Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
ولو شهدوا بشهادة قبل أن يجعلهم الإمام ذمة لم تجز شهادتهم لأنهم أهل الحرب فإن جعلهم ذمة فأعادوا الشهادة جازت لأن شهادة أهل الذمة مقبولة في الجملة فأما شهادة أهل الحرب فغير مقبولة أصلا وليس للإمام أن يمن على الأسير فيتركه من غير ذمة لا يقتله ولا يقسمه لأنه لو فعل ذلك لرجع إلى المنعة فيصير حربا علينا فإن قيل إن رسول الله من على الزبير بن باطا ( ( ( باطال ) ) ) من بني قريظة وكذا من على أهل خيبر فالجواب أنه ثبت أن رسول الله من على الزبير ولم يقتله إما لأنه لم يثبت أنه ترك بالجزية أم بدونها فاحتمل أنه تركه بالجزية وبعقد الذمة وأما أهل خيبر فقد كانوا أهل الكتاب فتركهم ومن عليهم ليصيروا كرة للمسلمين ويجوز المن لذلك لأن ذلك في معنى الجزية فيكون تركا بالجزية من حيث المعنى وهل للإمام أن يفادي الأسارى أما المفاداة بالمال فلا تجوز عند أصحابنا في ظاهر الروايات وقال محمد مفاداة الشيخ الكبير الذي لا يرجى له ولد تجوز وعند الشافعي رحمه الله تجوز المفاداة بالمال كيف ما كان واحتج بظاهر قوله عز وجل فإما منا بعد وإما فداء وقد فادى رسول الله أسارى بدر بالمال وأدنى درجات فعله عليه الصلاة والسلام الجواز والإباحة ولنا أن قتل الأسرى مأمور به لقوله تعالى فاضربوا فوق الأعناق وأنه منصرف إلى ما بعد الأخذ والاسترقاق لما قلنا وقوله سبحانه وتعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم والأمر بالقتل للتوسل إلى الإسلام فلا يجوز تركه إلا لما شرع له القتل وهو أن يكون وسيلة إلى الإسلام ولا يحصل معنى التوسل بالمفاداة فلا يجوز ترك المفروض لأجله ويحصل بالذمة والاسترقاق لما بينا فكان إقامة للفرض معنى لا تركا له ولأن المفاداة بالمال إعانة لأهل الحرب على الحراب لأنهم يرجعون إلى المنعة فيصيرون حربا علينا وهذا لا يجوز ومحمد رحمه الله يقول معنى الإعانة لا يحصل من الشيخ الكبير الذي لا يرجى منه ولد فجاز فداؤه بالمال ولكنا ( ( ( ولكننا ) ) ) نقول إن كان لا يحصل بهذا الطريق يحصل بطريق آخر وهو الرأي والمشورة وتكثير السواد وأما قوله تعالى فإما منا بعد وإما فداء فقد قال بعض أهل التفسير إن الآية منسوخة بقوله تبارك وتعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وقوله تبارك وتعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر الآية لأن سورة براءة نزلت بعد سورة محمد عليه الصلاة والسلام ويحتمل أن تكون الآية في أهل الكتاب فيمن عليهم بعد أسرهم على أن يصيروا كرة للمسلمين كما فعل رسول الله بأهل خيبر أو ذمة كما فعل سيدنا عمر رضي الله عنه بأهل السواد ويسترقون
وأما أسارى بدر فقد قيل إن رسول الله إنما فعل ذلك باجتهاده ولم ينتظر الوحي فعوتب عليه بقوله سبحانه وتعالى لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم حتى قال عليه السلام لو أنزل الله من السماء نارا ما نجى ( ( ( نجا ) ) ) إلا عمر رضي الله عنه يدل عليه قوله ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض على أحد وجهي التأويل أي ما كان لنبي أن يأخذ الفداء في الأسارى حتى يثخن في الأرض أي حتى يغلب في الأرض منعة عن أخذ الفذاء ( ( ( الفداء ) ) ) بها وأشار إلى أن ذلك ليغلب في الأرض إذ لو أطلقهم لرجعوا إلى المنعة وصاروا حربا على المسلمين فلا تتحق ( ( ( تتحقق ) ) ) الغلبة ويحتمل أن المفاداة كانت جائزة ثم انتسخت بقوله تبارك وتعالى فاضربوا فوق الأعناق وقوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وإنما عوتب عليه الصلاة والسلام بقوله تعالى لولا كتاب من الله سبق لا لخطر المفاداة بل لأنه عليه الصلاة والسلام لم ينتظر بلوغ الوحي وعمل باجتهاده أي لولا من حكم الله تعالى أن لا يعذب أحدا على العمل بالاجتهاد لمسكم العذاب بالعمل بالاجتهاد وترككم انتظار الوحي والله تعالى أعلم وكذا لا يجوز ( ( ( تجوز ) ) ) مفاداة الكراع والسلاح بالمال لأن كل ذلك يرجع إلى إعانتهم على الحرب وتجوز مفاداة أسارى المسلمين بالدراهم والدنانير والثياب ونحوها مما ليس فيها إعانة لهم على الحرب ولا يفادون بالسلاح لأن فيه إعانة لهم على الحرب والله تعالى أعلم وأما مفاداة الأسير بالأسير فلا تجوز عند أبي حنيفة عليه الرحمة وعند أبي يوسف ومحمد تجوز وجه قولهما أن في المفاداة إنقاذ المسلم وذلك أولى من إهلاك الكافر ولأبي حنيفة ما ذكرنا أن قتل المشركين فرض بقوله تعالى فاقتلوا المشركين وقوله تعالى فاضربوا فوق الأعناق فلا يجوز تركه إلا لما شرع له إقامة الفرض وهو التوسل إلى الإسلام لأنه لا يكون تركا معنى وذا لا يحصل بالمفاداة ويحصل بالذمة والاسترقاق فيمن يحتمل ذلك على ما بينا ولما ذكرنا أن فيها إعانة لأهل الحرب على الحرب لأنهم يرجعون إلى المنعة فيصيرون حربا على المسلمين ثم اختلف أبو يوسف ومحمد فيما بينهما قال أبو يوسف تجوز المفاداة قبل القسمة ولا تجوز بعدها وقال محمد تجوز في الحالين وجه قول محمد أنه لما جازت المفاداة قبل القسمة فكذا بعد القسمة لأن الملك إن لم يثبت قبل القسمة فالحق ثابت ثم قيام الحق لم يمنع جواز المفاداة فكذا قيام الملك وجه قول أبي يوسف أن المفاداة بعد القسمة إبطال ملك المقسوم له من غير رضاه وهذا لا يجوز في الأصل بخلاف ما قبل القسمة لأنه لا ملك قبل القسمة إنما الثابت حق غير متقرر فجاز أن يكون محتملا للإبطال بالمفاداة والله تعالى أعلم ولا يجوز أن يعطى رجل واحد من الأسارى ويؤخذ بدله رجلين من المشركين لأن كم من واحد يغلب اثنين وأكثر من ذلك فيؤدي إلى الإعانة على الحرب وهذا لا يجوز وإذا عزم المسلمون على قتل الأسارى فلا ينبغي أن يعذبوهم بالجوع والعطش وغير ذلك من أنواع التعذيب لأن ذلك تعذيب من غير فائدة وقد روي أن رسول الله قال في بني قريظة لا تجمعوا عليهم حر هذا اليوم وحر السلاح ولا تمثلوا بهم لقوله عليه الصلاة والسلام في وصايا الأمراء ولا تمثلوا ولا ينبغي للرجل أن يقتل أسير صاحبه لأنه لو ضرب اختصاص به حيث أخذه وأسره فلم يكن لغيره أن يتصرف فيه كما لو التقط شيئا والأفضل أن يأتي به الإمام إن قدر عليه حتى يكون الإمام هو الحكم فيه لتعلق حق الغزاة به فكان الحكم فيه للإمام وإنما يقتل من الأسارى من بلغ إما بالسن أو بالاحتلام على قدر ما اختلف فيه فأما من لم يبلغ أو شك في بلوغه فلا يقتل وكذا المعتوه الذي لا يعقل لما بينا من قبل
فلو قتل رجل من المسلمين أسيرا في دار الحرب أو في دار الإسلام فإن كان قبل القسمة فلا شيء فيه من دية ولا كفارة ولا قيمة لأن دمه غير معصوم قبل القسمة فإن للإمام فيه خيرة القتل وإن كان بعد القسمة أو بعد البيع فيراعى فيه حكم القتل لأن الإمام إذا قسمهم أو باعهم فقد صار دمهم معصوما فكان مضمونا بالقتل إلا أنه لا يجب القصاص لقيام شبهة الإباحة كالحربي المستأمن ثم ما ذكرنا من خيار القتل للإمام في الأسارى قبل القسمة إذا لم يسلموا فإن أسلموا قبل القسمة فلا يباح قتلهم لأن الإسلام عاصم وللإمام خياران فيهم إن شاء استرقهم فقسمهم وإن شاء تركهم أحرارا بالذمة إن كانوا بمحل الذمة والاسترقاق لأن الإسلام لا يرفع الرق إما لا يرفعه لأن الرفع فيه إبطال حق الغزاة وهذا لا يجوز وأما بيان قسمة الغنائم فنقول وبالله التوفيق القسمة نوعان قسمة حمل ونقل وقسمة ملك أما قسمة الحمل فهي إن عزت الدواب ولم يجد الإمام حمولة يفرق الغنائم على الغزاة فيحمل كل رجل على قدر نصيبه إلى دار الإسلام ثم يستردها منهم فيقسمها قسمة ملك وهذه القسمة جائزة بلا خلاف ولا تكون قسمة ملك كالمودعين يقتسمان الوديعة ليحفظ كل واحد منهما بعضها جاز ذلك وتكون قسمة ملك فكذا هذا وأما قسمة الملك فلا تجوز في دار الحرب عند أصحابنا وعند الشافعي رحمه الله تجوز وهذا الاختلاف مبني على أصل وهو أن الملك هل يثبت في الغنائم في دار الحرب للغزاة فعندنا لا يثبت الملك أصلا فيها لا من كل وجه ولا من وجه ولكن ينعقد سبب الملك فيها على أن تصير علة عند الإحراز ( ( ( الأحرار ) ) ) بدار الإسلام وهو تفسير حق الملك أو حق التملك عندنا وعنده يثبت الملك قبل الإحراز بدار الإسلام بعد الفراغ من القتال قولا واحدا وله في حال فور الهزيمة قولان ويبنى على هذا الأصل مسائل منها أنه إذا مات واحد من الغانمين في دار الحرب لا يورث نصيبه عندنا وعنده يورث والله تعالى أعلم ومنها أن المدد إذا لحق الجيش فأحرزوا الغنائم جملة إلى دار الإسلام يشاركونهم فيها عندنا وعنده لا يشاركونهم ومنها أنه إذا أتلف واحد من الغانمين شيئا من الغنيمة لا يضمن عندنا وعنده يضمن ومنها أن الإمام إذا باع شيئا من الغنائم لا لحاجة الغزاة لا يجوز عندنا وعنده يجوز ومنها أن الإمام إذا قسم الغنائم في دار الحرب مجازفا غير مجتهد ولا معتقد جواز القسمة لا تجوز عندنا وعنده تجوز فأما إذا رأى الإمام القسمة فقسمها نفذت قسمته بالإجماع وكذلك لو رأى البيع فباعها لأنه حكم أمضاه في محل الاجتهاد بالاجتهاد فينفذ وجه قول الشافعي رحمه الله ما روي أن رسول الله قسم غنائم خيبر بخيبر وقسم غنائم أوطاس بأوطاس وقسم غنائم بني المصطلق في ديارهم وقسم غنائم بدر بالجعرانة وهي واد من أودية بدر وأدنى ما يحمل عليه فعل النبي عليه الصلاة والسلام هو الجواز والإباحة ولأنه وجد الاستيلاء على مال مباح فيفيد الملك استدلالا بالاستيلاء على الحطب والحشيش ولا شك أن المستولى عليه مال مباح لأنه مال الكافر وإنه مباح والدليل على تحقق الاستيلاء أن الاستيلاء عبارة عن إثبات اليد على المحل وقد وجد ذلك حقيقة وإنكار الحقائق مكابرة ورجعة الكفار بعد انهزامهم واستردادهم أمر موهوم لا دليل عليه فلا يعتبر ولنا أن الاستيلاء إنما يفيد الملك إذا ورد على مال مباح غير مملوك ولم يوجد ههنا لأن ملك الكفرة قائم لأن ملك الكفرة كان ثابتا لهم والملك متى ثبت لإنسان لا يزول إلا بإزالته أو يخرج المحل من أن يكون منتفعا به حقيقة بالهلاك أو بعجز المالك عن الانتفاع به دفعا للتناقض فيما شرع الملك له ولم يوجد شيء من ذلك أما الإزالة وهلاك المحل فظاهر العدم
