد له عين واحدة ويد واحدة ورجل واحدة فألقته القابلة على كرسيه وأما ما روي عن حديث الحاتم والشيطان وعبادة الوثن في بيته وجلوس الشيطان على كرسيه فعلى تقدير صحته يجوز أن يكون اتخاذ التماثيل غير محرم في شريعته وعبادة التماثيل في بيته غير معلوم له وثالثها ما يشعر به قوله تعالى وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي من الحسد وعدم إرادة الخير للغير والجواب أن ذلك لم يكن حسدا بل طلبا للمعجزة على وفق ما غلب في زمانه ولاق بحاله فإنهم كانوا يفتخرون في ذلك العهد بالملك والجاه وهو كان ناشيا في بيت الملك والنبوة ووارثا لهما أو إظهارا لإمكان طاعة الله وعبادته مع هذا الملك العظيم وقيل أراد ملكا لا يورث مني وهو ملك الدين لا الدنيا أو ملكا لا أسلبه ولا يقوم فيه غيري مقامي كما وقع ذلك مرة وقيل ملكا خفيا لا ينبغي للناس وهي القناعة وقيل كان ملكه عظيما فخاف أن لا يقوم غيره بشكره ولا يحافظ فيه على حدود الله وأما في قصة يونس مما يشعر به قوله تعالى وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فالجواب أن المغاضبة على الكفار المعاندين لا على الله تعالى ومعنى أن لن نقدر لن نضيق عليه كما في قوله تعالى فقدر عليه رزقه فلا يوجب شكا في القدرة ومعنى الظلم في قوله إني كنت من الظالمين ترك الأفضل وهو الصبر وهذا معنى قوله تعالى ولا تكن كصاحب الحوت أي في ترك الصبر على معاندة الكفار وأما في حق نبينا فمثل واستغفر لذنبك و لقد تاب الله على النبي و ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك فمحمول على ما فرط منه من الزلة وترك الأفضل وقوله تعالى ووجدك ضالا فهدى معناه فقدان الشرايع والأحكام وقيل أنه ضل في صباه في بعض شعاب مكة فرده أبو جهل إلى عبدالمطلب وقيل ضل في طريق الشام حين خرج به أبو طالب وبالجملة لا دلالة على العصيان والميل عن طريق الحق ولذا قال ما ضل صاحبكم وما غوى وقوله ووضعنا عنك وزرك مثل لما كان يثقل عليه ويغمه من فرطاته قبل النبوة أو من جهله بالشرايع والأحكام أو من تهالكه على إسلام أولي العناد وتلهفه وقوله عفا الله عنك لم أذنت لهم تلطف في الخطاب وعتاب على ترك الأفضل وإرشاد إلى الاحتياط في تدبير الخيرات وقوله ما كان لنبي أن يكون له أسرى إلى قوله لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم عتاب على ترك الأفضل وهو أن لا يرضى باختيار الصحابة الفداء وكذا الكلام في قوله لم تحرم ما أحل الله لك وقوله تعالى عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما روي من أنه قرأ بعد قوله أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى / < تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتها لترتجى > / فلما أخبره جبرئيل بما وقع منه حزن وخاف خوفا شديدا فنزل قوله تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته تسلية له فالجواب أنه كان من إلقاء الشيطان لا تعمدا منه وقيل بل الغرانيق هي الملائكة وكان هذا قرآنا فنسخ وقيل معنى تمني النبي حديث النفس وكان الشيطان يوسوس إليه غير الهدى فينسخ الله وساوسه من نفسه ويهديه إلى الصواب وقوله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه عتاب على أنه أخفى في نفسه عزيمة