Qur'an&Sunnah

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)

قسم V07/P299

وإن عفا أحدهما بطل حقه وكان للآخر القصاص إذا كان العفو قبل قضاء القاضي بالإجماع لأن حق كل واحد منهما ثابت في اليد على الكمال فالعفو من أحدهما لا يؤثر في حق الآخر كما في القصاص في النفس وكذلك لو عدا أحدهما على القاطع فقطع يده فقد استوفى حقه فللآخر الدية لما ذكرنا وأما إذا قضى القاضي بالقصاص بينهما ثم عفا أحدهما فللآخر أن يستوفي القصاص في قولهما استحسانا وقال محمد رحمه الله إذا قضى القاضي بالقصاص في اليد بينهما نصفين ودية ( ( ( وبدية ) ) ) اليد بينهما نصفين ثم عفا أحدهما بطل القصاص وجه قوله إن حق كل واحد منهما وإن كان ثابتا في كل اليد لكن القاضي لما قضى بالقصاص بينهما فقد أثبت الشركة بينهما فصار حق كل واحد منهما في البعض فإذا عفا أحدهما سقط البعض ولا يتمكن الآخر من استيفاء الكل وجه قولهما إن قضاء القاضي بالشركة لم يصادف محله لأن الشرع ما ورد بوجوب القطع في بعض اليد فيلحق بالعدم أو يجعل مجازا عن الفتوى كأنه أفتى بما يجب لهما وهو أن يجتمعا على القطع ويأخذ الدية بينهما فكان عفو أحدهما بعد القضاء كعفوه قبله ولو قضى القاضي بالدية بينهما فقبضاها ثم عفا أحدهما لم يكن للآخر القصاص وينقلب نصيبه مالا لأنهما لما قبضا الدية فقد ملكاها وثبوت الملك في الدية يقتضي أن لا يبقى الحق في كل اليد فسقط حق كل واحد منهما عن نصف اليد فإذا عفا أحدهما لا يثبت للآخر ولاية استيفاء كل اليد وكذلك لو أخذ بالدية رهنا لأن قبض الرهن قبض استيفاء لأن الدين كأنه في الرهن بدليل أنه إذا هلك يسقط الدين فصار قبضهما الرهن كقبضهما الدين ولو أخذا ( ( ( أخذ ) ) ) بالدية كفيلا ثم عفا أحدهما فللآخر القصاص لأنه ليس في الكفالة معنى الاستيفاء بل هو للتوثق لجانب الوجوب فكان الحكم بعد الكفالة كالحكم قبلها ولو قطع من رجل يديه أو رجليه قطعت يداه ورجلاه لأن استيفاء المثل ممكن ولو قطع من رجل يمينه ومن آخر يساره قطعت يمينه لصاحب اليمين ويساره لصاحب اليسار لأن تحقيق المماثلة فيه وأنه ممكن فإن قيل القاطع ما أبطل عليهما منفعة الجنسين فكيف نبطل ( ( ( تبطل ) ) ) عليه منفعة الجنس فالجواب إن كل واحد منهما ما استحق عليه إلا قطع يد واحدة وليس في قطع يد واحدة تفويت منفعة الجنس فكان الجزاء مثل الجناية إلا أن فوات منفعة الجنس عند اجتماع الفعلين حصل ضرورة غير مضاف إليهما ولو قطع أصبع رجل كلها من المفصل ثم قطع يد آخر أو يدا باليد ثم يقطع الأصبع وذلك كله في يد واحدة في اليمين أو في اليسار فلا يخلو إما إن جاءا جميعا يطلبان القصاص وإما إن جاءا متفرقين فإن جاءا جميعا يبدأ بالقصاص في الأصبع فتقطع الأصبع بالأصبع ثم يخير صاحب اليد فإن شاء قطع ما بقي وإن شاء أخذ دية يده من مال القاطع لأن حق كل واحد منهما في مثل ما قطع منه فحق صاحب اليد في قطع اليد وحق صاحب الأصبع في قطع الأصبع فيجب إيفاء حق كل واحد منهما بقدر الإمكان وذلك في البداية بالقصاص في الأصبع لأنا لو بدأنا بالقصاص في اليد لبطل حق صاحب الأصبع في القصاص أصلا ورأسا ولو بدأنا بالقصاص في الأصبع لم يبطل حق الآخر في القصاص أصلا ورأسا لأنه يتمكن من استيفائه مع النقصان فكانت البداية بالأصبع أولى وإنما خير صاحب اليد بعد قطع الأصبع لأن الكف صارت معيبة بقطع الأصبع فوجد حقه ناقصا فيثبت له الخيار كالأشل إذا قطع يد الصحيح

قسم V07/P299–V07/P300

وإن جاءا متفرقين فإن جاء صاحب اليد وصاحب الأصبع غائب تقطع اليد لصاحب اليد لأن حق صاحب اليد ثابت في اليد فلا يجوز منعه من استيفاء حقه لحق غائب يحتمل أن يحضر ويطالب ويحتمل أن لا يحضر ولا يطالب فإن جاء صاحب الأصبع بعد ذلك أخذ الأرش لتعذر استيفاء حقه عليه بعد ثبوته فيأخذ بدله ولأن القاطع قضى بطرفه حقا مستحقا عليه فصار كأنه قائم وتعذر الاستيفاء لمانع فيلزمه الأرش وإن جاء صاحب الأصبع وصاحب اليد غائب تقطع الأصبع لصاحب الأصبع لما ذكرنا في صاحب اليد ثم إذا جاء صاحب اليد بعد ذلك أخذ الأرش لما قلنا ولو قطع أصبع رجل من مفصل ثم قطع أصبع رجل آخر من مفصلين ثم قطع أصبع آخر كلها وذلك كله في أصبع واحدة فهو على التفصيل الذي ذكرنا إن الأمر لا يخلو إما إن جاؤوا جميعا يطلبون القصاص وإما إن جاؤوا متفرقين فإن جاؤوا جميعا يبدأ بقطع المفصل الأعلى لصاحب الأعلى ثم يخير صاحب المفصلين فإن شاء استوفى الأوسط بحقه كله ولا شيء له من الأرش وإن شاء أخذ ثلثي دية أصبعه من ماله ثم يخير صاحب الأصبع فإن شاء أخذ ما بقي بأصبعه وإن شاء أخذ دية أصبعه من مال الذي قطعها وإنما كان كذلك لما بينا أن حق كل واحد منهما في مثل ما قطع منه فيجب إيفاء حقوقهم بقدر الإمكان وذلك في البداية بما لا يسقط حق بعضهم وهو أن يبدأ بقطع المفصل الأعلى لصاحب الأعلى لأن البداية لا تبطل حق الباقين في القصاص أصلا لإمكان استيفاء حقهما ( ( ( حقيهما ) ) ) مع النقصان وفي البداية بالقصاص في الأصبع إبطال حق الباقين أصلا ورب رجل يختار القصاص وإن كان ناقصا تشفيا للصدر وإذا قطع منه المفصل الأعلى لصاحب الأعلى يخير الباقيان لأن كل واحد منهما وجد حقه ناقصا لحدوث العيب بالطرف وإن جاؤوا متفرقين فإن جاء صاحب الأصبع أولا تقطع له الأصبع لما ذكرنا في المسألة المتقدمة فإذا جاء الباقيان بعد ذلك يقضى لهما بالأرش لصاحب المفصل الأعلى ثلث دية الأصبع ولصاحب المفصلين ثلثا دية الأصبع لما قلنا وإن جاء صاحب المفصلين أولا يقطع له المفصلان لما ذكرنا في المسألة المتقدمة ويقضى لصاحب المفصل الأعلى بالأرش لما مر وصاحب الأصبع بالخيار إن شاء أخذ ما بقي واستوفى حقه ناقصا وإن شاء أخذ دية الأصبع لما مر وإن جاء صاحب الأعلى أولا فهو كما إذا جاؤوا معا وقد ذكرنا حكمه والله أعلم ولو قطع كف رجل من مفصل ثم قطع يد آخر من المرفق أو بدأ بالمرفق ثم بالكف وهما في يد واحدة في اليمين أو في اليسار ثم اجتمعا فإن الكف يقطع لصاحب الكف ثم يخير صاحب المرفق فإن شاء قطع ما بقي بحقه كله وإن شاء أخذ الأرش لما بينا وإن جاء أحدهما والآخر غائب فإن جاء صاحب الكف قطع له الكف ولا ينتظر الغائب لما مر ثم إذا جاء صاحب المرفق أخذ الأرش وإن جاء صاحب المرفق أولا يقطع له المرفق أولا ثم إذا جاء صاحب اليد بعد ذلك يأخذ أرش اليد والله سبحانه وتعالى أعلم ولو قطع المفصل الأعلى من سبابة رجل ثم عاد فقطع المفصل الثاني منها فعليه القصاص من المفصل الأول ولا قصاص عليه في المفصل الثاني وعليه قيمة الأرش وكذلك لو قطع أصبع رجل من أصلها ثم قطع الكف التي منها الأصبع كان عليه القصاص في الأصبع ولا قصاص عليه في الكف وعليه الأرش في الكف ناقصة بأصبع وكذلك لو قطع يد رجل وهي صحيحة ثم قطع ساعده من المرفق من اليد التي قطع منها الكف عليه في اليد القصاص ولا قصاص عليه في الساعد بل فيه أرش حكومة كذا روي عن أبي حنيفة رضي الله عنه ولم يفصل بين ما إذا كانت الجناية الثانية بعد برء الأولى أو قبلها