وأما قدرة الكفرة على الانتفاع بأموالهم فلأن الغزاة ما داموا في دار الحرب فالاسترداد ليس بنادر بل هو ظاهر أو محتمل احتمالا على السواء والملك كان ثابتا لهم فلا يزول مع الاحتمال وأما الأحاديث فأما غنائم خيبر وأوطاس والمصطلق فإنما قسمها رسول الله في تلك الديار لأنه افتتحها فصارت ديار الإسلام وأما غنائم بدر فقد روي أنه عليه الصلاة والسلام قسمها بالمدينة فلا يصح الاحتجاج به مع التعارض ثم الملك إن لم يثبت للغزاة في الغنائم في دار الحرب فقد ثبت الحق لهم حتى يجوز لهم الانتفاع بها من غير حاجة على ما نذكره ولولا تعلق الحق لجاز لأنه يكون مالا مباحا وكذا لو وطىء واحد من الغزاة جارية من المغنم لا يجب عليه الحد لأن له فيها حقا فأورث شبهة في درء الحد ولا يجب عليه العقر أيضا لأنه بالوطء أتلف جزءا من منافع بضعها ولو أتلفها لا يضمن فههنا ( ( ( فهاهنا ) ) ) أولى ولا يثبت النسب أيضا لو ادعى الولد لأن ثبات النسب معتمد الملك أو الحق الخاص ولا ملك ههنا والحق عام وكذا لو أسلم الأسير في دار الحرب لا يكون حرا ويدخل في القسمة لتعلق حق الغانمين به بنفس الأخذ والاستيلاء فاعتراض الإسلام عليه لا يبطله بخلاف ما إذا أسلم قبل الأسر أنه يكون حرا ولا يدخل في القسمة لأن عند الأخذ والأسر لم يتعلق به حق أحد فكان الإسلام دافعا الحق لا رافعا إياه على ما بينا وأما بعد الإحراز بدار الإسلام قبل القسمة فيثبت الملك أو يتأكد الحق ويتقرر لأن الاستيلاء الثابت انعقد سببا لثبوت الملك أو تأكد الحق على أن يصير علة عند وجود شرطها وهو الإحراز بدار الإسلام وقد وجد فتجوز القسمة ويجري فيه الإرث ويضمن المتلف وتنقطع شركة المدد ونحو ذلك إلا أنه لو أعتق واحد من الغانمين عبدا من المغنم لا ينفذ إعتاقه استحسانا لأن نفاذ الإعتاق يقف على الملك الخاص ولا يتحقق ذلك إلا بالقسمة فأما الموجود قبل القسمة فملك عام أو حق متأكد وأنه لا يحتمل الإعتاق لكنه يحتمل الإرث والقسمة ويكفي لإيجاب الضمان وانقطاع شركة المدد على ما بينا وكذلك لو استولد جارية من المغنم وادعى الولد لا تصير أم ولد استحسانا لما بينا أن إثبات النسب وأمومية الولد يقفان على ملك خاص وذلك بالقسمة أو حق خاص ولم يوجد ويلزمه العقر لأن الملك العام أو الحق الخاص يكون مضمونا بالإتلاف وأما بعد القسمة فيثبت الملك الخاص لكل واحد منهم في نصيبه لأن القسمة إفراز الأنصباء وتعيينها ولو قسم الإمام الغنائم فوقع عبد في سهم رجل فأعتقه لا شك أنه ينفذ إعتاقه لأن الإعتاق صادف ملكا خاصا فأما إذا وقع في سهم جماعة منهم عبد فأعتقه أحدهم ينفذ إعتاقه عند أبي حنيفة قل الشركاء أو كثروا وروي عن أبي يوسف إن كانوا عشرة أو أقل منها ينفذ إعتاقه وإن كانوا أكثر من ذلك لا ينفذ فأبو حنيفة رحمه الله نظر في خصوص الملك إلى القسمة وأبو يوسف إلى العدد والصحيح نظر أبي حنيفة لأن القسمة تمييز وتعيين فكانت قاطعة لعموم الشركة مخصصة للملك وإن كثر العدد والله أعلم ولو أخذ المسلمون غنيمة ثم غلبهم العدو فاستنقذوها من أيديهم ثم جاء عسكر آخر فأخذها من العدو فأخرجوها إلى دار الإسلام ثم اختصم الفريقان نظر في ذلك فإن كان الأولون لم يقتسموها ولم يحرزوها بدار الإسلام فالغنيمة للآخرين لأن الأولين لم يثبت لهم إلا مجرد حق غير متقرر وقد ثبت للآخرين ملك عام أو حق متقرر يجري مجرى الملك فكانوا أولى بالغنائم وإن كان الأولون قد اقتسموها فالقسمة لهم وإن كانوا لم يحرزوها بدار الإسلام لأنهم ملكوها بالقسمة ملكا خاصا فإذا غلبهم الكفار فقد استولوا على أملاكهم فإن وجدوها في يد الآخرين قبل القسمة أخذوها بغير شيء وإن وجدوها بعد القسمة أخذوها بالقيمة إن شاءوا كما في سائر أموالهم التي استولى عليها العدو ثم وجدوها في يد الغانمين قبل القسمة وبعدها
وإن كانوا لم يقتسموها ولكنهم أحرزوها بدار الإسلام فإن وجدوها بعد قسمة الآخرين فالآخرون أولى لأن الثابت لهم ملك خاص بالقسمة والثابت للأولين ملك عام أو حق متقرر عام فكان اعتبار الملك الخاص أولى وأما إذا وجدوها ( ( ( وجدها ) ) ) قبل قسمة الآخرين ففيه روايتان ذكر في الزيادات أن الأولين أولى وذكر في السير الكبير أن الآخرين أولى وجه رواية الزيادات أن الثابت لكل واحد من الفريقين وإن كان هو الحق المتأكد لكن نقض الحق بالحق جائز لأن الشيء يحتمل الانتقاض بمثله كما في النسخ ولهذا جاز نقض الملك بالملك وجه الرواية الأخرى أن حق الآخرين ثابت متقرر وحق الأولين زائل ذاهب فاستصحاب الحالة الثابتة أولى إذ هو يصلح للترجيح وهذا هو القياس في الملك فكان ينبغي أن لا ينتقض الحادث بالقديم إلا أن النقض هناك ثبت نصا بخلاف القياس فيقتصر على مورد النص هذا إذا كان الكفار أحرزوا الأموال بدار الحرب فإن كانوا لم يحرزوها حتى أخذها الفريق الآخر من المسلمين منهم في دار الإسلام فالغنائم للأولين سواء قسمها الآخرون أو لم يقسموها لأن الكفار لا يملكون أموال المسلمين بالاستيلاء إلا بعد الإحراز بدار الحرب ولم يوجد فكانت الغنائم في حكم يد الأولين ما دامت في دار الإسلام فكأن الآخرين ( ( ( الآخرون ) ) ) أخذوه من أيدي الأولين فيلزمهم الرد عليهم إلا إذا كان الإمام قسمها بين الآخرين ورأيه أن الكفرة قد ملكوها بنفس الأخذ والاستيلاء وإن كانوا في دار الإسلام كما هو مذهب بعض الناس فكانت قسمة في محل الاجتهاد فتنفذ وتكون للآخرين والله تعالى أعلم هذا الذي ذكرنا من كون الإحراز بدار الإسلام شرطا لثبوت الملك في الغنائم المشتركة وأما الغنائم الخالصة وهي الأنفال فهل هو شرط فيها قال بعض المشايخ إنه شرط عند أبي حنيفة حتى لا يثبت الملك بينهما فيها قبل الإحراز بدار الإسلام وعند محمد ليس بشرط فيثبت الملك فيها بنفس الأخذ والإصابة استدلالا بمسألة ظهر فيها اختلاف وهي أن الإمام إذا نفل فقال من أصاب جارية فهي له فأصاب رجل من المسلمين جارية فاستبرأها في دار الحرب بحيضة لا يحل له وطؤها عند أبي حنيفة وعند محمد يحل وقال بعضهم الإحراز بالدار ليس بشرط لثبوت الملك في الأنفال بالإجماع واختلافهما في تلك المسألة لا يدل على الاختلاف في ثبوت الملك لأنه كما ظهر الاختلاف بينهما في النفل فقد ظهر الاختلاف في الغنيمة المقسومة فإن الإمام إذا قسم الغنائم في دار الحرب فأصاب رجل جارية فاستبرأها بحيضة فهو على الاختلاف وكذا لو رأى الإمام بيع الغنائم فباع من رجل جارية فاستبرأها المشتري بحيضة فهو على الاختلاف ولا خلاف بين أصحابنا في الغنائم المقسومة أنه لا يثبت الملك فيها قبل الإحراز بدار الإسلام دل أن منشأ الخلاف هناك شيء آخر وراء ثبوت الملك وعدمه والصحيح أن ثبوت الملك في النفل لا يقف على الإحراز بدار الإسلام بين أصحابنا بخلاف الغنائم المقسومة لأن سبب الملك قد تحقق وهو الأخذ والاستيلاء ولا يجوز تأخير الحكم عن سبب إلا لضرورة وفي الغنائم المقسومة ضرورة وهي خوف شر الكفرة لأنه لو ثبت الملك بنفس الأخذ لاشتغلوا بالقسمة ولتسارع كل أحد إلى إحراز نصيبه بدار الإسلام وتفرق الجمع وفيه خوف توجه الشر عليهم من الكفرة فتأخر الملك فيها إلى ما بعد الإحراز بدار الإسلام لهذه الضرورة وهذه الضرورة منعدمة في الأنفال لأنها خالصة غير مقسومة فلا معنى لتأخير الحكم عن السبب والدليل على التفرقة بينهما أن المدد إذا لحق الجيش لا يشارك المنفل له كما بعد الإحراز بالدار بخلاف الغنيمة المقسومة وكذا لو مات المنفل له يورث نصيبه كما لو مات بعد الإحراز بالدار بخلاف الغنيمة المقسومة فيثبت بهذه الدلائل أن الملك في النفل لا يقف على الإحراز بالدار بلا خلاف بين أصحابنا إلا أن هذا النوع من الملك لا يظهر في حق حل الوطء عند أبي حنيفة رحمه الله وهذا لا يدل على عدم الملك أصلا
