Qur'an&Sunnah

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)

قسم V07/P168–V07/P169

وهذا نص في الباب لأن البيع عليه لا يذكر إلا في غير موضع الرضا ولأن التصرفات شرعت لمصالح العباد والمصلحة تتعلق بالإطلاق مرة وبالحجر أخرى والمصلحة ههنا في الحجر ولهذا إذا بلغ الصبي سفيها يمنع عنه ماله إلى خمس وعشرين سنة بلا خلاف ولهذا حجر على الصبي والمجنون لكون الحجر مصلحة في حقهما كذا ههنا ولأبي حنيفة رضي الله عنه عمومات البيع والهبة والإقرار والظهار واليمين من نحو قوله تبارك وتعالى وأحل الله البيع وقوله سبحانه وتعالى يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه إلى قوله عز شأنه ولا يبخس منه شيئا أجاز الله تعالى البدلين حيث ندب إلى الكتابة وأثبت الحق حيث أمر من عليه الحق بالإملاء ونهى عن البخس عاما من غير تخصيص وقوله تبارك وتعالى يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم وبيع مال المديون عليه تجارة لا عن تراض فلا يجوز وبيع السفيه ماله تجارة عن تراض فيجوز وقوله سبحانه وتعالى يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم عاما وشهادة الإنسان على نفسه إقرار وقوله تبارك وتعالى وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها وقوله عليه الصلاة والسلام تهادوا تحابوا وآية الظهار وآية كفارة اليمين شرع الله هذه التصرفات عاما والحجر عن المشروع متناقض وكذا نص الظهار واليمين يقتضيان وجوب التحرير على المظاهر الحالف ( ( ( والحالف ) ) ) الحانث وجوازه عن الكفارة عاما وعند أبي يوسف ومحمد لايجب التحرير على السفيه ولو حرر لا يجزيه عن الكفارة لأنه تجب السعاية على العبد فيكون إعتاقا بعوض فلا يقع التحرير تكفيرا فكانت الآية حجة عليهما ولأن بيع السفيه مال نفسه تصرف صدر من الأهل بركنه في محل هو خالص ملكه فينفذ كتصرف الرشيد وهذا لأن وجود التصرف حقيقة بوجود ركنه ووجوده شرعا بصدوره من أهله وحلوله في محله وقد وجد وبيع مال المديون عليه تصرف في ملك الغير من غير رضا المالك وإنه لا ينفذ كالفضولي وأما الآية فقد قال بعض أهل التأويل السفيه هو الصغير وبه نقول وقيل إن الولي ههنا هو من له الحق يملي بالعدل عند حضرة من عليه الدين لئلا يزيد على ما عليه شيئا ولو زاد أنكر عليه وقوله تبارك وتعالى ولا تؤتوا السفهاء أموالكم فقد قال بعض أهل التأويل المراد من السفهاء النساء والأولاد الصغار يؤيده في سياق الآية قوله وارزقوهم فيها واكسوهم ورزق النساء والأولاد الصغار هو الذي يجب على الأولياء والأزواج لا رزق السفيه وكسوته فإن ذلك يكون من مال السفيه على أن في الآية الشريفة أن لا تؤتوهم مال أنفسكم لأنه سبحانه وتعالى أضاف الأموال إلى المعطي لا إلى المعطى له وبه نقول وأما بيع مال معاذ رضي الله عنه فقد كان برضاه إذ لا يظن به أنه يكره بيع رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتمنع ( ( ( ويمتنع ) ) ) بنفسه عنه قضاء الدين مع ما ( ( ( مع ) ) ) أنه قد روي أنه طلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيع ماله ليغال ( ( ( لينال ) ) ) بركته فيصير دينه مقضيا ببركته كما روي عن جابر رضي الله عنه أنه لما استشهد أبوه يوم أحد وترك ديونا فطلب جابر من رسول ( ( ( النبي ) ) ) الله صلى الله عليه وسلم أن يبيع أمواله لينال بركته فيصير دينه بذلك مقضيا وكان كما ظن والاستدلال بمنع المال إذا بلغ سفيها لا يستقيم لأن المنع تصرف في المال والحجر تصرف على النفس والنفس أعظم خطرا من المال فثبوت أدنى الولايتين لا يدل على ثبوت أعلاهما ثم نقول إنما يمنع عن ماله نظرا له تقليلا للسفه لما أن السفه غالبا يجري في الهبات والتبرعات فإذا منع منه ماله ينسد باب السفه فيقل السفه

قسم V07/P169–V07/P170

فأما المعاوضات فلا يغلب فيها السفه فلا حاجة إلى الحجر لتقليل السفه وإنه يقل بدونه فيتمحض الحجر ضررا بإبطال أهليته وهذا لا يجوز بخلاف الصبي والمجنون لأنهما ليسا من أهل التصرف فلم يتضمن الحجر إبطال الأهلية والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما بيان حكم الحجر فحكمه يظهر في مال المحجور وفي التصرف في ماله أما حكم المال فأما المجنون فإنه يمنع عنه ماله ما دام مجنونا وكذلك الصبي الذي لا يعقل لأن وضع المال في يد من لا عقل له إتلاف المال وأما الصبي العاقل فيمنع عنه ماله إلى أن يؤنس منه رشده ولا بأس للولي أن يدفع إليه شيئا من أمواله ويأذن له بالتجارة للاختبار عندنا لقوله تعالى وابتلوا اليتامى أذن سبحانه وتعالى للأولياء في ابتلاء اليتامى والابتلاء الاختبار وذلك بالتجارة فكان الإذن بالابتلاء إذنا بالتجارة وإذا اختبره فإن آنس منه رشدا دفع الباقي إليه لقوله تعالى فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم والرشد هو الاستقامة والاهتداء في حفظ المال وإصلاحه وهذا عندنا وعند الشافعي رحمه الله يمنع منه ماله ولا يجوز للولي أن يدفع شيئا من أمواله إليه وأن يأذن له بالتجارة قبل البلوغ والمسألة نذكرها في كتاب المأذون إن شاء الله تعالى وإن لم يأنس منه رشدا منعه منه إلى أن يبلغ فإن بلغ رشيدا دفع إليه وإن بلغ سفيها مفسدا مبذرا فإنه يمنع عنه ماله إلى خمس وعشرين سنة بالإجماع فإذا بلغ هذا المبلغ ولم يؤنس رشده دفع إليه عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعندهما لا يدفع إليه ما دام سفيها وأما الرقيق فلا مال له يمنع فلا يظهر أثر الحجر في حقه في المال وإنما يظهر في التصرفات هذا حكم الحجر في مال المحجور وأما حكمه في تصرفه فالتصرف لا يخلو إما أن يكون من الأقوال وإما أن يكون من الأفعال أما التصرفات القولية فعلى ثلاثة أقسام نافع محض وضار محض ودائر بين الضرر والنفع أما المجنون فلا تصح منه التصرفات القولية كلها فلا يجوز طلاقه وعتاقه وكتابته وإقراره ولا ينعقد بيعه وشراؤه حتى لا تلحقه الإجازة ولا يصح منه قبول الهبة والصدقة والوصية وكذا الصبي الذي لا يعقل لأن الأهلية شرط جواز التصرف وانعقاده ولا أهلية بدون العقل وأما الصبي العاقل فتصح منه التصرفات النافعة بلا خلاف ولا تصح منه التصرفات الضارة المحضة بالإجماع وأما الدائرة بين الضرر والنفع كالبيع والشراء والإجارة ونحوها فينعقد عندنا موقوفا على إجازة وليه فإن أجاز جاز وإن رد بطل وعند الشافعي رحمه اللهلا تنعقد أصلا وهي مسألة تصرفات الصبي العاقل وقد مرت في موضعها وأما الرقيق فيصح منه قبول الهبة والصدقة والوصية وكذا يصح طلاقه وإقراره بالحدود والقصاص وأما إقراره بالمال فلا يصح في حق مولاه ويصح في حق نفسه حتى يؤاخذ به بعد العتاق وأما البيع وغيره من التصرفات الدائرة بين الضرر والنفع فلا ينفذ بل ينعقد موقوفا على إجازة المولى ودلائل هذه المسائل ذكرت في مواضعها وأما التصرفات الفعلية وهي الغصوب والإتلافات فهذه العوارض وهي الصبا والجنون والرق لا توجب الحجر فيها حتى لو أتلف الصبي والمجنون شيئا فضمانه في مالهما وكذا العبد إذا أتلف مال إنسان فإنه يؤاخذ به لكن بعد العتاق أما السفيه فعند أبي حنيفة عليه الرحمة ليس بمحجور عن التصرفات أصلا وحاله وحال الرشيد في التصرفات سواء لا يختلفان إلا في وجه واحد وهو أن الصبي إذا بلغ سفيها يمنع عنه ماله إلى خمس وعشرين سنة وإذا بلغ رشيدا يدفع إليه ماله فأما في التصرفات فلا يختلفان حتى لو تصرف بعدما بلغ سفيها ومنع عنه ماله نفذ تصرفه كما ينفذ بعد أن دفع المال إليه عنده وأما عندهما فحكمه وحكم الصبي العاقل والبالغ المعتوه سواء فلا ينفذ بيعه وشراؤه وإجارته وهبته وصدقته وما أشبه ذلك من التصرفات التي تحتمل النقض والفسخ

