Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
وكذلك طلع بين رجلين طلب أحدهما قسمة الطلع دون النخل والأرض لم يقسم لما ذكرنا في الزرع ولو اقتسما بالتراضي فإن شرطا القطع جاز وإن شرطا الترك لم يجز لما ذكرنا في الزرع ولو تركه بعد القسمة بإذن صاحبه فأدرك وقلع فالفضل له طيب لأنه وإن حصل في ملك مشترك لكنه حصل بإذن شريكه فلا يكون خبيثا وإن لم يأذن له يتصدق بالفضل لتمكن الخبث فيه فكان سبيله التصدق هذا إذا كان شيئا في تبعيضه ضرر بكل واحد من الشريكين فأما إذا كان شيئا في تبعيضه ضرر بأحدهما دون الآخر كالدار المشتركة بين رجلين ولأحدهما فيها شقص قليل فإن طلب الكثير القسمة قسمتا إجماعا لأن القسمة في حقه مفيدة لوقوعها محصلة لما شرعت له من تكميل منافع الملك وفي حق صاحب القليل تقع منعا له من الانتفاع بنصيبه إذ لا يقدر صاحب القليل على الانتفاع بنصيبه إلا بالانتفاع بنصيب صاحب الكثير لقلة نصيبه فكانت القسمة في حقه منعا له من الانتفاع بنصيب شريكه فجازت وإن طلب صاحب القليل القسمة فقد ذكر الحاكم الجليل في مختصره أنه يقسم وذكر القدوري رحمه الله أنه لا يقسم وجه ما ذكره الحاكم أنه لا ضرر في هذه القسمة في حق صاحب الكثير بل له فيه منفعة فكان في الإباء متعنتا فلا يعتبر إباؤه وصاحب القليل قد رضي بالضرر حيث طلب القسمة فيجبر على القسمة كما إذا لم يكن في تبعيضه ضرر بأحدهما أصلا بخلاف الفصل الأول لأن هناك تقع القسمة إضرارا بكل واحد منهما ولم يوجد الرضا بالضرر والقاضي لا يملك الجبر على الإضرار فهو الفرق وجه ما ذكره القدوري رحمه الله أن صاحب القليل متعنت في طلب القسمة لتكون ( ( ( لكون ) ) ) القسمة ضررا محضا في حقه فلا يعتبر طلبه وقسمة الجبر لم تشرع بدون الطلب ولو اقتسما بأنفسهما جازت لما ذكرنا أن صاحب القليل قد رضي بالضرر بنفسه ولا ضرر فيه لصاحب الكثير أصلا فجازت قسمتها وعلى هذا دار بين شريكين قسمت بينهما فأصاب أحدهما موضع بغير طريق شرط له في القسمة فإن كان له فيما أصابه مفتح إلى الطريق جازت القسمة لأنه لا مضرة له فيها إذ يمكنه الانتفاع بنصيبه بفتح طريق آخر وإن لم يكن له فيما أصابه مفتح أصلا فإن ذكر الحقوق في القسمة فله حق الاختيار في نصيب صاحبه لأن الطريق من الحقوق فصار مذكورا بذكر الحقوق وإن لم يذكر لم تجز القسمة لأنها قسمة إضرار في حق أحد الشريكين وكذلك إذا قسمت بغير مسيل شرط لأحدها ( ( ( لأحدهما ) ) ) ووقع المسيل في نصيب الآخر فهو على التفصيل الذي ذكرنا في الطريق ولو اقتسما على أن لا طريق له ولا مسيل جازت لأنه رضي بالضرر والله سبحانه وتعالى أعلم وعلى هذا الأصل تخرج قسمة الجمع أنه لا يجبر عليها في جنسين لأنها في الأجناس المختلفة تقع إضرارا في حق أحدهما فلا يجبر عليها على ما سنذكر إن شاء الله تعالى هذا الذي ذكرنا قسمة التفريق وأما قسمة الجمع فهي أن يجمع نصيب كل واحد من الشريكين في عين على حدة وأنها جائزة في جنس واحد ولا تجوز في جنسين لأنها عند اتحاد الجنس تقع وسيلة إلى ما شرعت له وهو تكميل منافع الملك وعند اختلاف الجنس تقع تفويتا للمنفعة لا تكميلا لها إذا عرفت هذا فنقول لا خلاف في الأمثال المتساوية وهي المكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة من جنس واحد تقسم قسمة جمع لأنه يمكن استيفاء ما شرعت له القسمة فيها من غير ضرر لإنعدام التفاوت وكذلك تبر الذهب وتبر النحاس وتبر الحديد لما قلنا وكذلك الثياب إذا كانت من جنس واحد كالهروية وكذلك الإبل والبقر والغنم لأن التفاوت عند اتحاد الجنس والمطلوب لا يتفاحش بل يقل والتفاوت القليل ملحق بالعدم أو يجبر بالقيمة فيمكن تعديل القسمة فيه وكذلك اللآلىء ( ( ( اللآلئ ) ) ) المنفردة
وكذا اليواقيت المنفرد ( ( ( المنفردة ) ) ) لما قلنا وكذا لا خلاف في أنه لا يقسم في جنسين من المكيل والموزون والمذروع ( ( ( والمزروع ) ) ) والعددي قسمة جمع كالحنطة والشعير والقطن والحديد والجوز واللوز والثياب البردية والمروية وكذلك اللآلىء ( ( ( اللآلئ ) ) ) واليواقيت وكذا الخيل والإبل والبقر والغنم وكذا إذا كان من كل جنس فرد كبرذون وجمل وبقرة وشاة وثوب وقباء وجبة وقميص ووسادة وبساط لأن هذه الأشياء لو قسمت على الجمع كان لا يخلو من أحد وجهين ( ( ( الوجهين ) ) ) إما أن تقسم باعتبار أعيانها وأما أن تقسم باعتبار قيمتها بأن يضم إلى بعضها دراهم أو دنانير لا سبيل إلى الأول لأن فيه ضررا بأحدهما لكثرة التفاوت عند اختلاف الجنس والقاضي لا يملك الجبر على الضرر ولا سبيل إلى الثاني لأن ذلك قسمة في غير محلها لأن محلها الملك المشترك ولم يوجد في الدراهم ولو اقتسما بأنفسهما أو تراضيا على ذلك جازت القسمة حتى لو اقتسما ثوبين مختلفي القيمة وزاد مع الأوكس دراهم مسماة جاز وكذا في سائر المواضع ويكون ذلك قسمة الرضا لا قسمة القضاء وكذا الأواني سواء اختلفت أصولها أو اتحدت لأنها بالصناعة أخذت حكم جنسين حتى جاز بيع الأواني الصغار واحدا باثنين وأما الرقيق فلا يقسم عند أبي حنيفة رحمه الله قسمة جمع وعندهما يقسم وجه قولهما أن الرقيق على اختلاف أوصافها وقيمتها جنس واحد فاحتمل القسمة كسائر الحيوانات من الإبل والبقر والغنم وما فيها من التفاوت يمكن تعديله بالقيمة وجه قول أبي حنيفة أنه لم يوجد شرط جواز القسمة وجواز التصرف بدون شرط جوازه محال وبيان ذلك على نحو ما ذكرنا أنا لو قسمناها رقا باعتبار أعيانها فقد أضررنا بأحدهما لتفاحش التفاوت بين عبد وعبد في المعاني المطلوبة من هذا الجنس فكانا في حكم جنسين مختلفين ومن شرط جواز هذه القسمة أن لا تتضمن ضررا بالمقسوم عليه ولو قسمناها باعتبار القيمة لوقعت القسمة في غير محلها لأن محلها الملك المشترك ولا شركة في القيمة والمحلية من شرائط صحة التصرف فصح ما ذكرنا ولو اقتسما بأنفسهما جاز لتراضيهما بالضرر وكذا لو كان مع الرقيق غيره قسم كذا ذكره في كتاب القسمة لأنه إن كان لا يحتمل القسمة مقصودا فيجعل تبعا لما يحتملها فيقسم بطريق التبعية كالشرب والطريق أنه لا يجوز بيعهما مقصودا ثم يدخلان في البيع تبعا للنهر والأرض كذا هذا وذكر الجصاص أن المذكور في الأصل محمول على قسمة الرضا وأما قسمة القضاء فلا تجوز وإن كان مع غيره لأن غير المقسوم ليس تبعا للمقسوم بل هو أصل بنفسه بخلاف الشرب والطريق وكذلك الدور عند أبي حنيفة لا تقسم قسمة جمع حتى لو كان بين رجلين داران تقسم كل واحدة على حدتها سواء كانتا منفصلتين أو متلاصقتين وعندهما ينظر القاضي في ذلك إن كان الأعدل في الجمع جمع وإن كان الأعدل في التفريق فرق وكذا لو كان بينهما أرضان أو كرمان فهو على الاختلاف وأما البيتان فيقسمان قسمة جمع إجماعا متصلين كانا أو منفصلين وكذا المنزلان المتصلان وأما المنفصلان في دار واحدة فعلى الخلاف وجه قولهما أن الدور كلهاجنس واحد والتفاوت الذي بين الدارين يمكن تعديله بالقيمة فيفوض إلى رأي القاضي إن رأى الأعدل في التفريق فرق وإن رأى الأعدل في الجمع جمع ولأبي حنيفة رحمه الله على نحو ما ذكرنا في الرقيق إن القسمة فيها باعتبار أعيانها ويقع ضرر التفاوت متفاحشا بين دار ودار لاختلاف الدور في أنفسها واختلافها باختلاف البناء والبقاع فكانا في حكم جنسين مختلفين والقسمة فيها باعتبار القيمة تقع تصرفا في غير محله فلا يصح ولو اقتسما بأنفسهما أو بالقاضي بتراضيهما جاز لما مر والله تعالى أعلم وأما دار وضيعة أو دار وحانوت فلا تجمع بالإجماع بل يقسم كل واحد ( ( ( واحدة ) ) ) على حدة لاختلاف الجنس
ومنها الطلب في أحد نوعي القسمة وهو قسمة الجبر حتى إنه لو لم يوجد الطلب من أحد من الشركاء أصلا لم تجز القسمة لأن القسمة من القاضي تصرف في ملك الغير والتصرف في ملك الغير من غير إذنه محظور في الأصل إلا أنه عند طلب البعض يرتفع الحظر لأنه إذا طلب علم أنه له في استيفاء هذه الشركة ضررا إذ لو كان الطلب لتكميل المنفعة لطلب صاحبه وكان عليه أن يمتنع من الإضرار ديانة فإذا أبى القسمة علم أنه لا يمتنع فيدفع القاضي ضرره بالقسمة فكانت القسمة في هذه الصورة من باب دفع الضرر والقاضي نصب له ونظيره الشفعة فإن الشفيع يتملك الدار على المشتري بالشفعة من غير رضى ( ( ( رضا ) ) ) دفعا لضرره لأنه لما طلب الشفعة علم أنه يتضرر بجواره فالشرع دفع ضرره عنه بإثبات حق التمليك بالشفعة جبرا عليه كذا هذا ومنها الرضا في أحد نوعي القسمة وهو رضا الشركاء فيما يقسمونه بأنفسهم إذا كانوا من أهل الرضا أو رضا من يقوم مقامهم إذا لم يكونوا من أهل الرضا فإن لم يوجد لا يصح حتى لو كان في الورثة صغير لا وصي له أو كبير غائب فاقتسموا فالقسمة باطلة لما ذكرنا أن القسمة فيها معنى البيع وقسمة الرضا أشبه بالبيع ثم لا يملكون البيع إلا بالتراضي فكذا القسمة إلا إذا لم يكونوا من أهل الرضا كالصبيان والمجانين فيقسم الولي أو الوصي إذا كان في القسمة منفعة لهم لأنهما يملكان البيع فيملكان القسمة وكذا إذا كان فيهم صغير وله ولي أو وصي يقتسمون برضا الولي أو الوصي فإن لم يكن نصب القاضي عن الصغير وصيا واقتسموا برضاه فإن أبى ترافعوا إلى القاضي حتى يقسم بينهم ومنها حضرة الشركاء