قسم V07/P300–V07/P301

وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى إذا كانت الثانية بعد برء الأولى فهما جنايتان متفرقتان وإن كانت قبل البرء فهي جناية واحدة ذكر قولهما في الزيادات وجه قولهما أن الجنايتين إذا كانتا قبل البرء فهما في حكم جناية واحدة بدليل أن من قطع يد رجل خطأ ثم قتله وجبت عليه دية واحدة فصار كأنه قطع المفصلين معا بضربة واحدة فيجب القصاص فيهما وإذا برئت الأولى فقد استقرت واستقر حكمها فكانت الثانية جناية مفردة في مفصل مفرد فتفرد بحكمها فيجب القصاص في الأولى والأرش في الثانية ولأبي حنيفة رضي الله عنه إن وقت قطع المفصل الأعلى كانت الأصبعان صحيحتين أعلى ( ( ( أعني ) ) ) أصبع القاطع والمقطوع له المفصل أولا فكانت بين الأصبعين مماثلة فأمكن استيفاء القصاص على وجه المماثلة ولم يكن بينهما مماثلة وقت قطع المفصل الثاني لأن أصبع القاطع كامل وقت القطع فيكون استيفاء الكامل بالناقص وهذا لا يجوز فإن قيل وقت قطع المفصل كان القصاص مستحقا في المفصل الأعلى من القاطع والمستحق كالمستوفي فكان استيفاء الناقص بالناقص فالجواب عنه من وجهين أحدهما إن نفس الاستحقاق لا يوجب النقصان بدليل أنه لو جاء الأجنبي وقطع ذلك المفصل عمدا وجب القصاص عليه ولو ثبت القصاص بنفس الاستحقاق لما وجب فثبت أن النقصان لا يثبت بمجرد الاستحقاق وإنما يثبت بالاستيفاء ولم يوجد فلو وجب النقصان لكان استيفاء الكامل بالناقص والثاني إن سلم إن النقصان يثبت بنفس الاستحقاق والوجوب لكن حكما لا حقيقة والأول ناقص حقيقة فلم يكن بينهما مماثلة ولو قطع المفصل الأعلى منها فاقتص منه ثم قطع المفصل الثاني وبرىء اقتص منه لأن أصبع القاطع كانت ناقصة وقت قطع المفصل الثاني فيكون استيفاء الناقص بالناقص فتحققت المماثلة ولو كان غيره قطع المفصل الأعلى منها ثم قطع هو المفصل الثاني منها فلا قصاص عليه لانعدام المساواة بين أصبع القاطع والمقطوع وعليه ثلث دية اليد ولو قطع المفصل الأعلى فبرأ ( ( ( فبرئ ) ) ) ثم قطع المفصل الثاني فمات فالولي بالخيار إن شاء قطع المفصل ثم قتل لأن فيه استيفاء مثل حقه في القطع والقتل وإن شاء ترك المفصل وقتل لأن في إتلاف النفس إتلاف الطرف فكان المقصود حاصلا بخلاف ما إذا كانت الجنايتان من رجلين فمات من إحداهما دون الأخرى أنه إن كان ذلك كله عمدا فعلى صاحب النفس القصاص في النفس وعلى صاحب الجناية فيما دون النفس القصاص في ذلك إن كان يستطاع وإن كان لا يستطاع فالأرش وإن كان ذلك خطأ فعلى صاحب النفس دية النفس وعلى صاحب الجراحة فيما دون النفس أرش ذلك وإن كان أحدهما عمدا والآخر خطأ فعلى العامد القصاص وعلى الخاطىء الأرش ولا يدخل أحدهما في الآخر سواء كان بعد البرء أو قبل البرء ولأن الجنايتين إذا كانتا من شخص واحد يمكن جعلهما كجناية واحدة كأنهما حصلا بضربة واحدة وإذا كانتا من شخصين لا يمكن أن يجعلا كجناية واحدة لأن جعل فعل أحدهما فعل الآخر لا يتصور فلا بد أن نعتبر فعل كل واحد منهما بانفراده سواء برأت ( ( ( برئت ) ) ) الجناية الأولى أو لم تبرأ على ما نبين إن شاء الله تعالى ولو قطع من رجل نصف المفصل الأعلى من السبابة ثم قطع نصف المفصل الباقي إن كان قبل البرء يقتص منه فيقطع منه المفصل كله لأنه إذا كان قبل البرء صار كأنه قطع المفصلين جميعا بضربة واحدة ولو كان كذلك يقتص منه ويقطع منه المفصل كله كذا هذا وإن كان بعد البرء لا يقتص منه وتجب حكومة العدل في كل نصف لأنه لا يمكن استيفاء القصاص من نصف المفصل وليس له أرش مقدر فتجب حكومة العدل

قسم V07/P301–V07/P302

ولو قطع من رجل نصف المفصل الأعلى من السبابة ثم عاد فقطع المفصل الثاني فإن كان قبل البرء فلا قصاص عليه وعليه القصاص في المفصل والحكومة في نصف المفصل لأنه يصير كأنه قطعهما دفعة واحدة ولو فعل ذلك لا قصاص عليه لتعذر الاستيفاء بصفة المماثلة فكان عليه الأرش في المفصل وحكومة العدل في نصف المفصل كذا هذا وإن كان بعد البرء يجب القصاص في المفصل وحكومة العدل في نصف المفصل لأنه إذا برىء الأول فقد استقر حكمه والاستيفاء بصفة المماثلة ممكن فثبت ولاية الاستيفاء فلا يمكن استيفاء القصاص في نصف المفصل وليس له أرش مقدر فتجب فيه حكومة العدل ولو قطع من رجل يمينه من المفصل فاقتص منه ثم إن أحدهما قطع من الآخر الذراع من المرفق فلا قصاص فيه وفيه حكومة العدل عند أصحابنا الثلاثة رضي الله عنهم وقال زفر رحمه الله يجب القصاص كذا ذكر القاضي الخلاف في شرحه مختصر الطحاوي رحمه الله وذكر الكرخي عليه الرحمة الخلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف رضي الله عنهما وجه قول أبي يوسف وزفر أن استيفاء القصاص على سبيل المماثلة ممكن لأن المحلين استويا والمرفق مفصل فكان المثل مقدور الاستيفاء فلا معنى للمصير إلى الحكومة كما لو قطع يد إنسان من مفصل الزند ولأبي حنيفة ومحمد إن القصاص فيما دون النفس يعتمد المساواة في الأرش لأن ما دون النفس يسلك به مسلك الأموال لما بينا والمساواة في إتلاف الأموال معتبرة ولهذا لا يجري القصاص بين طرفي الذكر والأنثى والحر والعبد لاختلاف الأرش وههنا لا يعرف التساوي في الأرش لأن أرش الذراع حكومة العدل وذلك يكون بالحرز ( ( ( بالحزر ) ) ) والظن فلا يعرف التساوي بين أرشيهما لأن قطع الكف يوجب وهن الساعد وضعفه وليس له أرش مقدر وقيمة الوهن والضعف فيه لا تعرف إلا بالحزر والظن فلا تعرف المماثلة بين أرش ( ( ( أرشي ) ) ) الساعدين فيمتنع وجوب القصاص وعلى هذا الخلاف إذا قطع يد رجل وفيها أصبع زائدة وفي يد القاطع أصبع زائدة مثل ذلك إنه لا قصاص عند أبي حنيفة ومحمد وفيهما حكومة العدل وعند أبي يوسف يجب القصاص لوجود المساواة بين اليدين ولهما إن الأصبع الزائدة في الكف نقص فيها وعيب وهو نقص يعرف بالحزر والظن فلا تعرف المماثلة بين الكفين ولو قطع أصبعا زائدة وفي يده مثلها فلا قصاص عليه بالإجماع لأن الأصبع الزائدة في معنى التزلزل ولا قصاص في المتزلزل ولأنها نقص ولا تعرف قيمة النقصان إلا بالحزر والظن ولأنه ليس لهما أرش مقدر فلا تعرف المماثلة ولو قطع الكف التي فيها أصبع زائدة فإن كانت تلك الأصبع توهن الكف وتنقصها فلا قصاص فيها وإن كانت لا تنقصها ففيها القصاص ولا قصاص بين الأشلين كذا روى الحسن عن أبي حنيفة سواء كانت يد المقطوعة يده أقلهما شللا أو أكثرهما ( ( ( أكثر ) ) ) أو هما سواء وهو قول أبي يوسف وقال زفر إن كانا سواء ففيهما القصاص وإن كانت يد المقطوعة يده أقلهما شللا كان بالخيار إن شاء قطع يد القاطع وإن شاء ضمنه أرش يده شلاء وإن كانت يد المقطوعة يده أكثرهما شللا فلا قصاص وله أرش يده والصحيح قولنا لأن بعض الشلل في يديهما يوجب اختلاف أرشيهما وذلك يعرف بالحزر والظن فلا تعرف المماثلة وكذلك مقطوع الإبهام كلها إذا قطع يدا مثل يده لم يكن بينهما قصاص في قول أبي حنيفة وأبي يوسف لأن قطع الإبهام يوهن الكف ويسقط تقدير الأرش فلا يعرف إلا بالحزر والظن فلا تعرف المماثلة ولو قطع يد رجل ثم قتله فإن كان بعد البرء لا تدخل اليد في النفس بلا خلاف والولي بالخيار إن شاء قطع يده ثم قتله وإن شاء اكتفى بالقتل وإن شاء عفى ( ( ( عفا ) ) ) عن النفس وقطع يده وإن كان قبل البرء فكذلك في قول أبي حنيفة وفي قولهما تدخل اليد في النفس وله أن يقتله وليس له أن يقطع يده

قسم V07/P302–V07/P303

وجه قولهما أن الجناية على ما دون النفس إذا لم يتصل بها البرء لا حكم لها مع الجناية على النفس في الشريعة بل يدخل ما دون النفس في النفس كما إذا قطع يده خطأ ثم قتله قبل البرء حتى لا يجب عليه إلا دية النفس ولأبي حنيفة رضي الله عنه أن حق المجني عليه في المثل وذلك في القطع والقتل والاستيفاء بصفة المماثلة ممكن فإذا قطع المولى يده ثم قتله كان مستوفيا للمثل فيكون الجزاء مثل الجناية جزاء وفاقا بخلاف الخطأ لأن المثل هناك غير مستحق بل المستحق غير المثل لأن المال ليس بمثل النفس وكان ينبغي أن لا يجب أصلا إلا أن وجوبه ثبت معدولا به عن الأصل عند استقرار سبب الوجوب فبقيت الزيادة حال عدم استقرار السبب لعدم البرء مردودة إلى حكم الأصل والله تعالى أعلم هذا إذا كانا جميعا عمدا فأما إذا كانا جميعا خطأ فإن كان بعد البرء لا يدخل ما دون النفس في النفس وتجب دية كاملة ونصف دية تتحمله العاقلة وتؤدى في ثلاث سنين في السنة الأولى ثلثا الدية ثلث من الدية الكاملة وثلث من نصف الدية وفي السنة الثانية نصف الدية ثلث من الدية الكاملة وسدس من النصف وفي السنة الثالثة ثلث الدية لأن الدية الكاملة تؤدى في ثلاث سنين ونصف الدية يؤدى في سنتين من الثلاث وهذا يوجب أن يكون قدر المؤدي منهما وإنما لم يدخل ما دون النفس في النفس لأن الأول لما برأ فقد استقر حكمه فكان الباقي جناية مبتدأة ( ( ( مبتدأ ) ) ) فيبتدأ بحكمها وإن كان قبل البرء يدخل ما دون النفس في النفس وتجب ( ( ( ويجب ) ) ) دية واحدة لأن حكم الأول لم يستقر وإن كان أحدهما عمدا والآخر خطأ لا يدخل ما دون النفس في النفس بل يعتبر كل واحد ( ( ( واحدة ) ) ) منهما بحكمه سواء كان بعد البرء أو قبله لأن العمد مع الخطأ جنايتان مختلفتان ( ( ( مختلفان ) ) ) فلا يحتملان التداخل فيعطى لكل واحد منهما حكم نفسها فيجب في العمد القصاص وفي الخطأ الأرش هذا كله إذا كان الجاني واحدا فقطع ثم قتل فأما إذا كانا اثنين فقطع أحدهما يده ثم قتله الآخر فلا يدخل ما دون النفس في النفس كيف ما كان بعد البرء أو قبله لأن الأصل اعتبار كل جناية بحيالها لأن كل واحد منهما جناية على حدة فكان الأصل عدم التداخل وإفراد كل جناية بحكمها إلا أن عند اتحاد الجاني وعدم البرء قد يجعلان كجناية واحدة كأنهما حصلا بضربة واحدة تقديرا ولا يمكن هذا التقدير عند اختلاف الجاني لاستحالة أن يكون فعل كل واحد منهما فعلا لصاحبه حقيقة فتعذر التقدير فبقي فعل كل واحد منهما جناية مفردة حقيقة وتقديرا فيفرد حكمها فإن كانتا جميعا عمدا يجب القصاص على كل واحد منهما من القطع والقتل وإن كانتا جميعا خطأ يجب الدية عليهما يتحمل عنهما عاقلتهما في القطع والقتل وإن كان أحدهما عمدا والآخر خطأ يجب القصاص في العمد والأرش في الخطأ ولو قطع أصبع يد رجل عمدا وقطع آخر يده من الزند فمات فالقصاص على الثاني في قول أصحابنا الثلاثة رحمهم الله وقال زفر رحمه الله عليهما جميعا وبه أخذ الشافعي وجه قول زفر إن السراية باعتبار الألم والقطع الأول اتصل ألمه بالنفس وتكامل بالثاني فكانت السراية مضافة إلى الفعلين فيجب القصاص عليهما ولنا أن السراية باعتبار الآلام المترادفة التي لا تتحملها النفس إلى أن يموت وقطع اليد يمنع وصول الألم من الأصبع إلى النفس فكان قطعا للسراية فبقيت السراية مضافة إلى قطع اليد وصار كما لو قطع الأصبع فبرئت ثم قطع آخر يده فمات وهناك القصاص على الثاني كذا هذا بل أولى لأن القطع في المنع من الأثر وهو وصول الألم إلى النفس فوق البرء إذ البرء يحتمل الانتقاص والقطع لا يحتمل ثم زوال الأثر بالبرء يقطع السراية فزواله بالقطع كان أولى وأحرى