قسم V07/P170–V07/P171

وأما فيما سوى ذلك فحكمه وحكم البالغ العاقل الرشيد سواء فيجوز طلاقه ونكاحه وإعتاقه وتدبيره واستيلاده وتجب عليه نفقة زوجاته وأقاربه والزكاة في ماله وحجة الإسلام وينفق على زوجاته وأقاربه ويؤدي الزكاة من ماله ولا يمنع من حجة الإسلام ولا من العمرة ولا من القرابين وسوق البدنة لكن يسلم القاضي النفقة والكراء والهدي على يد أمين لينفق عليه في الطريق ولا ولاية عليه لأبيه وجده ووصبهما ( ( ( ووصيهما ) ) ) ويجوز إقراره على نفسه بالحدود والقصاص وتجوز وصاياه بالقرب في مرض موته من ثلث ماله وغير ذلك من التصرفات التي تصح من العاقل البالغ الرشيد إلا أنه إذا تزوج امرأة بأكثر من مهر مثلها فالزيادة باطلة وإذا أعتق عبده يسعى في قيمته في ظاهر الرواية وذكر الطحاوي عن محمد رحمهما الله أنه رجع عن ذلك وقال يعتق من غير سعاية فأما فيما سوى ذلك فلا يختلفان ولو باع السفيه أو اشترى نظر القاضي في ذلك فما كان خيرا أجاز وما كان فيه مضرة رده والله سبحانه أعلم فصل وأما بيان ما يرفع الحجر أما الصبي فالذي يرفع الحجر عنه شيئان أحدهماإذن الولي إياه بالتجارة والثاني بلوغه إلا أن الإذن بالتجارة يزيل الحجر عن التصرفات الدائرة بين الضرر والنفع وأما التصرفات الضارة المحضة فلا يزول الحجر عنها إلا بالبلوغ وهذا عندنا وعند الشافعي رحمه الله لا يزول الحجر عن الصبي إلا بالبلوغ وقد مرت المسألة ثم عند أبي حنيفة رضي الله عنه يزول الحجر عن التصرفات بالبلوغ سواء بلغ رشيدا أو سفيها وكذا عند أبي يوسف إلا أن يحجر عليه القاضي بعد البلوغ فينحجر بحجره وعند أبي حنيفة رحمه الله لا ينحجر الصبي عن التصرف بحجر القاضي لكن يمنع ماله إلى خمس وعشرين سنة وعند محمد والشافعي لا يزول إلا ببلوغه رشيدا ثم البلوغ في الغلام يعرف بالاحتلام والإحبال والإنزال وفي الجارية يعرف بالحيض والاحتلام والحبل فإن لم يوجد شيء من ذلك فيعتبر بالسن أما معرفة البلوغ بالاحتلام فلما روي عن رسول الله أنه قال رفع القلم عن ثلاثة منها الصبي حتى يحتلم جعل عليه الصلاة والسلام الاحتلام غاية لارتفاع الخطاب والخطاب بالبلوغ دل أن البلوغ يثبت بالاحتلام ولأن البلوغ والإدراك عبارة عن بلوغ المرء كمال الحال وذلك بكمال القدرة والقوة والقدرة من حيث سلامة الأسباب والآلات هي إمكان استعمال سائر الجوارح السليمة وذلك لا يتحقق على الكمال إلا عند الاحتلام فإن قيل الإدراك إمكان استعامل ( ( ( استعمال ) ) ) سائر الجوارح إن كان ثابتا فأما إمكان استعمال الآلة المخصوصة وهو قضاء الشهوة على سبيل الكمال فليس بثابت لأن كمالها بالإنزال والاحتلام سبب لنزول الماء على الأغلب فجعل علما على البلوغ ولأن الله تعالى أمر بإبتغاء الولد وأخبر أنه مكتوب له بقوله تبارك وتعالى وابتغوا ما كتب الله لكم والتكليف بابتغاء الولد إنما يتوجه في وقت لو ابتغى الولد لوجد ولا يكون ذلك إلا في خروج الماء للشهوة وذلك في حق الصبي بالاحتلام في المتعارف ولأن عند الاحتلام يخرج عن حيز الأولاد ويدخل في حيز الآباء حتى يسمى أبا فلان لا ولد فلان في المتعارف لأن عنده يصير من أهل العلوق فكان الاحتلام علما على البلوغ وإذا ثبت أن البلوغ يثبت بالاحتلام يثبت بالإنزال لأن ما ذكرنا من المعاني يتعلق بالنزول لا بنفس الاحتلام إلا أن الاحتلام سبب لنزول الماء عادة فعلق الحكم به وكذا الإحبال لأنه لا يتحقق بدون الإنزال عادة فإن لم يوجد شيء مما ذكرنا فيعتبر البلوغ بالسن وقد اختلف العلماء في أدنى السن التي يتعلق بها البلوغ قال أبو حنيفة رضي الله عنه ثماني عشرة سنة في الغلام وسبع عشرة في الجارية وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي رحمهم الله خمس عشرة سنة في الجارية والغلام جميعا

قسم V07/P171–V07/P172

وجه قولهم أن المؤثر في الحقيقة هو العقل وهو الأصل في الباب إذ به قوام الأحكام وإنما الاحتلام جعل حدا في الشرع لكونه دليلا على كمال العقل والاحتلام لا يتأخر عن خمس عشرة سنة عادة فإذا لم يحتلم إلى هذه المدة علم أن ذلك لآفة في خلقته والآفة في الخلقة لا توجب آفة في العقل فكان العقل قائما بلا آفة فوجب اعتباره في لزوم الأحكام وقد روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه عرض على رسول الله غلام وهو ابن أربع عشرة سنة فرده وعرض وهو ابن خمس عشرة فأجازه فقد جعل خمس عشرة حدا للبلوغ ولأبي حنيفة رضي الله عنه أن الشرع لما علق الحكم والخطاب بالاحتلام بالدلائل التي ذكرناها فيجب بناء الحكم عليه ولا يرتفع الحكم عنه ما لم يتيقن بعدمه ويقع اليأس عن وجوده وإنما يقع اليأس بهذه المدة لأن الاحتلام إلى هذه المدة متصور في الجملة فلا يجوز إزالة الحكم الثابت بالاحتلام عنه مع الاحتمال على هذا أصول الشرع فإن حكم الحيض لما كان لازما في حق الكبيرة لا يزول بامتداد الطهر ما لم يوجد اليأس ويجب الانتظار لمدة اليأس لاحتمال عود الحيض وكذا التفريق في حق العنين لا يثبت ما دام طمع الوصول ثابتا بل يؤجل سنة لاحتمال الوصول في فصول السنة فإذا مضت السنة ووقع اليأس الآن يحكم بالتفريق وكذا أمر الله سبحانه وتعالى بإظهار الحجج في حق الكفار والدعاء إلى الإسلام إلى أن يقع اليأس عن قبولهم فما لم يقع اليأس لا يباح لنا القتال فكذلك ههنا ما دام الاحتلام يرجى يجب الانتظار ولا يأس بعد مدة خمس عشرة إلى هذه المدة بل هو مرجو فلا يقطع الحكم الثابت بالاحتلام عنه مع رجاء وجوده بخلاف ما بعد هذه المدة فإنه لا يحتمل وجوده بعدها فلا يجوز اعتباره في زمان اليأس عن وجوده وأما الحديث فلا حجة فيه لأنه يحتمل أنه أجاز ذلك لما علم أنه احتلم في ذلك الوقت ويحتمل أيضا أنه أجاز ذلك لما رآه صالحا للحرب محتملا له على سبيل الاعتياد للجهاد كما أمرنا باعتبار سائر القرب في أول أوقات الإمكان والاحتمال لها فلا يكون حجة مع الاحتمال وإذا أشكل أمر الغلام المراهق في البلوغ فقال قد بلغت يقبل قوله ويحكم ببلوغه وكذلك الجارية المراهقة لأن الأصل في البلوغ هو الاحتلام على ما بينا وأنه لا يعرف إلا من جهته فألزمت الضرورة قبول قوله كما في الأخبار عن الطهر والحيض والله سبحانه وتعالى أعلم وأما المجنون فلا يزول الحجر عنه إلا بالإفاقة فإذا أفاق رشيدا أو سفيها فحكمه في ذلك حكم الصبي وقد ذكرناه وأما الرقيق فالحجر يزول عنه بالإعتاق مرة وبالإذن بالتجارة أخرى إلا أن الإعتاق يزيل الحجر عنه على الإطلاق والإذن بالتجارة لا يزيل إلا في التصرفات الدائرة بين الضرر والنفع وأما السفيه فلا حجر عليه عن التصرف أصلا عند أبي حنيفة رضي الله عنه فلا يتصور الزوال وأما على مذهبهم فزواله عند أبي يوسف بضده وهو الإطلاق من القاضي فكما لا ينحجر إلا بحجره لا ينطلق إلا بإطلاقه وعند محمد والشافعي رحمهما الله زوال الحجر على السفيه بظهور رشده لأن الحجارة كان بسفهه فانطلاقه يكون بضده وهو رشده والله سبحانه وتعالى أعلم وأما الفصل الثاني وهو فصل الحبس فالحبس على نوعين حبس المديون بما عليه من الدين وحبس العين بالدين أما الأول فالكلام فيه في مواضع في بيان سبب وجوب الحبس وفي بيان شرائط الوجوب وفي بيان ما يمنع عنه المحبوس وما لا يمنع أما سبب وجوب الحبس فهو الدين قل أو كثر وأما شرائط الوجوب فأنواع بعضها يرجع إلى الدين وبعضها يرجع إلى المديون وبعضها يرجع إلى صاحب الدين

قسم V07/P172–V07/P173

أما الذي يرجع إلى الدين فهو أن يكون حالا فلا يحبس في الدين المؤجل لأن الحبس لدفع الظلم المتحقق بتأخير قضاء الدين ولم يوجد من الديون ( ( ( المديون ) ) ) لأن صاحب الدين هو الذي أخر حق نفسه بالتأجيل وكذا لا يمنع من السفر قبل حلول الأجل سواء بعد محله أو قرب لأنه لا يملك مطالبته قبل حل الأجل ولا يمكن منعه ولكن له أن يخرج معه حتى إذا حل الأجل منعه من المضي في سفره إلى أن يوفيه دينه وأما الذي يرجع إلى المديون فمنها القدرة على قضاء الدين حتى لو كان معسرا لا يحبس لقوله سبحانه وتعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ولأن الحبس لدفع الظلم بإيصال حقه إليه ولا ظلم فيه لعدم القدرة ولأنه إذا لم يقدر على قضاء الدين لا يكون الحبس مفيدا لأن الحبس شرع للتوسل إلى قضاء الدين لا لعينه ومنها المطل وهو تأخير قضاء الدين لقوله مطل الغنى ظلم فيحبس دفعا للظلم لقضاء الدين بواسطة الحبس وقوله لي الواجد يحل عرضه وعقوبته والحبس عقوبة وما لم يظهر منه المطل لا يحبس لانعدام المطل واللى منه ومنها أن يكون من عليه الدين ممن سوى الوالدين لصاحب الدين فلا يحبس الوالدون وإن علوا بدين المولودين وإن سفلوا لقوله تبارك وتعالى وصاحبهما في الدنيا معروفا وقوله تعالى وبالوالدين إحسانا وليس من المصاحبة بالمعروف والإحسان حبسهما بالدين إلا أنه إذا امتنع الوالد من الإنفاق على ولده الذي عليه نفقته فإن القاضي يحبسه لكن تعزيرا لا حبسا بالدين وأما الولد فيحبس بدين الوالد لأن المانع من الحبس حق الوالدين وكذا سائر الأقارب يحبس المديون بدين قريبه كائنا من كان ويستوي في الحبس الرجل والمرأة لأن الموجب للحبس لا يختلف بالذكورة والأنوثة ويحبس ولي الصغير إذا كان كان ممن يجوز له قضاء دينه لأنه إذا كان الظلم بسبيل من قضاء دينه صار بالتأخير ظالما فيحبس ليقضي الدين فيندفع الظلم وأما الذي يرجع إلى صاحب الدين فطلب الحبس من القاضي فما لم يطلب لا يحبس لأن الدين حقه والحبس وسيلة إلى حقه ووسيلة حق الإنسان حقه وحق المرء إنما يطلب بطلبه فلا بد من الطلب للحبس وإذا عرف سبب وجوب الدين وشرائطه فإن ثبت عند القاضي السبب مع شرائطه بالحجة حبسه لتحقق الظلم عنده بتأخير حقه من غير ضرورة والقاضي نصب لدفع الظلم فيندفع الظلم عنه وإن اشتبه على القاضي حاله في يساره وإعساره ولم يقم عنده حجة على أحدهما وطلب الغرماء حبسه فإنه يحبسه ( ( ( يحبس ) ) ) ليتعرف عن حاله أنه فقير أم غني فإن علم أنه غني حبسه إلى أن يقضي الدين لأنه ظهر ظلمه بالتأخير وإن علم أنه فقير خلى سبيله لأنه ظهر أنه لا يستوجب الحبس فيطلقه ولكن لا يمنع الغرماء عن ملازمته عند أصحابنا الثلاثة رضي الله عنهم إلا إذا قضى القاضي بالإنظار لاحتمال أن يرزقه الله سبحانه وتعالى مالا إذ المال غاد ورائح وعند زفر رحمه الله لا يلازمونه لقوله تبارك وتعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ذكر النظرة بحرف الفاء فثبت من غير قضاء القاضي ولنا أن النظرة هي التأخير فلا بد وأن يؤخر وهو أن يؤخره القاضي أو صاحب الحق ولا يمنعونه من التصرف ولا من السفر فإذا اكتسب يأخذون فضل كسبه فيقتسمونه بينهم بالحصص وإذا مضى على حبسه شهر أو شهران أو ثلاثة ولم ينكشف حاله في اليسار والإعسار خلى سبيله لأن هذا الحبس كان لاستبراء حاله وإبلاء عذره والثلاثة الأشهر مدة صالحة لاشتهار الحال وإبلاء العذر فيطلقه لكن الغرماء لا يمنعون من ملازمته فيلازمونه لكن لا يمنعونه من التصرف والسفر على ما ذكرنا ولو اختلفا في اليسار والإعسار فقال الطالب هو موسر وقال المطلوب أنا معسر فإن قامت لأحدهما بينة قبلت بينته وإن أقاما جميعا البينة فالبينة بينة الطالب لأنها تثبت زيادة وهي اليسار

