Qur'an&Sunnah

Teftâzânî — Şerhu'l-Makâsıd (Mâtürîdî/Eş'arî kelam)

قسم V01/P103

الأولى التقدم في الذهن والخارج وهي خاصة حقيقية لا تصدق على شيء من العوارض الثانية الاستغناء عن الواسطة في التصديق بمعنى وجوب الثبوت وامتناع السلب بمجرد إخطار الجزء والماهية بالبال بل بمجرد تصور الماهية وهذه خاصة إضافية لا حقيقية لصدقها على اللوازم البينة بالمعنى الأعم إن اشترط أخطارهما والأخص إن اكتفى بتصور الماهية

قسم V01/P103–V01/P106

والثالثة الاستغناء عن الوسط في الثبوت وهي أيضا إضافية لصدقها على الأعراض الأولوية أعني اللاحقة للشيء لذاته من غير واسطة سواء كان الجزم بثبوتها للموضوع محتاجا إلى وسط كتساوي الزوايا الثلاث للقائمتين بالنسبة إلى المثلث فإنه لازم له لذاته ويفتقر بيانه إلى وسائط أو غير محتاج كالانقسام بالمتساويين للأربعة والبياض لسطح الجسم الأبيض فالاستغناء عن الوسط يجعل القضية أولية والاستغناء عن الواسطة يجعل محمولها أوليا وبينهما عموم من وجه لتصادقهما في انقسام الأربعة وبياض السطح وصدق الأولى بدون الثانية في بياض الجسم وبالعكس في تساوي زوايا المثلث للقائمتين فإن قيل إن أريد بالخاصة الأولى التقدم في الوجودين جميعا على ما هو ظاهر عبارة القوم فباطل لأن الجزء الذهني كالجنس والفصل لا يتقدم في الوجود العيني وإلا امتنع الحمل وإن أريد أن الجزء الذهني متقدم بالوجود الذهني والعيني على ما ذكر فالعلة الفاعلية للشيء متقدمة عليه في الخارج إن كانت علة له في الخارج وفي الذهن إن كانت في الذهن فهذه الخاصة أيضا تكون إضافية لا حقيقية قلنا الظاهر أن مرادهم الأول على ما صرح به الإمام ومبناه على ما تقرر عندهم من وجود الكلي الطبيعي لكونه جزأ من الأشخاص وإذ قد بينا بطلان ذلك فالأول ابتناؤها على ما ذكرنا من أن الجزء أي ما يعرض له الجزئية متقدم بالوجودين أما بالوجود العيني فباعتبار كونه مادة لكونه مأخوذا بشرط لا وأما بالوجود الذهني فباعتبار كونه جنسا أو فصلا لكونه مأخوذا لا بشرط فتكون الخاصة حقيقية غير صادقة على العلة الفاعلية غاية الأمر أنها لا تكون شاملة بناء على أن من الأجزاء مالا تقدم له في الخارج كلونية السواد أو في الذهن كالهيولي والصورة أو الأجزاء التي لا تتجزى إذا جوزنا تعقل حقيقة الجسم بدون ذلك قال والتركيب قد يكون حقيقيا بأن يحصل من اجتماع عدة أشياء حقيقة واحدة بالذات مختصة باللوازم والآثار واحتياج بعض أجزائه إلى البعض ضروري للقطع بأنه لا يحصل من الحجر الموضوع بجنب الإنسان حقيقة واحدة والاحتياج فيما بين الجزئين قد يكون من جانب واحد كالمركب من البسائط العنصرية ومما يقوم بها من الصورة المعدنية أو النباتية أو الحيوانية فإن الصورة تحتاج إلى تلك المواد من غير عكس وكالمركب من الجنس والفصل فإن الجنس محتاج إلى الفصل من جهة أنه أمر مبهم لا يتحصل معقولا مطابقا لما في الأعيان من الأنواع الحقيقية إلا إذا اقترن به فصل لأنه الذي يحصل طبيعة الجنس ويقررها ويعينها ويقومها نوعا وهذا معنى علية الفصل للجنس وحاصله أنه الذي به يتخصص الجنس أي يصير حصة ولذا نقل الإمام عن أبي علي أن الفصل علة لحصة النوع من الجنس وإن كان صريح عبارته أنه علة لطبيعة الجنس بمعنى أن الصورة الجنسية ليست متحصلة بنفسها بل مبهمة محتملة لأن تقال على أشياء مختلفة الحقائق وإذا انضافت إليها الصورة الفصلية تحصلت وصارت بعينها أحد تلك الأشياء فالفصل بالحقيقة علة لتحصلها بهذا المعنى وارتفاع إبهامها لا بحصولها في العقل لظهور أن المعنى الجنسي يعقل من غير فصل ولا لحصولها في الخارج لأنه لا تمايز بينهمافي الخارج وإلا امتنع حمل أحدهما على الآخر بالمواطأة ومن البين أن ليس في السواد أمر محقق هو اللون وآخر هو قابضية البصر يجتمعان فيتحصل منهما السواد بل التحقيق أن ليس في الخارج إلا الأشخاص وإنما الجنس والفصل والنوع صور متمايزة عند العقل يحصلها من الشخص بحسب الاستعدادات تعرض للعقل واعتبارات يتعقلها من جزئيات أقل أو أكثر مختلفة في التباين والاشتراك فتدرك من زيد تارة صورة شخصية لا يشاركه فيها غيره وأخرى صورة يشاركه فيها عمرو وبكر وأخرى صورة يشاركه فيها الفرس وغيره وعلى هذا القياس فإن قيل هذا إنما هو في النوع البسيط كالسواد لظهور أن ليس في الخارج لونية وشيء آخر به امتاز السواد عن سائر الألوان ولهذا لا يصح أن يقال جعل لونا فجعل سوادا بل جعلاهما واحد وأما في غيره فالذاتيات المتمايزة في العقل متمايزة في الخارج وليس جعلاهما واحدا كالحيوان فإنه يشارك النبات في كونه جسما ويمتاز عنه بالنفس الحيوانية وجعل الجسم غير جعل النفس حتى إذا زالت عنه النفس بقي ذلك الجسم بعينه موجودا كالفرس الذي يموت وجسميته باقية ولهذا يصح أن يقال جعل جسما فجعل حيوانا قلنا الجسم المأخوذ على وجه كونه مادة غير المأخوذ على وجه كونه جنسا ولا كلام في تميز الأول عن الكل بالوجود الخارجي وإنما الكلام في الثاني لأنه الجزء المحمول المسمى بالذاتي وقد سبق تحقيق ذلك والحاصل أن الذاتيات المتمايزة بحسب العقل فقط قد يكون لها مبادي متمايزة بحسب الخارج كالحيوان من الجسم والنفس الحيوانية والإنسان من البدن والنفس الناطقة وقد لا يكون كالسواد من اللون وقابضية البصر وكالسطح من الكم وقابلية القسمة في الطول والعرض جميعا وهو المسمى بالنوع البسيط ومن ههنا جوز بعض المحققين كون الفصل عدميا فإن المعنى الجنسي من الكم المتصل يتحصل بما له طول وعرض فقط فيكون سطحا وبما له طول فقط فيكون خطا قال وكالهيولي والصورة يعني أن الاحتياج فيما بين الجزئين قد يكون من الجانبين لكن لا باعتبار واحد وإلا يلزم الدور وذلك كالهيولي والصورة للجسم فإن تشخص الصورة يكون بالمادة المعينة ومن حيث هي قابلة لتشخصها وتشخص المادة بالصورة المطلقة ومن حيث هي فاعلة لتشخصها وسيجيء بيان ذلك ( قال وقد يكون اعتباريا ) بأن يكون هناك عدة أمور يعتبرها العقل أمرا واحدا وإن لم يكن أمرا واحدا في الحقيقة وربما يضع بإزائه اسما كالعشرة من الآحاد والعسكر من الأفراد ولا يلزم فيه احتياج بعض الأجزاء إلى البعض فإن قيل إن أريد عدم الاحتياج أصلا فباطل لأن احتياج الهيئة الاجتماعية إلى الأجزاء المادية لازم قطعا وإن أريد الاحتياج فيما بين الأجزاء المادية فذلك ليس بلازم في المركب الحقيقي أيضا كالبسايط العنصرية للمركبات المعدنية مثلا قلنا المراد الأول والصورة الاجتماعية في المركبات الاعتبارية محض اعتبار العقل لا تحقق لها في الخارج إذ ليس من العسكر في الخارج إلا تلك الأفراد بخلاف المركبات الحقيقية فإن هناك صورا تفيض على المواد في نفس الأمر وستعرفها وأما في مثل الترياق والسلنجبين فهل يحدث صورة جوهرية هي مبدأ الآثار أو هو مجرد المزاج المخصوص الذي هو من قبيل الأعراض وأن التركيب الحقيقي هل يكون من الجوهر والعرض ففيه تردد قال والأجزاء قد تتداخل أجزاء المركب تنقسم إلى متداخلة ومتباينة أما المتداخلة فهي التي يكون بينها تصادق في الجملة إما على الوجه الكلي من الجانبين بأن يصدق كل من الجزئين على كل ما يصدق عليه الآخر فيكونان متساويين كالمركب من المغتذي والنامي أو من جانب واحد بأن يصدق أحدهما على كل ما يصدق عليه الآخر من غير عكس فيكون بينهما عموم وخصوص مطلقا كالمركب من الحيوان والناطق وإما لا على الوجه الكلي بأن يصدق كل منهما على بعض ما يصدق عليه الآخر فيكون بينهما عموم وخصوص من وجه كالمركب من الحيوان والأبيض وأما المتباينة فإما متماثلة كما في العشرة من الآحاد وإما متخالفة محسوسة كما في البلقة من السواد والبياض أو معقولة كما في الجسم من الهيولي والصورة أو مختلفة كما في الإنسان من البدن المحسوس والنفس المعقولة وقد تقسم المتخالفة إلى ما تكون للشيء مع ما عرض له من الإضافة إلى الفاعل كالعطاء لفائدة من المعطي أو إلى القابل كالفسطوسة لتقعير في الأنف أو إلى الصورة كالأفطس لأنف فيه تقعير أو إلى الغاية كالخاتم لحلقة يتزين بها الأصبع وإلى ما يكون للشيء مع إضافة له إلى المعلول كالخالق والرازق وإلى مالا يكون فيما بين العلة والمعلول وهو ظاهر وباعتبارآخر الأجزاء إما وجودية كالنفس والبدن للإنسان أو عدمية كسلب ضرورة الوجود والعدم للامكان أو مختلطة من الوجودي والعدمي كالسابقية وعدم المسبوقية للأولية وأيضا إما حقيقية كما في الإنسان من النفس والبدن أو إضافية كما في الأقرب من القرب وزيادته أو ممتزجة بعضها حقيقي وبعضها إضافي كما في السرير من الأجزاء الخشبية والترتيب النسبي ( قال المبحث الرابع ) بعد الاتفاق على أن وجود الممكن بالفاعل اختلفوا في ماهيته فذهب المتكلمون إلى أنها بجعل الجاعل مطلقا أي بسيطة كانت أو مركبة وذهب جمهور الفلاسفة والمعتزلة إلى أنها ليست بجعل الجاعل مطلقا بمعنى أن شيئا منها ليس بمجعول وذهب بعضهم إلى أن المركبات المجعولة دون البسائط استدل المتكلمون بوجوه

قسم V01/P106

الأول أن كلا من المركبة والبسيطة ممكن لأن الكلام فيه وكل ممكن محتاج إلى الفاعل لما سيأتي من أن علة الاحتياج هي الإمكان ولما اعترض بأن الإمكان نسبة تقتضي الإثنيئية فتنافي البساطة أشار إلى الجواب بأنه ليس نسبة بين أجزاء الماهية حتى تختص بالمركبة بل بين الماهية ووجودها لكونه عبارة عن عدم ضرورة الوجود والعدم فمع قطع النظر عن الوجود لا يعقل عروض الإمكان للماهية بسيطة كانت أو مركبة ومعنى كونه ذاتيا لها أنها في نفسها بحيث إذا نسبها العقل إلى الوجود يعقل بينهما نسبة هي الإمكان وهذا المعنى كاف في الاحتياج إلى الفاعل وقد يجاب بأنه لو لم تكن البسيطة مجعولة لم تكن المركبة مجعولة لأنه إذا تقرر في الخارج جميع بسائط المركب حتى الجزء الصوري من غير جاعل تقرر المركب ضرورة لا يقال يجوز أن يكون لكل جزء تقرر ويتوقف تقرر المركب على تقرر المجموع كما سبق في مجموع التصورات وتصورالمجموع لأنا نقول الفرق بين مجموع التقررات وتقرر المجموع بحسب الخارج غير معقول وإنما ذلك بحسب العقل بأن يتعلق بالأمور المتعددة تارة تصورات متعددة وتارة تصور واحد من غير ملاحظة التفاصيل الثاني أن الفاعل لا بد أن يؤثر في الماهية ويجعلها تلك الماهية في الخارج حتى يتحقق الوجود لأن ذات المعلول عند إقنائها الوجود من الفاعل لا يجوز أن يكون حاصلة في الخارج بكمالها بل لا بد أن يبقى شيء منها يحصله الفاعل ولو هيئة اجتماعية وإلا لكان المعلول متحققا سواء تحقق الفاعل أو لا فلا يكون للفاعل تأثير فيه ولا له احتياج إلى الفاعل الثالث أنه لا تقرر للماهية في الخارج بذاتها لما سبق في بحث العدم فيكون بالفاعل ضرورة ولا معنى لمجعولية الماهية سوى هذا والجواب عن الأول أن معنى احتياج الممكن أن وجوده ليس من ذاته بل من الفاعل وعن الثاني أنه لا يدل إلا على أن ماهية المعلول لا تكون حاصلة متحققة بدون الفاعل والحصول والتحقق هو الوجود وهذا لا ينافي كونها متقررة في نفسها من غير احتياج لها إلى الفاعل ولا تأثير له فيها وعن الثالث أنه إن أريد بالتقرر التحقق والثبوت فهو الوجود وإن أريد كون الماهية في نفسها تلك الماهية في الخارج فلم يسبق ما يدل على أن ذلك بالفاعل فالوجوه الثلاثة على تقدير تمامها لا تفيد إلا كون الوجود بالفاعل

قسم V01/P106–V01/P109

الرابع أنه لا نزاع في أن للعلة جعلا وتأثيرا في الممكن فالمجعول إما الماهية أو الوجود أو اتصاف الماهية بالوجود أو انضمام الأجزاء بعضها إلى بعض في المركب خاصة وكل من الأمور الأربعة ماهية من الماهيات فيكون المجعول هو الماهية والجواب أن النزاع في الماهيات التي هي حقائق الأشياء لا فيما صدقت هي عليه من الأفراد فيجوز أن يكون المجعول ذلك المشخص الذي هو من أفراد ماهية الإنسان مثلا أو الوجود الخاص الذي هو من أفراد ماهية الوجود وكذا الاتصاف والانضمام قال قالوا احتج القائلون بعدم مجعولية الماهية بأن كون الإنسان إنسانا لو كان بالفاعل لارتفع بارتفاعه فيلزم أن لا يكون الإنسان إنسانا على تقدير عدم الفاعل وهو محال والجواب أنه إن أريد أنه يلزم أن يكون الإنسان ليس بإنسان بطريق السلب ولا نسلم استحالته فإن عند ارتفاع الفاعل يرتفع الوجود وتبقى الماهية معدومة فيكذب الإيجاب فيصدق السلب وإن أريد بطريق العدول بأن يتقرر الإنسان في نفسه بحسب الخارج ويكون لا إنسانا فلا نسلم لزومه فإن عند ارتفاع الفاعل لا يبقى الإنسان حتى يصلح موضوعا للإيجاب قال فإن قيل يريد التنبيه على ما يصلح محلا للخلاف في هذه المسئلة فإنه معلوم أن ليس للفاعل تأثير وجعل بالنسبة إلى ماهية الممكن وآخر بالنسبة إلى وجوده حتى تكون الماهية مجعولة كالوجود وأن ليس للماهية تقرر في الخارج بدون الفاعل حتى يكون المجعول هو الوجود فقط بل أثر الفاعل مجعولية الماهية بمعنى صيرورتها موجودة وما ذكره الإمام من أن المراد أن الماهية من حيث هي هي ليست بمجعولة كما أنها ليست بموجودة ولا معدومة ولا واحدة ولا كثيرة إلى غير ذلك من العوارض بمعنى أن شيئا منها ليس نفسها ولا داخلا فيها ليس مما يتصور فيه نزاع أو يتعلق بتخصيصه بالذكر فائدة والأقرب ما ذكره صاحب المواقف وهو أن المجعولية قد يراد بها الاحتياج إلى الفاعل وقد يراد بها الاحتياج إلى الغير على ما يعم الجزء وكلاهما بالنسبة إلى الممكن من العوارض والعوارض منها ما يكون من لوازم الماهية كزوجية الأربعة حتى لو تصورنا أربعة ليست بزوج لم تكن أربعة ومنها ما يكون من لوازم الهوية كتناهي الجسم وحدوثه حتى لو تصورنا جسما ليس بمتناه أو حادث كان مجسما ولا خفاء في أن احتياج الممكن إلى الفاعل في المركب والبسيط جميعا من لوازم الهوية دون الماهية وأن الاحتياج إلى الغير من لوازم الماهية المركب دون البسيط إذ لا يعقل مركب لا يحتاج إلى الجزء فمن قال بمجعولية الماهية مطلقا أي بسيطة كانت أو مركبة أراد أن المجعولية تعرض للماهية في الجملة أعني الماهية بشرط شيء وهي الماهية المخلوطة ومرجعها إلى الهوية وإن لم تعرض للماهية من حيث هي ويحتمل أن يراد أنه يعرض للماهية من حيث هي المجعولية في الجملة أي بمعنى الاحتياج إلى الغير وإن لم تكن بمعنى الاحتياج إلى الفاعل ومن قال بعدم مجعولية الماهية أصلا أراد أن الاحتياج إلى الفاعل ليس من عوارض الماهية بل من عوارض الهوية ومن فرق بين المركبة والبسيطة أراد أن الاحتياج إلى الغير من لوازم ماهية المركب دون البسيط وإن اشتركا في الاحتياج إلى الفاعل بالنظر إلى الهوية هذا ولكن لم يتحقق نزاع في المعنى قال الفصل الثالث في لواحق الوجود والماهية جعل صاحب التجريد الوجوب والإمكان والامتناع وكذا القدم والحدوث في فصل الوجود وجعل التعين وكذا الوحدة والكثرة في فصل الماهية وجعل العلة والمعلول فصلا على حدة وصاحب المواقف جعل التعيين في فصل الماهية والوجوب ومقابليه فصلا على حدة وكذا الوحدة والكثرة وكذا العلة والمعلول وذكر القدم والحدوث في فصل الوجوب ومقابليه وصاحب الصحايف جعل الوجوب ومقابليه والعلة والمعلول من لواحق الموجود والبواقي من لواحق الوجود فأطلقنا القول بكون الكل من لواحق الوجود والماهية ليصح على جميع التقادير قال المبحث الأول تعين الشيء وتشخصه الذي به يمتاز عن جميع ما عداه غير ماهيته ووجوده وحدوثه لكون كل من هذه الأمور مشتركا بينه وبين غيره بخلاف التعين ولذا يصدق قولنا الكلي ماهية وموجود وواحد ولا يصدق قولنا أنه متعين وإن كان التعين أو المتعين مفهوما كليا صادقا على الكثرة وبين التعين والتميز عموم من وجه لتصادقهما على تشخصات الأفراد إذا اعتبر مشاركتها في الماهية مثلا فإن كلا منها متشخص في نفسه ومتميز عن غيره ويصدق التعين دون التميز حيث لا تعتبر المشاركة وبالعكس حيث تتميز الكليات كالأنواع المعتبرة اشتراكها في الجنس قال المبحث الثاني التعين أمراعتباري لا تحقق له في الأعيان لوجهين الأول أنه لو كان موجودا في الخارج لكان له تعين ضرورة وينقل الكلام إليه ويتسلسل فإن قيل لا نسلم أنه لو كان موجودا لكان له تعين وإنما يلزم ذلك لو كانت التعينات متشاركة في الماهية ليحتاج في التمايز إلى تعين وهو ممنوع بل هي متخالفة بالماهية متمايزة بالذات وإنما يتشارك في لفظ التعين أو في عرضي لها هو مفهوم التعين قلنا ضروري أن لكل موجود ماهية كلية في العقل وإن امتنع تعدد أفرادها بحسب الخارج وهذا في حق الواجب محل نظر فلذا خص الدعوى بالتعين وإن كانت المناقشة باقية فإن قيل لم لا يجوز أن يكون تعين التعين نفسه لا زائدا عليه ليتسلسل قلنا لأن ماهية التعين كلية وإنما التمايز بالخصوصيات العارضة التي لا تقبل الاشتراك وتغاير المعروض والعارض في الأمور الموجودة في الخارج ضروري وإنما يصح الاتحاد وبحسب الواقع في الأمور الاعتبارية كقدم القدم وحدوث الحدوث قال الثاني وقد يستدل أي على كون التعين اعتباريا بأنه لو وجد في الخارج لتوقف عروضه لحصة هذا الشخص من النوع دون الحصة الأخرى منه على وجودها وتميزها فإن كان تميزها بهذا التعين فدور أو بتعين آخر فيتسلسل وهذا هو المراد بقولهم لو وجد لتوقف انضمامه إلى الماهية على تميزها فلا يرد ما قيل أن تميز الماهية بذاتها وبما لها من الفصول لا بهذا التعين فإن قيل لم لا يجوز أن يكون المعروض هو الحصة المتميزة بهذا التعين لا يتعين سابق ليلزم المحال كما أن معروض البياض هو الجسم الأبيض به لا بياض آخر وحاصله أن ذلك دور معية فإن الماهية إذا وجدت وجدت متخصصة متميزة بما عرضت له من التعينات كحصص الأنواع من الجنس تتمايز بالفصول ولا يتوقف اختصاص كل فصل بحصة على تميز لها سابق قلنا وجود المعروض متقدم على العارض بالضرورة فكذا تميزه لكونه مقارنا للوجود السابق وهذا بخلاف الفصول وحصص الأنواع من الجنس فإن التمايز هناك عقلي لا غير وفيه نظر لأن تقدم معروض التعين عليه إنما هو بالذات دون الزمان وهو لا يستلزم تقدم ما معه بالزمان لجواز أن يكون الشيء محتاجا إليه ولا يكون مقارنه كذلك فإن قيل المعروض المتقدم هو هذه الحصة فيلزم تقدم الهذية وهو التعين والتميز قلنا نعم بمعنى أنه معروض الهذية فلا يمتنع أن يكون هذيتها بهذا التعين قال احتج المخالف أي القائل بكون التعين وجوديا بوجوه