قسم V07/P303–V07/P304

ولو جنى على ما دون النفس فسرى فالسراية لا تخلو إما إن كانت إلى النفس وإما إن كانت إلى عضو آخر فإن كانت إلى النفس فالجاني لا يخلو إما أن كان متعديا في الجناية وإما إن لم يكن فإن كان متعديا في الجناية والجناية بحديد أو بخشبة تعمل عمل السلاح فمات من ذلك فعليه القصاص سواء كانت الجناية مما توجب القصاص لو برئت أولا توجب كما إذا قطع يد إنسان من الزند أو من الساعد أو شجه موضحة أو آمة أو جائفة أو أبان طرفا من أطرافه أو جرحه جراحة مطلقة فمات من ذلك فعليه القصاص لأنه لما سرى بطل حكم ما دون النفس وتبين أنه وقع قتلا من حين وجوده وللولي أن يقتله وليس له أن يفعل به مثل ما فعل حتى لو كان قطع يده ليس له أن يقطع يده عندنا وعند الشافعي رحمه الله أنه يفعل به مثل ما فعل فإن مات من ذلك وإلا قتله وكذلك إذا قطع رجل يد رجل ورجليه فمات من ذلك تحز رقبته عندنا وعنده يفعل به مثل ما فعل وقد ذكرنا المسألة فيما تقدم ولو قطع يده فعفا المقطوع عن القطع ثم سرى إلى النفس ومات فإن عفا عن الجناية أو عن القطع وما يحدث منه أو الجراحة وما يحدث منها فهو عن النفس بالإجماع وإن عفا عن القطع أو الجراحة ولم يقل وما يحدث منها لا يكون عفوا عن النفس وعلى القاطع دية النفس في ماله في قول أبي حنيفة رضي الله عنه وفي قولهما يكون عفوا عن النفس ولا شيء عليه والمسألة بأخواتها قد مرت في مسائل العفو عن القصاص في النفس ولو كان له على رجل قصاص في النفس فقطع يده ثم عفا عن النفس وبرأت ( ( ( وبرئت ) ) ) اليد ضمن دية اليد في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد لا ضمان عليه وجه قولهما إن نفس القاتل بالقتل صارت حقا لولي القتيل والنفس اسم لجملة الأجزاء فإذا قطع يده فقد استوفى حق نفسه فلا يضمن ولهذا لو قطع يده ثم قتله لا يجب عليه ضمان اليد ولو لم تكن اليد حقه لوجب الضمان عليه دل أنه بالقطع استوفى حق نفسه فبعد ذلك إن عفا عن النفس فالعفو ينصرف إلى القائم لا إلى المستوفى كمن استوفى بعض دينه ( ( ( ديته ) ) ) ثم أبرأ الغريم إن الإبراء ينصرف إلى ما بقي لا إلى المستوفى كذا هذا ولأبي حنيفة رضي الله عنه إن حق من له القصاص في الفعل وهو القتل لا في المحل وهو النفس أو يقال حقه في النفس لكن في القتل لا في حق القطع لأن حقه في المثل والموجود منه القتل لا القطع ومثل القتل هو القتل فكان أجنبيا عن اليد فإذا قطع اليد فقد استوفى ما ليس بحق له وهو متقوم فيضمن وكان القياس أن يجب القصاص إلا أنه سقط للشبهة فتجب الدية إلا أنه إذا قطع اليد ثم قتله لا يجب عليه ضمان اليد وإن كان متعديا في القطع مسيئا فيه لأنه لا قيمة لها مع إتلاف النفس بالقصاص فلا يضمن كما لو قطع يد مرتد أنه لا يضمن وإن كان متعديا في القطع لما قلنا كذا هذا ولأنه كان مخيرا بين القصاص وبين العفو فإذا عفا استند العفو إلى الأصل كأنه عفا ثم قطع فكان القطع استيفاء غير حقه فيضمن هذا إذا كان متعديا في الجناية على ما دون النفس فأما إذا لم يكن متعديا فيها فلا يجب القصاص للشبهة وتجب الدية في بعضها ولا تجب في البعض وبيان ذلك في مسائل إذا قطع يد رجل عمدا حتى وجب عليه القصاص فقطع الرجل يده فمات من ذلك ضمن الدية في قول أبي حنيفة رحمه الله وفي قولهما لا شيء عليه

قسم V07/P304

ولو قطع الإمام يد السارق فمات منه لا ضمان على الإمام ولا على بيت المال وكذلك الفصاد والبزاغ والحجام إذا سرت جراحاتهم لا ضمان عليهم بالإجماع وجه قولهما أن الموت حصل بفعل مأذون فيه وهو القطع فلا يكون مضمونا كالإمام إذا قطع يد السارق فمات منه ولأبي حنيفة رضي الله عنه أنه استوفى غير حقه لأن حقه في القطع وهو أتى بالقتل لأن القتل اسم لفعل يؤثر في فوات الحياة عادة وقد وجد فيضمن كما إذا قطع يد إنسان ظلما فسرى إلى النفس وكان القياس أن يجب القصاص إلا أنه سقط للشبهة فتجب الدية وهكذا نقول في الإمام إن فعله وقع قتلا إلا أنه لا سبيل إلى إيجاب الضمان للضرورة لأن إقامة الحد مستحقة عليه والتحرز عن السراية ليس في وسعه فلو أوجبنا الضمان لامتنع الأئمة عن الإقامة خوفا عن لزوم الضمان وفيه تعطيل الحدود والقطع ليس بمستحق على من له القصاص بل هو مخير فيه والأولى هو العفو ولا ضرورة إلى إسقاط الضمان بعد وجود سببه ولو ضرب امرأته للنشوز فماتت منه يضمن لأن المأذون فيه هو التأديب لا القتل ولما اتصل به الموت تبين أنه وقع قتلا ولو ضرب الأب أو الوصي الصبي للتأديب فمات ضمن في قول أبي حنيفة رضي الله عنه وفي قولهما لا يضمن وجه قولهما أن الأب والوصي مأذونان في تأديب الصبي وتهذيبه والمتولد من الفعل المأذون فيه لا يكون مضمونا كما لو عزر الإمام إنسانا فمات وجه قول أبي حنيفة رضي الله عنه أن التأديب اسم لفعل يبقي المؤدب حيا بعده فإذا سرى تبين أنه قتل وليس بتأديب وهما غير مأذونين في القتل ولو ضربه المعلم أو الأستاذ فمات إن كان الضرب بغير أمر الأب أو الوصي يضمن لأنه متعد في الضرب والمتولد منه يكون مضمونا عليه وإن كان بإذنه لا يضمن للضرورة لأن المعلم إذا علم أنه يلزمه الضمان بالسراية وليس في وسعه التحرز عنها يمتنع عن التعليم فكان في التضمين سد باب التعليم وبالناس حاجة إلى ذلك فسقط اعتبار السراية في حقه لهذه الضرورة وهذه الضرورة لم توجد في الأب لأن لزوم الضمان لا يمنعه عن التأديب لفرط شفقته على ولده فلا يسقط اعتبار السراية من غير ضرورة ولو قطع يد مرتد فأسلم ثم مات فلا شيء على القاطع وهذا يؤيد مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه في اعتبار وقت الفعل والأصل في هذا أن الجناية إذا وردت على ما ليس بمضمون فالسراية لا تكون مضمونة لأن الضمان يجب بالفعل السابق والفعل صادف محلا غير مضمون وكذلك لو قطع يد حربي ثم أسلم ثم مات من القطع أنه لا شيء على القاطع لأن الجناية وردت على محل غير مضمون فلا تكون مضمونة وهكذا لو قطع يد عبده ثم أعتقه ثم مات لم يضمن السراية لأن يد العبد غير مضمونة في حقه ولو قطع يده وهو مسلم ثم ارتد والعياذ بالله ثم مات فعلى القاطع دية اليد لا غير لأنه أبطل عصمة نفسه بالردة فصارت الردة بمنزلة الإبراء عن السراية ولو رجع إلى الإسلام ثم مات فعلى القاطع دية النفس في قولهما وعند محمد عليه دية اليد لا غير وجه قوله على نحو ما ذكرنا أنه لما ارتد فكأنه أبرأ القاطع عن السراية وجه قولهما أن الجناية يتعلق حكمها بالابتداء أو بالانتهاء وما بينهما لا يتعلق به حكم والمحل ههنا مضمون في الحالين فكانت الجناية مضمونة فيهما فلا تعتبر الردة العارضة فيما بينهما وأما قول محمد الردة بمنزلة البراءة فنعم لكن بشرط الموت عليها لأن حكم الردة موقوف على الإسلام والموت وقد كانت الجناية مضمونة فوقف حكم السراية أيضا وكذلك لو لحق بدار الحرب ولم يقض القاضي بلحوقه ثم رجع إلينا مسلما ثم مات من القطع فهو على هذا الخلاف