أو من يقوم مقامهم في نوعي القسمة حتى لو كان فيهم كبير غائب لا تجوز القسمة أصلا ولا يقسم القاضي أيضا إذا لم يكن عنه خصم حاضر ولكنه لو قسم لا تنقض ( ( ( تنقص ) ) ) قسمته لأنه صادف محل الاجتهاد فلا ينقض ومنها البينة في قسمة القضاء في الإقرار بميراث الإقرار عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما ليست بشرط ويقسم بإقرارهم فنقول جملة الكلام في بيان هذين الشرطين أن جماعة إذا جاؤوا إلى القاضي وهم عقلاء بالغون أصحاء في أيديهم مال فأقروا أنه ملكهم وطلبوا القسمة من القاضي فهذا لا يخلو في الأصل من أحد وجهين إما أن يقروا بالملك مطلقا عن ذكر سبب وإما أن يقروا بالملك بسبب ادعوا انتقال الملك به من أحد وكل وجه على وجهين إما أن يكون المال الذي في أيديهم منقولا وإما أن يكون عقارا فإن أقروا بالملك مطلقا عن سبب الانتقال قسم بإقرارهم ويذكر في الإشهاد في كتاب الصك أني قسمت بإقرارهم ولم أقض فيه على أحد ولا يطلب منهم البينة على أصل الملك منقولا كان المال أو عقارا إذا لم يكن فيهم كبير غائب لأنه وجد دليل الملك وهو اليد والإقرار من غير منازع ولا دعوى انتقال الملك من أحد إليه فإن كان فيهم كبير غائب لم يقسم لما ذكرنا إن حضرة الشركاء أو من يقوم مقامهم شرط ولم يوجد لأن الخصوم في هذا الموضع لا يصلحون خصما عن الغائب وإن أقروا بالملك بسبب الميراث بأن قالوا هو بيننا ميراث عن فلان فإن كان المال منقولا قسم بينهم بإقرارهم بالإجماع ولا تطلب منهم البينة وإن كان فيهم كبير غائب بعد أن كان الحاضران اثنين كبيرين أو أحدهما صغير قد نصب عنه وصي وإن كان المال عقارا فلا يقسم عند أبي حنيفة رحمه الله حتى يقيموا البينة على موت فلان وعلى عدد الورثة وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله يقسم بينهم بإقرارهم ويشهد على ذلك في الصك
وجه قولهما أن محل قسمة الملك المشترك وقد وجد لوجود دليل الملك وهو اليد والإقرار بالإرث من غير منازع فصادفت القسمة محلها فيقسم ويكتب أنه قسم بإقرارهم كما في المنقول ولأن البينة إنما تقام على منكر والكل مقرون فعلى من تقام البينة وجه قول أبي حنيفة أن هذه قسمة صادفت حق الميت بالإبطال فلا تصح إلا ببينة كدعوى الاستحقاق على الميت وبيان ذلك أن الدار قبل القسمة مبقاة على حكم ملك الميت بدليل أن الزوائد الحادثة قبل القسمة تحدث على ملكه حتى لو كانت التركة شجرة فأثمرت كان الثمر له حتى تقضى منه ديونه وتنفذ منه وصاياه فكانت القسمة تصرفا على ملكه بالإبطال فلا يجوز إلا ببينة بخلاف المنقول لأن القسمة ليس قطعا لحق الميت بل هي حفظ حق الميت لأن المنقول محتاج إلى الحفظ والقسمة نوع حفظ له وأما العقار فمستغن عن الحفظ فبقيت قسمته قطعا لحقه فلا يملك إلا ببينة وأما قولهما لا منكر ههنا فعلى من تقام البينة قلنا تقام على بعض الورثة من البعض وإن كانوا مقرين وذلك جائز كالأب أو الوصي إذا أقرا على الصغير لا يصح إقراره إلا بالبينة ولا منكر ههنا كذا هذا هذا إذا أقروا بالملك بسبب الإرث فإن أقروا به بسبب الشراء من فلان الغائب فإن كان المال منقولا قسم بينهم بإقرارهم بلا خلاف وإن كان عقارا ذكر في ظاهر الرواية أنه يقسم بإقرارهم ولاتطلب منهم البينة على الشراء من فلان وفرق بين الشراء وبين الميراث وروي عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه لا يقسم إلا بالبينة كالميراث وجه هذه الرواية أنهم لما أقروا أنهم ملكوه بالشراء من فلان فقد أقروا بالملك له وادعوا الانتقال إليهم من جهته فإقرارهم مسلم ودعواهم ممنوعة ومحتاجة إلى الدليل وهو البينة وجه ظاهر الرواية وهو الفرق بين الشراء وبين الميراث أن امتناع القسمة في المواريث بنفس الإقرار لما يتضمن من إبطال حق الميت وذلك منعدم في باب البيع إذ لا حق باق للبائع في المبيع بعد البيع والتسليم فصادفت محلها فصحت هذا إذا لم يكن في الورثة كبير غائب أو صغير حاضر فإن كان فأقروا بالميراث فلا يشكل عند أبي حنيفة رضي الله عنه أنه لا يقسم بإقرارهم لأنه لا يقسم بين الكبار الحضور فكيف يقسم ههنا وأما عندهما ( ( ( عندهم ) ) ) فينظر إن كانت الدار في يد الكبار الحضور يقسم بينهم لما بينا ويضع حصة الغائب على يد عدل يحفظه لأن بعض الورثة خصم من البعض وينصب عن الصغير وصيا وإن كانت الدار في يد الغائب الكبير أو في يد الحاضر الصغير أو في أيديهما منها شيء لا يقسم حتى تقوم البينة على الميراث وعدد الورثة بالإجماع لا إذا كان في يده من الدار شيء فالحاجة إلى استحقاق ذلك من يده فلا يصح إلا ببينة هذا إذا لم تقم البينة على ميراث العقار فأما إذا قامت البينة عليه وطلبوا القسمة فإنه ينظر إن كان الحاضر اثنين فصاعدا والغائب واحدا أو أكثر وفيهم صغير حاضر فإنه يقسم ويعزل نصيب كل كبير وصغير فيوكل وكيلا بحفظه ( ( ( يحفظه ) ) ) بخلاف الملك المطلق إذا حضر شريكان وشريك غائب أنه لا يقسم ووجه الفرق ما ذكرنا أن قسمة العقار تصرف على الميت وقضاء عليه بقطع حقه عن التركة وكل واحد من الورثة قائم مقام الميت فيما له وعليه ولهذا يرد كل واحد منهم بالعيب ويرد عليه فإذا كان الحاضر اثنين فصاعدا أمكن أن يجعل أحدهما خصما عن الميت في القضاء عليه والآخر مقضيا له فتصح القسمة وإن كان الحاضر واحدا والباقون غيبا لم يقسم لأنه لا يمكن أن يجعل هو خصما عن الميت حتى تسمع البينة عليه لاستحالة كون الشخص الواحد في زمان واحد بجهة واحدة مقضيا له وعليه وإن كان مع الحاضر وارث صغير نصب القاضي عنه وصيا وقسم لأن القسمة ههنا ممكنة لوجود متقاسمين حاضرين
وإذا قسم المنقول بين الورثة بإقرارهم أو العقار بالبينة عند أبي حنيفة رحمه الله وفيهم كبير غائب فعزل نصيبه ووضعه على يدي عدل ثم حضر الغائب فإن أقر كما أقروا أولئك فقد مضى الأمر وإن أنكر ترد القسمة في المنقول بالإجماع وكذلك في العقار عند أبي يوسف ومحمد وعند أبي حنيفة عليه الرحمة في العقار لا ترد القسمة لأن القسمة المبنية على البينة قد تقدمت على الغائب فلا يعتبر إنكاره ولو كانت الدار ميراثا وفيها ( ( ( وفيه ) ) ) وصية بالثلث وبعض الورثة غائب فطلب الموصى له بالثلث القسمة بعدما أقام البينة على الميراث والثلث قسم لأن الموصى له بمنزلة واحدة من الورثة فإذا كان معه وارث حاضر فكأنه حضر اثنان من الورثة ولو كان كذلك قسم وإن كان الباقون غيبا كذا هذا والله سبحانه وتعالى أعلم ومنها أن يكون المقسوم عليه مالكا للمقسوم وقت القسمة وهو أن يكون له فيه ملك فإن لم يكن لم تجز القسمة لما سنذكره إن شاء الله تعالى فصل وأما الذي يرجع إلى المقسوم فواحد وهو أن يكون المقسوم مملوكا للمقسوم له وقت القسمة فإن لم يكن لا تجوز القسمة لأن القسمة إفراز بعض الأنصباء ومبادلة البعض وكل ذلك لا يصح إلا في المملوك وعلى هذا إذا استحقت العين المقسومة تبطل القسمة في الظاهر وفي الحقيقة تبين أنها لم تصح ولو استحق شيء منها تبطل في القدر المستحق ثم قد تستأنف القسمة وقد لا تستأنف ويثبت الخيار وقد لا يثبت وبيان هذه الجملة أنه إذا ورد الاستحقاق على المقسوم لا يخلو الأمر فيه من أحد وجهين إما إن ورد على كله وإما إن ورد على جزء فإن ورد على كل المقسوم تبطل القسمة وفي الحقيقة لم تصح من الأصل لإنعدام شرط الصحة وهو الملك المشترك فتستأنف القسمة وإن ورد على جزء من المقسوم لا يخلو من أحد وجهين أيضا إما إن ورد على جزء شائع منه وإما إن ورد على جزء معين من أحد النصيبين فإن ورد على جزء شائع لا يخلو من أحد وجهين أيضا إما إن ورد على جزء شائع من النصيبين جميعا وإما إن ورد على جزء شائع من أحد النصيبين دون الآخر فإن ورد على جزء شائع من النصيبين جميعا كالدار المشتركة بين رجلين نصفين اقتسماها فأخذ أحدهما ثلثا من مقدمها وأخذ الآخر ثلثين من مؤخرها وقيمتهما ( ( ( وقيمتها ) ) ) سواء بأن كانت قيمة كل واحد منهما ستمائة درهم مثلا فاستحق نصف الدار فاستأنف القسمة بالإجماع لأنه بالاستحقاق تبين أن نصف الدار شائعا ملك المستحق فتبين أن القسمة لم تصح في النصف الشائع وذلك غير معلوم فبطلت القسمة أصلا وإن استحق نصف نصيب صاحب المقدم شائعا تستأنف القسمة أيضا عند أبي يوسف لأنه ظهر أن المستحق شريكهما في الدار فظهر أن قسمتهما لم تصح دونه فتستأنف القسمة كما إذا ورد الاستحقاق على نصف الدار شائعا وعند أبي حنيفة ومحمد عليهم ( ( ( عليهما ) ) ) الرحمة له الخيار إن شاء أمسك ما في بيده ( ( ( يده ) ) ) ورجع بباقي حصته وهو مثل ما استحق في نصيب الآخر وإن شاء فسخ القسمة لأن بالاستحقاق ظهر أن القسمة لم تصح في القدر المستحق لا فيما وراءه لأن المانع من الصحة انعدام الملك وذلك في القدر المستحق لا فيما وراءه وليس من ضرورة انعدام الصحة في القدر المستحق انعدامها في الباقي لأن معنى القسمة وهو الإفراز والمبادلة لم ينعدم باستحقاق هذا القدر في الباقي فلا تبطل القسمة في الباقي بخلاف ما إذا استحق نصف الدار شائعا لأن هناك وإن ورد الاستحقاق على النصف فأوجب بطلان القسمة فيه مقصودا لكن من ضرورته بطلان القسمة في الباقي لإنعدام معنى القسمة في الباقي أصلا وههنا لم ينعدم فلا تبطل لكن يثبت الخيار إن شاء رجع بباقي حصته في نصيب شريكه وذلك مثل نصف المستحق لأن القدر المستحق من النصيبين جميعا فيرجع عليه بذلك وهو ربع نصيبه إن شاء وإن شاء فسخ القسمة لاختلاف معناها ولدخول عيب الشركة إذ الشركة في الأعيان المجتمعة عيب والعيب يثبت الخيار