ألا ترى أن حل الوطء قد يمتنع مع قيام الملك لعوارض من الحيض والنفاس والمحرمية والصهرية ونحو ذلك ثم إنما لم يثبت الحل هناك مع ثبوت الملك لأنه ملك متزلزل غير متقرر لاحتمال الزوال ساعة فساعة لأن الدار دارهم فكان احتمال الاسترداد قائما ومتى استردوا يرتفع السبب من حيث ( ( ( حين ) ) ) وجوده ويلتحق بالعدم إما من كل وجه أو من وجه فتبين أن الوطء لم يصادف محله وهو الملك المطلق ولهذا والله تعالى أعلم قال أبو حنيفة رضي الله عنه إنه لا يحل وطؤها بعد قسمة الإمام وبيعه إذا رأى ذلك وإن وقعت قسمته جائزة وبيعه نافذا مفيدا للملك في هذه الصورة كما ذكرنا من المعنى والله سبحانه وتعالى أعلم وأما بيان ما يجوز به الانتفاع من الغنائم وما لا يجوز فالكلام فيه في موضعين أحدهما في بيان ما ينتفع به منها والثاني في بيان من ينتفع به أما الأول فلا بأس بالانتفاع بالمأكول والمشروب والعلف والحطب منها قبل الإحراز بدار الإسلام فقيرا كان المنتفع أو غنيا لعموم الحاجة إلى الانتفاع بذلك في حق الكل فإنهم لو كلفوا حملها من دار الإسلام إلى دار الحرب مدة ذهابهم وإيابهم ومقامهم فيها لوقعوا في حرج عظيم بل يتعذر عليهم ذلك فسقط اعتبار حق كل واحد من الغانمين في حق صاحبه والتحق بالعدم شرعا والتحقت هذه المحال بالمباحات الأصلية لهذه الضرورة وكذلك كل ما كان مأكولا مثل السمن والزيت والخل لا بأس أن يتناول الرجل ويدهن به نفسه ودابته لأن الحاجة إلى الانتفاع بهذه الأشياء قبل الإحراز بدار الإسلام لازمة وما كان من الأدهان لا يؤكل مثل البنفسج والخيري فلا ينبغي أن ينتفع به لأن الانتفاع به ليس من الحاجات اللازمة بل من الحاجات الزائدة ولا ينبغي أن يبيعوا شيئا من الطعام والعلف وغير ذلك مما يباح الانتفاع به بذهب ولا فضة ولا عروض لأن إطلاق الانتفاع وإسقاط اعتبار الحقوق وإلحاقها بالعدم للضرورة التي ذكرنا ولا ضرورة في البيع ولأن محل البيع هو المال المملوك وهذا ليس بمال مملوك لأن الإحراز بالدار شرط ثبوت الملك ولم يوجد فإن باع رجل شيئا رد الثمن إلى الغنيمة لأن الثمن بدل مال تعلق به حق الغانمين فكان مردودا إلى المغنم ولو أحرزوا شيئا من ذلك بدار الإسلام وهو في أيديهم وإن كانت لم تقسم الغنائم ردوها إلى المغنم لاندفاع الضرورة وإن كانت قد قسمت الغنيمة فإن كانوا أغنياء تصدقوا به على الفقراء وإن كانوا فقراء انتفعوا به لتعذر قسمته على الغزاة لكثرتهم وقلته فأشبه اللقطة والله سبحانه أعلم هذا إذا كانت قائمة بعد القسمة فإن كان انتفع بها بعد القسمة فإن كان غنيا تصدق بقيمته على الفقراء لأنه أكل مالا لو كان قائما لكان سبيله التصدق لكونه مالا يتعلق به حق الغانمين وتعذر صرفه إليهم لقلته وكثرتهم فيقوم بدله مقامه وهو قيمته وإن كان فقيرا لم يجب عليه شيء لأنه أكل مالا لو كان قائما لكان له أن يأكله والله سبحانه وتعالى أعلم وأما ما سوى المأكول والمشروب والعلف والحطب فلا ينبغي أن ينتفعوا به لأن حق الغانمين متعلق به وفي الانتفاع إبطال حقهم إلا أنه إذا احتاج إلى استعمال شيء من السلاح أو الدواب أو الثياب فلا بأس باستعماله بأن انقطع سيفه فلا بأس بأن يأخذ سيفا من الغنيمة فيقاتل به لكنه إذا استغنى عنه رده إلى المغنم وكذا إذا احتاج إلى ركوب فرس أو لبس ثوب إذا دفع حاجته بذلك رده إلى المغنم لأن هذا موضع الضرورة أيضا لكن الثابت بالضرورة لا يتعدى محل الضرورة حتى إنه لو أراد أن يستعمل شيئا من ذلك وقاية لسلاحه ودوابه وثيابه وصيانة لها فلا ينبغي له ذلك لانعدام تحقق الضرورة وهكذا إذا ذبحوا البقر أو الغنم وأكلوا اللحم وردوا الجلود إلى المغنم لأن الانتفاع به ليس من الحاجات اللازمة والله أعلم
وأما بيان من ينتفع بالغنائم فنقول إنه لا ينتفع بها إلا الغانمون فلا يجوز للتجار أن يأكلوا شيئا من الغنيمة إلا بثمن لأن سقوط اعتبار حق كل واحد من الغانمين في حق صاحبه لمكان الضرورة ولا يجوز إسقاط اعتبار الحقيقة من غير ضرورة ولا ضرورة في حق غيرهم وللغانمين أن يأكلوا ويطعموا عبيدهم ونساءهم وصبيانهم لأن إنفاق الرجل على هؤلاء إنفاق على نفسه لأن نفقتهم عليه والأصل أن كل من عليه نفقته فله أن يطعمه ومن لا فلا ولا يجوز لأجير الرجل للخدمة أن يأكل منه لأن نفقته على نفسه لا عليه وللمرأة إذا دخلت دار الحرب لمداواة المرضى والجرحى أن تأكل وتعلف دابتها وتطعم رقيقها لأن المرأة تستحق الرضخ من الغنيمة فكانت من الغانمين والله سبحانه وتعالى أعلم وأما بيان كيفية قسمة الغنائم وبيان مصارفها فنقول وبالله التوفيق الغنائم تقسم على خمسة أسهم منها وهو خمس الغنيمة لأربابه وأربعة أخماسها للغانمين أما الخمس فالكلام فيه في بيان كيفية قسمة الخمس وفي بيان مصرفه فنقول لا خلاف في أن خمس الغنيمة في حال حياة النبي عليه الصلاة والسلام كان يقسم على خمسة أسهم سهم للنبي عليه الصلاة والسلام وسهم لذوي القربى وسهم لليتامى وسهم للمساكين وسهم لأبناء السبيل قال الله تبارك وتعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل وإضافة الخمس إلى الله تعالى يحتمل أن يكون لكونه مصروفا إلى وجوه القرب التي هي لله تبارك وتعالى وهي قوله سبحانه وتعالى وللرسول ولذي القربى الآية على ما تضاف المساجد والكعبة إلى الله سبحانه وتعالى لكونها مواضع إقامة العبادات والقرب التي هي لله تعالى ويحتمل أن يكون تعظيما للخمس على ما هو ( ( ( بينا ) ) ) الأصل ( ( ( والأصل ) ) ) في إضافة جزئية الأشياء إلى الله سبحانه وتعالى أنها تخرج مخرج تعظيم المضاف كقوله ناقة الله وبيت الله ويحتمل أن يكون لخلوصه لله تعالى بخروجه عن تصرف الغانمين كقوله تعالى الملك يومئذ لله والملك في كل الأيام كلها لله تعالى لكن خص سبحانه وتعالى ذلك اليوم بالملك له فيه لانقطاع تصرف الأغيار والله تعالى أعلم ثم اختلف العلماء في سهم رسول الله وفي سهم ذوي القربى بعد وفاته أما سهم رسول الله فقد قال علماؤنا رحمهم الله إنه سقط بعد وفاته عليه الصلاة والسلام وقال الشافعي رحمه الله إنه لم يسقط ويصرف إلى الخلفاء لأنه عليه الصلاة والسلام إنما كان يأخذه كفاية له لاشتغاله بمصالح المسلمين والخلفاء بعده مشغولون بذلك فيصرف سهمه إليهم كفاية لهم ولنا أن ذلك الخمس كان خصوصية له عليه الصلاة والسلام كالصفي الذي كان له خاصة والفيء وهو المالية الذي لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب ثم لم يكن لأحد خصوص من الفيء والصفي فكذا يجب أن لا يكون لأحد خصوص من الخمس ولهذا لم يكن للخلفاء الراشدين بعده يحققه أنه لو بقي بعده لكان بطريق الإرث وقد قال عليه الصلاة والسلام إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة وأما سهم ذوي القربى فقد قال الشافعي رحمه الله إنه باق ويصرف إلى أولاد بني هاشم من أولاد سيدتنا فاطمة رضي الله تعالى عنها وغيرها يستوي فيه فقيرهم وغنيهم وأما عندنا فعلى الوجه الذي كان بقي واختلف المشايخ فيه أنه كيف كان والصحيح أنه كان لفقراء القرابة دون أغنيائهم يعطون لفقرهم وحاجتهم لا لقرابتهم وقد بقي كذلك بعد وفاته فيجوز أن يعطي فقراء قرابته عليه الصلاة والسلام كفايتهم دون أغنيائهم ويقدمون على غيرهم من الفقراء ويجاوز لهم من الخمس أيضا لما لاحظ لهم من الصدقات لكن يجوز أن يعطي غيرهم من فقراء المسلمين دونهم فيقسم الخمس عندنا على ثلاثة أسهم سهم لليتامى وسهم للمساكين وسهم لأبناء السبيل ويدخل فقراء ذوي القربى فيهم ويقدمون ولا يدفع إلى أغنيائهم شيء وعند الشافعي رحمه الله لذوي القربى سهم على حدة يصرف إلى غنيهم وفقيرهم
احتج الشافعي رحمه الله بقوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى الآية فإن الله تعالى جعل سهما لذوي القربى وهم القرابة من غير فصل بين الفقير والغني وكذا روي أنه عليه الصلاة والسلام قسم الخمس على خمسة أسهم وأعطى سهما منها لذوي القربى ولم يعرف له ناسخ في حال حياته ولا نسخ بعد وفاته ولنا ما رواه محمد بن الحسن في كتاب السير أن سيدنا أبا بكر وسيدنا عمر وسيدنا عثمان وسيدنا عليا رضي الله عنهم قسموا الغنائم على ثلاثة أسهم سهم لليتامى وسهم للمساكين وسهم لأبناء السبيل بمحضر من الصحابة الكرام ولم ينكر عليهم أحد فيكون إجماعا منهم على ذلك وبه تبين أن ليس المراد من ذوي القربى قرابة الرسول عليه الصلاة والسلام إذ لا يظن بهم مخالفة كتاب الله تعالى ومخالفة رسوله عليه الصلاة والسلام في فعله ومنع الحق عن المستحق وكذا لا يظن بمن حضرهم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم السكوت عما لا يحل مع ما وصفهم الله تعالى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكذا ظاهر الآية الشريفة يدل عليه لأن اسم ذوي القربى يتناول عموم القرابات ألا ترى إلى قوله تعالى للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ولم يفهم منه قرابة الرسول خاصة وكذا قوله الوصية للوالدين والأقربين لم ينصرف إلى قرابة رسول الله وما روي أنه قسم عليه الصلاة والسلام الخمس على خمسة أسهم فأعطى عليه السلام ذا القربى سهما فنعم لكن الكلام في أنه أعطاهم خاصة وكذا قوله الوصية للوالدين والأقربين ولم ينصرف إلى قرابة الرسول لفقرهم وحاجتهم أو لقرابتهم وقد علمنا بقسمة الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم أنه أعطاهم لحاجتهم وفقرهم لا لقرابتهم والدليل عليه أنه عليه الصلاة والسلام كان يشدد في أمر الغنائم فتناول من وبر بعير وقال ما يحل لي من غنائمكم ولا وزن هذه الوبرة إلا الخمس وهو مردود فيكم ردوا الخيط والمخيط فإن الغلول عار ونار وشنار على صاحبه يوم القيامة لم يخص عليه الصلاة والسلام القرابة بشيء من الخمس بل عم المسلمين