قسم V07/P304–V07/P305

وإن كان القاضي قضى بلحوقه ثم عاد مسلما ثم مات من القطع فعلى القاطع دية يده لا غير بالإجماع لأن لحوقه بدار الحرب يقطع حقوقه بدليل أنه يقسم ماله بين ورثته بعد اللحوق ولا يقسم قبله فصار كالإبراء عن الجناية ولو قطع يد عبد خطأ فأعتقه مولاه ثم مات منها فلا شيء على القاطع غير أرش اليد وعتقه كبرء اليد لأن السراية لو كانت مضمونة على الجاني فإما أن تكون مضمونة عليه للمولى وإما أن تكون مضمونة عليه للعبد لا سبيل إلى الأول لأن المولى ليس بمالك له بعد العتق ولا وجه للثاني لما ذكرنا أن السراية تكون تابعة للجناية فالجناية لما لم تكن مضمونة للعبد لا تكون سرايتها مضمونة له ولهذا قلنا إذا باعه المولى بعد القطع سقط حكم السراية وليس قطع اليد في هذا مثل الرمي في قول أبي حنيفة رحمه الله حيث أوجب عليه بالرمي القيمة وإن أعتقه المولى ولم يوجب في القطع إلا أرش اليد لما ذكرنا أن الرمي سبب الإصابة لا محالة فصار جانيا به وقت الرمي فأما القطع فليس بموجب للسراية لا محالة والله تعالى أعلم وإن كان قطع يد العبد عمدا فأعتقه مولاه ثم مات العبد ينظر إن كان المولى هو وارثه لا وارث له غيره فله أن يقتل الجاني في قولهما خلافا لمحمد وقد مرت المسألة وإن كان له وارث غيره يحجبه عن ميراثه ويدخل معه في ميراثه فلا قصاص لاشتباه الولي على ما مر ولو لم يعتقه بعد القطع ولكنه دبره أو كانت أمة فاستولدها فإنه لا تنقطع السراية ويجب نصف القيمة ويجب ما نقص بعد الجناية قبل الموت هذا إذا كان خطأ وإن كان عمدا فللمولى أن يقتص بالإجماع ولو كاتبه والمسألة بحالتها ( ( ( بحالها ) ) ) فبالكتابة برىء عن السراية فيجب نصف القيمة للمولى فإذا مات وكان خطأ لا يجب عليه شيء آخر وإن كان عمدا فإن كان عاجزا فللمولى أن يقتص لأنه مات عبدا وإن مات عن وفاء فقد مات حرا فينظر إن كان له وارث يحجب المولى أو يشاركه فلا قصاص عليه ويجب عليه أرش اليد لا غير وإن لم يكن له وارث غير المولى فللمولى أن يقتص عندهما وعند محمد رحمه الله ليس له أن يقتص وعليه أرش اليد لا غير وإن كان القطع بعد الكتابة فمات وكان القطع خطأ أو مات عاجزا فالقيمة للمولى وإن مات عن وفاء فالقيمة للورثة وإن كان عمدا فإن مات عاجزا فللمولى أن يقتص وإن مات عن وفاء مات حرا ثم ينظر إن كان مع المولى وارث يحجبه أو يشاركه في الميراث فلا قصاص وإن لم يكن له وارث غير المولى فعلى الاختلاف الذي ذكرنا والله تعالى أعلم هذا إذا كانت السراية إلى النفس فأما إذا كانت إلى العضو فالأصل أن الجناية إذا حصلت في عضو فسرت إلى عضو آخر والعضو الثاني لا قصاص فيه فلا قصاص في الأول أيضا وهذا الأصل يطرد على أصل أبي حنيفة عليه الرحمة في مسائل إذا قطع أصبعا من يد رجل فشلت الكف فلا قصاص فيهما وعليه دية اليد بلا خلاف بين أصحابنا رحمهم الله لأن الموجود من القاطع قطع مشل للكف ولا يقدر المقطوع على مثله فلم يكن المثل ممكن الاستيفاء فلا يجب القصاص ولأن الجناية واحدة فلا يجب بها ضمانان مختلفان وهو القصاص والمال خصوصا عند اتحاد المحل لأن الكف مع الأصبع بمنزلة عضو واحد وكذا إذا قطع مفصلا من أصبع فشل ما بقي أو شلت الكف لما قلنا فإن قال المقطوع أنا أقطع المفصل وأترك ما يبس ليس له ذلك لأن الجناية وقعت غير موجبة للقصاص من الأصل لعدم إمكان الاستيفاء على وجه المماثلة على ما بينا فكان الاقتصار على البعض استيفاء ما لا حق له فيه فيمنع من ذلك كما لو شجه منقلة فقال المشجوج أنا أشجه موضحة وأترك أرش ما زاد لم يكن له ذلك

قسم V07/P305–V07/P306

وكذلك إذا كسر بعض سن إنسان واسود ما بقي فليس في شيء من ذلك قصاص لأن قصاصه هو كسر مسود للباقي وذلك غير ممكن ولأن الجناية واحدة فلا توجب ضمانين مختلفين ولو قطع أصبعا فشلت إلى جنبها أخرى فلا قصاص في شيء من ذلك في قول أبي حنيفة رضي الله عنه وعليه دية الأصبعين وقال أبو يوسف ومحمد وزفر والحسن في الأول لا قصاص وفي الثاني الأرش وجه قولهم أن المحل متعدد والفعل يتعدد بتعدد المحل حكما وإن كان متحدا حقيقة لتعدد أثره وههنا تعدد الأثر فيجعل فعلين فيفرد كل واحد منهما بحكمه فيجب القصاص في الأول والدية في الثاني كما لو قطع أصبع إنسان فانسل السكين إلى أصبع أخرى خطأ فقطعها حتى يجب القصاص في الأول والدية في الثاني وكما لو رمى سهما إلى إنسان فأصابه ونفذ منه وأصاب آخر حتى يجب القصاص في الأول والدية في الثاني لما قلنا وكذلك هذا وإذا تعددت الجناية تفرد كل واحدة منهما بحكمها فيجب القصاص في الأولى والأرش في الثانية وجه قول أبي حنيفة رضي الله عنه ما ذكرنا أن المستحق فيما دون النفس هو المثل والمثل وهو القطع المثل ( ( ( المشل ) ) ) ههنا غير مقدور الاستيفاء فلا يثبت الاستحقاق ولأن الجناية متحدة حقيقة وهي قطع الأصبع وقد تعلق به ضمان المال فلا يتعلق به ضمان القصاص بخلاف ما إذا قطع أصبعا عمدا فنفذ السكين إلى أخرى خطأ لأن الموجود هناك فعلان حقيقة فجاز أن يفرد كل واحد منهما بحكم وفي مسألة الرمي جعل الفعل المتحد حقيقة متعددا شرعا بخلاف الحقيقة ومن ادعى خلاف الحقيقة ههنا يحتاج إلى الدليل ولو قطع أصبعا فسقطت ( ( ( فسقط ) ) ) إلى جنبها أخرى فلا قصاص في شيء من ذلك في قول أبي حنيفة رضي الله عنه وعندهما في ظاهر الرواية عنهما يجب في الأول القصاص وفي الثاني الأرش وفي رواية ابن سماعة عن محمد أنه يجب القصاص فيهما لأن من أصله على هذه الرواية أن الجراحة التي فيها القصاص إذا تولد منها ما يمكن فيه القصاص يجب القصاص فيهما جميعا وههنا يمكن وفيما إذا قطع أصبعا فشلت أخرى بجنبها لا يمكن فوجب القصاص في الأولى والأرش في الثانية وجه ظاهر قولهما على نحو ما ذكرنا فيما تقدم أن المحل متعدد وأنه يوجب تعدد الفعل عند تعدد الأثر وقد وجد ههنا فيجعل كجنايتين مختلفتين فيتعلق بكل واحدة منهما حكمها ولأبي حنيفة رضي الله عنه أنه لا سبيل إلى استيفاء القصاص على وجه المماثلة لأن ذلك هو القطع المسقط للأصبع وذلك غير ممكن ولأن الجناية واحدة حقيقة فلا توجب إلا ضمانا واحدا وقد وجب المال فلا يجب القصاص ولو قطع أصبع رجل عمدا فسقطت الكف من المفصل فلا قصاص في ذلك في قول أبي حنيفة رحمه الله وفيه دية اليد لأن استيفاء المثل وهو القطع المسقط للكف متعذر فيمتنع الوجوب ولأن الكف مع الأصبع كعضو واحد فكانت الجناية واحدة حقيقة وحكما وقد تعلق بهما ضمان المال فلا يتعلق بهما القصاص لوقال أبو يوسف يقتص منه فتقطع يده من المفصل فرق أبو يوسف بين هذا وبين ما إذا قطع أصبعا فسقطت أخرى إلى جنبها أنه لا يجب القصاص في الثانية لأن الأصبع جزء من الكف والسراية تتحقق من الجزء إلى الجملة كما تتحقق من اليد إلى النفس والأصبعان عضوان مفردان ليس أحدهما جزء الآخر فلا تتحقق السراية من أحدهما إلى الآخر فوجب القصاص في الأولى دون الثانية وعلى ما روى محمد رحمه الله في النوادر يجب القصاص ههنا أيضا كما قال أبو يوسف رحمه الله لأنه جناية واحدة وقد سرت إلى ما يمكن القصاص فيه فيجعل كأنه قطع الكف من الزند ولو كسر بعض سن إنسان فسقطت لا قصاص فيه في قول أبي حنيفة عليه الرحمة لأنه لا يمكن الاقتصاص بكسر مسقط للسن وقال أبو يوسف يجب القصاص كما قال في الأصبع إذا قطعت فسقطت منها الكف

قسم V07/P306–V07/P307

وكذلك عند محمد يجب القصاص على رواية النوادر لما ذكرنا من أصله وكذلك لو ضرب سن إنسان فتكسر بعضها وتحرك الباقي واستوفى حولا أنها إن اسودت فلا قصاص فيها لتعذر استيفاء المثل وهو الكسر المسود وإن سقطت فكذلك في قول أبي حنيفة رحمه الله وفيها الأرش لعدم إمكان استيفاء المثل هو الكسر المسقط فيجب فيها الأرش وقال أبو يوسف فيها القصاص كما قال في الأصبع إذا قطعت الكف ولو شج إنسانا موضحة متعمدا فذهب منها بصره فلا قصاص في قول أبي حنيفة وفيها وفي البصر الأرش وقالا في الموضحة القصاص وفي البصر الدية هذه رواية الجامع الصغير عن محمد وروى ابن سماعة في نوادره عنه أن فيهما جميعا القصاص وجه هذه الرواية أنه تولد من جناية العمد إلى عضو يمكن فيه القصاص فيجب فيه القصاص كما إذا سرى إلى النفس وجه ظاهر قولهما إن تلف البصر حصل من طريق التسبيب لا من طريق السراية بدليل أن الشجة تبقى بعد ذهاب البصر وحدوث السراية يوجب تغير الجناية كالقطع إذا سرى إلى النفس أنه لا يبقى قطعا بل يصير قتلا وهنا الشجة لم تتغير بل بقيت شجة كما كانت فدل أن ذهاب البصر ليس من طريق السراية بل من طريق التسبيب والجناية بطريق التسبيب لا توجب القصاص كما في حفر البئر ونحو ذلك ولو ذهبت عيناه ولسانه وسمعه وجماعه فلا قصاص في شيء من ذلك على أصل أبي حنيفة رضي الله عنه وعلى قولهما في الموضحة القصاص ولا قصاص في العينين في ظاهر قولهما بل فيهما الأرش وعلى رواية النوادر عن محمد فيهما القصاص دون اللسان والسمع والجماع لأنه لا يمكن فيهما القصاص إذ لا قصاص في ذهاب منفعة اللسان والسمع والجماع في الشرع وفي ذهاب البصر قصاص في الشريعة ولو ضربه بعصا فأوضحه ثم عاد فضربه أخرى إلى جنبها ثم تآكلتا حتى صارت واحدة فهما موضحتان ولا قصاص فيهما أما على أصل أبي حنيفة رحمه الله فلعدم إمكان استيفاء المثل وهما شجتان موضحتان تآكل بينهما وأما على أصلهما فلأن ما تآكل بين الموضحتين تلف بسبب الجراحة والإتلاف تسبيبا لا يوجب القصاص والله سبحانه وتعالى الموفق ولا قصاص في العين إذا قورت أو فسخت لأنا إذا فعلنا ما فعل وهو التقوير والفسخ لا يمكن استيفاء المثل إذ ليس له حد معلوم وإن أذهبنا ضوءه فلم نفعل مثل ما فعل فتعذر الاستيفاء بصفة المماثلة فامتنع الوجوب وصار كمن قطع يد إنسان من الساعد أنه لا يجب القصاص لأنه لا سبيل إلى القطع من الساعد ولا من الزند لما قلنا فامتنع الوجوب كذا هذا وإن ضرب عليها فذهب ضوءها مع بقاء الحدقة على حالها لم تنخسف ففيها القصاص لقوله تبارك وتعالى والعين ( ( ( العين ) ) ) بالعين ولأن القصاص على سبيل المماثلة ممكن بأن يجعل على وجه ( ( ( وجهه ) ) ) القطن المبلول وتحمي المرآة وتقرب من عينه حتى يذهب ضوءها وقيل أول من اهتدى إلى ذلك سيدنا علي رضي الله عنه وأشار إلى ما ذكرنا فإنه روي أنه وقعت هذه الحادثة في زمن سيدنا عثمان رضي الله عنه فجمع الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وشاورهم في ذلك فلم يكن عندهم حكمها حتى جاء سيدنا علي رضي الله عنه وأشار إلى ما ذكرنا فلم ينكر عليه أحد فقضى به سيدنا عثمان بمحضر من الصحابة الكرام رضي الله عنهم فيكون إجماعا وإن انخسفت فلا قصاص لأن الثاني قد لا يقع خاسفا بها فلا يكون مثل الأول وروي عن أبي يوسف أنه لا قصاص في عين الأحول لأن الحول نقص في العين فيكون استيفاء الكامل بالناقص فلا تتحقق المماثلة ولهذا لا تقطع اليد الصحيحة باليد الشلاء كذا هذا ولا قصاص في الأشفار والأجفان لأنه لا يمكن استيفاء المثل فيها وأما الأذن فإن استوعبها ففيها القصاص لقوله تبارك وتعالى والأذن بالأذن ولأن استيفاء المثل فيها ممكن فإن قطع بعضها فإن كان له حد يعرف ففيه القصاص وإلا فلا

