Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
وما ذكر الشافعي من الترجيح غير سديد لأنه يؤدي إلى تقديم رواية الأحداث على رواية المهاجرين وأحد لا يقول به وما ذكره مالك ضعيف فإن أبا بكر رضي الله عنه علم الناس التشهد على منبر رسول الله كما هو تشهد ابن مسعود فكان الأخذ به أولى والله أعلم وأما مقدار التشهد فمن قوله التحيات لله إلى قوله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ويكره أن يزيد في التشهد حرفا أو يبتدىء بحرف قبله لما روي عن ابن مسعود أنه قال كان رسول الله يأخذ علينا التشهد بالواو والألف فهذا نص على أنه لا يجوز الزيادة عليه وما نقل في أول التشهد باسم الله وبالله أو باسم الله خير الأسماء وفي آخره أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون فشاذ لم يشتهر فلا يقبل في معارضة المشهور وكذا لا يزيد على هذا المقدار من الصلوات والدعوات في القعدة الأولى عندنا وعند مالك والشافعي يزيد عليه ( ( ( عليهم ) ) ) اللهم صل على محمد واحتجا بقول النبي وفي كل ركعتين فتشهد وسلم على المرسلين وعلى من تبعهم من عباد الله الصالحين ولنا ما روي عن النبي أنه كان لا يزيد في الركعتين الأوليين على التشهد وروي أنه كان يسرع النهوض في الشفع الأول ولا يزيد على التشهد ولأن الزيادة على التشهد مخالفة للإجماع فإن الطحاوي قال من زاد على هذا فقد خالف الإجماع وهو كان أعلم الناس بمذاهب ( ( ( بمذهب ) ) ) السلف وكفى بمخالفة الإجماع فسادا في المذهب ولأن هذا دعاء ومحل الدعاء آخر الصلاة والمراد من الحديث سلام التشهد أو نحمله على التطوعات لأن كل شفع من التطوع صلاة على حدة ولو زاد على التشهد قوله اللهم صل على محمد ساهيا لا يلزمه سجود السهو عند أبي يوسف ومحمد وذكر في أمالي الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه يلزمه والمسألة قد مرت وأما في القعدة الأخيرة فيدعو بعد التشهد ويسأل حاجته لقوله تعالى فإذا فرغت فانصب جاء في التفسير أن المراد منه الدعاء في آخر الصلاة أي فانصب للدعاء وقال لابن مسعود إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد تمت صلاتك ثم اختر من الدعوات ما شئت ولكن ينبغي أن يدعو بما لا يشبه كلام الناس حتى يكون خروجه من الصلاة على وجه السنة وهو إصابة لفظة السلام وفسره أصحابنا فقالوا ما يشبه كلام الناس هو ما لا يستحيل سؤاله من غيره تعالى كقوله أعطني كذا أو زوجني امرأة وما لا يشبه كلام الناس هو ما يستحيل سؤاله من غيره كقوله اللهم اغفر لي ونحو ذلك ثم لم يذكر في الأصل أنه يقدم الصلاة على النبي وذكر الطحاوي في مختصره أنه بعد التشهد يصلي على النبي ثم يدعو بحاجته ويستغفر لنفسه ولوالديه إن كانا مؤمنين وللمؤمنين والمؤمنات وهذا هو الصحيح أن يقدم الصلاة على النبي على الدعاء ليكون أقرب إلى الإجابة لما روي عن النبي أنه قال إذا صلى أحدكم فليبدأ بالحمد والثناء على الله ثم بالصلاة علي ثم بالدعاء والصلاة على النبي ما هو المعروف المتداول على ألسنة الأمة ولا يكره أن يقول فيها وارحم محمدا عند عامة المشايخ وبعضهم كرهوا ذلك وزعموا أنه يوهم التقصير منه في الطاعة ولهذا لا يقال عند ذكره رحمه الله تعالى والصحيح أنه لا يكره لأن أحدا وإن جل قدره من العباد لا يستغني عن رحمة الله تعالى وقد روي عن النبي أنه قال لا يدخل الجنة أحد بعمله إلا برحمة الله قيل ولا أنت يا رسول الله فقال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته دل عليه أنه جاز قوله اللهم صل على محمد والصلاة من الله رحمة ثم الصلاة على النبي في الصلاة ليست بفرض عندنا بل هي سنة مستحبة وعند الشافعي فرض لا تجوز الصلاة بدونها وهي اللهم صل على محمد وله في فرضية الصلاة في الأولى قولان
واحتج بقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه ومطلق الأمر للفرضية وقال لا صلاة لمن لم يصل علي في صلاته ولنا ما روينا من حديث ابن مسعود وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم أن النبي حكم بتمام الصلاة عند القعود قدر التشهد من غير شرط الصلاة على النبي ولا حجة في الآية لأن المراد منها الندب بدليل ما روينا وروي عن عمر وابن مسعود رضي الله عنهما أنهما قالا الصلاة على النبي سنة في الصلاة على أن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار بل يقتضي الفعل مرة واحدة وقد قال الكرخي من أصحابنا أن الصلاة على النبي فرض العمر كالحج وليس في الآية تعيين حالة الصلاة والحديث محمول على نفي الكمال لقوله لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد وبه نقول وأما الصلاة على النبي في غير حالة الصلاة فقد كان الكرخي يقول أنها فريضة على كل بالغ عاقل في العمر مرة واحدة وقال الطحاوي كلما ذكره أو سمع اسمه تجب وجه قول الكرخي ما ذكرنا أن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار فإذا امتثل مرة في الصلاة أو في غيرها سقط الفرض عنه كما يسقط فرض الحج بالحج مرة واحدة وجه ما ذكره الطحاوي أن سبب وجوب الصلاة هو الذكر أو السماع والحكم يتكرر بتكرر السبب كما يتكرر وجوب الصلاة والصوم وغيرهما من العبادات بتكرر أسبابها وأما بيان أنه واجب أو سنة فأما التشهد في القعدة الأولى فواجب استحسانا وقال القاضي أبو جعفر الاستروشني ( ( ( الأسروشني ) ) ) أنها ( ( ( إنه ) ) ) سنة وهذا أقرب إلى القياس لا ذكر التشهد أدنى رتبة من القعدة ألا ترى أن القعدة الأخيرة لما كانت فرضا كانت القراءة فيها واجبة فالقعدة الأولى لما كانت واجبة يجب أن تكون القراءة فيها سنة ليظهر انحطاط رتبته والصحيح أنه واجب فإن محمدا أوجب سجود السهو بتركه ساهيا وأنه لا يجب إلا بترك الواجب على ما ذكرنا فيما تقدم وكذا في القعدة الأخيرة عندنا حتى لو تركه عمدا لا تفسد صلاته ولكن يكون مسيئا ولو تركه سهوا يلزمه سجود السهو وعند الشافعي فرض حتى لا تجوز الصلاة بدونه وقد ذكرنا المسألة فيما تقدم وأما سنة التشهد فهي الإخفاء لما روي عن ابن مسعود أنه قال أربع يخفيهن الإمام وعد منها التشهد ولأنه من باب الثناء والأصل في الأثنية والأدعية هو الإخفاء وهل يشير بالمسبحة إذا انتهى إلى قوله أشهد أن لا إله إلا الله قال بعض مشايخنا لا يشير لأن فيه ترك سنة اليد وهي الوضع وقال بعضهم يشير فإن محمدا قال في كتاب المسبحة حدثنا عن النبي أنه كان يشير بأصبعه فيفعل مثل ما فعل النبي ويصنع ما صنعه وهو قول أبي حنيفة وقولنا ثم كيف يشير قال أهل المدينة يعقد ثلاثة وخمسين ويشير بالمسبحة وذكر الفقيه أبو جعفر الهندواني أنه يعقد الخنصر والبنصر ويحلق الوسطى مع الإبهام ويشير بالسبابة وقال إن النبي هكذا كان يفعل والله أعلم وأما الذي يؤتى به عند الخروج من الصلاة وهو التسليم فالكلام في صفة التسليم وقدره وكيفيته وحكمه قد ذكرناه فيما تقدم وههنا نذكر سنن التسليم فمنها أن يبدأ بالتسليم عن اليمين لما روينا من الأحاديث ولأن لليمين فضلا على الشمال فكانت البداية بها أولى ولو سلم أولا عن يساره أو سلم تلقاء وجهه روى الحسن عن أبي حنيفة أنه إذا سلم عن يساره يسلم عن يمينه ولا يعيد التسليم على يساره ولو سلم تلقاء وجهه سلم بعد ذلك عن يساره ومنها أن يبالغ في تحويل الوجه في التسليمتين ويسلم عن يمينه حتى يرى بياض خده الأيمن وعن يساره حتى يرى بياض خده الأيسر لما روي عن ابن مسعود أن رسول الله كان يحول وجهه في التسليمة الأولى حتى يرى بياض خده الأيمن أو قال خده الأيسر
