Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
ولأبي حنيفة رحمه الله أن هذا دليل اليد في الماضي لا وقت الدعوة واليد في الماضي لا تدل على اليد وقت الدعوة والحاجة في إثبات اليد وقت الدعوة ثم في كل موضع قضى بالملك لأحدهما لكون المدعي في يده تجب عليه اليمين لصاحبه إذا طلب فإن حلف برىء وإن نكل يقضى عليه بالنكول وعلى هذا إذا اختلفا في المرور في دار ولأحدهما باب من داره إلى تلك الدار فلصاحب الدار منع صاحب الباب عن المرور فيها حتى يقيم البينة إن له في داره طريقا ولا يستحق صاحب الباب بالباب شيئا لأن فتح الباب إلى دار غيره قد يكون بحق لازم وقد يكون بغير حق أصلا وقد يكون بحق غير لازم وهو الإباحة فلا يصلح دليلا على حق المرور في الدار مع الاحتمال وكذا لو شهد الشهود أن صاحب الدار كان يمر فيها لم يستحق بهذه الشهادة شيئا لاحتمال أن مروره فيها كان غصبا أو إباحة ولئن دلت على أنه كان لحق المرور لكن في الزمان الماضي لأن الشهادة قامت عليه فلا يثبت بها الحق للحال ولو شهدوا أن له فيها طريقا فإن حدوا الطريق فسموا طوله وعرضه قبلت شهادتهم وكذلك إذا لم يحدوه كذا ذكر في الكتاب ومن أصحابنا رحمهم الله من حمل المسألة على ما إذا شهدوا على إقرار صاحب الدار بالطريق لأن المشهود به مجهول وجهالة المشهو ( ( ( المشهود ) ) ) به تمنع صحة الشهادة أما جهالة المقر به فلا تمنع صحة الإقرار ومنهم من أجرى جواب الكتاب على إطلاقه لأن الطريق طوله معلوم وعرضه مقدار عرض الباب في متعارف الناس وعاداتهم فكانت هذه شهادة بمعلوم فتقبل وكذلك لو شهدوا أن أباه مات وترك طريقا في هذه الدار فهو على ما ذكرنا وعلى هذا إذا كان لرجل ميزاب في دار رجل فاختلفا في مسيل الماء فلصاحب الدار أن يمنعه عن التسييل حتى يقيم البينة أن له في هذه الدار مسيل ماء ولا يستحق صاحب الميزاب بنفس الميزاب شيئا لما ذكرنا وذكر الفقيه أبو الليث رحمه الله أن الميزاب إذا كان قديما فله حق التسييل وذكر محمد في كتاب الشرب في نهر في أرض رجل يسيل فيه الماء فاختلفا في ذلك فالقول قول صاحب الماء لأنه إذا كان يسيل فيه الماء كان النهر مشغولا بالماء فكان النهر مستعملا به فكان في يده بخلاف الميزاب فإن موضوع المسألة فيما إذا لم يكن في الميزاب ماء عند الاختلاف حتى لو كان فيه ماء كان حكمه حكم النهر والله سبحانه وتعالى أعلم ولو شهدوا أنهم رأوا الماء يسيل في الميزاب فليست هذه الشهادة بشيء لأن التسييل قد يكون بغير حق وكذا الشهادة ما قامت بحق كائن على ما مر ولو شهدوا أن له حقا في الدار من حيث التسييل فإن بينوا أنه لماء المطر فهو لماء المطر وإن بينوا أنه مسيل ماء دائم للغسل والوضوء فهو كذلك وإن لم يبينوا تقبل شهادتهم أيضا ويكون القول قول صاحب الدار مع يمينه أنه للغسل والوضوء أو لماء المطر لأن أصل الحق ثبت بشهادة الشهود وبقيت الصفة مجهولة فيتبين ببيان صاحب الدار لكن مع اليمين وإن لم يكن للمدعي بينة أصلا يستحلف صاحب الدار على ذلك فإن حلف برىء وإن نكل يقضى بالنكول كما في باب الأموال وعلى هذا يخرج اختلاف الزوجين في متاع البيت ولا بينة لأحدهما على ما ذكرنا في كتاب النكاح والله تعالى أعلم فصل وأما حكم تعارض الدعوتين في قدر الملك فهو كاختلاف المتبايعين في قدر الثمن أو المبيع فنقول جملة الكلام فيه أن المتبايعين إذا اختلفا فلا يخو ( ( ( يخلو ) ) ) إما إن اختلفا في الثمن وإما إن اختلفا في المبيع فإن اختلفا في الثمن فلا يخلو إما إن اختلفا في قدر الثمن وإما إن اختلفا في جنسه وإما إن اختلفا في وقته وهو الأجل فإن اختلفا في قدره بأن قال البائع بعت منك هذا العبد بألفي درهم وقال المشتري اشتريت بألف
فهذا لا يخلو إما إن كانت السلعة قائمة وإما إن كانت هالكة فإن كانت قائمة فأما إن كانت قائمة على حالها لم تتغير وأما إن تغيرت إلى الزيادة أو إلى النقصان فإن كانت قائمة على حالها لم تتغير تحالفا وترادا سواء كان قبل القبض أو بعده أما قبل القبض فلأن كل واحد منهما مدعي ( ( ( مدع ) ) ) ومدعى عليه من وجه لأن البائع يدعي على المشتري زيادة ثمن وهو ينكر والمشتري يدعي على البائع تسليم المبيع إليه عند أداء الألف وهو ينكر فيتحالفان لقوله عليه الصلاة والسلام واليمين على من أنكر وأما بعد القبض فكان ينبغي أن لا يحلف البائع ويكون القول قول المشتري مع يمينه لأن المشتري لا يدعي على البائع شيئا لسلامة المبيع له والبائع يدعي على المشتري زيادة ثمن وهو ينكر فكان القول قوله مع يمينه إلا أنا عرفنا التحالف وهو الحلف من الجانبين بنص خاص وهو قوله عليه الصلاة والسلام إذا اختلف المتبايعان تحالفا وترادا ويبدأ بيمين المشتري في ظاهر الرواية وهو قول محمد وأبي يوسف الآخر وفي قوله الأول يبدأ بيمين البائع ويقال إنه قول أبي حنيفة رحمه الله والصحيح جواب ظاهر الرواية لأن اليمين وظيفة المنكر والمشتري أشد إنكارا من البائع لأنه منكر في الحالين جميعا قبل القبض وبعده والبائع بعد القبض ليس بمنكر لأن المشتري لا يدعي عليه شيئا فكان أشد إنكارا منه وقبل القبض إن كان منكرا لكن المشتري أسبق إنكارا منه لأنه يطالب أولا بتسليم الثمن حتى يصير عينا وهو ينكر فكان أسبق إنكارا من البائع فيبدأ بيمينه فإن نكل لزمه دعوى البائع لأن النكول بذل أو إقرار وإن حلف يحلف البائع ثم إذا تحالفا هل ينفسخ البيع بنفس التحالف أو يحتاج فيه إلى فسخ القاضي اختلف المشايخ رحمهم الله فيه قال بعضهم ينفسخ ينفس ( ( ( بنفس ) ) ) التحالف لأنهما إذا تحالفا لم يكن في بقاء العقد فائدة فينفسخ وقال بعضهم لا ينفسخ إلا بفسخ القاضي عند طلبهما أو طلب أحدهما وهو الصحيح حتى لو أراد أحدهما إمضاء البيع بما يقوله صاحبه فله ذلك من غير تجديد العقد لأن احتمال الفائدة ثابت لاحتمال التصديق من أحدهما لصاحبه والعقد المنعقد قد يبقى لفائدة محتملة الوجود والعدم لأنه انعقد بيقين فلا يزول لاحتمال عدم الفائدة على الأصل المعهود في الثابت بيقين لأنه لا يزول بالاحتمال فلا ينفسخ إلا بفسخ القاضي وله أن يفسخ لانعدام الفائدة للحال ولأن المنازعة لا تندفع إلا بفسخ القاضي لأنهما لما تحالفا صار الثمن مجهولا فيتنازعان فلا بد من قطع المنازعة ولا تنقطع إلا بالقضاء بالفسخ هذا إذا كانت السلعة قائمة بعينها من غير تغير فأما إذا كانت تغيرت ثم اختلفا في قدر الثمن فلا يخلو أما إن تغيرت إلى الزيادة وإما إن تغيرت إلى النقصان فإن كان التغيير إلى الزيادة فإن كانت الزيادة متصلة متولدة من الأصل كالسمن والجمال منعت التحالف عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وعند محمد رحمه الله لا تمنع ويرد المشتري العين بناء على أن هذه الزيادة تمنع الفسخ عندهما في عقود المعاوضات فتمنع التحالف وعنده لا تمنع الفسخ فلا تمنع التحالف وإن كانت الزيادة متصلة غير متولدة من الأصل كالصبغ في الثوب والبناء والغرس في الأرض فكذلك تمنع التحالف عندهما وعنده لا تمنع ويرد المشتري القيمة لمن هما عنده لأن هذا النوع من الزيادة بمنزلة الهلاك وهلاك السلعة يمنع التحالف عندهما وعنده لا يمنع ويرد المشتري الزيادة وإن كانت الزيادة منفصلة متولدة من الأصل كالولد والأرش والعقر فهو على هذا الاختلاف وإن كانت الزيادة متصلة غير متولدة من الأصل كالموهوب في المكسوب لا تمنع التحالف إجماعا فيتحالفان ويرد المشتري العين لأن هذه الزيادة لا تمنع الفسخ في عقود المعاوضات فلا تمنع التحالف وكذا هي ليست في معنى هلاك العين فلا تمنع التحالف وإذا تحالفا يرد المشتري المبيع دون الزيادة وكانت الزيادة له لأنها حدثت على ملكه وتطيب له لعدم تمكن الحنث فيها
هذا إذا تغيرت السلعة إلى الزيادة فأما إذا تغيرت إلى النقصان في يد المشتري فنذكر حكمه إن شاء الله تعالى هذا إذا كانت السلعة قائمة فأما إذا كانت هالكة فلا يتحالفان عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله والقول قول المشتري مع يمينه في مقدار الثمن فإن حلف لزمه ما أقر به وإن نكل لزمه دعوى صاحبه وعند محمد رحمه الله يتحالفان ويرد المشتري القيمة فإن اختلفا في مقدار القيمة على قوله كان القول قول المشتري مع يمينه في مقدار القيمة ولقب المسألة أن هلاك السلعة هل يمنع التحالف عندهما يمنع وعنده لا يمنع واحتج بقوله عليه الصلاة والسلام إذا اختلف المتبايعان تحالفا وترادا أثبت عليه الصلاة والسلام التحالف مطلقا عن شرط قيام السلعة ولا يقال ورد هنا نص خاص مقيد بحال قيام السلعة وهو قوله عليه الصلاة والسلام إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة بعينها تحالفا وترادا لأن المذهب عندنا أن المطلق لا يحمل على المقيد لما في الحمل من ضرب النصوص بعضها في بعض بل يجري المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده فكان جريان التحالف حال قيام السلعة ثابتا بنصين وحال هلاكها ثابتا بنص واحد وهو النص المطلق ولا تنافي بينهما فيجب العمل بهما جميعا ولهما الحديث المشهور وهو قوله عليه الصلاة والسلام