Qur'an&Sunnah

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)

قسم V01/P018–V01/P019

وروي أنه قال طهروا مسالك القرآن بالسواك وله أن يستاك بأي سواك كان رطبا أو يابسا مبلولا أو غير مبلول صائما كان أو غير صائم قبل الزوال أو بعده لأن نصوص السواك مطلقة وعند الشافعي يكره السواك بعد الزوال للصائم لما يذكر في كتاب الصوم وأما الذي هو في ابتداء الوضوء فمنها النية عندنا وعند الشافعي هي فريضة والكلام في النية راجع إلى أصل وهو أن معنى القربة والعبادة غير لازم في الوضوء عندنا وعنده لازم ولهذا صح من الكافر عندنا خلافا له واحتج بما روي عن النبي أنه قال الوضوء شطر الإيمان والإيمان عبادة فكذا شطره ولهذا كان التيمم عبادة حتى لا يصح بدون النية وأنه خلف عن الوضوء والخلف لا يخالف الأصل ولنا قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم ( ( ( برءوسكم ) ) ) وأرجلكم إلى الكعبين أمر بالغسل والمسح مطلقا عن شرط النية ولا يجوز تقييد المطلق إلا بدليل وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا نهى الجنب عن قربان الصلاة إذا لم يكن عابر سبيل إلى غاية الاغتسال مطلقا عن شرط النية فيقتضي انتهاء حكم النهي عند الاغتسال المطلق وعنده لا ينتهي إلا عند اغتسال مقرون بالنية وهذا خلاف الكتاب ولأن الأمر بالوضوء لحصول الطهارة لقوله تعالى في آخر آية الوضوء ولكن يريد ليطهركم وحصول الطهارة لا يقف على النية بل على استعمال المطهر في محل قابل للطهارة والماء مطهر لما روي عن النبي أنه قال خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه أولونه وقال الله تعالى وأنزلنا من السماء ماء طهورا والطهور اسم للطاهر في نفسه المطهر لغيره والمحل قابل على ما عرف وبه تبين أن الطهارة عمل الماء خلقة وفعل ( العبد ( ( ( اللسان ) ) ) ) فضل في الباب حتى لو سال عليه المطر أجزأه عن الوضوء والغسل فلا يشترط لهما النية إذ اشتراطها لاعتبار الفعل الاختياري وبه تبين أن اللازم للوضوء معنى الطهارة ومعنى العبادة فيه من الزوائد فإن اتصلت به النية يقع عبادة وإن لم تتصل به لا يقع عبادة لكنه يقع وسيلة إلى إقامة الصلاة لحصول الطهارة كالسعي إلى الجمعة وأما الحديث فتأويله أنه شطر الصلاة لإجماعنا على أنه ليس بشرط الإيمان لصحة الإيمان بدونه ولا شطره لأن الإيمان هو التصديق والوضؤ ( ( ( والوضوء ) ) ) ليس من التصديق في شيء فكان المراد منه أنه شطر الصلاة لأن الإيمان يذكر على إرادة الصلاة لأن قبولها من لوازم الإيمان قال الله تعالى وما كان الله ليضيع إيمانكم أي صلاتكم إلى بيت المقدس وهكذا نقول في التيمم إنه ليس بعبادة أيضا إلا أنه إذا لم تتصل به النية لا يجوز أداء الصلاة به لا لأنه عبادة بل لانعدام حصول الطهارة لأنه طهارة ضرورية جعلت طهارة عند مباشرة فعل لا صحة له بدون الطهارة فإذا عري عن النية لم يقع طهارة بخلاف الوضوء لأنه طهارة حقيقية فلا يقف على النية مبحث التسمية في الوضوء ومنها التسمية وقال مالك إنها فرض إلا إذا كان ناسيا فتقام التسمية بالقلب مقام التسمية باللسان دفعا للحرج واحتج بما روي عن النبي أنه قال لا وضوء لمن لم يسم ولنا أن آية الوضوء مطلقة عن شرط التسمية فلا تقيد إلا بدليل صالح للتقييد ولأن المطلوب من التوضىء ( ( ( المتوضئ ) ) ) هو الطهارة وترك التسمية لا يقدح فيها لأن الماء خلق طهورا في الأصل فلا تقف طهوريته على صنع العبد

قسم V01/P019–V01/P020

والدليل عليه ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله قال من توضأ وذكر اسم الله عليه كان طهورا لجميع بدنه ومن توضأ ولم يذكر اسم الله كان طهورا لما أصاب الماء من بدنه والحديث من جملة الآحاد ولا يجوز تقييد مطلق الكتاب بخبر الواحد ثم هو محمول على نفي الكمال وهو معنى السنة كقول النبي لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد وبه نقول أنه سنة لمواظبة النبي عليها عند افتتاح الوضوء وذلك دليل السنية وقال عليه الصلاة والسلام كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بذكر الله فهو أبتر واختلف المشايخ في أن التسمية يؤتي بها قبل الاستنجاء أو بعده قال بعضهم قبله لأنها سنة افتتاح الوضوء وقال بعضهم بعده لأن حال الاستنجاء حال كشف العورة فلا يكون ذكر اسم الله تعالى في تلك الحالة من باب التعظيم مبحث غسل اليدين ومنها غسل اليدين إلى الرسغين قبل إدخالهما في الإناء للمستيقظ من منامه وقال قوم أنه فرض ثم اختلفوا فيما بينهم منهم من قال أنه فرض من نوم الليل والنهار ومنهم من قال أنه فرض من نوم الليل خاصة واحتجوا بما روي عن النبي أنه قال إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسن يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده والنهي عن الغمس يدل على كون الغسل فرضا ولنا أن الغسل لو وجب لا يخلو إما أن يجب من الحدث أو من النجس لا سبيل إلى الأول لأنه لا يجب الغسل من الحدث إلا مرة واحدة فلو أوجبنا عليه غسل العضو عند استيقاظه من منامه مرة ومرة عند الوضوء لأوجبنا عليه الغسل عند الحدث مرتين ولا سبيل إلى الثاني لأن النجس غير معلوم بل هو موهوم وإليه أشار في الحديث حيث قال فإنه لا يدري أين باتت يده وهذا إشارة إلى توهم النجاسة واحتمالها فيناسبه الندب إلى الغسل واستحبابه لا الإيجاب لأن الأصل هو الطهارة فلا تثبت النجاسة بالشك والاحتمال فكان الحديث محمولا على نهي التنزيه لا التحريم واختلف المشايخ في وقت غسل اليدين أنه قبل الاستنجاء بالماء أو بعده على ثلاثة أقوال قال بعضهم قبله وقال بعضهم بعده وقال بعضهم قبله وبعده تكميلا للتطهير ومنها الاستنجاء بالماء لما روي عن جماعة من الصحابة منهم علي ومعاوية وابن عمر وحذيفة بن اليمان رضي الله عنهم أنهم كانوا يستنجون بالماء بعد الاستنجاء بالأحجار حتى قال ابن عمر فعلناه فوجدناه دواء وطهورا وعن الحسن البصري أنه كان يأمر الناس بالاستنجاء بالماء بعد الاستنجاء بالأحجار ويقول إن من كان قبلكم كان يبعر بعرا وأنتم تثلطون ثلطا فاتبعوا الحجارة الماء وهو كان من الآداب في عصر رسول الله وروي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله توضأ وغسل مقعده بالماء ثلاثا ولما نزل قوله تعالى فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين في أهل قباء ( ( ( قبا ) ) ) سألهم رسول الله عن شأنهم فقالوا إنا نتبع الحجارة الماء ثم صار بعد عصره من السنن بإجماع الصحابة كالتراويح والسنة فيه أن يغسل بيساره لما روي عن النبي أنه قال اليمين للوجه واليسار للمقعد ثم العدد في الاستنجاء بالماء ليس بلازم وإنما المعتبر هو الإنقاء فإن لم يكفه الغسل ثلاثا يزيد عليه وإن كان الرجل موسوسا فلا ينبغي أن يزيد على السبع لأن قطع الوسوسة واجب والسبع هو نهاية العدد الذي ورد الشرع به في الغسل في الجملة كما في حديث ولوغ الكلب مبحث في كيفية الاستنجاء وأما كيفية الاستنجاء فينبغي أن يرخي نفسه إرخاء تكميلا للتطهير وينبغي أن يبتدىء بأصبع ثم بأصبعين ثم بثلاث أصابع لأن الضرورة تندفع به ولا يجوز تنجيس الطاهر من غير ضرورة وينبغي أن يستنجي ببطون الأصابع لا برؤوسها ( ( ( برءوسها ) ) ) كيلا يشبه إدخال الأصبع في العورة وهذا في حق الرجل وأما المرأة فقال بعضهم تفعل مثل ما يفعل الرجل

قسم V01/P020–V01/P021

وقال بعضهم ينبغي أن تستنجي برؤوس ( ( ( برءوس ) ) ) الأصابع لأن تطهير الفرج الخارج في باب الحيض والنفاس والجنابة واجب وفي باب الوضوء سنة ولا يحصل ذلك إلا برؤوس ( ( ( برءوس ) ) ) الأصابع وأما الذي هو في أثناء الوضوء فمنها المضمضة والاستنشاق وقال أصحاب الحديث منهم أحمد بن حنبل هما ( ( ( وهما ) ) ) فرضان في الوضوء والغسل جميعا وقال الشافعي سنتان فيهما جميعا فأصحاب الحديث احتجوا بمواظبته عليهما في الوضوء والشافعي يقول الأمر بالغسل عن الجنابة يتعلق بالظاهر دون الباطن وداخل الأنف والفم من البواطن فلا يجب غسله ولنا أن الواجب في باب الوضوء غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس وداخل الأنف والفم ليس من جملتها أما ما سوى الوجه فظاهر وكذا الوجه لأنه اسم لما يواجه إليه عادة وداخل الأنف والفم لا يواجه إليه بكل حال فلا يجب غسله بخلاف باب الجنابة لأن الواجب هناك تطهير البدن بقوله تعالى وإن كنتم جنبا فاطهروا أي طهروا أبدانكم فيجب غسل ما يمكن غسله من غير حرج ظاهرا كان أو باطنا ومواظبة النبي عليهما في الوضوء دليل السنية دون الفرضية فإنه كان يواظب على سنن العبادات ومنها الترتيب في المضمضة والاستنشاق وهو تقديم المضمضة على الاستنشاق لأن النبي كان يواظب على التقديم ومنها إفراد كل واحد منهما بماء على حدة عندنا وعند الشافعي السنة الجمع بينهما بماء واحد بأن يأخذ الماء بكفه فيتمضمض ببعضه ويستنشق ببعضه واحتج بما روي أن رسول الله تمضمض واستنشق بكف واحد ولنا أن الذين حكوا وضوء رسول الله أخذوا لكل واحد منهما ماء جديدا ولأنهما عضوان منفردان فيفرد كل واحد منهما بماء على حدة كسائر الأعضاء وما رواه محتمل يحتمل أنه تمضمض واستنشق بكف واحد بماء واحد ويحتمل أنه فعل ذلك بماء على حدة فلا يكون حجة مع الاحتمال أو يرد المحتمل إلى المحكم وهو ما ذكرنا توفيقا بين الدليلين ومنها المضمضة ( باليمين ) والاستنشاق باليمين وقال بعضهم المضمضة باليمين والاستنشاق باليسار لأن الفم مطهرة والأنف مقذرة واليمين للأطهار واليسار للأقذار ولنا ما روي عن الحسن بن علي رضي الله عنه أنه استنثر بيمينه فقال له معاوية جهلت السنة فقال الحسن رضي الله عنه كيف أجهل والسنة خرجت من بيوتنا أما علمت أن النبي قال اليمين للوجه واليسار للمقعد ومنها المبالغة في المضمضة والاستنشاق إلا في حال الصوم فيرفق لما روي أن النبي قال للقيط بن صبرة بالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائما فأرفق ولأن المبالغة فيهما من باب التكميل في التطهير فكانت مسنونة إلا في حال الصوم لما فيها من تعريض الصوم للفساد مبحث في الترتيب في الوضوء ومنها الترتيب في الوضوء لأن النبي واظب عليه ومواظبته عليه دليل السنة وهذا عندنا وعند الشافعي هو فرض وجه قوله أن الأمر وإن تعلق بالغسل والمسح في آية الوضوء بحرف الواو وإنها للجمع المطلق لكن الجمع المطلق يحتمل الترتيب فيحمل على الترتيب بفعل رسول الله ( حيث غسل ) مرتبا فكان فعله بيانا لأحد المحتملين ولنا أن حرف الواو للجمع المطلق والجمع بصفة الترتيب جمع مقيد ولا يجوز تقييد المطلق إلا بدليل وفعل النبي يمكن أن يحمل على موافقة الكتاب وهو أنه إنما فعل ذلك لدخوله تحت الجمع المطلق لكن ( لا من حيث أنه جمع بل ) من حيث أنه مرتب وعلى هذا الوجه يكون عملا بموافقة الكتاب كمن أعتق رقبة مؤمنة في كفارة اليمين أو الظهار أنه يجوز بالإجماع وذا لا ينفي أن تكون الرقبة المطلقة مرادة من النص لأن جواز المؤمنة من حيث هي رقبة لا من حيث هي مؤمنة كذا ههنا ولأن الأمر بالوضوء للتطهير لما ذكرنا في المسائل المتقدمة والتطهير لا يقف على الترتيب لما مر مبحث الموالاة في الوضوء