قسم V07/P307–V07/P308

وأما الأنف فإن قطع المارن ففيه القصاص بلا خلاف بين أصحابنا رحمهم الله لقوله سبحانه وتعالى والأنف بالأنف ولأن استيفاء المثل فيه ممكن لأن له حدا معلوما وهو مالان منه فإن قطع بعض المارن فلا قصاص فيه لتعذر استيفاء المثل وإن قطع قصبة الأنف فلا قصاص فيه لأنه عظم ولا قصاص في العظم ولا في السن لما نذكر إن شاء الله تعالى وقال أبو يوسف إن استوعب ففيه القصاص وقال محمد لا قصاص فيه وإن استوعب ولا خلاف بينهما في الحقيقة لأن أبا يوسف أراد استيعاب المارن وفيه القصاص بلا خلاف ومحمد رحمه الله أراد به استيعاب القصبة ولا قصاص فيها بلا خلاف وأما الشفة فقد روي عن أبي حنيفة أنه قال إذا قطع شفة الرجل السفلى أو العليا وكان يستطاع أن يقتص منه ففيه القصاص وذكر الكرخي رحمه الله أنه إن استقصاها بالقطع ففيها القصاص لإمكان استيفاء المثل عند الاستقصاء وإن قطع بعضها فلا قصاص فيه لعدم الإمكان ولا قصاص في عظم إلا في السن لأنه لا يعلم موضعه ولا يؤمن فيه عن التعدي أيضا وقد روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه لا قصاص في عظم وفي السن القصاص سواء كسر أو قلع لقول الله تبارك وتعالى والسن بالسن ولأنه يمكن استيفاء المثل فيه بأن يؤخذ في الكسر من سن الكاسر مثل ما كسر بالمبرد وفي القلع يؤخذ سنه بالمبرد إلى أن ينتهي إلى اللحم ويسقط ما سوى ذلك وقيل في القلع أنه يقلع سنه لأن تحقق المماثلة فيه والأول استيفاء على وجه النقصان إلا أن في القلع احتمال الزيادة لأنه لا يؤمن فيه أن يفعل المقلوع أكثر مما فعل القالع وأما اللسان فإن قطع بعضه فلا قصاص فيه لعدم إمكان استيفاء المثل وإن استوعب فقد ذكر في الأصل أن اللسان لا يقتص فيه وقال أبو يوسف فيه القصاص وجه قوله أن القطع إذا كان مستوعبا أمكن استيفاء المثل فيه بالاستيعاب فيكون الجزاء مثل الجناية وجه ما ذكر في الأصل أن اللسان ينقبض وينبسط فلا يمكن استيفاء القصاص فيه بصفة المماثلة وإن قطع الحشفة ففيها القصاص لإمكان استيفاء المثل لأن لها حدا معلوما وإن قطع بعضها أو بعض الذكر فلا قصاص فيه لأنه لا حد لذلك فلا يمكن القطع بصفة المماثلة فصار كما لو قطع بعض اللسان ولو قطع الذكر من أصله ذكر في الأصل أنه لا قصاص فيه وقال أبو يوسف فيه القصاص وجه قوله أن عند الاستيعاب أمكن الاستيفاء على وجه المماثلة فيجب القصاص وجه ما ذكر في الأصل أن الذكر ينقبض مرة وينبسط أخرى فلا يمكن مراعاة المماثلة فيه فلا يجب القصاص ولا قصاص في جز شعر الرأس وحلقه وحلق الحاجبين والشارب واللحية وإن لم ينبت بعد الحلق والنتف أما الجز فلأنه لا يعلم موضعه فلا يمكن أخذ المثل وأما الحلق والنتف الموجود من الحالق والناتف فلأن المستحق حلق ونتف غير منبت وذلك ليس في وسع المحلوق والمنتوف لجواز أن يقع حلقه ونتفه منبتا فلا يكون مثل الأول وذكر في النوادر أنه يجب القصاص إذا لم ينبت ولم يذكر حكم ثدي المرأة أنه هل يجب فيه القصاص أم لا وكذا لم يذكر حكم الانثيين في وجوب القصاص فيهما وينبغي أن لا يجب القصاص فيهما لأن كل ذلك ليس له مفصل معلوم فلا يمكن استيفاء المثل وأما حلمة ثدي المرأة فينبغي أن يجب القصاص فيها لأن لها حدا معلوما فيمكن استيفاء المثل فيها كالحشفة ولو ضرب على رأس إنسان حتى ذهب علقه ( ( ( عقله ) ) ) أو سمعه أو كلامه أو شمه أو ذوقه أو جماعه أو ماء صلبه فلا قصاص في شيء من ذلك لأنه لا يمكنه أن يضرب ضربا تذهب به هذه الأشياء فلم يكن استيفاء المثل ممكنا فلا يجب القصاص وكذلك لو ضرب على يد رجل أو رجله فشلت لا قصاص عليه لأنه لا يمكنه أن يضرب ضربا مشلا فلم يكن المثل مقدور الاستيفاء فلا يجب القصاص والله سبحانه وتعالى أعلم

قسم V07/P308–V07/P309

وأما الشجاج فلا خلاف في أن الموضحة فيها القصاص لعموم قوله سبحانه وتعالى والجروح قصاص إلا ما خص بدليل ولأنه يمكن استيفاء القصاص فيها على سبيل المماثلة لأن لها حدا تنتهي إليه السكين وهو العظم ولا خلاف في أنه لا قصاص فيما بعد الموضحة لتعدد الاستيفاء فيه على وجه المماثلة لأن الهاشمة تهشم العظم والمنقلة تهشم وتنقل بعد الهشم ولا قصاص في هشم العظم لما بينا والآمة لا يؤمن فيها من أن ينتهي السكين إلى الدماغ فلا يمكن استيفاء القصاص في هذه الشجاج على وجه المماثلة فلا يجب القصاص بخلاف الموضحة وأما ما قبل الموضحة فقد ذكر محمد في الأصل أنه يجب القصاص في الموضحة والسمحاق والباضعة والدامية وروى الحسن عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه لا قصاص في الشجاج إلا في الموضحة والسمحاق إن أمكن القصاص في السمحاق وروى عن النخعي رحمه الله أنه قال ما دون الموضحة خدوش وفيها حكومة عدل وكذا روي عن عمر بن عبد العزيز رحمهما الله وعن الشعبي رحمه الله أنه قال ما دون الموضحة فيه أجرة الطبيب وجه رواية الحسن رحمه الله أن ما دون الموضحة مما ذكرنا لا حد له ينتهي إليه السكين فلا يمكن الاستيفاء بصفة المماثلة وجه رواية الأصل أن استيفاء المثل فيه ممكن لأنه يمكن معرفة قدر غور الجراحة بالمسبار ثم إذا عرف قدره به يعمل حديدة على قدره فتنفذ في اللحم إلى آخرها فيستوفي منه مثل ما فعل ثم ما يجب فيه القصاص من الشجاج لا يقتص من الشاج إلا في موضع الشجة من المشجوج من مقدم رأسه ومؤخره ووسطه وجنبيه لأنه وجوب القصاص للشين الذي يلحق المشجوج وذا يختلف باختلاف المواضع من الرأس ألا ترى أن الشين في مؤخر الرأس لا يكون مثل الشين الذي في مقدمه ولهذا يستوفي على مساحة الشجة من طولها وعرضها ما أمكن لاختلاف الشين باختلاف الشجة في الصغر والكبر وعلى هذا يخرج ما إذا شج رجلا موضحة فأخذت الشجة ما بين قرني المشجوج وهي لا تأخذ ما بين قرني الشاج لصغر رأس المشجوج وكبر رأس الشاج أنه لا يستوعب ما بين قرني الشاج في القصاص لأن في الاستيعاب استيفاء الزيادة وفيه زيادة شين ( ( ( الشين ) ) ) وهذا لا يجوز ولكن يخير المشجوج إن شاء اقتص من الشاج حتى يبلغ مقدار شجته في الطول ثم يكف وإن شاء عدل إلى الأرش لأنه وجد حقه ناقصا لأن الشجة الأولى وقعت مستوعبة والثانية لا يمكن استيعابها فيثبت له الخيار فإن شاء استوفى حقه ناقصا تشفيا للصدر وإن شاء عدل إلى الأرش كما قلنا في الأشل إذا قطع يد الصحيح فإن اختار القصاص فله أن يبدأ من أي الجانبين شاء لأن كل ذلك حقه فله أن يبتدىء ( ( ( يبتدأ ) ) ) من أيهما شاء وإن كانت الشجة تأخذ ما بين قرني المشجوج ولا تفضل وهي ما بين قرني الشاج وتفضل عن قرنيه لكبر رأس المشجوج وصغر رأس الشاج فللمشجوج الخيار إن شاء أخذ الأرش وإن شاء اقتص ما بين قرني الشاج لا يزيد على ذلك شيئا لأنه لا سبيل إلى استيفاء الزيادة على ما بين قرني الشاج لأنه ما زاد على ما بين قرني المشجوج فلا يزاد على ما بين قرنيه فيخير المشجوج لأنه وجد حقه ناقصا إذ الثانية دون الأولى في قدر الجراحة فإن شاء رضي باستيفاء حقه ناقصا واقتصر على ما بين قرني الشاج طلبا للتشفي وإن شاء عدل إلى الأرش