واليمين على من أنكر فبقي التحالف وهو الحلف من الجانبين بعد قبض المعقود عليه لأنه عليه الصلاة والسلام أوجب جنس اليمين على جنس المنكرين فلو وجبت يمين لا على منكر لم يكن جنس اليمين على جنس المنكرين وهذا خلاف النص والمنكر بعد قبض المعقود عليه هو المشتري لأن البائع يدعي عليه زيادة ثمن وهو ينكر فأما الإنكار من قبل البائع فلأن المشتري لا يدعي عليه شيئا فكان ينبغي أن لا يجب التحالف حال قيام السلعة أيضا إلا أنا عرفنا ذلك بنص خاص مقيد وهو قوله عليه السلام إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة بعينها تحالفا وترادا وهذا القيد ثابت في النص الآخر أيضا دلالة لأنه قال عليه الصلاة والسلام وترادا والتراد لا يكون إلا حال قيام السلعة فبقي التحالف حال هلاك السلعة منبتا ( ( ( مثبتا ) ) ) بالخبر المشهور ويستوي هلاك كل السلعة وبعضها في المنع من التحالف أصلا عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف هلاك السلعة يمنع التحالف في قدر الهالك لا غير وعند محمد لا يمنع أصلا حتى لو اشترى عبدين فقبضهما ثم هلك أحدهما ثم اختلفا في مقدار الثمن فالقول قول المشتري عند أبي حنيفة ولا يتحالفان إلا أن يرضي البائع أن يأخذ القائم ولا يأخذ من ثمن الهالك شيئا فحينئذ يتحالفان وعند أبي يوسف لا يتحالفان على الهالك والقول قول المشتري في حصة الهالك ويتحالفان على القائم ويترادان وعند محمد يتحالفان عليهما ويرد قيمة الهالك أما محمد رحمه الله فقد مر على أصله لأن هلاك كل السلعة عنده لا يمنع التحالف فهلاك البعض أولى
وكذلك لأبي يوسف لأن المانع من التحالف هو الهلاك فيتقدر المنع بقدره تقديرا للحكم بقدر العلة ولأبي حنيفة أن الحديث ينفي التحالف بعد قبض السلعة لما ذكرنا إلا أنا عرفنا ذلك بنص خاص والنص ورد في حال قيام كل السلعة فبقي التحالف حال هلاك بعضها منفيا بالحديث المشهور ولأن قدر الثمن الذي يقابل القائم مجهول لا يعرف إلا بالحزر والظن فلا يجوز التحالف عليه إلا إذا شاء البائع أن يأخذ الحي ( ( ( الحد ) ) ) ولا يأخذ من ثمن الهالك شيئا فحينئذ يتحالفان لأنه رضي أن يكون الثمن كله بمقابلة القائم فيخرج الهالك عن العقد كأنه ما وقع العقد عليه وإنما وقع على القيام فيتحالفان عليه وسواء كان هلاك المبيع حقيقة أو حكما بأن خرج عن ملك المشتري بسبب من الأسباب لأن الهالك حكما يلحق بالهالك حقيقة وقد مر الاختلاف فيه وسواء خرج كله أو بعضه عند أبي حنيفة وأبي يوسف فخروج البعض في المنع من التحالف بمنزلة خروج الكل عندهما لأن التحالف هنا يؤدي إلى تفريق الصفقة على البائع وهذا لا يجوز إلا أن يرضى البائع أن يأخذ القائم وحصة الخارج من الثمن بقول المشتري فحينئذ يتحالفان على القائم ويرد المشتري ما بقي في ملكه وعليه حصة الخارج بقوله وهذا عند أبي يوسف فأما عند أبي حنيفة فلا يتحالفان في الأحوال كلها وأما عند محمد فيتحالفان لأن الحقيقي لا يمنع التحالف عنده فالحكمي أولى ثم هلاك الكل بأن خرج كله عن ملكه لا يمنع التحالف فهلاك البعض أولى وإذا تحالفا عنده فإن هلك كل المبيع بأن خرج كله عن ملكه يرد المشتري القيمة إن لم يكن مثليا والمثل إن كان مثليا وإن هلك بعضه بأن خرج البعض عن ملكه دون البعض ينظر إن كان المبيع مما في تبعيضه ضرر أو في تشقيصه عيب فالبائع بعد التحالف بالخيار إن شاء أخذ الباقي وقيمة الهالك وإن شاء ترك الباقي وأخذ قيمة الكل وإن كان المبيع مما لا ضرر في تبعيضه ولا عيب في تشقيصه فللبائع أن يأخذ الباقي ومثل الفائت إن كان مثليا وقيمته إن لم يكن مثليا ولو خرجت السلعة عن ملك المشتري ثم عادت إله ( ( ( إليه ) ) ) ثم اختلفا في مقدار الثمن نظر في ذلك إن كان العود فسخا بأن وجد به عيبا فرده بقضاء القاضي يتحالفان ويرد العين لأن الفسخ رفع من الأصل فجعل كأنه لم يكن وإذا لم يكن العود فسخا بأن كان ملكا جديدا لا يتحالفان عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله لأن العود إذا لم يكن فسخا لا يتبين أن الهلاك لم يكن والهلاك يمنع التحالف عندهما وعند محمد يتحالفان ويرد المشتري القيمة لا العين وكذلك لو لم يخرج المبيع عن ملكه لكنه صار بحال يمنع الرد بالعيب إما بالزيادة وإما بالنقصان أما حكم الزيادة فقد مر تفصيل الكلام فيه وأما حكم النقصان فيخرج على هذا الأصل لأن النقصان من باب الهلاك فنقول إذا انتقص ( ( ( انتقض ) ) ) المبيع في يد المشتري ثم اختلفا في مقدار الثمن لم يتحالفا عندهما سواء كان النقصان بآفة سماوية أو بفعل المبيع أو بفعل المشتري أو بفعل الأجنبي أو بفعل البائع لأن نقصان المبيع هلاك جزء منه وهلاك الجزء في المنع من التحالف كهلاك الكل على أصل أبي حنيفة رضي الله عنه فلا يتحالفان والقول قول المشتري إلا إذا كان النقصان بآفة سماوية أو بفعل المبيع أو بفعل المشتري ورضي البائع أن يأخذ المبيع ناقصا ولا يأخذ لأجل النقصان شيئا فحينئذ يتحالفان ويترادان وعند محمد يتحالفان ثم البائع بعد التحالف بالخيار إن شاء أخذ المبيع ناقصا ولا يأخذ لأجل النقصان شيئا وإن شاء ترك وأخذ القيمة
وقال بعضهم على قول محمد إن اختار أخذ العين يأخذ معها النقصان كالمقبوض بالبيع الفاسد وإن كان النقصان بفعل الأجنبي أو بفعل البائع يتحالفان ويرد المشتري القيمة عنده وعندهما لا يتحالفان والقول قول المشتري مع يمينه هذا إذا اختلفا في قدر الثمن فأما إذا اختلفا في جنسه بأن قال أحدهما الثمن عين وقال الآخر هو دين فإن كان مدعي العين هو البائع بأن قال للمشتري بعت منك جاريتي بعبدك هذا وقال المشتري للبائع اشتريتها منك بألف درهم فإن كانت الجارية قائمة تحالفا وتردا ( ( ( وترادا ) ) ) لقوله عليه الصلاة والسلام إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة تحالفا وترادا من غير فصل بين ما إذا كان الاختلاف في قدر الثمن أو في جنسه وإن كانت هالكة عند المشتري لا يتحالفان عند أبي حنيفة وأبي يوسف والقول قول المشتري في الثمن مع يمينه وعند محمد يتحالفان وهي مسألة هلاك السلعة وقد مرت وإن كان مدعي العين هو المشتري بأن قال اشتريت جاريتك بعبدي هذا وقال البائع بعتها منك بألف درهم أو بمائة دينار فإن كانت الجارية قائمة يتحالفان بالنص وإن كانت هالكة يتحالفان أيضا إجماعا ويرد المشتري القيمة أما على أصل محمد فظاهر لأن هلاك السلعة عنده لا يمنع التحالف وأما على أصلهما فلأن وجوب اليمين على المشتري ظاهر أيضا لأن البائع يدعي عليه ثمن الجارية ألف درهم وهو ينكر وأما وجوب اليمين على البائع فلأن المشتري يدعي عليه إلزم ( ( ( إلزام ) ) ) العين وهو ينكر فكان كل واحد منهما مدعيا من وجه منكرا من وجه فيتحالفان ولو كان البائع يدعي عينا والبعض دينا والمشتري يدعي الكل دينا بأن قال البائع بعت منك جاريتي بعبدك هذا وبألف درهم وقال المشتري اشتريت جاريتك بألف درهم فإن كان المبيع وهو الجارية قائما تحالفا بالنص وإن كان هالكا فهو على الاختلاف ولو كان الأمر على العكس من ذلك كأن يدعي البعض عينا والبعض دينا والبائع يدعي الكل دينا بأن قال المشتري اشتريت منك جاريتك بعبدي هذا وبألف درهم وقيمة العبد خمسمائة وقال البائع بعتك جاريتي هذه بألف درهم فإن كانت الجارية قائمة تحالفا وترادا بالنص وإن كانت هالكة يتحالفان أيضا إجماعا إلا أن عندهما تقسم الجارية على قيمة العبد وعلى ألف درهم فما كان بإزاء العين وهو العبد وذلك ثلث الجارية يرد المشتري القيمة وما كان بإزاء الدين وهو الألف وذلك ثلثا الجارية يرد ألف درهم ولا يرد القيمة وإنما كان كذلك لأن المشتري لو كان يدعي كل الثمن عينا كانا يتحالفان ويرد المشتري القيمة على ما ذكرنا ولو كان كل الثمن دينا لكان القول قوله ولا يتحالفان على ما مر فإذا كان يدعي بعض الثمن عينا وبعضه دينا يرد القيمة بإزاء العين فالقول قوله بإزاء الدين اعتبارا للبعض بالكل وعند محمد يتحالفان ويرد المشتري جميع الثمن هذا إذا اختلفا في جنس الثمن فأما إذا اختلفا في وقته وهو الأجل مع اتفاقهما على قدره وجنسه فنقول هذا لا يخلو من أربعة أوجه إما إن اختلفا في أصل الأجل وإما إن اختلفا في قدره وإما إن اختلفا في مضيه وإما إن اختلفا في قدره ومضيه جميعا فإن اختلفا في أصله لا يتحالفان والقول قول البائع مع يمينه لأن الأجل أمر يستفاد من قبله وهو منكر لوجوده ولأن الأصل في الثمن هو الحلول والتأجيل عارض فكان القول قول من يدعي الأصل وإن اختلفا في قدره فالقول قوله أيضا لما قلنا وإن اختلفا في مضيه مع اتفاقهما على أصله وقدره فالقول قول المشتري أنه لم يمض لأن الأجل صار حقا له بتصادقهما فكان القول فيه قوله وإن اختلفا في القدر والمضي جميعا فقال البائع الأجل شهر وقد مضى وقال المشتري شهران ولم يمضيا فالقول قول البائع في القدر والقول قول المشتري في المضي فيجعل الأجل شهرا لم يمض لأن الظاهر يشهد للبائع في القدر وللمشتري في المضي على ما مر