قسم V07/P173

وإن لم يقم لهما بينة فقد ذكر محمد في الكفالة والنكاح والزيادات أنه ينظر إن ثبت الدين بمعاقدة كالبيع والنكاح والكفالة والصلح عن دم العمد والصلح عن المال والخلع أو ثبت تبعا فيما هو معاقدة كالنفقة في باب النكاح فالقول قول الطالب وكذا في الغصب والزكاة وإن ثبت الدين بغير ذلك كإحراق الثوب أو القتل الذي لا يوجب القصاص ويوجب المال في مال الجاني وفي الخطأ فالقول قول المطلوب وذكر الخصاف رحمه الله في آداب ( ( ( أدب ) ) ) القاضي أنه إن وجب الذين ( ( ( الدين ) ) ) عوضا عن مال سالم للمشتري نحو ثمن المبيع الذي سلم له البيع والقرض والغصب والسلم الذي أخذ المسلم إليه رأس المال فالقول قول الطالب وكل دين ليس له عوض أصلا كإحراق الثوب أو له عوض ليس بمال كالمهر وبدل الخلع وبدل الصلح عن دم العمد والكفالة فالقول قول المطلوب واختلف المشايخ فيه قال بعضهم القول قول المطلوب على كل حال ولا يحبس لأن الفقر أصل في بني آدم والغنا ( ( ( والغنى ) ) ) عارض فكان الظاهر شاهدا للمطلوب فكان القول قوله مع يمينه وقال بعضهم القول قول الطالب على كل حال لقوله لصاحب الحق اليد واللسان وقال بعضهم يحكم زيه إذا كان زيه زي الأغنياء فالقول قول الطالب وإن كان زيه زي الفقراء فالقول قول المطلوب وعن الفقيه أبي جعفر الهندواني رحمه الله أنه يحكم زيه فيؤخذ بحكمه في الفقر والغنا ( ( ( والغنى ) ) ) إلا إذا كان المطلوب من الفقهاء أو العلوية أو الأشراف لأن من عاداتهم التكلف في اللباس والتجمل بدون الغنا فيكون القول قول المديون أنه معسر وجه ما ذكره الخصاف رحمه الله أن القول في الشرع قول من يشهد له الظاهر وإذا وجب الدين بدلا عن مال سلم له كان الظاهر شاهدا للطالب لأنه ثبتت قدرة المطلوب بسلامة المال وكذا في الزكاة أنها لا تجب إلا على الغني فكان الظاهر شاهدا للطالب وجه قول محمد رحمه الله وهو ظاهر الرواية أن الظاهر شاهد للطالب فيما ذكرنا أيضا من طريق الدلالة وهو إقدامه على المعاقدة فإن الإقدام على التزوج دليل القدرة إذ الظاهر أن الأنسان لا يتزوج حتى يكون له شيء ولا يتزوج أيضا حتى يكون له قدرة على المهر وكذا الإقدام على الخلع لأن المرأة لا تخالع عادة حتى يكون عندها شيء وكذا الصلح لا يقدم الإنسان عليه إلا عند القدرة فكان الظاهر شاهدا للطالب في هذه المواضع فكان القول قوله والله تعالى أعلم فصل وأما بيان ما يمنع المحبوس عنه وما لا يمنع فالمحبوس ممنوع عن الخروج إلى أشغاله ومهماته وإلى الجمع والجماعات والأعياد وتشييع الجنائز وعيادة المرضى والزيارة والضيافة لأن الحبس للتوسل إلى قضاء الدين فإذا منع عن أشغاله ومهماته الدينية والدنيوية تضجر فيسارع إلى قضاء الدين ولا يمنع من دخول أقاربه عليه لأن ذلك لا يخل بما وضع له الحبس بل قد يقع وسيلة إليه ولا يمنع من التصرفات الشرعية ومن البيع والشراء والهبة والصدقة والإقرار لغيرهم من الغرماء حتى لو فعل شيئا من ذلك نفذ ولم يكن للغرماء ولاية الإبطال لأن الحبس لا يوجب بطلان أهلية التصرفات ولو طلب الغرماء الذين حبس لأجلهم من القاضي أن يحجر على المحبوس من الإقرار والهبة والصدقة وغيرها لم يجبهم إلى ذلك عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما له أن يجيبهم إليه وكذا إذا طلبوا من القاضي بيع ماله عليه مما سوى الدراهم والدنانير من المنقول والعقار له أن يجيبهم إليه عندهما وأما عند أبي حنيفة رحمه الله فلا يجيبهم إلى ذلك وهي مسألة الحجر لكن إذا كان دينه دراهم وعنده دراهم فإن القاضي يقضي بها دينه لأنها من جنس حقه وإن كان دينه دراهم وعنده دنانير باعها القاضي بالدراهم وقضى بها دينه وكذا إذا كان دينه دنانير وعنده دراهم باعها القاضي بالدنانير وقضى بها دينه

قسم V07/P173–V07/P174

فرق بين الدنانير والدراهم وبين سائر الأموال أنه يبيع أحدهما بالآخر لقضاء الدين ولا يبيع سائر الأموال ووجه الفرق أن الدراهم والدنانير من جنس واحد من وجه بدليل أنه يكمل نصاب أحدهما بالآخر في باب الزكاة والمؤدي عن أحدهما كان مؤديا ( ( ( مؤدى ) ) ) عن الآخر عند الهلاك فكان بينهما مجانسة من وجه فصار كل واحد منهما كعين الآخر حكما وليس بين العروض وبين الدراهم والدنانير مجانسة بوجه فلا يملك التصرف على المحبوس ببيعهما بها ولأن العروض إذا بيعت لقضاء الدين فإنها لا تشتري مثل ما تشتري في سائر الأوقات بل دون ذلك وفيه ضرر به ولا ضرر في الدراهم والدنانير لأنها لا تتفاوت وهذا بخلاف ما بعد الموت أن القاضي يبيع جميع ماله لقضاء دينه لأن بيع القاضي ليس تصرفا على الميت لبطلان أهليته بالموت ولأنه رضي بذلك في آخر جزء من أجزاء حياته هذا هو الظاهر لأن قضاء الديون من حوائجه الأصلية فكان راضيا بقضاء الدين من أي مال كان تخليصا لنفسه عن عهدة الدين عندما سده عن حياته والله سبحانه وتعالى أعلم وينفق المحبوس على نفسه وعياله وأقاربه ولا يمنع من ذلك ولا عن شيء من التصرفات الشرعية والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما حبس العين بالدين فالمحبوس بالدين في الأصل على نوعين محبوس هو مضمون ومحبوس هو أمانة والمضمون على نوعين أيضا مضمون بالثمن ومضمون بالقيمة فالمضمون بالثمن كالمبيع في يد البائع حتى لو هلك سقط الثمن لأنه لو بقي لطالبه البائع به فيطالبه المشتري بتسليم المبيع لأن البيع تمليك بإزاء تمليك وتسليم بإزاء تسليم وهو عاجز عن التسليم لهلاك المبيع فلا يملك مطالبته فلا يملك البائع مطالبته بالثمن فيسقط ضرورة عدم الفائدة في البقاء ولأن المبيع في يد البائع لا يكون أدنى حالا من المقبوض على سوم الشراء وذلك مضمون فهذا أولى إلا أن ذلك مضمون بالقيمة وهذا بالثمن لوجود التسمية الصحيحة ههنا وانعدام التسمية هناك أصلا وأما الوكيل بالشراء إذا أدى الثمن من مال نفسه فحبس السلعة لاستيفاء الثمن من الموكل فهلك فإن كان قبل الطلب يهلك أمانة عند أصحابنا رحمهم الله الثلاثة وعند زفر رحمه الله يهلك مضمونا ولو كان بعد الطلب يهلك مضمونا لكن ضمان المبيع عند أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف ضمان الرهن وعند زفر رحمه الله ضمان الغصب وقد ذكرنا المسألة في كتاب الوكالة وأما المضمون بالقيمة فكالمبيع بيعا فاسدا إذا لم يكن من ذوات الأمثال إذا فسخ البائع البيع والمبيع في يد المشتري فحبسه ليرد البائع الثمن عليه فهلك في يده يهلك بقيمته ويتقاصان ويترادان الفضل وكذا المرهون مضمون عندنا لكن بالأقل من قيمته ومن الدين وعند الشافعي رحمه الله تعالى ليس بمضمون أصلا وهي مسألة كتاب الرهن وأما المحبوس الذي هو أمانة فنحو نماء الرهن فإنه محبوس بالدين لكنه أمانة في يد المرتهن حتى لو هلك لا يسقط شيء من الدين وكذا المستأجر دابة إجارة فاسدة إذا كان عجل الأجرة فحبسها لاستيفاء الأجرة المعجلة حتى هلكت في يده تهلك أمانة والله سبحانه وتعالى أعلم كتاب الإكراه الكلام في هذا الكتاب في مواضع في بيان معنى الإكراه لغة وشرعا وفي بيان أنواع الإكراه وفي بيان شرائط الإكراه وفي بيان حكم ما يقع عليه الإكراه إذا أتى به المكره وفي بيان ما عدل المكره إلى غير ما وقع عليه الإكراه أو زاد على ما وقع عليه الإكراه أو نقص عنه