ولا يكون ذلك إلا عند شدة الالتفات ومنها أن يجهر بالتسليم إن كان إماما لأن التسليم للخروج من الصلاة فلا بد من الإعلام ومنها أن يسلم مقارنا لتسليم الإمام إن كان مقتديا في رواية عن أبي حنيفة كما في التكبير وفي رواية يسلم بعد تسليمه وهو قول أبي يوسف ومحمد كما قالا في التكبير وقد مر الفرق لأبي حنيفة على إحدى الروايتين ومنها أن ينوي من يخاطبه بالتسليم لأن خطاب من لا ينوي خطابه لغو وسفه ثم لا يخلو إما إن كان إماما أو منفردا أو مقتديا فإن كان إماما ينوي بالتسليمة الأولى من على يمينه من الحفظة والرجال والنساء وبالتسليمة الثانية من على يساره منهم كذا ذكر في الأصل وأخر ذكر الحفظة في الجامع الصغير فمن مشايخنا من ظن أن في المسألة روايتين في رواية كتاب الصلاة يقدم الحفظة في النية لأن السلام خطاب فيبدأ بالنية الأقرب فالأقرب وهم الحفظة ثم الرجال ثم النساء وفي رواية الجامع الصغير يقدم البشر في النية استدلالا بالسلام في التشهد وهو قوله السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين قدم ذكر البشر على الملائكة إذ المراد بالصالحين الملائكة فكذا في السلام في آخر الصلاة ومنهم من قال إن أبا حنيفة كان يرى تفضيل الملائكة على البشر ثم رجع فرأى تفضيل البشر على الملائكة وهذا كله غير سديد لأن الكلام كله معطوف بعضه على بعض بحرف الواو وأنه لا يوجب الترتيب ولأن النية من عمل القلب فهي ( ( ( وهي ) ) ) تنتظم الكل جملة بلا ترتيب ألا ترى أن من سلم ( ( ( يسلم ) ) ) على جماعة لا يمكنه أن يرتب في النية فيقدم الرجال على الصبيان ثم اختلف المشايخ في كيفية نية الحفظة قال بعضهم ينوي الكرام الكاتبين واحدا عن يمينه وواحدا عن يساره والصحيح أنه ينوي الحفظة عن يمينه وعن يساره ولا ينوي عددا لأن ذلك لا يعرف بطريق الإحاطة وكذا اختلفوا في كيفية نية الرجال والنساء قال بعضهم ينوي من كان معه في الصلاة من المؤمنين والمؤمنات لا غير وكان الحاكم الشهيد يقول ينوي جميع رجال العالم ونسائهم من المؤمنين والمؤمنات والأول أصح لأن التسليم خطاب وخطاب الغائب ممن لا يبقى خطابه وليس بخير من خطاب من يبقى خطابه غير صحيح وإن كان منفردا فعلى قول الأولين ينوي الحفظة لا غير وعلى قول الحاكم ينوي الحفظة وجميع البشر من أهل الإيمان وأما المقتدي فينوي ما ينوي الإمام وينوي الإمام أيضا إن كان على يمين الإمام ينويه في يساره وإن كان على يساره ينويه في يمينه وإن كان بحذائه فعند أبي يوسف ينويه في يمينه وهكذا ذكر في بعض نسخ الجامع الصغير لأن لليمين فضلا على اليسار وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه ينويه في الجانبين جميعا وهكذا ذكر في بعض نسخ الجامع الصغير وهو قول محمد لأن يمين الإمام عن يمين المقتدي ويساره عن يساره فكان له حظ في الجانبين فينويه في التسليمتين والله أعلم فصل وأما بيان ما يستحب فيها وما يكره فالأصل فيه أنه ينبغي للمصلي أن يخشع في صلاته لأن الله تعالى مدح الخاشعين في الصلاة ويكون منتهى بصره إلى موضع سجوده لما روي أن رسول الله كان يصلي خاشعا شاخصا بصره إلى السماء فلما نزل قوله تعالى قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون رمى ببصره نحو مسجده أي موضع سجوده
ولأن هذا أقرب إلى التعظيم ثم أطلق محمد رحمه الله تعالى قوله ويكون منتهى بصره إلى موضع سجوده وفسره الطحاوي في مختصره فقال يرمي ببصره إلى موضع سجوده في حالة القيام وفي حالة الركوع إلى رؤوس أصابع رجليه وفي حالة السجود إلى أرنبة أنفه وفي حالة القعدة إلى حجره لأن هذا كله تعظيم وخشوع وروي في بعض الأخبار أن الله تعالى حين أمر الملائكة بالصلاة أمرهم كذلك وزاد بعضهم عند التسليمة الأولى على كتفه الأيمن وعند التسليمة الثانية على كتفه الأيسر ولا يرفع رأسه ولا يطأطئه لأن فيه ترك سنة العين وهي النظر إلى المسجد فيخل بمعنى الخشوع وروي عن النبي أنه نهى أن يدبح الرجل تدبيح الحمار أي يطأطىء ( ( ( يطأطئ ) ) ) رأسه ولا يتشاغل بشيء غير صلاته من عبث بثيابه أو بلحيته لأن فيه ترك الخشوع لما روي أن النبي رأى رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال أما هذا لو خشع قلبه لخشعت جوارحه ولا يفرقع أصابعه لما روي عن النبي أنه قال لعلي رضي الله عنه إني أحب لك ما أحب لنفسي لا تفرقع أصابعك وأنت تصلي ولأن فيه ترك الخشوع ولا يشبك بين أصابعه لما فيه من ترك سنة الوضع ولا يجعل يديه على خاصرته لما روي عن النبي أنه نهى عن الاختصار في الصلاة وقيل إنه استراحة أهل النار وقيل إن الشيطان لما أهبط أهبط مختصرا والتشبه بالكفرة وبإبليس مكروه خارج الصلاة ففي الصلاة أولى وعن عائشة رضي الله عنها أنه عمل اليهود وقد نهينا عن التشبه بأهل الكتاب ولأن فيه ترك سنة اليد وهي الوضع ولا يقلب الحصى إلا أن يسويه مرة واحدة لسجوده لما روي عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال سألت خليلي عن كل شيء حتى سألته عن تسوية الحصى في الصلاة فقال يا أبا ذر مرة أو ذر وروي عن النبي أنه قال لأن يمسك أحدكم عن الحصى خير له من مائة ناقة سود الحدقة إلا أنه رخص مرة واحدة إذا كانت الحصى لا تمكنه ( ( ( يمكنه ) ) ) من السجود لحاجته إلى السجود المسنون وهو وضع الجبهة والأنف وتركه أولى لما روينا ولأنه أقرب إلى الخشوع ولا يلتفت يمنة ويسرة لقول النبي لو علم المصلي من يناجي ما التفت وسئل رسول الله عن الالتفات في الصلاة فقال تلك خلسة يختلسها الشيطان من صلاة أحدكم وحد الالتفات المكروه أن يحول وجهه عن القبلة فأما النظر بمؤخر العين يمنة أو يسرة من غير تحويل الوجه فليس بمكروه لما روي أن النبي كان يلاحظ أصحابه بمؤخر عينيه ولأن هذا مما لا يمكن التحرز عنه ولا يقعي لما روي عن أبي ذر أنه قال نهاني خليلي عن ثلاث أن أنقر نقر الديك وأن أقعي إقعاء الكلب وأن أفترش افتراش الثعلب واختلفوا في تفسير الإقعاء قال الكرخي هو نصب القدمين والجلوس على العقبين وهو عقب الشيطان الذي نهى عنه في الحديث وقال الطحاوي هو الجلوس على الإليتين ونصب الركبتين ووضع الفخذين على البطن وهذا أشبه بإقعاء الكلب ولأن في ذلك ترك الجلسة المسنونة فكان مكروها ولا يفترش ذراعيه لما روينا ولا يتربع من غير عذر لما روي عن عمر أنه رأى عبدالله ( ( ( ابنه ) ) ) تربع ( ( ( يتربع ) ) ) في صلاته فنهاه عن ذلك فقال رأيتك تفعله يا أبت فقال إن رجلي لا تحملاني ولأن الجلوس على الركبتين أقرب إلى الخشوع فكان أولى ولا يكره في حالة العذر لأن مواضع الضرورة مستثناة من قواعد الشرع ولا يتمطى ولا يتثاءب في الصلاة لأنه استراحة في الصلاة فتكره كالإتكاء على شيء ولأنه مخل بمعنى الخشوع فإذا عرض له شيء من ذلك كظم ما استطاع فإن غلب عليه التثاؤب جعل يده على فيه لما روي عن النبي أنه قال إذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع فإن لم يستطع فليضع يده على فيه
ويكره أن يغطي فاه في الصلاة لأن النبي نهى عن ذلك ولأن في التغطية منعا من القراءة والأذكار المشروعة ولأنه لو غطى بيده فقد ترك سنة اليد وقد قال كفوا أيديكم في الصلاة ولو غطاه بثوب فقد تشبه بالمجوس لأنهم يتلثمون في عبادتهم النار والنبي نهى عن التلثم في الصلاة إلا إذا كانت التغطية لدفع التثاؤب فلا بأس به لما مر ويكره أن يكف ثوبه لما روي عن النبي أنه قال أمرت أن أسجد على سبعة أعظم وأن لا أكف ثوبا ولا أكفت شعرا ولأن فيه ترك سنة وضع اليد ويكره أن يصلي عاقصا شعره لما روي عن رفاعة بن رافع أنه رأى الحسن بن علي رضي الله عنهما يصلي عاقصا شعره فحل العقدة فنظر إليه الحسن مغضبا فقال يا ابن بنت رسول الله أقبل على صلاتك ولا تغضب فإني سمعت رسول الله نهى عن ذلك وقال ذاك كفل الشيطان وفي رواية مقعد الشيطان من صلاة العبد والعقص أن يشد الشعر ضفيرة حول رأسه كما تفعله النساء أو يجمع شعره فيعقده في مؤخر رأسه ويكره أن يصلي معتجرا لما روي عن النبي أنه نهى عن الاعتجار واختلف في تفسير الاعتجار وقيل ( ( ( قيل ) ) ) هو أن يشد حوالي رأسه بالمنديل ويتركها منه وهو تشبه بأهل الكتاب وقيل هو أن يلف شعره على رأسه بمنديل فيصير كالعاقص شعره والعقص مكروه لما ذكرنا وعن محمد رحمه الله أنه قال لا يكون الاعتجار إلا مع تنقب وهو أن يلف بعض العمامة على رأسه ويجعل طرفا منها على وجهه كمعتجر النساء إما لأجل الحر والبرد أو للتكبر ويكره أن يغمض عينيه في الصلاة لما روي عن النبي أنه نهى عن تغميض العين في الصلاة ولأن السنة أن يرمي ببصره إلى موضع سجوده وفي التغميض ترك هذه السنة ولأن كل عضو وطرف ذو حظ من هذه العبادة فكذا العين ولا يروح في الصلاة لما فيه من ترك سنة وضع اليد وترك الخشوع ويكره أن يبزق على حيطان المسجد أو بين يديه على الحصى أو يمتخط ( ( ( يتمخط ) ) ) لقول النبي إن المسجد لينزوي من النخامة كما تنزوي الجلدة في النار ولأن ذلك سبب لتنفير الناس عن الصلاة في المسجد ولأن النخامة والمخاط مما يستقذر طبعا وإذا عرض له ذلك ينبغي أن يأخذه بطرف ثوبه وإن ألقاه في المسجد فعليه أن يرفعه ولو دفنه في المسجد تحت الحصير يرخص له ذلك والأفضل أن لا يفعل لما روي أن النبي رخص في دفن النخامة في المسجد ولأنه طاهر في نفسه إلا أنه مستقذر طبعا فإذا دفن لا يستقذر ولا يؤدي إلى التنفير والرفع أولى تنزيها للمسجد عما ينزوي عنه ويكره عد الآي والتسبيح في الصلاة عند أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد لا بأس بذلك في الفرض والتطوع وروي عن أبي حنيفة أنه كره في الفرض ورخص في التطوع وذكر في الجامع الصغير قول محمد مع أبي حنيفة وجه قولهما أن العبد ( ( ( العد ) ) ) محتاج إليه لمراعاة السنة في قدر القراءة وعدد التسبيح خصوصا في صلاة التسبيح التي توارثتها الأمة ولأبي حنيفة أن في العد باليد ترك ( ( ( تركا ) ) ) لسنة اليد وذلك مكروه ولأنه ليس من أعمال الصلاة فالقليل منه إن لم يفسد الصلاة فلا أقل من أن يوجب الكراهة ولا حاجة إلى العد باليد في الصلاة فإنه يمكنه أن يعد خارج الصلاة مقدار ما يقرأ في الصلاة ويعين ثم يقرأ بعد ذلك المقدار المعين أو يعد بقلبه