قسم V01/P109–V01/P110

الأول أنه جزء المتعين لكونه عبارة عن الماهية مع التعين وهو موجود وجزء الموجود موجود بالضرورة وأجيب بأنه إن أريد بالمتعين الموصوف بالتعين فظاهر أن التعين عارض له لا جزء منه وإن أريد المجموع المركب منهما فلا نسلم أنه موجود فإن الوصف إذا كان من الأعراض المحسوسة كما في الجسم الأبيض لم يكن المجموع إلا مركبا اعتباريا فكيف إذا كان مما وجوده نفس المتنازع واعترض صاحب المواقف بأن المراد بالمتعين هو ذلك الشخص المعلوم وجوده بالضرورة كزيد مثلا وليس مفهومه مجرد مفهوم الإنسان وإلا لصدق على عمرو بل الإنسان مع شيء آخر يسميه التعين فيكون جزأ من زيد الموجود فيكون موجودا والجواب أنا سلمنا أن ليس مفهومه مفهوم الإنسان الكلي الصادق على عمرو لكن لم لا يجوز أن يكون هو الإنسان المقيد بالعوارض المخصوصة المشخصة الذي لا تصدق على غيره دون المجموع ولو سلم فجزء المفهوم لا يلزم أن يكون موجودا في الخارج ولو سلم فذلك الشيء هو ما يخصه من الكم والكيف والابن ونحو ذلك مما يعلم وجوده بالضرورة من غير نزاع لكون أكثرها من المحسوسات وهم لا يسمونها التعين بل ما به التعين الثاني أن الطبيعة النوعية كالإنسان مثلا لا تتكثر بنفسها لما سبق من أن الماهية من حيث هي لا تقتضي الوحدة والكثرة وإنما تتكثر بما ينضاف إليهما من العوارض الموجودة المخصوصة التي ربما تكون محسوسة وهو المراد بالتشخص الثالث أن التعين لو كان عدميا لما كان متعينا في نفسه إذ لا هوية للمعدوم فلم يكن معينا لغيره ضرورة أن مالا ثبوت له لا يصلح سببا لتميز الشيء عما عداه بحسب الخارج والجواب عنهما أن ما ينضاف إلى الطبيعة ويعينها ويكثرها هي العوارض المشخصة ولا نزاع في وجودها على ما سبق الرابع أن التعين لو كان عدميا وليس عدما مطلقا لكان عدما للاتعين مطلقا أو لتعين إذ لا مخرج عن النقيضين وذلك التعين إما عدمي أو ثبوتي وعلى التقادير يلزم كونه وجوديا أما على الأولين فلأن نقيض العدمي وجودي وأما على الثالث فلأن حكم الأمثال واحد والجواب أنا لانم أن العدمي يلزم أن يكون عدما لأمر ما بل يكون معدوما في الخارج على ما ادعينا من أنه اعتباري ولو سلم فلا نسلم أن نقيض العدمي وجودي كالعمى واللاعمى ولو سلم فإن أريد بالتعين واللا تعين مفهوما هما فلا حصر لجواز أن يكون التعين عدما لمفهوم آخر وإن أريد ما صدق عليه فلانم أن كل ما يصدق عليه اللاتعين فهو عدمي ليكون نقيضه ثبوتيا كيف واللاتعين صادق على جميع الحقائق ولو سلم فلانم تماثل التعينات لم لا يجوز أن تكون متخالفة متشاركة في عارض هو مفهوم التعين