هذا إذا هلك المبيع كله أو بعضه حقيقة أو حكما فأما إذا هلك العاقدان أو أحدهما والمبيع قائم فاختلف ورثتهما أو الحي منهما وورثة الميت فإن كانت السلعة غير مقبوضة تحالفا وترادا لأن للقبض شبها بالعقد فكان قبض المعقود عليه من الوارث بمنزلة ابتداء العقد منه فيجري بينهما التحالف إلا أن الوارث يحلف على العلم لا على البتات لأنه يحلف على فعل الغير ولا علم له به وإن كانت السلعة مقبوضة فلا تحالف عندهما والقول قول المشتري أو ورثته بعد موته وعند محمد يتحالفان والأصل أن هلاك العاقد بعد قبض المعقود عليه كهلاك المعقود عليه وهلاك المعقود عليه يمنع التحالف عندهما فكذا هلاك العاقد وعند محمد ذلك لا يمنع من التحالف كذا هذا والصحيح قولهما لأن الخبر المشهور يمنع من التحالف لكنا عرفناه بنص خاص حال قيام العاقدين لأنه يوجب تحالف المتبايعين والمتبايع من وجد منه فعل البيع ولم يوجد من الوارث حقيقة فبقي التحالف بعد هلاكهما أو هلاك أحدهما منفيا بالخبر المشهور هذا إذا اختلفا في الثمن أما إذا اختلفا في المبيع فنقول لا يخلو المبيع من أن يكون عينا أو دينا وهو المسلم فيه فإن كان عينا فاختلفا في جنسه أو في قدره بأن قال البائع بعت منك هذا العبد بألف درهم وقال المشتري اشتريت منك هذه الجارية بألف درهم أو قال البائع بعت منك هذا العبد بألف درهم وقال المشتري اشتريت منك هذا العبد مع هذه الجارية بألف درهم تحالفا وترادا لقوله عليه الصلاة والسلام إذا اختلف المتبايعان تحالفا وترادا وإن كان دينا وهو المسلم فيه فاختلفا فنقول اختلافهما في الأصل لا يخلو من ثلاثة أوجه إما إن اختلفا في المسلم فيه مع اتفاقهما على رأس المال وإما إن اختلفا في رأس المال مع اتفاقهما في المسلم فيه وإما إن اختلفا فيهما جميعا فإن اختلفا في المسلم فيه مع اتفاقهما على رأس المال فأما إن اختلفا في جنس المسلم فيه وأما إن اختلفا في قدره وأما إن اختلفا في صفته وأما إن اختلفا في مكان إيفائه وأما إن اختلفا في وقته وهو الأجل فإن اختلفا في جنسه أو قدره أو صفته تحالفا وترادا لأن هذا اختلاف في المعقود عليه وأنه يوجب التحالف بالنص والذي يبدأ باليمين هو المسلم إليه في قول أبي حنيفة وهو قول أبي يوسف الأول وفي قوله الآخر وهو قول محمد هو رب السلم وجه قولهما أن الابتداء باليمين من المشتري كما في بيع العين ورب السلم هو المشتري فكانت البداية به ولأبي حنيفة رحمه الله أن اليمين على المنكر والمنكر هو المسلم إليه ولا إنكار مع رب السلم فكان ينبغي أن لا يحلف أصلا إلا أن التحليف في جانبه ثبت بالنص وقد روي عن أبي يوسف أيضا أنه قال أيهما بدأ بالدعوى يستحلف الآخر لأنه صار مدعيا ( ( ( مدعى ) ) ) عليه وهو منكر وقال بعضهم التعيين إلى القاضي يبدأ بأيهما شاء وإن شاء أقرع بينهما فيبدأ بالذي خرجت قرعته ولو اختلفا في مكان إيفاء المسلم فيه فقال رب السلم شرطت عليك الإيفاء في مكان كذا وقال المسلم إليه بل شرطت لك الإيفاء في مكان كذا فالقول قول المسلم إليه ولا يتحالفان عند أبي حنيفة وعندهما يتحالفان بناء على أن مكان العقد لا يتعين مكان الإيفاء عنده حتى كان ترك بيان مكان الإيفاء مفسدا للسلم عنده فلم يدخل مكان الإيفاء في العقد بنفسه بل بالشرط والاختلاف فيما لا يدخل في العقد إلا بالشرط لا يوجب التحالف كالأجل وعندهما مكان العقد يتعين مكانا للإيفاء حتى لا يفسد السلم بترك بيان مكان الإيفاء عندهم ( ( ( عندهما ) ) ) فكان المكان داخلا في العقد من غير شرط فيوجب التحالف
وإن اختلفا في وقت المسلم فيه وهو الأجل فنقول لا يخلو إما إن اختلفا في أصل الأجل وإما إن اختلفا في قدره وإما إن اختلفا في مضيه وإما إن اختلفا في قدره ومضيه جميعا فإن اختلفا في أصل الأجل لم يتحالفا عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر تحالفا وترادا واحتج بإطلاق قوله عليه الصلاة والسلام إذا اختلف المتبايعان تحالفا وترادا ولأن الاختلاف في أصل المسلم فيه كالاختلاف في صفته ألا ترى أنه لا صحة للسلم بدون الأجل كما لا صحة له بدون الوصف فصار الأجل وصفا للمعقود عليه شرعا فيوجب التحالف ولنا أن الأجل ليس بمعقود عليه والاختلاف فيما ليس بمعقود عليه لا يوجب التحالف بخلاف الاختلاف في الصفة لأن الصفة في الدين معقود عليه كالأجل والاختلاف في الأجل يوجب التحالف فكذا في الصفة وإذا لم يتحالفا فإن كان مدعي الأجل هو رب السلم فالقول قوله ويجوز السلم لأنه يدعي صحة العقد والمسلم إليه يدعي الفساد والقول قول مدعي الصحة ولأن المسلم إليه متعنت في إنكار الأجل لأنه ينفعه والمتعنت لا قول له وإن كان هو المسلم إليه فالقول قوله عند أبي حنيفة ويجوز السلم استحسانا والقياس أن يكون القول قول رب السلم ويفسد السلم وهو قولهما وجه القياس أن الأجل أمر يستفاد من قبل رب السلم حقا عليه شرعا وأنه منكر ثبوته والقول قول المنكر في الشرع وجه الاستحسان أن المسلم إليه بدعوى الأجل يدعي صحة العقد ورب السلم بالإنكار يدعي فساده فكان القول قول من يدعي الصحة لأن الظاهر شاهد له إذ الظاهر من حال المسلم اجتناب المعصية ومباشرة العقد الفاسد معصية وإذا كان القول قوله في أصل الأجل كان القول قوله في مقدار الأجل أيضا وقال بعضهم القول قوله إلى شهر لأنه أدنى الآجال فأما الزيادة على شهر فلا تثبت إلا بالبينة وإن اختلفا في قدره لم يتحالفا عندنا خلافا لزفر والقول قول رب السلم لما ذكرنا أن الأجل أمر يستفاد من قبله فيرجع في بيان القدر إليه وإن اختلفا في مضيه فالقول قول المسلم إليه وصورته إذا قال رب السلم كان الأجل شهرا وقد مضى وقال المسلم إليه كان شهرا ولم يمض وإن أخذت السلم الساعة كان القول قول المسلم إليه لأنهما لما تصادقا على أصل الأجل وقدره فقد صار الأجل حقا للمسلم إليه فكان القول في المضي قوله وإن اختلفا في قدره ومضيه جميعا فالقول قول رب السلم في القدر وقول المسلم إليه في المضي ( ( ( المعنى ) ) ) لأن الظاهر يشهد لرب السلم في القدر وللمسلم إليه في المضي هذا إذا اختلفا في المسلم فيه مع اتفاقهما على رأس المال فأما إذا اختلفا في رأس المال مع اتفاقهما في المسلم فيه تحالفا وترادا أيضا سواء اختلفا في جنس رأس المال أو قدره أو صفته لما قلنا في الاختلاف في المسلم فيه إلا أن الذي يبدأ باليمين ههنا هو رب السلم في قولهم جميعا لأنه المشتري وهو المنكر أيضا وإن اختلفا فيهما جميعا فكذلك تحالفا وترادا لأنهما اختلفا في المبيع والثمن والاختلاف في أحدهما يوجب التحالف ففيهما أولى والقاضي يبدأ باليمين بأيهما شاء والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما بين ( ( ( بيان ) ) ) حكم الملك والحق الثابت في المحل فنقول وبالله التوفيق حكم الملك ولاية التصرف للمالك في المملوك باختياره ليس لأحد ولاية الجبر عليه إلا لضرورة ولا لأحد ولاية المنع عنه وإن كان يتضرر به إلا إذا تعلق به حق الغير فيمنع عن التصرف من غير رضا صاحب الحق وغير المالك لا يكون له التصرف في ملكه من غير إذنه ورضاه إلا لضرورة وكذلك حكم الحق الثابت في المحل
إذا عرف هذا فنقول للمالك أن يتصرف في ملكه أي تصرف شاء سواء كان تصرفا يتعدى ضرره إلى غيره أو لا يتعدى فله أن يبني في ملكه مرحاضا أو حماما أو رحى أو تنورا وله أن يقعد في بنائه حدادا أو قصارا وله أن يحفر في ملكه بئرا أو بالوعة أو ديماسا وإن كان يهن من ذلك البناء ويتأذى به جاره وليس لجاره أن يمنعه حتى لو طلب جاره تحويل ذلك لم يجبر عليه لأن الملك مطلق للتصرف في الأصل والمنع منه لعارض تعلق حق الغير فإذا لم يوجد التعلق لا يمنع إلا أن الامتناع عما يؤذي الجار ديانة واجب للحديث قال عليه الصلاة والسلام المؤمن من أمن جاره بوائقه ولو فعل شيئا من ذلك حتى وهن البناء وسقط حائط الجار لا يضمن لأنه لا صنع منه في ملك الغير وعلى هذا سفل لرجل وعليه علو لغيره انهدما لم يجبر صاحب السفل على بناء السفل لأنه ملكه والإنسان لا يجبر على عمارة ملك نفسه ولكن يقال لصاحب العلو إن شئت فابن السفل من مال نفسك وضع عليه علوك ثم امنع صاحب السفل عن الانتفاع بالسفل حتى يرد عليك قيمة البناء مبنيا لأن البناء وإن كان تصرفا في ملك الغير لكن فيه ضرورة لأنه لا يمكنه الانتفاع بملك نفسه إلا بالتصرف في ملك غيره فصار مطلقا له شرعا وله حق الرجوع بقيمة البناء مبنيا لأن البناء ملكه لحصوله بإذن الشرع وإطلاقه فله أن لا يمكنه من الانتفاع بملكه إلا ببدل يعدله وهو القيمة وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أن في ظاهر الرواية يرجع بما أنفقه وكذا ذكر الخصاف أنه يرجع بما أنفق لأنه لما لم يقدر على الانتفاع بالعلو إلا ببناء السفل ولا ضرر لصاحب السفل في بنائه بل فيه نفع صار مأذونا بالإنفاق من قبله دلالة فكان له حق الرجوع بما أنفق وهذا بخلاف البئر المشترك والدولاب المشترك والحمام المشترك ونحو ذلك إذا خربت فامتنع أحدهما عن العمارة أنه يجبر الآخر على العمارة لأن هناك ضرورة لأنه لا يمكن الانتفاع به بواسطة القسمة لأنه لا يحتمل القسمة والترك لذلك تعطيل الملك وفيه ضرر بهما