وذكر الطحاوي رحمه الله الخلاف في المسألة بين أبي حنيفة وصاحبيه ولو كان صاحب المقدم باع نصف ما في يده واستحق النصف الباقي فإنه يرجع على صاحبه بربع ما في يده عند أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف يغرم نصف قيمة ما باع لشريكه ويضمه إلى ما في يد شريكه ويقتسمان نصفين وجه قول أبي يوسف ما بينا أن بالاستحقاق ظهر أن القسمة لم تصح أصلا وأن البيع كان فاسدا فيضمن نصف قيمة ما باع شريكه ثم يقتسمان الباقي نصفين وجه قولهما ما ذكرنا في المسألة المقدمة إلا أن ههنا ( ( ( هنا ) ) ) لا يثبت خيار الفسخ لمانع وهو البيع فيرجع على صاحبه بربع ما في يده ولو استحق نصف معين من أحد النصيبين لا تبطل القسمة بالإجماع لما ذكرنا في المسائل المتقدمة بل أولى لأن الاستحقاق ههنا ورد على جزء معين فلا يظهر أن المستحق كان شريكا لهما فلا تبطل القسمة لكن يثبت الخيار والمستحق عليه إن شاء نقض القسمة لأن الاستحقاق أوجب انتقاض المعقود عليه والانتقاض في الأعيان المجتمعة عيب فيثبت الخيار وإن شاء رجع على صاحبه بربع ما في يده لمابينا أن القدر المستحق من النصيبين جميعا ولو استحق كل ما في يده لرجع عليه بالنصف فإذا استحق النصف يرجع بالربع والله سبحانه وتعالى أعلم وعلى هذا مائة شاة بين رجلين اقتسماها فأخذ أحدهما أربعين تساوي خمسمائة درهم وأخذ الآخر ستين تساوي خمسمائة درهم فاستحقت شاة من الأربعين تساوي عشرة دراهم لم تبطل القسمة بالإجماع لأنه تبين أن القسمة صادفت المملوك فيما وراء القدر المستحق والمستحق معين فلا تظهر الشركة هنا أصلا فلا تبطل القسمة ولكن يرجع على شريكه بحقه وهو خمسة دراهم لأن المستحق من النصيبين جميعا عشرة دراهم والله سبحانه وتعالى أعلم كر حنطة بين رجلين نصفان عشرة منه طعام جيد وثلاثون رديء فاقتسماه فأخذ أحدهما عشرة أقفزة جيدة وثوبا وأخذ الآخر ثلاثين رديئا حتى جازت القسمة فاستحق من الثلاثين عشرة أقفزة يرجع على صاحبه بنصف الثوب استحسانا والقياس ما ذكره في الزيادات أنه يرجع عليه بثلث الثوب وثلث الطعام الجيد ووجهه أن الاستحقاق ورد على عشرة شائعة في الثلاثين فكان المستحق في الحقيقة من كل عشرة ثلثها وذلك يوجب الرجوع بثلث الطعام الجيد وجه الاستحسان أن طريق جواز هذه القسمة أن تكون العشرة بمقابلة العشرة والعشرون بمقابلة الثوب فإذا استحق منه عشرة وإنه بمقابلة نصف الثوب فيرجع عليه بنصف الثوب وقوله للمستحق عشرة شائعة في الثلاثين لا العشرة المعينة وهي التي من حصة الثوب فنعم هذا هو الحقيقة إلا أنا لو عملنا بهذه الحقيقة لاحتجنا إلى نقض القسمة وإعادتها ولو صرفنا الاستحقاق إلى عشرة هي من حصة الثوب لم نحتج إلى ذلك وتصرف العاقل تجب صيانته عن النقض والإبطال ما أمكن وذلك فيما قلناه وعلى هذا أرض بين رجلين نصفين قسمت ثم استحق أحد النصيبين وقد بنى صاحبه فيه بناء أو غرس غرسا فنقض البناء وقلع الغرس لم يرجع المستحق عليه على صاحبه بشيء من قيمة البناء والغرس والأصل فيه أن كل قسمة وقعت بإجبار القاضي أو باختيار الشريكين على الوجه الذي يجبرهما القاضي لو ترافعا إليه ثم استحق أحد النصيبين وقد بنى صاحبه فيه بناء أو غرس غرسا فنقض وقلع لا يرجع بشيء من ذلك على صاحبه لأن صاحبه مجبور على القسمة من جهة القاضي فيكون مضافا إلى القاضي أما إذا وقعت القسمة بإجبار القاضي فلا شك فيه وكذا إذا اقتسما بأنفسهما لأن ذلك قسمة جبر من حيث المعنى لدخولها ( ( ( لدخولهما ) ) ) تحت جبر القاضي عند المرافعة إليه وإذا كان مجبورا عليه فلم يوجد منه ضمان السلام ( ( ( السلامة ) ) ) فلا يؤاخذ بضمان الاستحقاق إذ هو ضمان السلامة ونظير هذا الشفيع إذا أخذ العقار من المشتري بالشفعة وبنى فيه أو غرس ثم استحق وقلع البناء لا يرجع بقيمة البناء على المشتري لأنه ما ملكه باختياره بل أخذ منه جبرا
وكذلك قال محمد في الجارية المأسورة إذا اشتراها رجل من أهل الحرب ثم أخذها المالك القديم فاستولدها ثم استحقها رجل لا يرجع بقيمة الولد على الذي أخذها من يده لأنه لم يأخذها منه باختياره بل كرها وجبرا وكذلك الأب إذا وطىء جارية ابنه فأعلقها ثم استحقها رجل لا يرجع بقيمة الولد على الابن لأنه تملكها من غير اختيار الابن وقال أبو يوسف إذا غصب جارية فأبقت من يده فأدى ضمانها ثم عادت الجارية فاستولدها الغاصب ثم استحقت له أن يرجع بقيمة الولد على المولى لأنه كان مختارا في أخذ القيمة من الغاصب فكان ضامنا السلامة فيرجع عليه بحكم الضمان وعلى هذا داران أو أرضان بين رجلين اقتسما فأخذ كل واحد منهما إحداهما وبنى فيها ثم استحقت رجع بنصف قيمة البناء عند أبي حنيفة لأن القاضي لا يجبر على قسمة الجمع في الدور العقارات ( ( ( والعقارات ) ) ) عنده فإذا اقتسما بأنفسهما كانت القسمة منهما مبادلة فأشبهت البيع فكان كل واحد منهما ضامنا سلامة النصف لصاحبه فإذا لم يسلم يرجع عليه بحكم الضمان كما في البيع وأما عندهما فقد اختلف المشايخ فيه قال بعضهم لا يرجع لأن القاضي يجبر على هذه القسمة عندهما فأشبه استحقاق النصف من دار واحدة وقال بعضهم يرجع وعليه اعتمد القدوري عليه الرحمة وهو الصحيح لأن القاضي إنما يجبر على قسمة الجمع ههنا عندهما إذا رأى الجمع أعدل ولا يعرف ذلك من رأي القاضي إذا فعلا بأنفسهما ولو كانتا جاريتين فأخذ كل واحد منهما جارية فاستولدها ثم استحقت رجع على شريكه بالنصف عند أبي حنيفة لأن القاضي لا يجبر على قسمة الرقيق عنده فإذا اقتسما بتراضيهما أشبه البيع على ما ذكرنا وأما عندهما فينبغي أن لا يرجع كذا ذكره القدوري عليه الرحمة وفرق بين الرقيق وبين الدور وبينهما فرق لأن القاضي هناك لا يجبر على الجمع عينا ولكنه يراعي الأعدل في ذلك من التفريق والجمع وههنا يجبر على الجمع لتعذر التفريق فلم يوجد ضمان السلام ( ( ( السلامة ) ) ) من صاحبه فلا يرجع عليه والله سبحانه وتعالى أعلم وعلى هذا الأصل إذا اقتسم قوم دارا وفيها كنيف شارع على الطريق أو ظلة فإن كان على طريق العامة لا يحسب ذرع الكنيف والظل من ذرع الدار لأن رقبة الأرض ليست بمملوكة لأحد بل هي حق العامة وإن كان على طريق غير نافذ يحسب ذلك من ذرع الدار لأن له في السكة مسلكا فأشبه علو البيت والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما صفات القسمة فأنواع منها أن تكون عادلة غير جائرة وهي أن تقع تعديلا للأنصباء من غير زيادة على القدر المستحق من النصيب ولا نقصان عنه لأن القسمة إفراز بعض الأنصباء ومبادلة البعض ومبنى المبادلات على المراضاة فإذا وقعت جائرة لم يوجد التراضي ولا إفراز نصيبه بكماله لبقاء الشركة في البعض فلم تجز وتعاد وعلى هذا إذا ظهر الغلط في القسمة المبادلة بالبينة أو بالإقرار تستأنف لأنه ظهر أنه لم يستوف حقه فظهر أن معنى القسمة لم يتحقق بكماله ولو ادعى أحد الشريكين الغلط في القسمة فهذا لا يخلو من أحد وجهين إما إن كان المدعي أقر باستيفاء حقه وإما إن كان لم يقر بذلك فإن كان قد أقر باستيفاء حقه لا يسمع منه دعوى الغلط لكونه مناقضا في دعواه لأن الإقرار باستيفاء الحق إقرار بوصول حقه إليه بكماله ودعوى الغلط إخبار أنه لم يصل إليه حقه بكماله فيتناقض وإن كان لم يقر باستيفاء حقه لا تعاد القسمة بمجرد الدعوى لأن القسمة قد صحت من حيث الظاهر فلا يجوز نقضها إلا بحجة فإن أقام البينة أعيدت القسمة لما قلنا وإن لم تقم له بينة وأنكر شريكه فأراد استحلافه حلفه على ما ادعى من الغلط لأنه يدعي عليه حقا هو جائز الوجود والعدم وهو ينكر فيحلف