قسم V07/P174–V07/P175

أما الأول فالإكراه في اللغة عبارة عن إثبات الكره والكره معنى قائم بالمكره ينافي المحبة والرضا ولهذا يستعمل كل واحد منهما مقابل الآخر قال الله سبحانه وتعالى وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ولهذا قال أهل السنة إن الله تبارك وتعالى يكره الكفر والمعاصي أي لا يحبها ولا يرضى بها وإن كانت الطاعات والمعاصي بإرادة الله عز وجل وفي الشرع عبارة عن الدعاء إلى الفعل بالإيعاد والتهديد مع وجود شرائطها التي نذكرها في مواضعها إن شاء الله تعالى فصل وأما بيان أنواع الإكراه فنقول إنه نوعان نوع يوجب الإلجاء والاضطرار طبعا كالقتل والقطع والضرب الذي يخاف فيه تلف النفس أو العضو قل الضرب أو كثر ومنهم من قدره بعدد ضربات الحد وأنه غير سديد لأن المعول عليه تحقق الضرورة فإذا تحققت فلا معنى لصورة العدد وهذا النوع يسمى إكراها تاما ونوع لا يوجب الإلجاء والاضطرار وهو الحبس والقيد والضرب الذي لا يخاف منه التلف وليس فيه تقدير لازم سوى أن يلحقه منه الاغتمام البين من هذه الأشياء أعني الحبس والقيد والضرب وهذا النوع من الإكراه يسمى إكراها ناقصا فصل وأما شرائط الإكراه فنوعان نوع يرجع إلى المكره ونوع يرجع إلى المكره أما الذي يرجع إلى المكره فهو أن يكون قادرا على تحقيق ما أوعد لأن الضرورة لا تتحقق إلا عند القدرة وعلى هذا قال أبو حنيفة رضي الله عنه إن الإكراه لا يتحقق إلا من السلطان وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله إنه يتحقق من السلطان وغيره وجه قولهما أن الإكراه ليس إلا إيعاد بإلحاق المكروه وهذا يتحقق من كل مسلط وأبو حنيفة رضي الله عنه يقول غير السلطان لا يقدر على تحقيق ما أوعد لأن المكره يستغيث بالسلطان فيغيثه فإذا كان المكره هو السلطان فلا يجد غوثا وقيل إنه لا خلاف بينهم في المعنى إنما هو خلاف زمان ففي زمن أبي حنيفة رضي الله عنه لم يكن لغير السلطان قدرة الإكراه ثم تغير الحال في زمانهما فغير الفتوى على حسب الحال والله أعلم فأما البلوغ فليس بشرط لتحقق الإكراه حتى يتحقق من الصبي العاقل إذا كان مطاعا مسلطا وكذلك العقل والتمييز المطلق ليس بشرط فيتحقق الإكراه من البالغ المختلط العقل بعد أن كان مطاعا مسلطا وأما النوع الذي يرجع إلى المكره فهو أن يقع في غالب رأيه وأكثر ظنه أنه لو لم يجب إلى ما دعي إليه تحقق ما أوعد به لأن غالب الرأي حجة خصوصا عند تعذر الوصول إلى التعين حتى إنه لو كان في أكثر رأي المكره أن المكره لا يحقق ما أوعده لا يثبت حكم الإكراه شرعا وإن وجد صورة الإيعاد لأن الضرورة لم تتحقق ومثله لو أمره بفعل ولم يوعده عليه ولكن في أكثر رأي المكره أنه لو لم يفعل تحقق ما أوعد يثبت حكم الإكراه لتحقق الضرورة ولهذا أنه لو كان في أكثر رأيه أنه لو امتنع عن تناول الميتة وصبر إلى أن يلحقه الجوع المهلك لأزيل عنه الإكراه لا يباح له أن يعجل بتناولها وإن كان في أكثر رأيه أنه وإن صبر إلى تلك الحالة لما أزيل عنه الإكراه يباح أن يتناولها للحال دل أن العبرة لغالب الرأي وأكثر الظن دون صورة الإيعاد والله سبحانه تعالى ( ( ( وتعالى ) ) ) أعلم فصل وأما بيان ما يقع عليه الإكراه فنقول وبالله التوفيق ما يقع عليه الإكراه في الأصل نوعان حسي وشرعي وكل واحد منهما على ضربين معين ومخير فيه أما الحسي المعين في كونه مكرها عليه فالأكل والشرب والشتم والكفر والإتلاف والقطع عينا وأما الشرعي فالطلاق والعتاق والتدبير والنكاح والرجعة واليمين والنذر والظهار والإيلاء والفيء في الإيلاء والبيع والشراء والهبة والإجارة والإبراء عن الحقوق والكفالة بالنفس وتسليم الشفعة وترك طلبها ونحوها والله أعلم فصل وأما بيان حكم ما يقع عليه الإكراه فنقول وبالله التوفيق أما التصرفات الحسية فيتعلق بها حكمان أحدهما يرجع إلى الآخرة والثاني يرجع إلى الدنيا

قسم V07/P175–V07/P176

أما الذي يرجع إلى الآخرة فنقول وبالله التوفيق التصرفات الحسية التي يقع عليها الإكراه في حق أحكام الآخرة ثلاثة أنواع نوع هو مباح ونوع هو مرخص ونوع هو حرام ليس بمباح ولا مرخص أما النوع الذي هو مباح فأكل الميتة والدم ولحم الخنزير وشرب الخمر إذا كان الإكراه تاما بأن كان بوعيد تلف لأن هذه الأشياء مما تباح عند الإضرار ( ( ( الاضطرار ) ) ) قال الله تبارك وتعالى إلا ما اضطررتم إليه أي دعتكم شدة المجاعة إلى أكلها والاستثناء من التحريم إباحة وقد تحقق الإضطرار بالإكراه فيباح له التناول بل لا يباح له الامتناع عنه ولو امتنع عنه حتى قتل يؤاخذ به كما في حالة المخمصة لأنه بالامتناع عنه صار ملقيا نفسه في التهلكة والله سبحانه وتعالى نهى عن ذلك بقوله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وإن كان الإكراه ناقصا لا يحل له الإقدام عليه ولا يرخص أيضا لأنه لا يفعله للضرورة بل لدفع الغم عن نفسه فكانت الحرمة بحكمها قائمة وكذلك لو كان الإكراه بالإجاعة بأن قال لتفعلن كذا وإلا لأجيعنك لا يحل له أن يفعل حتى يجيئه من الجوع ما يخاف منه تلف النفس أو العضو لأن الضرورة لا تتحقق إلا في تلك الحالة والله تعالى أعلم وأما النوع الذي هو مرخص فهو إجراء كلمة الكفر على اللسان مع اطمئنان القلب بالإيمان إذا كان الإكراه تاما وهو محرم في نفسه مع ثبوت الرخصة فأثر بالرخصة ( ( ( الرخصة ) ) ) في تغير حكم الفعل وهو المؤاخذة لا في تغير وصفه وهو الحرمة لأن كلمة الكفر مما لا يحتمل الإباحة بحال فكانت الحرمة قائمة إلا أنه سقطت المؤاخذة لعذر الإكراه قال الله تبارك وتعالى من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان على التقديم والتأخير في الكلام والله سبحانه وتعالى أعلم والامتناع عنه أفضل من الإقدام عليه حتى لو امتنع فقتل كان مأجورا لأنه جاد بنفسه في سبيل الله تعالى فيرجو أن يكون له ثواب المجاهدين بالنفس هنا وقال عليه الصلاة والسلام من قتل مجبرا في نفسه فهو في ظل العرش يوم القيامة وكذلك التكلم بشتم النبي عليه السلام مع اطمئنان القلب بالإيمان والأصل فيه ما روي أن عمار بن ياسر رضي الله عنهما لما أكرهه الكفار ورجع إلى رسول الله فقال له ما وراءك يا عمار فقال شر يا رسول الله ما تركوني حتى نلت منك فقال رسول الله إن عادوا فعد فقد رخص عليه الصلاة والسلام في إتيان الكلمة بشريطة اطمئنان القلب بالإيمان حيث أمره عليه الصلاة والسلام بالعود إلى ما وجد منه لكن الامتناع أفضل لما مر ومن هذا النوع شتم المسلم لأن عرض المسلم حرام التعرض في كل حال قال النبي عليه الصلاة والسلام كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله إلا أنه رخص له لعذر الإكراه وأثر الرخصة في سقوط المؤاخذة دون الحرمة والامتناع عنه حفظا لحرمة المسلم وإيثارا له على نفسه أفضل ومن هذا النوع إتلاف مال المسلم لأن حرمة مال المسلم حرمة دمه على لسان رسول الله فلا يحتمل السقوط بحال إلا أنه رخص له الإتلاف لعذر الإكراه حال المخمصة على ما نذكر ولو امتنع حتى قتل لا يأثم بل يثاب لأن الحرمة قائمة فهو بالامتناع قضى حق الحرمة فكان مأجورا لا مأزورا وكذلك إتلاف مال نفسه مرخص بالإكراه لكن مع قيام الحرمة حتى إنه لو امتنع فقتل لا يأثم بل يثاب لأن حرمة ماله لا تسقط بالإكراه لو امتنع فقتل لا يأثم بل يثاب لأن حرمة ماله لا تسقط بالإكراه ألا ترى أنه أبيح له الدفع قال النبي عليه السلام قاتل دون مالك وكذا من أصابته المخمصة فسأل صاحبه الطعام فمنعه فامتنع من التناول حتى مات أنه لا يأثم لما ذكرنا أنه بالامتناع راعى حق الحرمة

قسم V07/P176–V07/P177

هذا إذا كان الإكراه تاما فإن كان ناقصا من الحبس والقيد والضرب الذي لا يخاف منه تلف النفس والعضو لا يرخص له أصلا ويحكم بكفره وإن قال كان قلبي مطمئنا بالإيمان فلا يصدق في الحكم على ما نذكر ويأثم بشتم المسلم وإتلاف ماله لأن الضرورة لم تتحقق وكذا إذا كان الإكراه تاما ولكن في أكبر رأي المكره إن المكره لا يحقق ما أوعده لا يرخص له الفعل أصلا ولو فعل يأثم لانعدام تحقق الضرورة لانعدام الإكراه شرعا والله سبحانه وتعالى أعلم وأما النوع الذي لا يباح ولا يرخص بالإكراه أصلا فهو قتل المسلم بغير حق سواء كان الإكراه ناقصا أو تاما لأن قتل المسلم بغير حق لا يحتمل الإباحة بحال قال الله تبارك وتعالى ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق وكذا قطع عضو من أعضائه والضرب المهلك قال الله سبحانه وتعالى والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا وكذلك ضرب الوالدين قل أو كثر قال الله تعالى فلا تقل لهما أف والنهي عن التأفيف نهي عن الضرب دلالة بالطريق الأولى فكانت الحرمة قائمة بحكمها فلا يرخص الإقدام عليه ولو أقدم يأثم والله أعلم وأما ضرب غير الوالدين إذا كان مما لا يخاف منه التلف كضرب سوط أو نحوه فيرجى أن لا يؤاخذبه وكذا الحبس والقيد لأن ضرره دون ضرر المكره بكثير فالظاهر أنه يرضى بهذا القدر من الضرر لإحياء أخيه ولو أذن له المكره عليه أو قطعه أو ضربه فقال للمكره افعل لا يباح له أن يفعل لأن هذا مما لا يباح بالإباحة ولو فعل فهو آثم ألا ترى أنه لو فعل بنفسه أثم فبغيره أولى وكذا الزنا من هذا القبيل أنه لا يباح ولا يرخص للرجل بالإكراه وإن كان تاما ولو فعل يأثم لأن حرمة الزنا ثابتة في العقول قال الله سبحانه وتعالى ولا تقربوا الزنى ( ( ( الزنا ) ) ) إنه كان فاحشة وساء سبيلا فدل أنه كان فاحشة في العقل قبل ورود الشرع فلا يحتمل الرخصة بحال كقتل المسلم بغير حق ولو أذنت المرأة به لا يباح أيضا حرة كانت أو أمة أذن له ( ( ( لها ) ) ) مولاها لأن الفرج لا يباح بالإباحة وأما المرأة فيرخص لها لأن الذي يتصور منها ليس إلا التمكين وهي مع ذلك مدفوعة إليه وهذا عندي فيه نظر لأن فعل الزنا كما يتصور من الرجل يتصور من المرأة ألا ترى أن الله سبحانه وتعالى سماها زانية إلا أن زنا الرجل بالإيلاج وزناها بالتمكين والتمكين فعل منها لكنه فعل سكوت فاحتمل الوصف بالحظر والحرمة فينبغي أن لا يختلف فيه حكم الرجل والمرأة فلا يرخص للمرأة كما لا يرخص للرجل والله سبحانه وتعالى أعلم وأما الحكم الذي يرجع إلى الدنيا في الأنواع الثلاثة أما النوع الأول فالمكره على الشرب لا يجب عليه الحد إذا كان الإكراه تاما لأن الحد شرع زاجرا عن الجناية في المستقبل والشرب خرج من أن يكون جناية بالإكراه وصار مباحا بل واجبا عليه على ما مر وإذا كان ناقصا يجب لأن الإكراه الناقص لم يوجب تغير الفعل عما كان عليه قبل الإكراه بوجه ما فلا يوجب تغير حكمه والله سبحانه وتعالى أعلم وأما النوع الثاني فالمكره على الكفر لا يحكم بكفره إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان بخلاف المكره على الإيمان أنه يحكم بإيمانه والفرق بينهما من وجهين أحدهما أن الإيمان في الحقيقة تصديق والكفر في الحقيقة تكذيب وكل ذلك عمل القلب