فكان الذي أبى العمارة متعنتا محضا في الامتناع فيدفع تعنته بالجبر على العمارة هذا إذا انهدما بأنفسهما فأما إذا هدم صاحب السفل سفله حتى انهدم العلو يجبر على إعادته لأنه أتلف حق صاحب العلو بإتلاف محله ويمكن جبره بالإعادة فتجب عليه إعادته وعلى هذا حائط بين دارين انهدم ولهما عليه جذوع لم يجبر واحد منهما على بنائه لما قلنا ولكن إذا أبى أحدهما البناء يقال للآخر إن شئت فابن من مال نفسك وضع خشبك عليه وامنع صاحبك من الوضع حتى يرد عليك نصف قيمة البناء مبنيا أو نصف ما أنفقته على حسب ما ذكرنا في السفل والعلو وقيل إنما يرجع إذا لم يكن موضع الحائط عريضا ولا يمكن كل واحد منهما أن يبني حائطا على حدة في نصيبه ( ( ( نصبه ) ) ) بعد القسمة فأما إذا كان عريضا يمكن قسمته وأن يبني كل واحد منهما في نصيبه حائطا يصلح لوضع الجذوع عليه فبناه كما كان بغير إذن صاحبه لا يكون له حق الرجوع على صاحبه بل يكون متبرعا لأنه يبني ملك غيره بغير إذنه من غير ضرورة فكان متبرعا فلا يرجع عليه بشيء ولو أراد أحدهما قسمة عرضة الحائط لم تقسم إلا عن تراض منهما بالقسمة لأن لكل واحد منهما عليه حق وضع الخشب وفي القسمة جبرا إبطال حق الآخر من غير رضاه وهذا لا يجوز ويحتمل أن يقال هذا إذا لم يكن عريضا فإن كان يقسم قسمة جبر لأنه لا يتضمن إبطال حق الغير ولو كانت الجذوع عليه لأحدهما فطلب أحدهما القسمة وأبى الآخر فإن كان الطالب صاحب الجذوع يجبر الآخر على القسمة لأنه في الانتفاع متعنت وإنما الحق لصاحب الجذوع وقد رضي بسقوط حقه
وإن كان الطالب من لا جذع له لا يجبر صاحب الجذوع على القسمة لأن فيه إبطال حقه في وضع الجذوع فلا يجوز من غير رضاه ولو هدم الحائط أحدهما يجبر على إعادته لما ذكرنا أنه أتلف محل حق أحدهما فيجب جبره على الإعادة وعلى هذا سفل لرجل وعليه علو لغيره فأراد صاحب السفل أن يفتح بابا أو يثبت كوة أو يحفر طاقا أو يقد وتدا على الحائط أو يتصرف فيه تصرفا لم يكن قبل ذلك ليس له ذلك من غير رضا صاحب العلو سواء أضر ذلك بالعلو بأن أوجب وهن الحائط أو لم يضر به عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما له ذلك إن لم يضر بالعلو ولو أراد صاحب السفل أن يحفر في سفله بئرا أو بالوعة أو سردابا فله ذلك من غير رضا صاحب العلو إجماعا وكذا إيقاد النار للطبخ أو للخبر ( ( ( للخبز ) ) ) وصب الماء للغسل أو للوضوء بالاتفاق وعلى هذا الاختلاف لو أراد صاحب العلو أن يحدث على علوه بناء أو يضع جذوعا لم يكن قبل ذلك أو يشرع فيه بابا أو كنيفا لم يكن قبله ليس له ذلك عند أبي حنيفة سواء أضر بالسفل أو لا وعندهما له أن يفعل ذلك ما لم يضر بالسفل وله إيقاد النار وصب الماء للوضوء والغسل إجماعا منهم من قال لا خلاف بينهم في الحقيقة وقولهما تفسير قول أبي حنيفة رحمه الله ومنهم من حقق الخلاف وجه قولهما أن صاحب السفل يتصرف في ملك نفسه فلا يمنع إلا لحق الغير وحق الغير لا يمنع من التصرف لعينه بل لما يتضرر به صاحب الحق ألا ترى أن الإنسان لا يمنع من الاستظلال بجدار غيره ومن الاصطلاء بنار غيره لانعدام تضرر المالك والخلاف هنا في تصرف لا يضر بصاحب العلو فلا يمنع عنه ولأبي حنيفة رحمه الله أن حرمة التزصرف ( ( ( التصرف ) ) ) في ملك الغير وحقه لا يقف على الضرر بل هو حرام سواء تضرر به أم لا ألا ترى أن نقل المرآة والمبحار من دار المالك إلى موضع آخر حرام وإن كان لا يتضرر به المالك والدليل عليه أنه يباح التصرف في ملك الغير وحقه برضاه ولو كانت الحرمة لما يلحقه من الضرر لما أبيح لأن الضرر لا ينعدم برضا المالك وصاحب الحق دل أن التصرف في ملك الغير وحقه حرام أضر بالمالك أو لا وهنا حق لصاحب العلو متعلق بالسفل فيحرم التصرف فيه إلا بإذنه ورضاه بخلاف ما ضربنا من المثال وهو الاستظلال بجدار غيره والاصطلاء بنار غيره لأن ذلك ليس تصرفا في ملك الغير وحقه إذ لا أثر لذلك متصل بملك الغير وحقه وهنا بخلافه وعلى هذا إذا كان مسيل ماء في قناة فأراد صاحب القناة أن يجعله ميزابا أو كان ميزابا فأراد أن يجعله قناة ليس له ذلك وكذلك لو أراد أن يجعل ميزابا أطول من ميزابه أو أعرض أو أراد أن يسيل ماء سطح آخر في ذلك الميزاب لم يكن له ذلك لأن صاحب الحق لا يملك التصرف زيادة على حقه وكذلك لو أراد أهل الدار أن يبنوا حائطا ليسدوا مسيله أو أرادوا أن ينقلوا الميزاب عن موضعه أو يرفعوه أو يسفلوه لم يكن لهم ذلك لأن ذلك تصرف في حق الغير بالإبطال والتغيير فلا يجوز من غير رضا صاحب الحق ولو بنى أصل الدار لتسييل ميزابه على ظهره فلهم ذلك لأن مقصود صاحب الميزاب حاصل في الحالين دار لرجل فيها طريق فأراد أهل الدار أن يبنوا في ساحة الدار ما يقطع طريقه ليس لهم ذلك لأن فيه إبطال حق المرور وينبغي أن يتركوا في ساحة الدار عرض باب الدار لأن عرض الطريق مقدر بعرض باب الدار ولو أراد رجل أن يشرع إلى الطريق جناحا أو ميزابا فنقول هذا في الأصل لا يخلو من أحد وجهين إما إن كانت السكة نافذة وإما إن كانت غير نافذة
فإن كانت نافذة فإنه ينظر إن كان ذلك مما يضر بالمارين فلا يحل له أن يفعل ذلك في دينه لقوله عليه الصلاة والسلام لا ضرر ولا إضرار في الإسلام ولو فعل ذلك فلكل واحد أن يقلع عليه ذلك وإن كان ذلك مما لا يضر بالمارين حل له الانتفاع به ما لم يتقدم إليه أحد بالرفع والنقض فإذا تقدم إليه واحد من عرض الناس لا يحل له الانتفاع به بعد ذلك عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما يحل له الانتفاع قبل التقدم وبعده وكذلك هذا الحكم في غرس الأشجار وبناء الدكاكين والجلوس للبيع والشراء على قارعة الطريق وجه قولهما ما ذكرنا أن حرمة التصرف في حق الغير ليس لعينه بل للتحرز عن الضرر والإضرار بالمارة فاستوى فيه حال ما قبل التقدم وبعده ولأبي حنيفة رحمه الله أن إشراع الجناح والميزاب إلى طريق العامة تصرف في حقهم لأن هواء البقعة في حكم البقعة والبقعة حقهم فكذا هواؤها فكان الانتفاع بذلك تصرفا في حق الغير وقد مر أن التصرف في حق الغير بغير إذنه حرام سواء أضر به أو لا إلا أنه حل له الانتفاع بذلك قبل التقدم لوجود الإذن منهم دلالة وهي ترك التقدم بالنقض والتصرف في حق الإنسان بإذنه مباح فإذا وقعت المطالبة بصريح النقض بطلت الدلالة فبقي الانتفاع بالمبني تصرفا في حق مشترك بين الكل من غير إذنهم ورضاهم فلا يحل هذا إذا كانت السكة نافذة فأما إذا كانت غير نافذة فإن كان له حق في التقديم فليس لأهل السكة حق المنع لتصرفه في حق نفسه وإن لم يكن له حق في التقديم فلهم منعه سواء كان لهم في ذلك مضرة أو لا لما ذكرنا أن حرمة التصرف في حق الغير لا تقف على المضرة والله سبحانه وتعالى أعلم كتاب الشهادة الكلام في هذا الكتاب في مواضع في بيان ركن الشهادة وفي بيان شرائط الركن وفي بيان ما يلزم الشاهد بتحمل الشهادة وفي بيان حكم الشهادة أما ركن الشهادة فقول الشاهد أشهد بكذا وكذا وفي متعارف الناس في حقوق العباد هو الإخبار عن كون ما في يد غيره لغيره فكل من أخبر بأن ما في يد غيره لغيره فهو شاهد وبه ينفصل عن المقر والمدعي والمدعى عليه على ما ذكرنا في كتاب الدعوى فصل وأما الشرائط في الأصل فنوعان نوع هو شرط تحمل الشهادة ونوع هو شرط أداء الشهادة أما الأول فثلاثة أحدها أن يكون عاقلا وقت التحمل فلا يصح التحمل من المجنون والصبي الذي لا يعقل لأن تحمل الشهادة عبارة عن فهم الحادثة وضبطها ولا يحصل ذلك إلا بآلة الفهم والضبط وهي العقل والثاني أن يكون بصيرا وقت التحمل عندنا فلا يصح التحمل من الأعمى وعند الشافعي رحمه الله البصر ليس بشرط لصحة التحمل ولا لصحة الأداء لأن الحاجة إلى البصر عند التحمل لحصول العلم بالمشهود به وذلك يحصل بالسماع وللأعمى سماع صحيح فيصح تحمله للشهادة ويقدر على الأداء بعد التحمل ولنا أن الشرط هو السماع من الخصم لأن الشهادة تقع له ولا يعرف كونه خصما إلا بالرؤية لأن النغمات يشبه بعضها بعضا وأما البلوغ والحرية والإسلام والعدالة فليست من شرائط التحمل بل من شرائط الأداء حتى لو كان وقت التحمل صبيا عاقلا أو عبدا أو كافرا أو فاسقا ثم بلغ الصبي وعتق العبد وأسلم الكافر وتاب الفاسق فشهدوا عند القاضي تقبل شهادتهم وكذا العبد إذا تحمل الشهادة لمولاه ثم عتق فشهد له تقبل وكذا المرأة إذا تحملت الشهادة لزوجها ثم بانت منه فشهدت له تقبل شهادتها لأن تحملها الشهادة للمولى والزوج صحيح وقد صارا من أهل الأداء بالعتق والبينونة فتقبل شهادتهما ولو شهد الفاسق فردت شهادته لتهمة الفسق أو شهد أحد الزوجين لصاحبه فردت شهادته لتهمة الزوجية ثم شهدوا في تلك الحادثة بعد التوبة والبينونة لا تقبل ولو شهد العبد أو الصبي العاقل أو الكافر على مسلم في حادثة فردت شهادته ثم أسلم الكافر وعتق العبد وبلغ الصبي فشهدوا في تلك الحادثة بعينها تقبل