وبيان ذلك دار بين رجلين اقتسما واستوفى كل واحد منهما حقه ثم ادعى أحدهما غلطا في القسمة لا تعاد القسمة ولكن يسأل البينة على الغلط فإن أقام البينة وإلا فيحلف شريكه إن شاء لما قلنا فإن حلف أحد الشريكين ونكل الآخر فإن كان الشركاء ثلاثة يجمع بين نصيب المدعي وبين نصيب الناكل فيقسم بينهما على قدر نصيبهما لأن نكوله دليل كون المدعي صادقا في دعواه في حقه فكان حجة في حقه لا في حق الشريك الحالف فلم تصح القسمة في حقهما فتعاد في قدر نصيبهما وكذلك لو ادعى الغلط بعد القسمة والقبض في المكيلات والموزونات والمذروعات ولو كان بين رجلين داران اقتسماها ( ( ( اقتسماهما ) ) ) فأخذ كل واحد منهما دارا ثم ادعى أحدهما الغلط في القسمة وأقام البينة على ذلك فالقسمة باطلة عند أبي حنيفة عليه الرحمة وعندهما لا تبطل ولكن يقضي للمدعي بذلك الذرع من الدار الأخرى وبنوا هذه المسألة على بيع ذراع من دار أنه لا يجوز عنده وعندهما جائز ووجه البناء أن قسمة الجمع في الدور بالتراضي جائزة بلا خلاف ومعنى المبادلة وإن كان لازما في نوعي القسمة لكن هذا النوع بالمبادلات أشبه وإذا تحققت المبادلة صح البناء والله سبحانه وتعالى أعلم ولو اقتسما دارا بينهما فأخذ كل واحد منهما طائفة ثم ادعى أحدهما بيتا في يد صاحبه أنه وقع في قسمته وأقام بينة سمعت بينته وإن أقاما جميعا البينة أخذت بينة المدعي لأنه خارج وإن كان قبل الإشهاد والقبض تحالفا وترادا وكذا لو اختلفا في الحدود فادعى كل واحد منهما حدا في يد صاحبه أنه أصابه وأقام البينة قضى لكل واحد منهما بالحد الذي في يد صاحبه لأن كل واحد منهما عما في يد صاحبه خارج وإن قامت لأحدهما بينة يقضي ببينته وإن لم تقم لهما بينة تحالفا وهل ينفسخ العقد بنفس التحالف ( ( ( التالف ) ) ) أم يحتاج فيه إلى فسخ القاضي اختلف المشايخ فيه على ما عرف في البيوع ولن اقتسم رجلان أقرحة فأخذ أحدهما قراحين والآخر أربعة ثم ادعى صاحب القراحين أن أحد الأقرحة الأربعة أصابه في قسمته وأقام البينة قضي له به لما قلنا وكذلك هذا في أثواب اقتسماها فأخذ كل واحد بعضها ( ( ( بعضهما ) ) ) ثم ادعى أحدهما أن أحد الأثواب الذي في يد صاحبه أصابه في قسمته وأقام البينة قضي له به ولو ادعى كل واحد منهما على صاحبه ثوبا مما في يده أنه أصابه في قسمته وأقام البينة قضى لكل واحد منهما بما في يد الآخر لأن كل واحد منهما عما في يد صاحبه خارج ولو اقتسما مائة شاة فأصاب أحدهما خمسة وخمسين وأصاب الآخر خمسة وأربعين ثم ادعى صاحب الأوكس الغلط في القسمة أو الخطأ في التقويم لم تقبل منه إلا ببينة ولو قال أخطأنا في العدد وأصاب كل واحد منا خمسين وهذه الخمسة في قسمته وأنكر الآخر تحالفا وإن أقام كل واحد منهما البينة ردت القسمة ولو قال أحدهما لصاحبه أخذت أنت إحدى وخمسين غلطا وأخذت أنا تسعة وأربعين وقال الآخر ما أخذت إلا خمسين فالقول قوله مع يمينه لأنه منكر لاستيفاء الزيادة على حقه والله تعالى أعلم وعلى هذا الأصل تخرج قسمة عرصة الدار بالذراع أنه يحسب في القسمة كل ذراعين من العلو بذراع من السفل عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف يحسب ذراع من السفل بذراع من العلو وعند محمد يحسب على القيمة دون الذرع زعم كل واحد منهم أن التعديل فيما يقوله والخلاف في هذه المسألة بين أبي حنيفة وبين أبي يوسف مبني على الخلاف في مسألة أخرى وهي أن صاحب العلو ليس له أن يبني على العلو من غير رضا صاحب السفل وإن لم يضر بصاحب السفل من حيث الظاهر عند أبي حنيفة
وعند أبي يوسف له أن يبني إن لم يضر البناء به ووجه البناء أن صاحب العلو إذا لم يملك البناء على علوه عند أبي حنيفة رحمه الله كان للعلو منفعة واحدة وهي منفعة السكنى فحسب وللسفل منفعتان منفعة السكنى ومنفعة البناء عليه وكذا السفل كما يصلح للسكنى يصلح لجعل الدواب فيه فأما العلو فلا يصلح إلا للسكنى خاصة فكان للسفل منفعتان وللعلو منفعة واحدة فكانت القسمة عنده على الثلث والثلثين وعند أبي يوسف لما ملك صاحب العلو أن يبني على علوه كانت له منفعتان أيضا فاستوى العلو والسفل في المنفعة فوجب التعديل بالسوية بينهما في الذرع وأما محمد فإنما اعتبر القيمة لأن أحوال البلاد وأهلها في ذلك مختلفة فمنهم من يختار السفل على العلو ومنهم من يختار العلو على السفل فكان التعديل في اعتبار القيمة والعمل في المسألة على قول محمد رحمه الله وهو اختيار الطحاوي رحمه الله ويحتمل أن أبا حنيفة إنما فضل السفل على العلو بناء على عادة أهل الكوفة من اختيارهم السفل على العلو وأبو يوسف إنما سوى بينهما على عادة أهل بغداد لاستواء العلو والسفل عندهم فأخرج كل واحد منهما الفتوى على عادة أهل زمانه ومحمد بنى الفتوى على المعلوم من اختلاف العادات باختلاف البلدان فكان الخلاف بينهم من حيث الصورة لا من حيث المعنى والله أعلم وبيان ذلك في سفل بين رجلين وعلو من بيت آخر بينهما أراد ( ( ( أرادا ) ) ) قسمتهما يقسم البناء على القيمة بلا خلاف وأما العرصة فتقسم بالذرع عند أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد بالقيمة ثم اختلف أبو حنيفة وأبو يوسف فيما بينهما في كيفية القسمة بالذرع فعند أبي حنيفة ذراع بذراعين على الثلث والثلثين وعند أبي يوسف ذراع بذراع ولو كان بينهما بيت تام علو وسفل وعلو من بيت آخر فعند أبي حنيفة يحسب في القسمة كل ذراع من العلو والسفل بثلاثة أذرع من العلو أرباعا عنده لما ذكرنا من الأصل فكانت القسمة أرباعا وعند أبي يوسف ذراع من السفل والعلو بذراعين من العلو لاستواء السفل والعلو عنده فكانت القسمة أثلاثا ولو كان بينهما بيت تام سفل وعلو وسفل آخر فعند أبي حنيفة يحسب في القسمة كل ذراع من السفل والعلو بذراع ونصف من السفل وذراع من سفل البيت بذراع من السفل الآخر وذراع من علوه بنصف ذراع من السفل الآخر وعند أبي يوسف ذراع من التام بذراعين من السفل والله تعالى أعلم وعلى هذا الأصل يخرج ما إذا اقتسما دارا وفضلا بعضها على بعض بالدراهم أو الدنانير لفضل قيمة البناء والموضع أن القسمة جائزة لأنها وقعت عادلة من حيث المعنى لأن الدار قد يفضل بعضها على بعض بالبناء والموضع فكان ذلك تفضيلا ( ( ( تفصيلا ) ) ) من حيث الصورة تعديلا من حيث المعنى ولو لم يسميا قيمة فضل البناء وقت القسمة جازت القسمة استحسانا وتجب قيمة فضل البناء وإن لم يسمياها في القسمة والقياس أن لا تجوز القسمة لأن هذه قسمة بعض الدار دون بعض لأن العرصة مع البناء بمنزلة شيء واحد وقسمة البناء بالقيمة فإذا وجدت القسمة مجهولة فوقعت القسمة للعرصة دون البناء بقيت وإنها غير جائزة وجه الاستحسان أن قسمة العرصة قد صحت بوقوعها في محلها وهو الملك ولا صحة لها إلا بقسمة البناء وذلك بالقيمة فتجب على صاحب الفضل قيمة فضل البناء وإن لم يسم ضرورة صحة القسمة والله سبحانه وتعالى أعلم وعلى هذا الأصل تخرج أيضا قسمة الجمع في الأجناس المختلفة إنها غير جائزة جبرا بالإجماع لتعذر تعديل الأنصباء إلا بالقيمة وإنها ليست محل القسمة على ما مر ولا يجوز في الرقيق والدور عند أبي حنيفة رحمه الله لأنها في حكم الأجناس المختلفة ولا تقع القسمة فيها عادلة أو جائزة ( ( ( جائرة ) ) ) ولا تقسم الأولاد في بطون الغنم لتعذر التعديل
وعلى هذا يخرج رد المقسوم بالعيب في نوعي القسمة لأنه إذا ظهر به عيب فقد ظهر أنها وقعت جائرة لا عادلة فكان له حق الرد بالعيب كما في البيع ولو امتنع الرد بالعيب لوجود المانع منه يرجع بالنقصان كما في البيع إلا أن في البيع يرجع بتمام النقصان وفي القسمة يرجع بالنصف لأن النقصان في القسمة يرجع بالنصيبين جميعا فيرجع بنصف النقصان من نصيب شريكه وأما الرد بخيار الرؤية والشرط فيثبت في قسمة الرضا لأن القسمة فيها معنى المبادلة وهذا النوع أشبه بالمبادلات لوجود المراضاة من الجانبين فيثبت فيه خيار الرؤية كما في البيع ولا يثبت في قسمة القضاء لا لخلوها عن المبادلة بل لعدم الفائدة لأنه لو ردها بخيار الرؤية والشرط لأجبره القاضي ثانيا فلا يفيد والله سبحانه وتعالى أعلم ولا تجب الشفعة في القسمة لأن حق الشفعة يتبع المبادلة المحضة لثبوتها على مخالفة القياس والقسمة مبادلة من وجه فلا تحتمل الشفعة ولأنها لو وجبت لا يخلو إما أن تجب للشريك أو للجار لا سبيل إلى الأول لأن الشفعة تجب لغير البائع والمشتري ولا سبيل إلى الثاني لأن الشريك أولى من الجار والله سبحانه وتعالى أعلم ومنها الوجوب عند الطلب حتى يجبر على القسمة فيما ينتفع كل واحد من الشريكين بقسمته وكذا فيما ينتفع بها أحدهما ويستضر الآخر عند طلب المنتفع بالإجماع وعند طلب المستضر اختلاف روايتي الحاكم والقدوري رحمهما الله وقد ذكرناه والله سبحانه وتعالى أعلم ومنها اللزوم بعد تمامها في النوعين جميعا حتى لا يحتمل الرجوع عنها إذا تمت وأما قبل التمام فكذلك في أحد نوعي القسمة وهو قسمة القضاء دون النوع الآخر وهو قسمة الشركاء بيان ذلك أن الدار إذا كانت مشتركة بين قوم فقسمها القاضي أو الشركاء بالتراضي فخرجت السهام كلها بالقرعة لا يجوز لهم الرجوع وكذا إذا خرج الكل إلا سهم واحد لأن ذلك خروج السهام كلها لكون ذلك السهم متعينا بمن بقي من الشركاء وإن خرج بعض السهام دون البعض فكذلك في قسمة القضاء لأنه لو رجع أحدهم لأجبره القاضي على القسمة ثانيا فلا يفيد رجوعه وأما في قسمة التراضي فيجوز الرجوع لأن قسمة التراضي لا تتم إلا بعد خروج السهام كلها وكل عاقد بسبيل من الرجوع عن العقد قبل تمامه كما في البيع ونحوه والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما بيان حكم القسمة فنقول وبالله التوفيق حكم القسمة ثبوت اختصاص بالمقسوم عينا تصرفا فيه فيملك المقسوم له في المقسوم جميع التصرفات المختصة بالملك حتى لو وقع في نصيب أحد الشريكين ساحة لا بناء فيها ووقع البناء في نصيب الآخر فلصاحب الساحة أن يبني في ساحته وله أن يرفع بناءه وليس لصاحب البناء أن يمنعه وإن كان يفسد عليه الريح والشمس لأنه يتصرف في ملك نفسه فلا يمنع عنه وكذا له أن يبني في ساحته مخرجا أو تنورا أو حماما أو رحى لما قلنا وكذا له أن يقعد في بنائه حدادا أو قصارا وإن كان يتأذى به جاره لما قلنا وله أن يفتح بابا أو كوة لما ذكرنا ألا ترى أن له أن يرفع الجدار أصلا ففتح الباب والكوة أولى وله أن يحفر في ملكه بئرا أو بالوعة أو كرباسا وإن كان بهى ( ( ( يهي ) ) ) بذلك حائط جاره ولو طلب جاره تحويل ذلك لم يجبر على التحويل ولو سقط الحائط من ذلك لا يضمن لأنه لا صنع منه في ملك الغير والأصل أن لا يمنع الإنسان من التصرف في ملك نفسه إلا أن الكف عما يؤذي الجار أحسن قال الله تبارك وتعالى واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا إلى قوله تعالى والجار الجنب خصه سبحانه وتعالى بالأمر بالإحسان إليه فلئن لا يحسن إليه فلا أقل من أن يكف عنه أذاه