ويكره أن يكون الإمام على دكان والقوم أسفل منه والجملة فيه أنه لا يخلو إما إن كان الإمام على الدكان والقوم أسفل منه أو كان القوم على الدكان والإمام أسفل منهم ولا يخلو إما إن كان الإمام وحده أو كان بعض القوم معه وكل ذلك لا يخلو إما إن كان في حالة الاختيار أو في حالة العذر أما في حالة الاختيار فإن كان الإمام وحده على الدكان والقوم أسفل منه يكره سواء كان المكان قدر قامة الرجل أو دون ذلك في ظاهر الرواية وروى الطحاوي أنه لا يكره ما لم يجاوز القامة لأن في الأرض هبوطا وصعودا وقليل الارتفاع عفو والكثير ليس بعفو فجعلنا الحد الفاصل ما يجاوز القامة وروي عن أبي يوسف أنه إذا كان دون القامة لا يكره والصحيح جواب ظاهر الرواية لما روي أن حذيفة بن اليمان قام بالمدائن ليصلي بالناس على دكان فجذبه سلمان الفارسي ثم قال ما الذي أصابك أطال العهد أم نسيت أما سمعت رسول الله يقول لا يقوم الإمام على مكان أنشز مما عليه أصحابه وفي رواية أما علمت أن أصحابك يكرهون فقال تذكرت حين جذبتني ولا شك أن المكان الذي يمكن الجذب عنه ما دون القامة وكذا الدكان المذكور يقع على المتعارف وهو ما دون القامة ولأن كثير المخالفة بين الإمام والقوم يمنع الصحة فقليلها يورث الكراهة ولأن هذا صنيع أهل الكتاب وإن كان الإمام أسفل من القوم يكره في ظاهر الرواية وروى الطحاوي عن أصحابنا أنه لا يكره ووجهه أن الموجب للكراهة التشبه بأهل الكتاب في صنيعهم ولا تشبه ههنا لأن مكان إمامهم لا يكون أسفل من مكان القوم وجواب ظاهر الرواية أقرب إلى الصواب لأن كراهة كون المكان أرفع كان معلولا بعلتين التشبه بأهل الكتاب ووجود بعض المفسد وهو اختلاف المكان وههنا وجدت إحدى العلتين وهي وجود بعض المخالفة هذا إذا كان الإمام وحده فإن كان بعض القوم معه اختلف المشايخ فيه فمن اعتبر معنى التشبه قال لا يكره وهو قياس رواية الطحاوي لزوال معنى التشبه لأن أهل الكتاب لا يشاركون الإمام في المكان ومن اعتبر وجود بعض المفسد قال يكره وهو قياس ظاهر الرواية لوجود بعض المخالفة وأما في حالة العذر كما في الجمع والأعياد لا يكره كيفما كان لعدم إمكان المراعاة ويكره للمار أن يمر بين يدي المصلي لقول النبي لو يعلم ( ( ( علم ) ) ) المار بين يدي المصلي ما عليه من الوزر لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه ولم يوقت يوما أو شهرا أو سنة ولم يذكر في الكتاب قدر المرور واختلف المشايخ فيه قال بعضهم قدر موضع السجود وقال بعضهم مقدار الصفين وقال بعضهم قدر ما يقع بصره على المار لو صلى بخشوع وفيما وراء ذلك لا يكره وهو الأصح وينبغي للمصلي أن يدرأ المار أي يدفعه حتى لا يمر حتى لا يشغله عن صلاته لما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال النبي لا يقطع الصلاة مرور شيء فادرؤا ( ( ( فادرءوا ) ) ) ما استطعتم ولو مر لا تقطع صلاته سواء كان المار رجلا أو امرأة لما نذكر في موضعه إلا أنه ينبغي أن يدفع بالتسبيح أو بالإشارة أو الأخذ بطرف ثوبه من غير مشي ومعالجة شديدة حتى لا تفسد صلاته ومن الناس من قال إن لم يقف بإشارته جاز دفعه بالقتال لحديث أبي سعيد الخدري أنه كان يصلي فأراد ابن مروان أن يمر بين يديه فأشار إليه فلم يقف فلما حاذاه ضربه في صدره ضربة أقعده على إسته فجاء إلى أبيه يشكو أبا سعيد فقال لم ضربت ابني فقال ما ضربت ابنك إنما ضربت شيطانا فقال لم تسمي ابني شيطانا فقال لأني سمعت رسول الله يقول إذا صلى أحدكم فأراد مار أن يمر بين يديه فليدفعه فإن أبى فليقاتله فإنما ( ( ( فإنه ) ) ) هو شيطان ولنا قول النبي إن في الصلاة لشغلا
يعني أعمال الصلاة والقتال ليس من أعمال الصلاة فلا يجوز الاشتغال به وحديث أبي سعيد كان في وقت كان العمل في الصلاة مباحا ومن المشايخ من قال إن الدرء رخصة والأفضل أن لا يدرأ لأنه ليس من أعمال الصلاة وكذا روى إمام الهدى الشيخ أبو منصور عن أبي حنيفة أن الأفضل أن يترك الدرء والأمر بالدرء في الحديث لبيان الرخصة كالأمر بقتل الأسودين والله أعلم هذا إذا لم يكن بينهما حائل كالأسطوانة ونحوها فأما إن كان بينهما حائل فلا بأس بالمرور فيما وراء الحائل والمستحب لمن يصلي في الصحراء أن ينصب بين يديه عودا أو يضع شيئا أدناه طول ذراع كي لا يحتاج إلى الدرء لقول النبي إذا صلى أحدكم في الصحراء فليتخذ بين يديه سترة وروي أن العنزة كانت تحمل مع رسول الله لتركز في الصحراء بين يديه فيصلي إليها حتى قال عون بن أبي جحيفة عن أبيه رأيت رسول الله بالبطحاء في قبة حمراء من أدم فأخرج بلال العنزة وخرج رسول الله فصلى إليها والناس يمرون من ورائها وإنما قدرناه ( ( ( قدر ) ) ) بذراع طولا دون اعتبار العرض وقيل ينبغي أن يكون في غلظ أصبع لقول ابن مسعود يجزىء من السترة السهم ولأن الغرض منه المنع من المرور وما دون ذلك لا يبدو للناظر من بعيد فلا يمتنع ويدنو من السترة لقوله من صلى إلى سترة فليدن منها فإن لم يجد سترة هل يخط بين يديه خطا حكى أبو عصمة عن محمد أنه قال لا يخط بين يديه فإن الخط وتركه سواء لأنه لا يبدو للناظر من بعيد فلا يمتنع فلا يحصل المقصود ومن الناس من قال يخط بين يديه خطا إما طولا شبه ظل السترة أو عرضا شبه المحراب لقوله إذا صلى أحدكم في الصحراء فليتخذ بين يديه سترة فإن لم يجد فليخط بين يديه خطا ولكن الحديث غريب ورد فيما تعم به البلوى فلا نأخذ به ولا بأس بقتل العقرب أو الحية في الصلاة لأنه يشغل القلب وذلك أعظم من قتله وقال النبي اقتلوا الأسودين ولو كنتم في الصلاة وهما الحية والعقرب وهذا ترخيص وإباحة وإن كانت صيغته صيغة الأمر لأن قتلهما ليس من أعمال الصلاة حتى لو عالج معالجة كثيرة في قتلهما تفسد صلاته على ما نذكر ويكره للمأموم أن يسبق الإمام بالركوع والسجود لما روي عن النبي أنه قال لا تبادروني بالركوع والسجود فإني قد بدنت ولو سبقه ينظر إن لم يشاركه الإمام في الركن الذي سبقه أصلا لا يجزئه ذلك حتى لو لم يعد الركن وسلم تفسد صلاته لأن الاقتداء عبارة عن المشاركة والمتابعة ولم توجد في الركن وإن شاركه الإمام في ذلك الركن أجزأه عندنا خلافا لزفر وجه قوله أن الابتداء وقع باطلا والباقي بناء عليه فأخذ حكمه ولنا أن القدر الذي وقعت فيه المشاركة ركوع تام فيكتفى به وانعدام المشاركة فيما قبله لا يضر لأنه ملحق بالعدم ويكره أن يرفع رأسه من الركوع والسجود قبل الإمام لقوله إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه ويكره أن يقرأ في غير حال القيام لأنه نهى عن القراءة في الركوع والسجود وقال أما الركوع فعظموا فيه الرب جل جلاله وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فإنه ( أجدر ( ( ( قمن ) ) ) من ) أن يستجاب لكم ويكره النفخ في الصلاة لأنه ليس من أعمال الصلاة ولا ضرورة فيه بخلاف التنفس فإن فيه ضرورة وهل تفسد الصلاة بالنفخ فإن لم يكن مسموعا لا تفسد وإن كان مسموعا تفسد في قول أبي حنيفة ومحمد ونذكر المسألة في بيان ما يفسد الصلاة ويكره لمن أتى الإمام وهو راكع أن يركع دون الصف وإن خاف الفوت لما روي عن أبي بكرة أنه دخل المسجد فوجد النبي راكعا فكبر لما ( ( ( كما ) ) ) دخل المسجد ودب راكعا حتى التحق بالصفوف فلما فرغ النبي من صلاته قال له زادك الله حرصا ولا تعد