جميعا بقوله عليه الصلاة والسلام والخمس مردود فيكم فدل أن سبيلهم سبيل سائر فقراء المسلمين يعطي من يحتاج منهم كفايته والله أعلم ولو أعطى أي فريق اتفق ممن سماهم الله تعالى جاز لأن ذكر هؤلاء الأصناف لبيان المصارف لا لإيجاب الصرف إلى كل صنف منهم شيئا بل لتعيين المصرف حتى لا يجوز الصرف إلى غير هؤلاء كما في الصدقات والله تعالى أعلم وأما الكلام في الأربعة الأخماس ففي موضعين في بيان من يستحق السهم منها ومن لا يستحق وفي بيان مقدار الاستحقاق أما الأول فالذي يستحق السهم منها هو الرجل المسلم المقاتل وهو أن يكون من أهل القتال ودخل دار الحرب على قصد القتال وسواء قاتل أو لم يقاتل لأن الجهاد والقتال إرهاب العدو وذا كما يحصل بمباشرة القتل يحصل بثبات القدم في صف القتال ردا للمقاتلة خشية كر العدو عليهم وكذا روي أن أصحاب بدر كانوا أثلاثا ( ( ( ثلاثا ) ) ) ثلث في نحر العدو يقتلون ( ( ( ويقتلون ) ) ) ويأسرون وثلث يجمعون الغنائم وثلث يكونون ردءا ( ( ( ردا ) ) ) لهم خشية كر العدو عليهم وسواء كان مريضا أو صحيحا شابا أو شيخا حرا أو عبدا مأذونا بالقتال لأنهم من أهل القتال فأما المرأة والصبي العاقل والذمي والعبد المحجور فليس لهم سهم كامل لأنهم ليسوا من أهل القتال ألا ترى أنه لا يجب القتال على الصبي والذمي أصلا ولا يجب على المرأة والعبد إلا عند الضرورة وهي ضرورة عموم النفير ولذلك لم يستحقوا كمال السهم ولكن يرضخ لهم على حسب ما يرى الإمام وكذا روي أنه عليه الصلاة والسلام كان لا يعطي العبيد والصبيان والنسوان سهما كاملا من الغنائم
وكذا لا سهم للتاجر لأنه لم يدخل الدار على قصد القتال إلا إذا قاتل مع العسكر فإنه يستحق ما يستحقه العسكر لأنه تبين أنه دخل الدار على قصد القتال فكان مقاتلا ولا سهم للأجير لانعدام الدخول على قصد القتال فإن قاتل نظر في ذلك إن ترك الخدمة فقد دخل في جملة العسكر وإن لم يترك فلا شيء له أصلا لأنه إذا لم يترك تبين أنه لم يدخل على قصد القتال والله سبحانه وتعالى أعلم وأما بيان مقدار الاستحقاق وبيان حال المستحق وهو المقاتل فنقول وبالله التوفيق المقاتل إما أن يكون راجلا وإما أن يكون فارسا فإن كان راجلا فله سهم واحد وإن كان فارسا فله سهمان عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله له ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه وبه أخذ الشافعي رحمه الله وروايات الأخبار تعارضت في الباب روي في بعضها أنه عليه الصلاة والسلام قسم للفارس سهمين وفي بعضها أنه عليه الصلاة والسلام قسم له ثلاثة أسهم إلا أن رواية السهمين عاضدها القياس وهو أن الرجل أصل في الجهاد والفرس تابع له لأنه آلة ألا ترى أن فعل الجهاد يقوم بالرجل وحده ولا يقوم بالفرس وحده فكان الفرس تابعا في باب الجهاد ولا يجوز تنفيل التبع على الأصل في السهم وأخبار الآحاد إذا تعارضت فالعمل بما عاضده القياس أولى والله سبحانه وتعالى أعلم ويستوي فيه العتيق من الخيل والفرس والبرذون لأنه لا فضل في النصوص بين فارس وفارس ولأن استحقاق سهم الفرس لحصول إرهاب العدو به والله سبحانه وتعالى وصف جنس الخيل بذلك بقوله تبارك وتعالى ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم فلا يفصل بين نوع ونوع ولا يسهم لأكثر من فرس واحد عند أبي حنيفة ومحمد وزفر رحمهم الله وعند أبي يوسف يسهم لفرسين وجه قول أبي يوسف رحمه الله أن الغازي تقع الحاجة له إلى فرسين يركب أحدهما ويجنب الآخر حتى إذا أعيى ( ( ( أعيا ) ) ) المركوب عن الكر والفر تحول إلى الجنيبة وجه قولهم أن الإسهام للخيل في الأصل ثبت على مخالفة القياس لأن الخيل آلة الجهاد ثم لا يسهم لسائر آلات الجهاد فكذا الخيل إلا أن الشرع ورد به كفرس واحد فالزيادة على ذلك ترد إلى أصل القياس على أن ورود الشرع إن كان معلولا بكونه آلة مرهبة للعدو بخلاف سائر الآلات فالمعتبر هو أصل الإرهاب بدليل أنه لا يسهم لما زاد على فرسين بالإجماع مع أن معنى الإرهاب يزداد بزيادة الفرس ثم اختلف في حال المقاتل من كونه فارسا أو راجلا في أي وقت يعتبر وقت دخوله دار الحرب أم وقت شهود الوقعة فعندنا يعتبر وقت دخول دار الحرب إذا دخلها على قصد القتال وعند الشافعي رحمه الله يعتبر وقت شهود الوقعة حتى إن الغازي إذا دخل دار الحرب فارسا فمات فرسه أو نفر أو أخذه العدو فله سهم الفرسان عندنا وعنده له سهم الرجالة واحتج بما روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه قال الغنيمة لمن شهد الوقعة ولأن استحقاق الغنيمة بالجهاد ولم يوجد وقت دخول دار الحرب لأن الجهاد بالمقاتلة ودخول دار الحرب من باب قطع المسافة لا من باب المقاتلة ولنا أن الله تبارك وتعالى جعل الغنائم للمجاهدين
قال سبحانه وتعالى فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا وقال تعالى عز شأنه واعلموا أنما غنمتم من شيء وقال جلت عظمته وكبرياؤه وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها وقال سبحانه وتعالى وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وغير ذلك من النصوص والذي جاوز الدرب فارسا على قصد القتال مجاهد لوجهين أحدهما أن المجاوزة على هذا الوجه إرهاب العدو وأنه جهاد والدليل على أنه إرهاب العدو وأنه جهاد قوله عز وجل ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ولأن دار الحرب لا تخلو عن عيون الكفار وطلائعهم فإذا دخلها جيش كثيف رجالا وركبانا فالجواسيس يخبرونهم بذلك فيقع الرعب في قلوبهم حتى يتركوا القرى والرساتيق هرابا ( ( ( هربا ) ) ) إلى القلاع والحصون المنيعة فكان مجاوزة الدرب على قصد القتال إرهاب العدو وأنه جهاد والثاني أن فيه غيظ الكفرة وكبتهم لأن وطء أرضهم وعقر دارهم مما يغيظهم قال الله تبارك وتعالى ولا يطؤون ( ( ( يطئون ) ) ) موطئا يغيظ الكفار وفيه قهرهم وما الجهاد إلا قهر أعداء الله تعالى لإعزاز دينه وإعلاء كلمته فدل أن مجاوزة الدرب فارسا على قصد القتال جهاد ومن جاهد فارسا فله سهم الفرسان ومن جاهد راجلا فله سهم الرجالة بقوله عليه الصلاة والسلام للفارس سهمان وللراجل سهم وأما أمر سيدنا عمر رضي الله عنه فيحتمل أنه قال ذلك في وقعة خاصة بأن وقع القتال في دار الإسلام أو في أرض فتحت عنوة وقهرا ثم لحق المدد أو يحمل على هذا توفيقا بين الدلائل بقدر الإمكان صيانة لها عن التناقض ونحن به نقول إن المدد لا يشاركونهم في الغنيمة في تلك الوقعة إلا إذا شهدوها ولا كلام فيه وعلى هذا إذا دخل راجلا ثم اشترى فرسا أو استأجر أو استعار أو وهب له فله سهم الرجال عندنا لاعتبار وقت الدخول وعند الشافعي له سهم الفرسان لاعتبار وقت الشهود وقال الحسن رحمه الله في هذه الصورة إذا قاتل فارسا فله سهم فارس وعلى هذا إذا دخل فارسا ثم باع فرسه أو آجره أو وهبه أو أعاره فقاتل وهو راجل فله سهم راجل ذكره في السير الكبير وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله أن له سهم فارس وسوى على هذه الرواية بين البيع والموت وبين البيع قبل شهود الوقعة وبعدها والصحيح جواب ظاهر الرواية لأن المجاوزة فارسا على قصد القتال دليل الجهاد فارسا ولما باع فرسه تبين أنه لم يقصد به الجهاد فارسا بل قصد به التجارة وكذا هذا في الإجارة والإعارة والرهن بخلاف ما بعد شهود الوقعة لأن البيع بعده لا يدل على قصد التجارة لأن الغازي لا يبيع فرسه ذلك الوقت لقصد التجارة عادة بل لقصد ثبات القدم والتشمر للقتال بعامة ما في وسعه وإمكانه والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما بيان حكم الاستيلاء من الكفرة على أموال المسلمين فالكلام فيه في موضعين أحدهما في بيان أصل الحكم والثاني في بيان كيفيته أما الأول فنقول لا خلاف في أن الكفار إذا دخلوا دار الإسلام واستولوا على أموال المسلمين ولم يحرزوها بدارهم أنهم لا يملكونها حتى لو ظهر عليهم المسلمون وأخذوا ما في أيديهم لا يصير ملكا لهم وعليهم ردها إلى أربابها بغير شيء وكذا لو قسموها في دار الإسلام ثم ظهر عليهم المسلمون فأخذوها من أيديهم أخذها أصحابها بغير شيء لأن قسمتهم لم تجز لعدم الملك فكان وجودها والعدم بمنزلة واحدة بخلاف قسمة الإمام الغنائم في دار الحرب أنها جائزة وإن لم يثبت الملك فيها في دار الحرب لأن قسمة الإمام إنما تجوز عندنا إذا اجتهد وأفضى رأيه إلى الملك حتى لو قسم مجازفة لا تجوز على أن القسمة هناك قضاء صدر من إمام جائز القضاء ولم يوجد ههنا ولا خلاف في أنهم أيضا إذا استولوا على رقاب المسلمين ومدبريهم وأمهات أولادهم ومكاتبيهم أنهم لا يملكونهم وإن أحرزوهم بالدار واختلف فيما إذا دخلوا دار الإسلام فاستولوا على أموال المسلمين وأحرزوها بدار الحرب