قسم V01/P110–V01/P119

الخامس أن التعين لو كان عدميا لكان عدما لما ينافيه ضرورة كالإطلاق والكلية والعموم وما يجري مجرى ذلك فإن كان عدما للإطلاق أو لما يساويه كالكلية والعموم وبالجملة مالا ينفك عدمه عن عدم الإطلاق كان التعين مشتركا بين الأفراد كعدم الإطلاق لأن التقدير أنه عدم لأمر لا ينفك عدمه عن عدم الإطلاق وعدم الإطلاق متحقق في جميع الأفراد فكذا التعين فلا يكون متميزا فلا يكون تعينا وإن لم يكن التعين عدما للإطلاق ولا عدما لما لا ينفك عدمه عن عدم الإطلاق لزم جواز الانفكاك بين عدم الإطلاق وبين ذلك العدم الذي هو التعين وذلك إما بأن يتحقق عدم الإطلاق بدون التعين فيلزم كون الشيء لا مطلقا ولا متعينا وفيه رفع للنقيضين وإما بأن يتحقق التعين بدون عدم الإطلاق فيلزم كون الشيء مطلقا ومتعينا وفيه جمع للنقيضين والجواب أنه إن أريد بالتعين الذي يجعله عدم الإطلاق مطلق التعين فلانم امتناع اشتراكه بين الأفراد كعدم الإطلاق وإنما يمتنع لو لم يكن تمايز الأفراد بالتعينات الخاصة المعروضة لمطلق التعين وإن أريد التعين الخاص فنختار أنه ليس عدما للإطلاق ولا لما لا ينفك عدمه عن عدم الإطلاق بل لأمر يوجد عدم الإطلاق بدون عدمه الذي هو ذلك التعين وهو لا يستلزم إلا كون الشيء لا مطلقا ولا معينا بذلك التعين ولا استحالة في ذلك لجواز أن يكون معينا بتعين آخر قال خاتمة تصور الشيء بوجه ما وإن كان كافيا في الحكم عليه في الجملة لكن خصوصيات الأحكام ربما تستدعي تصورات مخصوصة لا بد منها في صحة الحكم فلا بد في تحقيق أن التعين وجودي أو عدمي اعتباري أو غير اعتباري من بيان ما هو المراد من هذه الألفاظ فنقول الحقيقة النوعية المتحصلة بنفسها أو بما لها من الذاتيات قد يلحقها كثرة بحسب ما يعرض لها من الكميات والكيفيات والأوضاع والإضافات واختلاف المواد وغير ذلك وربما تنتهي العوارض إلى ما يفيد الهذية وامتناع الشركة كهذا الإنسان وذاك وتسمى العوارض المشخصة فلا بد في تحصيل موضوع القضية المطلوبة من بيان أن المراد بالتشخص هو تلك العوارض أو ما يحصل عندها من الهذية أو عدم قبول الشركة أو كون الحصة من النوع بهذه الحيثية أو نحو ذلك ثم لا بد لتحصيل معنى المحمول من بيان المراد بالوجودي والعدمي والاعتباري فقيل العدمي المعدوم وقيل ما يكون عدما مطلقا أو مضافا متركبا مع وجودي كعدم البصر عما من شأنه أو غير متركب كعدم قبول الشركة وقيل ما يدخل في مفهومه العدم ككون الشيء بحيث لا يقبل الشركة والوجودي بخلافه فهو الموجود أو الوجود مطلقا أو مضافا أو ما لا يدخل في مفهومه العدم والعبرة بالمعنى دون اللفظ حتى أن العمى عدمي واللاعدم وجودي وفي المواقف أن الوجودي ما يكون ثبوته لموصوفه بوجوده له أي بحسب الخارج نحو السواد لا أن يكون ذلك باعتبار وجودهما في العقل واتصاف موصوفه به فيه أي في العقل دون الخارج كالإمكان وهو أعم من الموجود لجواز وجودي لا يعرض له الوجود أبدا لكنه بحيث إذا ثبت للموصوف كان ذلك بوجوده له وهذا ما قال القاضي الأرموي إذا قلنا لشيء أنه وجودي لا نعني أنه دائم الوجود بل نعني أنه مفهوم يصح أن يعرض له الوجود الخارجي عند قيامه بموجود وعند قيامه بمعدوم لا يكون له وجود وكأنه يريد الأعم من وجه وإلا فمن الموجود مالا يسمى وجوديا كالإنسان وغيره من المفهومات المستقلة وأما الاعتباري فهو ما لا تحقق له إلا بحسب فرض العقل وإن كان موصوفه متصفا به في نفس الأمر كالإمكان فإن الإنسان متصف به في نفس الأمر بمعنى أنه بحيث إذا نسبه العقل إلى الوجود يعقل له وصفا هو الإمكان ويقابله الحقيقي إذا تقرر هذا فلا خفاء في أن العوارض المشخصة وجودية والهذية اعتبارية وتميز الفرد عما عداه وعدم قبوله الشركة وكونه ليس غيره أو لا يقبل الشركة عدمية قال المبحث الثالث لا بد في التعين من كون المفهوم بحيث لا يمكن للعقل فرض صدقه على كثيرين وهذا معنى امتناع الشركة ذهنا ومعلوم أنه لا يحصل بانضمام الكلي إلى الكلي لأن كلا من المنضم والمنضم إليه والانضمام لكونه كليا يمكن للعقل فرض صدقه على كثيرين بل على مالا يتناهى من الأفراد وإن كان بحسب الخارج ربما لا يوجد منه الأفراد بل يمتنع تعدده كمفهوم الواجب فإن قيل حكم الكلي قد يخالف حكم كل واحد فيجوز أن يكون كل من المنضم والمنضم إليه كليا والمجموع جزئيا قلنا لا معنى للانضمام ههنا سوى أن العقل يعتبر مفهوما كليا كالإنسان ثم يعتبر له وصفا كليا كالفاضل ومعلوم بالضرورة أن الكلي الموصوف بالأوصاف الكلية لا ينتهي إلى حد الهذية حتى لو كان ذلك الوصف هو مفهوم الجزئية والتشخص وامتناع قبول الشركة كانت الكلية بحالها وقد يجاب بأن المراد أن انضمام الكلي إلى الكلي وتقيده به لا يستلزم الجزئية والتشخص وإن كان قد يفيدها فيكون حاصل الكلام أن المركبات العقلية مثل الجوهر المتحيز والجسم النامي والحيوان الناطق والإنسان الفاضل لا يلزم أن يكون جزئية بل قد يكون كلية وهذا من الوضوح بحيث لا ينبغي أن يخبر به فضلا عن أن يجعل من المطالب العلمية فإن قيل فعلى ما ذكرتم يلزم أن يكون ما ينضم إلى الكلي وتفيده الجزئية جزئيا وله لا محالة مفهوم كلي يفتقر إلى ما ينضم إليه ويجعله جزئيا ويتسلسل قلنا ليس هناك موجود هو الكلي وآخر ينضم إليه ويجعله جزئيا بل الموجود الأشخاص والعقل ينتزع منها الصور الكلية بحسب الاستعدادات والاعتبارات المختلفة والمقصود أن المعنى الذي بسببه امتنع للعقل فرض صدق المفهوم على الكثيرين لا يصلح أن يكون انضمام الكلي إلى الكلي بل التشخص يستند عندنا إلى القادر المختار كسائر الممكنات بمعنى أنه الموجد لكل فرد على ما شاء من التشخص وعند بعضهم إلى تحقق الماهية في الخارج للقطع بأنها إذا تحققت لم يكن إلا فردا مخصوصا لا تعدد فيه ولا اشتراك وإنما قبول التعدد والاشتراك في المفهوم الحاصل في العقل فإن قيل فيلزم أن لا يتعدد التعين لأن الوجود أمر واحد قلنا هو وإن كان واحدا بحسب المفهوم لكن تتعدد أفراده بحسب الأزمنة والأمكنة والمواد وسائر الأسباب فتتعدد التعينات وأعترض بأن الدور أن لا يفيد العلية فيجوز أن يكون الوجود ما معه التعين لا ما به التعين فإن قيل نحن نقطع بالتعين عند الوجود الخارجي مع قطع النظر عن جميع ما عداه قلنا قطع النظر عن الشيء لا يوجب انتفائه فعند الوجود لا بد من ماهية وأسباب فاعلية أو مادية وبالجملة أمر يستند إليه الوجود فيجوز أن يستند التشخص أيضا إليه ولو سلم فالوجود لا يقتضي إلا تعينا ما والكلام في التعينات المخصوصة فلا يثبت المط مالم يتبين أن وجود كل فرد يقتضي تعينه الخاص وذهبت الفلاسفة إلى أن التعين قد يستند إلى الماهية بنفسها أو بلوازمها كما في الواجب فينحصر في شخص والألزم تخلف المعلول عن علته لتحقق الماهية في كل فرد مع عدم تشخص الآخر وقد يستند إلى غيرها ولا يجوز أن يكون أمرا منفصلا عن الشخص لأن نسبته إلى كل الأفراد والتعينات على السواء ولا حالا فيه لأن الحال في الشخص لافتقاره إليه يكون متأخرا عنه ولكونه علة لتشخصه المتقدم عليه ضرورة أنه لا يصير هذا الشخص إلا بهذا التشخص يكون متقدما عليه وهو محال فتعين أن يكون محلا له وما ذكرنا من نسبة الحال والمحل إلى الشخص دون الماهية أو التشخص أقرب وأوفق بكلامهم والمراد بمحل الشخص معروضه في الأعراض ومادته في الأجسام ومتعلقه في النفوس على ما ذكروا من حدوث النفس بعد البدن وتعينها به فالعقول المجردة تستند تعيناتها إلى ماهياتها فينحصر كل في شخص لا إلى مجرد الإضافة كعقل الفلك الأول مثلا على ما قيل لأن هذه الإضافة متأخرة عن وجود الفلك المتأخر عن وجود العقل وتعينه والاستناد إلى المادة أعم من أن يكون بنفسها أو بواسطة ما فيها من الأعراض فلا يرد ما قيل أن غير المنفصل لا ينحصر فيما يكون حالا في الشخص أو محلا له لجواز أن يكون حالا في محله ولما اعترض بأن المادة التي يستند إليها الشخص تكون متشخصة لا محالة فتشخصها إما لماهيتها فلا تتعدد أفرادها أو للتشخص المعلول فيدور أو لمادة أخرى فيتسلسل أجيب بأنه لما فيها من الكميات والكيفيات والأوضاع وغير ذلك من الأعراض التي تتعاقب عليها بتعاقب الاستعدادات حتى لو ذهبت إلى غير النهاية لم يمتنع على ما هو رأيهم فيما لا يجتمع في الوجود كالحركات والأوضاع الفلكية وإذا استند التشخص إلى المادة تكثرت أفراد الماهية بتكثر المواد والمادة قابلة للتكثر بذاتها فلا تفتقر إلى قابل آخر وإنما تفتقر إلى فاعل يكثرها واعترض على ما ذكروا بعد تسليم مقدماته بأن تعين الأعراض الحالة التي في المادة إنما هو بتعين المادة على ما سيجيء فلو تعينت المادة بها كان دورا وأجيب بأن تعين المادة إنما هو بنفس الأعراض الحالة في المادة المعينة بتعين مالا بتعيناتها الحاصلة بتعين المادة وحاصله أن تعيناتها بتعينها وتعينها مع تعيناتها فلا يلزم الدور ولا حصول التشخص من انضمام الكلي إلى الكلي إلا أنه يرد عليه أنه إذا جاز ذلك فلم لا يجوز تكثر الماهية وتعين أفرادها بما لها من الصفات المتكثرة العارضة لها من غير لزوم مادة قال المنهج الثاني في الوجوب والامتناع والإمكان جعل الامتناع من لواحق الوجود والماهية نظرا إلى أن ضرورة سلب الوجود عن الماهية حال لهما أو إلى أنه من أوصاف الماهية المعقولة أو لكونه في مقابلة الإمكان أو لأن المراد بلواحقهما ما جرت العادة بالبحث عنه بعد البحث عنهما المبحث الأول قد تقرر في موضعه أن هل إما بسيطة يطلب بها وجود الشيء في نفسه أو مركبة يطلب بها وجود شيء لشيء فإذا نسب المفهوم إلى وجوده في نفسه أو وجوده لأمر حصل في العقل معان هي الوجوب والامتناع والإمكان لأن حمل الوجود على الشيء أو ربط الشيء بالشيء بواسطته قد يجب كما في قولنا الباري تعالى موجود والأربعة يوجد لها لزوجية وقد يمتنع كما في قولنا اجتماع النقيضين موجود والأربعة يوجد لها الفردية وقد يمكن كما في قولنا الإنسان موجود أو يوجد له الكتابة ولا خفاء في حصولها عند حمل العدم أو الربط بواسطته لكنه مندرج فيما ذكرنا من حمل الوجود أو الربط بواسطته لكونه أعم من الإيجابي والسلبي وتصورات هذه المعاني ضرورية حاصلة لمن لم يمارس طرق الاكتساب إلا أنها قد تعرف تعريفات لفظية كالوجود والعدم فيقال الوجوب ضرورة الوجود أو اقتضاؤه أو استحالة العدم والامتناع ضرورة العدم أو اقتضاؤه أو استحالة الوجود والإمكان جواز الوجود والعدم أو عدم ضرورتهما أو عدم اقتضاء شيء منهما ولهذا لا يتحاشى عن أن يقال الواجب ما يمتنع عدمه أو ما لا يمكن عدمه والممتنع ما يجب عدمه أو مالا يمكن وجوده والممكن مالا يجب وجوده ولا عدمه أو ما لا يمتنع وجوده ولا عدمه ولو كان القصد إلى إفادة تصور هذه المعاني لكان دورا ظهر أو ظهر هذه المفهومات الوجود لكونه تأكد الوجود الذي هو أعرف من العدم لما أنه يعرف بذاته والعدم يعرف بوجه ما بالوجود والنزاع في أن مفهوم الوجوب والإمكان وجودي أو عدمي مبني على اختلاف مفهومات الخواص التي باعتبارها يطلقان على الواجب والممكن وأما في الواجب فكاقتضاء الوجود بحسب الذات والاستغناء عن الغير وعدم التوقف عليه وما به يمتاز الواجب عن الممكن والممتنع وأما في الممكن فكالاحتياج إلى الغير والتوقف عليه وعدم الاستغناء عنه وعدم اقتضاء الوجود أو العدم أو ما به يمتاز الممكن عن الواجب والممتنع قال المبحث الثاني كل من الوجوب والامتناع قد يكون بالذات وقد يكون بالغير لأن ضرورة وجود الشيء أو لا وجوده في نفسه أو ضرورة وجود شيء لشيء آخر أو لا وجوده له إن كانت بالنظر إلى ذاته كوجود الباري وعدم اجتماع النقيضين ووجود الزوجية للأربعة وعدم الفردية لها فذاتي وإلا فغيري وهو وإن لم ينفك عن علة لكن قد ينظر إلى خصوص العلة كوجوب الحركة للحجر المرمي وامتناع السكون له وقد ينظر إلى وصف لذات الموضوع كوجوب حركة الأصابع للكاتب وامتناع سكونها له وقد ينظرإلى وقت له كوجوب الانخساف للقمر في وقت المقابلة المخصوصة وامتناعه في وقت التربيع وقد ينظر إلى ثبوت المحمول له كوجود الحركة للجسم المأخوذ بشرط كونه متحركا وامتناع السكون له حينئذ قال والموصوف بالذاتي يعني إذا أخذ الوجود محمولا فالموصوف بالوجوب الذاتي يكون واجب الوجود لذاته كالباري تعالى وبالامتناع الذاتي يكون ممتنع الوجود لذاته كاجتماع النقيضين وإذا أخذ رابطة بين الموضوع والمحمول فالموصوف بالوجوب الذاتي يكون واجب الوجود لموضوعه نظرا إلى ذات الموضوع كالزوجية للأربعة وبالامتناع الذاتي يكون ممتنع الوجود له نظرا إليه كالفردية للأربعة فلازم الماهية كالزوجية مثلا واجب الوجود لذاتها أي واجب الثبوت للماهية نظرا إلى نفسها لا واجب الوجود لذاته بمعنى اقتضائه الوجود بالذات ليلزم الحال وبهذا يسقط ما ذكر في المواقف من أن الوجوب والإمكان والامتناع المبحوث عنها ههنا غير الوجوب والإمكان والامتناع التي هي جهات القضايا وموادها وإلا لكانت لوازم الماهيات واجبة لذاتها وذلك لأنه إن أراد كونها واجبة لذات اللوازم فالملازمة ممنوعة أو لذات الماهيات فبطلان التالي ممنوع فإن معناه أنها واجبة الثبوت للماهية نظرا إلى ذاتها من غير احتياج إلى أمر آخر وكأنه يجعل بعض القضايا خلوا عن كون الوجود فيه محمولا أو رابطة كقولنا الإنسان كاتب ويمتنع أن يكون معناه أنه يوجد كاتبا أو توجد له الكتابة بل معناه أن ما صدق عليه هذا يصدق عليه ذاك أو يحمل والمحققون على أنه لا فرق بين قولنا يوجد له ذاك ويثبت ويصدق عليه ويحمل ونحو ذلك إلا بحسب العبارة وما ذكرنا هو الموافق لكلام المحقق في التجريد قال والإمكان ذاتي لا غير إذ لو كان غيريا لكان الشيء في نفسه واجبا أو ممتنعا أي ضروري الوجود أو العدم بالذات ثم يصير لا ضروري الوجود والعدم بالغير فيرتفع ما بالذات وهو محال بالضرورة وهذا معنى الانقلاب قال وقد يؤخذ بمعنى سلب ضرورة الوجود الإمكان بمعنى سلب ضرورة الوجود والعدم هو الإمكان الخاص المقابل للوجوب والامتناع بالذات وقد يؤخذ بمعنى سلب ضرورة الوجود فيقابل الوجوب ويعم الإمكان الخاص والامتناع فيصدق على الممتنع أنه ممكن العدم وقد يؤخذ بمعنى سلب ضرورة العدم فيقابل الامتناع ويعم الإمكان الخاص والوجوب فيصدق على الواجب أنه ممكن الوجود وهذا هو الموافق للغة والعرف ولهذا سمي بالإمكان العامي فإن العامة تفهم منه نفي الامتناع فمن إمكان الوجود نفي امتناع الوجود ومن إمكان العدم نفي امتناع العدم وقد سبق إلى كثير من الأوهام أن للإمكان العام مفهوما واحدا يعم الإمكان الخاص والوجوب والامتناع هو سلب ضرورة أحد الطرفين أعني الوجود والعدم وهو بعيد جدا إذ لا يفهم هذا المعنى من إمكان الشيء على الإطلاق بل إنما يفهم من إمكان وجوده نفي الامتناع ومن إمكان عدمه نفي الوجوب ولهذا يقع الممكن العام مقابلا للممتنع شاملا للواجب كما في تقسيم الكلي إلى الممتنع وإلى الممكن الذي أحد أقسامه أن يوجد منه فرد واحد مع امتناع غيره كالواجب وبهذا ينحل ما يقال على قاعدة كون نقيض الأعم أخص من نقيض الأخص من أنه لو صح هذا لصدق قولنا كل ما ليس بممكن عام ليس بممكن خاص لكنه باطل لأن كل ما ليس بممكن عام ليس بممكن خاص لكنه باطل لأن كل ما ليس بممكن خاص فهو إما واجب أو ممتنع وكل منهما ممكن عام فيلزم أن كل ما ليس بممكن عام فهو ممكن عام قال وقد يعتبر بالنظر إلى الاستقبال بمعنى جواز وجود الشيء في المستقبل من غير نظر إلى الماضي والحال وذلك لأن الإمكان في مقابلة الضرورة وكلما كان الشيء أخلى عن الضرورة كان أحق باسم الممكن وذلك في المستقبل إذ لا يعلم فيه حال الشيء من الوجود والعدم بخلاف الماضي والحال فإنه قد تحقق فيهما وجود الشيء أو عدمه ومنهم من اشترط في الممكن الاستقبال العدم في الحال لأن الوجود ضرورة فيجب الخلو عنه ورد بأن العدم أيضا ضرورة فيجب الخلو عنه أيضا وتحقيقه أنه ممكن في جانبي الوجود والعدم وكما أن الوجود يخرجه إلى جانب الوجود ويشترط الخلو عنه كذلك العدم يخرجه إلى جانب الامتناع فيلزم اشتراط الخلو عنه أيضا فيلزم ارتفاع النقيضين بل اجتماعهما والظاهر أن من اشترط ذلك أراد بالإمكان الاستقبالي إمكان حدوث الوجود وطريانه في المستقبل وهو إنما يستلزم إمكان عدم الحدوث لا إمكان حدوث العدم ليلزم اشتراط الوجود في الحال بل لو اعتبر الإمكان الاستقبالي في جانب العدم بمعنى إمكان طريان العدم وحدوثه يشترط الوجود في الحال من غير لزوم محال قال وقد يعتبر إشارة إلى الإمكان الاستعدادي وهو تهيؤ المادة لما يحصل لها من الصور والأعراض بتحقق بعض الأسباب والشرائط بحيث لا ينتهي إلى حد الوجوب الحاصل عند تمام العلة ويتفاوت شدة وضعفا بحسب القرب من الحصول والبعد عنه بناء على حصول الكثير مما لا بد منه أو القليل كاستعداد الإنسانية الحاصل للنطفة ثم للعلقة ثم للمضغة وكاستعداد الكتابة الحاصل للجنين ثم للطفل وهكذا إلى أن يتعلم وهذا الإمكان ليس لازما للماهية كالإمكان الذاتي بل يوجد بعد العدم بحدوث بعض الأسباب والشرائط ويعدم بعد الوجود لحصول الشيء بالفعل قال وعروض الإمكان يعني أن الماهية إذا أخذت مع وجودها أو وجود علتها كانت واجبة بالغير وإذا أخذت مع عدمها أو عدم علتها كانت ممتنعة بالغير وإنما يعرض لها الإمكان الصرف إذا أخذت لا مع وجودها أو عدمها أو وجود علتها أو عدمها بل اعتبرت من حيث هي هي واعتبرت نسبتها إلى الوجود فحينئذ يحصل من هذه المقايسة معقول هو الإمكان فالإمكان ينفك عن الوجوب بالغير والامتناع بالغير بحسب التعقل بأن لا يلاحظ للماهية ولا لعلتها وجود أو عدم لا بحسب التحقق في نفس الأمر لأن كل ممكن فهو إما موجود فيكون واجبا بالغير أو معدوم فيكون ممتنعا بالغير اللهم إلا على رأي من يثبت الواسطة قال والغيريان يعني أن الوجوب بالغير والامتناع بالغير يتشاركان في اسم الضرورة إلا أن الأول ضرورة الوجود والثاني ضرورة العدم وهذا معنى تقابل المضاف إليه وإذا أخذ الوجوب والامتناع متقابلي المضاف إليه بأن يضاف أحدهما إلى الوجود والآخر إلى العدم صدق كل منهما على ما صدق عليه الآخر بطريق الاشتقاق بمعنى أن كل ما يجب وجوده بالغير يمتنع عدمه بالغير وبالعكس وكل ما يجب عدمه بالغير يمتنع وجوده بالغير وبالعكس وإذا أضيف كل منهما إلى الوجود أو إلى العدم امتنع صدق أحدهما على الآخر إذ لا شيء مما يجب وجوده يمتنع وجوده ولا شيء مما يجب عدمه يمتنع عدمه وهو ظاهر فبينهما لمنع الجمع دون الخلو إذ لا يصدق شيء منهما على الواجب بالذات أو الممتنع بالذات لكن جزء هذه المنفصلة المانعة الجمع أعني قولنا إما أن يكون الشيء واجبا بالغير أو ممتنعا بالغير مما يجوز انقلاب أحدهما إلى الآخر بأن ينعدم الموجود الواجب بالغير لانتفاء علته فيصير ممتنعا بالغير ويوجد الممتنع المعدوم بالغير لحصول علته فيصير واجبا بالغير بخلاف الوجوب الذاتي والامتناع الذاتي فإن بينهما أيضا منع الجمع ضرورة امتناع كون الشيء واجبا وممتنعا بالذات دون الخلو لارتفاعهما عن الممكن لكن يمتنع انقلاب أحدهما إلى الآخر لأن ما بالذات لا يزول وكذا بين الوجوب بالذات والوجوب بالغير وبين الامتناع بالذات والامتناع بالغير منع الجمع دون الخلو مع امتناع الانقلاب أما منع الجمع فلأن الواجب بالغير أو الممتنع بالغير لا يكون إلا ممكنا وهو ينافي الواجب بالذات أو الممتنع بالذات ولأنهما لو اجتمعا لزم توارد العلتين المستقلتين أعني الذات والغير على معلول واحد هو الوجود أو العدم وأما عدم منع الخلو فلارتفاع الوجوب بالذات والوجوب بالغير عن الممتنع بالذات أو بالغير وارتفاع الامتناع بالذات والامتناع بالغير عن الواجب بالذات أو بالغير وأما امتناع الانقلاب فظاهر وقد يستدل على امتناع كون الواجب بالذات واجبا بالغير بأنه لو كان كذلك لارتفع بارتفاع الغير فلم يكن واجبا بالذات وفيه نظر لأنا لا نسلم أنه لو كان واجبا بالغير لارتفع بارتفاعه وإنما يلزم لو لم يكن واجبا بالذات وهو ظاهر وبين الإمكان والوجوب الذاتي والامتناع الذاتي انفصال حقيقي بمعنى أن كل مفهوم فهو إما واجب أو ممتنع أو ممكن لأنه إما أن يكون ضروري الوجود أو لا والثاني إما أن يكون ضروري العدم أو لا فالثلاثة لا تجتمع ولا ترتفع وهذان في التحقيق منفصلتان كل منهما مركبة من الشيء ونقيضه وكذا كل منفصلة تكون من أكثر من جزئين فهي متعددة على ما تقرر في موضعه والاعتراض بضروري الوجود والعدم ليس بشيء لأنه مفهوم إذا لاحظه العقل لم يكن إلا ضروري العدم وهذا كما يقال على قولنا كل مفهوم إما ثابت أو منفي يفرض مفهوما هو ثابت ومنفي فيجتمعان أو ليس بثابت ولا منفي فيرتفعان فنقول هذا المفهوم منفي لا غير وفيما بين الواجب والممتنع والممكن الانقلاب محال لأن ما بالذات لا يزول فإن قيل لم لا يجوز أن يخلتف مقتضى الذات بحسب الأوقات قلنا لأنه حينئذ لا يكون مقتضى الذات بل مع دخل للأوقات فإن قيل الحادث ممتنع في الأزل لأن الأزلية تنافي الحدوث ثم ينقلب ممكنا فيما لا يزال وكون الحادث مقدورا ممكن قبل وجوده ثم ينقلب بعد وجوده ممتنعا ضرورة امتناع القدرة على تحصيل الحاصل أجيب عن الأول بأن قولكم في الأزل إن كان قيدا للحادث فلا نسلم أنه يصير ممكنا فيما لا يزال بل الحادث في الأزل ممتنع أزلا وأبدا وإن كان قيدا للممتنع فلا نسلم أن الحادث ممتنع في الأزل بل هو ممكن أزلا وأبدا فأزلية الإمكان ثابتة للحادث وإمكان الأزلية منتف عنه دائما ولا انقلاب أصلا وعن الثاني بأنا لا نسلم أن مقدورية الشيء بعد وجوده تصير ممتنعة بالذات بل إنما تمتنع بالغير لمانع هو الحصول حتى لو ارتفع لبقي مقدورا كما كان قال المبحث الثالث إذا جعل الوجود رابطة بين الموضوع والمحمول فالكيفية الحاصلة لتلك النسبة من الوجوب والامتناع والإمكان كما في قولنا الإنسان حيوان أو حجر أو كاتب من حيث أنها الثابتة في نفس الأمر تسمى مادة القضية ومن حيث أنها تتعقل أو تتلفظ تسمى جهة القضية سواء طابقت المادة بأن تكون نفسها كقولنا الإنسان حيوان بالوجوب وحينئذ تصدق القضية أو لم تطابقها بأن تكون أعم منها أو أخص أو مباينا وح قد تصدق القضية كقولنا الإنسان حيوان بالإمكان العام وقد تكذب كقولنا الإنسان حيوان بالإمكان الخاص وإنما لم يقتصروا على المواد بل تجاوزوا إلى الجهات بما لها من التفاصيل لأن الغرض من معرفة القضايا تركيب الأقيسة لاستخراج النتائج وهي لا تحصل من المقدمات بحسب موادها الثابتة في نفس الأمر بل بحسب جهاتها المعتبرة عند العقل ثم كلامهم متردد في أن المعتبر في المادة هو الربط الإيجابي حتى تكون مادة نسبة الحيوان إلى الإنسان هو الوجوب سواء قلنا الإنسان حيوان أو ليس بحيوان أو أعم من الإيجابي والسلبي حتى تكون المادة في قولنا الإنسان حيوان هو الوجوب وفي قولنا الإنسان ليس بحيوان هو الامتناع والأظهر الأول ثم المحققون على أن في كل قضية الوجود واللاوجود رابطة والوجوب والامتناع والإمكان جهة سواء صرح بها أو لم يصرح وسواء كان المحمول أحد هذه الأمور أو غيرها حتى أن قولنا الباري تعالى واجب وموجود في معنى يوجد واجبا ويوجد موجودا وقولنا اجتماع النقيضين ممتنع ومعدوم في معنى يوجد ممتنعا ومعدوما أو لا يوجد ممكنا وموجودا وقولنا الإنسان ممكن وموجود في معنى يوجد ممكنا وموجودا فإذا كان المحمول أحد هذه الأمور تتعدد الاعتبارات أي يعتبر وجود هو المحمول وآخر هو الرابطة ووجوب أو امتناع أو إمكان هو المحمول وآخر هو الجهة وتكون نسبة كل من الوجوب والامتناع والإمكان إلى موضوعاتها بالوجوب إذا أخذت ذاتية وإذا أخذ الوجوب والامتناع غير بين فبالإمكان وممكن الوجود لغيره يجب أن يكون ممكن الوجود في نفسه وممكن الوجود في نفسه قد يجب وجوده للغير كلوازم الماهية وقد يمتنع كالذوات المستقلة وقد يمكن كسواد الجسم وهذا معنى قولنا كل ممكن الوجود لغيره ممكن الوجود في نفسه من غير عكس قال المبحث الرابع لا خفاء في أن امتناع اعتبار عقلي وكذاالوجوب والإمكان عند المحققين لأن الوجوب مثلا لو كان موجودا لكان واجبا ضرورة أنه لو كان ممكنا لكان جائز الزوال نظرا إلى ذاته فلم يبق الواجب واجبا وهو محال لما سبق من امتناع الانقلاب والواجب ما له الوجوب فينقل الكلام إلى وجوبه ويلزم التسلسل في الأمور المرتبة الموجودة معا وهو محال وكذا الإمكان ولما كان هذا الدليل بعينه جاريا في الوجود والبقاء والقدم والحدوث والوحدة والكثرة والتعين والموصوفية واللزوم ونحو ذلك جعله صاحب التلويحات قانونا في ذلك فقال كل ما يكون نوعه متسلسلا ومترادفا أي كل ما يتكرر نوعه بحيث يكون أي فرد يفرض منه موصوفا بذلك النوع فيكون مفهومه تارة تمام حقيقته محمولا عليه بالمواطأة وتارة وصفا عارضا به محمولا عليه بالاشتقاق يلزم أن يكون اعتباريا لئلا يلزم التسلسل في الأمور الموجودة ولهذا لم تكن الأمور الموجودة متصفة بمفهوماتها فلم يكن السواد أسود والعلم عالما والطول طويلا ونحو ذلك فإن قيل لم لا يجوز أن يكون وجوب الوجوب مثلا عينه ونفس ماهيته لا أمرا زائدا عليه قائما به كبياض الجسم ليلزم التسلسل وكذا البواقي قلنا لأنه لو كان كذلك لكان محمولا عليه بالمواطاة ضرورة واللازم باطل لأن الوجوب إذا كان واجبا كان حمل الوجوب عليه بالاشتقاق دون المواطأة لأنه لا معنى للواجب إلا ما له الوجوب وأما إذا أريد أن الوجود موجود بمعنى أنه وجود والوجوب واجب بمعنى أنه وجوب والإمكان ممكن بمعنى أنه إمكان إلى غير ذلك فلم يكن له فائدة ولم يتصور فيه نزاع نعم يصح ذلك في الأمور الاعتبارية بأن يعتبر العقل له أوصافا متعددة تنقطع بانقطاع الاعتبار من غير تعدد في الخارج وقدره في المطارحات بوجه آخر يندفع عنه هذا المنع وهو أن الوجوب والإمكان والوجود والوحدة والكثرة والتعين ونحو ذلك حالها واحد في أنها أمور موجودة عندكم اعتبارية عندنا وكل موجود فله وحدة وتعين ووجوب أو إمكان وقدم أو حدوث فلو كان الإمكان مثلا موجودا لكان له وحدة موجودة لها إمكان موجود له وحدة موجودة وهلم جرا فيلزم التسلسل في وحدات الإمكان وإمكانات الوحدة التي هي أمور مترتبة مجتمعة في الوجود مع القطع بأن ليست الوحدة نفس الإمكان وكذا يلزم سلسلة من وجودات الإمكان وإمكانات الوجود وأخرى من تعينات الإمكان وإمكانات التعين وعلى هذا فقس ولما كان ههنا مظنة إشكال وهو أنا قاطعون بأن الباري تعالى موجود وواجب ومتعين وواحد وقديم وباق في الخارج لا في الذهن فقط وكذا إمكان الإنسان وحدوثه وكثرته ونحو ذلك أشار إلى الجواب بأن هذا لا يقتضي كون الوجوب والإمكان وغيرهما أمورا متحققة في الخارج لها صور عينية قائمة بالموضوعات كبياض الجسم لأن معنى قولنا الباري تعالى واجب في الخارج أنه بحيث إذا نسبه العقل إلى الوجود حصل له معقول هو الوجوب ومعنى قولنا الإنسان ممكن أنه إذا نسبه إلى الوجود حصل له معقول هو الإمكان ومعنى قولنا الشيء متعين أو واحد أو كثير أو قديم أو حادث في الخارج أنه بحيث إذا نسبه العقل إلى هذه المفهومات كانت النسبة بينهما الإيجاب لا السلب وهذا ما يقال أن انتفاء مبدأ المحمول في الخارج لا يوجب انتفاء الحمل في الخارج كما في قولنا زيد أعمى ( قال وقد يستدل ) كون الامتناع وصفا اعتباريا لا تحقق له في الأعيان مما لا نزاع فيه ولا حاجة إلى الاستدلال وأما الوجوب والإمكان فقد استدل على كونهما اعتباريين بوجوه