قسم V01/P021–V01/P022

ومنها الموالاة وهي أن لا يشتغل المتوضىء ( ( ( المتوضئ ) ) ) بين أفعال الوضوء بعمل ليس منه لأن النبي هكذا كان يفعل وقيل في تفسير الموالاة أن لا يمكث في أثناء الوضوء مقدار ما يجف فيه العضو المغسول فإن مكث تنقطع الموالاة وعند مالك هي فرض وقيل إنه أحد قولي الشافعي والكلام في الطرفين على نحو ما ذكرنا في الترتيب فافهم مبحث التثليث في الغسل ومنها التثليث في الغسل وهو أن يغسل أعضاء الوضوء ثلاثا ثلاثا لما روي أن رسول الله توضأ مرة مرة وقال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به وتوضأ مرتين مرتين وقال هذا وضوء من يضاعف الله له الأجر مرتين وتوضأ ثلاثا ثلاثا وقال هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي فمن زاد على هذا أو نقص فقد تعدى وظلم وفي رواية فمن زاد أو نقص فهو من المعتدين واختلف في تأويله قال بعضهم زاد على مواضع الوضوء ونقص عن مواضعه وقال بعضهم زاد على ثلاث مرات ولم ينو ابتداء الوضوء ونقص عن الواحدة والصحيح أنه محمول على الاعتقاد دون نفس الفعل معناه فمن زاد على الثلاث أو نقص عن الثلاث بأن لم ير الثلاث سنة لأن من لم ير سنة رسول الله سنة فقد ابتدع فيلحقه الوعيد حتى لو زاد على الثلاث أو نقص ورأى الثلاث سنة لا يلحقه هذا الوعيد لأن الزيادة على الثلاث من باب الوضوء على الوضوء إذ نوى به وإنه نور على نور على لسان رسول الله وكذا جعل رسول الله الوضوء مرتين سببا لتضعيف الثواب فكان المراد منه الاعتقاد لا نفس الزيادة والنقصان مبحث البداءة باليمين ومنها البداءة باليمين في ( غسل ) اليدين والرجلين لأن رسول الله كان يواظب على ذلك وهي سنة في الوضوء وفي غيره من الأعمال لما روي أن النبي كان يحب التيامن في كل شيء حتى التنعل والترجل ومنها البداءة فيه من رؤوس الأصابع لأن رسول الله كان يفعل ذلك ومنها تخليل الأصابع بعد إيصال الماء إلى منابتها لقول النبي خللوا أصابعكم قبل أن تخللها نار جهنم ( وفي رواية خللوا أصابعكم لا تخللها نار جهنم ) ولأن التخليل من باب إكمال الفريضة فكان مسنونا ولو كان في أصبعه خاتم فإن كان واسعا فلا حاجة إلى التحريك وإن كان ضيقا فلا بد من التحريك ليصل الماء إلى ما تحته مبحث الاستيعاب في مسح الرأس ومنها الاستيعاب في مسح الرأس وهو أن يمسح كله لما روى عبد الله بن زيد أن النبي مسح رأسه بيديه كلتيهما أقبل بهما وأدبر وعند مالك فرض وقد مر الكلام فيه ومنها البداءة بالمسح من مقدم الرأس وقال الحسن البصري السنة البداءة من الهامة فيضع يديه عليها فيمدهما إلى مقدم الرأس ثم يعيدهما إلى القفا وهكذا روى هشام عن محمد والصحيح قول العامة لما روي أن النبي كان يبتدىء بالمسح من مقدم رأسه ولأن السنة في المغسولات البداءة بالغسل من أول العضو فكذا في الممسوحات ومنها أن يمسح رأسه مرة واحدة والتثليث مكروه وهذا عندنا وقال الشافعي السنة هي التثليث وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يمسح ثلاث مرات بماء واحد احتج الشافعي بما روي أن عثمان بن عفان وعليا رضي الله عنهما حكيا وضوء رسول الله فغسلا ثلاثا ومسحا بالرأس ثلاثا ولأن هذا ركن أصلي في الوضوء فيسن فيه التثليث قياسا على الركن الآخر وهو الغسل بخلاف المسح على الخفين لأنه ليس بركن أصلي بل ثبت رخصة ومبنى الرخصة على الخفة ولنا ما روي عن معاذ رضي الله عنه أنه قال رأيت رسول الله توضأ مرة مرة ورأيته توضأ مرتين مرتين ورأيته توضأ ثلاثا وما رأيته مسح على رأسه إلا مرة واحدة وكذا روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه علم الناس وضوء رسول الله ومسح مرة واحدة

قسم V01/P022

وأما حكاية عثمان وعلي رضي الله منهما فالمشهور منهما أنهما مسحا مرة واحدة كذا ذكر أبو داود في سننه أن الصحيح من حديث عثمان رضي الله عنه أنه مسح رأسه وأذنيه مرة واحدة وكذا روى عبد خير عن علي رضي الله عنه أنه توضأ في رحبة الكوفة بعد صلاة الفجر ومسح رأسه مرة واحدة ثم قال من سره أن ينظر إلى وضوء رسول الله فلينظر إلى وضوئي هذا ولو ثبت ما رواه الشافعي فهو محمول على أنه فعله بماء واحد وذلك سنة عندنا في رواية الحسن عن أبي حنيفة ولأن التثليث بالمياه الجديدة تقريب إلى الغسل فكان مخلا باسم المسح واعتباره بالغسل فاسد من وجهين أحدهما أن المسح بني على التخفيف والتكرار من باب التغليظ فلا يليق بالمسح بخلاف الغسل والثاني أن التكرار في الغسل مفيد لحصول زيادة نظافة ووضاءة لا تحصل بالمرة الواحدة ولا يحصل ذلك بتكرار المسح فبطل القياس مبحث الأذنين ومنها أن يمسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما بماء الرأس وقال الشافعي السنة أن يأخذ لكل واحد منهما ماء جديدا وجه قوله إنهما عضوان منفردان وليسا من الرأس حقيقة وحكما أما الحقيقة فإن الرأس منبت الشعر ولا شعر عليهما وأما الحكم فلأن المسح عليهما لا ينوب عن مسح الرأس كسائر أجزاء الرأس ولنا ما روي عن علي رضي الله عنه أن رسول الله مسح أذنيه بماء مسح به رأسه وروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي أنه قال الأذنان من الرأس ومعلوم أنه ما أراد به بيان الخلقة بل بيان الحكم إلا أنه لا ينوب المسح عليهما عن مسح الرأس لأن وجوب مسح الرأس ثبت بدليل مقطوع به وكون الأذنين من الرأس ثبت بخبر الواحد وأنه يوجب العمل دون العلم فلو ناب المسح عليهما عن مسح الرأس لجعلناهما من الرأس قطعا وهذا لا يجوز وصار هذا كقول النبي الحطيم من البيت فالحديث يفيد كون الحطيم من البيت حتى يطاف به كما يطاف بالبيت ثم لا يجوز أداء الصلاة إليه لأن وجوب الصلاة إلى الكعبة ثبت بدليل مقطوع به وكون الحطيم من البيت ثبت بخبر الواحد والعمل بخبر الواحد إنما يجب إذا لم يتضمن إبطال العمل بدليل مقطوع به وأما إذا تضمن فلا كذلك ههنا وأما تخليل اللحية فعند أبي حنيفة ومحمد من الآداب وعند أبي يوسف سنة هكذا ذكر محمد في كتاب الآثار لأبي يوسف ما روي أن رسول الله توضأ وشبك أصابعه في لحيته كأنها أسنان المشط ولهما أن الذين حكوا وضوء رسول الله ما خللوا لحاهم وما رواه أبو يوسف فهو حكاية فعله ذلك اتفاقا لا بطريق المواظبة وهذا لا يدل على السنة مبحث مسح الرقبة وأما مسح الرقبة فقد اختلف المشايخ فيه قال أبو بكر الأعمش أنه سنة وقال أبو بكر الإسكاف أنه أدب فصل وأما آداب الوضوء فمنها أن لا يستعين المتوضىء ( ( ( المتوضئ ) ) ) على وضوئه بأحد لما روي عن أبي الجنوب أنه قال رأيت عليا يستقي ماءا ( ( ( ماء ) ) ) لوضوئه فبادرت أستقي له فقال مه يا أبا الجنوب فإني رأيت عمر يستقي ماء لوضوئه فبادرت أستقي له فقال مه يا أبا الحسن فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستقي ماء لوضوئه فبادرت أستقي له فقال مه يا عمر إني لا أريد أن يعينني على صلاتي أحد ومنها أن لا يسرف في الوضوء ولا يقتر والأدب فيما بين الإسراف والتقتير إذ الحق بين الغلو والتقصير قال النبي صلى الله عليه وسلم خير الأمور أوسطها ومنها دلك أعضاء الوضوء خصوصا في الشتاء لأن الماء يتجافى عن الأعضاء