قال علماؤنا يملكونها حتى لو كان المستولى عليه عبدا فأعتقه الحربي أو باعه أو كاتبه أو دبره أو كانت أمة فاستولدها جاز ذلك خاصة وقال الشافعي رحمه الله لا يملكونها وجه قوله أنهم استولوا على مال معصوم والاستيلاء على مال معصوم لا يفيد الملك كاستيلاء المسلم على مال المسلمين واستيلائهم على الرقاب وإنما قلنا ذلك لأن عصمة مال المسلم ثابتة في حقهم لأنهم يخاطبون بالحرمات إذا بلغتهم الدعوة وإن اختلفا في العبادات والاستيلاء يكون محظورا والمحظور لا يصلح سببا للملك ولنا أنهم استولوا على مال مباح غير مملوك ومن استولى على مال مباح غير مملوك يملكه كمن استولى على الحطب والحشيش والصيد ودلالة أن هذا الاستيلاء على مال مباح غير مملوك إن ملك المالك يزول بعد الإحراز بدار الحرب فتزول العصمة ضرورة بزوال الملك والدليل على زوال الملك أن الملك هو الاختصاص بالمحل في حق التصرف أو شرع للتمكن من التصرف في المحل وقد زال ذلك بالإحراز بالدار لأن المالك لا يمكنه الانتفاع به إلا بعد الدخول ولا يمكنه الدخول بنفسه لما فيه من مخاطرة الروح وإلقاء النفس في التهلكة وغيره قد لا يوافقه ولو وافقه فقد لا يظفر به ولو ظفر به قلما يمكنهم الاسترداد لأن الدار دارهم وأهل الدار يذبون عن دارهم فإذا زال معنى الملك أو ما شرع له الملك يزول الملك ضرورة وكذلك لو استولوا على عبيدنا فهو على هذا الاختلاف لأن العبد مال قابل للتمليك بالاستيلاء ولهذا يحتمل التملك بسائر أسباب الملك بخلاف الأحرار والمدبرين والمكاتبين وأمهات الأولاد وهذا إذا دخلوا دار الإسلام فاستولوا على عبيد المسلمين وأحرزوهم بدار الحرب فأما إذا أبق عبد أو أمة ولحق بدار الحرب فأخذه الكفار لا يملكونه عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد يملكونه وجه قولهما أنهم استولوا على مال مباح غير مملوك فيملكونه قياسا على الدابة التي ندت من دار الإسلام إلى دار الحرب فأخذها الكفار وسائر أموال المسلمين التي استولوا عليها والدليل على أنهم استولوا على مال مباح غير مملوك أنه كما دخل دار الحرب فقد زال ملك المالك لما ذكرنا في المسألة الأولى وزوال الملك لا يوجب زوال المالية ألا ترى أنه لا يوجب زوال الرق وجه قول أبي حنيفة أن الاستيلاء لم يصادف محله فلا يفيد الملك قياسا على الاستيلاء على الأحرار والمدبرين والمكاتبين وأمهات الأولاد ودلالة أن الاستيلاء لم يصادف محله أن محل الاستيلاء هو المال ولم يوجد لأن المالية في هذا المحل إنما ثبتت ضرورة ثبوت الملك للغانمين لأن الأصل فيه هو الحرية وكما دخل دار الحرب فقد زال الملك كما ذكرنا في المسألة المتقدمة فتزول المالية الثابتة ضرورة ثبوته فكان ينبغي أن يزول الرق أيضا إلا أنه بقي شرعا بخلاف القياس فيقتصر على مورد النص بخلاف الدابة لأن المالية فيها لا تثبت ضرورة ثبوت الملك لأنها مال والأموال كلها محل لثبوت الملك وبخلاف الآبق المتردد في دار الإسلام لأن الاستيلاء حقيقة صادفه وهو مال مملوك فكان ينبغي أن يثبت الملك للحال لوجود سببه إلا أنه تأخر إلى وقت الإحراز بالدار لمانع وهو ملك المالك فإذا أحرزوه بدارهم فقد زال المانع لزوال الملك فيعمل الاستيلاء السابق وعمله في إثبات الملك والملك لا يثبت إلا في المال فبقيت المالية ضرورة المرء هنا لاستيلاء حال كونه مالا أصلا وبعدما وجد الاستيلاء لا مالية لزوال الملك فلم يصادف الاستيلاء محله فلا يفيد الملك والله سبحانه وتعالى أعلم
وأما بيان كيفية الحكم فنقول ملك المسلم يزول عن ماله باستيلاء الكفار عليه ويثبت لهم عندنا على وجه له حق الإعادة إما بعوض أو بغير عوض حتى لو ظهر عليهم المسلمون فأخذوها وأحرزوها بدار الإسلام فإن وجده المالك القديم قبل القسمة أخذه بغير شيء سواء كان من ذوات القيم أو من ذوات الأمثال وإن وجده بعد القسمة فإن كان من ذوات الأمثال لا يأخذه لأنه لو أخذه لأخذه بمثله فلا يفيد وإن لم يكن من ذوات الأمثال يأخذه بقيمته إن شاء لأن الأخذ بالقيمة مراعاة الجانبين جانب الملك القديم بإيصاله إلى قديم ملكه الخاص المأخوذ منه بغير عوض وجانب الغانمين بصيانة ملكهم الخاص عن الزوال من غير عوض فكان الأخذ بالقيمة نظرا للجانبين ومراعاة الحقين بخلاف ما إذا وجده قبل القسمة أنه يأخذه بغير شيء لأن الثابت للغانمين قبل القسمة بعد الإحراز ليس إلا الحق المتأكد أو الملك العام فكانت الإعادة إلى قديم الملك رعاية للملك الخاص أولى وقد روي أن بعيرا لرجل من المسلمين استولى عليه أهل الحرب ثم ظهر عليهم المسلمون فوجده صاحبه في المغنم فسأل رسول الله عنه فقال إن وجدته قبل القسمة فهو لك بغير شيء وإن وجدته بعد القسمة فهو لك بالقيمة وكذلك لو كان الحربي باع المأخوذ من المسلمين ثم ظهر عليه المسلمون فإن المالك القديم يأخذه قبل القسمة بغير شيء وبعد القسمة بالقيمة لأنه باعه مستحق الإعادة إلى قديم الملك فبقي كذلك ولو كان المستولى عليه مدبرا أو مكاتبا أو أم ولد ثم ظهر عليه المسلمون فأخرجوه إلى دار الإسلام أخذه المالك القديم بغير شيء قبل القسمة وبعدها لأنه حر من وجه والحر من وجه أو من كل وجه لا يحتمل التملك بالاستيلاء ولهذا لا يحتمله بسائر أسباب الملك فإذا حصلوا في أيدي الغانمين وجب ردهم إلى المالك القديم ولو وهب الحربي ما ملكه بالاستيلاء لرجل من المسلمين أخذه المالك القديم بالقيمة إن شاء لأن فيه نظرا للجانبين على ما بينا وكذلك لو باعه من مسلم بعوض فاسد بأن باع من مسلم عبد المسلم بخمر أو خنزير أخذه صاحبه بقيمة العبد لأن تسمية الخمر والخنزير لم تصح فكان هذا بيعا فاسدا والبيع الفاسد مضمون بقيمة المبيع فصار كأنه اشتراه بقيمته ولو لم يكن العوض فاسدا أخذه بالثمن الذي اشتراه به إن شاء إن كان اشتراه بخلاف جنسه لأن الأخذ عند اختلاف الجنس مفيد وكذلك لو كان اشتراه بجنسه لكن بأقل منه فإنه يأخذه بمثل ما اشتراه ولا يكون هذا ربا لأن الربا فضل مال قصد استحقاقه بالبيع من غير عوض يقابله والمالك القديم لا يأخذه بطريق البيع بل بطريق الإعادة إلى قديم ملكه فلا يتحقق الربا وإن كان اشتراه بجنسه بمثله قدرا لا يأخذه لأنه لا يفيد ولو اشتراه رجل من العدو ثم باعه من رجل آخر ثم حضر المالك القديم أخذه من الثاني بالثمن الثاني وليس له أن ينقض البيع الثاني ويأخذ بالثمن الأول من المشتري الأول في ظاهر الرواية وروي عن محمد رحمه الله في النوادر أن المالك بالخيار إن شاء نقض البيع وأخذه بالثمن الأول وإن شاء أخذه بالثمن الثاني وجه رواية النوادر أن أخذ المالك القديم تملك ببدل فأشبه حق الشفعة ثم حق الشفيع مقدم على حق المشتري فكذا حقه والجامع أن حق كل واحد منهما سابق على حق المشتري والسبق من أسباب الترجيح وجه ظاهر الرواية أنه لا ملك للمالك القديم في المحل بوجه بل هو زائل من كل وجه وإنما الثابت له حق الإعادة وأنه ليس بمعني في المحل فلا يمنع جواز البيع فلا يملك نقضه بخلاف حق الشفعة فإن الشفيع يتملك نقض المشفوع فيقتضي الأخذ بالشفعة بتمليك البائع منه على ما عرف وعلى هذا الأصل إذا علم المالك القديم بشراء المأسور وترك الطلب زمانا لا يبطل حقه لأن هذا الأخذ ليس في معنى الأخذ بالشفعة ليشترط له الطلب على سبيل المواثبة
وعلى قياس ما روي عن محمد رحمه الله يبطل كما يبطل حق الشفعة بترك الطلب على المواثبة وكذلك هذا الحق يورث في ظاهر الرواية حتى لو مات المالك القديم كان لورثته أن يأخذوه وعلى قياس ما روي عن محمد رحمه الله لا يورث كما لا يورث حق الشفعة والصحيح جواب ظاهر الرواية لأن هذا الأخذ ليس ابتداء تملك بل هو إعادة إلى قديم الملك بخلاف الأخذ بالشفعة وحق الإعادة إلى قديم الملك مما يحتمل الإرث كحق الرد بالعيب وليس لبعض الورثة أن يأخذوا ذلك دون البعض لأنه حق ثبت للكل فلا ينفرد به البعض ولو اشترى المأسور رجل فأدخله دار الإسلام ثم اشتراه العدو ثانيا فاشتراه رجل آخر فأدخله دار الإسلام فالمشتري الأول أحق من المالك القديم وليس للمالك القديم أن يأخذه من المشتري الثاني لأنه لما أسر من يد المشتري الأول نزل المشتري الأول منزلة المالك القديم فكان حق الأخذ له لكن إذا أخذه المشتري الأول فللمالك القديم أن يأخذه بالثمنين إن شاء أو يدع لأنه لما أخذه المشتري الأول بالثمن فقد قام عليه بالثمنين فكأنه اشتراه بهذا القدر من المال ولم يوجد الأسر أصلا ولو أعتق الحربي العبد المأسور في دار الحرب أو دبره أو كاتبه أو كانت أمة فاستولدها ثم ظهر المسلمون عليها فذلك كله جائز وعتقت هي وأولادها وكذا المدبر والمكاتب أما إذا أعتقه فلأن يده زالت عنه وهو مسلم فحصل في يد نفسه فعتق عليه كالعبد الحربي إذا خرج إلينا مسلما والاستيلاد فرع النسب والنسب يثبت في دار الحرب وقهر الحربي كموته وإن مات عتقت أم ولده كما إذا غلب عليه وعتق المدبر لهذا المعنى والمكاتب صار في يد نفسه لزوال يد المولى عنه وهو مسلم فيعتق ولأنه إذا قهر المولى سقط عنه بدل الكتابة فعتق لزوال رقه ولو كان المأسور حرا فاشتراه مسلم وأخرجه إلى دار الإسلام فلا شيء للمشتري على الحر لأنه ما اشتراه حقيقة إذ الحر لا يحتمل التملك لكنه بذل مالا لاستخلاص الأسير بغير إذنه فكان متطوعا فيه فلا يملك الرجوع عليه وإن أمره الحربي ( ( ( الحر ) ) ) بذلك ففعله بأمره رجع عليه لأنه لما أمره بذلك فكأنه استقرض منه هذا القدر من المال فأقرضه إياه ثم أمره أن يدفعه إلى فلان ففعل فيرجع عليه بحكم الاستقراض ولو أسلم أهل الحرب ومتاع المسلمين الذي أحرزوه في أيديهم فهو لهم ولا حق للمالك القديم فيه لأنه مال أسلموا عليه ومن أسلم على مال فهو له على لسان رسول الله هذا الذي ذكرنا حكم استيلاء الكافر فأما حكم الشراء فنقول الحربي إذا خرج إلينا فاشترى عبدا مسلما ثبت الملك له فيه عندنا لكنه يجبر على البيع وكذلك لو خرج إلينا بعبده فأسلم في يده يجبر على البيع وعند الشافعي رحمه الله لا يجوز شراء الكافر العبد المسلم وهي مسألة كتاب البيوع فإن لم يبعه حتى دخل دار الحرب به عتق عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وعندهما لا يعتق وجه قولهما أن لإحراز الكافر ماله بدار الحرب أثرا في زوال العصمة لا في زوال الملك فإن مال الكافر مملوك لكنه غير معصوم وجه قول أبي حنيفة رحمه الله أن الثابت للحربي بالشراء ملك مجبور على إزالته فلو لم يعتق بأدخاله دار الحرب لم يبق الملك الثابت له شرعا بهذه الصفة لتعذر الجبر بالإحراز بوجه فيؤدي إلى تغيير المشروع وهذا لا يجوز ثم طريق الزوال هو الإحراز بالدار وإن كان هو في الأصل شرط زوال الملك والعصمة في استيلاء الكفار لتعذر تحصيل العلة فأقيم الشرط مقامه على الأصل المعهود من إقامة الشرط مقام العلة عند تعذر تعليق الحكم بالعلة ولو اشترى عبدا ذميا فهو على هذا الاختلاف أيضا لأن الحربي مجبور على بيع الذمي أيضا ولا يترك ليدخل دار الحرب