ولأنه لا يخلو عن إحدى الكراهتين إما أن يتصل بالصفوف فيحتاج إلى المشي في الصلاة وإنه فعل مناف للصلاة في الأصل حتى قال بعض المشايخ إن مشى خطوة خطوة لا تفسد صلاته وإن مشى خطوتين خطوتين تفسد وعند بعضهم لا تفسد كيفما كان لأن المسجد في حكم مكان واحد لكن لا أقل من الكراهة وإما أن يتم الصلاة في الموضع الذي ركع فيه فيكون مصليا خلف الصفوف وحده وأنه مكروه لقوله عليه الصلاة والسلام لا صلاة لمنتبذ خلف الصفوف وأدنى أحوال النفي هو نفي الكمال ثم الصلاة منفردا خلف الصف إنما تكره إذا وجد فرجة في الصف فأما إذا لم يجد فلا تكره لأن الحال حال العذر وإنها مستثناة ألا ترى أنها لو كانت امرأة يجب عليها أن تقوم خلف الصف لأن محاذاتها الرجل مفسدة صلاة الرجل فوجب الانفراد للضرورة وينبغي إذا لم يجد فرجة أن ينتظر من يدخل المسجد ليصطف معه خلف الصف فإن لم يجد أحدا وخاف فوت الركعة جذب من الصف إلى نفسه من يعرف منه علما وحسن الخلق لكيلا ( ( ( لكي ) ) ) يغضب عليه فإن لم يجد يقف حينئذ خلف الصف بحذاء الإمام قال محمد ويؤمر من أدرك القوم ركوعا أن يأتي وعليه السكينة والوقار ولا يعجل في الصلاة حتى يصل إلى الصف فما أدرك مع الإمام صلى بالسكينة والوقار وما فاته قضى وأصله قول النبي إذا أتيتم الصلاة فأتوها وأنتم تمشون ولا تأتوها وأنتم تسعون عليكم بالسكينة والوقار ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا ويكره لمصلي المكتوبة أن يعتمد على شيء إلا من عذر لأن الاعتماد يخل بالقيام وترك القيام في الفريضة لا يجوز إلا من عذر فكان الإخلال به مكروها إلا من عذر ولو فعل جازت صلاته لوجود أصل القيام وهل يكره ذلك لمصلي التطوع لم يذكره في الأصل واختلف المشايخ فيه قال بعضهم لا بأس به لأن ترك القيام في التطوع جائز من غير عذر فالإخلال به أولى وقال بعضهم يكره لما روي أن رسول الله رأى حبلا ممدودا في المسجد فقال لمن هذا فقيل لفلانة تصلي بالليل فإذا أعيت اتكأت فقال لتصل فلانة بالليل فإذا أعيت فلتنم ولأن في الاعتماد بعض التنعم والتحبر ولا ينبغي للمصلي أن يفعل شيئا من ذلك من غير عذر ويكره السدل في الصلاة واختلف في تفسيره ذكر الكرخي أن سدل الثوب هو أن يجعل ثوبه على رأسه أو على كتفيه ويرسل أطرافه من جوانبه إذا لم يكن عليه سراويل وروي عن الأسود وإبراهيم النخعي أنهما قالا السدل يكره سواء كان عليه قميص أو لم يكن وروى المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه يكره السدل على القميص وعلى الإزار وقال لأنه صنع أهل الكتاب فإن كان السدل بدون السراويل فكراهته لاحتمال كشف العورة عند الركوع والسجود وإن كان مع الإزار فكراهته لأجل التشبه بأهل الكتاب وقال مالك لا بأس به كيفما كان وقال الشافعي إن كان من الخيلاء يكره وإلا فلا والصحيح مذهبنا لما روي عن النبي أنه نهى عن السدل من غير فصل ويكره لبسة الصماء واختلف في تفسيرها ذكر الكرخي هو أن يجمع طرفي ثوبه ويخرجهما تحت إحدى يديه على إحدى كتفيه إذا لم يكن عليه سراويل وإنما كره لأنه لا يؤمن انكشاف العورة ومحمد رحمه الله تعالى فصل بين الاضطباع ولبسة الصماء فقال إنما تكون لبسة الصماء إذا لم يكن عليه إزار فإن كان عليه إزار فهو اضطباع لأنه يدخل طرفي ثوبه تحت إحدى ضبعيه وهو مكروه لأنه لبس أهل الكبر وذكر بعض أهل اللغة أن لبسة الصماء أن يلف الثوب على جميع بدنه من العنق إلى الركبتين وإنه مكروه لما فيه ترك سنة اليد ولا بأس أن يصلي في ثوب واحد متوشحا به أو في قميص واحد والجملة فيه أن اللبس في الصلاة ثلاثة أنواع لبس مستحب ولبس جائز من غير كراهة ولبس مكروه أما المستحب فهو أن يصلي في ثلاثة أثواب قميص وإزار ورداء وعمامة
كذا ذكر الفقيه أبو جعفر الهندواني في غريب الرواية عن أصحابنا وقال محمد إن المستحب للرجل أن يصلي في ثوبين إزار ورداء لأن به يحصل ستر العورة والزينة جميعا وأما اللبس الجائز بلا كراهة فهو أن يصلي في ثوب واحد متوشحا به أو قميص واحد لأنه حصل به ستر العورة وأصل الزينة إلا أنه لم تتم الزينة وأصله ما روي عن علي أن رسول الله سئل عن الصلاة في ثوب واحد فقال أو كلكم يجد ثوبين أشار إلى الجواز ونبه على الحكمة وهي أن كل واحد لا يجد ثوبين وهذا كله إذا كان الثوب صفيقا لا يصف ما تحته فإن كان رقيقا يصف ما تحته لا يجوز لأن عورته مكشوفة من حيث المعنى قال النبي لعن الله الكاسيات العاريات ثم لم يذكر في ظاهر الرواية أن القميص الواحد إذا كان محلول الجيب والزر هل تجوز الصلاة فيه ذكر ابن شجاع فيمن صلى محلول الأزرار ( ( ( الإزار ) ) ) وليس عليه إزار أنه إن كان بحيث لو نظر رأى عورة نفسه من زيقه لم تجز صلاته وإن كان بحيث لو نظر لم ير عورته جازت وروي عن محمد رحمه الله تعالى في غير رواية الأصول إن كان بحال لو نظر إليه غيره يقع نظره ( ( ( بصره ) ) ) عليه من غير تكلف فسدت صلاته وإن كان بحال لو نظر إليه غيره لا يقع بصره على عورته إلا بتكلف فصلاته تامة فكأنه شرط ستر العورة في حق غيره لا في حق نفسه وعن داود الطائي أنه قال إن كان الرجل خفيف اللحية لم يجز لأنه يقع بصره على عورته إذا نظر من غير تكلف فيكون مكشوف العورة في حق نفسه وستر العورة عن نفسه وعن غيره شرط الجواز وإن كان كث اللحية جاز لأنه لا يقع بصره على عورته إلا بتكلف فلا يكون مكشوف العورة وأما اللبس المكروه فهو أن يصلي في إزار واحد أو ( ( ( وسراويل ) ) ) سراويل واحد لما روي عن النبي أنه نهى أن يصلي الرجل في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء ولأن ستر العورة إن حصل فلم تحصل الزينة وقد قال الله تعالى يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وروي أن رجلا سأل ابن عمر عن الصلاة في ثوب وقال أرأيت لو أرسلتك في حاجة أكنت منطلقا في ثوب واحد فقال لا فقال الله أحق أن تتزين له وروى الحسن عن أبي حنيفة أن الصلاة في إزار واحد فعل أهل الجفاء وفي ثوب متوشحا به أبعد من الجفاء وفي إزار ورداء من أخلاق الكرام هذا الذي ذكرنا في حق الرجل فأما المرأة فالمستحب لها ثلاثة أثواب في الروايات كلها درع وإزار وخمار فإن صلت في ثوب واحد متوشحة به يجزئها إذا سترت به رأسها وسائر جسدها سوى الوجه والكفين وإن كان شيء مما سوى الوجه والكفين منها مكشوفا فإن كان قليلا جاز وإن كان كثيرا لا يجوز وسنذكر الحد الفاصل بينهما إن شاء الله تعالى وهذا في حق الحرة فأما الأمة إذا صلت مكشوفة الرأس يجوز لأن رأسها ليس بعورة ولا بأس بأن يمسح جبهته من التراب بعدما فرغ من صلاته قبل أن يسلم بلا خلاف لأنه لو قطع الصلاة في هذه الحالة لا يكره فلأن لا يكره إدخال فعل قليل أولى وأما قبل الفراغ من الأركان فقد ذكر في رواية أبي سليمان فقال قلت فإن مسح جبهته قبل أن يفرغ قال لا أكرهه من مشايخنا من فهم من هذه اللفظة نفي الكراهة وجعل كلمة ( لا ) داخلة في قوله أكره وكذا ذكر في آثار أبي حنيفة وفي اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى ووجهه ما روي عن ابن عباس أن النبي كان يمسح العرق عن جبينه في الصلاة وإنما كان يفعل ذلك لأنه كان يؤذيه فكذا هذا
ومنهم من قال كلمة لا مقطوعة عن قوله أكره فكأنه قال هل يمسح فقال لا نفيا له ثم ابتدأ الكلام وقال أكره له ذلك وهو رواية هشام في نوادره عن محمد أنه يكره فعلى هذا يحتاج إلى الفرق بين المسح قبل الفراغ من الأركان وبين المسح بعد الفراغ منها قبل السلام والفرق أن المسح قبل الفراغ لا يفيد لأنه يحتاج إلى أن يسجد ثانيا فيلتزق التراب بجبهته ثانيا والمسح بعد الفراغ من الأركان مفيد ولأن هذا فعل ليس من أفعال الصلاة فيكره تحصيله في وقت لا يباح فيه الخروج عن الصلاة كسائر الأفعال بخلاف المسح بعد الفراغ من الأركان وقد روي عن النبي أنه قال أربع من الجفاء وعد منها مسح الجبهة في الصلاة ومنهم من وافق ( ( ( وفق ) ) ) فقال جواب محمد فيما إذا كان تركه لا يؤذيه وجواب أبي حنيفة مثله في هذه الحالة والحديث محمول على هذه الحالة أو على المسح باليدين وجواب أبي حنيفة فيما إذا كان ترك المسح يؤذيه ويشغل قلبه عن أداء الصلاة ومحمد يساعده في هذه الحالة ولهذا كان النبي يمسح العرق عن جبينه لأن الترك كان يؤذيه ويشغل قلبه وقد بينا ما يستحب للإمام أن يفعله بعد الفراغ من الصلاة وما يكره له في فصل الإمامة والله الموفق ( ( ( أعلم ) ) ) فصل وأما بيان ما يفسد الصلاة فالمفسد لها أنواع منها الحدث العمد قبل تمام أركانها بلا خلاف حتى يمتنع عليه البناء واختلف في الحدث السابق وهو الذي سبقه من غير قصد وهو ما يخرج من بدنه من بول أو غائط أو ريح أو رعاف أو دم سائل من جرح أو دمل به بغير صنعه قال أصحابنا لا يفسد الصلاة فيجوز البناء استحسانا وقال الشافعي يفسدها فلا يجوز البناء قياسا والكلام في البناء في مواضع في بيان أصل البناء أنه جائز أم لا وفي بيان شرائط جوازه لو كان جائزا وفي بيان محل البناء وكيفيته أما الأول فالقياس ( ( ( القياس ) ) ) أن لا يجوز البناء وفي الاستحسان جائز وجه القياس أن التحريمة لا تبقى مع الحدث كما لا تنعقد مع ( ( ( معه ) ) ) الحدث لفوات أهلية أداء الصلاة في الحالين بفوات الطهارة فيهما إذ الشيء كما لا ينعقد من غير أهلية ( ( ( أهليته ) ) ) لا يبقى مع عدم الأهلية فلا تبقى التحريمة لأنها شرعت لأداء أفعال الصلاة ولهذا لا تبقى مع الحدث العمد ولأن صرف الوجه عن القبلة والمشي في الصلاة مناف لها وبقاء الشيء مع ما ينافيه محال وجه الاستحسان النص وإجماع الصحابة أما النص فما روي عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من قاء أو رعف في صلاته انصرف وتوضأ وبنى على صلاته ما لم يتكلم وكذا روى ابن عباس وأبو هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم وأما إجماع الصحابة فإن الخلفاء الراشدين والعبادلة الثلاثة وأنس بن مالك وسلمان الفارسي رضي الله عنهم قالوا مثل مذهبنا وروي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه سبقه الحدث في الصلاة فتوضأ وبنى وعمر رضي الله عنه سبقه الحدث وتوضأ وبنى على صلاته وعلي رضي الله عنه كان يصلي خلف عثمان فرعف فانصرف وتوضأ وبنى على صلاته فثبت البناء من الصحابة رضي الله عنهم قولا وفعلا والقياس يترك بالنص والإجماع فصل وأما شرائط جواز البناء فمنها الحدث السابق فلا يجوز البناء في الحدث العمد لأن جواز البناء ثبت معدولا به عن القياس بالنص والإجماع وكل ما كان في معنى المنصوص والمجمع عليه يلحق به وإلا فلا والحدث العمد ليس في معنى الحدث السابق لوجهين أحدهما أن الحدث السابق مما يبتلى به الإنسان فلو جعل مانعا من البناء لأدى إلى الحرج ولا حرج في الحدث العمد لأنه لا يكثر وجوده