قسم V07/P309

وإن كانت الشجة لا تأخذ بين قرني المشجوج وهي تأخذ ما بين قرني الشاج لا يجوز أن يستوعب بين قرني الشاج كله بالقصاص لأن الشجة الأولى وقعت غير مستوعبة فالاستيعاب في الجزء يكون زيادة وهذا لا يجوز وإن كان ذلك مقدار شجته في المساحة كما لا يجوز استيفاء ما فضل عن قرني الشاج في المسألة الأولى وإن كان ذلك مقدار الشجة الأولى في المساحة وله الخيار لتعذر استيفاء مثل شجته في مقدارها في المساحة في الطول فإن شاء اقتص ونقص عما بين قرني الشاج وإن شاء ترك وأخذ الأرش وإن كانت الشجة في طول رأس المشجوج وهي تأخذ من جبهته إلى قفاه ولا تبلغ من الشاج إلى قفاه يخير المشجوج إن شاء اقتص مقدار شجته إلى مثل موضعها من رأس الشاج لا يزيد عليه وإن شاء أخذ الأرش لما بينا فيما تقدم وحكى الطحاوي عن علي بن العباس الرازي أنه قال إذا استوعبت الشجة ما بين قرني المشجوج ولم تستوعب ما بين قرني الشاج يقتص من الشاج ما بين قرنيه كله وإن زاد ذلك على طول الشجة الأولى لأنه لا عبرة للصغر والكبر في القصاص بين العضوين كما في اليدين والرجلين أنه يجري القصاص بينهما وإن كانت إحداهما أكبر من الأخرى فكذا في الشجة وهذا الاعتبار غير سديد لأن وجوب القطع هناك لفوات المنفعة وإنها لا تختلف بالصغر والكبر ألا يرى أن اليد الصغيرة قد تكون أكثر منفعة من الكبيرة فإذا لم يختلف ما وجب له لم يختلف الوجوب بخلاف الشجة لأن وجوب القصاص فيها للشين الذي يلحق المشجوج وإنه يختلف فيزداد بزيادة الشجة وينتقص بنقصانها لذلك افترق الأمران والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وأما الجراح فإن مات من شيء منها المجروح وجب القصاص لأن الجراحة صارت بالسراية نفسا وإن لم يمت فلا قصاص في شيء منها سواء كانت جائفة أو غيرها لأنه لا يمكن استيفاء القصاص فيها على وجه المماثلة ومنها أن يكون الجاني والمجني عليه حرين فإن كان أحدهما حرا والآخر عبدا أو كانا عبدين فلا قصاص فيه ومنها أن يكونا ذكرين أو أنثيين عندنا فإن كان أحدهما ذكرا والآخر أنثى فلا قصاص فيه عند أصحابنا وعند الشافعي رحمه الله هذا ليس بشرط ويجري القصاص بين الذكر والأنثى فيما دون النفس كما يجري في النفس وهذان الشرطان في الحقيقة عندنا متداخلان لأنهما دخلا في شرط المماثلة لأن المماثلة في الأروش شرط وجوب القصاص فيما دون النفس بدليل أن الصحيح لا يقطع بالأشل ولا كامل الأصابع بناقص الأصابع ولما ذكرنا فيما تقدم أن ما دون النفس يسلك به مسلك الأموال والمماثلة في الأموال في باب الأموال معتبرة ولم توجد المماثلة بين الأحرار والعبيد في الأروش لأن أرش طرف العبد ليس بمقدر بل يجب باعتبار قيمته وأرش طرف الحر مقدر فلا يوجد التساوي بين أرشيهما ولئن اتفق استواؤهما في القدر فلا يعتبر ذلك لأن قيمة طرف العبد تعرف بالحزر والظن بتقويم المقومين فلا تعرف المساواة فلا يجب القصاص وكذا لم يوجد بين العبيد والعبيد لأنهم إن اختلفت قيمتهم فلم يوجد التساوي في الأرش وإن استوت قيمتهم فلا يعرف ذلك إلا بالحزر والظن لأنه يعرف بتقويم المقومين وذلك يختلف فلا يعرف التساوي في أروشهم فلا يجب القصاص أو تبقى فيه شبهة العدم والشبهة في باب القصاص ملحقة بالحقيقة ولا بين الذكور والإناث فيما دون النفس لأن أرش الأنثى نصف أرش الذكر وعند الشافعي رحمه الله المساواة في الأروش في الأحرار غير معتبرة وجه قوله إن القصاص جرى بين نفسيهما فيجري بين طرفيهما لأن الطرف تابع للنفس ولنا أنه لا مساواة بين أرشيهما فلا قصاص في طرفيهما كالصحيح مع الأشل ولا قصاص في الأظفار لانعدام المساواة في أروشها لأن أرش الظفر الحكومة وإنها معتبرة بالحرز ( ( ( بالحزر ) ) ) والظن والله تعالى الموفق فصل وأما كون الجناية فيما دون النفس بالسلاح

قسم V07/P309–V07/P310

فليس بشرط لوجوب القصاص فيه فسواء كانت بسلاح أو غيره يجب فيه القصاص لأنه ليس فيما دون النفس شبهة عمد وإنما فيه عمد أو خطأ لما ذكرنا فيما تقدم فاستوى فيهما السلاح وغيره هذا الذي ذكرنا شرائط وجوب القصاص فيما دون النفس وأما بيان وقت الحكم بالقصاص فيما دون النفس فوقته ما بعد البرء فلا يحكم بالقصاص فيه ما لم يبرأ وهذا عندنا وعند الشافعي رحمه الله وقته ما بعد الجناية ولا ينتظر وجه قوله أنه وجب القصاص للحال فله أن يستوفي الواجب للحال ولنا ما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال لا يستقاد من الجراحة حتى يبرأ وروي أن رجلا جرح حسان بن ثابت رحمه الله في فخذه بعظم فجاء الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلبوا القصاص فقال عليه الصلاة والسلام انتظروا ما يكون من صاحبكم فأنا والله منتظره وهو أنه يحتمل السراية والجراحة عند السراية تصير قتلا فيتبين أنه استوفى غير حقه وهذا فرع مسألة ذكرناها وهي أن المجروح إذا مات بالجراحة يجب القصاص بالنفس عندنا لا في الطرف وعند الشافعي رحمه الله يفعل به مثل ما فعل والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب فصل وأما الذي فيه دية كاملة فالكلام فيه في موضعين أحدهما في بيان سبب الوجوب والثاني في بيان شرائطه أما السبب فهو تفويت المنفعة المقصودة من العضو على الكمال وذلك في الأصل بأحد أمرين إبانة العضو وإذهاب معنى العضو مع بقاء العضو صورة أما الأول فالأعضاء التي تتعلق بانتهاء كمال الدية أنواع ثلاثة نوع لا نظير له في البدن ونوع في البدن منه اثنان ونوع في البدن منه أربعة أما الذي لا نظير له في البدن فستة أعضاء أحدها الأنف سواء استوعب جدعا أو قطع المارن منه وحده وهو ما لآن من الأنف والثاني اللسان سواء استوعب قطعا أو قطع منه ما يذهب بالكلام كله والثالث الذكر سواء استوعب قطعا أو قطع الحشفة منه وحدها والأصل فيه ما روي عن سعيد بن المسيب أن رسول الله قال في النفس الدية وفي اللسان الدية وفي الذكر الدية وفي الأنف الدية وفي المارن الدية وروي أنه عليه الصلاة والسلام كتب في كتاب عمرو بن حزم في النفس الدية وفي الأنف الدية وفي اللسان الدية ولأنه أبطل المنافع المقصودة من هذه الأعضاء والجمال أيضا من بعضها فالمقصود من الأنف الشم والجمال أيضا ومن اللسان الكلام ومن الذكر الجماع والحشفة يتعلق بها منفعة الإنزال وقد زال ذلك كله بالقطع وإن كان ذهب بعض الكلام بقطع بعض اللسان دون بعض ففيه حكومة العدل لأنه لم يوجد تفويت المنفعة على سبيل الكمال وقيل تقسم الدية على عدد حروف الهجاء فيجب من الدية بقدر ما فات من الحروف ونقلت هذه القضية عن سيدنا علي رضي الله عنه لأن المقصود من اللسان هو الكلام وقد فات بعضه دون بعض فيجب من الدية بقدر الفائت منها لكن إنما يدخل في القسمة الحروف التي تفتقر إلى اللسان فأما ما لا يفتقر إلى اللسان من الشفوية والحلقية كالباء والفاء والهاء ونحوهما فلا تدخل في القسمة والرابع الصلب إذا احدودب بالضرب وانقطع الماء وهو المني فيه دية كاملة لوجود تفويت منفعة الجنس والخامس مسلك البول والسادس مسلك الغائط من المرأة إذا أفضاها إنسان فصارت لا تستمسك البول أو الغائط فعليه دية كاملة فإن صارت لا تستمسكهما فعليه لكل واحد منهما دية كاملة لأنه فوت منفعة مقصودة بالعضو على الكمال فيجب عليه كمال الدية وأما الأعضاء التي في البدن منها اثنان فالعينان والأذنان والشفتان والحاجبان إذا ذهب شعرهما ولم ينبت والثديان والحلمتان والأنثيان

قسم V07/P310–V07/P311

والأصل فيه ما روي عن ابن المسيب أنه عليه الصلاة والسلام قال وفي الأذنين الدية وفي العينين الدية وفي الرجلين الدية ولأن في القطع كل اثنين من هذين العضوين تفويت منفعة الجنس منفعة مقصودة أو تفويت الجمال على الكمال كمنفعة البصر في العينين والبطش في اليدين والمشي في الرجلين والجمال في الأذنين والحاجبين إذا لم ينبتا والشفتين ومنفعة إمساك الريق في إحداهما وهي السفلى والثديان وكاء للبن وفي الحلمتين منفعة الرضاع والأنثيان وكاء المني وأما الأعضاء التي منها أربعة في البدن فنوعان أحدهما أشفار العينين وهي منابت الأهداب إذا لم تنبت لما في تفويتها تفويت منفعة البصر والجمال أيضا على الكمال وفي كل شفر منها ربع الدية والثاني الأهداب وهي شعر الأشفارء ( ( ( الأشفار ) ) ) إذا لم تنبت لما قلنا وأما إذهاب معنى العضو مع بقاء صورته فنحو العقل والبصر والشم والذوق والجماع والإيلاد بأن ضرب على إنسان فذهب عقله أو سمعه أو كلامه أو شمه أو ذوقه أو جماعه أو إيلاده بأن ضرب على ظهره فذهب ماء صلبه والأصل فيه ما روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه قضى في رجل واحد بأربع ديات ضرب على رأسه فذهب عقله وكلامه وبصره وذكره لأنه فوت المنافع المقصودة عن هذه الأعضاء على سبيل الكمال أما العقل فلأن تفويته تفويت منافع الأعضاء كلها لأنه لا يمكن الانتفاع بها فيما وضعت له بفوت العقل ألا ترى أن أفعال المجانين تخرج مخرج أفعال البهائم فكان إذهابه إبطالا للنفس معنى وأما السمع والبصر والكلام والشم والذوق والجماع والإيلاد فكل واحد منها ( ( ( منهما ) ) ) منفعة مقصودة وقد فوتها كلها ولو ضرب على رأس رجل فسقط شعره أو على رأس امرأة فسقط شعرها أو حلق لحية رجل أو نتفها أو حلق شعر امرأة ولم ينبت فإن كان حرا ففيه الدية عند أصحابنا رضي الله عنهم وعند الشافعي فيه حكومة وجه قوله أنه لا يجب كمال الدية إلا بإتلاف النفس لأن الدية بدل النفس إلا أن الشرع ورد بذلك عند تفويت منفعة الجنس كما في قطع اليدين والرجلين ونحو ذلك لأن تفويت منفعة الجنس يجعل النفس تالفة من وجه ولم يوجد ذلك في حلق الشعر فبقي الحكم فيه مردودا إلى الأصل ولهذا لم يجب في حلق شعر سائر البدن ولنا أن الشعر للنساء والرجال جمال كامل وكذا اللحية للرجال والدليل عليه ما روي من الحديث أن الله تبارك وتعالى عز وجل خلق في سماء الدنيا ملائكة من تسبيحهم سبحان الذي زين الرجال باللحى والنساء بالذوائب وتفويت الجمال على الكمال في حق الحر يوجب كمال الدية كالمارن والأذن الشاخصة والجامع بينهما إظهار شرف الآدمي وكرامته وشرفه في الجمال فوق شرفه في المنافع ثم تفويت المنافع على الكمال لما أوجب كمال الدية فتفويت الجمال على الكمال أولى بخلاف شعر سائر البدن لأنه لا جمال فيه على الكمال لأنه لا يظهر للناس فتفويته لا يوجب كمال الدية وقد روي عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال في الرأس إذا حلق فلم ينبت الدية كاملة وكذا روي عنه أنه قال في اللحية إذا حلقت فلم تنبت الدية وروي أن رجلا أغلى ماء فصبه على رأس رجل فانسلخ جلد رأسه فقضى سيدنا علي رضي الله عنه بالدية وعن الفقيه أبي حعفر ( ( ( جعفر ) ) ) الهندواني أنه قال إنما يجب كمال الدية في اللحية إذا كانت كاملة بحيث يتجمل بها فأما إذا كانت طاقات متفرقة لا يتجمل بها فلا شيء فيها وإن كانت غير متوفرة بحيث يقع بها الجمال الكامل وليست مما يشين ففيها حكومة عدل وأما شعر العبد ولحيته فذكر في الأصل أن فيه حكومة وروى الحسن عن أبي حنيفة رضي الله عنه أن فيه القيمة وجه هذه الرواية أن القيمة في العبيد كالدية في الأحرار فلما وجبت في الحر الدية تجب في العبد القيمة