ولو أسلم عبد لحربي في دار الحرب لا يعتق وهو عبد على حاله بالإجماع لأن الملك وإن كان واجب الإزالة لكن لا طريق للزوال ههنا فبقي على حاله ولو خرج هذا العبد إلينا فإن خرج مراغما لمولاه ولحق بعسكر المسلمين عتق لأن دار الحرب دار قهر وغلبة وقد قهر مولاه بخروجه مراغما إياه فصار مستوليا على نفسه مستغنما إياه ( ( ( إياها ) ) ) فيزول ملك المالك عنه وقد روي أنه عليه الصلاة والسلام قال في آباق الطائف هؤلاء عتقاء الله سبحانه وتعالى ولو خرج غير مراغم فإن خرج بإذن المولى للتجارة فهو عبد لمولاه لكن يبيعه الإمام ويقف ثمنه لمولاه أما كونه عبدا لمولاه فلأنه لم يخرج قاهرا مستوليا ولأنه ملك مستحق الزوال بالإسلام وأما وقف ثمنه لمولاه فلأنه باعه على ملكه وكذا لو لم يخرج مراغما ولكن ظهر المسلمون على الدار يعتق أيضا لأنه لما أسلم فقد بقي عليه ملك مستحق الزوال محتاج إلى طريق الزوال وقد وجد وهوإحراز نفسه بمنعة المسلمين وأنه أسبق من إحراز المسلمين إياه بدار الإسلام ليملكوه فكان أولى ولو لم يخرج ولم يظهر على الدار ولكن باعه الحربي من مسلم أو حربي عتق عند أبي حنيفة قبل المشتري البيع أو لم يقبل وعندهما لا يعتق وجه قولهما أنه كما زال ملك البائع عنه فقد ثبت ملك المشتري فيه فلا يعتق وجه قول أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه ما ذكرنا أن هذا ملك مستحق الزوال موقوف زواله على سبب الزوال أو شرط الزوال على ما بينا فإذا عرضه على البيع والبيع سبب لزوال الملك فقد رضي بزواله إلى غيره فكان بزواله إليه أرضى لأنه استحق الزوال وغيره ما استحقه والرضا بالزوال شرط الزوال ولو أسلم حربي في دار الحرب وله رقيق فيها فخرج هو إلى دار الإسلام ثم تبعه عبده بعد ذلك كافرا كان أو مسلما فهو عبد لمولاه لأن خروجه إلى مولاه كخروجه مع مولاه ولو كان خرج مع مولاه لكان عبدا لمولاه كذا هذا والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما بيان الأحكام التي تختلف باختلاف الدارين فنقول لا بد أولا من معرفة معنى الدارين دار الإسلام ودار الكفر لتعرف الأحكام التي تختلف باختلافهما ومعرفة ذلك مبنية على معرفة ما به تصير الدار دار إسلام أو دار كفر فنقول لا خلاف بين أصحابنا في أن دار الكفر تصير دار إسلام بظهور أحكام الإسلام فيها واختلفوا في دار الإسلام أنها بماذا تصير دار الكفر قال أبو حنيفة إنها لا تصير دار الكفر إلا بثلاث شرائط أحدها ظهور أحكام الكفر فيها والثاني أن تكون متاخمة لدار الكفر والثالث أن لا يبقى فيها مسلم ولا ذمي آمنا بالأمان الأول وهو أمان المسلمين وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله إنها تصير دار الكفر بظهور أحكام الكفر فيها وجه قولهما أن قولنا دار الإسلام ودار الكفر إضافة دار إلى الإسلام وإلى الكفر وإنما تضاف الدار إلى الإسلام أو إلى الكفر لظهور الإسلام أو الكفر فيها كما تسمى الجنة دار السلام والنار دار البوار لوجود السلامة في الجنة والبوار في النار وظهور الإسلام والكفر بظهور أحكامهما فإذا ظهر أحكام الكفر في دار فقد صارت دار كفر فصحت الإضافة ولهذا صارت الدار دار الإسلام بظهور أحكام الإسلام فيها من غير شريطة أخرى فكذا تصير دار الكفر بظهور أحكام الكفر فيها والله أعلم وجه قول أبي حنيفة رحمه الله أن المقصود من إضافة الدار إلى الإسلام والكفر ليس هو عين الإسلام والكفر وإنما المقصود هو الأمن والخوف ومعناه أن الأمان إن كان للمسلمين فيها على الإطلاق والخوف للكفرة على الإطلاق فهي دار الإسلام وإن كان الأمان فيها للكفرة على الإطلاق والخوف للمسلمين على الإطلاق فهي دار الكفر والأحكام مبنية على الأمان والخوف لا على الإسلام والكفر فكان اعتبار الأمان والخوف أولى فما لم تقع الحاجة للمسلمين إلى الاستئمان بقي إلا من الثابت فيها على الإطلاق فلا تصير دار الكفر
وكذا إلا من الثابت على الإطلاق لا يزول إلا بالمتاخمة لدار الحرب فتوقف صيرورتها دار الحرب على وجودهما مع ما إن إضافة الدار إلى الإسلام احتمل أن يكون لما قلتم واحتمل أن يكون لما قلنا وهو ثبوت الأمن فيها على الإطلاق للمسلمين وإنما يثبت للكفرة بعارض الذمة والاستئمان فإن كانت الإضافة لما قلتم تصير دار الكفر بما قلتم وإن كانت الإضافة لما قلنا لا تصير دار الكفر إلا بما قلنا فلا تصير ما به دار الإسلام بيقين دار الكفر بالشك والاحتمال على الأصل المعهود إن الثابت بيقين لا يزول بالشك والاحتمال بخلاف دار الكفر حيث تصير دار الإسلام لظهور أحكام الإسلام فيها لأن هناك الترجيح لجانب الإسلام لقوله عليه الصلاة والسلام الإسلام يعلو ولا يعلى فزال الشك على أن الإضافة إن كانت باعتبار ظهور الأحكام لكن لا تظهر أحكام الكفر إلا عند وجود هذين الشرطين أعني المتاخمة وزوال الأمان الأول لأنها لا تظهر إلا بالمنعة ولا منعة إلا بهما والله سبحانه وتعالى أعلم وقياس هذا الاختلاف في أرض لأهل الإسلام ظهر عليها المشركون وأظهروا فيها أحكام الكفر أو كان أهلها أهل ذمة فنقضوا الذمة وأظهروا أحكام الشرك هل تصير دار الحرب فهو على ما ذكرنا من الاختلاف فإذا صارت دار الحرب فحكمها إذا ظهرنا عليها وحكم سائر دور الحرب سواء وقد ذكرناه ولو فتحها الإمام ثم جاء أربابها فإن كان قبل القسمة أخذوا بغير شيء وإن كان بعد القسمة أخذوا بالقيمة إن شاءوا لما ذكرنا من قبل وعاد المأخوذ على حكمه الأول الخراجي عاد خراجيا والعشري عاد عشريا لأن هذا ليس استحداث الملك بل هو عود قديم الملك إليه فيعود بوظيفته إلا إذا كان الإمام وضع عليها الخراج قبل ذلك فلا يعود عشريا لأن تصرف الإمام صدر عن ولاية شرعية فلا يحتمل النقض والله أعلم فصل وأما الأحكام التي تختلف باختلاف الدارين فأنواع منها أن المسلم إذا زنا في دار الحرب أو سرق أو شرب الخمر أو قذف مسلما لا يؤخذ بشيء من ذلك لأن الإمام لا يقدر على إقامة الحدود في دار الحرب لعدم الولاية ولو فعل شيئا من ذلك ثم رجع إلى دار الإسلام لا يقام عليه الحد أيضا لأن الفعل لم يقع موجبا أصلا ولو فعل في دار الإسلام ثم هرب إلى دار الحرب يؤخذ به لأن الفعل وقع موجبا للإقامة فلا يسقط بالهرب إلى دار الحرب وكذلك إذا قتل مسلما لا يؤخذ بالقصاص وإن كان عمدا لتعذر الاستيفاء إلا بالمنعة إذ الواحد يقاوم الواحد والمنعة منعدمة ولأن كونه في دار الحرب أورث شبهة في الوجوب والقصاص لا يجب مع الشبهة ويضمن الدية خطأ كان أو عمدا وتكون في ماله لا على العاقلة لأن الدية تجب على القاتل ابتداء أو لأن القتل وجد منه ولهذا وجب القصاص والكفارة على القاتل لا على غيره فكذا الدية تجب عليه ابتداء وهو الصحيح ثم العاقلة تتحمل عنه بطريق التعاون لما يصل إليه بحياته من المنافع من النصرة والعز والشرف بكثرة العشائر والبر والإحسان لهم ونحو ذلك وهذه المعاني لا تحصل عند اختلاف الدارين فلا تتحمل عنه العاقلة وكذلك لو كان أميرا على سرية أو أمير جيش وزنا رجل منهم أو سرق أو شرب الخمر أو قتل مسلما خطأ أو عمدا لم يأخذه الأمير بشيء من ذلك لأن الإمام ما فوض إليه إقامة الحدود والقصاص لعلمه أنه لا يقدر على إقامتها في دار الحرب إلا أنه يضمنه السرقة إن كان استهلكها ويضمنه الدية في باب القتل لأنه يقدر على استيفاء ضمان المال ولو غزا الخليفة أو أمير الشام ففعل رجل من العسكر شيئا من ذلك أقام عليه الحد واقتص منه في العمد وضمنه الدية في ماله في الخطأ لأن إقامة الحدود إلى الإمام وتمكنه الإقامة بما له من القوة والشوكة باجتماع الجيوش وانقيادها له فكان لعسكره حكم دار الإسلام