وعلى هذا دار بين رجلين ولرجل فيها طريق فأرادا أن يقتسماها ليس لصاحب الطريق منعهما عن القسمة لأنهما بالقسمة متصرفان في ملك أنفسهما فلا يمنعان عنه فيقتسمان ما وراء الطريق ويتركان الطريق على حاله على سعة عرض باب الدار لما ذكرنا من قبل ولو باعوا الدار والطريق فإن كانت رقبة الطريق مشتركة بينهم قسموا ممر الطريق بينهم أثلاثا وإن كانت الرقبة لشريكي الدار ولصاحب الطريق حق المرور حكى القدوري عن الكرخي رحمهما الله أن لا شيء لصاحب الطريق من الثمن ويكون الثمن كله للشريكين وروى محمد أن كل واحد من الشريكين يضرب بحقه من المنفعة ويضرب صاحب الطريق بحق المرور وطريق معرفة ذلك أن ينظر إلى قيمة العرصة بغير طريق وينظر إلى قيمتها وفيها طريق فيكون لصاحب الطريق فضل ما بينهما ولكل واحد من الشريكين نصف قيمة المنفعة إذا كان فيها طريق وجه ما حكي عن الكرخي رحمه الله أن حق المرور لا يحتمل البيع مقصودا بل يحتمله تبعا للرقبة ألا ترى أنه لو باعه وحده لم يجز فإذا بيع الطريق بإذنه فقد أسقط حقه أصلا فلا يقابله ثمن وج ( ( ( وجه ) ) ) ما روي عن محم ( ( ( محمد ) ) ) أن حق المرور لا يحتمل البيع مقصودا بل يحتمله تبعا للرقبة وههنا ما بيع مقصودا بل تبعا للرقبة فيقابله الثمن لكن ثمن الحق لا ثمن الملك على ما ذكرنا وكذلك دار بين رجلين فيها مسيل الماء فأرادا أن يقتسماها ليس لصاحب المسيل منعهما من القسمة لما قلنا بل يقسم الدار ويترك المسيل على حاله كما في الطريق وكذلك لو كان في الدار منزل لرجل وطريقه في الدار فأرادا أن يقتسما الدار لا يمنعان من القسمة ولكن يتركان طريق المنزل على حاله على سعة عرض باب الدار لا على سعة باب المنزل على ما ذكرنا ولو أراد صاحب المنزل أن يفتح إلى هذا الطريق بابا آخر له ذلك لأنه متصرف في ملك نفسه ألا ترى أن له أن يرفع الحائط كله فهذا أولى ولو اشترى صاحب المنزل دارا من وراء المنزل وفتح بابه إلى المنزل فإن كان ساكن الدار والمنزل واحدا فله أن يمر من الدار إلى المنزل ومن المنزل إلى الطريق الذي في الدار الأولى لأن له حق المرور في هذا الطريق وإن كان ساكن الدار غير ساكن المنزل فليس لساكن الدار أن يمر في الطريق الذي في الدار الأولى لأنه لا حق له في هذا الطريق فيمنع من المرور فيه دار بين رجلين في سكة غير نافذة اقتسماها وأخذ كل واحد منهما طائفة منها فأراد كل واحد منهما أن يفتح بابا أو كوة إلى السكة له ذلك ولا يسع لأهل السكة منعهما لأن كل واحد منهما متصرف في ملك نفسه فيملكه ألا ترى أن له رفع الحائط أصلا فالباب والكوة أولى وعلى هذا حائط بين قسيمين ولأحد القسيمين عليه جذوع الحائط الآخر فإن شرطوا قطع الجذوع في القسمة قطعت ( ( ( قطعه ) ) ) لقول النبي عليه الصلاة والسلام المسلمون عند شروطهم وإن لم يشترطوا ترك على حالها لأن الترك وإن كان ضررا لكنهم لما لم يشترطوا القطع في القسمة فقد التزم الضرر وكذلك لو كان وقع على هذا الحائط درجة أو أسطوانة جمع عليها جذوع لما قلنا وكذلك روشنا وقع لصاحب العلو شرفا على نصيب الآخر لم يكن لصاحب السفل أن يقلع الروشن من غير شرط القلع لما قلنا ولو كان لأحدهما أطراف خشب على حائط صاحبه فإن كان مما يمكن أن يجعل عليها سقف لم يكلف قلعها وإن كان لا يمكن كلف القلع لأنه إذا أمكن أن يجعل عليها سقف أمكنه الانتفاع به فيلتحق بالحقوق فأشبه الروشن وإذا لم يمكن تعذر إلحاقها بالحقوق فبقي شاغلا هو لصاحبه بغير حق فيكلف قطعها ولو كان لأحدهما شجرة أغصانها مظلة على نصيب الآخر فهل تقطع ذكر ابن سماعة رحمه الله أنه لا تقطع لأن في القطع ضررا لصاحبها
وذكر ابن رستم رحمه الله أنه تقطع كما يقطع أطراف الخشب الذي لا يمكن تسقيفها ولو اختلف أهل طريق في الطريق وادعى كل واحد منهم أنه له فهو بينهم بالتسوية على عدد الرؤوس لا على ذرعان الدور والمنازل لأنهم استووا في اليد لاستوائهم في المرور فيه إلا أن يقوم لأحدهم بينة فيسقط اعتبار اليد بالبينة دار لرجل وفيها طريق بينه وبين رجل فمات صاحب الدار فاقتسمت الورثة الدار بينهم وتركوا الطريق كان الطريق بينه وبين الرجل نصفين لا على عدد الرؤوس حتى لو باعوا الدار يقسم الثمن بين الورثة وبينه نصفين لا على عدد الرؤوس لأن الورثة قاموا مقام المورث وقد كان الطريق بينهما نصفين فكذا بينه وبينهم ولو لم يعرف أن الدار ميراث بينهم وجحدوا ذلك فالطريق بينهم بالسوية على عدد الرؤوس لاستوائهم في اليد على ما مر والله تعالى أعلم فصل وأما بيان ما يوجب نقض القسمة بعد وجودها فنقول وبالله التوفيق الذي يوجب نقض القسمة بعد وجودها أنواع منها ظهور دين على الميت إذا طلب الغرماء ديونهم ولا مال للميت سواه ولا قضاه الورثة من مال أنفسهم وبيان ذلك أن الورثة إذا اقتسموا التركة ثم ظهر على الميت دين فهذا لا يخلو من أحد وجهين إما أن يكون للميت مال آخر سواه وإما إن لم يكن فإن لم يكن له مال سواه ولا قضاه الورثة من مال أنفسهم تنقض القسمة سواء كان الدين محيطا بالتركة أو لم يكن لأن الدين مقدم على الإرث قليلا كان أو كثيرا قال الله تبارك وتعالى من بعد وصية يوصي بها أو دين قدم سبحانه وتعالى الدين على الوصية من غير فصل بين القليل والكثير لأن الدين إذا كان محيطا بالتركة تبين أنه لا ملك للورثة فيها إلا من حيث الصورة بل هي ملك للميت يتعلق بها بحق الغرماء وقيام ملك الغير في المحل يمنع صحة القسمة فقيام الملك والحق أولى وإذا لم يكن محيطا بالتركة فملك الميت وحق الغرماء وهو حق الاستيفاء ثابت في قدر الدين من التركة على الشيوع فيمنع جواز القسمة فإن لم يكن للميت مال آخر سواه يجعل الدين فيه وتمضي القسمة لأن القسمة تصان عن النقض ما أمكن وقد أمكن صيانتها بجعل الدين فيه وكذا الورثة إذا قضوا الدين من مال أنفسهم لا تنقض لأن حق الورثة كان متعلقا بصورة التركة وحق الغرماء بمعناها وهو المالية فإذا قضوا الدين من مال أنفسهم فقد استخلصوا التركة لأنفسهم صورة ومعنى فتبين أنهم في الحقيقة اقتسموا مال أنفسهم صورة ومعنى فتبين أنها وقعت صحيحة فلا تنقض وكذلك إذا أبرأه الغرماء من ديونهم لا تنقض القسمة لأن النقض لحقهم وقد أسقطوه بالإبراء وكذلك إذا ظهر لبعض المقتسمين دين على الميت بأن ادعى دينا على الميت وأقام البينة عليه فله أن ينقض القسمة لما قلنا ولا تكون قسمته إبراء من الدين لأن حق الغريم يتعلق بمعنى التركة وهو ماليتها لا بالصورة ولهذا كان للورثة حق الاستخلاص وإذا كان كذلك فلا يكون إقدامه على القسمة إقرارا منه لأنه لا دين له على الميت فلم يكن مناقضا في دعواه فسمعت ومنها ظهور الوصية حتى لو اقتسموا ثم ظهر ثم موصى له بالثلث نقضت قسمتهم لأن الموصى له شريك الورثة ألا ترى أنه لو هلك من التركة شيء قبل القسمة يهلك من الورثة والموصى له جميعا والباقي على الشركة بينهم ولو اقتسموا وثمة وارث آخر غائب تنقض فكذا هذا وهذا إذا كانت القسمة بالتراضي فإن كانت بقضاء القاضي لا تنقض لأن الموصى له وإن كان كواحد من الورثة لكن القاضي إذا قسم عند غيبة أحد الورثة لا تنقض قسمته لأن القسمة في هذا الموضع ( ( ( الموضوع ) ) ) محل الاجتهاد وقضاء القاضي إذا صادف محل الاجتهاد ينفذ ولا ينقض ومنها ظهور الوارث حتى لو اقتسموا ثم ظهر أن ثمة وارث آخر نقضت قسمتهم ولو كانت القسمة بقضاء القاضي لا تنقض لما ذكرنا