قسم V07/P311–V07/P312

وجه رواية الأصل أن الجمال في العبيد ( ( ( العبد ) ) ) ليس بمقصود بل المقصود منهم الخدمة وتفويت ما ليس بمقصود لا يتعلق به كمال الدية ولو حلق رأس إنسان أو لحيته ثم نبت فلا شيء عليه لأن النابت قام مقام الفائت فكأنه لم يفت الجمال أصلا وفي الصغر ( ( ( الصعر ) ) ) وهو اعوجاج الرقبة كمال الدية لوجود تفويت منفعة مقصودة وتفويت الجمال على الكمال والله أعلم وأما شرائط الوجوب فمنها أن تكون الجناية خطأ فيما في عمده القصاص وأما ما لا قصاص في عمده فيستوي فيه العمد والخطأ وقد بينا ما في عمده القصاص وما لا قصاص فيه فيما تقدم ومنها أن يكون المجني عليه ذكرا فإن كان أنثى فعليه دية أنثى وهو نصف دية الذكر سواء كان الجاني ذكرا أو أنثى لإجماع الصحابة رضي الله عنهم على ذلك وهو تنصيف دية الأنثى من دية الذكر على ما ذكرنا في دية النفس ومنها أن يكون الجاني والمجني عليه حرين فإن كان الجاني حرا والمجني عليه عبدا فلا دية فيه وفيه القيمة في قول أبي حنيفة رضي الله عنه ثم إن كان قليل القيمة وجبت جميع القيمة وإن كان كثير القيمة بأن بلغت الدية ينقص من قيمته عشرة كذا روى أبو يوسف رحمه الله تعالى عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه قال كل شيء من الحر فيه الدية فهو من العبد فيه القيمة وكل شيء من الحر فيه نصف الدية فهو من العبد فيه نصف القيمة وكذلك الجراحات وعموم هذه الرواية يقتضي أن كل شيء من الحر فيه قدر من الدية فمن العبد فيه ذلك القدر من قيمته من غير فصل بين ما يقصد به المنفعة كالعين واليد والرجل وبين ما يقصد به الجمال والزينة مثل الحاجب والشعر والأذن وهكذا روى الحسن رحمه الله عنه أنه إن حلق أحد حاجبيه فلم ينبت أو نتف أشفار عينيه الأسفل أو الأعلى يعني أهدابه فلم تنبت أو قطع إحدى شفتيه العليا أو السفلى أن عليه في كل واحد من ذلك نصف القيمة وقال أبو يوسف رجع أبو حنيفة في حاجب العبد وفي أذنيه وقال فيه حكومة العدل وكذا قال محمد استقبح أبو حنيفة رحمه الله أن يضمن في أذن العبد نصف القيمة وهذا دليل الرجوع أيضا والحاصل أن الواجب فيما يقصد به المنفعة هو القيمة رواية واحدة عنه وفيما يقصد به الزينة والجمال عنه روايتان وقال محمد الواجب في ذلك كله النقصان يقوم العبد مجنيا عليه ويقوم وليس به الجناية فيغرم الجاني ما بين القيمتين وهو قول أبي يوسف الآخر وقوله الأول مع أبي حنيفة وجه قول محمد أن ما دون النفس من العبد له حكم المال لأنه خلق لمصلحة النفس كالمال وبدليل أنه لا يجب فيه القصاص ولا تتحمله العاقلة فكان ضمانه ضمان الأموال وضمان الأموال غير مقدر بل يجب بقدر نقصان المال كما في سائر الأموال وجه رواية الجمع لأبي حنيفة رضي الله عنه أن القيمة في العبد كالدية في الحر فلما جاز تقدير ضمان جناية الحر بديته جاز تقدير ضمان جناية العبد بقيمته ولأن التقدير قد دخل على الجناية عليه في النفس حتى لا يبلغ الدية إذا كان كثير القيمة فجاز أن يدخل في ضمان الجناية فيما دون النفس كالحر ووجه رواية الفرق له أن الجمال ليس بمقصود في العبيد بل المقصود منهم الخدمة فأما المنفعة فمقصودة من الأحرار والعبيد جميعا ولأن ما دون النفس من العبيد له شبه النفس وشبه المال أما شبه النفس فظاهر لأنه من أجزاء النفس حقيقة وأما شبه المال فإنه لا يجب فيه القصاص ولا تتحمله العاقلة فيجب العمل بالشبهين فيعمل بشبه النفس فيما يقصد به المنفعة بتقدير ضمانه بالقيمة كما لو جنى على النفس ويعمل بشبه المال فيما يقصد به الجمال فلم يقدر ضمانه بالقيمة كما إذا أتلف المال عملا بالشبهين بقدر الإمكان

قسم V07/P312–V07/P313

وقد خرج الجواب عما ذكر محمد من عدم وجوب القصاص وتحمل العاقلة لأن ذلك عمل بشبه المال وإنه لا ينفي العمل بشبهة ( ( ( بشبه ) ) ) النفس فيجب العمل بهما جميعا وذلك فيما قلنا ثم الحر إذا فقأ عيني عبد إنسان أو قطع يديه أو رجليه حتى وجب عليه كمال القيمة فمولاه بالخيار إن شاء سلمه إلى الفاقىء ( ( ( الفاقئ ) ) ) وأخذ قيمته وإن شاء أمسكه ولا شيء له وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله له أن يمسكه ويأخذ ما نقصه وقال الشافعي رحمه الله له أن يمسكه ويأخذ جميع القيمة وجه قوله أن الواجب فيه وهو القيمة ضمان العضوين الفائتين لا غير فيبقى الباقى على ملكه كما لو فقأ إحدى عينيه أو قطع إحدى يديه أنه يضمن نصف قيمته ويبقى الباقي على ملك مالكه كذا هذا وجه قولهما أن الضمان بمقابلة العينين كما قال الشافعي عليه الرحمة لكن الرقبة هلكت من وجه لفوات منفعة الجنس فيخير المولى إن شاء مال إلى جهة الهلاك وضمنه القيمة وسلم العبد إلى الفاقىء ( ( ( الفاقئ ) ) ) لوصول عوض الرقبة إليه وإن شاء مال إلى جهة القيام وأمسكه وضمن النقصان وهو بدل العينين كما يخير صاحب المال عند النقصان الفاحش في المواضع كلها ولأبي حنيفة رضي الله عنه أنه لما وصل إلى المولى بدل النفس فلو بقى العبد على ملكه لاجتمع البدل والمبدل في ملك رجل واحد فيما يصح تمليكه بعقود المعاوضات وهذا لا يجوز كما لا يجوز اجتماع المبيع والثمن في ملك رجل واحد ولا يلزم ما إذا غصب مدبرا فأبق من يده أن المولى يضمنه قيمته والمدبر على ملكه لأنه لا يحتمل التمليك بعقد المعاوضة ولا تلزم الهبة بشرط العوض إذا سلم الهبة ولم يقبض العوض أنه اجتمع على ملك الموهوب له العوض والمعوض لأن العوض قبل القبض لا يكون عوضا فلم يجتمع العوض والمعوض ولا يلزم البيع الفاسد إذا قبض المشتري المبيع ولم يسلم الثمن لأن الثمن ليس ببدل في البيع الفاسد إنما البدل القيمة وقد ملكها البائع حين ملك المشتري المبيع فلم يجتمع البدل والمبدل في ملكه ولا يلزم ما إذا اشترى عبدا بجارية على أنه بالخيار فقبض العبد فأعتقهما جميعا أنه ينفذ إعتاقه فيهما جميعا وقد اجتمع العوض والمعوض على ملكه لأنه لما عتقهما ( ( ( أعتقهما ) ) ) فسد البيع في الجارية وصار العوض عن العبد القيمة وملكها البائع في مقابلة ملك العبد فلم يجتمع العوض والمعوض ولا يلزم ما إذا استأجر شيئا وعجل الأجرة أن المؤاجر يملكها والمنافع على ملكه فقد اجتمع البدل والمبدل في ملك واحد لأن المنافع لا تملك عندنا إلا بعد وجودها وكلما وجد جزء منها حدث على ملك المستأجر فلم يجتمع العوض والمعوض على ملك المؤاجر ولا يلزم ما إذا غصب عبدا فجنى عنده جناية ثم رده على مولاه فجنى عنده جناية أخرى ودفعه بالجنايتين أنه يرجع على الغاصب بنصف القيمة فيدفعها إلى ولي الجناية الأولى ومعلوم أن نصف القيمة عوض عن نصف الرقبة الذي سلم له فقد اجتمع في ملكه وهو نصف العبد العوض والمعوض لأن الممتنع اجتماع العوض والمعوض في ملك رجل بعقد المعاوضة ولم يوجد هناك لأن ولي الجناية إنما يأخذ عوضا عن جنايته لا عن المال واجتماع العوض والمعوض في ملك رجل واحد بغير عقد المعاوضة جائز كمن استوهب المبيع من البائع والثمن من المشتري أو ورثهما والله سبحانه وتعالى أعلم وإن كان الجاني عبدا والمجني عليه حرا أو كانا جميعا عبدين فحكم هذه الجناية وجوب الدفع إلا أن يختار المولى الفداء على ما ذكرنا في جنايات العبيد والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما الذي يجب فيه أرش مقدر