ووجه الفرق أن الفاسق والزوج لهما شهادة في الجملة وقد ردت ( ( ( وردت ) ) ) فإذا شهدوا بعد التوبة وزوال الزوجية في تكلك ( ( ( تلك ) ) ) الحادثة فقد أعاد تلك الشهادة وهي مردودة والشهادة المردودة لا تحتمل القبول بخلاف الكافر والعبد والصبي لأنه لا شهادة للكافر على المسلم أصلا وكذا الصبي والعبد لا شهادة لهما أصلا فإذا أسلم الكافر وعتق العبد وبلغ الصبي فقد حدثت لهم بالإسلام والعتق والبلوغ شهادة وهي غير المردودة فقبلت فهو الفرق الثالث ( ( ( والثالث ) ) ) أن يكون التحمل بمعاينة المشهود به بنفسه لا بغيره إلا في أشياء مخصوصة يصح التحمل فيها بالتسامع من الناس لقوله عليه الصلاة والسلام للشاهد إذا علمت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع ولا يعلم مثل الشمس إلا بالمعاينة بنفسه فلا تطلق الشهادة بالتسامع إلا في أشياء مخصوصة وهي النكاح والنسب والموت فله تحمل الشهادة فيها بالتسامع من الناس وإن لم يعاين بنفسه لأن مبنى هذه الأشياء على الاشتهار فقامت الشهرة فيها مقام المعاينة وكذا إذا شهد العرس والزفاف يجوز له أن يشهد بالنكاح لأنه دليل النكاح وكذا في الموت إذا شهد جنازة رجل أو دفنه حل له أن يشهد بموته واختلفوا في تفسير التسامع فعند محمد رحمه الله هو أن يشتهر ذلك ويستفيض وتتواتر به الأخبار عنده من غير تواطؤ لأن الثابت بالتواتر والمحسوس بحس البصر والسمع سواء فكانت الشهادة بالتسامع شهادة عن معاينة فعلى هذا إذا أخبره بذلك رجلان أو رجل وامرأتان لا يحل له الشهادة ما لم يدخل في حد التواتر وذكر أحمد بن عمرو بن مهير ( ( ( مهران ) ) ) الخصاف أنه إذا أخبره رجلان عدلان أو رجل وامرأتان أن هذا ابن فلان أو امرأة فلان يحل له الشهادة بذلك استدلالا بحكم الحكام ( ( ( الحاكم ) ) ) وشهادته فإنه يحكم بشهادة شاهدين من غير معاينة منه بل يخبرهما ( ( ( بخبرهما ) ) ) ويجوز له أن يشهد بذلك بعد العزل كذا هذا ولو أخبره رجل أو امرأة بموت إنسان حل للسامع أن يشهد بموته فعلى هذا يحتاج إلى الفرق بين الموت وبين النكاح والنسب ووجه الفرق أن مبنى هذه الأشياء وإن كان على الاشتهار إلا أن الشهرة في الموت أسرع منه في النكاح والنسب لذلك شرط العدد في النكاح والنسب لا في الموت لكن ينبغي أن يشهد في كل ذلك على البتات والقطع دون التفصيل والتقييد بأن يقول إني لم أعاين ذلك ولكن سمعت من فلان كذا وكذا حتى لو شهد كذلك لا تقبل وأما الولاء فالشهادة فيه بالتسامع غير مقبولة عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وهو قول أبي يوسف رحمه الله الأول ثم رجع وقال تقبل وذكر الطحاوي رحمه الله قول محمد مع أبي يوسف الآخر ووجهه أن الولاء لحمة كلحمة النسب ثم الشهادة بالتسامع في النسب مقبولة كذا في الولاء ألا ترى أنا كما نشهد أن سيدنا عمر كان ابن الخطاب رضي الله عنه نشهد أن نافعا كان مولى ابن سيدنا عمر رضي الله عنهما والصحيح جواب ظاهر الرواية لأن جواز الشهادة بالتسامع في النسب لما أن مبنى النسب على الاشتهار فقامت الشهرة فيه مقام السماع بنفسه وليس مبنى الولاء على الاشتهار فلا بد من معاينة الإعتاق حتى لو اشتهر اشتهار نافع لابن سيدنا عمر رضي الله عنهما حلت الشهادة بالتسامع وأما الشهادة بالتسامع في الوقف فلم يذكره في ظاهر الرواية إلا أن مشايخنا ألحقوه بالموت لأن مبنى الوقف على الاشتهار أيضا كالموت فكان ملحقا به
وكذا تجوز الشهادة بالتسامع في القضاء والولاية أن هذا قاضي بلد كذا ووالي بلد كذا وإن لم يعاين المنشور لأن مبنى القضاء والولاية على الشهرة فقامت الشهرة فيها مقام المعاينة ثم تحمل الشهادة كما يحصل بمعاينة المشهود به بنفسه يحصل بمعاينة دليله بأن يرى ثوبا أو دابة أو دارا في يد إنسان يستعمله استعمال الملاك من غير منازع حتى لو خاصمه غيره فيه يحل له أن يشهد بالملك لصاحب اليد لأن اليد المتصرفة في المال من غير منازع دليل الملك فيه بل لا دليل بشاهد في الأموال أقوى منها وزاد أبو يوسف فقال لا تحل له الشهادة حتى يقع في قلبه أيضا أنه له وينبغي أن يكون هذا قولهم جميعا أنه لا تجوز للرائي الشهادة بالملك لصاحب اليد حتى يراه في يده يستعمله استعمال الملاك من غير منازع وحتى يقع في قلبه أنه له وذكر في الجامع الصغير وقال كل شيء في يد إنسان سوى العبد والأمة يسعك أن تشهد أنه له استثنى العبد والأمة فيقتضي أن لا تحل له الشهادة بالملك لصاحب اليد فيهما إلا إذا أقرا بأنفسهما وإنما أراد به العبد الذي يكون له في نفسه يد بأن كان كبيرا يعبر عن نفسه وكذا الأمة لأن الكبير في يد نفسه ظاهرا إذ الأصل هو الحرية في بني آدم والرق عارض فكانت يده إلى نفسه أقرب من يد غيره فلم تصلح يد غيره دليل الملك فيه بخلاف الجمادات والبهائم لأنه لا يد لها فبقيت يد صاحب اليد دليلا على الملك ولأن الحر قد يخدم كأنه عبد عادة وهذا أمر ظاهر في متعارف الناس وعاداتهم فتعارض الظاهران فلم تصلح اليد دليلا فيه أما إذا كان صغيرا لا يعبر عن نفسه كان حكمه حكم الثوب والبهيمة لأنه لا يكون له في نفسه يد فيلحق بالعروض والبهائم فتحل للرائي الشهادة بالملك فيه لصاحب اليد والله سبحانه وتعالى أعلم وأما شرائط أداء الشهادة فأنواع بعضها يرجع إلى الشاهد وبعضها يرجع إلى نفس الشهادة وبعضها يرجع إلى مكان الشهادة وبعضها يرجع إلى المشهود به أما الذي يرجع إلى الشاهد فأنواع بعضها يعم الشهادات كلها وبعضها يخص البعض دون البعض أما الشرائط العامة فمنها العقل لأن من لا يعقل لا يعرف الشهادة فكيف يقدر على أدائها ومنها البلوغ فلا تقبل شهادة الصبي العاقل لأنه لا يقدر على الأداء إلا بالتحفظ والتحفظ بالتذكر والتذكر بالتفكر ولا يوجد من الصبي عادة ولأن الشهادة فيها معنى الولاية والصبي مولى عليه ولأنه لو كان له شهادة للزمته الإجابة عند الدعوة للآية الكريمة وهو قوله تعالى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا أي دعوا للأداء فلا يلزمه إجماعا ومنها الحرية فلا تقبل شهادة العبد لقوله ( ( ( وقوله ) ) ) تعالى ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء والشهادة شيء فلا يقدر على أدائها بظاهر الآية الكريمة ولأن الشهادة تجري مجرى الولايات والتمليكات أما معنى الولاية فإن فيه تنفيذ القول على الغير وإنه من باب الولاء وأما معنى التمليك فإن الحاكم يملك الحكم بالشهادة فكأن الشاهد ملكه الحكم والعبد لا ولاية له على غيره ولا يملك فلا شهادة له ولأنه لو كان له شهادة لكان يجب عليه الإجابة إذا دعي لأدائها للآية الكريمة ولا يجب لقيام حق المولى وكذا لا تقبل شهادة المدبر والمكاتب وأم الولد لأنهم عبيد وكذا معتق البعض عند أبي حنيفة وعندهما تقبل شهادته لأنه بمنزلة المكاتب عنده وعندهما بمنزلة حر عليه دين ومنها بصر الشاهد عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله فلا تقبل شهادة الأعمى عندهما سواء كان بصيرا وقت التحمل أو لا وعند أبي يوسف ليس بشرط حتى تقبل شهادته إذا كان بصيرا وقت التحمل وهذا إذا كان المدعى شيئا لا يحتاج إلى الإشارة إليه وقت الأداء فأما إذا كان شيئا يحتاج إلى الإشارة إليه وقت الأداء لا تقبل شهادته إجماعا
وجه قول أبي يوسف أن اشتراط البصر ليس لعينه بل لحصول العلم بالمشهود به وذا يحصل إذا كان بصيرا وقت التحمل وجه قولهما أنه لا بد من معرفة المشهود له والإشارة إليه عند الشهادة فإذا كان أعمى عند الأداء لا يعرف بالمشهود ( ( ( المشهود ) ) ) له من غيره فلا يقدر على أداء الشهادة ومنها النطق فلا تقبل شهادة الأخرس لأن مراعاة لفظة الشهادة شرط صحة أدائها ولا عبارة للأخرس أصلا فلا شهادة له ومنها العدالة لقبول الشهادة على الإطلاق فإنها لا تقبل على الإطلاق دونها لقوله تعالى ممن ترضون من الشهداء والشاهد المرضي هو الشاهد العدل والكلام في العدالة في مواضع في بيان ماهية العدالة أنها ما هي في عرف الشرع وفي بيان صفة العدالة المشروطة وفي بيان أنها شرط أصل القبول وجودا أم شرط القبول على الإطلاق ووجوبا أما الأول فقد اختلفت عبارات مشايخنا رحمهم الله في ماهية العدالة المتعارفة قال بعضهم من لم يطعن عليه في بطن ولا فرج فهو عدل لأن أكثر أنواع الفساد والشر يرجع إلى هذين العضوين وقال بعضهم من لم يعرف عليه جريمة في دينه فهو عدل وقال بعضهم من غلبت حسناته سيئاته فهو عدل وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال إذا رأيتم الرجل يعتاد الصلاة في المساجد فاشهدوا له بالإيمان وروي من صلى إلى قبلتنا وأكل ذبيحتنا فاشهدوا له بالإيمان وقال بعضهم من يجتنب الكبائر وأدى الفرائض وغلبت حسناته سيئاته فهو عدل وهو اختيار أستاذ أستاذي الإمام فخر الدين علي البزدوي رحمه ( ( ( رضي ) ) ) الله تعالى واختلفت في ماهية الكبائر والصغائر قال بعضهم ما فيه حد في كتاب الله عز وجل فهو كبيرة وما لا حد فيه فهو صغيرة وهذا ليس بسديد فإن شرب الخمر وأكل الربا كبيرتان ولا حد فيهما في كتاب الله تعالى وقال بعضهم ما يوجب الحد فهو كبيرة وما لا يوجبه فهو صغيرة وهذا يبطل أيضا بأكل الربا فإنه كبيرة ولا يوجب الحد وكذا يبطل أيضا بأشياء أخر هي كبائر ولا توجب الحد نحو عقوق الوالدين