قسم V07/P177–V07/P178

والإكراه لايعمل على القلب فإن كان مصدقا بقلبه كان مؤمنا لوجود حقيقة الإيمان وإن كان مكذبا بقلبه كان كافرا لوجود حقيقة الكفر إلا أن عبارة اللسان جعل ( ( ( جعلت ) ) ) دليلا على التصديق والتكذيب ظاهرا حالة الطوع وقد بطلت هذه الدلالة بالإكراه فبقي الإيمان منه والكفر محتملا فكان ينبغي أن لا يحكم بالإسلام حالة الإكراه مع الاحتمال كما لم يحكم بالكفر فيها بالاحتمال إلا أنه حكم بذلك لوجهين أحدهما أنا إنما قبلنا ظاهر إيمانه مع الإكراه ليخالط المسلمين فيرى محاسن الإسلام فيؤول ( ( ( فيئول ) ) ) أمره إلى الحقيقة وإن كنا لا نعلم بإيمانه لا قطعا ولا غالبا وهذا جائر ( ( ( جائز ) ) ) ألا ترى أن الله تبارك ( ( ( تباك ) ) ) وتعالى أمرنا في النساء المهاجرات بامتحانهن بعد وجود ظاهر الكلمة منهن بقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن ليظهر لنا إيمانهن بالدليل الغالب لقوله عز شأنه فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار كذا ههنا وهذا المعنى لا يتحقق في الإكراه على الكفر والثاني أن اعتبار الدليل المحتمل في باب الإسلام يرجع إلى إعلاء الدين الحق وإن اعتبار الغالب يرجع إلى ضده وإعلاء الدين الحق واجب قال النبي عليه الصلاة والسلام الإسلام يعلو ولا يعلى فوجب اعتبار المحتمل دون الغالب إعلاءا ( ( ( إعلاء ) ) ) لدين الحق وذلك في الحكم بإيمان المكره على الإيمان والحكم بعدم كفر المكره والله سبحانه وتعالى أعلم ولو أكره على الإسلام فأسلم ثم رجع يجبر على الإسلام ولا يقتل بل يحبس ولكن لا يقتل والقياس أن يقتل لوجود الردة منه وهي الرجوع 2 عن الإسلام وجه الاستحسان أنا إنما قبلنا كلمة الإسلام منه ظاهرا طمعا للحقيقة ليخالط المسلمين فيرى محاسن الإسلام فينجع التصديق في قلبه على ما مر فإذا رجع تبين أنه لا مطمع لحقيقة الإسلام فيه وأنه على اعتقاده الأول فلم يكن هذا رجوعا عن الإسلام بل إظهارا لما كان في قلبه من التكذيب فلا يقتل وكذلك الكافرإذا أسلم وله أولاد صغار حتى حكم بإسلامهم تبعا لأبيهم فبلغوا كفارا يجبرون على الإسلام ولا يقتلون لأنه لم يوجد منهم الإسلام حقيقة فلم يتحقق الرجوع عنه والله سبحانه وتعالى أعلم ولو أكره على أن يقر أنه أسلم أمس فأقر لايحكم بإسلامه لأن الإكراه يمنع صحة الإقرار لما نذكر في موضعه إن شاء الله تعالى وإذا لم يحكم بكفره بإجراء الكلمة لا تثبت أحكام الكفر حتى لا تبين منه امرأته والقياس أن تثبت البينونة لوجود سبب الفرقة وهو الكلمة أو هي من أسباب الفرقة بمنزلة كلمة الطلاق ثم حكم تلك لا يختلف بالطوع والكره فكذا حكم هذه وجه الاستحسان أن سبب الفرقة الردة دون نفس الكلمة وإنما الكلمة دلالة عليها حالة الطوع ولم يبق دليلا حالة الإكراه فلم تثبت الردة فلا تثبت البينونة ولو قال المكره خطر ببالي في قولي كفرت بالله أن أخبر عن الماضي كاذبا ولم أكن فعلت لا يصدق في الحكم ويحكم بكفره لأنه دعي إلى إنشاء الكفر وقدأخبر أنه أتى بالإخبار وهو غير مكره على الإخبار بل هو طائع فيه ولو قال طائعا كفرت باللهثم قال عنيت به الإخبار عن الماضي كاذبا ولم أكن فعلت لا يصدق في القضاء كذا هذا ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى لأنه يحتمله كلامه وإن كان خلاف الظاهر ولو أكره على الإخبار فيما مضى ثم قال ما أردت به الخبر عن الماضي فهو كافر في القضاء وفيما بينه وبين الله تعالى لأنه لم يجبه إلى ما دعاه إليه بل أخبر أنه أنشأ الكفر طوعا ولو قال لم يخطر ببالي شيء آخر لا يحكم بكفره لأنه إذا لم يرد شيئا يحمل على الإجابة إلى ظاهر الكلمة مع اطمئنان القلب بالإيمان فلا يحكم بكفره

قسم V07/P178

وكذلك لو أكره على الصلاة للصليب فقام يصلي فخطر بباله أن يصلي لله تعالى وهو مستقبل القبلة أو غير مستقبل القبلة فينبغي أن ينوي بالصلاة أن تكون لله عز وجل فإذا قال نويت به ذلك لم يصدق في القضاء ويحكم بكفره لأنه أتى بغير ما دعي إليه فكان طائعا والطائع إذا فعل ذلك وقال نويت به ذلك لا يصدق في القضاء كذا هذا ويصدق فيما بينه وبين الله عز شأنه لأنه نوى ما يحتمله فعله ولو صلى للصليب ولم يصل لله سبحانه وتعالى وقد خطر بباله ذلك فهو كافر بالله في القضاء وفيما بينه وبين الله تعالى لأنه صلى للصليب طائعا مع إمكان الصلاة لله تعالى وإن كان مستقبل الصليب فإن لم يخطر بباله شيء وصلى للصليب ظاهرا وقلبه مطمئن بالإيمان لا يحكم بكفره ويحمل على الإجابة إلى ظاهر ما دعى إليه مع سكون قلبه بالإيمان وكذلك لو أكره على سب النبي فخطر بباله رجل آخر اسمه محمد فسبه وأقر بذلك لا يصدق في الحكم ويحكم بكفره لأنه إذا خطر بباله رجل آخر فهذا طائع في سب النبي محمد عليه الصلاة والسلام ثم قال عنيت به غيره فلا يصدق في الحكم ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى لأنه يحتمله ( ( ( يحتمل ) ) ) كلامه ولو لم يقصد بالسب رجلا آخر فسب النبي فهو كافر في القضاء وفيما بينه وبين الله جل شأنه ولو لم يخطر بباله شيء لا يحكم بكفره ويحمل على جهة الإكراه على ما مر والله سبحانه وتعالى أعلم هذا إذا كان الإكراه على الكفر تاما فأما إذا كان ناقصا يحكم بكفره لأنه ليس بمكره في الحقيقة لأنه ما فعله للضرورة بل لدفع الغم عن نفسه ولو قال كان قلبي مطمئنا بالإيمان لا يصدق في الحكم لأنه خلاف الظاهر كالطائع إذا أجرى الكلمة ثم قال كان قلبي مطمئنا بالإيمان ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى وأما المكره على إتلاف مال الغير إذا أتلفه يجب الضمان على المكره دون المكره إذا كان الإكراه تاما لأن المتلف هو المكره من حيث المعنى وإنما المكره بمنزلة الآلة على معنى أنه مسلوب الاختيار إيثارا وارتضاء وهذا النوع من الفعل مما يمكن تحصيله بآلة غيره بأن يأخذ المكره فيصر ( ( ( فيضربه ) ) ) به على المال فأمكن جعله آلة المكره فكان التلف حاصلا بإكراهه فكان الضمان عليه وإن كان الإكراه ناقصا فالضمان على المكره لأن الإكراه الناقص لا يجعل المكره آلة المكره لأنه لا يسلب الاختيار أصلا فكان الإتلاف من المكره فكان الضمان عليه وكذلك لو أكره على أن يأكل مال غيره فالضمان عليه لأن هذا النوع من الفعل وهو الأكل مما لا يعمل عليه الإكراه لأنه لا يتصور تحصيله بآلة غيره فكان طائعا فيه فكان الضمان عليه ولو أكره على أن يأكل طعام نفسه فأكل أو على أن يلبس ثوب نفسه فلبس حتى تخرق لا يجب الضمان على المكره لأن الإكراه على أكل مال غير ( ( ( غيره ) ) ) لما لم يوجب الضمان على المكره فعلى مال نفسه أولى مع ما أن أكل مال نفسه وليس ( ( ( ولبس ) ) ) ثوب نفسه لبس ( ( ( ليس ) ) ) من باب الإتلاف بل هو صرف مال نفسه إلى مصلحة بقائه ومن صرف مال نفسه إلى مصلحته لا ضمان له على أحد ولو أذن صاحب المال المكره بإتلاف ماله من غير إكراه فأتلفه لا ضمان على أحد لأن الإذن بالإتلاف يعمل في الأموال لأن الأموال مما تباح بالإباحة وإتلاف مال مأذون فيه لا يوجب الضمان والله سبحانه وتعالى أعلم وأما النوع الثالث فأما المكره على القتل فإن كان الإكراه تاما فلا قصاص عليه عند أبي حنيفة ومحمد رضي الله عنهما ولكن يعزر ويجب على المكره وعند أبي يوسف رحمه الله لا يجب القصاص عليهما ولكن تجب الدية على المكره

قسم V07/P178–V07/P179

وعند زفر رحمه الله يجب القصاص على المكره دون المكره وعند الشافعي رحمه الله يجب عليهما وجه قول الشافعي رحمه الله أن القتل اسم لفعل يفضي إلى زهوق الحياة عادة وقد وجد في كل واحد منهما إلا أنه حصل من المكره مباشرة ومن المكره تسبيبا فيجب القصاص عليهما جميعا وجه قول زفر رحمه الله أن القتل وجد من المكره حقيقة حسا ومشاهدة وإنكار المحسوس مكابرة فوجب اعتباره منه دون المكره إذ الأصل اعتبار الحقيقة لا يجوز العدول عنها إلا بدليل وجه قول أبي يوسف رحمه الله أن المكره ليس بقاتل حقيقة بل هو مسبب للقتل وإنما القاتل هو المكره حقيقة ثم لما لم يجب القصاص عليه فلأن لا يجب على المكره أولى وجه قول أبي حنيفة ومحمد عليهما الرحمة ما روي عن رسول الله أن قال عفوت عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وعفو الشيء عفو عن موجبه فكان موجب المستكره عليه معفوا بظاهر الحديث ولأن القاتل هو المكره من حيث المعنى وإنما الموجود من المكره صورة القتل فأشبه الآلة إذ القتل مما يمكن اكتسابه بآلة الغير كإتلاف المال ثم المتلف هو المكره حتى كان الضمان عليه فكذا القاتل ألا ترى أنه إذا أكره على قطع يد نفسه له أن يقتص من المكره ولو كان هو القاطع حقيقة لما اقتص ولأن معنى الحياة أمر لا بد منه في باب القصاص قال الله تعالى ولكم في القصاص حياة ومعنى الحياة شرعا واستيفاء لا يحصل بشرع القصاص في حق المكره واستيفائه منه على ما مر في مسائل الخلاف لذلك وجب على المكره دون المكره وإن كان الإكراه ناقصا وجب القصاص على المكره بلا خلاف لأن الإكراه الناقص يسلب الاختيار أصلا فلا يمنع وجوب القصاص وكذلك لو كان المكره صبيا أو معتوها يعقل ما أمره ( ( ( أمر ) ) ) به فالقصاص على المكره عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لما ذكرنا ولو كان الصبي المكره يعقل وهو مطاع أو بالغ مختلط العقل وهو مسلط لا قصاص عليه وعلى عاقلته الدية لأن عمد الصبي خطأ ولو قال المكره على قتله للمكره ( ( ( المكره ) ) ) اقتلني من غير إكراه فقتله لا قصاص عليه عند أصحابنا الثلاثة لأنه لو قتله من غير إذن لا يجب عليه فهذا أولى وعند زفر يجب عليه القصاص وكذا لا قصاص على المكره عندنا وفي وجوب الدية روايتان وموضع المسألة كتاب الديات ومن الأحكام التي تتعلق بالإكراه على القتل أن المكره على قتل مورثه لا يحرم الميراث عند أصحابنا الثلاثة لما ذكرنا أن الموجود من المكره صورة القتل لا حقيقته بل هو في معنى الآلة فكان القتل مضافا إلى المكره ولأنه قتل لا يتعلق به وجوب القصاص ولا يوجوب ( ( ( وجوب ) ) ) الكفارة فلا يوجب حرمان الميراث وعلى قياس قول زفر والشافعي رحمهما الله يحرم الميراث لأنه يتعلق به وجوب القصاص وأما المكره فيحرم الميراث عند أبي حنيفة ومحمد والشافعي رضي الله عنهم لوجوب القصاص عليه وعند أبي يوسف وزفر رحمهما الله لا يحرم لانعدام وجوب القصاص عليه والكفارة والله سبحانه وتعالى أعلم هذا إذا كان المكره بالغا فإن كان صبيا وهو وارث المقتول لا يحرم الميراث لأن من شرط كون القتل جارما ( ( ( جازما ) ) ) أن يكون حراما وفعل الصبي لا يوصف بالحرمة ولهذا إذا قتله بيد نفسه لا يحرم فإذا قتله بيد غيره أولى وكذلك المكره على قطع يد إنسان إذا قطع فهو على الاختلاف الذي ذكرنا في القتل غير أن صاحب اليد إذا كان أذن للمكره بقطع يده من غير إكراه فقطع لا ضمان على أحد وفي باب القتل إذا أذن لمكره ( ( ( المكره ) ) ) على قتله المكره ( ( ( للمكره ) ) ) بالقتل فقتل فهو اختلاف الرواية في وجوب الدية على المكره والله سبحانه وتعالى أعلم