والثاني أن الإنسان يحتاج إلى البناء في الجمع والأعياد لإحراز الفضيلة المتعلقة بهما وكذا يحتاج إلى إحراز فضيلة الصلاة خلف أفضل القوم خصوصا من كان بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فلو لم يجز البناء وربما فرغ الإمام من الصلاة قبل فراغه من الوضوء لفات عليه فضيلة الجمعة والعيدين وفضيلة الصلاة خلف الأفضل على وجه لا يمكنه التلاقي فالشرع نظر له بجواز البناء صيانة لهذه الفضيلة عليه من الفوت وهو مستحق للنظر لحصول الحدث من غير قصده واختياره بخلاف الحدث العمد لأن متعمد الحدث في الصلاة جان فلا يستحق النظر وعلى هذا يخرج ما إذا كان به دمل فعصره حتى سال أو كان في موضع ركبته فانفتح ( ( ( فانتفخ ) ) ) من اعتماده على ركبته في سجوده لا يجوز له البناء لأن هذا بمنزلة الحدث العمد وكذا إذا تكلم في الصلاة عامدا أو ناسيا أو عمل فيها ما ليس من أعمال الصلاة وهو كثير لا يجوز له البناء لأن كل ذلك نادر في الصلاة فلم يكن في معنى المنصوص والمجمع عليه وكذا إذا جن في الصلاة أو أغمي عليه ثم أفاق لا يبني وإن كان ذلك في معنى الحدث السابق لأنه لا صنع له فيهما لأن اعتراضهما في الصلاة نادر فلم يكونا في معنى ما ورد فيه النص والإجماع وكذا لو انتضح البول على بدن المصلي أو ثوبه أكثر من قدر الدرهم من موضع فانفتل فغسله لا يبني على صلاته في ظاهر الرواية وروي عن أبي يوسف في غير رواية الأصول أنه يبني وجه هذه الرواية أن النجاسة وصلت إلى بدنه من غير قصد فكان في معنى الحدث السابق ولأن هذا بعض ما ورد فيه الخبر لأنه لو رعف فأصاب بدنه أو ثوبه نجاسة فإنه يتوضأ ويغسل تلك النجاسة وههنا لا يحتاج إلا إلى غسل النجاسة لا غير فلما جاز البناء هناك فلأن يجوز هنا أولى وجه ظاهر الرواية أن هذا النوع مما لا يغلب وجوده فلم يكن في معنى مورد النص والإجماع ولأن له بدا من غسل النجاسة عن الثوب في الجملة بأن يكون عليه ثوبان فيلقي ما تنجس من ساعته ويصلي في الآخر بخلاف الوضوء فإنه أمر لا بد منه ولو انتضح البول على ثوب المصلي فإن كان أكثر من قدر الدرهم من موضع فإن كان عليه ثوبان ألقى النجس من ساعته ومضى على صلاته استحسانا والقياس أن يستقبل لوجود شيء من الصلاة مع النجاسة لكنا نقول إن هذا مما لا يمكن التحرز عنه فيجعل عفوا وإن أدى ركنا أو مكث بقدر ما يتمكن من أداء ركن يستقبل قياسا واستحسانا وإن لم يكن عليه إلا ثوب واحد فانصرف وغسله لا يبني في ظاهر الرواية ولو أصابه ( ( ( أصابته ) ) ) بندقة فشجته أو رماه إنسان بحجر فشجه أو مس رجل قرحه فأدماه أو عصره فانفلت منه ريح أو حدث آخر لا يجوز له البناء في قول أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف يبني واحتج بما روي أن عمر رضي الله عنه لما طعن في المحراب استخلف عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ولو فسدت صلاته لفسدت صلاة القوم ولم يستخلف ولأن هذا حدث حصل بغير صنعه فكان كالحدث السماوي ولأن الشاج لم يوجد منه إلا فتح باب الدم فبعد ذلك خروج الدم بنفسه لا بتسييل أحد فأشبه الرعاف
وجه قولهما أن هذا الحدث حصل بصنع العباد بخلاف الحدث السماوي وكذا هذا النوع من الحدث في الصلاة مما يندر وقوعه لأن الرامي منهي عن الرمي فلا يقصده غالبا والإصابة خطأ نادر لأنه يتحرز خوفا من الضمان فلم يكن في معنى مورد النص والإجماع فيعمل فيه بالقياس المحض ألا ترى أن من عجز عن القيام بسبب المرض جاز له أداء الصلاة قاعدا ولو عجز عن القيام بفعل البشر بأن قيده إنسان لم يجز لغلبة الأول وندرة الثاني كذا هذا وأما قوله إن هذا فتح باب الدم فنقول نعم لكن ( ( ( ولكن ) ) ) من فتح باب المائع حتى سال المائع جعل ذلك مضافا إلى الفاتح لانعدام اختيار السائل في سيلانه ولهذا يجب ضمان الدهن على شاق الزق إذا سال الدهن والله الموفق ( ( ( أعلم ) ) ) ولو سقط المدر من السقف من غير مشي أحد على السطح على المصلي أو سقط الثمر من الشجر على المصلي أو أصابه حشيش المسجد فأدماه اختلف المشايخ فيه منهم من جوز له البناء بالإجماع لانقطاع ذلك عن فعل العباد ومنهم من جعل المسألة على الخلاف لوقوع ذلك في حد القلة وأما حديث عمر رضي الله عنه فقد قيل كان الاستخلاف قبل افتتاح الصلاة فاستخلفه ليفتتح الصلاة ألا ترى أنه روي أنه لما طعن قال آه قتلني الكلب من يصلي بالناس ثم قال تقدم يا عبد الرحمن ومعلوم أن هذا كلام يمنع البناء على الصلاة والله أعلم ومنها حقيقة الحدث لا وهم الحدث ولا ما جعل حدثا حكما حتى لو علم أنه لم يسبقه الحدث لكنه خاف أن يبتدره فانصرف قبل أن يسبقه الحدث ثم سبقه لا يجوز له البناء في ظاهر الرواية وروي عن أبي يوسف أنه يجوز وجه قوله أنه عجز عن المضي فصار كما لو سبقه الحدث ثم انصرف وجه ظاهر الرواية أنه صرف وجهه عن القبلة من غير عذر فلم يكن في معنى مورد النص والإجماع فبقي على أصل القياس وكذا إذا جن في الصلاة أو أغمي عليه أو نام مضطجعا لا يجوز له البناء لأن هذه العوارض يندر وقوعها في الصلاة فلم تكن في معنى مورد النص والإجماع وكذا المتيمم إذا وجد الماء في خلال الصلاة وصاحب الجرح السائل إذا جرح وقت صلاته والماسح على الخف انقضت مدة مسحه ونحو ذلك لا يجوز له البناء لأن في هذه المواضع يظهر أن الشروع في الصلاة لم يصح على ما ذكرنا ولأنه ليس في معنى الحدث السابق في كثرة الوقوع فتعذر الإلحاق وكذا لو اعترضت هذه الأشياء بعد ما قعد قدر التشهد الأخير يوجب فساد الصلاة ويمنع البناء عند أبي حنيفة خلافا لهما على ما ذكرنا في المسائل الاثني عشرية ومنها الحدث الصغير حتى لا يجوز البناء في الحدث الكبير وهو الجنابة بأن نام في الصلاة فاحتلم أو نظر إلى امرأة بشهوة أو تفكر فأنزل لما قلنا ولأن الوضوء عمل يسير والاغتسال عمل كثير فتعذر الإلحاق في موضع العفو ولأن الاغتسال لا يمكن إلا بكشف العورة وذلك من قواطع الصلاة وهذا استحسان والقياس أن يجوز يريد به القياس على الاستحسان الأول
ومنها أن لا يفعل بعد الحدث فعلا منافيا للصلاة لو لم يكن أحدث إلا ما لا بد للبناء منه أو كان من ضرورات ما لا بد منه أو من توابعه وتتماته وبيان ذلك إذا سبقه الحدث ثم تكلم أو أحدث متعمدا أو ضحك أو قهقه أو أكل أو شرب أو نحو ذلك لا يجوز له البناء لأن هذه الأفعال منافية للصلاة في الأصل لما نذكر فلا يسقط اعتبار المنافي إلا لضرورة ولا ضرورة لأن للبناء ( ( ( البناء ) ) ) منها بدا وكذا إذا جن أو أغمي عليه أو أجنب لأنه لا يكثر وقوعه فكان للبناء منه بد وكذا لو أدى ركنا من أركان الصلاة مع الحدث أو مكث بقدر ما يتمكن فيه من أداء ركن لأنه عمل كثير ليس ( ( ( وليس ) ) ) من أعمال الصلاة وله منه بد وكذا لو استقى من البئر وهو لا يحتاج إليه ولو مشى إلى الوضوء فاغترف الماء من الإناء أو استقى من البئر وهو محتاج إليه فتوضأ جاز له البناء لأن الوضوء أمر لا بد للبناء منه والمشي والاغتراف والاستقاء عند الحاجة من ضرورات الوضوء ولو استنجى فإن كان مكشوف العورة بطل البناء لأن كشف العورة مناف للصلاة وللبناء منه بد في الجملة فإن استنجى تحت ثيابه بحيث لا تنكشف عورته جاز له البناء لأن الاستنجاء على هذا الوجه من سنن الوضوء فكان من تتماته ولو توضأ ثلاثا ثلاثا ذكر في ظاهر الرواية ما يدل على الجواز فإنه قال إذا سبقه الحدث يتوضأ ويبني من غير فصل وحكي عن أبي القاسم الصفار أنه لا يجوز ووجهه أن الفرض يسقط بالغسل مرة واحدة فكانت الزيادة إدخال عمل لا حاجة إليه في الصلاة فيوجب فساد الصلاة وجه ظاهر الرواية أن الزيادة من باب إكمال الوضوء وبه حاجة إلى إقامة الصلاة على وصف الكمال وذلك بتحصيل الوضوء على وجه الكمال فتتحمل الزيادة كما يتحمل الأصل وهذا جواب أبي بكر الأعمش فإن عنده المرة الأولى هي الفرض والثانية والثالثة نفل فأما عند أبي بكر الإسكاف فالثلاثة كلها فرض لأن الثانية والثالثة لما التحقتا بالأولى صار الكل وضوءا