قسم V01/P022–V01/P023

ومنها أن يدعو عند كل فعل من أفعال الوضوء بالدعوات المأثورة المعروفة وأن يشرب فضل وضوئه قائما إذا لم يكن صائما ثم يستقبل القبلة ويقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ويملأ الآنية عدة لوضوء آخر ويصلي ركعتين لأن كل ذلك مما ورد في الأخبار أنه فعله صلى الله عليه وسلم ولكن لم يواظب عليه وهذا هو الفرق بين السنة والأدب أن السنة ما واظب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتركه إلا مرة أو مرتين لمعنى من المعاني والأدب ما فعله مرة أو مرتين ولم يواظب عليه فصل وأما بيان ما ينقض الوضوء فالذي ينقضه الحدث والكلام في الحدث في الأصل في موضعين أحدهما في بيان ماهيته والثاني في بيان حكمه أما الأول فالحدث نوعان حقيقي وحكمي أما الحقيقي فقد اختلف فيه قال أصحابنا الثلاثة هو خروج النجس من الآدمي الحي سواء كان من السبيلين الدبر والذكر أو فرج المرأة أو من غير السبيلين الجرح والقرح والأنف والفم من الدم والقيح والرعاف والقيء وسواء كان الخارج من السبيلين معتادا كالبول والغائط والمني والمذي والودي ودم الحيض والنفاس أو غير معتاد كدم الاستحاضة وقال زفر ظهور النجس من الآدمي الحي وقال مالك في قول هو خروج النجس المعتاد من السبيل المعتاد فلم يجعل دم الاستحاضة حدثا لكونه غير معتاد وقال الشافعي هو خروج شيء من السبيلين فليس بحدث وهو أحد قولي مالك أما قول مالك فمخالف للسنة وهو قوله المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة وقوله للمستحاضة توضئي وصلي وإن قطر الدم على الحصير قطرا وقوله توضئي فإنه دم عرق انفجر ولأن المعنى الذي يقتضي كون الخروج من السبيلين حدثا لا يوجب الفصل بين المعتاد وغير المعتاد لما يذكر فالفصل يكون تحكما على الدليل وأما الكلام مع الشافعي فهو احتج بما روي عن رسول الله أنه قاء فغسل فمه فقيل له ألا تتوضأ وضوءك للصلاة فقال هكذا الوضوء من القيء وعن عمر رضي الله عنه أنه حين طعن كان يصلي والدم يسيل منه ولأن خروج النجس من البدن زوال النجس عن البدن وزوال النجس عن البدن كيف يوجب تنجيس البدن مع أنه لا نجس على أعضاء الوضوء حقيقة وهذا هو القياس في السبيلين إلا أن الحكم هناك عرف بالنص غير معقول فيقتصر على مورد النص ولنا ما روي عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أنه قال دخلت على رسول الله فغرفت له غرفة فأكلها فجاء المؤذن فقلت الوضوء يا رسول الله فقال إنما علينا الوضوء مما يخرج ليس مما يدخل علق ( ( ( وعلق ) ) ) الحكم بكل ما يخرج أو بمطلق الخارج من غير اعتبار المخرج إلا أن خروج الطاهر ليس بمراد فبقي خروج النجس مرادا وروي عن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله أنه قال من قاء أو رعف في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته ما لم يتكلم والحديث حجة على الشافعي في فصلين في وجوب الوضوء بخروج النجس من غير السبيلين وفي جواز البناء عند سبق الحدث في الصلاة وروي أنه قال لفاطمة بنت حبيش توضيء ( ( ( توضئي ) ) ) فإنه دم عرق انفجر أمرها بالوضوء وعلل بانفجار دم العرق لا بالمرور على المخرج وعن تميم الداري عن رسول الله أنه قال الوضوء من كل دم سائل

قسم V01/P023–V01/P024

والأخبار في هذا الباب وردت مورد الاستفاضة حتى روي عن عشرة من الصحابة أنهم قالوا مثل مذهبنا وهم عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وثوبان وأبو الدرداء وقيل في التاسع والعاشر أنهما زيد بن ثابت وأبو موسى الأشعري وهؤلاء فقهاء الصحابة متبع لهم في فتواهم فيجب تقليدهم وقيل أنه مذهب العشرة المبشرين بالجنة ولأن الخروج من السبيلين إنما كان حدثا لأنه يوجب تنجيس ظاهر البدن لضرورة تنجس موضع الإصابة فنزول ( ( ( فتزول ) ) ) الطهارة ضرورة إذ النجاسة والطهارة ضدان فلا يجتمعان في محل واحد في زمان واحد ومتى زالت الطهارة عن ظاهر البدن خرج من أن يكون أهلا للصلاة التي هي مناجاة مع الله تعالى فيجب تطهيره بالماء ليصير أهلا لها وما رواه الشافعي محمول ( ( ( محتمل ) ) ) يحتمل أنه قاء أقل من ملء الفم وكذا اسم الوضوء يحتمل غسل الفم فلا يكون حجة مع الاحتمال أو نحمله ( ( ( محمله ) ) ) على ما قلنا توفيقا بين الدلائل وأما حديث عمر فليس فيه أنه كان يصلي بعد الطعن من غير تجديد الوضوء بل يحتمل أنه توضأ بعد الطعن مع سيلان الدم وصلى وبه نقول كما في المستحاضة وقوله أن خروج النجس عن البدن زوال النجس عن البدن فكيف يوجب تنجسه مسلم أنه يزول به شيء من نجاسة الباطن لكن يتنجس به الظاهر لأن القدر الذي زال إليه أوجب زوال الطهارة عنه والبدن في حكم الطهارة والنجاسة لا يتجرأ ( ( ( يتجزأ ) ) ) والعزيمة هي غسل كل البدن إلا أنه أقيم غسل أعضاء الوضوء مقام غسل كل البدن رخصة وتيسيرا ودفعا للحرج وبه تبين أن الحكم في الأصل معقول فيتعدى إلى الفرع وقوله لا نجاسة على أعضاء الوضوء حقيقية ( ( ( حقيقة ) ) ) ممنوع بل عليها نجاسة حقيقية معنوية وإن كان الحس لا يدركها وهي نجاسة الحدث على ما عرف في الخلافيات وإذا عرف ( ( ( عرفنا ) ) ) ماهية الحدث نخرج عليه المسائل فنقول إذا ظهر شيء من البول والغائط على رأس المخرج انتقضت الطهارة لوجود الحدث وهو خروج النجس وهو انتقاله من الباطن إلى الظاهر لأن رأس المخرج عضو ظاهر وإنما انتقلت النجاسة إليه من موضع آخر فإن موضع البول المثانة وموضع الغائط موضع في البطن يقال له قولون وسواء كان الخارج قليلا أو كثيرا سال عن رأس المخرج أو لم يسل لما قلنا وكذا المني والمذي والودي ودم الحيض والنفاس ودم الاستحاضة لأنها كلها أنجاس لما يذكر في بيان أنواع الأنجاس وقد انتقلت من الباطن إلى الظاهر فوجد خروج النجس من الآدمي الحي فيكون حدثا إلا أن بعضها يوجب الغسل وهو المني ودم الحيض والنفاس وبعضها يوجب الوضوء وهو المذي والودي ودم الاستحاضة لما يذكر إن شاء الله تعالى وكذلك خروج الولد والدودة والحصا واللحم وعود الحقنة بعد غيبوبتها لأن هذه الأشياء وإن كانت طاهرة في أنفسها لكنها لا تخلو عن قليل نجس يخرج معها والقليل من السبيلين خارج لما بينا وكذا الريح الخارجة من الدبر لأن الريح وإن كانت جسما طاهرا في نفسه لكنه لا يخلو عن قليل نجس يقوم به لانبعاثه من محل الأنجاس وروي عن رسول الله أنه قال لا وضوء إلا من صوت أو ريح وروي عنه أنه قال إن الشيطان يأتي أحدكم فينفخ بين إليتيه فيقول أحدثت أحدثت فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا وأما الريح الخارجة من قبل المرأة أو ذكر الرجل فلم يذكر حكمها في ظاهر الرواية وروي عن محمد أنه قال فيها الوضوء وذكر الكرخي أنه لا وضوء فيها إلا أن تكون المرأة مفضاة فيخرج منها ريح منتنة فيستحب لها الوضوء وجه رواية محمد أن كل واحد منهما مسلك النجاسة كالدبر فكانت الريح الخارجة منهما كالخارجة من الدبر فيكون حدثا

قسم V01/P024–V01/P025

وجه ما ذكره الكرخي أن الريح ليست بحدث في نفسها لأنها طاهرة وخروج الطاهر لا يوجب انتقاض الطهارة وإنما انتقاض الطهارة بما يخرج بخروجها من أجزاء النجس وموضع الوطء من فرج المرأة ليس بمسلك البول فالخارج منه من الريح لا يجاوره النجس وإذا كانت مفضاة فقد صار مسلك البول ومسلك الوطء مسلكا واحدا فيحتمل أن الريح خرجت من مسلك البول فيستحب لها الوضوء ولا يجب لأن الطهارة الثابتة بيقين لا يحكم بزوالها بالشك وقيل إن خروج الريح من الذكر لا يتصور وإنما هو اختلاج يظنه الإنسان ريحا هذا حكم السبيلين فأما حكم غير السبيلين من الجرح والقرح فإن سال الدم والقيح والصديد عن رأس الجرح والقرح ينتقض الوضوء عندنا لوجود الحدث وهو خروج النجس وهو انتقال النجس من الباطن إلى الظاهر وعند الشافعي لا ينتقض لانعدام الخروج من السبيلين وعند زفر ينتقض سواء سال أو لم يسل بناء على ما ذكر فلو ظهر الدم على رأس الجرح ولم يسل لم يكن حدثا عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر يكون حدثا سال أو لم يسل بناء على ما ذكرنا أن الحدث الحقيقي عنده هو ظهور النجس من الآدمي الحي وقد ظهر وجه قوله أن ظهور النجس اعتبر حدثا في السبيلين سال عن رأس المخرج أو لم يسل فكذا في غير السبيلين ولنا أن الظهور ما اعتبر حدثا في موضع ما وإنما انتقضت الطهارة في السبيلين إذا طهر ( ( ( ظهر ) ) ) النجس على رأس المخرج لا بالظهور بل بالخروج وهو الانتقال من الباطن إلى الظاهر على ما بينا كذا ههنا وهذا لأن الدم إذا لم يسل كان في محله لأن البدن محل الدم والرطوبات إلا أنه كان مستترا بالجلدة وانشقاقها يوجب زوال السترة لا زوال الدم عن محله ولا حكم للنجس ما دام في محله ألا ترى أنه تجوز الصلاة مع ما في البطن من الأنجاس فإذا سال عن رأس الجرح فقد انتقل عن محله فيعطى له حكم النجاسة وفي السبيلين وجد الانتقال لما ذكرنا وعلى هذا خروج القيء ملء الفم أنه يكون حدثا وإن كان أقل من ملء الفم لا يكون حدثا وعند زفر يكون حدثا قل أو كثر ووجه البناء على هذا الأصل أن الفم له حكم الظاهر عنده بدليل أن الصائم إذا تمضمض لا يفسد صومه فإذا وصل القيء إليه فقد طهر ( ( ( ظهر ) ) ) النجس من الآدمي الحي فيكون حدثا وإنا نقول له مع الظاهر حكم الظاهر كما ذكره زفر وله مع الباطن حكم الباطن بدليل أن الصائم إذا ابتلع ريقه لا يفسد صومه فلا يكون الخروج إلى الفم حدثا لأنه انتقال من بعض الباطن إلى بعض وإنما الحدث هو الخروج من الفم لأنه انتقال من الباطن إلى الظاهر والخروج لا يتحقق في القليل لأنه يمكن رده وإمساكه فلا يخرج بقوة نفسه بل بالإخراج فلا يوجد السيلان ويتحقق في الكثير لأنه لا يمكن رده وإمساكه فكان خارجا بقوة نفسه لا بالإخراج فيوجد السيلان ثم نتكلم في المسألة ابتداء فحجة زفر ما روي عن النبي أنه قال القلس حدث من غير فصل بين القليل والكثير ولأن الحدث ( إن كان ) اسم لخروج النجس وقد وجد لأن القليل خارج نجس كالكثير فيستوي فيه القليل والكثير كالخارج من السبيلين ولنا ما روي عن علي رضي الله عنه موقوفا عليه ومرفوعا إلى رسول الله أنه عد الأحداث جملة وقال فيها أو ( ( ( أود ) ) ) دسعة ( ( ( سعة ) ) ) تملأ الفم ولو كان القليل حدثا لعده عند عد الأحداث كلها

قسم V01/P025–V01/P026

وأما الحديث فالمراد منه القيء ملء الفم لأن المطلق ينصرف إلى المتعارف وهو القيء ملء الفم أو يحمل على هذا توفيقا بين الحديثين صيانة لهما عن التناقض وقوله وجد خروج النجس في القليل قلنا إن سلمنا ذلك ففي قليل القيء ضرورة لأن الإنسان لا يخلو منه خصوصا حال الامتلاء ومن صاحب السعال ولو جعل حدثا لوقع الناس في الحرج والله تعالى ما جعل علينا في الدين من حرج ولا ضرورة في القليل من السبيلين ولا فرق بين أن يكون القيء مرة صفراء أو سوداء وبين أن يكون طعاما أو ماء صافيا لأن الحدث اسم لخروج النجس والطعام أو الماء صار نجسا لاختلاطه بنجاسات المعدة ولم يذكر في ظاهر الرواية تفسير ملء الفم وقال أبو علي الدقاق هو أن يمنعه من الكلام وعن الحسن بن زياد هو أن يعجز عن إمساكه ورده وعليه اعتمد الشيخ أبو منصور وهو الصحيح لأن ما قدر على إمساكه ورده فخروجه لا يكون بقوة نفسه بل بالإخراج فلا يكون سائلا وما عجز عن إمساكه ورده فخروجه يكون بقوة نفسه فيكون سائلا والحكم متعلق بالسيلان ولو قاء أقل من ملء الفم مرارا هل يجمع ويعتبر حدثا لم يذكر في ظاهر الرواية وروي عن أبي يوسف أنه إن كان في مجلس واحد يجمع وإلا فلا وروي عن محمد أنه إن كان بسبب غثيان واحد يجمع وإلا فلا وقال أبو علي الدقاق يجمع كيفما كان وجه قول أبي يوسف أن المجلس جعل في الشرع جامعا لأشياء متفرقة كما في باب البيع وسجدة التلاوة ونحو ذلك وقول محمد أظهر لأن اعتبار المجلس اعتبار المكان واعتبار الغثيان اعتبار السبب والوجود يضاف إلى السبب لا إلى المكان ولو سال الدم إلى ما لان من الأنف أو إلى صماخ الأذن يكون حدثا لوجود خروج النجس وهو انتقال الدم من الباطن إلى الظاهر وروي عن محمد في رجل أقلف خرج البول أو المذي من ذكره حتى صار في قلفته فعليه الوضوء وصار بمنزلة المرأة إذا خرج المذي أو البول من فرجها ولم يظهر ولو حشا الرجل إحليله بقطنة فابتل الجانب الداخل منها لم ينتقض وضوؤه لعدم الخروج وإن تعدت البلة إلى الجانب الخارج ينظر إن كانت القطنة عالية أو محاذية لرأس الإحليل ينتقض وضوؤه لتحقق الخروج وإن كانت ( مستفلة ( ( ( متسفلة ) ) ) ) لم ينتقض لأن الخروج لم يتحقق ولو حشت المرأة فرجها بقطنة فإن وضعتها في الفرج الخارج فابتل الجانب الداخل من القطنة كان حدثا وإن لم ينفذ إلى الجانب الخارج لا يكون حدثا لأن الفرج الخارج منها بمنزلة الإليتين من الدبر فوجد الخروج وإن وضعتها في الفرج الداخل فابتل الجانب الداخل من القطنة لم يكن حدثا لعدم الخروج وإن تعدت البلة إلى الجانب الخارج فإن كانت القطنة عالية أو محاذية ( لجوف ( ( ( لجانب ) ) ) ) الفرج كان حدثا لوجود الخروج وإن كانت مستفلة ( ( ( متسفلة ) ) ) لم يكن حدثا لعدم الخروج وهذا كله إذا لم تسقط القطنة فإن سقطت القطنة فهو حدث وحيض في المرأة سواء ابتل الجانب الخارج أو الداخل لوجود الخروج ولو كان في أنفه قرح فسال الدم عن رأس القرح يكون حدثا وإن لم يخرج من المنخر لوجود السيلان عن محله ولو بزق فخرج معه الدم إن كانت الغلبة للبزاق لا يكون حدثا لأنه ما خرج بقوة نفسه وإن كانت الغلبة للدم يكون حدثا لأن الغالب إذا كان هو البزاق لم يكن خارجا بقوة نفسه فلم يكن سائلا وإن كان الغالب هو الدم كان خروجه بقوة نفسه فكان سائلا وإن كانا سواء فالقياس أن لا يكون حدثا وفي الاستحسان يكون حدثا

قسم V01/P026

وجه القياس أنهما إذا استويا احتمل أن الدم خرج بقوة نفسه واحتمل أنه خرج بقوة البزاق فلا يجعل حدثا بالشك وللاستحسان وجهان أحدهما أنهما إذا استويا تعارضا فلا يمكن أن يجعل أحدهما تبعا للآخر فيعطي كل واحد منهما حكم نفسه فيعتبر خارجا بنفسه فيكون سائلا والثاني أن الأخذ بالاحتياط عند الاشتباه واجب وذلك فيما قلنا ولو ظهر الدم على رأس الجرح فمسحه مرارا فإن كان بحال لو تركه لسال يكون حدثا وإلا فلا لأن الحكم متعلق بالسيلان ولو ألقى عليه الرماد أو التراب فتشرب فيه أو ربط عليه رباطا فابتل الرباط ونفذ قالوا يكون حدثا لأنه سائل وكذا لو كان الرباط ذا طاقين فنفذ إلى أحدهما لما قلنا ولو سقطت الدودة أو اللحم من ( القرح ( ( ( الفرج ) ) ) ) لم يكن حدثا ولو سقطت من السبيلين يكون حدثا والفرق أن الدودة الخارجة من السبيل نجسة في نفسها لتولدها من الأنجاس وقد خرجت بنفسها وخروج النجس بنفسه حدث بخلاف الخارجة من القرح لأنها طاهرة في نفسها لأنها تتولد من اللحم واللحم طاهر وإنما النجس ما عليها من الرطوبات وتلك الرطوبات خرجت بالدابة لا بنفسها فلم يوجد خروج النجس فلا يكون حدثا ولو خلل أسنانه فظهر الدم على رأس الخلال لا يكون حدثا لأنه ما خرج بنفسه وكذا لو عض على شيء فظهر الدم على أسنانه لما قلنا ولو سعط في أنفه ووصل السعوط إلى رأسه ثم رجع إلى الأنف أو إلى الأذن لا يكون حدثا لأن الرأس ليس موضع الأنجاس ولو عاد إلى الفم ذكر الكرخي أنه لا يكون حدثا لما قلنا وروى علي بن الجعد عن أبي يوسف أن حكمه حكم القيء لأن ما وصل إلى الرأس لا يخرج من الفم إلا بعد نزوله في الجوف ولو قاء بلغما لم يكن حدثا في قول أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف يكون حدثا فمن مشايخنا من قال لا خلاف في المسألة لأن جواب أبي يوسف في الصاعد من المعدة وهو حدث عند الكل وجوابهما في المنحدر من الرأس وهو ليس بحدث عند الكل ومنهم من قال في المنحدر من الرأس اتفاق أنه ليس بحدث وفي الصاعد من المعدة اختلاف وجه قول أبي يوسف أنه نجس لاختلاطه بالأنجاس لأن المعدة معدن الأنجاس فيكون حدثا كما لو قاء طعاما أو ماء ولهما أنه شيء صقيل لا يلتصق به شيء من الأنجاس فكان طاهرا على أن الناس من لدن رسول الله اعتادوا أخذ البلغم بأطراف أرديتهم وأكمامهم من غير نكير فكان إجماعا منهم على طهارته وذكر أبو منصور أنه لا خلاف في المسألة في الحقيقة لأن جواب أبي يوسف في الصاعد من المعدة وأنه حدث بالإجماع لأنه نجس وجوابهما في الصاعد من حواشي الحلق وأطراف الرئة وأنه ليس بحدث بالإجماع لأنه طاهر فينظر إن كان صافيا غير مخلوط بشيء من الطعام وغيره تبين أنه لم يصعد من المعدة فلا يكون نجسا فلا يكون حدثا وإن كان مخلوطا بشيء من ذلك تبين أنه صعد منها فكان نجسا فيكون حدثا وهذا هو الأصح وأما إذا قاء دما فلم يذكر في ظاهر الرواية نصا وذكر المعلى عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه يكون حدثا قليلا كان أو كثيرا جامدا كان أو مائعا وروي عن الحسن بن زياد عنهما أنه إن كان مائعا ينقض قل أو كثر وإن كان جامدا لا ينقض ما لم يملأ الفم