قسم V07/P179–V07/P180

والفرق أن الأطراف يسلك بها مسلك الأموال في بعض الأحوال والإذن بإتلاف المال المحض مبيح فالأذن بإتلاف ماله حكم المال في الجملة يورث شبهة الإباحة فيمنع وجوب الضمان بخلاف النفس يدل على التفرقة بينهما أنه إذا قال له لتقطعن يدك وإلا لأقتلنك كان في سعة من ذلك ولا يسعه ذلك في النفس والله عز وجل ( ( ( وتعالى ) ) ) أعلم وأما المكره على الزنا فقد كان أبو حنيفة رحمه الله يقول أولا إذا أكره الرجل على الزنا يجب عليه الحد وهو القياس لأن الزنا من الرجل لا يتحقق إلا بانتشار الآلة والإكراه لا يؤثر فيه فكان طائعا في الزنا فكان عليه الحد ثم رجع وقال إذا كان الإكراه من السلطان لا يجب بناء على أن الإكراه لا يتحقق إلا من السلطان عنده وعندهما يتحقق من السلطان وغيره فإذا جاء من غير السلطان ما يجيء من السلطان لا يجب والفرق لأبي حنيفة ما ذكرنا من قبل أن المكره يلحقه الغوث إذا كان الإكراه من غير السلطان ولا يجد غوثا إذا كان الإكراه منه وأما قوله إن الزنا لا يتحقق إلا بانتشار الآلة فنعم لكن ليس كل من تنتشر آلته يفعل فكان فعله بناء على إكراهه فيعمل فيه لضرورته مدفوعا إليه خوفا من القتل فيمنع وجوب الحد ولكن يجب العقر على المكره لأن الزنا في دار الإسلام لا يخلو عن إحدى الغرامتين وإنما وجب ( ( ( يجب ) ) ) العقر على المكره دون المكره لأن الزنا مما لا يتصور تحصيله بآلة غيره والأصل أن كل ما لا يتصور تحصيله بآلة الغير فضمانه على المكره وما يتصور تحصيله بآلة الغير فضمانه على المكره كذلك المرأة إذا أكرهت عل الزنا لا حد عليها لأنها بالإكراه صارت محمولة على التمكين خوفا من مضرة السيف فيمنع وجوب الحد عليها كما في جانب الرجل بل أولى لأن الموجود منها ليس إلا التمكين ثم الإكراه لما أثر في جانب الرجل فلأن يؤثر في جانبها أولى هذا إذا كان إكراه الرجل تاما فأما إذا كان ناقصا بحبس أو قيد أو ضرب لا يخاف منه التلف يجب عليه الحد لما مر أن الإكراه الناقص لا يجعل المكره مدفوعا إلى فعل ما أكره فبقي مختارا مطلقا فيؤاخذ بحكم فعله وأما في حق المرأة فلا فرق بين الإكراه التام والناقص ويدرأ الحد عنها في نوعي الإكراه لأنه لم يوجد منها فعل الزنا بل الموجود هو التمكين وقد خرج من أن يكون دليل الرضا بالإكراه فيدرأ عنها الحد هذا الذي ذكرنا إذا كان المكره عليه معينا فأما إذا كان مخيرا فيه بأن أكره على أحد فعلين من الأنواع الثلاثة غير معين فنقول وبالله التوفيق أما الحكم الذي يرجع إلى الآخرة وهو ما ذكرنا من الإباحة والرخصة والحرمة المطلقة فلا يختلف التخيير بين المباح والمرخص أنه يبطل حكم الرخصة أعني به أن كل ما يباح حالة التعيين يباح حالة التخيير وكل ما لا يباح ولا يرخص حالة التعيين لا يباح ولا يرخص حالة التخيير وكل ما يرخص حالة التعيين يرخص حالة التخيير إلا إذا كان التخيير بين المباح وبين المرخص وبيان هذه الجملة إذا أكره على أكل ميتة أو قتل مسلم يباح له الأكل ولا يرخص له القتل وكذا إذا أكره على أكل ميتة أو أكل ما لايباح ولا يرخص حالة التعيين من قطع اليد وشتم المسلم والزنا يباح له الأكل ولا يباح شيء من ذلك ولا يرخص كما في حالة التعيين ولو امتنع من الأكل حتى قتل يأثم كما في حالة التعيين ولو أكره على القتل والزنا لا يرخص له أن يفعل أحدهما ولو امتنع عنهما لا يأثم إذا قتل بل يثاب كما في حالة التعيين ولو أكره على القتل أو الإتلاف لمال إنسان رخص له الإتلاف ولو لم يفعل أحدهما حتى قتل لا يأثم بل يثاب كما في حالة التعيين

قسم V07/P180–V07/P181

وكذا إذا أكره على قتل إنسان وإتلاف مال نفسه يرخص له الإتلاف دون القتل كما في حالة التعيين ولو امتنع عنهما حتى قتل لا يأثم وكذا لو أكره على القتل أو الكفر يرخص له أن يجري كلمة الكفر إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان ولا يرخص له القتل ولو امتنع حتى قتل فهو مأجور كما في حالة التعيين فأما إذا أكره على أكل ميتة أو الكفر لم يذكر هذا الفصل في الكتاب وينبغي أن لا يرخص له كلمة الكفر أصلا كما لا يرخص له القتل لأن الرخصة في إجراء الكلمة لمكان الضرورة ويمكنه دفع الضرورة بالمباح المطلق وهو الأكل فكان إجراء الكلمة حاصلا باختياره مطلقا فلا يرخص له والله أعلم وأما الحكم الذي يرجع إلى الدنيا فقد يختلف بالتخيير حتى إنه لو أكره على أكل الميتة أو قتل المسلم فلم يأكل وقتل يجب القصاص على المكره لأنه أمكنه دفع الضرورة بتناول المباح فكان القتل حاصلا باختياره من غير ضرورة فيؤاخذ بالقصاص ولو أكره على القتل أو الكفر فلم يأت بالكلمة وقتل فالقياس أن يجب القصاص على المكره لأنه مختار في القتل حيث آثر الحرام المطلق على المرخص فيه وفي الاستحسان أنه لا قصاص عليه ولكن تجب الدية في ماله إن لم يكن عالما أن لفظ الكفر مرخص له منهم من استدل بهذه اللفظة على أنه لو كان عالما ومع ذلك تركه وقتل يجب القصاص على المكره لأنه أخرجها مخرج الشرط ومنهم من قال لا يجب علم أو لم يعلم وجه الاستحسان ما ذكر في الكتاب أن أمر هذا الرجل محمول على أنه ظن أن إجراء كلمة الكفر على اللسان أعظم حرمة من القتل فأورث شبهة الرخصة في القتل والقصاص لا يجب مع الشبهات حتى لو كان عالما يجب القصاص عند بعضهم لانعدام الظن المورث للشبهة وعند بعضهم لا يجب لأنه وإن علم بالرخصة فقد استعظم حرف الكفر بالامتناع عنه فجعل استعظامه شبهة دارئة للقصاص والله سبحانه وتعالى أعلم وإنما وجبت ( ( ( وجب ) ) ) الدية في ماله لا على العاقلة لأنه عمد وقال عليه الصلاة والسلام لا تعقل العاقلة عمدا ولا يرجع على المكره لأن القتل حصل باختياره فلا يملك الرجوع عليه ولو أكره على القتل أو الزنا فزنا القياس أن يجب عليه الحد وفي الاستحسان يدرأ عنه لما مر ولو قتل لا يجب القصاص على المكره ولكنه يؤدب بالحبس والتعزير ويقتص من المكره كما في حالة التعيين على ما مر والله أعلم هذا كله إذا كان الإكراه على الأفعال الحسية فأما إذا كان على التصرفات الشرعية فنقول وبالله التوفيق التصرفات الشرعية في الأصل نوعان 2 إنشاء وإقرار والإنشاء نوعان نوع لا يحتمل الفسخ ونوع يحتمله أما الذي لا يحتمل الفسخ فالطلاق والعتاق والرجعة والنكاح واليمين والنذر والظاهر ( ( ( والظهار ) ) ) والإيلاء والفيء في الإيلاء والتدبير والعفو عن القصاص وهذه التصرفات جائزة مع الإكراه عندنا وعند الشافعي رحمه الله لا تجوز واحتج بما روي عن رسول الله أنه قال عفوت عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه فلزم أن يكون حكم كل ما استكره عليه عفوا ولأن القصد إلى ما وضع له التصرف شرط جوازه ولهذا لا يصح تصرف الصبي والمجنون وهذا الشرط يفوت بالإكراه لأن المكره لا يقصد بالتصرف ما وضع له وإنما يقصد دفع مضرة السيف عن نفسه ولنا أن عمومات النصوص وإطلاقها يقتضي شرعية هذه التصرفات من غير تخصيص وتقييد أما الطلاق فلقوله سبحانه وتعالى فطلقوهن لعدتهن وقوله عليه الصلاة والسلام كل طلاق جائز إلا طلاق الصبي والمعتوه ولأن الفائت بالإكراه ليس إلا الرضا طبعا وأنه ليس بشرط لوقوع الطلاق فإن طلاق الهازل واقع وليس براض به طبعا وكذلك الرجل قد يطلق امرأته الفائقة حسنا وجمالا الرائقة تغنجا ودلالا لخلل في دينها وإن كان لا يرضى به طبعا ويقع الطلاق عليها