واحدا فيصير الكل فرضا كالقيام إذا طال والقراءة أو الركوع أو السجود وعلى هذا إذا استوعب المسح وتمضمض واستنشق وأتى بسائر سنن الوضوء جاز له البناء لأن ذلك من باب إكمال الوضوء فكان من توابعه فيتحمل كما يتحمل الأصل ولو افتتح الصلاة بالوضوء ثم سبقه الحدث فلم يجد ماء تيمم وبنى لأن ابتداء الصلاة بالتيمم عند فقد الماء جائز فالبناء أولى فإن تيمم ثم وجد الماء فإن وجده بعد ما عاد إلى مقامه استقبل الصلاة وإن وجده في الطريق قبل أن يقوم مقامه فالقياس أن يستقبل وقيل القياس قول محمد وفي الاستحسان يتوضأ ويبني وجه القياس أنه متيمم وجد الماء في صلاته فتفسد صلاته كما إذا عاد إلى مكانه ثم وجد الماء وهذا لأن قدر ما مشى متيمما حصل فعلا غير محتاج إليه فلا يعفى وجه الاستحسان أنه لم يؤد شيئا من الصلاة مع الحدث ولم يدخل فعلا في الصلاة هو مضاد لها فلا يفسدها وما مشى كل ذلك كان محتاجا إليه لتحصيل التطهير فلا يوجب فساد الصلاة بخلاف ما إذا عاد إلى مكانه ثم وجد لأنه إذا عاد إلى مكانه وجد أداء جزء من أجزاء الصلاة وإن قل مع التيمم فظهر بوجود الماء أنه كان محدثا من وقت الحدث السابق وأن التيمم ما كان طهارته فتبين أنه أدى شيئا من الصلاة مع الحدث فتفسد صلاته ثم ما ذكرنا من جواز البناء لا يختلف سيما إذا كان الحدث في وسط الصلاة أو في آخرها حتى لو سبقه الحدث بعد ما قعد قدر التشهد الأخير يتوضأ ويبني عندنا لأنه يحتاج إلى الخروج بلفظة السلام التي هي واجبة أو سنة عندنا فلا بد له من الطهارة وكذا لا يختلف الجواب في جواز البناء
ولا سيما إذا صرف وجهه عن القبلة على علم بالحدث أو على ظن به بعد أن كان في المسجد في ظاهر الرواية حتى أنه لو صرف وجهه عن القبلة على ظن أنه أحدث ثم علم أنه لم يحدث وهو في المسجد رجع وبنى فإن علم بعد الخروج من المسجد لا يبني وروي عن محمد أنه لا يبني في الوجهين جميعا ووجهه أنه صرف وجهه عن القبلة من غير عذر فتفسد صلاته كما إذا علم خارج المسجد وكما إذا انصرف على ظن أنه على غير وضوء أو على ظن أنه على ثوبه نجاسة أو كان متيمما فرأى سرابا فظنه ماء فانصرف فإنه لا يبني سواء كان في المسجد أو خارج المسجد وجه ظاهر الرواية أن حكم المكان لم يتبدل ما دام في المسجد والانصراف لم يكن على قصد الخروج عن الصلاة وعزم الرفض بل لإصلاح صلاته ألا ترى أنه لو تحقق ما توهم توضأ وبنى على صلاته فسقط حكم هذا الانصراف فكأنه لم ينصرف بخلاف ما إذا خرج من المسجد ثم علم لأن حكم المكان قد تبدل وبخلاف تلك الصلاة لأن هناك الانصراف ليس لإصلاح صلاته بل لقصد الخروج عن الصلاة وعزم الرفض ألا ترى أنه لو تحقق ما توهم لا يمكنه البناء فأشبه الكلام والحدث العمد والقهقهة وعلى هذا إذا سلم على رأس الركعتين في ذوات الأربع ساهيا على ظن أنه أتم الصلاة ثم تذكر فحكمه وحكم الذي ظن أنه أحدث سواء على التفصيل والاختلاف الذي ذكرنا وذكر في العيون أنه إذا صلى العشاء فظن بعد ركعتين أنها ترويحة فسلم أو صلى الظهر وهو يظن أنه يصلي الجمعة أو يظن أنه مسافر فسلم على رأس الركعتين أنه يستقبل العشاء والظهر وقد مر الفرق هذا إذا كان يصلي في المسجد فأما إذا كان يصلي في الصحراء فإن كان يصلي بجماعة يعطى لما انتهى إليه الصفوف حكم المسجد إن مشى يمنة أو يسرة أو خلفا وإن مشى أمامه وليس بين يديه بناء ولا سترة فقد ذكرنا اختلاف المشايخ والصحيح هو التقدير بموضع السجود وإن كان بين يديه بناء أو سترة فإنه يبني ما لم يجاوزه لأن السترة تجعل لما دونها حكم المسجد حتى لا يباح المرور داخل السترة ويباح خارجها وإن كان يصلي وحده فمسجده قدر موضع سجوده من الجوانب الأربع إلا إذا مشى أمامه وبين يديه سترة فيعطى لداخل السترة حكم المسجد ثم المستحب لمن سبقه الحدث أن يتكلم ويتوضأ ويستقبل القبلة ليخرج عن عهدة الفرض بيقين فصل وأما الكلام في محل البناء وكيفيته فنقول وبالله التوفيق المصلي لا يخلو إما إن كان منفردا أو مقتديا أو إماما فإن كان منفردا فانصرف وتوضأ فهو بالخيار إن شاء أتم صلاته في الموضع الذي توضأ فيه وإن شاء عاد إلى الموضع الذي افتتح الصلاة فيه لأنه إذا أتم الصلاة حيث هو فقد سلمت صلاته عن المشي لكنه صلى صلاة واحدة في مكانين وإن عاد إلى مصلاه فقد أدى جميع الصلاة في مكان واحد لكن مع زيادة مشي فاستوى الوجهان فيخير وقال بعض مشايخنا يصلي في الموضع الذي توضأ من غير خيار ولو أتى المسجد تفسد صلاته لأنه تحمل زيادة مشي من غير حاجة وعامة مشايخنا قالوا لا تفسد صلاته لأن المشي إلى الماء والعود إلى مكان الصلاة ألحق بالعدم شرعا في الجملة
وإن كان مقتديا فانصرف وتوضأ فإن لم يفرغ إمامه من الصلاة فعليه أن يعود لأنه في حكم المقتدي بعد ولو لم يعد وأتم بقية صلاته في بيته لا يجزيه لأنه إن صلى مقتديا بإمامه لا يصح لانعدام شرط الاقتداء وهو اتحاد البقعة إلا إذا كان بيته قريبا من المسجد بحيث يصح الاقتداء وإن صلى منفردا في بيته فسدت صلاته لأن الانفراد في حال وجوب الاقتداء يفسد صلاته لأن بين الصلاتين تغايرا ( ( ( تغيرا ) ) ) وقد ترك ما كان عليه وهو الصلاة مقتديا وما أدى وهو الصلاة منفردا لم يوجد له ابتداء تحريمة وهو بعض الصلاة لأنه صار منتقلا عما كان فيه إلى هذا فيبطل ذلك وما حصل فيه بعض الصلاة فلا يخرج عن كل الصلاة بأداء هذا القدر ثم إذا عاد ينبغي أن يشتغل أولا بقضاء ما سبق به في حال تشاغله بالوضوء لأنه لاحق فكأنه خلف الإمام فيقوم مقدار قيام الإمام من غير قراءة ومقدار ركوعه وسجوده ولا يضره إن زاد أو نقص ولو تابع إمامه أولا ثم اشتغل بقضاء ما سبق به بعد تسليم الإمام جازت صلاته عند علمائنا الثلاثة خلافا لزفر بناء أن على الترتيب في أفعال الصلاة الواحدة ليس بشرط عندنا وعنده شرط وإن كان قد فرغ إمامه من الصلاة يخير لما ذكرنا في المنفرد ولو توضأ وقد فرغ الإمام من صلاته ولم يقعد في الثانية لا يقعد هذا المقتدي في الثانية وروي عن زفر أنه يقعد ذكر المسألتين ( ( ( المسألة ) ) ) في النوادر وجه قول زفر أن القعدة الأولى واجبة في الصلاة ولا يجوز ترك الواجب إلا لأمر فوقه كما إذا كان خلف الإمام فترك الإمام القعدة وقام يتركها ( ( ( بتركها ) ) ) المقتدي موافقة للإمام فيما هو أعلى منه وهو القيام لكونه فرضا ولم يوجد هذا المعنى في اللاحق لأن موافقة الإمام بعد فراغه لا تتحقق فيجب عليه الإتيان بالقعدة ولنا أن اللاحق خلف الإمام تقديرا حتى يسجد لسهو الإمام ولا يسجد لسهو نفسه ولا يقرأ في القضاء كأنه خلف الإمام ولو كان خلفه حقيقة يترك القعدة متابعة للإمام فكذا إذا كان خلفه تقديرا والله أعلم وإن كان إماما يستخلف ثم يتوضأ ويبني على صلاته والأمر في موضع البناء وكيفيته على نحو ما ذكرنا في المقتدي لأنه بالاستخلاف تحولت الإمامة إلى الثاني وصار هو كواحد من المقتدين به فصل في ( ( ( ثم ) ) ) الكلام في الاستخلاف في مواضع أحدها في جواز الاستخلاف في الجملة والثاني في شرائط جوازه والثالث في بيان حكم الاستخلاف أما الأول فقد اختلف العلماء فيه قال علماؤنا يجوز وقال الشافعي لا يجوز ويصلي القوم وحدانا بلا إمام وجه قوله أنه لا ولاية للإمام إذ هو في نفسه بمنزلة المنفرد فلا يملك النقل إلى غيره وكذا القوم لا يملكون النقل وإنما تثبت الإمامة لا بتفويض منهم بل باقتدائهم به ولم يوجد الاقتداء بالثاني لأن الاقتداء بالتكبيرة وهي منعدمة في حق الثاني بخلاف الإمامة الكبرى لأنها عبارة عن ولايات تثبت له شرعا بالتفويض والبيعة كما يثبت للوكيل والقاضي فيقبل التمليك والعزل ولنا ( ( ( لنا ) ) ) ما روي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا صلى أحدكم فقاء أو رعف في صلاته فليضع يده على فمه وليقدم من لم يسبق بشيء من صلاته ولينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته ما لم يتكلم وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمر أبا بكر رضي الله عنه أن يصلي بالناس وجد في نفسه خفة فخرج يهادي بين اثنين وقد افتتح أبو بكر الصلاة فلما سمع حس رسول الله صلى الله عليه وسلم تأخر وتقدم النبي صلى الله عليه وسلم وافتتح القراءة من الموضع الذي انتهى إليه أبو بكر وإنما تأخر لأنه عجز عن المضي لكون المضي من باب التقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله فصار هذا أصلا في حق كل إمام عجز عن الإتمام أن يتأخر ويستخلف غيره وعن عمر رضي الله عنه أنه سبقه الحدث فتأخر وقدم رجلا وعن عثمان رضي الله عنه مثله ولأن بهم حاجة إلى إتمام ( ( ( تمام ) ) ) صلاتهم بالإمام وقد التزم الإمام ذلك فإذا عجز عن الوفاء بما التزم بنفسه يستعين بمن يقدر عليه نظرا لهم كيلا تبطل عليهم الصلاة بالمنازعة