ولو شذ رجل من العسكر ففعل شيئا من ذلك درىء ( ( ( درئ ) ) ) عنه الحد والقصاص لاقتصار ولاية الإمام على المعسكر وعلى هذا يخرج الحربي إذا أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا فقتله مسلم عمدا أو خطأ لأنه لا قصاص عليه عندنا على ما ذكرنا وهذا مبني على أن التقوم عندنا يثبت بدار الإسلام لأن التقوم بالعزة ولا عزة إلا بمنعة المسلمين وعند الشافعي رحمه الله التقوم يثبت بالإسلام وعلى هذا إذا أسلم الحربي في دار الحرب ولم يعرف أن عليه صلاة ولا صياما ثم خرج إلى دار الإسلام فليس عليه قضاء ما مضى وقال أبو يوسف استحسن أن يجب عليه القضاء وجه قوله أن الصلاة قد وجبت عليه لوجود سبب الوجوب وهو الوقت وشرطه وهو الإسلام والصلاة الواجبة إذا فاتت عن وقتها تقضى كالذمي إذا أسلم في دار الإسلام ولم يعرف أن عليه ذلك حتى مضى عليه أوقات صلوات ثم علم وجه قول أبي حنيفة أن وجوب الشرائع يعتمد البلوغ وهو العلم بالوجوب لأن وجوبها لا يعرف إلا بالشرع بالإجماع إن اختلفا في وجوب الإيمان إلا أن حقيقة العلم ليست بشرط بل إمكان الوصول إليه كاف وقد وجد ذلك في دار الإسلام لأنها دار العلم بالشرائع ولم يوجد في دار الحرب لأنها دار الجهل بها بخلاف وجوب الإيمان وشكر النعم وحرمة الكفر والكفران ونحو ذلك لأن هذه الأحكام لا يقف وجوبها على الشرع بل تجب بمجرد العقل عندنا فإن أبا يوسف روى عن أبي حنيفة رحمه الله هذه العبارة فقال كان أبو حنيفة رضي الله عنه يقول لا عذر لأحد من الخلق في جهله معرفة خالقه لأن الواجب على جميع الخلق معرفة الرب سبحانه وتعالى وتوحيده لما يرى من خلق السموات ( ( ( السماوات ) ) ) والأرض وخلق نفسه وسائر ما خلق الله سبحانه وتعالى فأما الفرائض فمن لم يعلمها ولم تبلغه فإن هذا لم تقم عليه حجة حكمية بلفظه وعلى هذا إذا دخل مسلم أو ذمي دار الحرب بأمان فعاقد حربيا عقد الربا أو غيره من العقود الفاسدة في حكم الإسلام جاز عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وكذلك لو كان أسيرا في أيديهم أو أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا فعاقد حربيا وقال أبو يوسف لا يجوز للمسلم في دار الحرب إلا ما يجوز له في دار الإسلام وجه قوله أن حرمة الربا ثابتة في حق العاقدين أما في حق المسلم فظاهر وأما في حق الحربي فلأن الكفار مخاطبون بالحرمات وقال تعالى جل شأنه وأخذهم الربا وقد نهوا عنه ولهذا حرم مع الذمي والحربي الذي دخل دارنا بأمان وجه قولهما أن أخذ الربا في معنى إتلاف المال وإتلاف مال الحربي مباح وهذا لأنه لا عصمة لمال الحربي فكان المسلم بسبيل من أخذه إلا بطريق الغدر والخيانة فإذا رضي به انعدم معنى الغدر بخلاف الذمي والحربي المستأمن لأن أموالهما معصومة على الإتلاف ولو عاقد هذا المسلم الذي دخل بأمان مسلما أسلم هناك ولم يهاجر إلينا جاز عند أبي حنيفة وعندهما لا يجوز ولو كانا أسيرين أو دخلا بأمان للتجارة فتعاقدا عقد الربا أو غيره من البياعات الفاسدة لا يجوز بالاتفاق وجه قولهما أن أخذ الربا من المسلم إتلاف مال معصوم من غير رضاه معنى لأن الشرع حرم عليه أن تطيب نفسه بذلك بقوله صلى الله عليه وسلم من زاد واستزاد فقد أربى والساقط شرعا والعدم حقيقة سواء فأشبه تعاقد الأسيرين والتاجرين وجه قول أبي حنيفة رضي الله عنه أن أخذ الربا في معنى إتلاف المال ومال الذي أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا غير مضمون بالإتلاف يدل عليه أن نفسه غير مضمونة بالقصاص ولا بالدية عندنا وحرمة المال تابعة لحرمة النفس بخلاف التاجرين والأسيرين فإن مالهما مضمون بالإتلاف وعلى هذا إذا دخل مسلم دار الحرب بأمان فأدانه حربي أو أدان حربيا ثم خرج المسلم وخرج الحربي مستأمنا فإن القاضي لا يقضي لواحد منهما على صاحبه بالدين
وكذلك لو غصب أحدهما صاحبه شيئا لا يقضى بالغصب لأن المداينة في دار الحرب وقعت هدرا لانعدام ولايتنا عليهم وانعدام ولايتهم أيضا في حقنا وكذا غصب كل واحد منهما صادف مالا غير مضمون فلم ينعقد سببا لوجوب الضمان وكذلك لو كانا حربيين داين أحدهما صاحبه ثم خرجا مستأمنين ولو خرجا مسلمين لقضى بالدين لثبوت الولاية ولا يقضى بالغصب لما بينا إلا أن المسلم لو كان هو الغاصب يفتي بأن يرد عليهم ولا يقضى عليه لأنه صار غادرا بهم ناقضا عهدهم فتلزمه التوبة ولا تتحقق التوبة إلا برد المغصوب وعلى هذا مسلمان دخلا دار الحرب بأمان بأن كانا تاجرين مثلا فقتل أحدهما صاحبه عمدا لا قصاص على القاتل لما بينا وإن كان خطأ فعليه الدية في ماله والكفارة لأنهما من أهل دار الإسلام وإنما دخلا دار الحرب لعارض أمر إلا أنه يجب القصاص للشبهة أو لتعذر الاستيفاء على ما بينا ولو كانا أسيرين أو كان المقتول أسيرا مسلما فلا شيء على القاتل إلا الكفارة في الخطأ عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعندهما عليه الكفارة والدية وجه قولهما أن الأسيرين من أهل دار الإسلام كالمستأمنين وإنما الأسر أمر عارض ولأبي حنيفة رضي الله عنه أن الأسير مقهور في يد أهل الحرب فصار تابعا لهم فبطل تقومه والله سبحانه وتعالى أعلم وعلى هذا الحربي إذا أعتق عبده الحربي في دار الحرب لا ينفذ عندهما وعند أبي يوسف رحمه الله ينفذ وقيل لا خلاف في العتق أنه ينفذ إنما الخلاف في الولاء أنه هل يثبت منه عندهما لا يثبت وعنده يثبت وجه قوله أن ركن الإعتاق صدر من أهل الإعتاق في محل مملوك للمعتق فيصح كما لو أعتق في دار الإسلام وجه قولهما أن الإعتاق في دار الحرب لا يفيد زوال الملك لأن الملك في دار الحرب بالقهر والغلبة حقيقة فكل مقهور مملوك وكل قاهر مالك هذا ديانتهم فإنهم لا يعرفون سوى القدرة الحقيقية حتى إن العبد منهم إذا قهر مولاه يصير هو مالكا ومولاه مملوكا وهذا لا يفيده الإعتاق في دار الحرب فلا يوجب زوال ملك المالك هذا معنى قول مشايخنا لأبي حنيفة رضي الله عنه معتق بلسانه مسترق بيده وكذلك لو اشترى قريبا لا يعتق عليه لأنه لا يعتق بصريح الإعتاق فكيف يعتق بالشراء وكذلك لو دبره أو كاتبه في دار الحرب حتى لو دخل دار الإسلام ومعه مدبر أو مكاتب دبره أو كاتبه في دار الحرب جاز بيعه لأن التدبير إعتاق مضاف إلى ما بعد الموت والكتابة تعليق العتق بشرط أداء بدل الكتابة ثم لم ينفذ إعتاقه المنجز فكذا المعلق والمضاف ولو استولد أمته في دار الحرب صح استيلاده إياه ( ( ( إياها ) ) ) حتى لو خرج إلينا بها إلى دار الإسلام لا يجوز بيعها لأن الاستيلاد اكتساب ثبات النسب للولد والحربي من أهل ذلك ألا ترى أن أنساب أهل الحرب ثابتة وإذا ثبت النسب صارت أم ولد له فخرجت عن محلية البيع لكونها حرة من وجه قال صلى الله عليه وسلم أعتقها ولدها ولو دخل الحربي إلينا بأمان ففعل شيئا من ذلك نفذ كله لأنه لما دخل بأمان فقد لزمه أحكام الإسلام ما دام في دار الإسلام ومن أحكام الإسلام أن لا يملك المعتق أن يسترق بيده ما أعتقه بلسانه ولو دبر عبده في دار الإسلام ثم رجع إلى دار الحرب وخلف المدبر أو خلف أم ولده التي استولدها في دار الإسلام أو في دار الحرب ثم مات على كفره أو قتل أو أسر يحكم بعتقهما أما إذا مات أو قتل فظاهر لأن أم الولد والمدبر يعتقان بموت سيدهما والمقتول ميت بأجله وإن رغم أنف المعتزلة وأما إذا أسر فلأنه صار مملوكا فلم يبق مالكا ضرورة وأما مكاتبه الذي كاتبه في دار الإسلام ودخل هو إلى دار الحرب فهو مكاتب على حاله وبدل الكتابة عليه لورثته إذا مات
وكذلك الرهون والودائع والديون التي له على الناس وما كان للناس عليه فهي كلها على حالها إذا مات لأنه دخل دار الإسلام بأمان ومعه هذه الأموال فكان حكم الأمان فيها باقيا وكذلك لو ظهر على الدار فظهر الحربي أو قتل ولم يظهر على الدار فملكه على حاله يعود فيأخذ أو يجيء ورثته فيأخذونه له أما إذا هرب ولم يقتل ولم يؤسر فظاهر وأما إذا قتل ولم يظهر فلأن ماله صار ميراثا لورثته فيجيئون فيأخذونه والمكاتب على حاله يؤدي إلى ورثته فيعتق فأما إذا ظهر وأسر أو أسر ولم يظهر أو ظهر وقتل يعتق مكاتبه أما إذا ظهر وأسر أو أسر ولم يظهر فظاهر لأنه ملك بالأسر وكذا إذا ظهر وقتل لأن القتل بعد الظهور قتل بعد الأسر ويبطل ما كان له من الدين لما ذكرنا أنه بالأسر صار مملوكا فلم يبق مالكا فسقطت ديونه ضرورة ولا يصير مالكا للأسر لأن الدين في الذمة وما في الذمة لا يعمل عليه الأسر وكذلك ما عليه من الديون يسقط أيضا لأنه لو بقي لتعلق برقبته فلا يخلص السبي للسابي وأما ودائعه فهي في جماعة المسلمين وروي عن أبي يوسف رحمه الله أنها تكون فيئا للمودع ووجهه أن يده عن يد الغانمين أسبق والمباح مباح لمن سبق على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه ظاهر الرواية أن يد المودع يده تقديرا فكان الاستيلاء عليه بالأسر استيلاء على ما في يده تقديرا ولا يختص به الغانمون لأنه مال لم يؤخذ على سبيل القهر والغلبة حقيقة فكان فيئا حقيقة لا غنيمة فيوضع موضع الفيء وأما الرهن فعند أبي يوسف يكون للمرتهن بدينه والزيادة له وعند محمد رحمه الله يباع فيستوفي قدر دينه والزيادة في جماعة المسلمين والله أعلم فصل وأما بيان أحكام المرتدين فالكلام فيه في مواضع في بيان ركن الردة وفي بيان شرائط صحة الركن وفي بيان حكم الردة أما ركنها فهو إجراء كلمة الكفر على اللسان بعد وجود الإيمان إذ الردة عبارة عن الرجوع عن الإيمان فالرجوع عن الإيمان يسمى ردة في عرف الشرع وأما شرائط صحتها فأنواع منها العقل فلا تصح ردة المجنون والصبي الذي لا يعقل لأن العقل من شرائط الأهلية خصوصا في الاعتقادات ولو كان الرجل ممن يجن ويفيق فإن ارتد في حال جنونه لم يصح وإن ارتد في حال إفاقته صحت لوجود دليل الرجوع في إحدى الحالتين دون الأخرى وكذلك السكران الذاهب العقل لا تصح ردته استحسانا والقياس أن تصح في حق الأحكام وجه القياس أن الأحكام مبنية على الإقرار بظاهر اللسان لا على ما في القلب إذ هو أمر باطن لا يوقف عليه وجه الاستحسان أن أحكام الكفر مبنية على الكفر كما أن أحكام الإيمان مبنية على الإيمان والإيمان والكفر يرجعان إلى التصديق والتكذيب وإنما الإقرار دليل عليهما وإقرار السكران الذاهب العقل لا يصلح دلالة على التكذيب فلا يصح إقراره وأما البلوغ فهل هو شرط اختلف فيه قال أبو حنيفة ومحمد رضي الله عنهما ليس بشرط فتصح ردة الصبي العاقل وقال أبو يوسف رحمه الله شرط حتى لا تصح ردته وجه قوله أن عقل الصبي في التصرفات الضارة المحضة ملحق بالعدم ولهذا لم يصح طلاقه وإعتاقه وتبرعاته والردة مضرة محضة فأما الإيمان فيقع محض ( ( ( محضا ) ) ) لذلك صح إيمانه ولم تصح ردته وجه قولهما أنه صح إيمانه فتصح ردته وهذا لأن صحة الإيمان والردة مبنية على وجود الإيمان والردة حقيقة لأن الإيمان والكفر من الأفعال الحقيقية وهما أفعال خارجة القلب بمنزلة أفعال سائر الجوارح والإقرار الصادر عن عقل دليل وجودهما وقد وجد ههنا إلا أنهما مع وجودهما منه حقيقة لا يقتل ولكن يحبس لما نذكر إن شاء الله تعالى والقتل ليس من لوازم الردة عندنا فإن المرتدة لا تقتل بلا خلاف بين أصحابنا والردة موجودة وأما الذكورة فليست بشرط فتصح ردة المرأة عندنا لكنها لا تقتل بل تجبر على الإسلام
وعند الشافعي رحمه الله تقتل وستأتي المسألة في موضعها إن شاء الله تعالى ومنها الطوع فلا تصح ردة المكره على الردة استحسانا إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان والقياس أن تصح في أحكام الدنيا وسنذكر وجه القياس والاستحسان في كتاب الإكراه إن شاء الله تعالى وأما حكم الردة فنقول وبالله تعالى التوفيق إن للردة أحكاما كثيرة بعضها يرجع إلى نفس المرتد وبعضها يرجع إلى ملكه وبعضها يرجع إلى تصرفاته وبعضها يرجع إلى ولده أما الذي يرجع إلى نفسه فأنواع منها إباحة دمه إذا كان رجلا حرا كان أو عبدا لسقوط عصمته بالردة قال النبي من بدل دينه فاقتلوه وكذا العرب لما ارتدت بعد وفاة رسول الله أجمعت الصحابة رضي الله عنهم على قتلهم ومنها أنه يستحب أن يستتاب ويعرض عليه الإسلام لاحتمال أن يسلم لكن لا يجب لأن الدعوة قد بلغته فإن أسلم فمرحبا وأهلا بالإسلام وإن أبى نظر الإمام في ذلك فإن طمع في توبته أو سأل هو التأجيل أجله ثلاثة أيام وإن لم يطمع في توبته ولم يسأل هو التأجيل قتله من ساعته والأصل فيه ما روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه قدم عليه رجل من جيش المسلمين فقال هل عندكم ( ( ( عندك ) ) ) من مغرية خبر قال نعم رجل كفر بالله بعد إسلامه فقال سيدنا عمر رضي الله عنه ماذا فعلتم به قال قربناه فضربنا عنقه فقال سيدنا عمر رضي الله عنه ههلا ( ( ( هلا ) ) ) طينتم عليه بيتا ثلاثا وأطعمتموه كل يوم رغيفا واستتبتموه لعله يتوب ويرجع إلى الله سبحانه وتعالى اللهم إني لم أحضر ولم آمر ولم أرض إذ بلغني وهكذا روي عن سيدنا علي كرم الله وجهه أنه قال يستتاب المرتد ثلاثا وتلى ( ( ( وتلا ) ) ) هذه الآية إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا ولأن من الجائز أنه عرضت له شبهة حملته على الردة فيؤجل ثلاثا لعلها تنكشف في هذه المدة فكانت الاستتابة ثلاثا وسيلة إلى الإسلام عسى فندب إليها فإن قتله إنسان قبل الاستتابة يكره له ذلك ولا شيء عليه لزوال عصمته بالردة وتوبته أن يأتي بالشهادتين ويبرأ عن الدين الذي انتقل إليه فإن تاب ثم ارتد ثانيا فحكمه في المرة الثانية كحكمه في المرة الأولى أنه إن تاب في المرة الثانية قبلت توبته وكذا في المرة الثالثة والرابعة لوجود الإيمان ظاهرا في كل كرة لوجود ركنه وهو إقرار العاقل وقال الله تبارك وتعالى إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا فقد أثبت سبحانه وتعالى الإيمان بعد وجود الردة منه والإيمان بعد وجود الردة لا يحتمل الرد إلا أنه إذا تاب في المرة الرابعة يضربه الإمام ويخلي سبيله وروي عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه إذا تاب في المرة الثالثة حبسه الإمام ولم يخرجه من السجن حتى يرى عليه أثر خشوع التوبة والإخلاص وأما المرأة فلا يباح دمها إذا ارتدت ولا تقتل عندنا ولكنها تجبر على الإسلام وإجبارها على الإسلام أن تحبس وتخرج في كل يوم فتستتاب ويعرض عليها الإسلام فإن أسلمت وإلا حبست ثانيا هكذا إلى أن تسلم أو تموت وذكر الكرخي رحمه الله وزاد عليه تضرب أسواطا في كل مرة تعزيرا لها على ما فعلت وعند الشافعي رحمه الله تقتل لعموم قوله عليه الصلاة والسلام من بدل دينه فاقتلوه ولأن علة إباحة الدم هو الكفر بعد الإيمان ولهذا قتل الرجل وقد وجد منها ذلك بخلاف الحربية وهذا لأن الكفر بعد الإيمان أغلظ من الكفر الأصلي لأن هذا رجوع بعد القبول والوقوف على محاسن الإسلام وحججه وذلك امتناع من القبول بعد التمكن من الوقوف دون حقيقة الوقوف فلا يستقيم الاستدلال
ولنا ما روي عن رسول الله أنه قال لا تقتلوا امرأة ولا وليدا ولأن القتل إنما شرع وسيلة إلى الإسلام بالدعوة إليه بأعلى الطريقين عند وقوع اليأس عن إجابتها بأدناهما وهو دعوة اللسان بالاستتابة بإظهار محاسن الإسلام والنساء أتباع الرجال في إجابة هذه الدعوة في العادة فإنهن في العادات الجارية يسلمن بإسلام أزواجهن على ما روي أن رجلا أسلم وكانت تحته خمس نسوة فأسلمن معه وإذا كان كذلك فلا يقع شرع القتل في حقها وسيلة إلى الإسلام فلا يفيد ولهذا لم تقتل الحربية بخلاف الرجل فإن الرجل لا يتبع رأي غيره خصوصا في أمر الدين بل يتبع رأي نفسه فكان رجاء الإسلام منه ثابتا فكان شرع القتل مفيدا فهو الفرق والحديث محمول على الذكور عملا بالدلائل صيانة لها عن التناقض وكذلك الأمة إذا ارتدت لا تقتل عندنا وتجبر على الإسلام ولكن يجبرها مولاها إن احتاج إلى خدمتها ويحبسها في بيته لأن ملك المولى فيها بعد الردة قائم وهي مجبورة على الإسلام شرعا فكان الرفع إلى المولى رعاية للحقين ولا يطؤها لأن المرتدة لا تحل لأحد وكذلك الصبي العاقل لا يقتل وإن صحت ردته عند أبي حنيفة ومحمد رضي الله عنهما لأن قتل البالغ بعد الاستتابة والدعوة إلى الإسلام باللسان وإظهار حججه وإيضاح دلائله لظهور العناد ووقوع اليأس عن فلاحه وهذا لا يتحقق من الصبي فكان الإسلام منه مرجوا والرجوع إلى الدين الحق منه مأمولا فلا يقتل ولكن يجبر على الإسلام بالحبس لأن الحبس يكفيه وسيلة إلى الإسلام وعلى هذا صبي أبواه مسلمان حتى حكم بإسلامه تبعا لأبويه فبلغ كافرا ولم يسمع منه إقرار باللسان بعد البلوغ لا يقتل لانعدام الردة منه إذ هي اسم للتكذيب بعد سابقة التصديق ولم يوجد منه التصديق بعد البلوغ أصلا لانعدام دليله وهو الإقرار حتى لو أقر بالإسلام ثم ارتد يقتل لوجود الردة منه بوجود دليلها وهو الإقرار فلم يكن الموجود منه حقيقة فلا يقتل ولكنه يحبس لأنه كان له حكم الإسلام قبل البلوغ ألا ترى أنه حكم بإسلامه بطريق التبعية والحكم في إكسابه كالحكم في إكساب المرثد ( ( ( المرتد ) ) ) لأنه مرتد حكما وسنذكر الكلام في إكساب المرتد في موضعه إن شاء الله تعالى ومنها حرمة الاسترقاق فإن المرتد لا يسترق وإن لحق بدار الحرب لأنه لم يشرع فيه إلا الإسلام أو السيف لقوله سبحانه وتعالى تقاتلونهم أو يسلمون وكذا الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا عليه في زمن سيدنا أبي بكر رضي الله عنه ولأن استرقاق الكافر للتوسل إلى الإسلام واسترقاقه لا يقع وسيلة إلى الإسلام على ما مر من قبل ولهذا لم يجز إبقاؤه على الحرية بخلاف المرتدة إذا لحقت بدار الحرب أنها تسترق لأنه لم يشرع قتلها ولا يجوز إبقاء الكافر على الكفر إلا مع الجزية أو مع الرق ولا جزية على النسوان فكان إبقاؤها على الكفر مع الرق أنفع للمسلمين من إبقائها من غير شيء وكذا الصحابة رضي الله عنهم استرقوا نساء من ارتد من العرب وصبيانهم حتى قيل إن أم محمد بن الحنفية وهي خولة بنت إياس كانت من سبى بني حنيفة ومنها حرمة أخذ الجزية فلا تؤخذ الجزية من المرتد لما ذكرنا ومنها أن العاقلة لا تعقل جنايته لما ذكرنا من قبل إن موجب الجناية على الجاني وإنما العاقلة تتحمل عنه بطريق التعاون والمرتد لا يعاون ومنها الفرقة إذا ارتد أحد الزوجين ثم إن كانت الردة من المرأة كانت فرقة بغير طلاق بالاتفاق وإن كانت من الرجل ففيه خلاف مذكور في كتاب النكاح ولا ترتفع هذه الفرقة بالإسلام ولو ارتد الزوجان معا أو أسلما معا فهما على نكاحهما عندنا وعند زفر رحمه الله فسد النكاح ولو أسلم أحدهما قبل الآخر فسد النكاح بالإجماع وهي من مسائل كتاب النكاح ومنها أنه لا يجوز إنكاحه لأنه لا ولاية له ومنها حرمة ذبيحته لأنه لا ملة لما ذكرنا ومنها أنه لا يرث من أحد لانعدام الملة والولاية ومنها أنها تحبط أعماله لكن بنفس الردة عندنا