قسم V07/P181–V07/P182

وأما الحديث فقد قيل إن المراد منه الإكراه على الكفر لأن القوم كانوا حديثي العهد بالإسلام وكان الإكراه على الكفر ظاهرا يومئذ وكان يجري على ألسنتهم كلمات الكفر خطأ وسهوا فعفا الله جل جلاله عن ذلك عن هذه الأمة على لسان رسول الله مع ما أنا نقول بموجب الحديث إن كل مستكره عليه معفو عن هذه الأمة لكنا لا نسلم أن الطلاق والعتاق وكل تصرف قولي مستكره عليه وهذا لأن الإكراه لا يعمل على الأقوال كما يعمل على الاعتقادات لأن أحدا لا يقدر على استعمال لسان غيره بالكلام على تغيير ما يعتقده بقلبه جبرا فكان كل متكلم مختارا فيما يتكلم به فلا يكون مستكرها عليه حقيقة فلا يتناوله الحديث وقوله القصد إلى ما وضع له التصرف بشرط اعتبار التصرف قلنا هذا باطل بطلاق الهازل ثم إن كان شرطا فهو موجود ههنا لأنه قاصد دفع الهلاك عن نفسه ولا يندفع عنه إلا بالقصد إلى ما وضع له فكان قاصدا إليه ضرورة ثم لا يخلو إما إن أكره على تنجيز الطلاق أو على تعليقه بشرط أو على تحصيل الشرط الذي علق به قوع ( ( ( وقوع ) ) ) الطلاق وحكم الجواز لا يختلف في نوعي التنجيز والتعليق وحكم الضمان يتفق مرة ويختلف أخرى وسنذكر تفصيل هذه الجملة في فصل الإكراه على الإعتاق وإنما نذكر ههنا حكم جواز التطليق المنجز فنقول إذا جاز طلاق المكره فإن كان قبل الدخول بها يجب عليه نصف المفروض إن كان المهر مفروضا والمتعة إذا لم يكن مفروضا لأن هذا حكم الطلاق قبل الدخول ويرجع به على المكره لأنه هو الذي دفعه إلى مباشرة سببه وهو الطلاق فكان قرار الضمان عليه وإذا كان بعد الدخول بها يجب عليه كمال المهر ولا سبيل له على المكره لأن المهر يتأكد باستيفاء منفعة البضع على وجه لا يحتمل السقوط وهو الذي استوفى المبدل باختياره فعليه تسليم البدل والله أعلم وكذلك إذا كان الإكراه ناقصا لا سبيل على المكره لأنه لا يخل باختيار المكره أصلا على ما مر هذا إذا كان الإكراه على الطلاق فأما إذا كان الإكراه على التوكيل بالطلاق ففعله الوكيل فحكمه يذكر في فصل الإكراه على الإعتاق إن شاء الله تعالى وأما العتاق فلما روي أن رجلا جاء إلى النبي وقال علمني عملا يدخلني الجنة فقال أعتق النسمة وفك الرقبة فقال أو ليسا واحدا فقال لا عتق النسمة أن تفرد بعتقها وفك الرقبة أن تعين في عتقها وغيره من الأحاديث التي فيها الندب إلى الإعتاق من غير فصل بين المكره والطائع ولأن الإعتاق تصرف قولي فلا يؤثر فيه الإكراه كالطلاق ثم لا يخلو إما أن كان على تنجيز العتق أو على تعليقه بشرط أو على شرط العتق المعلق به أما إذا كان الإكراه على تنجيز العتق فأعتق يضمن المكره قيمة العبد موسرا كان أو معسرا ولا يرجع المكره على العبد بالضمان ولا سعاية على العبد والولاء لمولاه أما وجوب الضمان على المكره فلأن العبد آدمي هو مال والإعتاق إتلاف المالية والأموال مضمونة على المكره بالإتلاف فكان الضمان على المكره كما في سائر الأموال ويستوي فيه يساره وإعساره لأن ضمان الإتلاف لا يختلف باليسار والإعسار ولا يرجع على العبد بالضمان لأن سبب وجوب الضمان منه باختياره فلا معنى للرجوع إلى غيره والولاء للمكره لأن الإعتاق من حيث هو كلام مضاف إلى المكره لاستحالة ورود الإكراه على الأقوال فكان الولاء له ولا سعاية على العبد لأن العبد إنما يستسعى إما لتخريجه إلى العتق تكميلا له واما لتعليق حق الغير به وقد عتق كله فلا حاجة إلى التكميل وكذا لا حق لأحد تعلق به فلا سعاية عليه ولو أكره على شراء ذي رحم محرم منه عتق عليه لأن شراء القريب إعتاق بالنص والإكراه لا يمنع جواز الإعتاق لكن لا يرجع المكره ههنا بقيمة العبد على المكره لأنه حصل له عوض وهو صلة الرحم

قسم V07/P182–V07/P183

ولو كان العبد مشتركا بين اثنين فأكره أحدهما على إعتاقه فأعتقه جاز عتقه لما ذكرنا أن الإكراه لا يمنع جواز الإعتاق لكن يعتق نصفه عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعندهما يعتق كله بناء على أن الإعتاق يتجزأ عنده وعندهما لا يتجزأ ولا يضمن الشريك المكره للشريك الآخر نصيبه ولكن يضمن المكره نصيب المكره لأن الإعتاق من حيث هو إتلاف المال مضاف إلى المكره فكان المتلف من حيث المعنى هو المكره فكان الضمان عليه سواء كان موسرا أو معسرا وهذا بخلاف حالة الاختيار إذا أعتقه أحد الشريكين أنه لايضمن لشريكه الساكت إذا كان المعتق معسرا وههنا يضمن موسرا كان أو معسرا لأن الضمان الواجب على المكره ضمان إتلاف على ما مر والأصل أن ضمان الإتلاف لا يختلف باليسار والإعسار فالواجب على أحد الشريكين حالة الاختيار ليس بضمان إتلاف لانعدام الإتلاف منه في نصيب شريكه أما على أصل أبي حنيفة رضي الله عنه فظاهر لأنه لا يعتق نصيب شريكه وأما على أصلهما فإن عتق لكن لا بإعتاقه لأن إعتاقه تصرف في ملك نفسه إلا أنه عتق نصيب شريكه عند تصرفه لا بتصرفه فلا يكون مضافا إليه كمن حفر بئرا في دار نفسه فوقع فيها غيره أو سقى أرض نفسه ففسدت أرض غيره حتى لا يجب عليه الضمان إلا أن وجوب الضمان على أحد الشريكين حالة الاختيار عرف شرعا والشرع ورد به على الموسر فيقتصر على مورد الشرع وشريك المكره بالخيار إن شاء أعتق نصيبه وإن شاء دبره وإن شاء كاتبه وإن شاء استسعاه معسرا كان المكره أو موسرا وإن شاء ضمن المكره إن كان موسرا فإن اختار تضمين المكره فالولاء بين المكره والمكره لأنه انتقل نصيبه إليه باختيار طريق الضمان وإن اختار الإعتاق أو السعاية فالولاء بينه وبين شريكه وهذا قول أبي حنيفة رضي الله عنه وعندهما إن كان المكره موسرا فلشريك المكره أن يضمنه لا غير وإن كان معسرا فله أن يستسعي العبد لا غير كما في حالة الاختيار وموضع المسألة في كتاب العتاق وإنما ذكرنا بعض ما يختص بالإكراه والله تعالى الموفق وأما التدبير فلأن التدبير تحرير قال النبي المدبر لا يباع ولا يوهب وهو حر من الثلث إلا أنه للحال تحرير من وجه والإكراه لا يمنع نفاذ التحرير من كل وجه فلا يمنع نفاذ التحرير من وجه بالطريق الأولى ويرجع المكره على المكره للحال بما نقصه التدبير وبعد موته يرجع ورثته على المكره ببقية قيمته لأن التدبير للحال إثبات الحرية من وجه وإنما تثبت الحرية من كل وجه في آخر جزء من أجزاء حياته فكان الإكراه على التدبير إتلافا لمال المكره للحال من وجه فيضمن بقدره من النقصان ثم يتكامل الإتلاف في آخر جزء من أجزاء حياته فيتكامل الضمان عند ذلك وذلك بقية قيمته فإذا مات المكره صار ذلك ميراثا لورثته فكان لهم أن يرجعوا به على المكره والله تعالى الموفق هذا إذا أكره على تنجيز العتق فأما إذا أكره على تعليق العتق بشرط أما حكم الجواز فلا يختلف في النوعين لما ذكرنا وأما حكم الضمان فقد يختلف بيان ذلك إذا أكره على تعليق العتق بفعل نفسه فإنه ينظر فإن كان فعلا لا بد منه بأن كان مفروضا عليه أو يخاف من تركه الهلاك على نفسه كالأكل والشرب ففعله حتى عتق يرجع بالضمان على المكره لأن الإكراه على تعليق العتق بفعل لا بد له منه إكراه على ذلك الفعل فكان مضافا إلى المكره وإن كان فعلا له منه بد كتقاضي دين الغريم أو تناول شيء له منه بد ففعل حتى عتق لا يرجع بالضمان على المكره لأنه إذا كان له منه بد لا يكون مضطرا إلى تحصيله إذ لا يلحقه بتركه كثير ضرر فأشبه الإكراه الناقص فلا يكون الإكراه على تعليق العتق به إكراها عليه فلا يكون تلف المال مضافا إلى المكره فلا يرجع عليه بالضمان