قسم V01/P119–V01/P121

الأول أنهما لو كانا موجودين لما صدقا على المعدوم ضرورة امتناع قيام الصفة الموجودة بالمعدوم واللازم باطل لأن الممتنع واجب العدم والمعدوم الممكن ممكن الوجود والعدم ومبناه على أن كلا من الوجوب والإمكان مفهوم واحد يضاف تارة إلى الوجود وأخرى إلى العدم ومع ذلك فقد اعترض بأن انتفاء بعض جزئيات المفهوم لا ينافي كونه وجوديا يوجد منه بعض الجزئيات كسائر الكليات الثاني لو كان الوجوب موجودا لزم إمكان الواجب وهو محال بالضرورة بيان اللزوم من وجهين أحدهما أن الوجوب إذا كان وصفا قائما موجودا بالواجب كان محتاجا إلى موصوفه ضرورة وكل محتاج إلى الغير فهو ممكن وكل ممكن فهو جائز الزوال نظرا إلى نفسه وإن كان لازم الوجود نظرا إلى غيره وزوال الوجوب عن الموجود يستلزم إمكانه ضرورة وثاينهما أن واجبية الواجب تكون للوجوب الممكن في نفسه ضرورة احتياجه إلى الموصوف وما يكون واجبيته لأمر ممكن لا يكون واجبا لذاته بل ممكنا بطريق الأولى لأن المحتاج إلى الواجب ممكن فكيف إلى الممكن والجواب أنا لا نسلم أن الوجوب ما به الواجبية بل نفسها وأن الوجوب على تقدير إمكانه يكون جائز الزوال في نفسه وإنما يكون كذلك لو لم يكن مقتضى ذات الواجب كالوجود ولا معنى للواجب إلا ما يكون وجوده ووجوبه وسائر صفاته لذاته وإن سميت كلا منها ممكنا في نفسه وأما الجواب بأن وجوب الواجب نفسه لا وصف له فضعيف لأن المتنازع هو الوجوب بمعنى ضرورة الوجود واقتضائه ولا خفاء في أنه إذا كان أمرا محققا موجودا كان زائدا في الذهن والخارج جميعا الثالث أن الوجوب لو كان موجودا لكان ممكنا لما مر فيحتاج إلى سبب متقدم عليه بالوجود والوجوب ضرورة أن الشيء مالم يكن موجودا واجبا بالذات أو بالغير لم يصلح سببا لوجود شيء آخر فذلك الوجوب إن كان نفس هذاالوجوب لزم تقدم الشيء على نفسه وإن كان غيره ينقل الكلام إليه ويتسلسل وفي هذاالتقرير دفع لما يقال أن وجوب الواجب بذات الواجب لا بوجوبه الرابع لو كان الإمكان موجودا وهو وصف عارض للممكن لزم تقدم وجود الممكن على الإمكان ضرورة تقدم المعروض على العارض ولو بالذات واللازم باطل للقطع بصحة قولنا أمكن فوجد دون العكس والجواب بأنه من عوارض الماهية دون الوجود فلا يلزم إلا تقدم الماهية بمعنى الاحتياج إليها مدفوع بأن المتنازع هو الإمكان الذي هو نسبة بين الممكن ووجوده فيكون متأخرا عنهما الخامس أن الإمكان لو كان موجودا لزم قيامه بالمعدوم أو بغير ما هو موصوف بالإمكان واللازم ضروري البطلان وجه اللزوم أن إمكان الشيء من أوصافه الذاتية ولا بد للوصف من محل يقوم به فقبل وجود الممكن يكون قيامه إما بالممكن المعدوم وهو الأمر الأول أو بغيره وهو الثاني والجواب أن الوصف الذاتي ما يكون مقتضى الذات ولا يلزم من كونها موجودة أن يوجد قبل الذات السادس أن الإمكان نسبة بين الممكن ووجوده فيكون متأخرا عنهما فقبل تحققه يكون الممكن إما واجبا أو ممتنعا وبعده يصير ممكنا وهو معنى الانقلاب فإن قيل فعلى تقدير كونه اعتباريا أيضا يكون متأخرا ويلزم المحال قلنا إذا لم يكن له تحقق في الخارج لم يكن بينه وبين الماهية تقدم وتأخر إلا بحسب العقل بمعنى أنه إذا لاحظ العقل الماهية والوجود والنسبة بينهما حصل له معقول عارض للماهية هو الإمكان من غير لزوم انقلاب لأن الماهية دائما بهذه الحيثية قال احتج المخالف قد سبقت إشارة إلى الفرق بين الموجود والوجودي والاعتباري والعدمي والتمسكات السابقة إنما دلت على أن ليس الوجوب والإمكان أمرين موجودين في الخارج من غير دلالة على كونهما وجوديين أو عدميين وتمسكات المخالف إنما تدل على أنهما ليسا عدميين من غير دلالة على كونهما موجوديين أو اعتباريين فالظاهر أنهما لم يتواردا على محل واحد إلا أنا اقتفينا أثر القوم

قسم V01/P121–V01/P122

فالوجه الأول من تمسكات المخالف وهو مختص بالوجوب أنه لو كان عدميا لزم كون العدم مؤكدا للوجود ومقتضيا لثباته ضرورة أن الوجوب تأكد الوجود واقتضاؤه واللازم باطل لأن العدم مناف للوجود فكيف يؤكده والجواب أنه ليس عدما محضا ليس له شائبة الوجود بل هو أمر اعتباري مفهومه ضرورة الوجود واقتضاؤه فيصلح مؤكدا له الثاني أن الوجوب والإمكان لو كانا عدميين لزم ارتفاع النقيضين لأن نقيضيهما أعني اللاوجوب واللاإمكان أيضا عدميان لصدقهما على الممتنع مع القطع بأن الوجودي لا يصدق على المعدوم وكون النقيضين عدميين هو معنى ارتفاعهما والجواب أن صدق الشيء على المعدوم لا ينافي كونه مفهوما يوجد بعض أفراده كاللاإنسان الصادق على الممتنع وعلى الفرس ونحن لا نعنى بالموجود والوجودي ما يكون جميع أفراده الممكنة موجودة البتة ولو سلم فلا نسلم استحالة كون النقيضين عدميين كيف وهو واقع كالامتناع واللاامتناع والعمى واللاعمى وما ذكر من أنه ارتفاع النقيضين ممنوع بل معنى ارتفاع النقيضين في المفردات أن لا يصدقا على شيء حتى لو لم يصدق الوجوب واللاوجوب على شيء بل كانا مسلوبين عنه كان ذلك ارتفاعا للنقيضين وليس معناه خلو النقيضين عن الوجود والثبوت في نفسهما بأن يكون الامتناع معدوما وكذا اللاامتناع لصدقه على المعدوم الممكن فإن استحالة ذلك ممنوعة نعم ارتفاع النقيضين في القضايا هو أن لا تصدق القضيتان المتناقضتان في أنفسهما ولا يثبت مدلولاهما بأن يكذب قولنا هذا ممكن وهذا ليس بممكن وهذا كسائر النسب من المساواة والعموم والخصوص والمباينة فإنها في المفردات تكون باعتبار صدقها على الشيء وفي القضايا باعتبار صدقها في نفسها وثبوت مدلولاتها مثلا إذا قلنا الإنسان أخص من الحيوان فمعناه أن كل ما صدق عليه الإنسان صدق عليه الحيوان من غير عكس وإذا قلنا الضرورية أخص من الدائمة فمعناه أنه كلما صدقت الضرورية في نفس الأمر صدقت الدائمة من غير عكس بمعنى أن كل موضوع ومحمول يصدق بينهما الإيجاب الضروري يصدق بينهما الإيجاب الدائمي وليس كل موضوع ومحمول يصدق بينهما الإيجاب الدائمي يصدق بينهما الإيجاب الضروري الثالث لو كان الوجوب والإمكان عدميين لا تحقق لهما إلا بحسب العقل لزم أن لا يكون الواجب واجبا والممكن ممكنا إلا عند فرض العقل واعتباره وصفي الوجود والإمكان لأن ما لا تحقق له إلا باعتبار العقل لا يقع وصفا للشيء إلا باعتباره واللازم باطل للقطع بأن الواجب واجب والممكن ممكن سواء وجد فرض العقل أو لم يوجد والجواب أنا لا نسلم الملازمة لجواز أن يكون المحمول مما لا تحقق له إلا في العقل ويكون صدقه على الموضوع دائما بل ضروريا في نفس الأمر كقولنا اجتماع النقيضين معدوم وممتنع فإن هذا الحكم ضروري صادق في نفس الأمر مع أنه لا تحقق للعدم والامتناع إلا بحسب العقل فكذا ههنا الوجوب والإمكان عدميان والحكم بأن الشيء واجب أو ممكن ضروري بمعنى أنه في نفس الأمر بحيث إذا نسبه العقل إلى الوجود حصل معقول هو الوجوب أو الإمكان

قسم V01/P122–V01/P123

الرابع أنهما لو كانا عدميين لزم سلب الوجوب عن الواجب والإمكان عن الممكن بحسب الخارج سواء وجد اعتبار العقل أو لم يوجد لأن العدم في نفسه عدم بالنسبة إلى كل شيء وهذا معنى قولهم إمكانه لا في معنى لا إمكان له والجواب المنع فإن معنى قولنا إمكانه لا أن ذلك الوصف الصادق على الموضوع عدمي ومعنى لا إمكان له أنه لا يصدق عليه ذلك الوصف كما صدق العدم والامتناع فإن بنى ذلك على أنه لا تمايز في الإعدام أجيب بأن التمايز العقلي ضروري وهو كاف فإن قيل ثبوت الشيء للشيء فرع ثبوته في نفسه فما لا يكون ثابتا في نفسه لا يكون ثابتا لغيره قلنا نعم بمعنى حصوله للشيء في الخارج كبياض الجسم وأما بمعنى الحمل على الشيء والصدق عليه كما في قولنا زيد أعمى والعنقاء لا موجود واجتماع النقيضين ممتنع فلا فإن الأوصاف الصادقة على الشيء بعضها ثبوتية وبعضها سلبية قال المبحث الخامس من خواص الممكن أنه يحتاج في وجوده وعدمه إلى سبب وأنه لا يترجح أحد طرفيه إلا لمرجح ولتلازم هذين المعنيين بل لتقارب مفهوميهما جدا قد يجعل الثاني تفسيرا للأول والجمهور على أن هذا الحكم ضروري بعد تلخيص معنى الموضوع والمحمول من غير أن يفتقر إلى برهان فإن معنى الممكن مالا يقتضي ذاته وجوده ولا عدمه ومعنى الاحتياج أن كلا من وجوده وعدمه يكون لا لذاته بل لأمر خارج فإن قيل يحتمل أن لا يكون لذاته ولا لأمر خارج بل لمجرد الاتفاق قلنا هذا مما يظهر بطلانه بأدنى التفات ولهذا يحكم به من لا يتأتى منه النظر والاستدلال ثم اختلاف البعض في نفس الحكم أو في بداهته والتفاوت بينه وبين قولنا الواحد نصف الاثنين لا ينافي البداهة على ما سبق وأما ما ذهب إليه الكثيرون من أن الله تعالى خلق العالم في وقت دون سائرالأوقات من غير مرجح وخصص أفعال المكلفين بأحكام مخصوصة من غير أن يكون فيها ما يقتضي ذلك وأن قدرة القادر قد تتعلق بالفعل أو الترك من غير مرجح فليس من ترجح الممكن بلا مرجح بل من ترجيح المختار أحد المتساويين من غير مرجح ونحن لا نقول بامتناعه فضلا عن أن يكون ضروريا وإلى هذا يستند عندنا اختلاف حركات الكواكب ومواضعها وأوضاعها وأما الفلاسفة القائلون بالإيجاب دون الاختيار فلا يلتزمون وقوع تلك الاختلافات والاختصاصات بلا سبب بل يعترفون باستنادها إلى أسباب فاعلية لا اطلاع على تفاصيلها ففي الجملة لم يقل أحد ممن يعتد به بوقوع الممكن بلا سبب قال والاستدلال القائلون بأن الحكم بامتناع الترجح بلا مرجح كسبي استدلوا عليه بوجهين الأول أن الإمكان يستلزم تساوي الوجود والعدم بالنسبة إلى ذات الممكن وهذا معنى اقتضاء ماهية الممكن لتساوي الطرفين ووقوع أحدهما بلا مرجح يستلزم رجحانه وهما متنافيان والجواب أن التساوي بالنظر إلى الذات إنما ينافي الرجحان بحسب الذات وهو غير لازم فإن قيل الترجح إذا لم يكن بالغير كان بالذات ضرورة أنه لا ثالث قلنا نفس المتنازع لجواز أن يقع بحسب الاتفاق من غير سبب

قسم V01/P123–V01/P127

الثاني أن الممكن مالم يترجح لم يوجد وترجحه أمر حدث بعد أن لم يكن فيكون وجوديا ولا بد له من محل وليس هو الأثر لتأخره عن الترجح فيكون هو المؤثر لعدم الثالث فلا بد منه والجواب أن الترجح مع الوجود لا قبله إذ لا يتصور رجحان الوجود مع كون الواقع هو العدم ولو سلم فقيام ترجح وجود الممكن أو عدمه بالمؤثر ضروري البطلان والمذكور في كلام الإمام مكان الترجح الوجوب وهما متلازمان بناء على أن أحد الطرفين يمتنع وقوعه مع التساوي فكيف مع المرجوحية فالراجح لا يكون إلا واجبا وهذا الوجوب متقدم على الوجود على ما سيجيء من أن وجود الممكن محفوف بوجوبين سابق ولاحق وهو نسبة بين المؤثر والأثر يسمى من حيث الإضافة إلى المؤثر إيجابا وإلى الأثر وجوبا فمنع سبقه على الوجود وكونه وصفا للمؤثر ليس بسديد سيما وقد قال الإمام في المباحث المشرقية أنه على تقدير كونه ثبوتيا فمعنى عروضه للمؤثر أنه يصير محكوما عليه بوجوب أن يصدر عنه ذلك الأثر فالأولى منع كونه أمرا محققا مفتقرا إلى ما يقوم به في الخارج بل هو أمر عقلي قائم بالمتصور من الممكن عند الحكم بحدوثه قال ومن أقوى شبه المنكرين ذكر الإمام من جانب المنكرين لامتناع وقوع الممكن بلا سبب كذيمقراطيس وأتباعه القائلين بأن وجود السموات بطريق الاتفاق شبها منها أنه لو احتاج الممكن إلى مؤثر فتأثيره فيه إما أن يكون حال وجوده وهو إيجاد للموجود وتحصيل للحاصل أو حال عدمه وهو جمع بين النقيضين أعني العدم الذي كان والوجود الذي حصل وما ذكر في المواقف من أن كون التأثير حال العدم باطل لأنه جمع بين النقيضين ولأن العدم نفي صرف فلا يصلح أثرا ولأنه مستمر فلا يستند إلى مؤثر الوجود ليس على ما ينبغي لأن الكلام في التأثير بمعنى الإيجاد وإلا لما صح أن التأثير حال الوجود إيجاد الموجود وحال العدم جمع النقيضين على أن الوجه الثالث ليس بتام لأن العدم ربما يكون حادثا لا مستمرا لا يقال في الكلام اختصار والمراد أن التأثير أعم من الإيجاد والأعدام إما حال الوجود وهو باطل لأنه إيجاد الموجود ولأن العدم نفي محض وأما حال العدم وهو باطل لأنه جمع النقيضين ولأن العدم نفي محض لأنا نقول لو أريد ذلك لم يكن لقوله فلا يستند معنى الوجود إلى مؤثر لأن العدم على تقدير كونه أثرا إنما يستند إلى مؤثر العدم لا الوجود وبهذا تبين أن ليس قوله ولأنه نفي محض أو قوله ولأنه مستمر ابتداء شبهة على نفي التأثير بمعنى أن الممكن لو احتاج إلى مؤثر في وجوده لاحتاج إليه في عدمه وهو باطل لأنه نفي محض ولأنه مستمر كيف وقد أورد بعد ذلك هذه الشبهة بعينها والمذكور في كلام الإمام أن التأثير حال العدم باطل لأنه لا أثر حينئذ فلا تأثير لأنه إما عين الأثر أو ملزومه بناء على كون المعلول متأخرا عن العلة مع العلة بحسب الزمان والجواب أنا نختار أن التأثير حال الوجود فإن أريد بإيجاد الموجود الموجود بالوجود الحاصل بهذا الإيجاد فلانم استحالته كما في القابل فإن السواد قائم بالجسم الأسود بهذا السواد وإن أريد بوجود آخر سابق فلانم لزومه فإن الوجود الحاصل بالتأثير مقارن له وقد يختار أن التأثير حال العدم ولا جمع بين النقيضين لأن الأثر عقيب آن التأثير بناء على أن المؤثر سابق على الأثر بالزمان أيضا ومعنى امتناع التخلف أنه لا يتخللهما آن وكان هذا مراد من أجاب بأن وجود المؤثر يستتبع وجود الأثر على معنى أن وجود الأثر يحصل عقيب وجود المؤثر بصفة المؤثرية وهو معنى التأثير فيكون في آن عدم الأثر ويكون معنى تأثيره في الممكن إخراجه من العدم إلى الوجود ومنها أنه لو امتنع وقوع الممكن بلا مؤثر وترجحه بلا مرجح لما وقع واللازم باطل بحكم الضرورة في مثل العطشان يشرب أحد المائين والجائع يأكل أحد الرغيفين والهارب من السبع يسلك أحد الطريقين مع فرض التساوي وعدم المرجح والجواب بعد تسليم عدم المرجح عند العقل أصلا أن هذا ليس من وقوع الممكن بلا سبب وترجح أحد طرفيه بلا مرجح بل من ترجيح المختار أحد الأمرين المتساويين من غير مرجح ومخصص وهو غير المتنازع فإن قيل هذا الاختيار والترجيح أمر ممكن وقع بلا سبب وفيه المطلوب قلنا ممنوع بل إنما وقع بالإرادة التي من شأنها الترجيح والتخصيص ومنها أنه لو احتاج الممكن في وجوده إلى المؤثر لاحتاج إليه في عدمه لتساويهما واللازم باطل لأن العدم نفي محض لا يصلح أثرا والجواب أن العدم إن لم يصلح أثرا منعنا الملازمة لجواز أن يتساوى الوجود والعدم بالنظر إلى ذات الممكن لكن لا يحتاج العدم إلى المؤثر لعدم صلوحه لذلك بخلاف الوجود فإن المقتضى فيه سالم عن المانع وإن صلح أثرا منعنا بطلان اللازم وهو ظاهر وتحقيقه أنه وإن كان نفيا صرفا بمعنى أنه ليس له شائبة الوجود العيني لكن ليس نفيا صرفا بمعنى أن لا يضاف إلى ما يتصف بالوجود بل هو عدم مضاف إلى الممكن الوجود فيستند إلى عدم علة وجوده بمعنى احتياجه إليه عند العقل حيث يحكم بأنه إنما بقي على عدمه الأصلي أو اتصف بعدمه الطاري بناء على عدم علة وجوده مستمرا أو طارئا فإن قيل العدم لا يصلح علة لأن العلة وجودية لكونها نقيض اللاعلية العدمية فيفتقر إلى موصوف وجودي ولأنه لا تمايز في الأعدام فلا يصلح بعضها علة وبعضها معلولا قلنا مجرد صورة السلب أو الصدق على المعدوم في الجملة لا يقتضي كون المفهوم الكلي عدميا بجميع جزئياته ولو سلم فنقيض العدمي لا يلزم أن يكون وجوديا وقد سبق مثل ذلك وعدم تمايز الأعدام ممنوع والتحقيق أن تساوي طرفي الممكن ليس إلا في العقل فالمرجح لا يكون إلا عقليا وعدم العلة أو عدم الممكن ليس نفيا صرفا بل كل منهما ثابت في العقل ممتاز عن الآخر فيصلح أحدهما علة للآخر في حكم العقل ولا يلزم منه صلوح عليته للوجود ليلزم انسداد باب إثبات الصانع لأن ذلك إنما يكون بحسب الخارج ومنها أن الممكن لو احتاج إلى مؤثر فتأثيره إما في ماهية الممكن أو وجوده أو موصوفيته بالوجود إذ لا يعقل غير ذلك والكل باطل لما مر في نفي شيئية المعدوم ومجعولية الماهية من أن الماهية ماهية والوجود وجود والموصوفية موصوفية سواء وجد الغير أو لم يوجد وأن الوجود حال لا تأثير فيه وأن الموصوفية أمر اعتباري لا تحقق له في الأعيان والجواب أن التأثير في الماهية بأن يجعلها متحققة لا بأن يجعلها ماهية أو في الوجود الخاص بأن يحصله للماهية لا بأن يجعله وجودا ومنها أنه لو وجدت مؤثرية المؤثر في الممكن أو احتياج الممكن إليه لكان كل منهما أمرا ممكنا له مؤثر واحتياج ويتسلسل ولا يندفع بأن مؤثرية المؤثر في الممكن واحتياج الاحتياج عينه لأن ذلك يمتنع في الأمور التي بها تحقق في الأعيان والجواب أن كون المؤثرية أو الاحتياج اعتباريا لا ينافي كون المؤثر مؤثرا والممكن محتاجا على ما سبق غير مرة وما يقال من أنه لو حصل في العقل دون الخارج كان جهلا لانتفاء المطابقة وأن كلا منهما صفة قبل الأذهان فيستحيل قيامها بالذهن فجوابه أن عدم المطابقة للخارج إنما يكون جهلا إذا حكم العقل بالثبوت في الخارج ولم يثبت وأن الحاصل قبل الأذهان هو كون الشيء بحيث إذا تعقله الذهن حصل فيه معقول هو المؤثرية أو الحاجة قال المبحث السادس قد سبق أن الممكن محتاج إلى السبب إلا أن ذلك عند الفلاسفة وبعض المتكلمين لإمكانه وعند قدماء المتكلمين لحدوثه وقيل لإمكانه مع الحدوث وقيل بشرط الحدوث احتجت الفلاسفة على دعواهم بأن العقل إذا لاحظ كون الشيء غير مقتضي الوجود أو العدم بالنظر إلى ذاته حكم بأن وجوده أو عدمه لا يكون إلا بسبب خارج وهو معنى الاحتياج سواء لاحظ كونه مسبوقا بالعدم أو لم يلاحظ واحتجوا على إبطال مذهب المخالف بأن الحدوث وصف للوجود ومتأخر عنه لكونه عبارة عن مسبوقية الوجود بالعدم والوجود متأخر عن تأثير المؤثر وهو عن الاحتياج إليه وهو عن علة الاحتياج وجزئها وشرطها فلو كان الحدوث علة للاحتياج أو جزءها أو شرطها لزم تأخر الشيء عن نفسه بمراتب وعارضهم بعض المتكلمين فقالوا سبب الاحتياج هو الحدوث لأن الفعل إذا لاحظ كون الشيء مما يوجد بعد العدم حكم باحتياجه إلى علة تخرجه من العدم إلى الوجود وإن لم يلاحظ كونه غير ضروري الوجود والعدم ولا يجوز أن يكون هو الإمكان لأنه كيفية لنسبة الوجود إلى الماهية فيتأخر عن الوجود المتأخر عن التأثير المتأخر عن الاحتياج إلى المؤثر والحق أن هذه العلة إنما هي بحسب العقل بمعنى أنه يلاحظ الإمكان أو الحدوث فيحكم بالاحتياج كما يقال علة الحصول في الحيز هو التحيز لا بحسب الخارج بأن يتحقق الإمكان أو الحدوث فيوجد الاحتياج وبهذا يظهر أن كلام الفريقين في الإبطال مغالطة وأما في الإثبات فكلام المتأخرين أظهر وبالقبول أجدر واعترض بأنه لو كان علة الاحتياج إلى المؤثر هو الإمكان أو الحدوث وهما لازمان للممكن والحادث لزم احتياجهما حالة البقاء لدوام المعلول بدوام العلة واللازم باطل لأن التأثير حينئذ إما في الوجود وقد حصل بمجرد وجود المؤثر فيلزم تحصيل الحاصل بحصول سابق وإما في البقاء أو في أمر آخر متجدد وهو تأثير في غير الباقي أعني الممكن والحادث فيلزم استغناؤهما عن المؤثر وفي كون الإمكان علة الاحتياج فساد آخر وهو احتياج الممكن إلى المؤثر حال عدمه السابق مع أنه نفي محض أزلي لا يعقل له مؤثر والجواب أن معنى احتياج الممكن أو الحادث إلى المؤثر توقف حصول الوجود له أو العدم أو استمرارهما على تحقق أمر أو انتفائه بمعنى امتناعه بدون ذلك وهو معنى دوام الأثر بدوام المؤثر وإذا تحققت فاستمرار الوجود أعني البقاء ليس إلا وجودا مأخوذا بالإضافة إلى الزمان الثاني وصحة قولنا وجد فلم يبق ولم يستمر لا يدل إلا على مغايرة ا لبقاء لمطلق الوجود ولا نزاع في ذلك قال المبحث السابع الجمهور على أن وجود الممكن وعدمه بالنظر إلى ذاته على السواء لا أولوية لأحدهما عن الآخر وقيل العدم أولى بالممكن جوهرا كان أو عرضا زايلا أو باقيا لتحققه بدون تحقق سبب مؤثر ولحصوله بانتفاء شيء من أجزاء العلة التامة للوجود المفتقر إلى تحقق جميعها ورد بأن الممكن كما يستند وجوده إلى وجود العلة يستند عدمه إلى عدمها ولا معنى لعدم المركب سوى أن لا يتحقق جميع أجزائه سواء تحقق البعض أو لم يتحقق وهذا القدر لا يقتضي أولوية العدم بالنظر إلى ذات الممكن بمعنى أن يكون له نوع اقتضاء للعدم وقيل العدم أولى بالأعراض السيالة كالحركة والزمان والصوت وصفاتها بدليل امتناع البقاء عليها والذي يقتضيه النظر الصائب أنه إن أريد بأولوية الوجود أوالعدم ترجحه بالنظر إلى ذات الممكن بحيث يقع بلا سبب خارج فبطلانه ضروري لأنه حينئذ يكون واجبا أو ممتنعا لا ممكنا فإن قيل هذا إنما يلزم لو لم يكن وقوع الطرف الآخر بمرجح خارجي قلنا فيتوقف وقوع الطرف الأولي إلى عدم المرجح الخارجي وإن أريد بالأولوية كونه أقرب إلى الوقوع لقلة شروطه وموانعه وكثرة اتفاق أسبابه فهذه أولوية بالغير لا بالذات وهو ظاهر وإن أريد أن الممكن قد يكون بحيث إذا لاحظه العقل وجد فيه نوع اقتضاء للوجود أو العدم لا إلى حد الوجوب ليلزم كونه واجبا أو ممتنعا فلا يظهر امتناعه واستدل الجمهور على امتناعه بوجوه

قسم V01/P127

الأول أنه لو كان أحد الطرفين أولى بالممكن نظر إلى ذاته فمع تلك الأولوية إما أن يمتنع وقوع الطرف الآخر فيكون الطرف الأولي واجبا لذات الممكن فلا يكون ممكنا بل واجبا أو ممتنعا هذا خلف وإما أن يمكن وحينئذ فوقوعه إما أن يكون بلا سبب يرجحه فيلزم ترجح المرجوح أعني الطرف الغير الأولي أو يكون بسبب يفيد رجحانه فيكون وقوع الطرف الأولي متوقفا على عدم ذلك السبب فلا يكون أولى بالنظر إلى ذات الممكن بل مع عدم ذلك السبب هذا خلف والجواب أنه لا يلزم من توقف الوقوع على أمر توقف الأولوية عليه حتى يلزم كونها غير ذاتية وذلك لأن التقدير أن المراد بها رجحان ما لا إلى حد الوجوب الثاني أن الممكن يقتضي تساوي الوجود والعدم بالنظر إلى ذاته لما أن كلا منهما لا يكون إلا بالغير فلو اقتضى أحدهما لذاته لزم اجتماع المتنافيين أعني اقتضاء التساوي ولا اقتضاءه والجواب أنا لانم أن الممكن يقتضي تساوي الطرفين بل لا يقتضي وقوع أحدهما وهو لا ينافي اقتضاء أحدهما لا إلى حد الوجوب والوقوع على ما هو المراد بالأولوية

قسم V01/P127–V01/P131

الثالث أنه لو كان أحد الطرفين أولى لذات الممكن فإما أن يمكن زوال تلك الأولوية بسبب أو لا فإن أمكن لم تكن الأولوية ذاتية لتوقفها على عدم ذلك السبب ولأن ما بالذات لا يزول بالغير وإن لم يمكن كان الطرف الأولي ضروريا لذات الممكن فلم يكن ممكنا بل واجبا إن كان هو الوجود وممتنعا إن كان هو العدم والجواب أنه لا يلزم من امتناع زوال أولوية الوجود أو العدم بالمعنى الذي ذكرنا وقوعه فضلا عن كونه ضروريا ليلزم وجوب الممكن أو امتناعه وذلك لأنه يجوز أن يقتضي ذات الممكن الوجود اقتضاء مالا إلى حد الوجوب والوقوع ويقع العدم باقتضاء أسباب خارجية تنتهي إلى حد الوجوب والوقوع أو بالعكس وتكون ا لأولوية الذاتية بحالها باقية غير زائلة قال إذ لا بد من ذلك يعني أنه لا يكفي في الوقوع مجرد الأولوية بل لا بد من انتهائها إلى حد الوجوب بأن يصير الطرف الآخر ممتنعا بالغير إذ لو جاز وقوعه أيضا لكان وقوع الطرف الأول تارة ولا وقوعه أخرى مع استواء الحالين حيث لم يوجد إلا مجرد الأولوية ترجحا بلا مرجح فالممكن يجب صدوره عن العلة ثم يوجد وهذا وجوب سابق وبعدما وجد يمتنع عدمه ضرورة امتناع الوجود والعدم وهذا وجوب لاحق يسمى الضرورة بشرط المحمول فإن قيل سبق الوجوب على الوجود غير معقول أما بالزمان فظاهر وأما بالذات بمعنى الاحتياج إليه فلأنه إما أن يراد الاحتياج في الوجود العيني وهو باطل لأن الوجوب والوجود ليسا أمرين متميزين في الخارج يتوقف أحدهما على الآخر ولو كان فالوجوب صفة للوجود فيكون متأخرا عنه لا متقدما أو في الوجود الذهني وهو أيضا باطل لظهور أنه لا يتوقف تعقل الوجود على تعقل الوجوب بل ربما يكون بالعكس قلنا المراد السبق بمعنى الاحتياج في اعتبار العقل عند ملاحظة هذه المعاني واعتبار الترتيب فيما بينهما فإنه يحكم قطعا بأنه مالم يتحقق علة الممكن لم يجب هو وما لم يجب لم يوجد فإن قيل حكم العقل بهذا الترتيب باطل لأنه لا وجوب بالنسبة إلى العلة الناقصة بل التامة والوجوب إذا كان مما يتوقف عليه الوجود كان جزأ من العلة التامة فيكون متقدما عليها لا متأخرا قلنا جزء العلة التامة ما يتوقف عليه المعلول في الخارج لا في اعتبار العقل ولو سلم فالوجوب يعتبر بالنسبة إلى علة ناقصة هي جميع ما يتوقف عليه الوجود سوى الوجوب فإن قيل ما ذكرتم من كون وجود الممكن مسبوقا بالوجوب لا يصح فيما يصدر عن الفاعل بالاختيار لأن الوجوب ينافي الاختيار وحينئذ ينتقض دليلكم قلنا إذا كان الاختيار من تمام العلة لم يتحقق الوجوب إلا بعد تحقق الاختيار وكون المعلول واجبا بالاختيار لا ينافي كونه مختارا بل يحققه قال المنهج الثالث في القدم والحدوث والمتصف بها حقيقة هو الوجود وأما الموجود فباعتباره وقد يتصف بهما العدم فيقال للعدم الغير المسبوق بالوجود قديم وللمسبوق حادث ثم كل من القدم والحدوث قد يوجد حقيقيا وقد يوجد إضافيا أما الحقيقي فقد يراد بالقدم عدم المسبوقية بالغير وبالحدوث المسبوقية به ويسمى ذاتيا وقد يخص الغير بالعدم فيراد بالقدم عدم المسبوقية بالعدم وبالحدوث المسبوقية به وهو معنى الخروج من العدم إلى الوجود ويسمى زمانيا وهذا هو المتعارف عند الجمهور وأما الإضافي فيراد بالقدم كون ما مضى من زمان وجود الشيء أكثر وبالحدوث كونه أقل فالقدم الذاتي أخص من الزماني والزماني من الإضافي بمعنى أن كل ما ليس مسبوقا بالغير أصلا ليس مسبوقا بالعدم ولا عكس كما في صفات الواجب وكل ما ليس مسبوقا بالعدم فما مضى من زمان وجوده يكون أكثر بالنسبة إلى ما حدث بعده ولا عكس كالأب فإنه أقدم من الابن وليس قديما بالزمان والحدوث الإضافي أخص من الزماني والزماني من الذاتي بمعنى أن كل ما يكون زمان وجوده الماضي أقل فهو مسبوق بالعدم ولا عكس وكل ما هو مسبوق بالعدم فهو مسبوق بالغير ولا عكس قال لا قديم بالذات سوى الله تعالى لما سيأتي من أدلة توحيد الواجب وما وقع في عبارة بعضهم أن صفات الله تعالى واجبة أو قديمة بالذات فمعناه بذات الواجب بمعنى أنها لا تفتقر إلى غير الذات وأما القديم بالزمان فجعله الفلاسفة شاملا لكثير من الممكنات كالمجردات والأفلاك وغير ذلك على ما سيأتي والمتكلمون منا لصفات الله تعالى فقط حيث يبنوا أن ما سوى ذات الله تعالى وصفاته حادث بالزمان وأما المعتزلة فقد بالغوا في التوحيد فنفوا القدم الزماني أيضا عما سوى ذات الله تعالى ولم يقولوا بالصفات الزائدة القديمة إلا أن القائلين منهم بالحال اثبتوا لله تعالى أحوالا أربعة هي العالمية والقادرية والحيية والموجودية وزعموا أنها ثابتة في الأزل مع الذات وزاد أبو هاشم حالة خامسة علة للأربعة مميزة للذات هي الإلهية فلزمهم القول بتعدد القدماء وهذا تفصيل ما قال الإمام في المحصل أن المعتزلة وإن بالغوا في إنكار ثبوت القدماء لكنهم قالوا به في المعنى لأنهم قاولا الأحوال الخمسة المذكورة ثابتة في الأزل مع الذات فالثابت في الأزل على هذا القول أمور قديمة ولا معنى للقديم إلا ذلك واعترض عليه الحكيم المحقق بأنهم يفرقون بين الوجود والثبوت ولا يجعلون الأحوال موجودة بل ثابتة فلا تدخل فيما ذكره الإمام من تفسير القديم بما لا أول لوجوده إلا أن يغير التفسير ويقول القديم مالا أول لثبوته وكان في قول الإمام ولا معنى للقديم إلا ذلك دفعا لهذا االاعتراض أي لا نعني بالوجود إلا ما عنوا بالثبوت فلا فرق في المعنى بين قولنا لا أول لوجوده ولا أول لثبوته حتى لو نوقش في اللفظ غيرنا الوجود إلى الثبوت وما نقل في المواقف عن الإمام أن الأحوال الأربعة هي الوجود والحياة والعلم والقدرة فلا يخلو عن تسامح ( قال والقديم بالزمان يمتنع استناده إلى المختار ) يعني أن أثر المؤثر المختار لا يكون إلا حادثا مسبوقا بالعدم لأن القصد إنما يتوجه إلى تحصيل ما ليس بحاصل وهذا متفق بين الفلاسفة والمتكلمين والنزاع فيه مكابرة وما نقل في المواقف عن الآمدي أنه قال سبق الإيجاد قصدا كسبق الإيجاد إيجابا في جواز كونهما بالذات دون الزمان وفي جواز كون أثرهما قديما فلا يوجد في كتاب الأبكار إلا ما قال على سبيل الاعتراض من أنه لا يمتنع أن يكون وجود العالم أزليا مستندا إلى الواجب تعالى ويكونان معا في الوجود لا تقدم إلا بالذات كما في حركة اليد والخاتم وهو لا يشعر بابتنائه على كون الواجب مختارا لا موجبا ولذا مثل بحركة اليد والخاتم واقتصر في الجواب على دفع السند قائلا لا نسلم استناد حركة الخاتم إلى حركة اليد بل هما معلولان لأمر خارج نعم صرح في شرح الإشارات بأن الفلاسفة لم يذهبوا إلى أن القديم يمتنع أن يكون فعلا لفاعل مختار ولا إلى أن المبدأ الأول ليس بقادر مختار بل إلى أن قدرته واختياره لا يوجبان كثرة في ذاته وأن فاعليته ليست كفاعلية المختارين من الحيوان ولا كفاعلية المجبورين من ذوي الطبائع الجسمانية وإلى أنه أزلي تام في الفاعلية وأن العالم أزلي مستند إليه وأنت خبير بأن هذا احتراز عن شناعة نفي القدرة والاختيار عن الصانع وإلا فكونه عندهم موجبا بالذات لا فاعلا بالاختيار أشهر من أن يمنع قال دون الموجب أي لو أمكن مؤثر قديم موجب بالذات على ما يدعيه الفلاسفة لم يمتنع استناد الأثرالقديم إليه بل وجب أن يكون معلوله الأول وسائر ما يصدر عنه بالذات أو بالوسائط القديمة قديما وإلا لكان وجوده بعد ذلك ترجحا بلا مرجح حيث لم يوجد في الأزل ووجد فيما لا يزال مع استواء الحالين نظراإلى تمام العلة واستدل الإمام على امتناع استناد القديم إلى الموجب أيضا بأن تأثيره في شيء يمتنع أن يكون حال بقائه وإلا يلزم إيجاد الموجود فتعين أن يكون حال حدوثه أو عدمه فيكون حادثا لا قديما وجوابه ما سبق أن الممتنع إيجاد الموجود بوجود حاصل بغير هذا الإيجاد وهو غير لازم وأن معنى تأثيرالمؤثر في الشيء وإيجاده إياه حال بقائه هو أن وجوده يفتقر إلى وجود المؤثر ويدوم بدوامه من غير أن يكون هناك تحصيل مالم يكن حاصلا ليلزم حدوثه ( قال فالقديم يمتنع عدمه ) لما امتنع استناد القديم إلى الفاعل بالاختيار فما ثبت قدمه يمتنع عدمه لأنه إما واجب لذاته وامتناع عدمه ظاهر وإما ممكن مستند إلى الواجب بطريق الإيجاب إما بلا واسطة كمعلوله الأول أو بوسائط قديمة كالثاني والثالث لما سيأتي من امتناع التسلسل وأيا ما كان يمتنع عدمه لأنه لما كان من مقتضيات ذات الواجب ولوازمه بوسط أو بغير وسط لزم من إمكان عدمه إمكان عدم الواجب وهو محال فإن قيل لم لا يجوز أن يتوقف صدوره عن الموجب على شرط حادث قلنا لأنه حينئذ يكون حادثا والكلام في القديم فإن قيل فالقديم إذا امتنع عدمه كان واجبا لا ممكنا قلنا امتناع عدم الشيء لا ينافي إمكانه الذاتي لجواز أن لا يكون ذلك لذاته بل لتمام علته الموجبة فعندنا لما كان الواجب فاعلا بالاختيار لا موجبا بالذات لم يكن شيء من معلولاته قديما ممتنع العدم وإنما ذلك على رأي الفلاسفة فإن قيل صفات الواجب عندكم موجودات قديمة فيمتنع استناده إليه بطريق الاختيار ويتعين الإيجاب قلنا علة الاحتياج إلى المؤثر عندنا الحدوث لا الإمكان وصفات الواجب وإن كانت مفتقرة إلى ذاته لا تكون آثارا له وإنما يمتنع عدمها لكونها من لوازم الذات ولو سلم فالتأثير والتأثر إنما يكونان بين المتغايرين ولا تغاير ههنا وسيجيء لهذا زيادة بيان قال زعمت الفلاسفة أن كل حادث أي موجود بعدم العدم مسبوق بمادة ومدة وعنوا بالمادة ما يكون موضوعا للحادث إن كان عرضا أو هيولاه إن كان صورة أو متعلقة إن كان نفسا وبالمدة الزمان وبنوا على ذلك قدم المادة والزمان لا بمعنى أن محل هذا السواد وبدن هذه النفس مثلا قديم لظهور استحالته ولا بمعنى أن قبل كل مادة مادة لا إلى بداية كما في الحركة والزمان لأنه يستلزم اجتماع المواد الغير المتناهية في الوجود ضرورة أن كلا منها جزء مما يتركب عنها وهو محال لما سيأتي بخلاف الحركة والزمان فإنهما على التجدد والانقضاء بل بمعنى أنه لا بد أن يكون للمركب مادة بسيطة قديمة هي الحاصل للصور والأعراض الحادثة إذ لو كانت حادثة لكانت لها مادة أخرى وتسلسل واحتجوا على ثبوت المادة بأن الحادث قبل وجوده ممكن لامتناع الانقلاب وكل ممكن فله إمكان وهو وجودي لما سبق من الأدلة وليس بجوهر لكونه إضافيا بحقيقته فيكون عرضا فيستدعي محلا موجودا ليس هو نفس ذلك الحادث لامتناع تقدم الشيء على نفسه ولا أمرا منفصلا عنه لأنه لا معنى لقيام إمكان الشيء بالأمر المنفصل عنه بل متعلقا به وهو المعنى بالمادة وما توهم من أن إمكان الشيء هو اقتدار الفاعل عليه فيكون قائما بالفاعل فاسد لأنه معلل بالإمكان وعدمه بعدمه فيقال هذا مقدور لكونه ممكنا وذاك غير مقدور لكونه ممتنعا ولأنه لا يكون إلا بالقياس إلى القادر بخلاف الإمكان فإن قيل الدليل منقوض بالممكن القديم كالمواد والمجردات فإنها ممكنة ولا مادة لها قلنا إمكاناتها قائمة بها إذ ليس للقديم حالة ما قبل الوجود حتى يكون هناك إمكان يستدعي محلا غيره فإن قيل إمكان الشيء صفة له فلا يقوم إلا به ولو سلم قيامه بمحله كما في الصور والأعراض لم يكن ذلك إلا حال وجودهما والكلام فيما قبل الوجود قلنا سنورد من كلامهم ما يدفع هذا الإشكال والجواب أنه إن أريد بالإمكان الإمكان الذاتي اللازم لماهية الممكن فلا نسلم أنه وجودي بمعنى كونه أمرا محققا يستدعي محلا موجودا في الخارج وقد مر بيان ضعف أدلتهم على ذلك وإن أريد الإمكان الاستعدادي فلا نسلم أن كل حادث فهو قبل وجوده ممكن بالإمكان الاستعدادي لجواز أن يحدث من غير أن يكون هناك مادة وأمور معدة لها إلى وجود ذلك الحادث ولا يكون هذا من الانقلاب في شيء لأن المقابل للوجوب والامتناع هو الإمكان الذاتي لا الاستعدادي وفي قوله المخالف له إشارة إلى التغاير بين الإمكانين وذلك من وجوه

قسم V01/P131

أحدها أن الذاتي لا يقتضي رجحان الوجود أو العدم بل كلاهما بالنظر إليه على السواء والاستعدادي يقتضيه لأنه حالة مقربة للمادة إلى تأثير المؤثر فيها وإيجاد الحادث وثانيها أن الاستعدادي يتفاوت بالقرب والبعد فإن استعداد المضغة للإنسانية أقرب من استعداد العلقة وهو من النطفة وهو من المادة النباتية وهو من المعدنية وهو من العنصرية وهكذا حتى أن الهيولي الأولي أبعد الكل ولا كذلك الإمكان الذاتي فإنه لا يتصور تفاوت واختلاف في إمكان وجود الإنسان لماهيته وما يتوهم من تفاوته عند اعتبار التعلق بأمر خارج كإمكان وجود الإنسان لماهيته بالنظر إلى العلقة والمضغة مثلا فعائد إلى الاستعدادي

قسم V01/P131–V01/P138

وثالثها أن الذاتي اعتبار عقلي لا تحقق له في الأعيان بخلاف الاستعدادي فإنه كيفية حاصلة للشيء مهيئة إياه لإفاضة الفاعل وجود الحادث فيه كالصورة والعرض أو معه كالنفس مختلفة بالقرب والبعد والشدة والضعف بحسب حدوث شرط شرط وارتفاع مانع مانع مسماة بالقوة عند عدم الحادث زائلة عند وجوده ككون الجسم في أوساط الحيز عند الوصول إلى نهايته وهل ذلك الزوال بواجب فيه تردد قال فإن قيل اعلم أن للفلاسفة في التقصي عن هذاالإشكال وجهين أحدهما أن المراد الإمكان الذاتي ومعنى كون إمكان الحادث قبل وجوده وجوديا تعلقه بموضوع موجود في الخارج وتقريره أن الإمكان لا محالة يكون بالقياس إلى وجود والوجود إما بالذات كوجود البياض في نفسه وإما بالعرض كوجود الجسم أبيض أما الإمكان بالقياس إلى وجود بالعرض وهو إمكان أن يوجد شيء شيئا آخر أو يوجد له شيء آخر كالبياض للجسم والصورة للمادة والنفس للبدن ولا خفاء في احتياجه إلى وجود شيء حتى يوجد له شيء آخر وأما الإمكان بالقياس إلى وجود بالذات وهو إمكان وجود الشيء في نفسه فذلك الشيء إن كان مما يتعلق وجوده بالغير أي يكون بحيث إذا وجد كان موجودا في غيره كالعرض والصورة أو مع غيره كالنفس فهو كالأول في الاحتياج إلى موضوع يقوم به إمكان ذلك الشيء قبل وجوده بمعنى كون ذلك الشيء في ذلك الموضوع أو معه بالقوة فهو صفة للموضوع من حيث هو فيه كعرض في موضوع وصفة للشيء من حيث هو بالقياس إليه كإضافة المضاف إليه وإن لم يكن ذلك الشيء مما يتعلق وجوده بالغير بل يكون قائما بنفسه من غير تعلق بموضوع أو مادة فمثله لا يجوز أن يكون حادثا وإلا لكان إمكانه قبل حدوثه قائما بنفسه إذ لا علاقة له بشيء من الموضوعات ليقوم به وهو محال لأنه عرض لا جوهر وضعف هذا الوجه ظاهر لأن الإشكال عائد ولأنه لو ثبت أن إمكان الحادث عرض يستدعي محلا أو استدل على ذلك استدلالا فاسدا بأنه لو لم يكن إمكان الحادث أمرا موجودا لم يكن للحادث إمكان وجود فلم يكن ممكن الوجود على ما في الشفاء لم يحتج إلى ما ذكر من التفاصيل وثانيهما أن المراد الإمكان الاستعدادي والدليل قائم على ثبوته لكل حادث وتقريره أن العلة التامة للحادث لا يجوز أن تكون ذات القديم وحده أو مع شرط قديم وإلا لزم قدم الحادث لأن المعلول دائم بدوام علته التامة بالضرورة لما في التخلف من الترجح بلا مرجح بل لا بد من شرط حادث وحدوثه يتوقف على شرط آخر حادث وهكذا إلى غير النهاية ويمتنع توقف الحادث على تلك الحوادث جملة لامتناع التسلسل ولأن مجموعها بحدوثه يفتقر إلى شرط آخر حادث فيكون داخلا خارجا وهو محال بل لا بد من حوادث متعاقبة يكون كل سابق منها معدا للاحق من غير اجتماع في الوجود كالحركات والأوضاع الفلكية ويحصل بحسبها للحادث حالات مقربة إلى الفيضان عن العلة هي استعداداته المتفاوتة في القرب والبعد المفتقرة إلى محل ليس هو نفس الحادث ولا أمرا منفصلا عنه لما تقدم بل متعلقا به هو المعنى بالمادة وهذا أيضا ضعيف لابتنائه على كون الصانع القديم موجبا بالذات إذ الفاعل بالاختيار يوجد الحادث متى تعلق به إرادته القديمة التي من شأنها الترجيح والتخصيص من غير توقف على شرط حادث قال وأما المدة احتجوا على كون الحادث مسبوقا بالزمان بوجهين أحدهما أنه لا بد له من سبق حوادث متعاقبة بمعنى حصول هذا بعد حصول ذاك بحيث لا يجتمع المتقدم والمتأخر وما ذاك إلا بالزمان وثانيهما أنه لا معنى للحادث إلا ما يكون وجوده مسبوقا بالعدم وظاهر أن سبق عدم الشيء على وجوده لا يعقل إلا بالزمان وهذا التقرير لا يبتني على أن التقدم أمر وجودي وأنه هو الزمان حتى يرد الاعتراض بأنا لا نسلم أنه وجودي بل اعتباري يعرض للعدم أيضا والحاكم بثبوته الوهم وحكمه مردود كما في تحيز الباري حيث يحكم به الوهم بناء على أن ما يشاهد من الموجودات متحيزة وإنما يبتني على صحة الحكم بأن هذا متقدم على ذاك كقدم الحادث على وجوده ولا خفاء في أنه حكم عقلي ضروري والزمان معروض التقدم لا نفسه والجواب أن مبنى الأول على افتقار كل حادث إلى سبق حوادث متعاقبة وقد مر ما فيه ومبنى الثاني على ما ذهب إليه الفلاسفة من أن أقسام التقدم والتأخر والمعية منحصرة بحكم الاستقراء في خمسة بمعنى أن كلا منها يكون إما بالعلية كتقدم حركة اليد على حركة المفتاح وإما بالطبع كتقدم الجزء على الكل وإما بالزمان كتقدم الأب على الابن وإما بالشرف كتقدم المعلم على المتعلم وإما بالرتبة وهي قد تكون حسية بأن يكون الحكم بالترتيب وتقدم البعض على البعض مأخوذا من الحس لكونه في الأمور المحسوسة وقد تكون عقلية بأن يكون ذلك بحكم العقل لكونه في الأمور المعقولة وكل منهما قد يكون بحسب الطبع وقد يكون بحسب الوضع وذلك كتقدم الرأس على الرقبة وتقدم الإمام على المأموم وتقدم الجنس على النوع وتقدم بعض مسائل العلم على البعض ومعلوم أن تقدم عدم الحادث على وجوده ليس إلا بالزمان والمتكلمون منعوا الحصر وتمام الاستقراء ونقضوه بتقدم بعض أجزاء الزمان على البعض كتقدم الأمس على اليوم فإنه كما ليس بالعلية والطبع والرتبة والشرف ليس بالزمان لأن كلا من الأمس واليوم زمان لا أمر يقع في الزمان وما يقال في بيان الحصر من أن المتقدم والمتأخر إن لم يجتمعا في الوجود فهو بالزمان وإن اجتمعا فإن كان بينهما ترتيب بحسب الاعتبار فهو بالرتبة وإلا فإن لم يحتج المتأخر إلى المتقدم فبالشرف وإن احتاج فإن كان المتقدم مؤثرا في المتأخر فبالعلية وإلا فبالطبع أو أن المتقدم إن توقف وجود المتأخر عليه فبالعلية أو بالطبع كما ذكرنا وإن لم يتوقف فالتقدم إن كان بالنظر إلى كمال للمتقدم فبالشرف وإلا فإن كان بالنظر إلى مبدأ محدود فبالرتبة وإلا فبالزمان أو أن التقدم إما حقيقي يكون بحسب الأمر نفسه فلا يتبدل باعتبار المعتبر وإما اعتباري يقابله والأول إن كان بالنظر إلى الذات فبالطبع وإن كان بالنظر إلى الوجود فإن كان وجود المتأخر مشروطا بانقضاء وجود المتقدم فبالزمان وإلا فبالعلية والثاني يفتقر لا محالة إلى مبدأية الاعتبار فإن كان كمالا في المتقدم فبالشرف وإلا فبالرتبة فلا خفاء في أنه ليس إلا وجه ضبط مع أن التقدم بالطبع قد يكون بالنظر إلى الوجود كما في الشرط وأن التقدم بالزمان قد يكون للعدم دون الوجود وبعد تمام الوجود فالزماني بالمعنى الذي ذكر فيها شامل للتقدم الذي بين أجزاء الزمان والذي بين الأب والابن بواسطة الزمان فيكون من التقدم بغيرالعلية والطبع والرتبة والشرف تقدم لا يفتقر إلى زمان يقع فيه المتقدم والمتأخر فيجوز أن يكون تقدم عدم الحادث على وجوده من هذا القبيل فلا يثبت كون كل حادث مسبوقا بالزمان ولا يضرنا في استغنائه عن الزمان تسمية مثل هذا التقدم زمانيا على ما قال بعضهم أن التقدم الزماني على وجهين أحدهما أن يكون المتقدم حاصلا في زمان قبل زمان المتأخر كما بين الأب والابن وثانيهما أن يكون تحقق المتقدم قبل تحقق المتأخر من غير أن يكونا في زمان كما بين الأمس واليوم وقال بعضهم أن التقدم الزماني بالحقيقة هو الذي بين أجزاء الزمامان وإنما يعرض الغير بواسطته إذ لا معنى لتقدم الأب على الابن إلا تقدم زمانه على زمانه حتى لو أريد بالتقدم الحقيقي ما يستغنى عن الواسطة لم يتناول هذا القسم وحصر بعضهم التقدم في الذي بالعلية والذي بالطبع ذاهبا إلى أن التقدم بالرتبة والتقدم بالشرف راجعان إلى الزمان لأن معنى تقدم مكان على آخر أن زمان الوصول إليه قبل زمان الوصول إلى الآخر ومعنى تقدم الجنس على النوع أن زمان الأخذ والشروع في ملاحظته قبل زمان الأخذ في النوع ومعنى تقدم المعلم على المتعلم أن فيه صفة توجب تقدمه في المجلس أو في الشروع في الأمور فيعود إلى الزماني بوسط أو لا بوسط وأن التقدم الزماني راجع إلى التقدم بالطبع لأن السابق من الأجزاء المفروضة للزمان معد لوجود اللاحق وشرطا له كالحركة فالتقدم الحقيقي هو الذي بالعلية أو بالطبع والمعنى المشترك بينهما كون المتأخر محتاجا في تحققه إلى المتقدم من غير احتياج للمتقدم إليه إلا ان المتقدم في الذي بالعلية هو المفيد لوجود المتأخر ولا كذلك في الذي بالطبع والمعتبر هو العلة التامة أم الفاعلية فيه تردد فعلى الأول يكون المتقدم والمتأخر بالعلية متلازمين وجودا وعدما وعلى الثاني قد توجد ذات المتقدم بدون ذات المتأخر بأن ينتفي بعض شروط التأثر والمتقدم بالطبع لا يستلزم المتأخر وجودا بل عدما والمتأخر يستلزمه وجودا لا عدما وأما بالنظر إلى وصفي التقدم والتأخر فبين كل متقدم ومتأخر تلازم وجودا وعدما لكونها متضايفين لكن إذا اعتبرا من قسم واحد فإن تضايف المتقدم بالطبع مثلا إنما هو مع المتأخر بالطبع لا بالعلية أو الزمان أو الرتبة أو الشرف وعلى هذا قياس سائر الأقسام والمعنى المشترك بين التقدم بالعلية والتقدم بالطبع قد يقال له التقدم بالذات وقد يقال له التقدم بالطبع ويخص ما بالعلية باسم الذاتي وقد يسمى القدم بالطبع تقدما بالذات بمعنى أن المتقدم مقوم محتاج إليه باعتبار الذات والحقيقة دون مجرد الوجود كما في العلية فإن ذات الاثنين لا يتم ولا يعقل بدون الواحد ولا خفاء في أن هذا إنما هو في الجزء دون الشرط فالحكم ليس بكلي على ما يشعر به ظاهر عبارة المواقف قال ومن ههنا ترددوا قد اختلفت العبارات في أن مقولية التقدم والتأخر والمعية على الأقسام الخمسة أو الستة بحسب الاشتراك اللفظي بأن يكون موضوعا لكل على حدة أو بحسب التشكيك بأن يكون موضوعا بمعنى مشترك بين الكل لا على السواء لكونه في التقدم بالعلية أقدم وفي التقدم بالطبع أولى حيث يكون بالنظر إلى الذات وفي التقدم بالرتبة الحسية أشد منه في العقلية وكائن هذا مبني على أن الكل عائد إلى التقدم بالعلية وبالطبع وبالزمان أو إلى الأولين فقط واللفظ موضوع بإزاء معنى مشترك هو كون الشيء محتاجا إليه وإلا فليس للفظ مفهوم مشترك بين الكل لا يقال الكل مشترك في معنى واحد وهو أن للمتقدم أمرا زائدا لا يوجد للمتأخر كالتأثير في الذي بالعلية وكونه مقوما أو شرطا في الذي بالطبع وكونه مضى له زمان أكثر في الذي بالزمان وزيادة الكمال في الذي بالشرف وقرب الوصول إليه من مبدأ معين في الذي بالرتبة لأنا نقول ليس هذا مفهوم لفظ التقدم ولا لصدق على كل شيء ينسب إلى آخر ضرورة أنه يشتمل على أمر لا يوجد في الآخر وإن أريد اشتماله على أمر زائد هو أحد الأمور المذكورة فمثله يتأتى في كل مشترك لفظي بأن يقال لفظ العين مثلا موضوع بإزاء معنى مشترك بين الكل هو مفهوم أحد المعاني قال المنهج الرابع في الوحدة والكثرة والحق أنهما من الاعتبارات العقلية التي لا وجود لها في الأعيان بمثل ما سبق في الوجوب والإمكان وأن تصورهما بديهي لحصوله لمن لم يمارس طرق الاكتساب فلا يعرفان إلا لفظا كما يقال الوحدة عدم الانقسام والكثرة هي الانقسام وقد يقال الوحدة عدم الانقسام إلى أمور متشابهة والكثرة هو الانقسام إليها ولا خفاء في انتفاضهما طردا وعكسا بالمجتمع من الأمور المتخالفة وأما ما يقال أن الوحدة عدم الكثرة والكثرة هي المجتمع من الوحدات فمبناه على أن الوحدة أعرف عند العقل والكثرة عند الخيال لما أن الوحدة مبدأ الكثرة والعقل إنما يعرف المبدأ قبل ذي المبدأ والكثرة ترتسم صورها في الخيال فينتزع العقل منها أمرا واحدا فيكون تفسير الوحدة بالكثرة عند الخيال وتفسير الكثرة بالوحدة عند العقل تفسيرا بالأعرف لا بالمساوي في المعرفة والجهالة ( قال والقطع ) لما كانت الوحدة مساوقة للوجود بمعنى أن كل ما له وحدة فله وجود ما وكل ما له وجود فله وحدة بوجه ما توهم بعضهم أن الوحدة هي الوجود وهو باطل لأن الكثير من حيث هو كثير موجود وليس بواحد فحاول التنبيه على أن كلا من الوحدة والكثرة مغاير لكل من الوجود والماهية وذلك بوجهين أحدهما لنا أن نتعقل ماهية الشيء ووجوده من غير أن نتعقل وحدته أو كثرته بل مع التردد فيه كما نقطع بوجود الصانع ثم نثبت بالبرهان وحدته ونقطع بوجود الفلك وماهيته ثم نثبت كثرته وثانيهما أنا إذا جمعنا مياه أوان كثيرة في إناء واحد حتى صار ماء واحدا أو فرقنا ماء إناء واحد في أوان كثيرة حتى صارت مياها كثيرة فقد زالت الوحدة والكثرة مع أن الوجود والماهية بحالهما من غير زوال وتبدل قطعا فلو كانت الوحدة أو الكثرة نفس الوجود أو الماهية لما كان كذلك ( قال وقد يستدل ) نقل خلاف بين الفلاسفة والمتكلمين في أن الوحدة والكثرة وجوديتان أو عدميتان وتمسكات من الطرفين يشعر بعضها بأن المراد بالوجودي الموجود وبالعدمي المعدوم وبعضها بأن المراد بالعدمي ما يدخل في مفهومه العدم وبالوجودي مالا يدخل فمن تمسكات الفلاسفة أن الوحدة جزء هذا الواحد الموجود وأنها نقيض اللاوحدة العدمية لصدقها على الممتنع وأنها لو لم تكن موجودة لما كان شيء ما واحدا لعدم الفرق بين قولنا وحدته لا وقولنا لا وحدة له والكل ظاهر الفساد ومنها ما أورده الإمام من أن الوحدة لو كانت عدمية لكانت عدم الكثرة لأنها المقابل لها والكثرة إما أن يكون أمرا عدميا ويلزم منه كون الوحدة وجودية لكونها عبارة عن عدم العدم هذا خلف وإما أن يكون أمرا وجوديا وهي عبارة عن مجموع الوحدات فيلزم كون مجموع العدمات أمرا وجوديا وهو محال أو نقول والوحدة جزء منها فتكون وجودية هذا خلف ولما بطل كون الوحدة عدمية ثبت كونها وجودية ولزم منه كون الكثرة وجودية لكونها عبارة عن مجموع الوحدات ورد بأن سلب العدمي قد يكون عدميا كالامتناع واللاامتناع ومن تمسكات المتكلمين أن الوحدة لو كانت موجودة لكانت واحدة لكون الوجود مساوقا للوحدة ولكانت الوحدات مشاركة في الوحدة ومتمايزة بالخصوصيات لتكون للوحدة وحدة ويتسلسل والجواب بأنه ينقطع بانقطاع الاعتبار أو بأن وحدة الوحدة عينها اعتراف بأنها من الاعتبارات العقلية التي لا تحقق لها في الأعيان لما مر في الوجوب وإلا لكان ومنها أنه لا يعقل من الوحدة إلا عدم الانقسام ومن الكثرة إلا التألف من الوحدات ورد بأن هذا عين الدعوى قال معروض الوحدة قد سبق أن الوحدة قد تعرض لنفس الوحدة كما يقال وحدة واحدة ووحدات كثيرة ولغيرها فهذا بيان لأقسامها باعتبار المعروض تنبيها على بعض الاصطلاحات وعلى اختلاف معناها بحسب الأفراد فموضوع الوحدة إما أن يكون معروضا للكثرة بأن يصدق على كثيرين أو لا فإن لم يكن فإما أن يكون له مفهوم سوى عدم الانقسام أو لا فإن لم يمكن له مفهوم سوى عدم الانقسام كما في قولنا وحدة واحدة فهو الوحدة على الإطلاق وإن كان له مفهوم سوى ذلك فإما أن يكون ذلك المفهوم قابلا للانقسام أو لا فإن لم يكن فإما أن يكون بحيث يمكن أن يشار إليه إشارة حسية أو لا فالأول النقطة والثاني المفارق وإن كان قابلا للقسمة فقبوله القسمة إما بالذات وهو الكم أو بالعرض وهو الجسم فإن كان بسيطا متشابه الأقسام فهو الواحد بالاتصال وإن كان مركبا مختلف الأقسام فهو الواحد بالاجتماع والكم أيضا من قبيل الواحد بالاتصال وقد يقال الواحد بالاتصال بمقدارين يلتقيان عند حد مشترك كضلعي الزاوية وكجسمين يتلازم طرفاهما بحيث يتحرك أحدهما بحركة الآخر سواء كان الالتئام طبيعيا كاللحم مع العظم أو لا كأجزاء السلسلة قال الإمام الأجسام المتشابهة إن اعتبر حالها قبل حصول الانقسام فهو الواحد بالاتصال لأن صورته وهيولاه واحدة وإن أمكن أن يعرض فيه أجزاء تتلاقى عند حد مشترك وإن اعتبر حالها عند حصول القسمة فإنه لا بد أن تكون تلك الأجزاء من شأنها أن تتحد موضوعاتها بالفعل لا كأشخاص الناس فإنه ليس من شأنها الاتحاد فهذا القسم مع أنه واحد بالنوع واحد بالموضوع يعني أن المياه المتكثرة بالشخص واحدة بالنوع لكونها متماثلة متفقة الحقيقة وبالموضوع أيضا أعني المادة التي هي محل للصور والأعراض لأنها وإن تعددت موادها بالشخص لكن تعود عند الاجتماع في إناء واحدة مادة واحدة وذلك عند من يقول بالمادة وإلا فالجواهر الفردة لا تصير واحدة قط ثم الواحد بالاجتماع قد تكون وحدته بحسب الطبيعة كالشجر الواحد وقد تكون بحسب الصناعة كالبيت الواحد وقد تكون بحسب الوضع والاصطلاح كالدرهم الواحد فإنه عبارة عن مقدار مخصوص من الموزونات مجتمع من ستة أسداس يسمونها درهما واحدا سواء كانت متصلة أو منفصلة والخمسة منها لا تسمى واحدا وإن كانت متصلة ولا فرق في ذلك بين أن يكون من الأجسام المتشابهة الأجزاء أو غيرها إلا أن ما ذكرنا من الأقسام الثلثة إنما يجري في المركبات فلذا خص بالواحد بالاجتماع وفي عبارة الإمام هي أقسام للواحد التام وهو الذي يشتمل على جميع ما يمكن له كخط الدائرة بخلاف الخط المستقيم فإن الزيادة عليه ممكن أبدا والمراد جميع ما يمكن له من الكثرة والأجزاء لا من الأوصاف والكمالات على ما قد يتوهم وما لا يكون تاما في عبارة بعض المتأخرين من الفلاسفة مسمى بالناقص وفي الطوالع بغير التام وفي كتب الإمام بالكثير هذا إذا لم يكن معروض الوحدة معروضا للكثرة وإن كان فلا بد فيه من جهة وحدة وجهه كثرة لامتناع أن يكون الشيء الواحد باعتبار واحد واحدا وكثيرا فجهة الوحدة إما أن تكون مقوما للكثيرين بمعنى كونه ذاتيا غير عرضي وإما أن يكون عارضا وإما أن لا يكون هذا ولا ذاك بأن يكون خارجا غير محمول فالأول إما أن يكون نفس ماهيتها وهو الواحد بالنوع كوحدة زيد وعمرو في الإنسانية أو جزأ مقولا في جواب ما هو على الكثرة المختلفة الحقيقة وهو الواحد بالجنس كوحدة الإنسان والفرس في الحيوانية أو في جواب أي شيء هو في جوهره وهو الواحد بالفصل وإنما تغاير الواحد بالنوع بحسب الاعتبار دون الذات والثاني إما أن تكون الكثرة موضوعات لمحمول واحد كالقطن والثلج للبياض أو محمولات لموضوع كالكاتب والضاحك للإنسان والثالث كوحدة نسبة النفس إلى البدن ونسبة الملك إلى المدينة في التدبير الذي ليس عارضا للنسبتين بل للنفس والملك ولا خفاء في أن التدبير محمول على النسبتين وإن قلنا النفس كالملك في التدبير فالتدبير محمول عارض لهما فهو كالبياض للقطن والثلج وبالجملة جهة الوحدة هو ما به اشتراك وهو لا يكون إلا بحيث يحمل بالمواطأة أو الاشتقاق قال وبعض هذه الأقسام أولى بالوحدة يعني أن الواحد مقول بالتشكيك دون الاشتراك أو التواطئ لكونه مفهوما واحدا متفاوتا بالأولوية فإن الواحد بالشخص أولى بالوحدة من الواحد بالنوع وهو من الواحد بالجنس وهو من الواحد بالعرض وفي الواحد بالشخص مالا ينقسم أصلا أولى بالوحدة مما ينقسم إلى أجزاء متشابهة وهو مما ينقسم إلى أجزاء متخالفة ولم يقل أحد بالتفاوت في الأشدية والأقدمية لكونه غير معقول قال وكذا الكثرة يشير إلى أحكام منها أن الكثرة مقول بالتشكيك لكونها في كل عدد أشد منها فيما دونه ومنها أن أول مراتب العدد الإثنينية بمعنى أن الاثنين عدد والواحد ليس بعدد لصدق الحد وهو الكم المنفصل عليهما دونه وما قيل أن الفرد الأول أعني الواحد ليس بعدد فكذا الزوج الأول ليس بشيء ومنها أن الأعداد أنواع مختلفة لاختلاف لوازمها من الزوجية والفردية والأصمية والمنطقية ومنها أنها متألفة من الآحاد فأجزاء العشرة واحد عشر مرات لا خمسة وخمسة أو ستة وأربعة أو سبعة وثلاثة إذ لا رجحان لشيء من ذلك بخلاف الواحد فإنه يترجح بأنه لا أقل منه وأن الاثنين إنما يتألف منه ولأن مجرد زيادة الواحد يوجب حصول نوع آخر من العدد ومنها أنها غير متناهية لأن كل عدد فرض فإنه يمكن زيادة الواحد عليه ومنها أنها أمور اعتبارية متحصلة في العقل دون الخارج لأنا إذا اعتبرنا انضمام واحد في المشرق إلى واحد في المغرب حكم العقل بحصول الإثنينية لهما من غير أن يحصل لهما أمر بحسب الخارج ولأن أجزاءها أمور اعتبارية هي الوحدات ولأنها لو تحققت في الخارج فإذا قلنا لزيد وعمرو مثلا هما اثنان فقيام الإثنينية إما بأحدهما أو بكل منهما وهو ظاهر الاستحالة أو بمجموعهما فيلزم في كل منهما شيء منها وليس سوى الوحدة الاعتبارية ( قال المبحث الثالث يمتنع اتحاد الإثنين ) بأن يكون هناك شيئان فيصير شيئا واحدا لا بطريق الوحدة الاتصالية كما إذا جمع الماآن في إناء واحد أو الاجتماعية كما إذا امتزج الماء والتراب فصار طينا أو الكون والفساد كالماء والهواء صارا بالغليان هواء واحدا أو الاستحالة كلون الجسم كان سواد وبياضا فصار سوادا بل بأن يصير أحدهما الآخر الصائر بعينه إياه وذلك لوجهين

قسم V01/P138

الأول أن الاثنين سواء كانا ماهيتين أو فردين منهما أو من ماهية واحدة فالاختلاف بينهما ذاتي لا يعقل زواله إذ لكل شيء خصوصية ما هو بها هو فمتى زالت الخصوصية لم يبق ذلك لشيء واعترض بأنه إن كان استدلالا فنفس المتنازع وإن كان تنبيها فليس أوضح من الدعوى إذ ربما يقع الاشتباه في كون الاختلاف ذاتيا ممتنع الزوال دون اتحاد الاثنين

قسم V01/P138–V01/P142

الثاني أن الاثنين بعد الاتحاد إن كانا باقيين فهما اثنان لا واحد وإلا فإن بقي أحدهما فقط كان هذا فناء لأحدهما وبقاء للآخر وإن لم يبق شيء منهما كان هذا فناء لهما وحدوث أمر ثالث وأيا ما كان فلا اتحاد واعترض بأنا لانم أنهما لو بقيا كانا اثنين لا واحدا وإنما يلزم ذلك لو لم يتحدا فعدل إلى تقرير آخر وهو أنهما بعد الاتحاد إن كانا موجودين كانا اثنين لا محالة وإلا فإما أن يكون أحدهما فقط موجودا أو لا يكون شيء منهما موجودا فكان هذا فناء لأحدهما وبقاء للآخر أو فناء لهما وحدوث ثالث فاعترض بأنا لانم أنهما لو كانا موجودين كانا اثنين لا واحدا وإنما يلزم لو لم يكونا موجودين لوجود واحد فدفع هذا الاعتراض بأنهما لو كانا موجودين فإما بوجودين فيكونان اثنين لا واحدا وإما بوجود واحد فذلك إما أحد الوجودين الأولين فيكون فناء لأحدهما وبقاء للآخر أو غيرهما فيكون فناء لهما وحدوث ثالث فأجيب عن هذا الدفع بأنهما موجودان بوجود واحد هو نفس الوجودين الأولين صارا واحدا فلم يمكن التفصي عن هذا المنع إلا بأن الحكم بامتناع اتحاد الاثنين ضروري والمذكور في معرض الاستدلال تنبيه بزيادة بيان وتفصيل وأنت خبير بحال دعوى الضرورة في محل النزاع وبأن امتناع اتحاد الوجودين ليس بأوضح من امتناع اتحاد الاثنين على الإطلاق قال المبحث الرابع من خواص الكثرة التغاير فإنه لا يتصور إلا بين متعدد وإنما الخلاف في عكسه وهو أن التعدد هل يستلزم التغاير فعند المتقدمين من أهل السنة لا ولذا قالوا الغيران موجودان جاز انفكاكهما فخرج المعدومان وكذا المعدوم والموجود ومبناه على أن التغاير عندهم وجودي كالاختلاف والتضاد فلا يتصف به المعدوم وأما التعليل بأنه لا تمايز بين الأعدام فيخص المعدومين وخرج الجزء مع الكل وكذا الموصوف مع الصفة لامتناع الانفكاك ودخل الجسمان وإن فرضنا كونهما قديمين لأنهما ينفكان بأن يوجد هذا في حيز لا يوجد فيه الآخر وكذا الصفة المفارقة مع موصوفها سواء كان قديما أو حادثا لأنهما ينفكان بأن يوجد الموصوف وتنعدم الصفة فجواز الانفكاك أعم من أن يكون بحسب التحيز أو بحسب الوجود والعدم فلا حاجة إلى التقييد بقولنا في حيز أو عدم على ما ذكره الشيخ وهذا التقرير مشعر بأنه يكفي في التغاير الانفكاك من جانب وأن الصفة التي ليست عين الموصوف ولا غيرها هي الصفة اللازمة النفسية وقيل بل الصفة القديمة كعلم الصانع وقدرته بخلاف مثل سواد الجسم وبياضه إلا أن عمدتم الوثقى في التمسك وهو أن قولنا ليس في الدار أعضاء زيد وصفاته وفي اليد آحاد العشرة واوصاف الدراهم لا يفرق بين الصفات المفارقة واللازمة ويقتضي أن لا يكون ثياب زيد بل سائر ما في الدار من الأمتعة غير زيد وفساده بين وكيف يخفى على أحد أن المراد بهذا الكلام نفي إنسان آخر غير زيد وعدد آخر فوق العشرة واعترض على تعريف المتغايرين بأنه ليس بجامع لأن العالم والصانع متغايران ولا يجوز انفكاكهما لامتناع وجود العالم بدون الصانع وأجاب الآمدي بأنه يكفي الانفكاك من جانب واحد وقد أمكن عدم العالم مع وجود الصانع ورد بأنه ح لا يكون مانعا لأنه يدخل فيه الجزء مع الكل والموصوف مع الصفة إذ يمكن وجود الجزء والموصوف مع عدم الكل والصفة وإن امتنع عكسه وأجاب بعضهم بأن المراد جواز الانفكاك من الجانبين لكن بحسب التعقل دون الخارج وكما يمكن أن يعقل وجود الصانع دون العالم كذلك يمكن أن يعقل وجود العالم ولا يعقل وجود الصانع بل يطلب بالبرهان وهذه العناية توافق ما نقل عن بعض المعتزلة أن الغيرين هما اللذان يصح أن يعلم أحدهما ويجهل الآخر ولفظ أحدهما لإبهامه كثيرا ما يقع موقع كل واحد منهما وما قيل أن الشيء قد يعلم من جهة دون جهة كالسواد يعلم أنه لون ويجهل أنه مستحيل البقاء فلو تغايرت الجهتان لزم كون العرض الواحد الغير المتجزي شيئين متغايرين ليس بشيء لأن تغاير جهتي الشيء لا يستلزم تغايره في نفسه فإن قيل العالم من حيث أنه معلول ومصنوع للصانع لا يمكن أن يعقل بدونه فيلزم أن لا يكونا متغايرين قلنا المعتبر في التغاير هو الانفكاك بحسب الذات والحقيقة ولا عبرة بالإضافات والاعتبارات والعالم باعتبار كونه معلولا للصانع من قبيل المضاف وقد أورد على القائلين بأن الغيرين موجودان يجوز انفكاكهما أنه لا انفكاك بين المتضايفين لا بحسب الخارج ولا بحسب التعقل فيلزم أن لا يكونا متغايرين فالتزموا ذلك وقالوا أنهما من حيث أنهما متضايفان ليسا بموجودين والغيران لا بد أن يكونا موجودين فإن قيل تغاير مثل الأب والابن والعلة والمعلول وسائر المتضايفات كالأخوين ضروري لا يمكن إنكاره قلنا الضروري هو التغاير بين الذاتين وأما مع وصف الإضافة فليسا بموجودين والتغاير عندهم من خواص الموجود وبمثل هذا يندفع ما يقال أن تعريف الغيرين لا يشمل الجوهر مع العرض ولا الاستطاعة مع الفعل لعدم الانفكاك وذلك لأنهما باعتبار الذات ممكن الانفكاك في التعقل بل في الخارج أيضا بأن يوجد هذا الجوهر بدون هذا العرض وبالعكس سيما عند من يقول بعدم بقاء الأعراض وأن يحصل هذا الفعل بخلق الله تعالى ضرورة من غير استطاعة العبد وأن يحصل بهذه الاستطاعة غير هذا الفعل سيما عند من يقول بأن الاستطاعة تصلح للضدين واعلم أن تقرير الاعتراض بالباري تعالى مع العالم والجواب بأن المراد الانفكاك تعقلا ورد جواب الآمدي ظاهر على ما ذكرناه وأما على ما نقل في المواقف من تقييد جواز الانفكاك بكونه في حيز أو عدم فينبغي أن يكون تقرير الاعتراض هو أنه يمتنع انفكاك الباري تعالى عن العالم في حيز أو عدم لامتناع تحيزه وعدمه وجواب الآمدي أنه وإن امتنع ذلك لكن لا يمتنع انفكاك العالم عنه لجواز تحيزه وعدمه دون الباري تعالى ورده أنه لا يكفي هذا القدر وإلا لزم تغاير الجزء والكل وكذا الموصوف والصفة لجواز أن ينعدم الكل دون الجزء والصفة دون الموصوف ولا يتأتى الجواب بأن المراد جواز الانفكاك تعقلا مالم يحذف قيد في حيز أو عدم لأن الباري تعالى لا ينفك عن العالم في حيز أو عدم بحسب التعقل أيضا لامتناع تحيزه وعدمه اللهم إلا أن يؤخذ التعقل أعم من المطابق وغيره وحينئذ يلزم تغاير الذات والصفة لجواز أن يعقل عدم كل بدون الآخر فما ذكر في المواقف من أنه يرد الباري مع العالم لامتناع انفكاك العالم عن الباري تعالى لا يقال يجوز انفكاك الباري عن العالم في الوجود والعالم عن الباري تعالى في الحيز لأنا نقول لو كفى الانفكاك من طرف لجاز انفكاك الموصوف عن الصفة والجزء عن الكل في الوجود فقيل المراد جواز الانفكاك تعقلا ومنهم من صرح به ولا يمتنع تعقل العالم بدون الباري تعالى ليس على ما ينبغي ثم ههنا بحث آخر وهو أن جواز انفكاك الموصوف عن الصفة في الوجود إنما يصح في الأوصاف المفارقة كالبياض مثلا وفي كلامهم ما يشعر بأن النزاع إنما هو في الصفة اللازمة قال والجمهور على أن الغيرية نقيض الهوية هو بمعنى أن الشيء بالنسبة إلى الشيء إن صدق أنه هو هو فعينه وإن لم يصدق فغيره إن كان بحسب المفهوم كما في نسبة الإنسان إلى البشر والناطق فبحسب المفهوم وإن كان بحسب الذات والهوية كما في نسبة الإنسان إلى الكاتب والحجر فبحسب الذات والهوية وما ذهبوا إليه من الجزء بالنسبة إلى الكل والصفة بالنسبة إلى الموصوف ليس عينه ولا غيره ليس بمعقول لكونه ارتفاعا للنقيضين نعم في الغيرية إضافة بها يصير أخص من النقيض بحسب المفهوم لأن الغيرين هما الاثنان من حيث أن أحدهما ليس هو الآخر إلا أنها حيثية لازمة في نفس الأمر ربما يشعر بها مفهوم النقيض أيضا فلذا أطلقوا القول بأن الغيرية نقيض هو هو وبأن الغيرين هما الاثنان أو الشيئان واعتذر الإمام الرازي عما ذكره المتكلمون من أن الشيء بالنسبة إلى الشيء قد يكون لا عينه ولا غيره بأنه اصطلاح على تخصيص لفظ الغيرين بما يجوز انفكاكهما كما خص العرف لفظ الدابة بذوات الأربع وصاحب المواقف بأن معناه أنه لا هو بحسب المفهوم ولا غيره بحسب الهوية كما هو الواجب في الحمل إذ لو كان المحمول غير الموضوع بحسب الهوية لم يصح الحمل ولو كان عينه بحسب المفهوم لم يفد بل لم يصح أيضا لامتناع النسبة بدون الإثنينية فمن قال بالوجود الذهني صرح بأنهما متحدان في الخارج متغايران في الذهن ومن لم يقل به لم يصرح بل قال لا عين ولا غير لأن المعلوم قطعا هو أنه لا بد بينهما من اتحاد من وجه واختلاف من وجه وأما أن ذلك في الخارج وهذا في الذهن فلا وكلا الاعتذارين فاسد أما الأول فلأن منهم من حاول إثبات ذلك بالدليل فقال لو كان الجزء غير الكل لكان غير نفسه لأن العشرة مثلا اسم لجميع الأفراد متناول كل فرد مع أغياره فلو كان الواحد غير العشرة لصار غير نفسه لأنه من العشرة وأن يكون العشرة بدونه وكذا اليد من زيد وبطلان هذا الكلام ظاهر لأن مغايرة الشيء للشيء لا يقتضي مغايرته لكل من أجزائه حتى يلزم مغايرته لنفسه وزعم هذا القائل أن هذا الدليل قطعي وأن القول بكون الواحد غير العشرة فاسد لم يقل به إلا جعفر بن حرث من المعتزلة وعد هذا من جهالاته وأما الثاني فلأن الكلام في الأجزاء والصفات الغير المحمولة كالواحد من العشرة واليد من زيد والعلم مع الذات والقدرة مع الذات ونحو ذلك مما لا يتصور اتحادهما بحسب الوجود والهوية ( قال وبعضهم ) قد سبق أنه لا يكفي في التغاير الانفكاك من جانب وإلا انتقض بالجزء مع الكل والموصوف مع الصفة وزعم بعضهم أنه كاف حتى أن عدم تغاير الشيئين إنما يتحقق إذا كان كل منهما بحيث يمتنع بدون الآخر والنقض غير وارد أما الموصوف مع الصفة فلأن عدم التغاير إنما هو في الصفات التي يمتنع الذات بدونها كما تمتنع هي بدون الذات كصفات القديم لامتناع العدم على القديم وكذا الصفات بعضها مع البعض بخلاف مثل البياض مع الجسم فإنهما غيران وأما الجزء مع الكل فلأنه كما يمتنع العشرة بدون الواحد كذلك الواحد من العشرة يمتنع بدونها إذ لو وجد بدونها لم يكن واحدا من العشرة وحاصله أن الجزء بوصف الجزئية يمتنع بدون الكل وحينئذ يرد سائر الأمور الإضافية كالأب مع الابن والأخ مع الأخ والصانع مع المصنوع ويلزم أن لا يكونا غيرين ويلزم أن لا يكون الغيران بل الضدان غيرين لأن التغاير والتضاد من الإضافات فإن التزموا ذلك بناء على أن الإضافة عدمية ولا تمايز بين الأعدام أجيب بأن الكلام في معروض الإضافة من حيث أنه معروض لا في المجموع المركب من المعروض والعارض قال واعلم يريد أن مشايخنا لما قالوا بوجود الصفات القديمة لزمهم القول بتعدد القدماء وبإثبات قديم غير الله تعالى فحاولوا التفصي عن ذلك بنفي المغايرة بين الصفات وكذا بين الصفة والذات والظاهر أن هذا إنما يدفع قدم غير الله تعالى لا تعدد القدماء وتكثرها لأن الذات مع الصفة وكذا الصفات بعضها مع البعض وإن لم تكن متغايرة لكنها متعددة متكثرة قطعا إذ التعدد إنما يقابل الوحدة ولذا صرحوا بأن الصفات سبعة أو ثمانية وبأن الجزء مع الكل اثنان وشيئان وموجودان وإن لم يكونا غيرين ( قال ومنها ) أي ومن خواص الكثرة التماثل وهو الاشتراك في الصفات النفسية ومرادهم بالصفة النفسية صفة ثبوتية يدل الوصف بها على نفس الذات دون معنى زائد عليها ككون الجوهر جوهرا أو ذاتا وشيئا وموجود أو تقابله المعنوية وهي صفة ثبوتية دالة على معنى زائد على الذات ككون الجوهر حادثا ومتحيزا وقابلا للأعراض ومن لوازم الاشتراك في الصفات النفسية أمران

قسم V01/P142

أحدهما الاشتراك فيما يجب ويمتنع ويجوز

قسم V01/P142–V01/P145

وثانيهما أن يسد كل منهما مسد الآخر وينوب منابه فمن ههنا يقال المثلان موجودان يشتركان فيما تجب ويجوز ويمتنع أو موجودان يسد كل منهما مسد الآخر والمتماثلان وإن اشتركا في الصفات النفسية لكن لا بد من اختلافهما بجهة أخرى ليتحقق التعدد والتميز فيصح التماثل ونسب إلى الشيخ أنه يشترط في التماثل التساوي من كل وجه واعترض بأنه لا تعدد حينئذ فلا تماثل وبأن أهل اللغة مطبقون على صحة قولنا زيد مثل عمرو وفي الفقه إذا كان يساويه فيه ويسد مسده وإن اختلفا في كثير من الأوصاف ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم الحنطة بالحنطة مثل بمثل وأراد به الاستواء في الكيل دون الوزن وعدد الحبات وأوصافها والجواب أن المراد التساوي في الجهة التي بها التماثل حتى أن زيدا وعمرا لو اشتركا في الفقه وكان بينهما مساواة في ذلك بحيث ينوب أحدهما مناب الآخر صح القول بأنهما مثلان في الفقه وإلا فلا ( قال وأما اشتراط التغاير فمختلف فيه ) قال الآمدي وأما الصفات فقد اختلفت أصحابنا فيها فمنهم من قال ليست متماثلة ولا متخالفة لأن التماثل والاختلاف بين الشيئين يستدعي مغايرة بينهما وصفات الله تعالى غير متغايرة وقال القاضي أبو بكر بالاختلاف نظرا إلى ما اختص به كل صفة من الصفات النفسية من غير التفات إلى وصف الغيرية وهذا ظاهر في أن القاضي لا يشترط في التخالف الغيرية ففي التماثل أولى وقد يتوهم من ظاهر عبارة المواقف أن التغاير شرط في التماثل والاختلاف البتة فمن يصف الصفات به يصفها بهما ومن لا فلا قال ويمتنع اجتماع المثلين يعني أن المثلين إذا كانا من قبيل الأعراض يمتنع اجتماعهما في محل واحد خلافا للمعتزلة لنا أن العرضين إذا اشتركا في الماهية والصفات النفسية لم يعقل بينهما تمايز إلا بحسب المحل لأن قيامهما به ووجودهما تبع لوجوده فإذا اتحدت الماهية وما يتبعه الهوية ارتفعت الإثنينية ورد بالمنع لجواز أن يختص كل بعوارض مستندة إلى أسباب مفارقة وبهذا يمنع ما ذكر في المحصل من أن نسبة العوارض إلى كل منهما على السوية فلا تعرض لأحدهما خاصة بل لكل منهما وحينئذ لا يبقى الامتياز البتة ويلزم الاتحاد وأما الاعتراض بأن عدم الامتياز لا يدل على الاتحاد بل غايته عدم العلم بالإثنينية فليس بشيء لأن ما ذكر على تقدير تمامه يفيد عدم الامتياز في نفس الأمر لا عند العقل فقط وقد يستدل بأنه لو جاز اجتماع المثلين لجاز لمن له علم نظري بشيء أن ينظر لتحصيل العلم به إذ لا مانع سوى امتناع اجتماع المثلين وبأنه لو جاز لما حصل القطع باتحاد شيء من الأعراض لجواز أن يكون أمثالا مجتمعة واللازم باطل للقطع بذلك في كثير من الأعراض وبأنه لو جاز اجتماعهما لجاز افتراقهما بزوال أحد المثلين ضرورة أنه ليس بواجب وزواله ليس إلا بطريان ضده الذي هو ضد للمثل الآخر الباقي فيلزم اجتماع الضدين ورد الأولان بمنع الملازمة لجواز مانع آخر فانتفاء شرط النظر وهو عدم العلم بالمطلوب ولجواز القطع بانتفاء الممكن ضرورة أو استدلالا والثالث بمنع المقدمات تمسكت المعتزلة بالوقوع فإن الجسم يعرض له سواد ثم آخر وآخر إلى أن يبلغ غاية السواد وأجيب بأنا لا نسلم ذلك بل السوادات المتفاوتة بالشدة والضعف أنواع من اللون متخالفة بالحقيقة متشاركة في عارض مقول عليها بالتشكيك هو مطلق السواد يعرض للجسم الذي يشتد سواده على التدريج في كل آن نوع آخر ( قال ومنها ) أي من خواص الكثرة التضاد وهو كون المعنيين بحيث يستحيل لذاتيهما اجتماعهما في محل واحد من جهة واحدة والمراد بالمعنى ما يقابل العين أي مالا يكون قيامه بنفسه وذكر الاجتماع مغن عن وحدة الزمان والتقييد بالمعنيين يخرج العينين والعين مع المعنى والعدمين والعدم مع الوجود ولهذا قالوا بعدم التضاد في الأحكام وسائر الإضافات لكونها اعتبارية لا تحقق لها في الأعيان ولا يخرج القديم والحادث إذا كانا معنيين كعلم الله تعالى وعلم زيد بل ظاهر التعريف متناول له إذ لا إشعار فيه باشتراط التوارد على محل واحد وقد يقال أن معنى امتناع الاجتماع أنهما يتواردان على محل ولا يكونان معا ليخرج مثل ذلك لأن محل القديم قديم فلا يتصف بالحادث وبالعكس ولأن القديم لا يزول عن المحل حتى يرد عليه المقابل واحترز بقيد استحالة الاجتماع عن مثل السواد والحلاوة مما يمكن اجتماعهما في محل واحد وبقيد لذاتيهما عن مثل العلم بحركة الشيء وسكونه معا أي العلم بأن هذا الشيء متحرك والعلم بأن هذا ساكن في آن واحد فإنهما لا يجتمعان لكن لا لذاتيهما بل لامتناع اجتماع الحركة والسكون وأما تصور حركة الشيء وسكونه معا فممكن ولذا يصح الحكم باستحالتهما وبقيد من جهة واحدة عن مثل الصغر والكبر والقرب والبعد على الإطلاق فإنهما لا يتضادان وإن امتنع اجتماعهما في الجملة وإنما يتضادان إذا اعتبر إضافتهما إلى معين ككون الشيء صغيرا وكبيرا بالنسبة إلى زيد ولا خفاء في أنه لا حاجة إلى هذا القيد حينئذ لأن مطلق الصغر والكبر لا يمتنع اجتماعهما وعند اتحاد الجهة يمتنع فالأقرب أن القيد احتراز عن خروج مثل ذلك وربما يعترض على تعريف المتضادين بالمتماثلين في سوادين عند من يقول بامتناع اجتماعهما ويجاب بأن اتحاد المحل شرط في التضاد ولا تماثل إلا عند اختلاف المحل ( قال وعند الفلاسفة ) ما سبق من أقسام الكثرة وأحكامها على رأي المتكلمين وأما على رأي الفلاسفة فالكثرة تستلزم التغاير بمعنى أن كل اثنين فهما غيران فإن كانت الإثنينية بالحقيقة فبالحقيقة أو بالعارض فبالعارض أو بالاعتبار فبالاعتبار ثم الغيران إما أن يشتركا في تمام الماهية كزيد وعمرو في الإنسانية أو لا فالأول المثلان والثاني المتخالفان سواء اشتركا في ذاتي أو عرضي أو لم يشتركا أصلا ثم المتخالفان قد يكونان متقابلين كالسواد والبياض وقد لا يتقابلان كالسواد والحلاوة والمتقابلان هما المتخالفان اللذان يمتنع اجتماعهما في محل واحد في زمان واحد من جهة واحدة فخرج بقيد المتخالف المثلان وإن امتنع اجتماعهما وبقيد امتناع الاجتماع في محل مثل السواد والحلاوة مما يمكن اجتماعهما وربما يفهم من امتناع الاجتماع في محل تواردهما على المحل فيخرج مثل الإنسان والفرس ومثل الإنسان والسواد وفيه بحث سيجيء وأما قيد وحدة الزمان فمستدرك على ما مر وكذا قيد وحدة الجهة إذا قصد به الاحتراز عن مثل الصغر مع الكبر والأبوة مع البنوة على الإطلاق والحق أنه احتراز عن خروج مثل ذلك فإنهما متقابلان ولا يمتنع اجتماعهما إلا عند اعتبار وحدة الجهة وأما التقييد بوحدة المحل فلأن المتقابلين قد يجتمعان في الوجود وفي الجسم على الإطلاق كبياض الرومي وسواد الحبشي قال فإن كانا وجوديين يريد حصر أقسام التقابل في الأربعة ومبناه على أن المتقابلين يكونان وجوديين أو وجوديا وعدميا فإن كانا وجوديين فإن كان تعقل كل منهما بالقياس إلى تعقل الآخر فمتضايفان كالابوة والبنوة وإلا فمتضادان كالسواد والبياض وإن كان أحدهما عدميا والآخر وجوديا فإن اعتبر في العدمي كون الموضوع قابلا للوجودي بحسب شخصه كعدم اللحية عن الأمرد أو نوعه كعدم اللحية عن المرأة أو جنسه القريب كعدم اللحية عن الفرس أو جنسه البعيد كعدم اللحية عن الشجر فهما متقابلان تقابل الملكة والعدم وإن لم يعتبر ذلك كالسواد واللاسواد فتقابل الإيجاب والسلب إلا أنه لا دليل على امتناع أن يكون المتقابلان عدميين كيف وقد أطبق المتأخرون على أن نقيض العدمي قد يكون عدميا كالامتناع واللاامتناع والعمى واللاعمى بمعنى رفع العمى وسلبه أعم من أن يكون باعتبار الاتصاف بالبصر أو باعتبار عدم القابلية له فما يقال أن اللاعمى إما عبارة عن البصر فيكون وجوديا وإما عن عدم قابلية المحل للبصر فيكون سلبا لأمر وجودي ليس بشيء وإذا جاز أن يكونا عدميين فالأولى أن يبين الحصر بوجه يشملهما كما يقال المتقابلان إن كان أحدهما سلبا للآخر فإن اعتبر في السلب استعداد المحل في الجملة لما أضيف إليه السلب فتقابلهما تقابل الملكة والعدم وإلا فتقابل الإيجاب والسلب وإن لم يكن أحدهما سلبا للآخر فإن كان تعقل كل منهما بالقياس إلى الآخر فتقابلهما التضايف وإلا فالتضاد وقد يستدل على لزوم كون أحد المتقابلين وجوديا بأنه لا تقابل بين العدم المطلق والمضاف ضرورة صدق المطلق على المقيد ولا بين العدمين المضافين لوجهين

قسم V01/P145–V01/P146

أحدهما أنهما يجتمعان في غير ما وقع الإضافة إليه إما بطريق الصدق فلأنه يصدق على الأحمر أنه لا أسود ولا أبيض وإما بطريق الوجود فلأنه قد وجد فيه الحمرة التي هي لا سواد ولا بياض وثانيهما أن من شرط المتقابلين أن يكونا متواردين على موضوع واحد كما أشرنا إليه وقد صرح به بعض المتأخرين وموضوع العدمين المضافين كاللاسواد واللابياض متعدد ضرورة أنهما لو أضيفا إلى واحد لم يكونا عدمين وبهذا يخرج التفصي عن إشكالين أحدهما أن مثل الإنسانية مع الفرسية داخل في حد المتقابلين ضرورة امتناع اجتماعهما مع أنه ليس أحد أقسام الأربعة أما غير التضاد فظاهر وأما التضاد فللإطباق على أنه لا تضاد بين الجواهر لامتناع ورودها على الموضوع وثانيهما أن الملزوم وعدم اللازم كالسواد واللالون متقابلان ضرورة امتناع اجتماعهما وليسا أحد الأقسام أما السلب والإيجاب فلاجتماعهما على الكذب كما في البياض وأما غيرهما فظاهر ووجه التفصي أن مثل هذا ليس من التقابل لانتفاء التوارد على موضوع واحد وفي هذا الكلام نظر أما أو لا فلأن ما ذكر من اجتماع العدمين إنما يكون إذا لم يعتبر إضافة أحدهما إلى الآخر كما في اللاسواد واللابياض بخلاف مثل العمى واللاعمى والامتناع واللاامتناع وأما ثانيا فلأن الموضوع في التقابل ليس بمعنى المحل المقوم للحال حتى يلزم أن يكون المتقابلان من قبيل الأعراض البتة للقطع بتقابل الإيجاب والسلب في الجواهر مثل الفرسية واللافرسية بل صرح ابن سينا بالتضاد بين الصور اعتبارا بالورود على المحل الذي هو الهيولي وأما ثالثا فلتصريح ابن سينا وغيره بأن موضوع المتقابلين قد يكون واحدا شخصيا كزيد للعدل والجور أو نوعيا كالإنسان للرجولية والمرئية أو جنسيا كالحيوان للذكورة والأنوثة أو أعم من ذلك كالشيء للخير والشر وأما رابعا فلأن الكلام في اللاسواد واللابياض لا في العدم المضاف إلى السواد والعدم المضاف إلى البياض ألا ترى أنك لا تقول باختلاف الموضوع في البياض واللابياض نظرا إلى أن اللابياض عدم مضاف إلى البياض فيكون موضوعه البياض فإن قيل من التقابل ما يجري في القضايا كالتناقض والتضاد فإن قولنا كل حيوان إنسان نقيض لقولنا بعض الحيوان ليس بإنسان وضد لقولنا لا شيء من الحيوان بإنسان مع أنه لا يتصور اعتبار ورود القضايا على محل فالجواب من وجهين أحدهما أن ذلك بحسب اشتراك الاسم كسائر النسب من العموم والخصوص والمباينة والمساواة فإنها تكون في المفردات باعتبار الصدق أعني صدقها على شيء وفي القضايا باعتبار الوجود أعني صدقها في أنفسها فالمعتبر في التناقض والتضاد بين المفردين امتناع الاجتماع في المحلا وبين القضيتين امتناع لا اجتماع في الوجود

قسم V01/P146–V01/P147

وثانيهما أن يجعل تقابل الإيجاب والسلب أعم مما في المفردات والقضايا ويعتبر موضوع القضية موردا ومحلا لثبوت المحمول له وعدم الثبوت على ما قال المحققون من الحكماء أن المتقابلين بالإيجاب والسلب إن لم يحتمل الصدق والكذب فبسيط كالفرسية واللافرسية وإلا فمركب كقولنا زيد فرس وزيد ليس بفرس فإن إطلاق هذين المعنيين على موضوع واحد في زمان واحد مح وقال ابن سينا أن من التقابل الإيجاب والسلب ومعنى الإيجاب وجود أي معنى كان سواء كان باعتبار وجوده في نفسه أو وجوده لغيره ومعنى السلب لا وجود أي معنى كان سواء كان لا وجوده في ذاته أو لاوجوده في غيره قال وقد يعتبر في التضاد ما مر من تفسير التضاد وتفسير الملكة والعدم هو الذي أورده قدماء الفلاسفة في أوائل المنطق وأما في مباحث الفلسفة فقد اعتبروا في كل منهما قيدا آخر وهو في المتضادين أن يكون بينهما غاية الخلاف كالسواد والبياض بخلاف البياض والصفرة وفي الملكة والعدم أن يكون العدم سلب الوجودي عما هو من شأنه في ذلك الوقت كعدم اللحية عن الكوسج بخلافه عن الأمرد وكل من التضاد والملكة والعدم بالمعنى الأول أعم منه بالمعنى الثاني ضرورة أن المطلق أعم من المقيد إلا أن المطلق من التضاد يسمى بالمشهوري لكونه المشهور فيما بين عوام الفلسفة والمقيد بالحقيقي لكونه المعتبر في علومهم الحقيقية والملكة والعدم بالعكس حيث يسمون المطلق بالحقيقي والمقيد بالمشهوري ولما كان تقابل مثل البياض مع الصفرة والسواد مع الحمرة ونحو ذلك مما ليس بينهما غاية الخلاف وكذا الالتحاء والمرودة وتقابل البصر وعدمه عن العقرب أو الشجر قادحا في حصر التقابل في الأقسام الأربعة لكونه خارجا عن التضاد وعن الملكة والعدم بالمعنى الأخص أجاب المتأخرون بأن الحصر إنما هو باعتبار المعنى الأعم أعني المشهوري من التضاد والحقيقي من الملكة والعدم ليدخل أمثال ذلك وفيه نظر أما أولا فلأن الضدين في التضاد والمشهوري لا يلزم أن يكونا وجوديين بل قد يكون أحدهما عدما للآخر كالسكون للحركة والظلمة للنور والمرض للصحة والعجمة للنطق والأنوثة للذكورة والفردية للزوجية صرح بذلك ابن سينا وغيره فهو لا يكون قسيما لتقابل الملكة والعدم وتقابل الإيجاب والسلب بل وفي كلامهم أنه اسم يقع التضاد الحقيقي وعلى بعض أقسام الملكة والعدم أعني ما يمكن فيه انتقال الموضوع من العدم إلى الملكة كالسكون والحركة بخلاف العمى والبصر والحق أنه أعم من ذلك إذ لا يمكن الانتقال في النطق والعجمة وفي الذكورة والأنوثة وفي الزوجية والفردية على أن تقابل الزوجية والفردية عند التحقيق راجع إلى الإيجاب والسلب فإن الزوج عدد ينقسم بمتساويين والفرد عدد لا ينقسم بمتساويين فالأول اسم للموضوع أعني العدد مع الإيجاب والثاني اسم له مع السلب كذا ذكره ابن سينا

الأسئلة

Teftâzânî — Şerhu'l-Makâsıd (Mâtürîdî/Eş'arî kelam) · 3 · Qur'an & Sunnah