وأما قوله إن الإمام لا ولاية له فليس كذلك بل له ولاية المتبوعية في هذه الصلاة وأن لا تصح صلاتهم إلا بناء على صلاته وأن يقرأ فتصير قراءته قراءة لهم فإذا عجز عن الإمامة بنفسه ملك النقل إلى غيره فأشبه الإمامة الكبرى على أن هذا من باب الخلافة لا من باب التفويض والتمليك فإن الثاني يخلف الأول في بقية صلاته كالوارث يخلف الميت فيما بقي من أمواله والخلافة لا تفتقر إلى الولاية والأمر بل شرطها العجز وإنما التقديم من الإمام للتعيين كيلا تبطل بالمنازعة حتى أنه لو لم يبق خلفه إلا رجل واحد يصير إماما وإن لم يعينه ولا فوض إليه وكذا التقديم من القوم للتعيين دون التفويض فصار كالإمامة الكبرى فإن البيعة للتعيين لا للتمليك ألا ترى أن الإمام يملك أمورا لا تملكها الرعية وهي إقامة حدود ( ( ( الحدود ) ) ) الله تعالى فكذا هذا فإن لم يستخلف الإمام واستخلف القوم رجلا جاز ما دام الإمام في المسجد لأن الإمام لو استخلف كان سعيه للقوم نظرا لهم كيلا تبطل عليهم الصلاة فإذا فعلوا بأنفسهم جاز كما في الإمامة الكبرى لو لم يستخلف الإمام غيره ومات واجتمع أهل الرأي والمشورة ونصبوا من يصلح للإمامة جاز لأن الأول لو فعل فعل لهم فجاز لهم أن يفعلوا لأنفسهم لحاجتهم إلى ذلك فكذا هذا ولو تقدم واحد من القوم من غير استخلاف الإمام وتقديم القوم والإمام في المسجد جاز أيضا لأن به حاجة إلى صيانة صلاته ولا طريق لها عند امتناع الإمام عن الاستخلاف والقوم عن التقديم إلا ذلك ولأن القوم لما ائتموا به فقد رضوا بقيامه مقام الأول فجعل كأنهم قدموه ولو قدم الإمام أو القوم رجلين فإن وصل أحدهما إلى موضع الإمامة قبل الآخر تعين هو للإمامة وجازت صلاته وصلاة من اقتدى به وفسدت صلاة الثاني وصلاة من اقتدى به لأن الأول لما تقدم بتقديم من له ولاية التقديم ( ( ( لتقديم ) ) ) قام مقام الأول وصار إماما للكل كالأول فصار الإمام الثاني ومن اقتدى به منفردين عمن صار إماما لهم ففسدت صلاتهم لما مر من الفقه وإن وصلا معا فإن اقتدى القوم بأحدهما تعين هو للإمامة وإن اقتدوا بهما جميعا بعضهم بهذا وبعضهم بذاك فإن استوت الطائفتان فسدت صلاتهم جميعا لأن الأمر لا يخلو إما أن يقال لم يصح استخلاف كل واحد من الفريقين لمكان التعارض فبطلت إمامتهما وفسدت صلاة الكل لخروج الإمام الأول عن المسجد من غير خليفة للقوم ولأدائهم الصلاة منفردين في حال وجوب الاقتداء وإما أن يقال صح تقديم كل واحد منهما لعدم ترجيح الفريقين الآخر عليه فجعل في حق كل فريق كان ليس منهم ( ( ( معهم ) ) ) غيرهم فحينئذ يصير إمام كل طائفة إماما للكل كإمام أكثر الطائفتين عند التفاوت وعدم الاستواء فحينئذ يجب على إمام كل طائفة ومن تابعه الاقتداء بها ( ( ( بالآخر ) ) ) فإن لم يقتدوا جعلوا منفردين أوان وجوب الاقتداء وإن اقتدوا أدوا صلاة واحدة في حالة واحدة بإمامين وذلك مما لم يرد به الشرع فلم يجز ولو كانت الطائفتان على التفاوت فإن اقتدى جماعة القوم بأحد الإمامين إلا رجل أو رجلان اقتديا بالثاني فصلاة من اقتدى به الجماعة صحيحة وصلاة الآخر ومن اقتدى به فاسدة لأنهما لما وصلا معا وقد تعذر أن يكونا إمامين فلا بد من الترجيح وأمكن الترجيح بالكثرة نصا واعتبارا
أما النص فقوله ( ( ( فقول ) ) ) صلى الله عليه وسلم يد الله مع الجماعة وقوله من شذ شذ في النار وقوله كدر الجماعة خير من صفو الفرقة وأما الاعتبار فهو الاستدلال بالإمامة الكبرى حتى قال عمر رضي الله عنه في الشورى إن اتفقوا على شيء وخالفهم واحد فاقتلوه وإن اقتدى بكل إمام جماعة لكن أحد الفريقين أكثر عددا من الآخر اختلف المشايخ فيه قال بعضهم تفسد صلاة الفريقين جميعا وإليه مال الشيخ الإمام الزاهد السرخسي فقال إن كل واحد منهما جمع تام يتم به نصاب الجمعة فيكون الأقل مساويا للأكثر حكما كالمدعيين يقيم أحدهما شاهدين والآخر عشرة ( ( ( أربعة ) ) ) وقال بعضهم جازت صلاة الأكثرين وتعين الفساد في الآخرين كما في الواحد والمثنى وعليه اعتمد الشيخ الإمام الزاهد صدر الدين أبو المعين واستدل بوضع محمد فإن محمدا قال إذا قدم القوم أو الإمام رجلين فأم كل واحد منهما طائفة جازت صلاة أكثر الطائفتين فهذا يدل على أن كل طائفة لو كانت جماعة ترجح أيضا بالكثرة لأن اسم الطائفة في اللغة يقع على الواحد والاثنين وعلى ( ( ( والثلاثة ) ) ) الثلاثة وما زاد على ذلك قال الله تعالى وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ولا شك أن كل فريق لو كان أكثر من الثلاث لدخل تحت هذه الآية وقال تعالى ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم ولا شك أن كل فريق كان جماعة كثيرة وكذا ذكر محمد في السير الكبير أن أمير عسكر في دار الحرب قال من جاء منكم بشيء فله طائفة منه فجاء رجل برؤوس ( ( ( برءوس ) ) ) فإن الإمام ينفل له من ذلك على قدر ما يرى حتى أنه لو أعطى نصف ما أتى به أو أكثر بأن كانت الرؤوس عشرة فرأى الإمام أن يعطي تسعة من ذلك لهذا الرجل كان له ذلك فتبين أن اسم الطائفة يقع على الجماعة فيرجح بالكثرة لما مر والله تعالى أعلم هذا إذا كان خلف الإمام الذي سبقه الحدث اثنان أو أكثر فأما إذا كان خلفه رجل واحد صار إماما نوى الإمامة أو لم ينو قام في مكان الإمام أو لم يقم قدمه الإمام أو لم يقدمه لأن عدم تعيين واحد من القوم للإمامة ما لم يقدمه أو يتقدم حتى بقيت الإمامة للأول كان بحكم التعارض وعدم ترجيح البعض على البعض وههنا لا تعارض فتعين هو لحاجته إلى إبقاء صلاته على الصحة وصلاحيته للإمامة حتى أن الإمام الأول لو أفسد صلاته على نفسه لا تفسد صلاة هذا الثاني والثاني لو أفسد صلاته على نفسه فسدت صلاة الأول لأن الأول صار في حكم المقتدي بالثاني وفساد صلاة المقتدي لا تؤثر في فساد صلاة الإمام ولفساد صلاة الإمام أثر في فساد صلاة المقتدي ودخل في صلاة الثاني لأن الإمامة تحولت إليه على ما ذكرنا وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه إذا أحدث الإمام ولم يكن معه إلا رجل واحد فوجد الماء في المسجد فتوضأ قال يتم صلاته مقتديا بالثاني لأنه متعين للإمامة فبنفس انصرافه تتحول الإمامة إليه وإن كان معه جماعة فتوضأ في المسجد عاد إلى مكان الإمامة وصلى بهم لأن الإمامة لا تتحول منه إلى غيره في هذه الحالة إلا بالاستخلاف ولم يوجد فإن جاء رجل واقتدى بهذا الثاني ثم أحدث الثاني صار الثالث إماما لتعينه لذلك فإن أحدث الثالث وخرج قبل رجوعهما أو رجوع أحدهما فسدت صلاة الأول والثاني لأن الثالث لما صار إماما صار الأول والثاني مقتديين به فإذا خرج هو لم تفسد صلاته على الرواية الصحيحة لأنه في حق نفسه منفرد وفسدت صلاة الأول والثاني لأن إمامهما خرج عن المسجد فتحقق تباين المكان ففسد الاقتداء لفوت شرطه وهو اتحاد البقعة
وإن كان تباين المكان موجودا حال بقائه في المسجد لأن ذلك سقط اعتباره شرعا لحاجة المقتدي إلى صيانة صلاته على ما نذكر وههنا لا حاجة لكون ذلك في حد الندرة ولو رجع أحدهما فدخل المسجد ثم خرج الثالث جازت صلاتهم لأن الراجع صار إماما لهم لتعينه ولو رجع الأول والثاني فإن قدم أحدهما صار هو الإمام وإن لم يقدم حتى خرج الثالث من المسجد فسدت صلاتهما لأن أحدهما لم يصر إماما للتعارض وعدم الترجيح فبقي الثالث إماما فإذا خرج من المسجد فات شرط صحة الاقتداء وهو اتحاد البقعة ففسدت صلاتهما فصل وأما شرائط جواز الاستخلاف فمنها أن كل ما هو شرط جواز البناء فهو شرط جواز الاستخلاف حتى لا يجوز مع الحدث العمد والكلام والقهقهة وسائر نواقض الصلاة كما لا يجوز البناء مع هذه الأشياء لأن الاستخلاف يكون للقائم ولا قيام للصلاة مع هذه الأشياء بل تفسد ولو حصر الإمام عن القراءة فاستخلف غيره جاز في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد لا يجوز وتفسد صلاتهم وجه قولهما أن جواز الاستخلاف حكم ثبت على خلاف القياس بالنص وأنه ورد في الحديث السابق الذي هو غالب الوقوع والحصر في القراءة ليس نظيره فالنص الوارد ثمة لا يكون واردا هنا وصار كالإغماء والجنون والاحتلام في الصلاة أنه يمنع الاستخلاف كذا هذا ( ولأبي حنيفة أنا جوزنا الاستخلاف ههنا بالنص الخاص لا بالاستدلال بالحديث ) وهو حديث أبي بكر رضي الله عنه أنه كان يصلي بالناس بجماعة بأمر رسول الله في مرضه الذي مات فيه فوجد خفة فحضر المسجد فلما أحس الصديق برسول الله حصر في القراءة فتأخر وتقدم النبي وأتم الصلاة ولو لم يكن جائزا لما فعل ذلك رسول الله وما جاز له يكون جائزا لأمته هو الأصل لكونه قدوة ومنها أن يكون الاستخلاف قبل خروج الإمام من المسجد حتى أنه لو خرج عن المسجد قبل أن يقدم هو أو يقدم القوم إنسانا أو يتقدم أحد بنفسه فصلاة