والفرارمن الزحف ونحوها وقال بعضهم كل ما جاء مقرونا بوعيد فهو كبيرة نحو قتل النفس المحرمة وقذف المحصنات والزنا والربا وأكل مال اليتيم والفرار من الزخف ( ( ( الزحف ) ) ) وهو مروي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وقيل له إن عبد الله بن سيدنا عمر رضي الله عنهما قال الكبائر سبع فقال هي إلى سبعين أقرب ولكن لا كبيرة مع توبة ولا صغيرة مع إصرار وروي عن الحسن عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال ما تقولون في الزنا والسرقة وشرب الخمر قالوا الله ورسوله أعلم قال عليه الصلاة والسلام هن فواحش وفيهن عقوبة ثم قال عليه الصلاة والسلام ألا أنبئكم بأكبر الكبائر فقالوا بلى يا رسول الله فقال الإشراك بالله وعقوق الوالدين وكان عليه السلام متكئا فجلس ثم قال ألا وقول الزور ألا وقول الزور ألا وقول الزور فإذا عرفت تفسير العدالة في عرف الشرع فلا عدالة لشارب الخمر لأن شربه كبيرة فتسقط به العدالة ومن مشايخنا من قال إذا كان الرجل صالحا في أموره تغلب حسناته سيئاته ولا يعرف بالكذب ولا بشيء من الكبائر غير أنه يشرب الخمر أحيانا لصحة البدن والتقوي لا للتلهي يكون عدلا وعامة مشايخنا على أنه لا يكون عدلا لأن شرب الخمر كبيرة محضة وإن كان للتقوي ومن شرب النبيذ لا تسقط عدالته بنفس الشرب لأن شربه للتقوي دون التهلي ( ( ( التلهي ) ) ) حلال وأما السكر منه فإن كان وقع منه مرة وهو لا يدري أو وقع سهوا لا تسقط عدالته
وإن كان يعتاد السكر منه تسقط عدالته لأن السكر منه حرام ولا عدالة لمن يحضر مجلس الشرب ويجلس بينهم وإن كان لا يشرب لأن حضوره مجلس الفسق فسق ولا عدالة للنائح والنائحة لأن فعلهما محظور وأما المغني فإن كان يجتمع الناس عليه للفسق بصوته فلا عدالة له وإن كان هو لا يشرب لأنه رأس الفسقة وإن كان يفعل ذلك مع نفسه لدفع الوحشة لا تسقط عدالته لأن ذلك مما لا بأس به لأن السماع مما يرقق القلوب لكن لا يحل الفسق به وأما الذي يضرب شيئا من الملاهي فإنه ينظر إن لم يكن مستشنعا كالقصب والدف ونحوه لا بأس به ولا تسقط عدالته وإن كان مستشنعا كالعود ونحوه سقطت عدالته لأنه لا يحل بوجه من الوجوه والذي يلعب بالحمام فإن كان لا يطيرها لا تسقط عدالته وإن كان يطيرها تسقط عدالته لأنه يطلع على عورات النساء ويشغله ذلك عن الصلاة والطاعات ومن يلعب بالرند ( ( ( بالنرد ) ) ) فلا عدالة له وكذلك من يلعب بالشطرنج ويعتاده فلا عدالة له وإن أباحه بعض الناس لتشحيذ الخاطر وتعلم أمر الحرب لأنه حرام عندنا لكونه لعبا قال عليه الصلاة والسلام كل لعب حرام إلا ملاعبة الرجل أهله وتأديبه فرسه ورميه عن قوسه وكذلك إذا اعتاد ذلك يشغله عن الصلاة والطاعات فإن كان يفعله أحيانا ولا يقامر به لا تسقط عدالته ولا عدالة لمن يدخل الحمام بغير مئزر لأن ستر العورة فريضة ومن ترك الصلاة بالجماعات استخفافا بها وهوانا بتركها فلا عدالة له لأن الجماعة واجبة وإن كان تركها عن تأويل بأن كان الإمام غير مرضي عنده لا تسقط عدالته ولا عدالة لمن يفجر بالنساء أو يعمل بعمل قوم لوط ولا للسارق وقاطع الطريق والمتلصص وقاذف المحصنات وقاتل النفس المحرمة وآكل الربا ونحوه لأن هؤلاء من رؤس الكبائر ولا عدالة للمخنث لأن فعله وعمله كبيرة ولا عدالة لمن لم يبال من أين يكتسب الدراهم من أي وجه كان لأن من هذا حاله لا يأمن ( ( ( يؤمن ) ) ) منه أن يشهد زورا طمعا في المال والمعروف بالكذب لا عدالة له ولا تقبل شهادته أبدا وإن تاب لأن من صار معروفا بالكذب واشتهر به لا يعرف صدقه في توبته بخلاف الفاسق إذا تاب عن سائر أنواع الفسق تقبل شهادته وكذا من وقع في الكذب سهوا وابتلي به مرة ثم تاب لأنه قل ما يخلو مسلم عن ذلك فلو منع القبول لانسد باب الشهادة وأما الأقلف فتقبل شهادته إذا كان عدلا ولم يكن تركه الختان رغبة عن السنة لعمومات الشهادة ولأن إسلامه إذا كان في حال الكبر فيجوز أنه خاف على نفسه التلف فإن لم يخف ولم يختتن تاركا للسنة لم تقبل شهادته كالفاسق والذي يرتكب المعاصي أن شهادته لا تجوز وإن كنا لا نستيقن كونه فاسقا في تلك الحال وتقبل شهادة ولد الزنا إذا كان عدلا لعمومات الشهادة لأن زنا الوالدين لا يقدح في عدالته لقوله سبحانه وتعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى وما روي عنه ولد الزنا أسوأ الثلاثة فذا في ولد معين والله تعالى أعلم وتقبل شهادة الخصي لعمومات الشهادة وروي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه قبل شهادة علقمة الخصي ولم ينقل أنه أنكر عليه منكر من الصحابة ولأن الخصاء لا يقدح في العدالة فلا يمنع قبول الشهادة وأما شهادة صاحب الهوى إذا كان عدلا في هواه ودينه نظر في ذلك إن كان هوى يكفره لا تقبل شهادته لأن شهادة الكافر على المسلم غير مقبولة وإن كان لا يكفره فإن كان صاحب العصبية وصاحب الدعوة إلى هواه أو كان فيه مجانة لا تقبل أيضا لأن صاحب العصبية والدعوة لا يبالي من الكذب والتزوير لترويج هواه فكان فاسقا فيه
وكذا إذا كان فيه مجانة لأن الماجن لا يبالي من الكذب فإن لم يكن كذلك وهو عدل في هواه تقبل لأن هواه يزجره عن الكذب إلا صنف من الرافضة يسمون بالخطابية فإنهم لا شهادة لهم لأن من نحلتهم أنه تحل الشهادة لمن يوافقهم على من يخالفهم وقيل من نحلتهم أن من ادعى أمرا من الأمور وحلف عليه كان صادقا في دعواه فيشهدون له فإن كان هذا مذهبهم فلا تخلو شهادتهم عن الكذب وكذا لا عدالة لأهل الإلهام لأنهم يحكمون بالإلهام فيشهدون لمن يقع في قلوبهم أنه صادق في دعواه ومعلوم أن ذلك لا يخلو عن الكذب ولا عدالة لمن يظهر شتيمة الصحابة رضي الله تعالى عنهم لأن شتيمة واحد من آحاد المسلمين مسقطة للعدالة فشتيمتهم أولى ولا عدالة لصاحب المعصية لقوله عليه الصلاة والسلام ليس منا من مات على المعصية وقال عليه الصلاة والسلام من مات على المعصية فهو كحمار نزع بدينه فكانت المعصية معصية مسقطة للعدالة والأصل في هذا الفصل أن من ارتكب جريمة فإن كانت من الكبائر سقطت عدالته إلا أن يتوب فإن لم تكن من الكبائر فإن أصر عليها واعتاد ذلك فكذلك لأن الصغيرة بالإصرار عليها تصير كبيرة قال عليه الصلاة والسلام لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار وإن لم يصر عليها لا تسقط عدالته إذا غلبت حسناته سيئاته وأما بيان صفة العدالة المشروطة فقد اختلف أصحابنا رحمهم الله قال أبو حنيفة رضي الله عنه الشرط هو العدالة الظاهرة فأما العدالة الحقيقية وهي الثابتة بالسؤال عن حال الشهود بالتعديل والتزكية فليست بشرط وقال أبو يوسف ومحمد رحمه الله إنها شرط ولقب المسألة أن القضاء بظاهر العدالة جائز عنده وعندهما لا يجوز وجملة الكلام فيه أنه لا خلاف في أنه إذا طعن الخصم في الشاهد أنه لا يكتفي بظاهر العدالة بل يسأل القاضي عن حال الشهود وكذا لا خلاف في أنه يسأل عن حالهم في الحدود والقصاص ولا يكتفي بالعدالة الظاهرة سواء طعن الخصم فيهم أو لم يطعن واختلفوا فيما سوى الحدود والقصاص إذا لم يطعن الخصم قال أبو حنيفة رحمه الله لا يسأل وقالا يسأل عن مشايخنا من قال هذا الاختلاف اختلاف زمان لا اختلاف حقيقة لأن زمن أبي حنيفة رحمه الله كان من أهل خير وصلاح لأنه زمن التابعين وقد شهد لهم النبي بالخيرية بقوله خير القرون قرني الذي أنا فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشوا ( ( ( يفشو ) ) ) الكذب الحديث فكان الغالب في أهل زمانه الصلاح والسداد فوقعت الغنية عن السؤال عن حالهم في السر ثم تغير الزمان وظهر الفساد في قرنهما فوقعت الحاجة إلى السؤال عن العدالة فكان اختلاف جوابهم لاختلاف الزمان فلا يكون اختلافا حقيقا ( ( ( حقيقة ) ) ) ومنهم من حقق الخلاف وجه قولهما أن العدالة الظاهرة تصلح للدفع لا للإثبات لثبوتها باستصحاب الحال دون الدليل والحاجة ههنا إلى الإثبات وهو إيجاب القضاء والظاهر لا يصلح حجة له فلا بد من إثبات العدالة بدليلها ولأبي حنيفة ظاهر قوله عز وجل وكذلك جعلناكم أمة وسطا أي عدلا وصف الله سبحانه وتعالى مؤمني هذه الأمة بالوساطة وهي العدالة وقال سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه عدول بعضهم على بعض فصارت العدالة أصلا في المؤمنين وزوالها بعارض ولأن العدالة الحقيقية مما لا يمكن الوصول إليها فتعلق الحكم بالظاهر وقد ظهرت عدالتهم قبل السؤال عن حالهم فيجب الاكتفاء به إلا أن يطعن الخصم لأنه إذا طعن الخصم وهو صادق في الطعن فيقع التعارض بين الظاهرين فلا بد من الترجيح بالسؤال والسؤال في الحدود والقصاص طريق لدرئها والحدود يحتال فيها للدرء ولو طعن المشهود عليه في حرية الشاهدين وقال إنهما رقيقان وقالا نحن حران فالقول قوله حتى تقوم لهما البينة على حريتهما لأن الأصل في بني آدم وإن كان هو الحرية لكونهم أولاد آدم وحواء عليهما السلام وهما حران لكن الثابت بحكم استصحاب الحال لا يصلح للإلزام على الخصم ولا بد من إثباتها بالدلائل
والأصل فيه أن الناس كلهم أحرار إلا في أربعة الشهادات والحدود والقصاص والعقل هذا إذا كانا مجهولي النسب لم تعرف حريتهما ولم تكن ظاهرة مشهورة بأن كانا من الهند أو الترك أو غيرهم ممن لا تعرف حريته أو كانا عربيين فأما إذا لم يكونا ممن يجري عليه الرق فالقول قولهما ولا يثبت رقهما إلا بالبينة وأما بيان أن العدالة شرط قبول أصل الشهادة وجودا أم شرط القبول مطلقا وجوبا ووجودا فقد اختلف فيه قال أصحابنا رحمهم الله إنها شرط القبول للشهادة وجودا على الإطلاق ووجوبا لا شرط أصل القبول حتى يثبت القبول بدونه وقال الشافعي عليه الرحمة إنها شرط أصل القبول لا يثبت القبول أصلا دونها حتى إن القاضي لو تحرى الصدق في شهادة الفاسق يجوز له قبول شهادته ولا يجوز القبول من غير تحر بالإجماع وكذا لا يجب عليه القبول بالإجماع وله أن يقبل شهادة العدل من غير تحر وإذا شهد يجب عليه القبول وهذا هو الفصل بين شهادة العدل وبين شهادة الفاسق عندنا وعند الشافعي عليه الرحمة لا يجوز للقاضي أن يقضي بشهادة الفاسق أصلا وكذا ينعقد النكاح بشهادة الفاسقين عندنا وعنده لا ينعقد وجه قول الشافعي رحمه الله أن مبنى قبول الشهادات على الصدق ولا يظهر الصدق إلا بالعدالة لأن خبر من ليس بمعصوم عن الكذب يحتمل الصدق والكذب ولا يقع الترجيح إلا بالعدالة واحتج في انعقاد النكاح بقوله لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ولنا عمومات قوله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم وقوله لا نكاح إلا بشهود والفاسق شاهد لقوله سبحانه وتعالى ممن ترضون من الشهداء قسم الشهود إلى مرضيين وغير مرضيين فيدل على كون غير المرضي وهو الفاسق شاهدا ولأن حضرة الشهود في باب النكاح لدفع تهمة الزنا لا للحاجة إلى شهادتهم عند الجحود والإنكار لأن النكاح يشتهر بعد وقوعه فيمكن دفع الجحود والإنكار بالشهادة بالتسامع والتهمة تندفع بحضرة الفاسق فينعقد النكاح بحضرتهم وأما قوله الركن في الشهادة هو صدق الشاهد فنعم لكن الصدق لا يقف على العدالة لا محالة فإن من الفسقة من لا يبالي بارتكابه أنواعا من الفسق ويستنكف عن الكذب والكلام في فاسق تحرى القاضي الصدق في شهادته فغلب على ظنه صدقه ولو لم يكن كذلك لا يجوز القضاء بشهادته عندنا وأما الحديث فقد روي عن بعض نقلة الحديث أنه قال لم يثبت عن رسول الله ولن يثبت فلا حجة له فيه بل هو حجة عليه لأنه ليس فيه جعل العدالة صفة للشاهد لأنه لو كان كذلك لقال لا نكالح ( ( ( نكاح ) ) ) إلا بولي وشاهدين عدلين بل هذا إضافة الشاهدين إلى العدل وهو كلمة التوحيد فكأنه قال عليه الصلاة والسلام لا نكاح إلا بولي مقابل ( ( ( مقابلي ) ) ) كلمة العدل وهي كلمة الإسلام والفاسق مسلم فينعقد النكاح بحضرته ومنها أن لا يكون محدودا في قذف عندنا وهو شرط الأداء وعند الشافعي رحمه الله ليس بشرط واحتج بعمومات الشهادة من غير فصل لأن المانع هو الفسق بالقذف وقد زال بالتوبة ولنا قوله تعالى جل وعلا والذين يرمون المحصنات الآية نهى سبحانه وتعالى عن قبول شهادة الرامي على التأبيد فيتناول زمان ما بعد التوبة وبه تبين أن المحدود في القذف مخصوص من عمومات الشهادة عملا بالنصوص كلها صيانة لها عن التناقض وكذلك الذمي إذا قذف مسلما فحد حد القذف لا تقبل شهادته على أهل الذمة فإن أسلم جازت شهادته عليهم وعلى المسلمين وبمثله العبد المسلم إذا قذف حرا ثم حد حد القذف ثم عتق لا تقبل شهادته أبدا وإن أعتق
ووجه الفرق أن إقامة الحد توجب بطلان شهادة كان للقاذف قبل الإقامة والثابت للذمي قبل إقامة الحد شهادته على أهل الذمة لا على أهل الإسلام فتبطل تلك الشهادة بإقامة الحد فإذا أسلم فقد حدثت له بالإسلام شهادة غير مردودة وهي شهادته ( ( ( شهادة ) ) ) على أهل الإسلام لأنها لم تكن له لتبطل بالحد فتقبل هذه الشهادة ثم من ضرورة قبول شهادته على أهل الإسلام قبول شهادته على أهل الذمة بخلاف العبد لأن العبد من أهل الشهادة وإن لم تكن له شهادة مقبولة لأن له عدالة الإسلام والحد أبطل ذلك على التأبيد ولو ضرب الذمي بعض الحد فأسلم ثم ضرب الباقي تقبل شهادته لأن المبطل للشهادة إقامة الحد في حالة الإسلام ولم توجد لأن الحد اسم للكل فلا يكون البعض حدا لأن الحد لا يتجزأ وهذا جواب ظاهر الرواية وذكر الفقيه أبو الليث عليه الرحمة روايتين أخريين فقال في رواية لا تقبل شهادته وفي رواية تقبل شهادته ولو ضرب سوطا واحدا في الإسلام لأن السياط المتقدمة توقف كونها حدا على وجود السوط الأخير وقد وجد كمال الحد في حالة الإسلام وفي رواية اعتبر الأكثر إن وجد أكثر الحد في حال الإسلام تبطل شهادته وإلا فلا لأن للأكثر حكم الكل في الشرع والصحيح جواب ظاهر الرواية لما ذكرنا أن الحد اسم للكل وعند ضرب السوط الأخير تبين أن السياط كلها كانت حدا ولم يوجد الكل في حال الإسلام بل البعض فلا ترد به الشهادة الحادثة بالإسلام هذا إذا شهد بعد إقامة الحد وبعد التوبة فأما إذا شهد بعد التوبة قبل إقامة الحد فتقبل شهادته بالإجماع ولو شهد بعد إقامة الحد قبل التوبة لا تقبل شهادته بالإجماع ولو شهد قبل التوبة وقبل إقامة الحد فهي مسألة شهادة الفاسق وقد مرت وأما النكاح بحضرة المحدودين في القذف فينعقد بالإجماع أما عند الشافعي رحمه الله فلأن له شهادة أداء فكانت له شهادة سماعا وأما عندنا فلأن حضرة الشهود لدى النكاح ليست لدفع الجحود والإنكار لاندفاع الحاجة بالشهادة بالتسامع بل لرفع ريبة الزنا والتهمة به وذا يجعل بحضرة المحدودين في القذف فينعقد النكاح بحضرتهم ولا تقبل شهادتهم للنهي عن القبول والانعقاد ينفصل عن القبول في الجملة وأما المحدود في الزنا والسرقة والشرب فتقبل شهادته بالإجماع إذا تاب لأنه صار عدلا والقياس أن تقبل شهادة المحدود في القذف إذا تاب لولا النص الخاص بعدم القبول على التأبيد ومنها أن لا يجر الشاهد إلى نفسه مغنما ولا يدفع عن نفسه مغرما بشهادته لقوله عليه الصلاة والسلام لا شهادة لجار المغنم ولا لدافع المغرم ولأن شهادته إذا تضمنت معنى النفع والدفع فقد صار متهما ولا شهادة للمتهم على لسان رسول الله ولأنه إذا جر النفع إلى نفسه بشهادته لم تقع شهادته لله تعالى عز وجل بل لنفسه فلا تقبل وعلى هذا تخرج شهادة الوالد وإن علا لولده وإن سفل وعكسه أنها غير مقبولة لأن الوالدين والمولودين ينتفع البعض بمال البعض عادة فيتحقق معنى جر النفع والتهمة والشهادة لنفسه فلا تقبل وذكر الخصاف رحمه الله في أدب القاضي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال لا تقبل شهادة الوالد لولده ولا الولد لوالده ولا السيد لعبده ولا العبد لسيده ولا الزوجة لزوجها ولا الزوج لزوجته وأما سائر القرابات كالأخ والعم والخال ونحوهم فتقبل شهادة بعضهم لبعض لأن هؤلاء ليس لبعضهم تسلط في مال البعض عرفا وعادة فالتحقوا بالأجانب وكذا تقبل شهادة الوالد من الرضاع لولده من الرضاع وشهادة الولد من الرضاع لوالده من الرضاع لأن العادة ما جرت بانتفاع هؤلاء بعضهم بمال البعض فكانوا كالأجانب ولا تقبل شهادة المولى لعبده ولا شهادة العبد لمولاه لما قلنا
وأما شهادة أحد الزوجين لصاحبه فلا تقبل عندنا وعند الشافعي رحمه الله تقبل واحتج بعمومات الشهادة من غير تخصيص نحو قوله تعالى جلا ( ( ( جل ) ) ) وعلا واستشهدوا شهيدين من رجالكم وقوله عز شأنه وأشهدوا ذوي عدل منكم وقوله عظمت كبرياؤه ممن ترضون من الشهداء من غير فصل بين عدل وعدل ومرضى ومرضى ولنا ما روينا من النصوص من قوله عليه الصلاة والسلام لا شهادة لجار المغنم ولا شهادة للمتهم وأحد الزوجين بشهادته للزوج الآخر يجر المغنم إلى نفسه لأنه ينتفع بمال صاحبه عادة فكان شاهدا لنفسه لما روينا من حديث الخصاف رحمه الله وأما العمومات فنقول بموجبها لكن لم قلتم إن أحد الزوجين في الشهادة لصاحبه عدل ومرضي بل هو مائل ومتهم لما قلنا لا يكون شاهدا فلا تتناوله العمومات وكذا لا تقبل شهادة الأجير له في الحادثة التي استأجره فيها لما فيه من تهمة جر النفع إلى نفسه ولا تقبل شهادة أحد الشريكين لصاحبه في مال الشركة ولو شهد رجلان لرجلين على الميت بدين ألف درهم ثم شهد المشهود لهما للشاهدين على الميت بدين ألف درهم فشهادة الفريقين باطلة عند أبي حنيفة عليه الرحمة وأبي يوسف رحمه الله وعند محمد رحمه الله جائزة وعلى هذا الخلاف لو شهدا أن الميت أوصى لهما بالثلث وشهد المشهود لهما أن الميت أوصى للشاهدين بالثلث ولو شهدا أن الميت غصبهما دارا أو عبدا وشهد المشهود لهما للشاهدين بدين ألف درهم فشهادة الفريقين جائزة بالإجماع لمحمد رحمه الله أن كل فريق يشهد لغيره لا لنفسه فلا يكون متهما في شهادته ولهما أن ما يأخذه كل فريق فالفريق الآخر يشاركه فيه فكان كل فريق شاهدا لنفسه بخلاف ما إذا اختلف جنس المشهود به لأن ثمة معنى الشركة لا يتحقق ومنها أن لا يكون خصما لقوله عليه الصلاة والسلام لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين ولأنه إذا كان خصما فشهادته تقع لنفسه فلا تقبل وعلى هذا تخرج شهادة الوصي للميت واليتيم الذي