قسم V01/P026–V01/P027

وروى ابن رستم عن محمد أنه لا يكون حدثا ما لم يملأ الفم كيفما كان وبعض مشايخنا صححوا رواية محمد وحملوا رواية الحسن والمعلى في القليل من المائع على الرجوع وعليه اعتمد شيخنا لأنه الموافق لأصول أصحابنا في اعتبار خروج النجس لأن الحدث اسم له والقليل ليس بخارج لما مر وإليه أشار في الجامع الصغير من غير خلاف فإنه قال وإذا قلس أقل من ملء الفم لم ينتقض الوضوء من غير فصل بين الدم وغيره وعامة مشايخنا حققوا الاختلاف وصححوا قولهما لأن القياس في القليل من سائر أنواع القيء أن يكون حدثا لوجود الخروج حقيقة وهو الانتقال من الباطن إلى الظاهر لأن الفم له حكم الظاهر على الإطلاق وإنما سقط اعتبار القليل لأجل الحرج لأنه يكثر وجوده ولا حرج في اعتبار القليل من الدم لأنه لا يغلب وجوده بل يندر فبقي على أصل القياس والله أعلم هذا الذي ذكرنا حكم الأصحاء وأما أصحاب الأعذار كالمستحاضة وصاحب الجرح السائل والمبطون ومن به سلس البول ومن به رعاف دائم أو ريح ونحو ذلك ممن لا يمضي عليه وقت صلاة إلا ويوجد ما ابتلي به من الحدث فيه فخروج النجس من هؤلاء لا يكون حدثا في الحال ما دام وقت الصلاة قائما حتى أن المستحاضة لو توضأت في أول الوقت فلها أن تصلي ما شاءت من الفرائض والنوافل ما لم يخرج الوقت وإن دام السيلان وهذا عندنا وقال الشافعي إن كان العذر من أحد السبيلين كالاستحاضة وسلس البول وخروج الريح يتوضأ لكل فرض ويصلي ما شاء من النوافل وقال مالك في أحد قوليه يتوضأ لكل صلاة واحتجا بما روي عن النبي أنه قال أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة فمالك عمل بمطلق اسم الصلاة والشافعي قيده بالفرض لأنه الصلاة المعهودة ولأن طهارة المستحاضة طهارة ضرورية لأنه قارنها ما ينافيها أو طرأ عليها والشيء لا يوجد ولا يبقى مع المنافي إلا أنه لم يظهر حكم المنافي لضرورة الحاجة إلى الأداء والضرورة إلى أداء فرض الوقت فإذا فرغ من الأداء ارتفعت الضرورة فظهر حكم المنافي والنوافل اتباع الفرائض لأنها شرعت لتكميل الفرائض جبرا للنقصان للتمكن ( ( ( المتمكن ) ) ) فيها فكانت ملحقة بأجزائها والطهارة الواقعة لصلاة واقعة لها بجميع أجزائها بخلاف فرض آخر لأنه ليس بتبع بل هو أصل بنفسه ولنا ما روى أبو حنيفة بإسناده عن النبي أنه قال المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة هذا نص في الباب ولأن العزيمة شغل جميع الوقت بالأداء شكرا للنعمة بالقدر الممكن وإحرازا للثواب على الكمال إلا أنه جوز ترك شغل بعض الوقت بالأداء رخصة وتيسيرا فضلا من الله ورحمة تمكينا من استدراك الفائت بالقضاء والقيام بمصالح القوام وجعل ذلك شغلا لجميع الوقت حكما فصار وقت الأداء شرعا بمنزلة وقت الأداء فعلا ثم قيام الأداء مبق للطهارة فكذلك الوقت القائم مقامه وما رواه الشافعي فهو حجة عليه لأن مطلق الصلاة ينصرف إلى الصلاة المعهودة والمطلق ينصرف إلى المعهود المتعارف كما في قوله الصلاة عماد الدين وما روي أنه صلى صلوات بوضوء واحد ونحو ذلك والصلوات ( ( ( والصلاة ) ) ) المعهودة هي الصلوات الخمس في اليوم والليلة فكأنه قال المستحاضة تتوضأ في اليوم والليلة خمس مرات فلو أوجبنا عليها الوضوء لكل صلاة أو لكل فرض تقضي لزاد على الخمس بكثير وهذا خلاف النص ولأن الصلاة تذكر على إرادة وقتها قال النبي في حديث التيمم أينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت والمدرك هو الوقت دون الصلاة التي هي فعله وقال إن للصلاة أولا وآخرا أي لوقت الصلاة ويقال آتيك لصلاة الظهر أي لوقتها فجاز أن تذكر الصلاة ويراد بها وقتها ولا يجوز أن يذكر الوقت ويراد به الصلاة فيحمل المحتمل على المحكم توفيقا بين الدليلين صيانة لهما عن التناقض

قسم V01/P027–V01/P028

وإنما تبقى طهارة صاحب العذر في الوقت إذا لم يحدث حدثا آخر أما إذا أحدث حدثا آخر فلا تبقى لأن الضرورة في الدم السائل لا في غيره فكان هو في غيره كالصحيح قبل الوضوء وكذلك إذا توضأ للحدث أولا ثم سال الدم فعليه الوضوء لأن ذلك الوضوء لم يقع لدم ( ( ( لعدم ) ) ) العذر فكان عدما في حقه وكذا إذا سال الدم من أحد منخريه فتوضأ ثم سال من المنخر الآخر فعليه الوضوء لأن هذا حدث جديد لم يكن موجودا وقت الطهارة فلم تقع الطهارة له فكان هو والبول والغائط سواء فأما إذا سال منهما جميعا فتوضأ ثم انقطع أحدهما فهو على وضوء ما بقي الوقت لأن طهارته حصلت لهما جميعا والطهارة متى وقعت لعذر لا يضرها السيلان ما بقي الوقت فبقي هو صاحب عذر بالمنخر الآخر وعلى هذا حكم صاحب القروح إذا كان البعض سائلا ثم سال الآخر أو كان الكل سائلا فانقطع السيلان عن البعض ثم اختلف أصحابنا في طهارة المستحاضة أنها تنتقض عند خروج الوقت أم عند دخوله أم عند أيهما كان قال أبو حنيفة ومحمد تنتقض عند خروج الوقت لا غير وقال زفر عند دخول الوقت لا غير وقال أبو يوسف عند أيهما كان وثمرة هذا الاختلاف لا تظهر إلا في موضعين أحدهما أن يوجد الخروج بلا دخول كما إذا توضأت في وقت الفجر ثم طلعت الشمس فإن طهارتها تنتقض عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد لوجود الخروج وعند زفر لا تنتقض لعدم الدخول والثاني أن يوجد الدخول بلا خروج كما إذا توضأت قبل الزوال ثم زالت الشمس فإن طهارتها لا تنتقض عند أبي حنيفة ومحمد لعدم الخروج وعند أبي يوسف وزفر تنتقض لوجود الدخول وجه قول زفر أن سقوط اعتبار المنافي لمكان الضرورة ولا ضرورة قبل دخول الوقت فلا يسقط وبه يحتج أبو يوسف في جانب الدخول وفي جانب الخروج بقول ( ( ( يقول ) ) ) كما لا ضرورة إلى إسقاط اعتبار المنافي قبل الدخول لا ضرورة إليه بعد الخروج فيظهر حكم المنافي ولأبي حنيفة ومحمد ما ذكرنا أن وقت الأداء شرعا أقيم مقام وقت الأداء فعلا لما بينا من المعنى ثم لا بد من تقديم وقت الطهارة على وقت الأداء حقيقة فكذا لا بد من تقديمها على وقت الأداء شرعا حتى يمكنه شغل جميع الوقت بالأداء وهذه الحالة انعدمت بخروج الوقت فظهر حكم الحدث ومشايخنا أداروا الخلاف على الدخول والخروج فقالوا تنتقض طهارتها بخروج الوقت أو بدخوله لتيسير الحفظ على المتعلمين لا لأن للخروج أو الدخول تأثيرا في انتقاض الطهارة وإنما المدار على ما ذكرنا ولو توضأ صاحب العذر بعد طلوع الشمس لصلاة العيد أو لصلاة الضحى وصلى هل يجوز له أن يصلي الظهر بتلك الطهارة أما على قول أبي يوسف وزفر فلا يشكل أنه لا يجوز لوجود الدخول وأما على قول أبي حنيفة ومحمد فقد اختلف المشايخ فيه قال بعضهم لا يجوز لأن هذه طهارة وقعت لصلاة مقصودة فتنتقض بخروج وقتها وقال بعضهم يجوز لأن هذه الطهارة إنما صحت للظهر لحاجته إلى تقديم الطهارة على وقت الظهر على ما مر فيصح بها أداء صلاة العيد والضحى والنفل كما إذا توضأ للظهر قبل الوقت ثم دخل الوقت أنه يجوز له أن يؤدي بها الظهر وصلاة أخرى في الوقت كذا هذا ولو توضأ لصلاة الظهر وصلى ثم توضأ وضوءا آخر في وقت الظهر للعصر ودخل وقت العصر هل يجوز له أن يصلي العصر بتلك الطهارة على قولهما اختلف المشايخ فيه قال بعضهم لا يجوز لأن طهارته قد صحت لجميع وقت الظهر فتبقى ما بقي الوقت فلا تصح الطهارة الثانية مع قيام الأولى بل كانت تكرارا للأولى فالتحقت الثانية بالعدم فتنتقض الأولى بخروج الوقت وقال بعضهم يجوز لأنه يحتاج إلى تقديم الطهارة على وقت العصر حتى يشتغل جميع الوقت بالأداء والطهارة الواقعة لصلاة الظهر عدم في حق صلاة العصر وإنما تنتقض بخروج وقت الظهر طهارة الظهر لا طهارة العصر

قسم V01/P028–V01/P029

ولو توضأت مستحاضة ودمها سائل أو سال بعد الوضوء قبل خروج الوقت ثم خرج الوقت وهي في الصلاة فعليها أن تستقبل لأن طهارتها تنتقض بخروج الوقت لما بينا فإذا خرج الوقت قبل فراغها ( ( ( الخروج ) ) ) من الصلاة انتقضت طهارتها فتنتقض صلاتها ولا تبني لأنها صارت محدثة عند خروج الوقت من حين درور الدم كالمتيمم إذا وجد الماء قبل الفراغ من الصلاة ولو توضأت والدم منقطع وخرج الوقت وهي في خلال الصلاة قبل سيلان الدم ثم سال الدم توضأت وبنت لأن هذا حدث لاحق وليس بسابق لأن الطهارة كانت صحيحة لانعدام ما ينافيها وقت حصولها وقد حصل الحدث للحال مقتصرا غير موجب ارتفاع الطهارة من الأصل ولو توضأت والدم سائل ثم انقطع ثم صلت وهو منقطع حتى خرج الوقت ودخل وقت صلاة أخرى ثم سال الدم أعادت الصلاة الأولى لأن الدم لما انقطع ولم يسل حتى خرج الوقت لم تكن تلك الطهارة طهارة عذر في حقها لانعدام العذر فتبين أنها صلت بلا طهارة وأصل هذه المسائل في الجامع الكبير وهذا الذي ذكرناه حكم صاحب العذر وأما حكم نجاسة ثوبه فنقول إذا أصاب ثوبه من ذلك أكثر من قدر الدرهم يجب غسله إذا كان الغسل مفيدا بأن كان لا يصيبه مرة بعد أخرى حتى لو لم يغسل وصلى لم يجزئه ( ( ( يجوز ) ) ) وإن لم يكن مفيدا لا يجب ما دام العذر قائما وهو اختيار مشايخنا وكان محمد بن مقاتل الرازي يقول يجب غسله في وقت كل صلاة قياسا على الوضوء والصحيح قول مشايخنا لأن حكم الحدث عرفناه بالنص ونجاسة الثوب ليس في معناه ألا ترى أن القليل منها عفو فلا يلحق به وأما الحدث الحكمي فنوعان أيضا أحدهما أن يوجد أمر يكون سببا لخروج النجس الحقيقي غالبا فيقام السبب مقام المسبب احتياطا والثاني أن لا يوجد شيء من ذلك لكنه جعل حدثا شرعا تعبدا محضا أما الأول فأنواع منها المباشرة الفاحشة وهو أن يباشر الرجل المرأة بشهوة وينتشر لها وليس بينهما ثوب ولم ير بللا فعند أبي حنيفة وأبي يوسف يكون حدثا استحسانا والقياس أن لا يكون حدثا وهو قول محمد وهل تشترط ملاقاة الفرجين وهي مماستهما على قولهما لا يشترط ذلك في ظاهر الرواية عنهما وشرطه في النوادر وذكر الكرخي ملاقاة الفرجين أيضا وجه القياس أن السبب إنما يقام مقام المسبب في موضع لا يمكن الوقوف على المسبب من غير حرج والوقوف على المسبب ههنا ممكن بلا حرج لأن الحال حال يقظة فيمكن الوقوف على الحقيقة فلا حاجة إلى إقامة السبب مقامها وجه الاستحسان ما روي أن أبا اليسر بائع العسل سأل رسول الله فقال إني أصبت من امرأتي كل شيء إلا الجماع فقال توضأ وصل ركعتين ولأن المباشرة على الصفة التي ذكرنا لا تخلو عن خروج المذي عادة إلا أنه يحتمل أنه جف لحرارة البدن فلم يقف عليه أو غفل عن نفسه لغلبة الشبق فكانت سببا مفضيا إلى الخروج وإقامة السبب مقام المسبب طريقة معهودة في الشريعة خصوصا في أمر يحتاط فيه كما يقام المس مقام الوطء في حق ثبوت حرمة المصاهرة بل يقام نفس النكاح مقامه ويقام نوم المضطجع مقام الحدث ونحو ذلك كذا ههنا ولو لمس امرأته بشهوة أو غير شهوة فرجها أو سائر أعضائها من غير حائل ولم ينشر لها لا ينتقض وضوؤه عند عامة العلماء وقال مالك إن كان المس بشهوة يكون حدثا وإن كان بغير شهوة بأن كانت صغيرة أو كانت ذا رحم محرم منه لا يكون حدثا وهو أحد قولي الشافعي

قسم V01/P029–V01/P030

وفي قول يكون حدثا كيفما كان بشهوة أو بغير شهوة وهل تنتقض طهارة الملموسة لا شك أنها لا تنتقض عندنا وللشافعي فيه قولان احتجاجا ( ( ( احتجا ) ) ) بقوله تعالى أو لامستم النساء والملامسة مفاعلة من اللمس واللمس والمس واحد لغة قال الله تعالى وأنا لمسنا السماء حقيقة ( ( ( وحقيقة ) ) ) المس ( ( ( اللمس ) ) ) باليد وللجماع مجاز أو هو حقيقة لهما جميعا لوجود المس فيهما جميعا وإنما اختلف آلة المس فكان الاسم حقيقة لهما لوجود معنى الاسم فيهما وقد جعل الله تعالى اللمس حدثا حيث أوجب به إحدى الطهارتين وهي التيمم ولنا ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن هذه الحادثة فقالت كان رسول الله يقبل بعض نسائه ثم يخرج إلى الصلاة ولا يتوضأ ولأن المس ليس بحدث بنفسه ولا سبب لوجود الحدث غالبا فأشبه مس الرجل الرجل والمرأة المرأة ولأن مس أحد الزوجين صاحبه مما يكثر وجوده فلو جعل حدثا لوقع الناس في الحرج وأما الآية فقد نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد من اللمس الجماع وهو ترجمان القرآن وذكر ابن السكيت في إصلاح المنطق أن اللمس إذا قرن بالنساء يراد به الوطء تقول العرب لمست المرأة أي جامعتها على أن اللمس يحتمل الجماع إما حقيقة وإما مجازا فيحمل عليه توفيقا بين الدلائل ولو مس ذكره بباطن كفه من غير حائل لا ينتقض وضوؤه عندنا وعند الشافعي ينتقض احتج بما روت بسرة بنت صفوان عن النبي أنه قال من مس ذكره فليتوضأ ولنا ما روي عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وزيد بن ثابت وعمران بن حصين وحذيفة بن اليمان وأبي الدرداء وأبي هريرة رضي الله عنهم أنهم لم يجعلوا مس الذكر حدثا حتى قال علي رضي الله عنه لا أبالي مسسته أو أرنبة أنفي وقال بعضهم للراوي إن كان نجسا فاقطعه ولأنه ليس بحدث بنفسه ولا سبب لوجود الحدث غالبا فأشبه مس الأنف ولأن مس الإنسان ذكره مما يغلب وجوده فلو جعل حدثا يؤدي إلى الحرج وما رواه فقد قيل أنه ليس بثابت لوجوه أحدها أنه مخالف لإجماع الصحابة رضي الله عنهم وهو ما ذكرنا والثاني أنه روي أن هذه الحادثة وقعت في زمن مروان بن الحكم فشاور من بقي من الصحابة فقالوا لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت والثالث أنه خبر واحد فيما تعم به البلوى فلو ثبت لاشتهر ولو ثبت فهو محمول على غسل اليدين لأن الصحابة كانوا يستنجون بالأحجار دون الماء فإذا مسوه بأيديهم كانت تتلوث خصوصا في أيام الصيف فأمر بالغسل لهذا والله أعلم ومنها الإغماء والجنون والسكر الذي يستر العقل أما الإغماء فلأنه في استرخاء المفاصل واستطلاق الوكاء فوق النوم مضطجعا وذلك حدث فهذا أولى وأما الجنون فلأن المبتلى به يحدث حدثا ولا يشعر به فأقيم السبب مقام المسبب والسكر الذي يستر العقل في معنى الجنون في عدم التمييز وقد انضاف إليه استرخاء المفاصل ولا فرق في حق هؤلاء بين الاضطجاع والقيام لأن ما ذكرنا من المعنى لا يوجب الفصل بين حال وحال ومنها النوم مضطجعا في الصلاة أو في غيرها بلا خلاف بين الفقهاء وحكي عن النظام أنه ليس بحدث ولا عبرة بخلافه لمخالفته الإجماع وخروجه عن أهل الاجتهاد والدليل عليه ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي نام في صلاته حتى غط ونفخ ثم قال لا وضوء على من نام قائما أو قاعدا أو راكعا أو ساجدا إنما الوضوء على من نام مضطجعا فإنه إذا نام مضطجعا استرخت مفاصله نص على الحكم وعلل باسترخاء المفاصل وكذا النوم متوركا بأن نام على أحد وركيه لأن مقعده يكون متجافيا عن الأرض فكان في معنى النوم مضطجعا في كونه سببا لوجود الحدث بواسطة استرخاء المفاصل وزوال مسكة اليقظة

قسم V01/P030

فأما النوم في غير هاتين الحالتين فإما إن كان في الصلاة وإما إن كان في غيرها فإن كان في الصلاة لا يكون حدثا سواء غلبه النوم أو تعمد في ظاهر الرواية وروي عن أبي يوسف أنه قال سألت أبا حنيفة عن النوم في الصلاة فقال لا ينقض الوضوء ولا أدري سألته ( ( ( أسألته ) ) ) عن العمد أو الغلبة وعندي أنه إن نام متعمدا ينتقض وضوؤه وعند الشافعي أن النوم حدث على كل حال إلا إذا كان قاعدا مستقرا على الأرض فله فيه قولان احتج بما روي عن صفوان بن عسال المرادي أنه قال كان النبي يأمرنا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليها إذا كنا سفرا إلا من جنابة لكن من نوم أو بول أو غائط فقد جعل النوم حدثا على الإطلاق وروي عنه أنه قال العينان وكاء السه ( ( ( الاست ) ) ) فإذا نامت العينان استطلق الوكاء أشار إلى كون النوم حدثا حيث جعله علة استطلاق الوكاء ولنا ما روينا عن ابن عباس عن النبي حيث نفى الوضوء في النوم في غير حال الاضطجاع وأثبته فيها بعلة استرخاء المفاصل وزوال مسكة اليقظة ولم يوجد في هذه الأحوال لأن الإمساك فيها باق ألا ترى أنه لم يسقط وفي المشهور من الأخبار عن رسول الله أنه قال إذا نام العبد في سجوده يباهي الله تعالى به ملائكته فيقول انظروا إلى عبدي روحه عندي وجسده في طاعتي ولو كان النوم في الصلاة حدثا لما كان جسده في طاعة الله تعالى ولا حجة له فيما روى لأن مطلق النوم ينصرف إلى النوم المتعارف وهو نوم المضطجع وكذا استطلاق الوكاء يتحقق به لا بكل نوم وجه رواية أبي يوسف إن القياس في النوم حالة القيام والركوع والسجود أن يكون حدثا لكونه سببا لوجود الحدث إلا أنا تركنا القياس حالة الغلبة لضرورة التهجد نظرا ( ( ( نظر ) ) ) للمتهجدين وذلك عند الغلبة دون التعمد ولنا ما روينا من الحديثين من غير فصل ولأن الاستمساك في هذه الأحوال باق لما بينا وإن كان خارج الصلاة فإن كان قاعدا مستقرا على الأرض غير مستند إلى شيء لا يكون حدثا لأنه ليس بسبب لوجود الحدث غالبا وإن كان قائما أو على هيئة الركوع والسجود غير مستند إلى شيء اختلف المشايخ فيه والعامة على أنه لا يكون حدثا لما روينا من الحديث من غير فصل بين حالة الصلاة وغيرها ولأن الاستمساك فيها باق على ما مر والأقرب إلى الصواب في النوم على هيئة السجود خارج الصلاة ما ذكره القمي أنه لا نص فيه ولكن ينظر فيه إن سجد على الوجه المسنون بأن كان رافعا بطنه عن فخذيه مجافيا عضديه عن جنبيه لا يكون حدثا وإن سجد لا على وجه السنة بأن ألصق بطنه بفخذيه واعتمد على ذراعيه على الأرض يكون حدثا لأن في الوجه الأول الاستمساك باق والاستطلاق منعدم وفي الوجه الثاني بخلافه إلا أنا تركنا هذا القياس في حالة الصلاة بالنص ولو نام مستندا إلى جدار أو سارية أو رجل متكئا على يديه ذكر الطحاوي أنه إن كان بحال لو زايل ( ( ( أزيل ) ) ) السند لسقط يكون حدثا وإلا فلا وبه أخذ كثير من مشايخنا وروى خلف بن أيوب عن أبي يوسف أنه قال سألت أبا حنيفة عمن استند إلى سارية أو رجل فنام ولولا السارية والرجل لم يستمسك قال إذا كانت إليته مستوثقة من الأرض فلا وضوء عليه وبه أخذ عامة مشايخنا وهو الأصح لما روينا من الحديث وذكرنا من المعنى ولو نام قاعدا مستقرا على الأرض فسقط وانتبه فإن انتبه بعدما سقط على الأرض وهو نائم انتقض وضوؤه بالإجماع لوجود النوم مضطجعا وإن قل وإن انتبه قبل أن يصل جنبه إلى الأرض روي عن أبي حنيفة أنه لا ينتقض وضوؤه لانعدام النوم مضطجعا

قسم V01/P030–V01/P031

ووعن ( ( ( وعن ) ) ) أبي يوسف أنه ينتقض وضوؤه لزوال الاستمساك بالنوم حيث سقط وعن محمد أنه إن انتبه قبل أن يزايل مقعده الأرض لم ينتقض وضوؤه وإن زايل مقعده قبل أن ينتبه انتقض وضوؤه مبحث القهقهة في الصلاة وأما الثاني فهو القهقهة في صلاة مطلقة وهي الصلاة التي لها ركوع وسجود فلا يكون حدثا خارج الصلاة ولا في صلاة الجنازة وسجدة التلاوة وهذا استحسان والقياس أن لا تكون حدثا وهو قول الشافعي ولا خلاف في التبسم أنه لا يكون حدثا احتج الشافعي بما روى جابر عن النبي أنه قال الضحك ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء ولأنه لم يوجد الحدث حقيقة ولا ما هو سبب وجوده والوضوء لا ينتقض إلا بأحد هذين ولهذا لم ينتقض بالقهقهة خارج الصلاة وفي صلاة الجنازة ولا ينقض بالتبسم ولنا ما روي في المشاهير عن النبي أنه كان يصلي فجاء أعرابي في عينيه سوء فوقع في بئر عليها خصفة فضحك بعض من خلفه فلما قضى النبي الصلاة قال من قهقه منكم فليعد الوضوء والصلاة ومن تبسم فلا شيء عليه طعن أصحاب الشافعي في الحديث من وجهين أحدهما أنه ليس في مسجد رسول الله بئر والثاني أنه لا يظن بالصحابة الضحك في الصلاة خصوصا خلف رسول الله وهذا الطعن فاسد لأنا ما روينا أن الصلاة كانت في المسجد على أنه كانت في المسجد حفيرة يجمع فيها ماء المطر ومثلها يسمى بئرا وكذا ما روينا أن الخلفاء الراشدين أو العشرة المبشرين أو المهاجرين الأولين أو فقهاء الصحابة وكبار الأنصار هم الذين ضحكوا بل كان الضاحك بعض الأحداث أو الأعراب أو بعض المنافقين لغلبة الجهل عليهم حتى روي أن أعرابيا بال في مسجد رسول الله وحديث جابر محمول على ما دون القهقهة توفيقا بين الدلائل مع أنه قيل إن الضحك ما يسمع الرجل نفسه ولا يسمع جيرانه ( والقهقهة ما يسمع جيرانه ) والتبسم ما لا يسمع نفسه ولا جيرانه وقوله لم يوجد الحدث ولا سبب وجوده مسلم لكن هذا حكم عرف بخلاف القياس بالنص والنص ورد بانتقاض الوضوء بالقهقهة في صلاة مستتمة الأركان فبقي ما وراء ذلك على أصل القياس وروي عن جرير بن عبد الله البجلي أنه قال ما رآني رسول الله إلا تبسم ولو في الصلاة وروي أنه تبسم في صلاته فلما فرغ سئل عن ذلك فقال أتاني جبريل عليه السلام وأخبرني أن الله تعالى يقول من صلى عليك مرة صلى الله عليه عشرا ولو قهقه الإمام والقوم جميعا فإن قهقهة ( ( ( قهقه ) ) ) الإمام أولا انتقض وضوؤه ( ( ( وضؤه ) ) ) دون القوم لأن قهقهتهم لم تصادف تحريمة الصلاة لفساد صلاتهم بفساد صلاة الإمام فجعلت قهقهتهم ( ( ( قهقهتم ) ) ) خارج الصلاة وإن قهقه القوم أولا ثم الإمام انتقض طهارة الكل لأن قهقهتهم حصلت في الصلاة أما القوم فلا إشكال وأما الإمام فلأنه لا يصير خارجا من الصلاة بخروج القوم وكذلك إن قهقهوا معا لأن قهقهة الكل حصلت في تحريمة الصلاة وأما تغميض الميت وغسله وحمل الجنازة وأكل ما مسته النار والكلام الفاحش فليس شيء من ذلك حدثا عند عامة العلماء وقال بعضهم كل ذلك حدث ورووا في ذلك عن رسول الله أنه قال من غمض ميتا فليتوضأ ومن غسل ميتا فليغتسل ومن حمل جنازة فليتوضأ وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت للمتسابين إن بعض ما أنتما فيه لشر من الحدث فجددا الوضوء وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي أنه قال توضؤوا ( ( ( توضئوا ) ) ) مما مسته النار ومنهم من أوجب من لحم الإبل خاصة وروي توضؤوا ( ( ( توضئوا ) ) ) من لحوم الإبل ولا تتوضؤوا ( ( ( تتوضئوا ) ) ) من لحوم الغنم ولنا ما روينا عن النبي أنه قال إنما علينا الوضوء مما يخرج ليس مما يدخل

قسم V01/P031–V01/P032

وقال ابن عباس رضي الله عنهما الوضوء مما يخرج يعني الخارج النجس ولم يوجد والمعنى في المسألة إن الحدث هو خروج النجس حقيقة أو ما هو سبب الخروج ولم يوجد وإليه أشار ابن عباس رضي الله عنهما حين بلغه حديث حمل الجنازة فقال أنتوضأ من مس عيدان يابسة ولأن هذه الأشياء مما يغلب وجودها فلو جعل شيء من ذلك حدثا لوقع الناس في الحرج وما رووا أخبار آحاد وردت فيما تعم به البلوى ويغلب وجوده ولا يقبل خبر الواحد في مثله لأنه دليل عدم الثبوت إذ لو ثبت لاشتهر بخلاف خبر القهقهة فإنه من المشاهير مع ما أنه ورد فيما لا تعم به البلوى لأن القهقهة في الصلاة مما لا يغلب وجوده ولو ثبت ما رووا فالمراد من الوضوء بتغميض الميت غسل اليد لأن ذلك الموضع لا يخلو عن قذارة عادة وكذا بأكل ما مسته النار ولهذا خص لحم الإبل في رواية لأن له من اللزوجة ما ليس لغيره وهكذا روي أنه أكل طعاما فغسل يديه وقال هكذا الوضوء مما مسته النار والمراد من حديث الغسل فليغتسل إذا أصابته الغسالات النجسة وقوله فليتوضأ في حمل الجنازة للمحدث ليتمكن من الصلاة عليه وعائشة رضي الله عنها إنما ندبت المتسابين إلى تجديد الوضوء تكفيرا لذنب سبهما ومن توضأ ثم جز شعره أو قلم ظفره أو قص شاربه أو نتف إبطيه لم يجب عليه إيصال الماء إلى ذلك الموضع عند عامة العلماء وعند إبراهيم النخعي يجب عليه في قلم الظفر وجز الشعر وقص الشارب وجه قوله أن ما حصل فيه التطهير قد زال وما ظهر لم يحصل فيه التطهير فأشبه نزع الخفين ولنا أن الوضوء قد تم فلا ينتقض إلا بالحدث ولم يوجد وهذا لأن الحدث على ( ( ( يحل ) ) ) ظاهر البدن وقد زال الحدث عن الظاهر إما بالغسل أو بالمسح وما بدا لم يحله الحدث السابق وبعد بدوه لم يوجد حدث آخر فلا تعقل إزالته بخلاف المسح على الخفين لأن هناك الوضوء لم يتم لأن تمامه بغسل لقدمين ( ( ( القدمين ) ) ) ولم يوجد إلا أن الشرع أقام المسح على الخفين مقام غسل القدمين لضرورة تعذر النزع في كل زمان فإذا نزع زالت الضرورة فوجب غسل القدمين تتميما للوضوء وإنما أورد نتف الإبط وإن لم يكن ما يظهر بالنتف محلا لحلول الحدث فيه بخلاف قلم الأظفار لأنه روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال من مسح إبطيه فليتوضأ وتأويله فليغسل يديه لتلوثهما بعرقه ولو مس كلبا أو خنزيرا أو وطىء نجاسة لا وضوء عليه لانعدام الحدث حقيقة وحكما إلا أنه إذا التزق بيده شيء من النجاسة يجب غسل ذلك الموضع وإلا فلا ومن أيقن بالطهارة وشك في الحدث فهو على الطهارة ومن أيقن بالحدث وشك في الطهارة فهو على الحدث لأن اليقين لا يبطل بالشك وروي عن محمد أنه قال المتوضىء ( ( ( المتوضئ ) ) ) إذا تذكر أنه دخل الخلاء لقضاء الحاجة وشك أنه خرج قبل أن يقضيها أو بعد ما قضاها فعليه أن يتوضأ لأن الظاهر أنه ما خرج إلا بعد قضائها وكذلك المحدث إذا علم أنه جلس للوضوء ومعه الماء وشك في أنه توضأ أو قام قبل أن يتوضأ فلا وضوء عليه لأن الظاهر أنه لا يقوم ما لم يتوضأ ولو شك في بعض وضوئه وهو أول ما شك غسل الموضع الذي شك فيه لأنه على يقين من الحدث في ذلك الموضع وفي شك من غسله والمراد من قوله أول ما شك أن الشك في مثله يصر عادة له لا أنه لم يبتل به قط وإن كان يعرض له ذلك كثيرا لم يلتفت إليه لأن ذلك وسوسة والسبيل في الوسوسة قطعها لأنه لو اشتغل بذلك لأدى إلى أن لا ( ( ( يتفرع ) ) ) يتفرغ لأداء الصلاة وهذا لا يجوز

قسم V01/P032–V01/P033

ولو توضأ ثم رأى البلل سائلا من ذكره أعاد الوضوء لوجود الحدث وهو سيلان البول وإنما قال رآه سائلا لأن مجرد البلل يحتمل أن يكون من ماء الطهارة فإن علم أنه بول ظهر فعليه الوضوء وإن لم يكن سائلا وإن كان الشيطان يريه ذلك كثيرا ولا ( ( ( ولم ) ) ) يعلم أنه بول أو ماء مضى على صلاته ولا يلتفت إلى ذلك لأنه من باب الوسوسة فيجب قطعها وقال النبي إن الشيطان يأتي أحدكم فينفخ بين إليتيه فيقول أحدثت أحدثت فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا وينبغي أن ينضح فرجه أو إزاره بالماء إذا توضأ قطعا لهذه الوسوسة حتى إذا أحس شيئا من ذلك أحاله إلى ذلك الماء وقد روي عن النبي أنه كان ينضح إزاره بالماء إذا توضأ وفي بعض الروايات قال نزل علي جبريل صلوات عليه وأمرني بذلك مبحث مس المصحف وأما الثاني وهو بيان حكم الحدث فللحدث أحكام وهي أن لا يجوز للمحدث أداء الصلاة لفقد شرط جوازها وهو الوضوء قال لا صلاة إلا بوضوء ولا مس المصحف من غير غلاف عندنا وعند الشافعي يباح له مس المصحف من غير غلاف وقاس المس على القراءة فقال يجوز له القراءة فيجوز له المس ولنا قوله تعالى لا يمسه إلا المطهرون وقول النبي لا يمس القرآن إلا طاهر ولأن تعظيم القرآن واجب وليس مس التعظيم من المصحف بيد حلها حدث واعتباره ( ( ( واعتبار ) ) ) المس بالقراءة غير سديد لأن حكم الحدث لم يظهر في الفم وظهر في اليد بدليل أنه افترض غسل اليد ولم يفترض غسل الفم في الحدث فبطل الاعتبار ولا مس الدراهم التي عليها القرآن لأن حرمة المصحف كحرمة ما كتب منه فيستوي فيه الكتابة في المصحف وعلى الدراهم ولا مس كتاب التفسير لأنه يصير بمسه ماسا للقرآن وأما مس كتاب الفقه فلا بأس به والمستحب له أن لا يفعل ولا يطوف بالبيت وإن طاف جاز مع النقصان لأن الطواف بالبيت شبيه بالصلاة قال النبي الطواف بالبيت صلاة ومعلوم أنه ليس بصلاة حقيقة ( ( ( حقيقية ) ) ) فلكونه طوافا حقيقة يحكم بالجواز ولكونه شبيها بالصلاة يحكم بالكراهة ثم ذكر الغلاف ولم يذكر تفسيره واختلف المشايخ في تفسيره فقال بعضهم هو الجلد المتصل بالمصحف وقال بعضهم هو الكم والصحيح أنه الغلاف المنفصل عن المصحف وهو الذي يجعل فيه المصحف وقد يكون من الجلد وقد يكون من الثوب وهو الخريطة لأن المتصل به تبع له فكان مسه مسا للقرآن ولهذا لو بيع ( ( ( لبيع ) ) ) المصحف دخل المتصل به في البيع والكم تبع للحامل فأما المنفصل فليس بتبع حتى لا يدخل في بيع المصحف من غير شرط وقال بعض مشايخنا إنما يكره مس الموضع المكتوب دون الحواشي لأنه لم يمس القرآن حقيقة والصحيح أنه يكره مس كله لأن الحواشي تابعة للمكتوب فكان مسها مسا للمكتوب ويباح له قراءة القرآن لما روي أن رسول الله كان لا يحجزه عن قراءة القرآن شيء إلا الجنابة ويباح له دخول المسجد لأن وفود المشركين كانوا يأتون رسول الله وهو في المسجد فيدخلون عليه ولم يمنعهم من ذلك ويجب عليه الصوم والصلاة حتى يجب قضاؤهما بالترك لأن الحدث لا ينافي أهلية أداء الصوم فلا ينافي أهلية وجوبه ولا ينافي أهلية وجوب الصلاة أيضا وإن كان ينافي أهلية أدائها لأنه يمكنه رفعه بالطهارة فصل وأما الغسل فالكلام فيه يقع في مواضع في تفسير الغسل وفي بيان ركنه وفي بيان شرائط الركن وفي بيان سنن الغسل وفي بيان آدابه وفي بيان مقدار الماء الذي يغتسل ( ( ( يغسل ) ) ) به وفي بيان صفة الغسل أما تفسيره فالغسل في اللغة اسم للماء الذي يغتسل به لكن في عرف الفقهاء يراد به غسل البدن وقد مر تفسير الغسل فيما تقدم أنه الإسالة حتى لا يجوز بدونها

قسم V01/P033–V01/P034

وأما ركنه فهو إسالة الماء على جميع ما يمكن إسالته عليه من البدن من غير حرج مرة واحدة حتى لو بقيت لمعة لم يصبها الماء لم يجز الغسل وإن كانت يسيرة لقوله تعالى وإن كنتم جنبا فاطهروا أي طهروا أبدانكم واسم البدن يقع على الظاهر والباطن فيجب تطهير ما يمكن تطهيره منه بلا حرج ولهذا وجبت المضمضة والاستنشاق في الغسل لأن إيصال الماء إلى داخل الفم والأنف ممكن بلا حرج وإنما لا يجبان في الوضوء لا لأنه لا يمكن إيصال الماء إليه بل لأن الواجب هناك غسل الوجه ولا تقع المواجهة إلى ذلك رأسا ويجب إيصال الماء إلى أثناء اللحية كما يجب إلى أصولها وكذا يجب على المرأة إيصال الماء إلى أثناء شعرها إذا كان منقوضا كذا ذكره الفقيه أبو جعفر الهندواني لأنه يمكن إيصال الماء إلى ذلك من غير حرج وأما إذا كان شعرها ضفيرا فهل يجب عليها إيصال الماء إلى أثنائه اختلف المشايخ فيه قال بعضهم يجب لقول النبي صلى الله عليه وسلم تحت كل شعرة جنابة ألا فبلوا الشعر وأنقوا البشرة وقال بعضهم لا يجب وهو اختيار الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل البخاري وهو الأصح لما روي أن أم سلمة رضي الله عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إني أشد ضفر رأسي أفأنقضه إذا اغتسلت فقال صلى الله عليه وسلم أفيضي الماء على رأسك وسائر جسدك ويكفيك إذا بلغ الماء أصولع ( ( ( أصول ) ) ) شعرك ولأن ضفيرتها إذا كانت مشدودة فتكليفها نقضها يؤدي إلى الحرج ولا حرج حال كونها منقوضة والحديث محمول على هذه الحالة ويجب إيصال الماء إلى داخل السرة لإمكان الإيصال إليها بلا حرج وينبغي أن يدخل أصبعه فيها المبالغة ( ( ( للمبالغة ) ) ) ويجب على المرأة غسل الفرج الخارج لأنه يمكن غسله بلا حرج وكذا الأقلف يحب ( ( ( يجب ) ) ) عليه إيصال الماء إلى القلفة وقال بعضهم لا يجب وليس بصحيح لإمكان إيصال الماء إليه من غير حرج وأما شروطه فما ذكرنا في الوضوء وأما سننه فهي أن يبدأ فيأخذ الإناء بشماله ويكفيه على يمينه فيغسل يديه إلى الرسغين ثلاثا ثم يفرغ الماء بيمينه على شماله فيغسل فرجه حتى ينقيه ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ثلاثا ثلاثا إلا أنه لا يغسل رجليه حتى يفيض الماء على رأسه وسائر جسده ثلاثا ثم يتنحى فيغسل قدميه والأصل فيه ما روي عن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت وضعت غسلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليغتسل من الجنابة فأخذ الإناء بشماله وأكفأه على يمينه فغسل يديه ثلاثا ثم أنقى فرجه بالماء ثم مال بيده إلى الحائط فدلكها بالتراب ثم توضأ وضوءه للصلاة غير غسل القدمين ثم أفاض الماء على رأسه وسائر جسده ثلاثا ثم تنحى فغسل قدميه فالحديث مشتمل على بيان السنة والفريضة جميعا وهل يمسح رأسه عند تقديم الوضوء على الغسل ذكر في ظاهر الرواية أنه يمسح وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يمسح لأن تسييل الماء عليه بعد ذلك يبطل معنى المسح فلم يكن فيه فائدة بخلاف سائر الأعضاء لأن التسييل من بعد لا يبطل التسييل من قبل والصحيح جواب ظاهر الرواية لأن السنة وردت بتقديم الوضوء على الإفاضة على جميع البدن على ما روينا والوضوء اسم للمسح والغسل جميعا إلا أنه يؤخر غسل القدمين لعدم الفائدة في تقديم غسلهما لأنهما يتلوثان بالغسالات من بعد حتى لو اغتسل على موضع لا يجتمع الغسالة تحت قدمه كالحجر ونحوه لا يؤخر لانعدام معنى التلوث ولهذا قالوا في غسل الميت إنه يغسل رجليه عند التوضئة ولا يؤخر غسلهما لأن الغسالة لا تجتمع على التخت

قسم V01/P034–V01/P035

ومن مشايخنا من استدل بتأخير النبي صلى الله عليه وسلم غسل الرجلين عند تقديم الوضوء على الإفاضة على أن الماء المستعمل نجس إذ لو لم يكن نجسا لم يكن للتحرج عن الظاهر ( ( ( الطاهر ) ) ) معنى فجعلوه حجة أبي حنيفة وأبي يوسف على محمد وليس فيه كبير حجة لأن الإنسان كما يتحرج عن النجس يتحرج عن القذر خصوصا الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم والماء المستعمل قد أزيل إليه قذر الحدث حتى تعافه الطباع السليمة والله أعلم مبحث آداب الوضوء وأما آدابه فما ذكرنا في الوضوء وأما بيان مقدار الماء الذي يغتسل به فقد ذكر فيظاهر الرواية وقال أدنى ما يكفي في الغسل من الماء صاع وفي الوضوء مد لما روي عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع فقيل له إن لم يكفنا فغضب وقال لقد كفى من هو خير منكم وأكثر شعرا ثم إن محمدا رحمه الله ذكر الصاع في الغسل والمد في الوضوء مطلقا عن الأحوال ولم يفسره قال بعض مشايخنا هذا التقدير في الغسل إذا لم يجمع بين الوضوء والغسل فأما إذا جمع بينهما يحتاج إلى عشرة أرطال رطلان للوضوء وثمانية أرطال للغسل وقال عامة المشايخ إن الصاع كاف لهما وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه قال في الوضوء إن كان المتوضىء ( ( ( المتوضئ ) ) ) متخففا ولا يستنجي يكفيه رطل واحد لغسل الوجه واليدين ومسح الرأس وإن كان متخففا ويستنجي يكفيه رطلان رطل للاستنجاء ورطل للباقي ثم هذا التقدير الذي ذكره محمد من الصاع والمد في الغسل والوضوء ليس بتقدير لازم بحيث لا يجوز النقصان عنه أو الزيادة عليه بل هو بيان مقدار أدنى الكفاية عادة حتى إن من أسبع ( ( ( أسبغ ) ) ) الوضوء والغسل بدون ذلك أجزأه وإن لم يكفه زاد عليه لأن طباع الناس وأحوالهم تختلف والدليل عليه ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بثلثي مد لكن ينبغي أن يزيد عليه بقدر ما لا إسراف فيه لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على سعد بن أبي وقاص وهو يتوضأ ويصب صبا فاحشا فقال إياك والسرف فقال أو في الوضوء سرف قال نعم لو كنت على ضفة نهر جار وفي رواية ولو كنت على شط بحر وأما صفة الغسل فالغسل قد يكون فرضا وقد يكون واجبا وقد يكون سنة وقد يكون مستحبا أما الغسل الواجب فهو غسل الموتى والسنة فهو غسل يوم الجمعة ويوم عرفة والعيدين وعند الإحرام وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى وههنا نذكر المستحب والفرض أما المستحب فهو غسل الكافر إذا أسلم لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل من جاءه يريد الإسلام وأدنى درجات الأمر الندب والاستحباب هذا إذا لم يعرف أنه جنب فأسلم فأما إذا علم كونه جنبا فأسلم قبل الاغتسال اختلف المشايخ فيه قال بعضهم لا يلزمه الاغتسال أيضا لأن الكفار غير مخاطبين بشرائع هي من القربات والغسل يصير قربة بالنية فلا يلزمه وقال بعضهم يلزمه لأن الإسلام لا ينافي بقاء الجنابة بدليل أنه لا ينافي بقاء الحدث حتى يلزمه الوضوء بعد الإسلام كذا الجنابة وعلى هذا غسل الصبي والمجنون عند البلوغ والإفاقة وأما الغسل المفروض فثلاثة الغسل من الجنابة والحيض والنفاس أما الجنابة فلقوله تعالى وإن كنتم جنبا فاطهروا أي اغتسلوا وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا فالكلام ( ( ( والكلام ) ) ) في الجنابة في موضعين أحدهما في بيان ما تثبت به الجنابة ويصير الشخص به جنبا والثاني في بيان الأحكام المتعلقة بالجنابة أما الأول فالجنابة تثبت بأمور بعضها مجمع عليه وبعضها مختلف فيه