القوم فاسدة لأنه اختلف مكان الإمام والقوم فبطل الاقتداء لفوت شرطه وهو اتحاد البقعة ( ( ( المكان ) ) ) وهذا لأن غيره إذا لم يتقدم بقي هو إماما في نفسه كما كان لأنه إنما يخرج عن الإمامة لقيام غيره مقامه وانتقال الإمامة إليه ولم يوجد والمكان قد اختلف حقيقة وحكما أما الحقيقة فلا تشكل وأما الحكم فلأن من كان خارج المسجد إذا اقتدى بمن يصلي في المسجد وليست الصفوف متصلة لا يجوز بخلاف ما إذا كان بعد في المسجد لأن المسجد كله بمنزلة بقعة واحدة حكما ولهذا حكم بجواز الاقتداء في المسجد وإن لم تتصل الصفوف كذلك فسدت صلاتهم بخلاف المقتدي إذا سبقه الحدث وخرج من المسجد حيث لم تفسد صلاته وإن فات شرط صحة الاقتداء وهو اتحاد المكان فإن هناك ضرورة لأن صيانة صلاته لن تحصل إلا بهذا الطريق بخلاف ما إذا كان الإمام هو الذي سبقه الحدث فإن صيانة صلاة القوم تمكنه بأن يستخلف الإمام أو يقدم القوم رجلا أو يتقدم واحد منهم فإذا لم يفعلوا فقد فرطوا ( ( ( فرضوا ) ) ) وما سعوا في صيانة صلاتهم فتفسد عليهم وأما المقتدي فليس شيء منها في وسعه فبقيت صلاته صحيحة ليتمكن من الإتمام وأما حال صلاة الإمام فلم يذكر في الأصل وذكر الطحاوي أن صلاته تفسد أيضا لأن ترك استخلافه لما أثر في فساد صلاة القوم فلأن يؤثر في فساد صلاته أولى وذكر أبو عصمة أن صلاته لا تفسد وهو الصحيح لأنه بمنزلة المنفرد في حق نفسه والمنفرد الذي سبقه الحدث فذهب ليتوضأ بقيت صلاته صحيحة كذا هذا ولو كان خارج المسجد صفوف متصلة فخرج الإمام من المسجد ولم يجاوز الصفوف فسدت صلاة القوم في قول أبي حنيفة وأبي يوسف
وعند محمد لا تفسد حتى لو استخلف الإمام رجلا من الصفوف الخارجة لا يصح عندهما وعنده يصح وجه قول محمد إن مواضع الصفوف لها حكم المسجد ألا ترى أنه لو صلى في الصحراء جاز استخلافه ما لم يجاوز الصفوف فجعل الكل كمكان واحد ولهما أن البقعة مختلفة حقيقة وحكما في الأصل إلا أنه أعطى لها حكم الاتحاد إذا كانت الصفوف متصلة بالمسجد في حق الخارج عن المسجد خاصة لضرورة الحاجة إلى الأداء فلا يظهر الاتحاد في حق غيره ألا ترى أن الإمام إذا كبر يوم الجمعة وحده في المسجد وكبر القوم بتكبيره خارج المسجد لم تنعقد الجمعة وإذا ظهر حكم اختلاف البقعة في حق المستخلف لم يصح الاستخلاف هذا إذا كان يصلي في المسجد فإن كان يصلي في الصحراء فمجاوزة الصفوف بمنزلة الخروج من المسجد إن مشى على يمينه أو على يساره أو خلفه فإن مشى أمامه وليس بين يديه سترة فإن جاوز مقدار الصفوف التي خلفه أعطي له حكم الخروج عند بعضهم وهكذا روي عن أبي يوسف وعند بعضهم إذا جاوز موضع سجوده وإن كان بين يديه سترة يعطى لداخل السترة حكم المسجد لما مر ومنها أن يكون المقدم صالحا للخلافة حتى لو استخلف محدثا أو جنبا فسدت صلاته وصلاة القوم كذا ذكر في كتاب الصلاة في باب الحدث لأن المحدث لا يصلح خليفة فكان اشتغاله باستخلاف من لا يصلح خليفة عملا كثيرا ليس من أعمال الصلاة فكان إعراضا عن الصلاة فتفسد صلاته وتفسد صلاة القوم بفساد صلاته ولأن الإمام لما استخلفه فقد اقتدى به ومتى صار هو مقتديا به صار القوم أيضا مقتدين به والإقتداء بالمحدث والجنب لا يصح فتفسد صلاة الإمام والقوم جميعا وهذا عندنا لأن حدث الإمام إذا تبين للقوم بعد الفراغ من الصلاة فصلاتهم فاسدة عندنا فكذا في حال الاستخلاف وعند الشافعي رحمه الله تعالى إذا اقتدوا به مع العلم بكونه محدثا لا يصح الإقتداء وإذا لم يعلموا به ثم علموا بعد الفراغ فصلاتهم تامة فكذا في حال الاستخلاف وقد ذكرنا المسألة فيما تقدم وذكر القدوري في شرحه مختصر الكرخي ما يدل على أن استخلاف المحدث صحيح حتى لا تفسد صلاته فإنه قال إذا قدم الإمام رجلا والمقدم على غير وضوء فلم يقم مقامه ينوي أن يؤم الناس حتى قدم غيره صح الاستخلاف ولو لم يكن أهلا للخلافة لما صح استخلافه غيره ولفسدت صلاة الإمام باستخلافه من لا يصلح للخلافة فتفسد صلاة القوم وحينئذ لا يصح استخلاف المقدم غيره ووجهه أن المقدم من أهل الإمامة في الجملة وإنما التعذر لمكان الحدث فصار أمره بمنزلة أمر الإمام والأول أصح لما ذكرنا وكذلك لو قدم صبيا فسدت صلاته وصلاة القوم لأن الصبي لا يصلح خليفة للإمام في الفرض كما لا يصلح أصيلا في الإمامة في الفرائض وهذا على أصلنا أيضا فإنه لا يجوز اقتداء البالغ بالصبي في المكتوبة عندنا خلافا للشافعي بناء على أن اقتداء المفترض بالمتنفل لا يصح عندنا وعنده يصح وقد مرت المسألة وكذلك إن قدم الإمام المحدث امرأة فسدت صلاتهم جميعا من الرجال والنساء والإمام والمقدم وقال زفر صلاة المقدم والنساء جائزة وإنما تفسد صلاة الرجال وجه قوله أن المرأة تصلح لإمامة النساء في الجملة وإنما لا تصلح لإمامة الرجال كما في الابتداء ولنا أن المرأة لا تصلح لإمامة الرجال قال أخروهن من حيث أخرهن الله فصار باستخلافه إياها معرضا عن الصلاة فتفسد صلاته وتفسد صلاة القوم بفساد صلاته لأن الإمامة لم تتحول منه إلى غيره وكذلك لو قدم الأمي أو العاري أو المومي
وقال زفر إن الإمام إذا قرأ في الأوليين فاستخلف أميا في الأخريين لا تفسد صلاتهم لاستواء حال القارىء والأمي في الأخريين لتأدي فرض القراءة في الأوليين والصحيح أنه تفسد صلاتهم لأن استخلاف من لا يصلح إماما له عمل كثير منه ليس من أعمال الصلاة فتفسد صلاته وصلاتهم بفساد صلاته وكذلك إن استخلفه بعدما قعد قدر التشهد عند أبي حنيفة وهي من المسائل الاثني عشرية وبعض مشايخنا قالوا لا تفسد بالإجماع لوجود الصنع منه ههنا وهو الاستخلاف إلا أن بناء مذهب أبي حنيفة في هذه المسائل على هذا الأصل غير سديد على ما ذكرنا في كتاب الطهارة في فصل التيمم والأصل في باب الاستخلاف أن كل من يصح اقتداء الإمام به يصلح خليفة له وإلا فلا ولو كان الإمام متيمما فأحدث فقدم متوضئا جاز لأن اقتداء المتيمم بالمتوضىء ( ( ( بالمتوضئ ) ) ) صحيح بلا خلاف ولو قدمه ثم وجد الإمام الأول الماء فسدت صلاته وحده لأن الإمامة تحولت منه إلى الثاني وصار هو كواحد من القوم ففساد صلاته لا يتعدى إلى صلاة غيره وإن كان الإمام الأول متوضئا والخليفة متيمما فوجد الخليفة الماء فسدت صلاته وصلاة الأول والقوم جميعا لأن الإمامة تحولت إليه وصار الأول كواحد من المقتدين به وفساد صلاة الإمام يتعدى إلى صلاة القوم ولو قدم مسبوقا جاز والأولى للإمام المحدث أن يستخلف مدركا لا مسبوقا لأنه أقدر على إتمام الصلاة وقد قال من قلد إنسانا عملا وفي رعيته من هو أولى منه فقد خان الله ورسوله وجماعة المؤمنين ومع هذا لو قدم المسبوق جاز ولكن ينبغي له أن لا يتقدم لأنه عاجز عن القيام بجميع ما بقي من الأفعال ولو تقدم مع هذا جاز لأنه أهل للإمامة وهو قادر على أداء الأركان وهي المقصودة ( ( ( المقصود ) ) ) من الصلاة فإذا صح استخلافه يتم الصلاة من الموضع الذي وصل إليه الإمام لأنه قائم مقامه فإذا انتهى إلى السلام يستخلف هذا الثاني رجلا أدرك أول الصلاة ليسلم بهم لأنه عاجز عن السلام لبقاء ما سبق به عليه فصار بسبب العجز عن إتمام الصلاة كالذي سبقه الحدث فثبتت له ولاية استخلاف غيره فيقدم مدركا ليسلم ثم يقوم هو إلى قضاء ما سبق به والإمام الأول صار مقتديا بالإمام ( ( ( بالثاني ) ) ) الثاني لأن الثاني صار إماما فيخرج الأول من الإمامة ضرورة أن الصلاة الواحدة لا يكون لها إمامان وإذا لم يبق إماما وقد بقي هو في الصلاة التي كانت مشتركة بينهم صار مقتديا ضرورة فإن توضأ الأول وصلى في بيته ما بقي من صلاته فإن كان قبل فراغ الإمام الثاني من بقية صلاة الأول فسدت صلاته وإن كان بعد فراغه فصلاته تامة على ما مر ولو قعد الإمام الثاني في الرابعة قدر التشهد ثم ضحك قهقة انتقض وضوؤه وصلاته وكذلك إذا أحدث متعمدا أو تكلم أو خرج من المسجد فسدت صلاته لأن الجزء الذي لاقته القهقهة من صلاته قد فسد وقد بقي عليه أركان ومن باشر المفسد قبل ( ( ( قل ) ) ) أداء جميع الأركان تفسد صلاته وصلاة المقتدين الذين ليسوا بمسبوقين تامة لأن جزءا من صلاتهم وإن فسد بفساد صلاة الإمام لكن لم يبق عليهم شيء من الأفعال وصلاتهم بدون هذا الجزء جائزة فحكم بجوازها وأما المسبوقون فصلاتهم فاسدة لأن هذا الجزء من صلاتهم قد فسد وعليهم أركان لم تؤد بعد كما في حق الإمام الثاني فأما الإمام الأول فإن كان قد فرغ من صلاته خلف الإمام الثاني مع القوم فصلاته تامة كغيره من المدركين وإن كان في بيته لم يدخل مع الإمام الثاني في الصلاة ففيه روايتان ذكر في رواية أبي سليمان أن صلاته فاسدة وذكر في رواية أبي حفص أن صلاته لا تفسد وجه رواية أبي سليمان أن قهقهة الإمام كقهقهة المقتدي في إفساد الصلاة ألا ترى أن صلاة المسبوقين فاسدة