في حجره لأنه خصم فيه وكذا شهادة الوكيل لموكله لما قلنا ومنها أن يكون عالما بالمشهود به وقت الأداء ذاكرا له عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما ليس بشرط حتى إنه لو رأى اسمه وخطه وخاتمه في الكتاب لكنه لا يذكر الشهادة لا يحل له أن يشهد ولو شهد وعلم القاضي به لا تقبل شهادته عنده وعندهما له أن يشهد ولو شهد تقبل شهادته وجه قولهما أنه لما رأى اسمه وخطه وخاتمه على الصك دل أنه تحمل الشهادة وهي معلومة في الصك فيحل له أداؤها وإذا أداها تقبل ولأن النسيان أمر جبل عليه الإنسان خصوصا عند طول المدة بالشيء لأن طول المدة ينسي فلو شرط تذكر الحادثة لأداء الشهادة لانسد باب الشهادة فيؤدي إلى تضييع الحقوق وهذا لا يجوز ولأبي حنيفة رحمه الله قوله تعالى جل شأنه ولا تقف ما ليس لك به علم وقوله عليه الصلاة والسلام لشاهد إذا علمت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع ولا اعتماد على الخط والختم لأن الخط يشبه الخط والختم يشبه الختم ويجري فيه الاحتيال والتزوير مع ما أن الخط للتذكر فخط لا يذكر وجوده وعدمه بمنزلة واحدة وعلى هذا الخلاف إذا وجد القاضي في ديوانه شيئا لا يذكره وديوانه تحت ختمه أنه لا يعمل به عنده وعندهما يعمل إذا كان تحت ختمه وعلى هذا الخلاف إذا عزل القاضي ثم استقضي بعدما عزل فأراد أن يعمل بشيء مما يرى في ديوانه الأول ولم يذكر ذلك ليس له ذلك عنده وعندهما له ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم وأما الشرائط التي ترجع إلى نفس الشهادة فأنواع منها لفظ الشهادة فلا تقبل بغيرها من الألفاظ كلفظ الإخبار والإعلام ونحوهما وإن كان يؤدي معنى الشهادة تعبدا غير معقول المعنى
ومنها أن تكون موافقة للدعوى فيما يشترط فيه الدعوى فإن خالفتها لا تقبل إلا إذا وفق المدعي بين الدعوى وبين الشهادة عند إمكان التوفيق لأن الشهادة إذا خالفت الدعوى فيما يشترط فيه الدعوى وتعذر التوفيق انفردت عن الدعوى والشهادة المنفردة عن الدعوى فيما يشترط فيه الدعوى غير مقبولة وبيان ذلك في مسائل إذا ادعى ملكا بسبب ثم أقام البينة على ملك مطلق لا تقبل وبمثله لو ادعى ملكا مطلقا ثم أقام البينة على الملك بسبب تقبل ووجه الفرق أن الملك المطلق أعم من الملك بسبب لأنه يظهر من الأصل حتى تستحق به الزوائد والملك بسبب يقتصر على وقت وجود السبب فكان الملك المطلق أعم فصار المدعي بإقامة البينة على الملك المطلق مكذبا شهوده في بعض ما شهدوا به والتوفيق متعذر لأن الملك من الأصل ينافي الملك الحادث بسبب لاستحالة ثبوتهما معا في محل واحد بخلاف ما إذا ادعى الملك المطلق ثم أقام البينة على الملك بسبب لأن الملك بسبب أخص من الملك المطلق على ما بينا فقد شهدوا بأقل مما ادعى فلم يصر المدعي مكذبا شهوده بل صدقهم فيما شهدوا به وادعى زيادة شيء لا شهادة لهم عليه وصار كما لو ادعى ألفا وخمسمائة فشهد الشهود على ألف أنه تقبل البينة على الألف لما قلنا كذا هذا ولو ادعى الملك بسبب معين ثم أقام البينة على الملك بسبب آخر بأن ادعى دارا في يد رجل أنه ورثها من أبيه ثم أقام البينة على الملك أنه اشتراها من صاحب اليد أو وهبها له أو تصدق بها عليه وقبض أو ادعى الشراء أو الهبة أو الصدقة ثم أقام البينة على الإرث لا تقبل بينته لأن الشهادة خالفت الدعوى لاختلاف البينتين صورة ومعنى أما الصورة فلا شك فيها وأما المعنى فلأن حكم البينتين يختلف فلا يقبل إلا إذا وفق بين الدعوى والشهادة فقال كنت اشتريت منه لكنه جحدني الشراء وعجزت عن إثباته فاستوهبت منه فوهب مني وقبضت وأعاد البينة تقبل لأنه إذا وفق فقد زالت المخالفة وظهر أنه لم يكذب شهوده ويصير هذا في الحقيقة ابتداء ولهذا يجب عليه إعادة البينة لتقع الشهادة عند الدعوى وكذا إذا وفق فقال ورثته من أبي إلا أنه جحد إرثي فاشتريت منه أو وهب لي فإنها تقبل لزوال التناقض والاختلاف بين الدعوى والشهادة ولو ادعى الشراء بعد هذا وأقام البينة على الشراء بألف درهم لا تقبل لأن البدل قد اختلف واختلاف البدل يوجب اختلاف العقد فقد قامت البينة على عقد آخر غير ما ادعاه المدعي فلا تقبل إلا إذا وفق المدعى فقال اشتريت بالعبد إلا أنه جحدني الشراء به فاشتريته بعد ذلك بألف درهم فتقبل لزوال المخالفة وهذا إذا كان دعوى التوفيق في مجلس آخر بأن قام عن مجلس الحكم ثم جاء وادعى التوفيق فأما إذا لم يقم عن مجلس الحكم فدعوى التوفيق غير مسموعة ولو ادعى أنه له ثم أقام البينة على أنه لفلان وكله بالخصومة فيه تقبل بينته وبمثله لو ادعى أنه لفلان وكلني بالخصومة فيه ثم أقام البينة على أنه له لا تقبل ووجه الفرق أن قوله أولا إنه لي لا ينفي قوله إنه لفلان وكلني بالخصومة فيه لجواز أن يكون له بحق الخصومة والمطالبة ولغيره بحق الملك فكان التوفيق ممكنا فقبلت البينة بخلاف الفصل الثاني لأن قوله هو لفلان وكلني بالخصومة فيه ينفي قوله بعد ذلك هو لي لأنه صرح بأن الملك فيه لفلان وأنه وكيل بالخصومة فيه بقوله إنه لفلان وكلني بالخصومة فيه فكان قوله بعد ذلك هو لي إقرارا منه بالملك لنفسه فكان مناقضا فلا تقبل ولو ادعى أنه لفلان وكلني بالخصومة فيه ثم أقام البينة على أنه لفلان آخر وكلني بالخصومة فيه لا تقبل لأن قوله أولا إنه لفلان وكلني بالخصومة فيه كما ينفي قوله إنه لي ينفي قوله إنه لفلان آخر وكلني بالخصومة فيه فلا تقبل إلا إذا وفق فقال إن الموكل الأول باع من الموكل الثاني ثم وكلني الثاني بالخصومة فيقبل لزوال المناقضة
ولو ادعى في ذي القعدة أنه اشترى منه هذه الدار في شهر رمضان بألف ونقده الثمن ثم أقام البينة على أنه تصدق بالدار على المدعي في شعبان لا تقبل بينته لأن دعوى التصدق في شعبان تنافي الشراء في شهر رمضان لاستحالة شراء الإنسان ملك نفسه والتوفيق غير ممكن فلا تقبل وإن أقام البينة على التصدق في شوال ووفق فقال جحدني الشراء ثم تصدق بها علي تقبل ولو ادعى دارا في يدي رجل أنها له وأقام البينة على أنها كانت في يد المدعي بالأمس لا تقبل وعن أبي يوسف أنها تقبل ويؤمر بالرد إليه ولو أقام صاحب اليد البينة على أنها كانت ملكا للمدعي تقبل بالإجماع وجه قول أبي يوسف رحمه الله أن البينة لما قامت على أنها ما كانت في يده فالأصل في الثابت بقاؤه ولهذا قبلت البينة على ملك كان ولأن الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة ولو ثبت بالمعاينة أو بالإقرار أنه كان في يده بالأمس يؤمر بالرد إليه كذا هذا وجه ظاهر الرواية أن الشهادة قامت على يد كانت فلا يثبت الكون للحال إلا بحكم استصحاب الحال وإنه لا يصلح للإلزام ولأن اليد قد تكون محقة وقد تكون مبطلة وقد تكون يد ملك وقد تكون يد أمانة فكانت محتملة والمحتمل لا يصلح حجة بخلاف الملك والمعاينة وبخلاف الإقرار لأنه حجة بنفسه والبينة ليست بحجة بنفسها بل بقضاء القاضي ولا وجه للقضاء بالمحتمل ولو أقام البينة أنها كانت في يده بالأمس فأخذها هذا منه أو غصبها أو أودعه أو أعاره تقبل ويقضى للخارج لأنه علم بالبينة أنه تلقي اليد من جهة الخارج فيؤمر بالرد إليه وعلى هذا يخرج ما إذا ادعى دارا في يد رجل أنه ورثها من أبيه وأقام البينة على أنها كانت لأبيه فنقول هذا لا يخلو من أربعة أوجه إما أن شهدوا أن الدار كانت لأبيه ولم يقولوا مات وتركها ميراثا له وإما أن قالوا أنها كانت لأبيه مات وتركها ميراثا له وإما أن قالوا أنها كانت في يد أبيه يوم الموت وإما أن أثبتوا من أبيه فعلا فيها عند موته أما الوجه الأول فعلى قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لا تقبل الشهادة وعلى قول أبي يوسف تقبل وكذا لو شهدوا أنها كانت لأبيه مات قبلها لا تقبل قالوا يجب أن يكون هذا على قولهما أما على قول أبي يوسف على ما روي عنه في الأمالي ينبغي أن تقبل وجه قوله أن الملك متى ثبت لأبيه بشهادتهم فالأصل فيما ثبت يبقى إلى أن يوجد المزيل فصار كما لو شهدوا أنها كانت لأبيه يوم الموت أيضا وجه قولهما أن الشهادة خالفت الدعوى لأن المدعي ادعى ملكا كائنا والشهادة وقعت بملك كان لا بملك كائن فكانت الشهادة مخالفة للدعوى فلا يقبل قوله ما ثبت يبقى قلنا نعم لكن لا حكم ( ( ( حكما ) ) ) لدليل الثبوت لأن دليل الثبوت لا يتعرض للبقاء وإنما البقاء بحكم استصحاب الحال وأنه لا يصلح حجة للاستحقاق ولو شهدوا أنها كانت لجده فعندهما لا يقضي بها ما لم يشهدوا بالميراث بأن يقولوا مات جده وتركها لأبيه ثم مات أبوه وتركها ميراثا له وعند أبي يوسف ينظر إن علم أن الجد مات قبل الأب يقضى بها له وإن علم أن الأب مات قبل الجد أو لم يعلم لم يقض بها ولو شهدوا أنها لأبيه لا يقضى بها له منهم من قال هذا على الاتفاق ومنهم من قال هو على الخلاف الذي ذكرنا ( ( ( ذكرناه ) ) ) وهو الصحيح فإنه روي عن أبي يوسف أنها تقبل وأما الوجه الثاني وهو ما إذا شهدوا أنها كانت لأبيه مات وتركها ميراثا له فلا شك أن هذه الشهادة مقبولة لأنهم شهدوا بالملك الموروث عند الموت والترك ميراثا له وهو تفسير الملك الموروث