قسم V07/P183

ولو أكره على أن يقول كل مملوك أملكه فيما أستقبله فهو حر فقال ذلك ثم ملك مملوكا حتى عتق عليه فإن ملك بشراء أو هبة أو صدقة أو وصية لا ضمان على المكره لأنه إنما ملكه باختياره فيقطع إضافة إكراه الإتلاف إلى المكره وإن ملك بإرث فكذلك في القياس وفي الاستحسان يضمن لأنه لا صنع للمكره في الإرث فبقي الإتلاف مضافا إلى المكره ولو أكره على أن يقول لعبده إن شئت فأنت حر فقال شئت حتى عتق ضمن المكره لأن مشيئة المكره ( ( ( العبد ) ) ) العتق توجد غالبا فأشبه التعليق بفعل لا بد منه فكان الإكراه على الإعتاق إكراها عليه هذا إذا أكره على تعليق العتق بالشرط فأما إذا أكره على تحصيل الشرط الذي علق به العتق عن طوع بأن قال رجل لعبد إن ملكتك فأنت حر فأكره على الشراء فاشتراه حتى عتق لا يرجع على المكره بشيء لأن العتق لم يثبت بالشرط وهو الشراء وإنما ثبت بالكلام السابق وهو طائع فيه وكذا إذا قال لعبده إن دخلت الدار فأنت حر فأكره على الدخول حتى عتق لا ضمان على المكره لما ذكرنا ثم إنما يضمن المكره في جميع ما وصفنا إذا كان الإكراه تاما فأما إذا كان ناقصا فلا ضمان لما مر أن الإكراه الناقص لا يقطع الإضافة عن المكره بوجه فلا يوجب الضمان على المكره والله تعالى أعلم هذا الذي ذكرنا إذا أكره على الإعتاق المطلق عينا فأما إذا أكره على أحدهما غير عين بأن أكره على أن يعتق عبده أو يطلق امرأته فإن لم تكن المرأة مدخولا بها ففعل المكره أحدهما غرم المكره الأقل من قيمة العبد ومن نصف مهر المرأة أما إذا فعل أقلهما ضمانا فظاهر لأنه ما أتلف عليه إلا هذا القدر وكذلك إذا فعل أكثرهما ضمانا لأنه أمكنه دفع الضرورة بأقل الفعلين ضمانا فإذا فعل أكثرهما ضمانا كان مختارا في الزيادة لانعدام الاضطرار في هذا القدر فلا يكون تلف هذا القدر مضافا إلى المكره وإن كانت المرأة مدخولا بها ففعل المكره أحدهما لا شيء على المكره أما إذا طلق فظاهر لأن الطلاق بعد الدخول لا يوجب الضمان على المكره لما ذكرنا من قبل وكذلك إذا أعتق لأنه أمكنه دفع الضرورة بما لا يتعلق فيه ضمان أصلا وهو الطلاق فكان مختارا في الإعتاق فلا يكون الإتلاف مضافا إلى المكره فلا يضمن وكذلك إذا كانت المرأة غير مدخول بها ولكن الإكراه ناقص ففعل المكره أحدهما لا ضمان على المكره لما مر أن الإكراه الناقص لا يقطع إضافة الفعل إلى المكره لأن الضرورة لا تتحقق به فكان مختارا مطلقا فيه فلا يؤاخذ به المكره هذا إذا أكره على الإعتاق فأما إذا أكره على التوكيل بالإعتاق فوكل غيره به ففعل الوكيل فالقياس أن لا يصح التوكيل ولا يجوز إعتاق الوكيل لأن التوكيل تصرف يحتمل الفسخ فأشبه البيع ولهذا يبطله الهزل كالبيع فلا يصح مع الإكراه كما لا يصح البيع وفي الاستحسان يجوز لأن الإكراه لا يمنع صحة الإعتاق فلا يمنع صحة التوكيل بالإعتاق بخلاف البيع فإن الإكراه يمنع صحة البيع فيمنع صحة التوكيل به وأما قوله أنه يحتمل الفسخ والهزل فنعم لكنه تصرف قولي فلا يعمل عليه الإكراه كما لا يعمل على الإعتاق والطلاق والنكاح وغيرها ( ( ( وغيرهما ) ) ) بخلاف البيع فإنه اسم للمبادلة حقيقة وحقيقة المبادلة بالتعاطي وإنما الإيجاب والقبول دليل عليه حالة الطوع فيعمل عليه الإكراه على ما نذكر ( ( ( نذكره ) ) ) في موضعه إن شاء الله تعالى وإذا نفذ إعتاق الوكيل يرجع المكره على المكره بقيمة العبد استحسانا والقياس أن لا يرجع لأن الموجود من المكره الإكراه على التوكيل بالإعتاق لا على الإعتاق وإنما الإعتاق حصل باختيار الوكيل ورضاه فلا يكون مضافا إلى المكره كشهود التوكيل بالإعتاق إذا رجعوا لا يضمنون لأنهم شهدوا بالوكالة بالإعتاق كذا ههنا

قسم V07/P183–V07/P184

وجه الاستحسان أن الإكراه على التوكيل بالإعتاق إكراه على الإعتاق لأنه إذا وكل بالإعتاق ملك الوكيل إعتاقه عقيب التوكيل بلا فصل فيعتقه فيتلف ماله فكان الإتلاف مضافا إلى المكره فيؤاخذ بضمانه ولا ضمان على الوكيل لأنه فعل بأمره أمرا صحيحا وإن كان الإكراه ناقصا فلا ضمان على المكره لما مر غير مرة وأما النكاح فلعموم قوله تبارك وتعالى وأنكحوا الأيامى منكم وغيره من عمومات النكاح من غير تخصيص ولأن النكاح تصرف قولي فلا يؤثر فيه الإكراه كالطلاق والعتاق ثم إذا جاز النكاح مع الإكراه فلا يخلو إما إن أكره الزوج أو المرأة فإن أكره الزوج فلا يخلو إما أن يكون المسمى في النكاح مقدار مهر المثل وإما أن يكون أقل من مهر المثل وإما أن يكون أكثر منه فإن كان المسمى قدر مهر المثل أو أقل منه يجب المسمى ولا يرجع به على المكره لأنه ما أتلف عليه ماله حيث عوضه بمثله لأن منافع البضع جعلت أموالا متقومة شرعا عند دخولها في ملك الزوج لكونها سببا لحصول الآدمي تعظيما للآدمي وصيانة له عن الابتذال وإذا لم يوجد الإتلاف فلا يجب عليه الضمان وإن كان المسمى أكثر من مهر المثل يجب قدر مهر المثل وتبطل الزيادة لأن تسمية الزيادة على قدر مهر المثل لم تصح مع الإكراه فبطلت وجعل كأنه لم يفرض إلا قدر مهر المثل وهذا لأن الإكراه وقع على النكاح وعلى إيجاب المال إلا أن الإكراه لا يؤثر في النكاح ويؤثر في إيجاب المال كما يؤثر في الإقرار بالمال فكان ينبغي أن لا تصح تسمية المهر أصلا إلا أنها صحت في قدر مهر المثل شرعا لأن الشرع لو أبطل هذا القدر لأثبته ثانيا فلم يكن الإبطال مفيدا فلم يبطل لئلا يخرج الإبطال مخرج العيب ولا ضرورة في الزيادة فلا تصح تسميتها هذا إذا أكره الزوج على النكاح فأما إذا أكرهت المرأة فإن كان المسمى في النكاح قدر مهر المثل أو أكثر منه جاز النكاح ولزم وإن كان المسمى أقل من مهر المثل بأن أكرهت على النكاح بألف درهم ومهر مثلها عشرة آلاف فزوجها أولياؤها وهم مكرهون جاز النكاح لما ذكرنا وليس للمرأة على المكره من مهر مثلها شيء لأن المكره ما أتلف عليها مالا لأن منافع البضع ليست بمتقومة بأنفسها وإنما تصير متقومة بالعقد والعقد قومها بالقدر المسمى فلم يوجد من المكره إتلاف مال متقوم عليها فلا يجب عليه الضمان ولا يجب على الشهود أيضا لأنه لما لم يجب على المكره فلأن لا يجب على الشهود أولى ثم ينظر إن كان الزوج كفءا فقال للزوج إن شئت فكمل لها مهر مثلها وإلا فنفرق بينكما فإن فعل لزم النكاح وإن أبى تكميل مهر المثل يفرق بينهما إن لم ترض بالنقصان لأن لها في كمال مهر مثلها حقا لأنها تعير بنقصان مهر المثل فيلحقها ضرر العار وإذا فرق بينهما قبل الدخول بها لا شيء على الزوج لأن الفرقة جاءت من قبلها قبل الدخول بها ولو رضيت بالنقصان صريحا أو دلالة بأن دخل بها عن طوع منها فلها المسمى وبطل حقها في التفريق لكن بقي حق الأولياء فيه عند أبي حنيفة فلهم أن يفرقوا وعندهما ليس للألياء ( ( ( للأولياء ) ) ) حق التفريق لنقصان المهر على ما عرف في كتاب النكاح ولو دخل بها على كره منها لزمه تكميل مهر المثل لأن ذلك دلالة اختيار التكميل وإن لم يكن الزوج كفءا فللمرأة خيار التفريق لانعدام الكفاءة ونقصان مهر المثل أيضا وكذا الأولياء عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما لهم خيار عدم الكفاءة أما لا خيار لهم لنقصان مهر المثل فإن سقط أحد الخيارين عنها يبقى لها حق التفريق لبقاء الخيار الآخر وإن سقط الخياران جميعا فللأولياء خيار عدم الكفاءة بالإجماع

قسم V07/P184–V07/P185

وفي خيار نقصان المهر خلاف على ما عرف حتى أن الزوج إذا دخل بها قبل التفريق على كره منها حتى لزمه التكميل بطل خيار النقصان وبقي لها عدم خيار الكفاءة ولو رضيت بعدم الكفاءة أيضا صريحا ودلالة بأن دخل بها الزوج على طوع منها سقط الخياران جميعا وبطل حقها في التفريق أصلا لكن للأولياء الخياران جميعا وعندهما أحدهما دون الآخر ولو فرق بينهما قبل الدخول بها لا شيء على الزوج لأن الفرقة ما جاءت من قبله بل من قبل غيره فلا يلزمه شيء وأما الرجعة فلعموم قوله تبارك وتعالى وبعولتهن أحق بردهن عاما من غير تخصيص ولأن الرجعة لا تخلو من أن تكون بالقول أو بالفعل وهو الوطء واللمس عن شهوة والنظر إلى الفرج عن شهوة والإكراه لا يعمل على النوعين فلا يمنع جوازها والله سبحانه وتعالى أعلم وأما اليمين والنذر بأن أكره على أن يوجب على نفسه صدقة أو حجا أو شيئا من وجوه القرب والظهار والإيلاء والفيء في الإيلاء فلعمومات النصوص الواردة في هذه الأبواب من غير تخصيص الطبائع قال الله تبارك وتعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان وقال سبحانه وتعالى وليوفوا نذورهم وقال جل شأنه يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أي بالعهود ولأن النذر يمين وكفارته كفارة اليمين على لسان رسول الله وقال سبحانه وتعالى والذين يظاهرون من نسائهم وقال جلت عظمته وكبرياؤه للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤوا ( ( ( فاءوا ) ) ) فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ولأن هذه تصرفات قولية وقد مر أن الإكراه لا يعمل على الأقوال والفيء في الإيلاء في حق القادر بالجماع وفي حق العاجز بالقول والإكراه لا يؤثر في النوعين جميعا فكان طائعا في الفيء فتلزمه الكفارة ولا تلزمه في هذه التصرفات من الكفارة والقربة المنذور بها على لسان المكره لأن الكفارة وجبت على المكره على سبيل التوسيع ( ( ( التوسع ) ) ) وكذا المنذور به لأن الأمر بها مطلق عن الوقت وهما مما لا يجبر على فعلهما أيضا فلو وجب على المكره لكان لا يخلو من أن يجب عليه على الوجه الذي وجب على المكره أو على الوجه الذي وجب عليه ولا سبيل إلى الأول لأن الإيجاب على هذا الوجه لا يفيد المكره شيئا فلا معنى لرجوعه عليه ولا سبيل إلى الثاني لأنه يؤدي إلى تغيير المشروع من وجهين أحدهما جعل الموصل ( ( ( الموسع ) ) ) مضيقا والثاني جعل ما لا يجبر على فعله مجبورا على فعله وكل ذلك تغيير ولا يجوز تغير ( ( ( تغيير ) ) ) المشروع من وجه فكيف يجوز من وجهين وكذا في الإيلاء إذا لم يقربها حتى بانت بتطليقة لا يرجع بما لزمه على المكره لأنه إنما لزمه ترك القربان وهو مختار في تركه لأنه يمكنه أن يقربها في المدة حتى لا تبين فلا يلزمه فإذا لم يقرب كان ترك القربان حاصلا باختيار ( ( ( باختياره ) ) ) فلا يكون مضافا إلى المكره والله سبحانه وتعالى أعلم ولو أكره على كفارة اليمين لم يرجع على المكره لأنها لزمته بفعله ولو أكره على أن يعتق عبده عن ظهاره ينظر إن كانت قيمته قيمة عبد وسط لايرجع على المكره بشيء لأن ذلك وجب عليه بفعله فلا يرجع به عليه وإن كانت قيمته أكثر من ذلك يرجع عليه بالزيادة لأنه أتلف ذلك القدر عليه لأن الزيادة على عبد وسط لا تجب عليه بالظهار ولا تجزيه عن الظهار لأنه إعتاق دخله عوض والإعتاق بعوض وإن قل لا يجزيه ( ( ( يجزي ) ) ) عن التكفير وأما العفو عن دم العمد فلعمومات قوله تبارك وتعالى فمن تصدق به فهو كفارة له وقوله ( ( ( ولقوله ) ) ) به أي بالقصاص لأنه أقرب المذكور والتصدق بالقصاص هو العفو

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî) · 119 · Qur'an & Sunnah