ولو ادعى وارث وصية لابن له صغير بعد القسمة لا تصح دعواه حتى لا تسمع منه البينة لكونه مناقضا في الدعوى إذ لا تصح قسمتهم الميراث وثم موصى له فكان إقدامه على القسمة إقرارا منه بانعدام الوصية فكان دعوى وجود الوصية مناقضة فلا تسمع ولكن لا يبطل حق الصغير بقسمة الأب لأنه لا يملك إبطال حقه وكذلك لو ادعى بعض الورثة أن أخا له من أبيه وأمه ورث أباه معهم وأنه مات بعد موت الأب وورثه هذا المدعي وجحد الباقون ذلك فأقام المدعي البينة لا تقبل بينته لأنه هنا قضى في دعواه لدلالة إقراره بانعدام وارث آخر بإقدامهم ( ( ( بإقدامه ) ) ) على القسمة وكذلك كل ميراث يدعيه أو شراء أو هبة أو صدقة أو وصية بعد القسمة للتناقض بدلالة الإقدام على القسمة والله تعالى أعلم دار بين رجلين أقر أحدهما ببيت منها لرجل وأنكر الآخر يصح إقراره لأن إقرار الإنسان حجة على نفسه لأن هذا الإقرار لم يوجب تعلق الحق بالعين لحق الشريك الآخر بل هو موقوف وإذا لم يتعلق بالعين لا يمنع جواز القسمة فتقسم الدار ويجبر على القسمة ومتى قسمت فإن وقع البيت المقر به في نصيب المقر دفعه إلى المقر له لأن الإقرار قد صح وتسليم عين المقر به ممكن فيؤمر بالتسليم وإن وقع في نصيب شريكه يدفع إليه قدر ذرع المقر به من نصيب نفسه فيقسم ما أصابه بينه وبين المقر له فيضرب المقر له بذرع البيت ويضرب المقر بنصف ذرع الدار بعد البيت وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف عليهما الرحمة وقال محمد رحمه الله يضرب المقر بنصف ذراع ( ( ( ذرع ) ) ) الدار كما قالا ولكن المقر له يضرب بنصف ذرع البيت لا بكله حتى لو كان ذرع الدار مائة وذرع البيت عشرة فتقسم الدار بينهما نصفين يكون للمقر له عشرة أذرع عندهما لأنه جميع ذرع البيت والباقي وهو خمسة وأربعون للمقر لأنه نصف ذرع الدار بعد ذرع البيت وعند محمد رحمه الله يكون للمقر له خمسة أذرع إذ هو نصف ذرع البيت المقر به وجه قول محمد رحمه الله أن الإقرار صادف محلا معينا مشتركا بينه وبين غيره لأن كل جزأين من الدار أحدهما له والآخر لصاحبه على الشيوع فيبطل في نصيب صاحبه ويصح في نصيبه وذلك يوجب للمقر له نصف ذرع البيت وجه قولهما أن الإقرار بالمشترك لا يتعلق بالعين قبل القسمة بل هو موقوف وإنما يتعلق بها ( ( ( بهما ) ) ) بعد القسمة ألا ترى أنه لم يمنع صحة القسمة ولو تعلق بالعين لمنع فإذا قسمت الدار الآن يتعلق بالعين فإن وقع المقر به في نصيب المقر يؤمر بالتسليم لأنه قادر على تسليم العين وإن وقع في نصيب صاحبه فقد عجز عن تسليم عينه فيؤمر بتسليم بدله من نصيبه وهو تمام ذرع المقر به هذا إذا كان المقر به شيئا يحتمل القسمة فإن كان مما لا يحتمل القسمة كبيت من حمام مشتركة بينه وبين غيره أقر أنه لرجل وأنكر صاحبه فيصح إقراره ولكن يجبر على قسمته لأن قسمة الإضرار فيما لا يحتمل الجبر على ما ذكرناه في موضعه ويلزمه نصف قيمة البيت لأنه عجز عن تسليم العين والإقرار بعين معجوز التسليم يكون إقرارا ببدله تصحيحا لتصرفه وصيانة لحق الغير بالقدر الممكن كالإقرار بجذع في الدار والله تعالى أعلم فصل هذا الذي ذكرنا قسمة الأعيان وأما قسمة المنافع فهي المسماة بالمهايئات والكلام فيها في مواضع في بيان أنواع المهايئات وما يجوز منها وما لا يجوز وفي بيان محل المهايئات وفي بيات ( ( ( بيان ) ) ) صفة المهايئات وفي بيان ما يملك كل واحد من الشريكين من التصرف بعد المهايئات وما لا يملك
أما الأول فالمهايئات نوعان نوع يرجع إلى المكان ونوع يرجع إلى الزمان أما النوع الأول فهو أن يتهايئا ( ( ( يتهايآ ) ) ) في دار واحدة على أن يأخذ كل واحد منهما طائفة منها يسكنها وإنه جائز لأن المهايئات قسمة فتعتبر بقسمة العين وقسمة العين على الوجه جائزة فكذا قسمة المنافع وكذا لو تهايئا على أن يأخذ أحدهما السفل والآخر العلو جاز ذلك لما قلنا ولا يشترط بيان المدة في هذا النوع لأن قسمة المنافع ليست بمبادلة المنفعة لأن مبادلة المنفعة بجنسها غير جائزة عندنا كإجازة السكنى بالسكنى والخدمة بالخدمة وكذلك لو تهايئا في دارين وأخذ كل واحد منهما دارا يسكنها أو يستغلها فهو جائز بالإجماع أما عند أبي يوسف ومحمد فلا شك فيه لأن قسمة الجمع في عين الدور جائزة فكذا في المنافع وأما أبو حنيفة رحمه الله فيحتاج إلى الفرق بين العين وبين المنفعة وجه الفرق له أن الدور في حكم أجناس مختلفة لتفاحش التفاوت بين دار ودار وفي نفسها وبنائها وموضعها ولا تجوز قسمة الجمع في جنسين مختلفين على ما مر وأما التفاوت في المنافع فقل ما يتفاحش بل يتقارب فلم تلتحق منافع الدارين بالأجناس المختلفة فجازت القسمة وكذلك لو تهايئا في عبدين على الخدمة جاز بالإجماع أما عندهما فلأن قسمة الجمع في أعيان الرقيق جائزة وكذا في منافعها ووجه الفرق لأبي حنيفة رحمه الله على نحو ما ذكرنا في الدارين ولو تهايئا في عبدين فأخذ كل واحد منهما عبدا يخدمه وشرط كل واحد منهما على نفسه طعام العبد الذي يخدمه جاز استحسانا والقياس أن لا يجوز ووجه ( ( ( ووجهه ) ) ) أن طعام كل واحد من العبدين على الشريكين جميعا على المناصفة فاشتراط كل الطعام من كل واحد منهما على نفسه يخرج مخرج معاوضة بعض الطعام بالبعض وأنها غير جائزة للجهالة ووجهه ( ( ( ووجه ) ) ) الاستحسان أن هذا النوع من الجهالة لا يفضي إلى المنازعة لأن مبنى الطعام على المسامحة في العرف والعادة دون المضايقة بخلاف ما إذا شرط كل واحد منهما على نفسه كسوة العبد الذي يخدمه أنه لا يجوز لأنه يجري في الكسوة من المضايقة ما لا يجري في الطعام في العرف والعادة فكانت الجهالة في الكسوة مفضية إلى المنازعة مع ما أن الجهالة في الكسوة تتفاحش بخلاف الطعام لذلك افترقا والله تعالى أعلم وأما التهايؤ في الدواب بأن أخذ أحدهما دابة ليركبها والآخر دابة أخرى من جنسها يستغلها وشرط الاستغلال فغير جائز عند أبي حنيفة وعندهما جائز وجه قولهما ظاهر لأن قسمة الجمع في أعيان الدواب من جنس واحد جائزة فكذا قسمة المنافع ولأبي حنيفة الفرق بين المنفعة وبين المنفعة أنه جوز قسمة الجمع في أعيانها ولم يجوز في منافعها ووجه الفرق أنها باعتبار أعيانها جنس واحد لكنها في منفعة الركوب في حكم جنسين مختلفين بدليل أن من استأجر دابة ليركبها لم يملك أن يؤاجرها للركوب ولو فعل لضمن فأشبه اختلاف جنس المنفعة اختلاف جنس العين واختلاف جنس العين عنده مانع جواز قسمة الجمع كذا في المنفعة بخلاف المهايئات في الدارين والعبدين إنها جائزة لأن هناك المنافع متقاربة غير متفاحشة بدليل أن المستأجر فيها يملك الإجارة من غيره فلم يختلف جنس المنفعة فجازت المهايئات
وأما النوع الثاني وهو المهايئات بالزمان فهو أن يتهايئا ( ( ( يتهايآ ) ) ) في بيت صغير على أن يسكنه هذا يوما وهذا يوما أو في عبد واحد على أن يخدم هذا يوما وهذا يوما وهذا جائز لقوله تبارك وتعالى قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم أخبر سبحانه وتعالى عن نبينه ( ( ( نبيه ) ) ) سيدنا صالح عليه الصلاة والسلام المهايئات في الشرب ولم ينكره سبحانه وتعالى والحكيم إذا حكى عن منكر غيره فدل على جواز المهايئات بالزمان بظاهر النص وثبت جواز النوع الآخر من طريق الدلالة لأنها أشبه بالمقاسمة من النوع الأول ولأن جواز المهايئات بالزمان لمكان حاجات الناس وحاجتهم إلى المهايئات بالمكان أشد لأن الأعيان كلها في احتمال المهايئات بالزمان شرع سواء من الأعيان ما لا يحتمل المهايئات بالمكان كالعبد والبيت الصغير ونحوهما فلما جازت تلك فلأن تجوز هذه أولى والله تعالى أعلم فصل وأما بيان محل المهايئات فنقول ولا قوة إلا بالله تعالى جل شأنه إن محلها المنافع دون الأعيان لأنها قسمة المنفعة دون العين فكان محلها المنفعة دون العين حتى إنهما لو تهايئا في نخل أو شجر بين شريكين على أن يأخذ كل واحد منهما طائفة يستثمرها لا يجوز وكذلك إذا تهايئا في الغنم المشتركة على أن يأخذ كل واحد منهم قطيعا وينتفع بألبانها لا يجوز لما ذكرنا أن هذا عقد قسمة المنافع والثمن ( ( ( والثمر ) ) ) واللبن عين مال فلا تدخل تحت عقد المهايئات ولو تهايئا في الأراضي المشتركة على أن يأخذ كل واحد منهما نصفها ويذرع جاز لأن ذلك قسمة المنافع وهو معنى المهايئات والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما صفة المهايئات فهي أنها عقد غير لازم حتى لو طلب أحدهما قسمة العين بعد المهايئات قسم الحاكم بينهما وفسخ المهايئات لأنها كالخلف عن قسمة العين وقسمة العين كالأصل فيما شرعت له القسمة لأن القسمة شرعت لتكميل منافع الملك وهذا المعنى في قسمة العين أكمل ولهاذ ( ( ( ولهذا ) ) ) لو طلب أحدهما القسمة قبل المهايئات أجبره الحاكم على القسمة فكان عقدا جائزا فاحتمل الفسخ كسائر العقود الجائزة ولا يبطل بموتأحد الشريكين بخلاف الإجارة لأنها لو بطلت لأعادها القاضي للحال ثانيا فلا يفيد فصل وأما بيان ما يملك كل واحد منهما من التصرف بعد المهايئات أما في المهايئات بالمكان فلكل واحد منهما أن يستغل ما أصابه بالمهايئات سواء شرط الاستغلال في العقد أو لا وسواء تهايئا في دار واحدة أو دارين لأن المنفاع ( ( ( المنافع ) ) ) بعد المهايئات تحدث على ملك كل واحد منهما فيما أخذه فيملك التصرف فيه بالتمليك من غيره وبه تبين أن المهايئات في هذا النوع ليست بإعارة لأن العارية لا تؤاجر وأما المهايئات بالزمان فلكل واحد منهما يسكن أو يستخدم لما ذكرنا لكن لا بد من ذكر الوقت من اليوم والشهر ونحو ذلك بخلاف المهايأة بالمكان أن لكل واحد منهما ولاية السكنى والاستغلال مطلقا لأن الحاجة إلى ذكر الوقت لتصير المنافع معلومة والمهايئات بالمكان قسمة منافع مقدرة مجموعة بالمكان ومكان المنفعة معلوم فصارت المنافع معلومة بالعلم بمكانها فجازت المهايأة وأما المهايأة بالزمان فقسمة مقدرة بالزمان فلا تصير معلومة إلا بذكر زمان معلوم فهو الفرق والله سبحانه وتعالى أعلم وهل يملك كل واحد منهما الاستغلال في نوبته لا خلاف في أنهما إذا لم يشترطا لم يملك فأما إذا شرطا ذكر القدوري عليه الرحمة أنه لا يملك لأن هذا النوع من المهايأة في معنى الإعارة والعارية لا تؤجر وذكر الأصل أن التهايؤ في الدار الواحدة على السكنى والغلة جائزة منهم من قال المذكور في الأصل ليس بمهايئات حقيقة لوجهين أحدهما أنه أضاف التهايؤ إلى الغلة دون الاستغلال والغلة لا تحتمل التهايؤ حقيقة إذ هي عين والتهايؤ قسمة المنافع دون الأعيان
والثاني أنه ذكر فيه أن غلة الدار إذا أوصلت ( ( ( وصلت ) ) ) في يد أحدهما شاركه فيه صاحبه وليس ذلك حكم جواز المهايئات وكما أن المهايأة بالمكان في الدارين إذا تهايئا أن يأخذ كل واحد منهما وأخذه يستغلها فاستغلها ففضل من الغلة في يد أحدهما أن الفاضل يكون له خاصة ويكون المذكور في الأصل محمولا على ما إذا اصطلحا على أن يأخذ هذا غلة شهر وذلك غلة شهر وسمي ذلك مهايأة مهايأة مجازا وإن لم يكن ذلك مهايأة حقيقة في هذه الصورة يكون فضل الغلة مشتركا بينهما وعلى هذا يرتفع اختلاف الروايتين ويحتمل أن يكون المذكور في الأصل دليلا على شرط جواز الاستغلال إذ الغلة يجوز أن تذكر بمعنى الاستغلال في الجملة وقد قام دليل إرادة الاستغلال ههنا وهو قرينة التهايؤ إذ هي عبارة عن قسمة المنافع دون الغلة التي هي عين ماله وكذا التهايؤ يكون على شيء هو مقدور التهايؤ وهو فعل الاستغلال دون عين الغلة ولهذا قرن بها السكنى الذي هو فعل الساكن ويكون قوله ما فضل من الغلة في يده يشاركه فيه صاحبه محمولا على ما إذا تهايئا بشرط الاستغلال ابتداء ثم اصطلحا على أن يأخذ كل واحد منهما غلة شهر وفي هذه الصورة يكون فضل الغلة بينهما كما في الدارين فعلى هذا ثبت اختلاف روايتي الحاكم وأحمد بن الحسين القدوري عليهم الرحمة والله سبحانه وتعالى أعلم كتاب الحدود جمع محمد رحمه الله بين مسائل الحدود وبين مسائل التعزير وبدأ بمسائل الحدود فبدأ بما بدأ به فنقول وبالله سبحانه وتعالى التوفيق الكلام في الحدود يقع في مواضع في بيان معنى الحد لغة وشرعا وفي بيان أسباب وجوب الحدود وشرائط وجوبها وفي بيان ما يظهر به وجوبها عند القاضي وفي بيان صفاتها وفي بيان مقدار الواجب منها وفي بيان شرائط جواز إقامتها وفي بيان كيفية إقامتها وموضع الإقامة وفي بيان ما يسقطها بعد الوجوب وفي بيان حكمها إذا اجتمعت وفي بيان حكم المحدود أما الأول الحد في اللغة عبارة عن المنع ومنه سمي البواب حدادا لمنعه الناس عن الدخول وفي الشرع عبارة عن عقوبة مقدرة واجبة حقا لله تعالى عز شأنه بخلاف التعزير فإنه ليس بمقدر قد يكون بالضرب وقد يكون بالحبس وقد يكون بغيرهما وبخلاف القصاص فإنه وإن كان عقوبة مقدرة لكنه يجب حقا للعبد حتى يجري فيه العفو والصلح سمي هذا النوع من العقوبة حدا لأنه يمنع صاحبه إذا لم يكن متلفا وغيره بالمشاهدة ويمنع من يشاهد ذلك ويعاينه إذا لم يكن متلفا لأنه يتصور حلول تلك العقوبة بنفسه لو باشر تلك الجناية فيمنعه ذلك من المباشرة والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما بيان أسباب وجوبها فلا يمكن الوصول إليه إلا بعد معرفة أنواعها لأن سبب وجوب كل نوع يختلف باختلاف النوع فنقول الحدود خمسة أنواع حد السرقة وحد الزنا وحد الشرب وحد السكر وحد القذف أما حد السرقة فسبب وجوبه السرقة وسنذكر ركن السرقة وشرائط الركن في كتاب السرقة وأما حد الزنا فنوعان جلد ورجم وسبب وجوب كل واحد منهما وهو الزنا وإنما يختلفان في الشرط وهو الإحصان فالإحصان شرط لوجوب الرجم وليس بشرط لوجوب الجلد فلا بد من معرفة الزنا والإحصان في عرف الشرع أما الزنا فهو اسم للوطء الحرام في قبل المرأة الحية في حالة الاختيار في دار العدل ممن التزم أحكام الإسلام العاري عن حقيقة الملك وعن شبهته وعن حق الملك وعن حقيقة النكاح وشبهته وعن شبهة الاشتباه في موضع الاشتباه في الملك والنكاح جميعا والأصل في اعتبار الشبهة في هذا الباب الحديث المشهور وهو قوله عليه الصلاة والسلام ادرءوا الحدود بالشبهات ولأن الحد عقوبة متكاملة فتستدعي جناية متكاملة والوطء في القبل في غير ملك ولا نكاح لا يتكامل جناية إلا عند انتفاء الشبهة كلها
إذا عرف الزنا في عرف الشرع فنخرج عليه بعض المسائل فنقول الصبي أو المجنون إذا وطىء امرأة أجنبية لا حد عليه لأن فعلهما لا يوصف بالحرمة فلا يكون الوطء منهما زنا فلا حد على المرأة إذا طاوعته عند أصحابنا الثلاثة رضي الله عنهم وقال زفر والشافعي رضي الله عنهم عليها الحد ولا خلاف في أن العاقل البالغ إذا زنا بصبية أو مجنونة أنه يجب عليه الحد ولا حد عليها لهما أن المانع من وقوع الفعل زنا خص أحد الجانبين فيختص به المنع كالعاقل البالغ إذا زنا بصبية أو مجنونة أنه يجب عليه الحد وإن كان لا يجب عليها لما قلنا كذا هذا ولنا أن وجوب الحد على المرأة في باب الزنا ليس لكونها زانية لأن فعل الزنا لا يتحقق منها وهو الوطء لأنها موطوءة وليست بواطئة وتسميتها في الكتاب العزيز زانية مجاز لا حقيقة وإنما وجب عليها لكونها مزنيا بها وفعل الصبي والمجنون ليس بزنا فلا تكون هي مزنيا بها فلا يجب عليها الحد وفعل الزنا يتحقق من العاقل البالغ فكانت الصبية أو المجنونة مزنيا بها إلا أن الحد لم يجب عليها لعدم الأهلية والأهلية ثابتة في جانب الرجل فيجب وكذلك الوطء في الدبر في الأنثى أو الذكر لا يوجب الحد عند أبي حنيفة وإن كان حراما لعدم الوطء في القبل فلم يكن زنا وعندهما والشافعي يوجب الحد وهو الرجم إن كان محصنا والجلد إن كان غير محصن لا لأنه زنا بل لأنه في معنى الزنا لمشاركة الزنا في المعنى المستدعي لوجوب الحد وهو الوطء الحرام على وجه التمحض فكان في معنى الزنا فورود النص بإيجاب الحد هناك يكون ورودا ههنا دلالة ولأبي حنيفة ما ذكرنا أن اللواطة ليست بزنا لما ذكرنا أن الزنا اسم للوطء في قبل المرأة ألا ترى أنه يستقيم أن يقال لاط وما زنا وزنا ( ( ( وزنى ) ) ) وما لاط ويقال فلان لوطي وفلان زاني فكذا يختلفان اسما واختلاف الأسامي دليل اختلاف المعاني في الأصل ولهذا اختلف الصحابة رضي الله عنهم في حد هذا الفعل ولو كان هذا زنا لم يكن لاختلافهم معنى لأن موجب الزنا كان معلوما لهم بالنص فثبت أنه ليس بزنا ولا في معنى الزنا أيضا لما في الزنا من اشتباه الأنساب وتضييع الولد ولم يوجد ذلك في هذا الفعل إنما فيه تضييع الماء المهين الذي يباح مثله بالعزل وكذا ليس في معناه فيما شرع له الحد وهو الزجر لأن الحاجة إلى شرع الزاجر فيما يغلب وجوده ولا يغلب وجود هذا الفعل لأن وجوده يتعلق باختيار شخصين ولا اختيار إلا لداع يدعو إليه ولا داعي في جانب المحل أصلا وفي الزنا وجد الداعي من الجانبين جميعا وهو الشهوة المركبة فيهما جميعا فلم يكن في معنى الزنا فورود النص هناك ليس ورودا ههنا وكذا اختلاف اجتهاد الصحابة رضي الله عنهم دليل على أن الواجب بهذا الفعل هو التعزير لوجهين أحدهما أن التعزير هو الذي يحتمل الاختلاف في القدر والصفة لا الحد والثاني أنه لا مجال للاجتهاد في الحد بل لا يعرف إلا بالتوقيف وللاجتهاد مجال في التعزير وكذا وطء المرأة الميتة لا يوجب الحد ويوجب التعزير لعدم وطء المرأة الحية وكذا وطء البهيمة وإن كان حراما لانعدام الوطء في قبل المرأة فلم يكن زنا ثم إن كانت البهيمة ملك الواطىء قيل إنها تذبح ولا تؤكل ولا رواية فيه عن أصحابنا رحمهم الله لكن روى محمد عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه لم يحد واطىء ( ( ( واطئ ) ) ) البهيمة وأمر بالبهيمة حتى أحرقت بالنار وكذلك الوطء عن إكراه لا يوجب الحد وكذلك الوطء في دار الحرب وفي دار البغي لا يوجب الحد حتى إن من زنا في دار الحرب أو دار البغي ثم خرج إلينا لا يقام عليه الحد لأن الزنا لم ينعقد سببا لوجوب الحد حين وجوده لعدم الولاية فلا يستوفى بعد ذلك
وكذلك الحربي المستأمن إذا زنا بمسلمة أو ذمية أو ذمي زنا بحربية مستأمنة لا حد على الحربي والحربية عندهما وعند أبي يوسف يحدان وجه قوله أنه لما دخل دار الإسلام فقد التزم أحكام الإسلام مدة إقامته فيها فصار كالذمي ولهذا يقام عليه حد القذف كما يقام على الذمي ولهما أنه لم يدخل دار الإسلام على سبيل الإقامة والتوطن بل على سبيل العارية ليعاملنا ونعامله ثم يعود فلم يكن دخوله دار الإسلام دلالة التزامه حق الله سبحانه وتعالى خالصا بخلاف حد القذف لأنه لما طلب الأمان من المسلمين فقد التزم أمانهم عن الإيذاء بنفسه وظهر حكم الإسلام في حقه ثم يحد المسلمة والذمية عند أبي حنيفة رحمه الله وعند محمد رحمه الله لا يحد ويحد الذمي بلا خلاف وجه قول محمد رحمه الله أن الأصل فعل الرجل وفعلها يقع تبعا فلما لم يجب على الأصل لا يجب على التبع كالمطاوعة للصبي والمجنون وجه قول أبي حنيفة رحمه الله أن فعل الحربي حرام محض ألا ترى أنه يؤاخذ فكان زنا فكانت هي مزنيا بها إلا أن الحد لم يجب على الرجل لعدم التزامه أحكامنا وهذا أمر يخصه ويحد الذمي لأنه بالذمة والعهد التزم أحكام الإسلام مطلقا إلا في قدر ما وقع الاستثناء فيه ولم يوجد ههنا وكذلك وطء الحائض والنفساء والصائمة والمحرمة والمجنونة والموطوءة بشبهة والتي ظاهر منها أو آلى منها لا يوجب الحد وإن كان حراما لقيام الملك والنكاح فلم يكن زنا وكذلك وطء الجارية المشتركة والمجوسية والمرتدة والمكاتبة والمحرمة برضاع أو صهرية أو جمع لقيام الملك وإن كان حراما وعلم بالحرمة وكذلك وطء الأب جارية الابن لا يوجب الحد وإن علم بالحرمة لأن له في مال ابنه شبهة الملك وهو الملك من وجه أو حق الملك لقوله عليه الصلاة والسلام أنت ومالك لابيك فظاهر إضافة مال الابن إلى الأب بحرف اللام يقتضي حقيقة الملك فلئن تقاعد عن إفادة الحقيقة فلا يتقاعد على إيراث الشبهة أو حق الملك وكذلك وطء جارية المكاتب لأن المكاتب عندنا عبد ما بقي عليه درهم فكان مملوك المولى رقبة وملك الرقبة يقتضي ملك الكسب فإن لم يثبت مقتضاه حقيقة فلا أقل من الشبهة وكذلك وطء جارية العبد المأذون سواء كان عليه دين أو لم يكن أما إذا لم يكن عليه دين فظاهر لأنها ملك المولى وكذلك إن كان عليه دين لأن رقبة المأذون ملك المولى وملك الرقبة يقتضي ملك الكسب كما في جارية المكاتب بل ( ( ( وبل ) ) ) أولى لأن كسب المأذون أقرب إلى المولى من كسب المكاتب فلما لم يجب الحد هناك فههنا أولى ولأن هذا الملك محل الاجتهاد لأن العلماء اختلفوا فيه واختلافهم يورث شبهة فأشبه وطأ حصل في نكاح وهو محل الاجتهاد وذا لا يوجب الحد كذا هذا وكذلك وطء الجد أب الأب وإن علا عند عدم الأب بمنزلة وطء الأب لأن له ولادا فنزل منزلة الأب وكذلك الرجل من الغانمين إذا وطىء جارية من المغنم قبل القسمة بعد الإحراز بدار الإسلام أو قبله لا حد عليه وإن علم أن وطأها عليه حرام لثبوت الحق له بالاستيلاء لانعقاد سبب الثبوت فإن لم يثبت فلا أقل من ثبوت الحق فيورث شبهة ولو جاءت هذه الجارية بولد فادعاه لا يثبت نسبه منه لأن ثبوت النسب يعتمد الملك في المحل إما من كل وجه أو من وجه ولم يوجد قبل القسمة بل الموجود حق عام وأنه يكفي لسقوط الحد ولا يكفي لثبوت النسب وكذلك وطء امرأة تزوجها بغير شهود أو بغير ولي عند من لا يجيزه لا يوجب الحد لأن العلماء اختلفوا منهم من قال يجوز النكاح بدون الشهادة والولاية فاختلافهم يورث شبهة وكذلك إذا تزوج الغير أو مجوسية أو مدبرة أو أمة على حرة أو أمة بغير إذن مولاها أو العبد تزوج امرأة بغير إذن مولاها ( ( ( مولاه ) ) ) فوطئها لا حد عليه لوجود لفظ النكاح من الأهل في المحل وأنه يوجب شبهة
وكذلك إذا نكح محارمه أو الخامسة أو أخت امرأته فوطئها لا حد عليه عند أبي حنيفة وإن علم بالحرمة وعليه التعزير وعندهما والشافعي رحمهم الله تعالى عليه الحد والأصل عند أبي حنيفة عليه الرحمة أن النكاح إذا وجد من الأهل مضافا إلى محل قابل لمقاصد النكاح يمنع وجوب الحد سواء كان حلالا أو حراما وسواء كان التحريم مختلفا فيه أو مجمعا عليه وسواء ظن الحل فادعى الاشتباه أو علم بالحرمة والأصل عندهما أن النكاح إذا كان محرما على التأبيد أو كان تحريمه مجمعا عليه يجب الحد وإن لم يكن محرما على التأبيد أو كان تحريمه مختلفا فيه لا يجب عليه وجه قولهم أن هذا نكاح أضيف إلى غير محله فيلغو ودليل عدم المحلية أن محل النكاح هي المرأة المحللة لقوله سبحانه وتعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم والمحارم محرمات على التأبيد لقول الله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم الآية إلا أنه إذا ادعى الاشتباه وقال ظننت أنها تحل لي سقط الحد لأنه ظن أن صيغة لفظ النكاح من الأهل في المحل دليل الحل فاعتبر هذا الظن في حقه وإن لم يكن معتبرا حقيقة إسقاطا لما يدرأ بالشبهات وإذا لم يدع خلا الوطء عن الشبهة فيجب الحد وجه قول أبي حنيفة رحمه الله أن لفظ النكاح صدر من أهله مضافا إلى محله فيمنع وجوب الحد كالنكاح بغير شهود ونكاح المتعة ونحو ذلك ولا شك في وجود لفظ النكاح والأهلية والدليل على المحلية أن محل النكاح هو الأنثى من بنات سيدنا آدم عليه الصلاة والسلام النصوص والمعقول أما النصوص فقوله سبحانه فانكحوا ما طاب لكم من النساء وقوله سبحانه وتعالى ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وقوله سبحانه وتعالى وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى جعل سبحانه وتعالى النساء على العموم والإطلاق محل النكاح والزوجية وأما المعقول فلأن الأنثى من بنات سيدنا آدم عليه الصلاة والسلام محل صالح لمقاصد النكاح من السكنى والولد والتحصين وغيرها فكانت محلا لحكم النكاح لأن حكم التصرف وسيلة إلى ما هو المقصود من التصرف فلو لم يجعل محل المقصود محل الوسيلة لم يثبت معنى التوسل إلا أن الشرع أخرجها من أن تكون محلا للنكاح شرعا مع قيام المحلية حقيقة فقيام صورة العقد والمحلية يورث شبهة إذ الشبهة اسم لما يشبه الثابت وليس بثابت أو نقول وجد ركن النكاح والأهلية والمحلية على ما بينا إلا أنه فات شرط الصحة فكان نكاحا فاسدا والوطء في النكاح الفاسد لا يكون زنا بالإجماع وعلى هذا ينبغي أن يعلل فيقال هذا الوطء ليس بزنا فلا يوجب حد الزنا قياسا على النكاح بغير شهود وسائر الأنكحة الفاسدة ولو وطىء جارية الأب أو الأم فإن ادعى الاشتباه بأن قال ظننت أنها تحل لي لم يجب الحد وإن لم يدع يجب وهو تفسير شبهة الاشتباه وأنها تعتبر في سبعة مواضع في جارية الأب وجارية الأم وجارية المنكوحة وجارية المطلقة ثلاثا ما دامت في العدة وأم الولد ما دامت تعتد منه والعبد إذا وطىء جارية مولاه والجارية المرهونة إذا وطئها المرتهن في رواية كتاب الرهن وفي رواية كتاب الحدود يجب الحد ولا يعتبر ظنه أما إذا وطىء جارية أبيه أو أمه أو زوجته فلأن الرجل ينبسط في مال أبويه وزوجته وينتفع به من غير استئذان وحشمة عادة ألا ترى أنه يستخدم جارية أبويه ومنكوحته من غير استئذان فظن أن هذا النوع من الانتفاع مطلق له شرعا أيضا وهذا وإن لم يصلح دليلا على الحقيقة لكنه لما ظنه دليلا اعتبر في حقه لإسقاط ما يندرىء ( ( ( يندرئ ) ) ) بالشبهات وإذا لم يدع ذلك فقد عري الوطء عن الشبهة فتمحض حراما فيجب الحد ولا يثبت نسب الولد سواء ادعى الاشتباه ( ( ( بالاشتباه ) ) ) أو لا لأن ثبات النسب يعتمد قيام معنى في المحل وهو الملك من كل وجه أو من وجه ولم يوجد
ولو ادعى أحدهما الظن ولم يدع الآخر لا حد عليهما ما لم يقر ( ( ( يقرا ) ) ) جميعا أنهما قد علما بالحرمة لأن الوطء يقوم بهما جميعا فإذا تمكنت فيه الشبهة من أحد الجانبين فقد تمكنت من الجانب الآخر ضرورة وأما من سوى الأب والأم من سائر ذوي الرحم المحرم كالأخ والأخت ونحوهما إذا وطىء جاريته يجب الحد وإن قال ظننت أنها تحل لي لأن هذا دعوى الاشتباه في غير موضع الاشتباه لأن الإنسان لا ينبسط بالانتفاع بمال أخيه وأخته عادة فلم يكن هذا ظنا مستندا إلى دليل فلا يعتبر وكذلك إذا وطىء جارية ذات رحم محرم من امرأته لما قلنا أما إذا وطىء المطلقة ثلاثا في العدة فلأن النكاح قد زال في حق الحل أصلا لوجود المبطل لحل المحلية وهو الطلقات الثلاث وإنما بقي في حق الفراش والحرمة على الأزواج فقط فتمحض الوطء حراما فكان زنا فيوجب الحد إلا إذا ادعى الاشتباه وظن الحل لأنه بنى ظنه على نوع دليل وهو بقاء النكاح في حق الفراش وحرمة الأزواج فظن أنه بقي في حق الحل أيضا وهذا وإن لم يصلح دليلا على الحقيقة لكنه لما ظنه دليلا اعتبر في حقه درءا ( ( ( درأ ) ) ) لما يندرىء ( ( ( يندرئ ) ) ) بالشبهات وإن كان طلاقها واحدة بائنة لم يجب الحد وإن قال علمت أنها علي حرام لأن زوال الملك بالإبانة وسائر الكنايات مجتهد فيه لاختلاف الصحابة رضي الله عنهم فإن مثل سيدنا عمر رضي الله عنه يقول في الكنايات إنها رواجع وطلاق الرجعى لا يزيل الملك فاختلافهم يورث شبهة ولو خالعها أو طلقها على مال فوطئها في العدة ذكر الكرخي أنه ينبغي أن يكون الحكم فيه كالحكم في المطلقة ثلاثا وهو الصحيح لأن زوال الملك بالخلع والطلاق على مال مجمع عليه فلم تتحقق الشبهة فيجب الحد إلا إذا ادعى الاشتباه لما ذكرنا في المطلقة الثلاث وكذلك إذا وطىء أم ولده وهي تعتد منه بأن أعتقها لأن زوال الملك بالإعتاق مجمع عليه فلم تثبت الشبهة وأما العبد إذا وطىء جارية مولاه فإن العبد ينبسط في مال مولاه عادة بالانتفاع فكان وطؤه مستندا إلى ما هو دليل في حقه فاعتبر في حقه لإسقاط الحد وإذا لم يدع يحد لعراء الوطء عن الشبهة وأما المرتهن إذا وطىء الجارية المرهونة فوجه رواية كتاب الرهن أن يد المرتهن يد استيفاء الدين فصار المرتهن مستوفيا الدين من الجارية يدا فقد وطىء جارية هي مملوكة له يدا فلا يجب الحد كالجارية المبيعة إذا وطئها البائع قبل التسليم إلا إذا ادعى الاشتباه وقال ظننت أنها تحل لي لأنه استند ظنه إلى نوع دليل وهو ملك اليد فيعتبر في حقه درءا ( ( ( درأ ) ) ) للحد وإذا لم يدع فلا شبهة فلا يجب الحد وجه رواية كتاب الحدود أن الاستيفاء في باب الرهن إنما يتحقق من مالية الرهن لا من عينه لأن الاستيفاء لا يتحقق إلا في الجنس ولا مجانسة بين التوثيق وبين عين الجارية فلا يتصور الاستيفاء من عينها فلا يعتبر ظنه ولو وطىء البائع الجارية المبيعة قبل التسليم لا حد عليه وكذلك الزوج إذا وطىء الجارية التي تزوج عليها قبل التسليم لأن ملك الرقبة وإن زال بالبيع والنكاح فملك اليد قائم فيورث شبهة ولو وطىء المستأجر جارية الإجارة والمستعير جارية الإعارة والمستودع جارية الوديعة يحد وإن قال ظننت أنها تحل لي لأن هذا ظن عري عن دليل فكان في غير موضعه فلا يعتبر ولو زفت إليه غير امرأته وقلن النساء إن هذه امرأتك فوطئها لا حد عليه منهم من قال إنما لم يجب الحد لشبهة الاشتباه وهذا غير سديد فإنها إذا جاءت بولد يثبت النسب