تزوج زينب عند تطليق زيد إياها خوفا من طعن المنافقين ولا خفاء في أن إخفاء أمر دنيوي خوفا من طعن أعداء الدين ليس من الصغاير فضلا عن الكباير بل غايته زلة وترك الأولى وكذا ميلان القلب لزينب وأما مثل قوله يا أيها النبي اتق الله ولا تطرد الذين يدعون ربهم فلا تكونن من الممترين لئن أشركت ليحبطن عملك فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب والجواب أن الأمر لا يقتضي سابقا تركه ولا النهي سابقة فعله ولا الشرط وقوع مضمونه وبالجملة فمسئلة جواز الصغيرة عمدا على الأنبياء في معرض الاجتهاد لا قاطع فيها لا نفيا ولا إثباتا فإن قيل ما بال زلة الأنبياء حكيت بحيث تقرأ بأعلى الصوت على وجه الزمان مع أن الله غفار ستار وقد أمرنا بالستر على من ارتكب ذنبا قلنا ليدل على صدق الأنبياء وكون ما يبلغون الشيء بأمر من الله من غير إخفاء لشيء أو ليكون امتحانا للأمم كيف يفعلون بأنبيائهم بعد الاطلاع على زلالتهم وليعلموا أن الأنبياء مع جلالة قدرهم وكثرة طاعاتهم كيف التجؤا إلى التضرع والاستغفار في أدنى زلة وأن الصغيرة ليست مما يقدح في الولاية والإيمان البتة أو تقع مكفرة لا محالة بحيث لا عتاب عليها ولا عقاب قال خاتمة من شروط النبوة الذكورة وكمال العقل والذكاء والفطنة وقوة الرأي ولو في الصبي كعيسى ويحيى عليهما السلام والسلامة عن كل ما ينفر عنه كزنا الآباء وعهر الأمهات والغلظة والفظاظة والعيوب المنفرة كالبرص والجذام ونحو ذلك والأمور المخلة بالمروءة كالأكل على الطريق والحرف الدنيئة كالحجامة وكل ما يخل بحكم البعثة من أداء الشرايع وقبول الأمة قال وقد ورد يعني قد ذكر في بعض الأحاديث بيان عدد الأنبياء والرسل على ما روي عن أبي ذر الغفاري أنه قال قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كم الأنبياء فقال مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا فقلت وكم الرسل فقال ثلثمائة وثلاثة عشر جما غفيرا لكن ذكر بعض العلماء أن الأولى أن لا يقتصر عددهم لأن خبر الواحد على تقدير اشتماله على جميع الشرائط لا يفيد إلا الظن ولا يعتبر إلا في العمليات دون الاعتقادات وههنا حصر عددهم يخالف ظاهر قوله تعالى منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص ويحتمل أيضا مخالفة الواقع وإثبات نبوة من ليس بنبي إن كان عددهم في الواقع أقل مما ذكر ونفي النبوة عمن هو نبي إن كان أكثر فالأولى عدم التنصيص على عدد قال المبحث السابع جمهور المسلمين على أن الملائكة أجسام لطيفة تظهر في صور مختلفة وتقوى على أفعال شاقة هم عباد مكرمون يواظبون على الطاعة والعبادة ولا يوصفون بالذكورة والأنوثة واستقر الخلاف بين المسلمين في عصمتهم وفي فضلهم على الأنبياء ولا قاطع في أحد الجانبين فلنذكر تمسكات الفريقين في المقامين المقام الأول أعني العصمة فتمسك المثبتون بمثل قوله تعالى وهم لا يستكبرون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون وقوله تعالى بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون إلى قوله وهم من خشيته مشفقون وقوله تعالى لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون ولا خفاء في أن أمثال هذه العمومات تفيد الظن وإن لم تفد اليقين وما يقال أنه لا عبرة بالظنيات في باب الاعتقادات فإن أريد أنه لا يحصل منه الإعتقاد الجازم ولا يصح الحكم القطعي فلا نزاع فيه وإن أريد أنه لا يحصل الظن بذلك الحكم فظاهر البطلان تمسك النافون بوجوه

قسم V02/P198–V02/P199

الأول أن إبليس مع كونه من الملائكة بدليل تناول أمر الملائكة بالسجود في قوله تعالى وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم إياه ولذا عوتب بقوله تعالى ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك وبدليل صحة استثنائه منهم في قوله تعالى فسجدوا إلا إبليس وقوله تعالى فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين ورد بالمنع بل كان من الجن ففسق عن أمر ربه وإنما درج في الملائكة على سبيل التغليب لكونه جنيا واحدا مغمورا فيما بينهم لا يقال معنى قوله كان من الجن صار أو كان من طائفة من الملائكة مسماة بالجن شأنهم الاستكبار لأنا نقول هذا مع كونه كلاما على السند خلاف الظاهر الثاني أن قولهم في جواب إني جاعل في الأرض خليفة أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك اغتياب للخليفة واستبعاد لفعل الله تعالى بحيث يشبه صورة الإنكار بمعنى أنه لا ينبغي أن يكون واتباع للظن ورجم بالغيب فيما لا يليق وإعجاب بأنفسهم وتزكية لها وأمثال هذه تخل بالعصمة لا محالة والجواب أن الاغتياب إنما يكون حيث الغرض إظهار منقصة الغير والتزكية حيث الغرض إظهار منقبة النفس ولا يتصور ذلك بالنسبة إلى علام الغيوب بل الغرض التعجب والاستفسار عن حكمة استخلاف من ينصف بما لا يليق بذلك مع وجود الأولى والأليق وإنما علموا ذلك بإعلام من الله تعالى أو مشاهدة من اللوح أو مقايسة بين الجن والإنس بمشاركتهما في الشهوة والغضب المفضيين إلى الفساد وسفك الدماء لا يقال قوله تعالى أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين أي في أني أستخلف من يتصف بما ذكرتم ينافي كون ذلك متحققا معلوما لهم بإعلام من الله تعالى أو إخبار أو بمشاهدة من اللوح لأنا نقول المعنى إن كنتم صادقين في أني أستخلف من يتصف بذلك من غير حكم ومصالح وصفات تلائم الاستخلاف إذ التعجب إنما يكون عند ذلك ولذا قال في الرد عليهم إني أعلم ما لا تعلمون إشارة إلى تلك الحكم والمصالح لا يقال ففيه دلالة على نفي العصمة بإثبات الكذب في الجملة لأنا نقول هذا القدر من الخطأ والسهو لاينافي العصمة ولا يوجب المعصية الثالث قصة هاروت وماروت ملكين ببابل يعذبان لارتكابهما السحر والجواب منع ارتكابهما العمل بالسحر واعتقاد تأثيره بل انزل الله تعالى عليهما السحر ابتلاء للناس فمن تعلمه وعمل به فكافر ومن تجنبه أو تعلمه ليتوقاه ولا يغتر به فهو مؤمن وهما كانا يعظان الناس ويقولان إنما نحن فتنة للناس وابتلاء فلا تكفروا أي لا تعتقدوا ولا تعملوا فإن ذلك كفر وتعذيبهما إنما هو على وجه المعاتبة كما تعاتب الأنبياء على السهو والزلة من غير ارتكاب منهما لكبيرة فضلا عن كفر واعتقاد سحر أو عمل به واليهود هم الذين يدعون أن الواحد من الملك قد يرتكب الكبيرة فيعاقبه الله بالمسخ وأما المقام الثاني فذهب جمهور أصحابنا والشيعة إلى أن الأنبياء أفضل من الملائكة خلافا للمعتزلة والقاضي وأبي عبدالله الحليمي منا وصرح بعض أصحابنا بأن عوام البشر من المؤمنين أفضل من عوام الملائكة وخواص الملائكة أفضل من عوام البشر أي غير الأنبياء لنا وجوه نقلية وعقلية الأول أن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم والحكيم لا يأمر بسجود الأفضل للأدنى وإباء إبليس واستكباره والتعليل بأنه خير من آدم لكونه من نار وآدم من طين يدل على أن المأمور به كان سجود تكرمة وتعظيم لا سجود تحية وزيارة ولا سجود الأعلى للأدنى إعظاما له ورفعا له لمنزلته وهضما لنفوس الساجدين الثاني أن آدم أنبأهم بالأسماء وبما علم الله من الخصائص والمعلم أفضل من المتعلم وسوق الآية ينادي على أن الغرض إظهار ما خفي عليهم من أفضلية آدم ودفع ما توهموا فيه من النقصان ولذا قال الله تعالى ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وبهذا يندفع ما يقال أن لهم أيضا علوما جمة أضعاف العلم بالأسماء لما شاهدوا من اللوح وحصلوا في الأزمنة المتطاولة بالتجارب والأنظار المتوالية

قسم V02/P199

الثالث قوله تعالى إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ) وقد خص من آل إبراهيم وآل عمران غير الأنبياء بدليل الإجماع فيكون آدم ونوح وجميع الأنبياء مصطفين على العالمين الذين منهم الملائكة إذ لا مخصص للملائكة عن العالمين ولا جهة لتفسيره بالكثير من المخلوقات

قسم V02/P199–V02/P201

الرابع أن للبشر شواغل عن الطاعات العلمية والعملية كالشهوة والغضب وسائر الحاجات الشاغلة والموانع الخارجة والداخلة فالمواظبة على العبادات وتحصيل الكمالات بالقهر والغلبة على ما يضاد القوة العاقلة يكون أشق وأفضل وأبلغ في استحقاق الثواب ولا معنى للأفضلية سوى زيادة استحقاق الثواب والكرامة لا يقال لو سلم انتفاء الشهوة والغضب وسائر الشواغل في حق الملائكة فالعبادة مع كثرة المتاعب والشواغل إنما تكون أشق وأفضل من الأخرى إذا استويا في المقدار وباقي الصفات وعبادة الملائكة أكثر وأدوم فإنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون والإخلاص الذي به القوام والنظام واليقين الذي هو الأساس والتقوى التي هي الثمرة فيهم أقوى وأقوم لأن طريقهم العيان لا البيان والمشاهدة لا المراسلة لأنا نقول انتفاء الشواغل في حقهم مما لم ينازع فيه أحد ووجود المشقة والألم في العبادة والعمل عند عدم المنافي والمضاد مما لا يعقل قلت أو كثرت وكون باقي الصفات في حق الأنبياء أضعف وأدنى مما لا يسمع ولا يقبل وقد يتمسك بأن للملائكة عقلا بلا شهوة وللبهائم شهوة بلا عقل وللإنسان كليهما فإذا ترجح شهوته على عقله يكون أدنى من البهائم لقوله تعالى بل هم أضل فإذا ترجح عقله على شهوته يجب أن يكون أعلى من الملائكة وهذا عائد إلى ما سبق لأن تمام تقريره هو أن الكافر آثر النقصان مع التمكن من الكمال وكل من فعل كذا فهو أضل وأرذل ممن آثره بدونه لأن إيثار الشيء مع وجود المضاد والمنافي أرجح وأبلغ من إيثاره بدونه فيلزم أن يكون من آثر الكمال مع التمكن من النقصان أفضل وأكمل ممن آثره بدونه وأما التمسك بقوله تعالى ولقد كرمنا بني آدم والتكريم المطلق لأحد الأجناس يشعر بفضله على غيره فضعيف لأن التكريم المطلق لا يوجب التفضيل سيما مع قوله تعالى وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا فإنه يشعر بعدم التفضيل على القليل وليس غيرالملائكة بالإجماع كيف وقد وصف الملائكة أيضا بأنهم عباد مكرمون قال وتمسك المخالفون أيضا بوجوه نقلية وعقلية أما النقليات فمنها قوله تعالى ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون خصصهم بالتواضع وترك الاستكبار في السجود وفيه إشارة إلى أن غيرهم ليس كذلك وأن أسباب التكبر والتعظم حاصلة لهم ووصفهم باستمرار الخوف وامتثال الأوامر ومن جملتها اجتناب المنهيات ومنها قوله تعالى ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون ووصفهم بالقرب والشرف عنده وبالتواضع والمواظبة على الطاعة والتسبيح ومنها قوله تعالى بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون إلى أن قال وهم من خشيته مشفقون وخصهم بالكرامة المطلقة والامتثال والخشية وهذه الأمور أساس كافة الخيرات والجواب أن جميع ذلك إنما يدل على فضيلتهم لا أفضليتهم + سيما على الأنبياء ومنها قوله تعالى قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني فإن مثل هذا الكلام إنما يحسن إذا كان الملك أفضل والجواب أنه إنما قال ذلك حين استعجله قريش العذاب الذي أوعدوا به بقوله تعالى والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون والمعنى أني لست بملك حتى يكون لي القوة والقدرة على إنزال العذاب بإذن الله كما كان لجبرائيل عليه السلام أو يكون لي العلم بذلك بإخبار من الله بلا واسطة ومنها قوله تعالى ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أي إلا كراهة أن تكونا ملكين يعني أن الملكية بالمرتبة العليا وفي الأكل من الشجرة ارتقاء إليها والجواب أن ذلك تمويه من الشيطان وتخييل أن ما يشاهد في الملك من حسن الصور وعظم الخلق وكمال القوة يحصل بأكل الشجرة ولو سلم فغاية التفضيل على آدم عليه السلام قبل النبوة ومنها قوله تعالى علمه شديد القوى يعني جبرئيل عليه السلام والمعلم أفضل من المتعلم والجواب إن ذلك بطريق التبليغ وإنما لتعليم من الله تعالى ومنها قوله تعالى لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون أي لا يترفع عيسى في العبودية ولا من هو أرفع منه درجة كقولك لن يستنكف من هذا الأمر الوزير ولا السلطان ولو عكست أحلت بشهادة علماء البيان والبصراء بأساليب الكلام وعليه قوله تعالى ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى أي مع أنهم أقرب مودة لأهل الإسلام ولهذا خص الملائكة بالمقربين منهم لكونهم أفضل والجواب أن الكلام سبق لرد مقالة النصارى وغيرهم في المسيح وادعائهم فيه مع النبوة البنوة بل الألوهية والترفع عن العبودية لكونه روح الله ولد بلا أب ولكونه يبرىء الأكمه والأبرص والمعنى لا يترفع عيسى عن العبودية ولا من هو فوقه في هذا المعنى وهم الملائكة الذين لا أب لهم ولا أم ويقدرون على مالا يقدر عليه عيسى عليه السلام ولا دلالة على الأفضلية بمعنى كثرة الثواب وسائر الكمالات ألا يرى أن فيما ذكرت من المثال لم يقصد الزيادة والرفعة في الفضل والشرف والكمال بل فيما هو مظنة الاستنكاف والرضا كالغلبة والاستكبار والاستعلاء في السلطان وقرب المودة في النصارى ومنها اطراد تقديم ذكر الملائكة على ذكرالأنبياء والرسل ولا يعقل له جهة سوى الأفضلية والجواب أنه يجوز أن يكون بجهة تقدمهم في الوجود أو في قوة الإيمان بهم والاهتمام به لأنهم أخفى فالإيمان بهم أقوى وبالتحريض عليه أحرى وأما العقليات فمنها أن الملائكة روحانيات مجردة في ذواتها متعلقة بالهياكل العلوية مبرأة عن ظلمة المادة وعن الشهوة والغضب اللذين هما مبدأ الشرور والقبائح متصفة بالكمالات العلمية والعملية بالعقل من غير شوائب الجهل والنقص والخروج من القوة إلى الفعل على التدريج ومن احتمال الغلط قوية على الأفعال العجيبة وإحداث السحب والزلازل وأمثال ذلك مطلعة على أسرار الغيب سابقة إلى أنواع الخير ولا كذلك حال البشر والجواب أن مبنى ذلك على قواعد الفلسفة دون الملة ومنها أن أعمالهم المستوجبة للمثوبات أكثر لطول زمانهم وأدوم لعدم تخلل الشواغل وأقوم لسلامتها عن مخالطة المعاصي المنقصة للثواب وعلومهم أكمل وأكثر لكونهم نورانيين روحانيين يشاهدون اللوح المحفوظ المنتقش بالكائنات وأسرار المغيبات والجواب أن هذا لا يمنع كون أعمال الأنبياء وعلومهم أفضل وأكثر ثوابا لجهات آخر كقهر المضاد والمنافي وتحمل المتاعب والمشاق ونحو ذلك على ما مر قال المبحث الثامن الولي هو العارف بالله تعالى وصفاته المواظب على الطاعات المجتنب عن المعاصي المعرض عن الانهماك في اللذات والشهوات وكرامته ظهور أمر خارق للعادة من قبله غير مقارن لدعوى النبوة وبهذا يمتاز عن المعجزة وبمقارنة الإعتقاد والعمل الصالح والتزام متابعة النبي عن الاستدراج وعن مؤكدات تكذيب الكذابين كما روي أن مسيلمة دعا لأعور أن تصير عينه العوراء صحيحة فصارت عينه الصحيحة عوراء ويسمى هذا إهانة وقد تظهر الخوارق من قبل عوام المسلمين تخليصا لهم من المحن والمكاره وتسمى معونة فلذا قالوا أن الخوارق أنواع أربعة معجزة وكرامة ومعونة وإهانة وذهب جمهور المسلمين إلى جواز كرامة الأولياء ومنعه أكثر المعتزلة والأستاذ أبو إسحق يميل إلى قريب من مذهبهم كذا قال إمام الحرمين ثم المجوزون ذهب بعضهم إلى امتناع كون الكرامة بقصد واختيار من الولي وبعضهم إلى امتناع كونها على قضية الدعوى حتى لو ادعى الولي الولاية واعتقد بخوارق العادات لم يجز ولم يقع بل ربما يسقط عن مرتبة الولاية وبعضهم إلى امتناع كونها من جنس ما وقع معجزة لنبي كانفلاق البحر وانقلاب العصا وإحياء الموتى قالوا وبهذه الجهات تمتاز عن المعجزات وقال الإمام هذه الطرق غير سديدة والمرضى عندنا تجويز جملة خوارق العادات في معرض الكرامات وإنما تمتاز عن المعجزات بخلوها عن دعوى النبوة حتى لو ادعى الولي النبوة صار عدوا لله لا يستحق الكرامة بل اللعنة والإهانة فإن قيل هذ الجواز مناف للإعجاز إذ من شرطه عدم تمكن الغير من الإتيان بالمثل بل مفض إلى تكذيب النبي حيث يدعى عند التحدي أنه لا يأتي أحد بمثل ما أتيت به قلنا المنافي هو الإتيان بالمثل على سبيل المعارضة ودعوى النبي أنه لا يأتي بمثل ما أتيت به أحد من المتحدين لا أنه لا يظهر مثله كرامة لولي أو معجزة لنبي آخر نعم قد يرد في بعض المعجزات نص قاطع على أن أحدا لا يأتي بمثله أصلا كالقرآن وهو لا ينافي الحكم بأن كل ما وقع معجزة لنبي يجوز أن يقع كرامة لولي لنا على الجواز ما مر في المعجزة من إمكان الأمر في نفسه وشمول قدرة الله تعالى وذلك كالملك يصدق رسوله ببعض ما ليس من عادته ثم يفعل مثل ذلك إكراما لبعض أوليائه وعلى الوقوع وجهان

قسم V02/P201–V02/P203

الأول ما ثبت بالنص من قصة مريم عند ولادة عيسى عليه السلام وأنه كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزما قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله وقصة أصحاب الكهف ونومهم في الكهف سنين بلا طعام وشراب وقصة آصف وإتيانه بعرش بلقيس قبل ارتداد الطرف فإن قيل كان الأول إرهاصا لنبوة عيسى أو معجزة لزكريا والثاني لمن كان نبيا في زمن أصحاب الكهف والثالث لسليمان صلى الله عليه وسلم قلنا سياق القصص يدل على أن ذلك لم يكن لقصد تصديقهم في دعوى النبوة بل لم يكن لزكريا علم بذلك ولذا سأل ونحن لا ندعي إلا جواز ظهور الخوارق من بعض الصالحين غير مقرونة بدعوى النبوة ولا مسوقة لقصد تصديق نبي ولا يضرنا تسميته إرهاصا أو معجزة لنبي هو من أمته على أن ما ذكرتم يرد على كثير من معجزات الأنبياء لجواز أن يكون معجزة لنبي آخر والثاني ما تواتر معناه وإن كانت التفاصيل آحادا من كرامات الصحابة والتابعين ومن أبعدهم من الصالحين كرؤية عمر رضي الله عنه على المنبر جيشه بنهاوند حتى قال يا سارية الجبل الجبل وسمع سارية ذلك وكشرب خالد رضي الله تعالى عنه السم من غير أن يضر به وإما من علي رضي الله تعالى عنه فأكثر من أن تحصى وبالجملة وظهور كرامات الأولياء يكاد يلحق بظهور معجزات الأنبياء وإنكارها ليس بعجيب من أهل البدع والأهواء إذ لم يشاهدوا ذلك من أنفسهم قط ولم يسمعوا به من رؤسائهم الذين يزعمون أنهم على شيء مع اجتهادهم في أمور العبادات واجتناب السيئات فوقعوا في أولياء الله تعالى أصحاب الكرامات يمزقون أديمهم ويمضغون لحومهم لا يسمونهم إلا باسم الجهلة المتصوفة ولا يعدونهم إلا في عداد آحاد المبتدعة قاعدين تحت المثل السائر أوسعتهم سبا وأوردوا بالإبل ولم يعرفوا أن مبنى هذا الأمر على صفاء العقيدة ونقاء السريرة واقتفاء الطريقة واصطفاء الحقيقة وإنما العجب من بعض فقهاء أهل السنة حيث قال فيما روي عن إبراهيم بن أدهم أنهم رأوه بالبصرة يوم التروية وفي ذلك اليوم بمكة أن من اعتقد جواز ذلك يكفر والإنصاف ما ذكره الإمام النسفي حين سئل عما يحكى أن الكعبة كانت تزور واحدا من الأولياء هل يجوز القول به فقال نقض العادة على سبيل الكرامة لأهل الولاية جائز عند أهل السنة وللمخالف وجوه الأول وهو العمدة أنه لو ظهرت الخوارق من الولي لالتبس النبي بغيره إذ الفارق هو المعجزة ورد بما مر من الفرق بين المعجزة والكرامة الثاني أنها لو ظهرت لكثرت كثرة الأولياء وخرجت عن كونها خارقة للعادة هق ورد بالمنع بل غايته استمرار نقض العادة الثالث لو ظهرت لا لغرض التصديق لانسد باب إثبات النبوة بالمعجزة لجواز أن يكون ما يظهر من النبي لغرض آخر غير التصديق ورد بما مر من أنها عند مقارنة الدعوى تفيد التصديق قطعا الرابع أن مشاركة الأولياء للأنبياء في ظهور الخوارق تخل بعظم قدر الأنبياء ووقعهم في النفوس ورد بالمنع بل يزيد في جلالة أقدارهم والرغبة في اتباعهم حيث نالت أممهم وأتباعهم مثل هذه الدرجة ببركة الاقتداء بشريعتهم والاستقامة على طريقتهم

الأسئلة

Teftâzânî — Şerhu'l-Makâsıd (Mâtürîdî/Eş'arî kelam) · 16 · Qur'an & Sunnah