قسم V07/P313–V07/P314

ففي كل اثنين من البدن فيهما كمال الدية في أحدهما نصف الدية من إحدى العينين واليدين والرجلين والأذنين والحاجبين إذا لم تنبت والشفتين والأنثيين والثديين والحلمتين لما روي أنه عليه الصلاة والسلام كتب في كتاب عمرو بن حزم وفي العينين الدية وفي إحداهما نصف الدية وفي اليدين الدية وفي إحداهما نصف الدية ولأن كل الدية عند قطع العضوين يقسم عليهما فيكون في أحدهما النصف لأن وجوب الكل في العضوين لتفويت كل المنفعة المقصودة من العضوين والفائت بقطع أحدهما النصف فيجب فيه نصف الدية ويستوي فيه اليمين واليسار لأن الحديث لا يوجب الفصل بينهما وسواء ذهب بالجناية على العين نور البصر دون الشحمة أو ذهب البصر مع الشحمة لأن المقصود من العين البصر والشحمة فيه تابعة وكذا العليا والسفلى من الشفتين سواء عند عامة الصحابة رضوان الله عليهم وروي عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه فصل بينهما فأوجب في السفلى الثلثين وفي العليا الثلث لزيادة جمال في العليا ومنفعة في السفلى وبقية الصحابة سووا بينهما وهو قول جماعة من التابعين مثل شريح وإبراهيم رضي الله عنهما وغيرهما سواء قطع الحلمة من ثدي المرأة أو قطع الثدي وفيه الحلمة ففيه نصف الدية للحلمة والثدي تبع لأن المقصود من الثدي وهو منفعة الرضاع يفوت بفوات الحلمة وسواء كان ذلك بضربة أو ضربتين إذا كان قبل البرء من الأولى لأن الجناية لا تستقر قبل البرء فإذا أتبعها الثانية قبل استقرارها صار كأنه أوقعهما معا وفي أصابع اليدين والرجلين في كل واحدة منها عشر الدية وهي في ذلك سواء لا فضل لبعض على بعض والأصل فيه ما روي عنه أنه قال في كل أصبع عشر من الإبل من غير فصل بين أصبع وأصبع وروي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال هذه وهذه سواء وأشار إلى الخنصر والإبهام وسواء قطع أصابع اليد وحدها أو قطع الكف ومعها الأصابع وكذلك القدم مع الأصابع لما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال في الأصابع في كل أصبع عشر من الإبل من غير فصل بين ما إذا قطع الأصابع وحدها أو قطع الكف التي فيها الأصابع ولأن الأصابع أصل والكف تابعة لها لأن المنفعة المقصودة من اليد البطش وإنها تحصل بالأصابع فكان إتلافها إتلافا لليد وسواء قطع الأصابع أو شل من الجراحة أو يبس ففيه عقله تاما لأن المقصود منه يفوت وما كان من الأصابع فيه ثلاث مفاصل ففي كل مفصل ثلث دية الأصبع وما كان فيه مفصلان ففي كل واحد منهما نصف دية الأصبع لأن ما في الأصبع ينقسم على مفاصلها كما ينقسم ما في اليد على عدد الأصابع وفي إحدى أشفار العينين ربع الدية وفي الأثنين نصف الدية وفي الثلاثة ( ( ( الثلاث ) ) ) ثلاثة أرباع الدية إن لم ينبت لأن في الأشفار كلها الدية فتقسم الدية على عددها كما تقسم الدية على اليدين وإن نبت فلا شيء فيه وسواء ( ( ( سواء ) ) ) قطع الشفر وحده أو قطع معه الجفن لأن الجفن تبع للشفر كالكف والقدم للأصابع وكذا أهداب العينين إذا لم تنبت حكمها حكم الأشفار وفي كل سن خمس من الإبل يستوي فيه المقدم والمؤخر والثنايا والأضراس والأنياب والأصل فيه ما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال في كل سن خمس من الإبل من غير فصل بين سن وسن ومن الناس من فضل أرش الطواحن على أرش الضواحك وهذا غير سديد لأن الحديث لا يوجب الفضل وهذا لا يجري على قياس الأصابع لأن الشرع ورد في كل سن بخمس من الإبل لأن الأسنان اثنان وثلاثون فيزيد الواجب في جملتها على قدر الدية ولو ضرب رجلا ضربة فألقى أسنانه كلها فعليه دية وثلاثة أخماس الدية لأن جملة الأسنان اثنان وثلاثون سنا

قسم V07/P314

عشرون ضرسا وأربعة أنياب وأربع ثنايا وأربع ضواحك في كل سن نصف عشر الدية فيكون جملتها ستة عشر ألف درهم وهي دية وثلاثة أخماس دية تؤدى هذه الجملة في ثلاث سنين في السنة الأولى ثلثا الدية ثلث من ذلك من الدية الكاملة وهي عشرة آلاف درهم وثلث من ثلاثة أخماس الدية وهي ستة آلاف درهم وفي السنة الثانية الثلث من الدية الكاملة والباقي من ثلاثة أخماس الدية وفي السنة الثالثة ثلث الدية وهو ما بقي من الدية الكاملة وإنما كان كذلك لأن الدية الكاملة تؤدي في ثلاث سنين في كل سنة ثلثها وثلاثة أخماس الدية وهي ستة آلاف درهم تؤدي في سنتين من السنين الثلاث وهذا يلزم أن يكون قدر المؤدى من الدية الكاملة والناقصة في السنتين الأوليين وقدر المؤدي من الدية الكاملة في السنة الثالثة ما وصفنا ولو ضرب أسنان رجل وتحركت ينتظر بها حولا لما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال يستأنى بالجراح حتى تبرأ والتقدير بالسنة لأنها مدة يظهر فيها حقيقة حالها من السقوط والتغير والثبوت وسواء كان المضروب صغيرا أو كبيرا كذا روي في المجرد عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه يؤجل سنه سواء كان صغيرا أو كبيرا وقال أبو يوسف رحمه الله ينتظر في الصغير ولا ينتظر في الرجل وعن محمد رحمه الله أنه ينتظر إذا تحركت وإذا سقطت لا ينتظر وجه قوله أن السن إذا تحركت قد تثبت وقد تسقط فأما إذا سقطت فالظاهر أنها لا تثبت وجه قول أبي يوسف في الفرق بين الصغير والكبير أن سن الصغير يثبت ظاهرا وغالبا وسن الكبير لا تثبت ظاهرا وجه قول أبي حنيفة رضي الله عنه أن احتمال النبات ثابت فيجب التوقف فيه فإن اشتدت ولم تسقط فلا شيء فيها وروي عن أبي يوسف رحمه الله فيها حكومة عدل وإن تغيرت فإن كان التغير إلى السواد أو إلى الحمرة أو إلى الخضرة ففيها الأرش تاما لأنه ذهبت منفعتها وذهاب منفعة العضو بمنزلة ذهاب العضو وإن كان التغير إلى الصفرة ففيها حكومة العدل وروي عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه إن كان حرا فلا شيء فيه وإن كان مملوكا ففيه الحكومة وهذه الرواية لا تكاد تصح عنه لأن الحر أولى بإيجاب الأرش من العبد وقال زفر رحمه الله في الصفرة الأرش تاما كما في السواد لأن كل ذلك يفوت الجمال ولنا أن الصفرة لا توجب فوات المنفعة وإنما توجب نقصانها فتوجب حكومة العدل وروي عن أبي يوسف أنه إن كثرت الصفرة حتى تكون عيبا كعيب الحمرة والخضرة ففيها عقلها تاما ويجب أن يكون هذا قولهم جميعا وإن سقطت فإن نبت مكانها أخرى ينظر إن نبتت صحيحة فلا شيء فيها في قول أبي حنيفة رضي الله عنه وقال أبو يوسف عليه الأرش كاملا كذا ذكر الكرخي رحمه الله وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي رحمه الله أن على قول أبي يوسف فيها حكومة العدل وجه قول أبي يوسف أنه فوت السن والنابت لا يكون عوضا عن الفائت لأن هذا العوض من الله تبارك وتعالى فلا يسقط به الضمان الواجب كمن أتلف مال إنسان ثم إن الله تبارك وتعالى رزق المتلف عليه مثل المتلف ولأبي حنيفة رحمه الله أن السن يستأنى بها فلولا أن الحكم يختلف بالنبات لم يكن للاستيناء فيه معنى لأنه لما نبتت فقد عادت المنفعة والجمال وقامت الثانية مقام الأولى كأن الأولى قائمة كسن الصبي هذا إذا نبتت بنفسها فأما إذا ردها صاحبها إلى مكانها فاشتدت ونبت عليها اللحم فعلى القالع الأرش بكماله لأن المعادة لا ينتفع بها لانقطاع العروق بل يبطل بأدنى شيء فكانت إعادتها والعدم بمنزلة واحدة ولهذا جعلها محمد في حكم الميتة حتى قال إن كانت أكثر من قدر الدرهم لم تجز الصلاة معها وأبو يوسف رحمه الله فرق بين سن نفسه وسن غيره فأجاز الصلاة في سن نفسه دون سن غيره

قسم V07/P314–V07/P315

وعلى هذا إذا قطع أذنه فخاطها فالتحمت أنه لا يسقط عنه الأرش لأنها لا تعود إلى ما كانت عليه فلا يعود الجمال هذا إذا نبتت مكانها أخرى صحيحة فأما إذا نبتت معوجة ففيها حكومة العدل بالإجماع وإن نبتت متغيرة بأن نبتت سوداء أو حمراء أو خضراء أو صفراء فحكمها حكم ما لو كانت قائمة فتغيرت بالضربة لأن النابت قام مقام الذاهب فكأن الأولى قائمة وتغيرت وقد بينا حكم ذلك وأما سن الصبي إذا ضرب عليها فسقطت فإن كان قد ثغر فسنه وسن البالغ سواء وقد ذكرناه وإن كان قبل أن يثغر فإن لم تنبت أو نبتت متغيرة فكذلك وإن نبتت صحيحة فلا شيء فيها في قول أبي حنيفة رضي الله عنه كما في سن البالغ وفي قول أبي يوسف رحمه الله فيها حكومة الألم فرق أبو يوسف على ما ذكره الكرخي رحمه الله بين سن البالغ والصبي لأن سن الصبي إذا لم يثغر لا نبات له الأعلى شرف السقوط بخلاف سن البالغ وهذه فريعة مسألة الشجة إذا التحمت ونبت الشعر عليها أنه لا شيء على الشاج في قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف عليه الرحمة فيها حكومة الألم وعند محمد عليه الرحمة فيها أجرة الطبيب والمسألة تأتي في بيان حكم الشجاج إن شاء الله تعالى ولو ضرب على سن إنسان فتحرك فأجله القاضي سنة ثم جاء المضروب وقد سقطت سنه فقال إنما سقطت من ضربتك وقال الضارب ما سقطت بضربتي فالمضروب لا يخلو إما إن جاء في السنة وإما إن جاء بعد مضي السنة فإن جاء في السنة فالقياس أن يكون القول قول الضارب وفي الاستحسان القول قول المضروب ولو شج رأس إنسان موضحة فصارت منقلة فاختلفا في ذلك فقال المشجوج صارت منقلة بضربتك وعليك أرش المنقلة وقال الشاج لا بل صارت منقلة بضربة أخرى حدثت فالقياس على السن أن يكون القول قول الشاج وفي الاستحسان القول قول المشجوج والقياس ( ( ( وللقياس ) ) ) وجهان أحدهما أن المضروب والمشجوج يدعيان على الضارب والشاج الضمان وهما ينكران والقول قول المنكر مع يمينه والثاني أنه وقع التعارض بين قوليهما والضمان لم يكن واجبا فلا تجب بالشك وإلى هذا أشار محمد في الأصل فقال استحسن في السن لورود الأثر والأثر عن إبراهيم النخعي رحمه الله وللاستحسان وجهان من الفرق أحدهما أن الظاهر شاهد للمضروب في مسألة السن لأن سبب السقوط حصل من الضارب وهو الضرب المحرك لأن التحرك سبب السقوط فكان الظاهر شاهدا للمضروب بخلاف الشجة لأن الشجة الموضحة لا تكون سببا لصيرورتها منقلة فلم يكن الظاهر شاهدا له والقول قول من يشهد له الظاهر والثاني أنه لما جرى التأجيل حولا في السن والتأجيل مدة الحول لانتظار ما يكون من الضربة فإذا جاء في الحول وقد سقطت سنه فقد جاء بما وقع له الانتظار من الضربة في مدة الانتظار فكان الظاهر شاهدا له فأما الشجة فلم يقدر في انتظارها وقت فكان القول قول الشاج في قدر الشجة وإن جاء بعد مضي السنة فالقول قول الضارب لأن التأجيل مدة الحول لاستقرار حال السن لظهور حالها في هذه المدة عادة فإذا لم يجىء ( ( ( يجئ ) ) ) دل على سلامتها عن السقوط بالضربة فكان السقوط محالا إلى سبب حادث فكان الظاهر شاهدا للضارب أو لم يشهد لأحدهما فيبقى المضروب مدعيا ضمانا على الضارب وهو ينكر فالقول قوله أو يقع التعارض فيقع الشك في وجوب الضمان والضمان لا يجب بالشك وكذا على الوجه الثاني زمان ما بعد الحول لم يجعل لانتظار حال السن فاحتمل السقوط من ضربة أخرى من غيره واحتمل من ضربته فلا يمكن القول بوجوب الضمان مع وقوع الشك في وجوبه والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب