Qur'an&Sunnah

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)

قسم V02/P111

ولو أوجب على نفسه اعتكاف شهر بعينه بأن قال لله علي أن أعتكف رجب يلزمه أن يعتكف فيه يصومه متتابعا وإن أفطر يوما أو يومين فعليه قضاء ذلك ولا يلزمه قضاء ما يصلح ( ( ( صح ) ) ) اعتكافه فيه كما إذا أوجب على نفسه صوم رجب على ما ذكرنا في كتاب الصوم فإن لم يعتكف في رجب حتى مضى يلزمه اعتكاف شهر يصومه متتابعا لأنه لما مضى رجب من غير اعتكاف صار في ذمته اعتكاف شهر بغير عينه فيلزمه مراعاة صفة التتابع فيه كما إذا أوجب على نفسه اعتكاف شهر بغير عينه ابتداء بأن قال لله علي أن أعتكف شهرا ولو أوجب اعتكاف شهر بعينه فاعتكف شهرا قبله عن نذره بأن قال لله علي أن أعتكف رجبا فاعتكف شهر ربيع الآخر أجزأه عن نذره عند أبي يوسف وعند محمد رحمهما الله تعالى لا يجزئه وهو على الاختلاف في النذر بالصوم في شهر معين فصام قبله ونذكر المسألة في كتاب النذر إن شاء الله تعالى ولو قال لله علي أن أعتكف شهر رمضان يصح نذكره ( ( ( نذره ) ) ) ويلزمه أن يعتكف في شهر رمضان كله لوجود الإلتزام بالنذر فإن صام رمضان واعتكف فيه خرج عن عهدة النذر لوجود شرط صحة الاعتكاف وهو الصوم وإن لم يكن لزومه بالتزامه الاعتكاف لأن ذلك ليس بشرط إنما الشرط وجوده معه كمن لزمه أداء الظهر وهو محدث يلزمه الطهارة ولو دخل وقت الظهر وهو على الطهارة يصح أداء الظهر بها لأن الشرط هو الطهارة وقد وجدت كذا هذا ولو صام رمضان كله ولم يعتكف يلزمه قضاء الإعتكاف بصوم آخر في شهر آخر متتابعا كذا ذكر محمد في الجامع وروي عن أبي يوسف أنه لا يلزمه الاعتكاف بل يسقط نذره وجه قوله أن نذره انعقد غير موجب للصوم وقد تعذر إبقاؤه كما انعقد فتسقط لعدم الفائدة في البقاء وجه قول محمد رحمه الله تعالى أن النذر بالإعتكاف في رمضان قد صح ووجب عليه الإعتكاف فيه فإذا لم يؤد بقي واجبا عليه كما إذا نذر بالإعتكاف في شهر آخر بعينه فلم يؤده حتى مضى الشهر وإذا بقي واجبا عليه ولا يبقى واجبا عليه إلا بوجوب شرط صحة أدائه وهو الصوم فيبقى واجبا عليه بشرطه وهو الصوم وأما قوله إن نذره ما انعقد موجبا للصوم في رمضان فنعم لكن جاز أن يبقى موجبا للصوم في غير رمضان وهذا لأن وجوب الصوم لضرورة التمكن من الأداء ولا يتمكن من الأداء في غيره إلا بالصوم فيجب عليه الصوم ويلزمه متتابعا لأنه لزمه الإعتكاف في شهر بعينه وقد فاته فيقضيه متتابعا كما إذا أوجب اعتكاف رجب فلم يعتكف فيه أنه يقضيه في شهر آخر متتابعا كذا هذا ولو لم يصم رمضان ولم يعتكف فيه فعليه اعتكاف شهر متتابعا بصوم وقضاء رمضان فإن قضى صوم الشهر متتابعا وقرن به الاعتكاف جاز ويسقط عنه قضاء رمضان وخرج عن عهدة النذر لأن الصوم الذي وجب فيه الإعتكاف باق فيقضيهما جميعا يصوم شهرا متتابعا وهذا لأن ذلك الصوم لما كان باقيا لا يستدعي وجوب الاعتكاف فيها صوما آخر فبقي واجب الأداء بعين ذلك الصوم كما انعقد ولو صام ولم يعتكف حتى دخل رمضان القابل فاعتكف قاضيا لما فاته بصوم هذا الشهر لم يصح لما ذكرنا أن بقاء وجوب الإعتكاف يستدعي وجوب صوم يصير شرطا لأدائه فوجب في ذمته صوم على حدة وما وجب في الذمة من الصوم لا يتأدى بصوم الشهر ولو نذر أن يعتكف يومي العيد وأيام التشريق فهو على الروايتين اللتين ذكرناهما في الصوم أن ( ( ( وأن ) ) ) على رواية محمد عن أبي حنيفة يصح نذره لكن يقال له اقض في يوم آخر ويكفر اليمين إن كان أراد به اليمين وإن أعتكف فيها جاز وخرج عن عهدة النذر وكان مسيئا

قسم V02/P111–V02/P112

وعلى رواية أبي يوسف وابن المبارك عن أبي حنيفة لا يصح نذره بالإعتكاف فيها أصلا كما لا يصح نذره بالصوم فيها وإنما كان كذلك لأن الصوم من لوازم الإعتكاف الواجب فكان الجواب في الاعتكاف كالجواب في الصوم والله أعلم وأما الذي يرجع إلى المعتكف فيه فالمسجد وأنه شرط في نوعي الاعتكاف الواجب والتطوع لقوله تعالى ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد وصفهم بكونهم عاكفين في المساجد مع أنهم لم يباشروا الجماع في المساجد لينهوا عن الجماع فيها فدل أن مكان الاعتكاف هو المسجد ويستوي فيه الاعتكاف الواجب والتطوع لأن النص مطلق ثم ذكر الكرخي أنه لا يصح الاعتكاف إلا في مساجد الجماعات يريد به الرجل وقال الطحاوي أنه يصح في كل مسجد وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه لا يجوز إلا في مسجد تصلى فيه الصلوات كلها واختلفت الرواية عن ابن مسعود رضي الله عنه روى عنه أنه لا يجوز إلا في المسجد الحرام ومسجد المدينة ومسجد بيت المقدس كأنه ذهب في ذلك إلى ما روي عن النبي أنه قال لا اعتكاف إلا في المسجد الحرام وروى أنه قال لا تشد الرحال إلا لثلاث ( ( ( لثلاثة ) ) ) مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى وفي رواية ومسجد الأنبياء ولنا عموم قوله تعالى ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد وعن حذيفة رضي الله عنه أنه قال سمعت رسول الله يقول الاعتكاف في كل مسجد له إمام ومؤذن والمروى أنه لا اعتكاف إلا في المسجد الحرام إن ثبت فهو على التناسخ لأنه روى أن النبي اعتكف في مسجد المدينة فصار منسوخا بدلالة فعله إذ فعل النبي يصلح ناسخا لقوله أو يحمل على بيان الأفضل كقوله لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد أو على المجاروة ( ( ( المجاورة ) ) ) على قول من لا يكرهها وأما الحديث الآخر إن ثبت فيحمل على الزيارة أو على بيان الأفضل فأفضل الاعتكاف أن يكون في المسجد الحرام ثم في مسجد المدينة وهو مسجد رسول الله ثم في المسجد الأقصى ثم في المسجد الجامع ثم في المساجد العظام لتي ( ( ( التي ) ) ) كثر أهلها وعظم أما المسجد الحرام ومسجد رسول الله فلما روى عن النبي أنه قال صلاة في مسجدي هذا تعدل ألف صلاة في غيره من المساجد ما خلا المسجد الحرام ولأن للمسجد الحرام من الفضائل ما ليس لغيره من كون الكعبة فيه ولزوم الطواف به ثم بعده مسجد المدينة لأنه مسجد أفضل الأنبياء والمرسلين صلى الله تعالى عليه وعليهم وسلم ثم مسجد بيت المقدس لأنه مسجد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولإجماع المسلمين على أنه ليس بعد المسجد الحرام ومسجد رسول الله مسجد أفضل منه ثم المسجد الجامع لأنه مجمع المسلمين لإقامة الجمعة ثم بعده المساجد الكبار لأنها في معنى الجوامع لكثرة أهلها وأما المرأة فذكر في الأصل أنها لا تعتكف إلا في مسجد بيتها ولا تعتكف في مسجد جماعة وروى الحسن عن أبي حنيفة أن للمرأة أن تعتكف في مسجد الجماعة وأن شاءت اعتكفت في مسجد بيتها ومسجد بيتها أفضل لها من مسجد حيها ومسجد حيها أفضل لها من المسجد الأعظم وهذا لا يوجب اختلاف الروايات بل يجوز اعتكافها في مسجد الجماعة على الروايتين جميعا بلا خلاف بين أصحابنا والمذكور في الأصل محمول على نفي الفضيلة لا على نفي الجواز توفيقا بين الروايتين وهذا عندنا وقال الشافعي لا يجوز اعتكافها في مسجد بيتها

قسم V02/P112–V02/P113

وجه قوله أن الاعتكاف قربة خصت بالمساجد بالنص ومسجد بيتها ليس بمسجد حقيقة بل هو اسم للمكان المعد للصلاة في حقها حتى لا يثبت له شيء من أحكام المسجد فلا يجوز إقامة هذه القربة فيه ونحن نقول بل هذه قربة خصت بالمسجد لكن مسجد بيتها له حكم المسجد في حقها في حق الاعتكاف لأن له حكم المسجد في حقها في حق الصلاة لحاجتها إلى إحراز فضيلة الجماعة فأعطى له حكم مسجد الجماعة في حقها حتى كانت صلاتها في بيتها أفضل على ما روى عن رسول الله أنه قال صلاة المرأة في مسجد بيتها أفضل من صلاتها في مسجد دارها وصلاتها في صحن دارها أفضل من صلاتها في مسجد حيها وإذا كان له حكم المسجد في حقها في حق الصلاة فكذلك في حق الاعتكاف لأن كل واحد منهما في اختصاصه بالمسجد سواء وليس لها أن تعتكف في بيتها في غير مسجد وهو الموضع المعد للصلاة لأنه ليس لغير ذلك الموضع من بيتها حكم المسجد فلا يجوز اعتكافها فيه والله أعلم فصل وأما ركن الاعتكاف ومحظوراته وما يفسده وما لا يفسده فركن الاعتكاف هو اللبث والإقامة يقال اعتكف وعكف أي أقام وقال الله تعالى قالوا لن نبرح عليه عاكفين أي لن نزال عليه مقيمين ويقال فلان معتكف على حرام أي مقيم عليه فسمى من أقام على العبادة في المسجد معتكفا وعاكفا وإذا عرف هذا فنقول لا يخرج المعتكف من معتكفه في الاعتكاف الواجب ليلا ولا نهارا ( ( ( ونهارا ) ) ) إلا لما لا بد له منه من الغائط والبول وحضور الجمعة لأن الاعتكاف لما كان لبثا وإقامة فالخروج يضاده ولا بقاء للشيء مع ما يضاده فكان إبطالا له وإبطال العبادة حرام لقوله تعالى ولا تبطلوا أعمالكم إلا انا جوزنا له الخروج لحاجة الإنسان إذ لا بد منها وتعذر قضاؤها في المسجد فدعت الضرورة إلى الخروج ولأن في الخروج لهذه الحاجة تحقيق هذه القربة لأنه لا يتمكن المرء من أداء هذه القربة إلا بالبقاء ولا بقاء بدون القوت عادة ولا بد لذلك من الاستفراغ على ما عليه مجرى العادة فكان الخروج لها من ضرورات الاعتكاف ووسائله وما كان من وسائل الشيء كان حكمه حكم ذلك الشيء فكان المعتكف في حال خروجه عن المسجد لهذه الحاجة كأنه في المسجد وقد روى عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يخرج من معتكفه ليلا ولا نهارا إلا لحاجة الإنسان وكذا في الخروج في الجمعة ضرورة لأنها فرض عين ولا يمكن إقامتها في كل مسجد فيحتاج إلى الخروج إليها كما يحتاج إلى الخروج لحاجة الإنسان فلم يكن الخروج إليها مبطلا لاعتكافه وهذا عندنا وقال الشافعي إذا خرج إلى الجمعة بطل اعتكافه وجه قوله أن الخروج في الأصل مضاد للإعتكاف ومناف له لما ذكرنا أنه قرار وإقامة والخروج انتقال وزوال فكان مبطلا له إلا فميا ( ( ( فيما ) ) ) لا يمكن التحرز عنه كحاجة الإنسان وكان يمكنه التحرز عن الخروج إلى الجمعة بأن يعتكف في المسجد الجامع ولنا أن إقامة الجمعة فرض لقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله والأمر بالسعي إلى الجمعة أمر بالخروج من المعتكف ولو كان الخروج إلى الجمعة مبطلا للاعتكاف لما أمر به لأنه يكون أمرا بإبطال الاعتكاف وأنه حرام ولأن الجمعة لما كانت فرضا حقا لله تعالى عليه والإعتكاف قربة ليست هي عليه فمتى أوجبه على نفسه بالنذر لم يصح نذره في إبطال ما هو حق لله تعالى عليه بل كان نذره عدما في إبطال هذا الحق ولأن الاعتكاف دون الجمعة فلا يؤذن بترك الجمعة لأجله وقد خرج الجواب عن قوله أن الاعتكاف لبث والخروج يبطله لما ذكرنا أن الخروج إلى الجمعة لا يبطله لما بينا

قسم V02/P113–V02/P114

وأما وقت الخروج إلى الجمعة ومقدار ما يكون في المسجد الجامع فذكر الكرخي وقال ينبغي أن يخرج إلى الجمعة عند الأذان فيكون في المسجد مقدار ما يصلي قبلها أربعا وبعدها أربعا أو ستا وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة مقدار ما يصلي قبلها أربعا وبعدها أربعا وهو على الاختلاف في سنة الجمعة بعدها أنها أربع في قول أبي حنيفة وعندهما ستة على ما ذكرنا في كتاب الصلاة وقال محمد إذا كان منزله بعيدا يخرج حين يرى أنه يبلغ المسجد عند النداء وهذا أمر يختلف بقرب المسجد وبعده فيخرج في أي وقت يرى أنه يدرك الصلاة والخطبة ويصلي قبل الخطبة أربع ركعات لأن أباحة الخروج إلى الجمعة إباحة لها بتوابعها وسننها من توابعها بمنزلة الأذكار المسنونة فيها ولا ينبغي أن يقيم في المسجد الجامع بعد صلاة الجمعة إلا مقدار ما يصلي بعدها أربعا أو ستا على الاختلاف ولو أقام يوما وليلة لا ينتقض اعتكافه لكن يكره له ذلك أما عدم الانتقاض فلأن الجامع لما صلح لابتداء الاعتكاف فلأن يصلح للبقاء أولى لأن البقاء أسهل من الابتداء وأما الكراهة فلأنه لما ابتدأ الإعتكاف في مسجد فكأنه عينه للإعتكاف فيه فيكره له التحول عنه مع إمكان الاتمام فيه ولا يخرج لعيادة مريض ولا لصلاة جنازة لأنه لا ضرورة إلى الخروج لأن عيادة المريض ليست من الفرائض بل من الفضائل وصلاة الجنازة ليست بفرض عين بل فرض كفاية تسقط عنه بقيام الباقين بها فلا يجوز إبطال الاعتكاف لأجلها وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من الرخصة في عيادة المريض وصلاة الجنازة فقد قال أبو يوسف ذلك محمول عندنا على الاعتكاف الذي يتطوع به من غير إيجاب فله أن يخرج متى شاء ويجوز أن تحمل الرخصة على ما إذا كان خرج المعتكف لوجه مباح كحاجة الإنسان أو للجمعة ثم عاد مريضا أو صلى على جنازة من غير أن كان خروجه لذلك قصدا وذلك جائز أما المرأة إذا اعتكفت في مسجد بيتها لا تخرج منه إلى منزلها إلا لحاجة الإنسان لأن ذلك في حكم المسجد لها على ما بينا فإن خرج من المسجد الذي يعتكف فيه لعذر بأن انهدم المسجد أو أخرجه السلطان مكرها أو غير السلطان فدخل مسجدا آخر غيره من ساعته لم يفسد اعتكافه استحسانا والقياس أن يفسد وجه القياس أنه وجد ضد الاعتكاف وهو الخروج الذي هو ترك الإقامة فيبطل كما لو خرج عن اختيار وجه الاستحسان أنه خرج من غير ضرورة أما عند انهدام المسجد فظاهر لأنه لا يمكنه الإعتكاف فيه بعدما انهدم فكان الخروج منه أمرا لا بد منه بمنزلة الخروج لحاجة الإنسان وأما عند الإكراه فلأن الإكراه من أسباب العذر في الجملة فكان هذا القدر من الخروج ملحقا بالعدم كما إذا خرج لحاجة الإنسان وهو يمشي مشيا رفيقا فإن خرج من المسجد لغير عذر فسد اعتكافه في قول أبي حنيفة وإن كان ساعة وعند أبي يوسف ومحمد لا يفسد حتى يخرج أكثر من نصف يوم قال محمد قول أبي حنيفة أقيس وقول أبي يوسف أوسع وجه قولهما إن الخروج القليل عفو وإن كان بغير عذر بدليل أنه لو خرج لحاجة الإنسان وهو يمشي متأنيا لم يفسد اعتكافه وما دون نصف اليوم فهو قليل فكان عفوا ولأبي حنيفة أنه ترك الإعتكاف باشتغاله بضده من غير ضرورة فيبطل اعتكافه لفوات الركن وبطلان الشيء بفوات ركنه يستوي فيه الكثير والقليل كالأكل في باب الصوم وفي الخروج لحاجة الإنسان ضرورة وأحوال الناس في المشي مختلفة لا يمكن ضبطها فسقط اعتبار صفة المشي وههنا لا ضرورة في الخروج وعلى هذا الخلاف إذا خرج لحاجة الإنسان ومكث بعد فراغه أنه ينتقض اعتكافه عند أبي حنيفة قل مكثه أو كثر وعندهما لا ينتقض ما لم يكن أكثر من نصف يوم ولو صعد المئذنة لم يفسد اعتكافه بلا خلاف وإن كان باب المئذنة خارج المسجد لأن المئذنة من المسجد

قسم V02/P114–V02/P115

ألا ترى أنه يمنع فيه كل مايمنع في المسجد من البول ونحوه ولا يجوز بيعها فأشبه زاوية من زوايا المسجد وكذا إذا كان داره بجنب المسجد فأخرج رأسه إلى داره لا يفسد اعتكافه لأن ذلك ليس بخروج ألاترى أنه لوحلف لا يخرج من الدار ففعل ذلك لا يحنث في يمينه وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج رأسه من المسجد فيغسل رأسه وإن غسل رأسه في المسجد في إناء لا بأس به إذا لم يلوث المسجد بالماء المستعمل فإن كان بحيث يتلوث المسجد يمنع منه لأن تنظيف المسجد واجب ولو توضأ في المسجد في إناء فهو على هذا التفصيل وأما اعتكاف التطوع فهل يفسد بالخروج لغير عذر كالخروج لعيادة المريض وتشييع الجنازة فيه روايتان في رواية الأصل لا يفسد وفي رواية الحسن بن زياد عن أبي حنيفة يفسد بناء على أن اعتكاف التطوع غير مقدر على رواية الأصل فله أن يعتكف ساعة من نهار أو نصف يوم أو ما شاء من قليل أو كثير أو يخرج فيكون معتكفا ما أقام تاركا ما خرج وعلى رواية الحسن هو مقدر بيوم كالصوم ولهذا قال أنه لا يصح بدون الصوم كما لا يصح الاعتكاف الواجب بدون الصوم وجه رواية الحسن أن الشروع في التطوع موجب للاتمام على أصل أصحابنا صيانة للمؤدي عن البطلان كما في صوم التطوع وصلاة التطوع ومست الحاجة إلى صيانة المؤدى ههنا لأن القدر المؤدى انعقد قربة فيحتاج إلى صيانته ( ( ( صيانة ) ) ) وذلك بالمضي فيه إلى آخر اليوم وجه رواية الأصل أن الاعتكاف لبث وإقامة فلا يتقدر بيوم كامل كالوقوف بعرفة وهذا لأن الأصل في كل فعل تام بنفسه في زمان اعتباره في نفسه من غير أن يقف اعتباره على وجود غيره وكل لبث وإقامة توجد فهو فعل تام في نفسه فكان اعتكافا في نفسه فلا تقف صحته واعتباره على وجود أمثاله إلى آخر اليوم هذا هو الحقيقة إلا إذا جاء دليل التغيير فتجعل الأفعال المتعددة المتغايرة حقيقة متحدة حكما كما في الصوم ومن ادعى التغيير ههنا يحتاج إلى الدليل وقوله الشروع فيه موجب مسلم لكن بقدر ما اتصل به الأداء ولما خرج فما أوجب إلا ذلك القدر فلا يلزمه أكثر من ذلك ولو جامع في حال الاعتكاف فسد اعتكافه لأن الجماع من محظورات الإعتكاف لقوله تعالى ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد قيل المباشرة كناية عن الجماع كذا روى عن ابن عباس رضي الله عنه أن ما ذكر الله عز وجل في القرآن من المباشرة والرفث والغشيان فإنما عني به الجماع لكن الله تعالى حيى كريم يكنى بما شاء دلت الآية على أن الجماع محظور في الإعتكاف فإن حظر الجماع على المعتكف ليس لمكان المسجد بل لمكان الإعتكاف وإن كان ظاهر النهي عن المباشرة في حال الإعتكاف في المسجد بقوله عز وجل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد لأن الآية الكريمة نزلت في قوم كانوا يعتكفون في المساجد وكانوا يخرجون يقضون حاجتهم في الجماع ثم يغتسلون ثم يرجعون إلى معتكفهم لا أنهم كانوا يجامعون في المساجد لينهوا عن ذلك بل المساجد في قلوبهم كانت أجل وأعظم من أن يجعلوها مكانا لوطء نسائهم فثبت أن النهي عن المباشرة في حال الإعتكاف لأجل الاعتكاف فكان الجماع من محظورات الإعتكاف فيوجب فساده وسواء ( ( ( سواء ) ) ) جامع ليلا أو نهارا لأن النص مطلق فكان الجماع من محظورات الاعتكاف ليلا ونهارا وسواء كان عامدا أو ناسيا بخلاف الصوم فإن جماع الناسي لا يفسد الصوم والنسيان لم يجعل عذرا ( ( ( عذر ) ) ) في باب الاعتكاف وجعل عذرا في باب الصوم

قسم V02/P115

والفرق من وجهين أحدهما أن الأصل أن لا يكون عذرا لأن فعل الناسي مقدور الامتناع عنه في الجملة إذ الوقوع فيه لا يكون إلا لنوع تقصير ولهذا كان النسيان جابر المؤاخذة عليه عندنا وإنما رفعت المؤاخذة ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ولهذا لم يجعل عذرا في باب الصلاة إلا أنه جعل عذرا في باب الصوم بالنص فيقتصر عليه والثاني أن المحرم في الإعتكاف عين الجماع فيستوي فيه العمد والسهو والمحرم في باب الصوم هو الإفطار لا عين الجماع أو حرم الجماع لكونه إفطارا لا لكونه جماعا فكانت حرمته لغيره وهو الإفطار والإفطار يختلف حكمه بالعمد والنسيان ولو أكل أو شرب في النهار عامدا فسد صومه وفسد اعتكافه لفساد الصوم ولو أكل ناسيا لا يفسد اعتكافه لأنه لا يفسد صومه والأصل أن ما كان من محظورات الاعتكاف وهو ما ( ( ( مانع ) ) ) منع عنه لأجل الإعتكاف لا لأجل الصوم يختلف فيه العمد والسهو والنهار والليل كالجماع والخروج من المسجد وما كان من محظورات الصوم وهو ما منع عنه لأجل الصوم يختلف فيه العمد والسهو والنهار والليل كالجماع والخروج من المسجد وكالأكل والشرب والفقه ما بينا ولو باشر فأنزل فسد اعتكافه لأن المباشرة منصوص عليها في الآية وقد قيل في بعض وجوه التأويل إن المباشرة الجماع وما دونه ولأن المباشرة مع الإنزال في معنى الجماع فيلحق به وكذا لو جامع فيما دون الفرج فأنزل لما قلنا فإن لم ينزل لا يفسد اعتكافه لأنه بدون الإنزال لا يكون في معنى الجماع لكنه يكون حراما وكذا التقبيل والمعانقة واللمس إنه إن أنزل في شيء من ذلك فسد اعتكافه وإلا فلا يفسد لكنه يكون حراما بخلاف الصوم فإن في باب الصوم لا تحرم الدواعي إذا كان يأمن على نفسه والفرق على نحو ما ذكرنا أن عين الجماع في باب الاعتكاف محرم وتحريم الشيء يكون تحريما لدواعيه لأنها تفضي إليه فلو لم تحرم لأدى إلى التناقض وأما في باب الصوم فعين الجماع ليس محرما إنما المحرم هو الإفطار أو حرم الجماع لكونه إفطارا وهذا لا يتعدى إلى الدواعي فهو الفرق ولو نظر فأنزل لم يفسد اعتكافه لانعدام الجماع صورة ومعنى فأشبه الاحتلام والله الموفق ولا يأتي الزوج امرأته وهي معتكفة إذا كانت اعتكفت بإذن زوجها لأن اعتكافها إذا كان بإذن زوجها فإنه لا يملك الرجوع عنه لما بينا فيما تقدم فلا يجوز وطؤها لما فيه من إفساد عبادتها ويفسد الاعتكاف بالردة لأن الاعتكاف قربة والكافر ليس من أهل القربة ولهذا لم ينعقد مع الكفر فلا يبقى مع الكفر أيضا ونفس الإغماء لا يفسده بلا خلاف حتى لا ينقطع التتابع ولا يلزمه أن يستقبل الاعتكاف إذا أفاق وإن أغمي عليه أياما أو أصابه لمم فسد اعتكافه وعليه إذا برأ أن يستقبل لأنه لزمه متتابعا وقد فاتت صفة التتابع فيلزمه الاستقبال كما في صوم كفارة الظهار فإن تطاول الجنون وبقي سنين ثم أفاق هل يجب عليه أن يقضي أو يسقط عنه ففيه روايتان قياس واستحسان نذكرهما في موضعهما إن شاء الله تعالى ولو سكر ليلا لا يفسد اعتكافه عندنا وعند الشافعي يفسد وجه قوله إن السكران كالمجنون والجنون يفسد الاعتكاد ( ( ( الاعتكاف ) ) ) فكذا السكر ولنا أن السكر ليس إلا معنى له أثر في العقل مدة يسيرة فلا يفسد الاعتكاف ولا يقطع التتابع كالإغماء ولو حاضت المرأة في حال الاعتكاف فسد اعتكافها لأن الحيض ينافي أهلية الاعتكاف لمنافاتها الصوم لهذا ( ( ( ولهذا ) ) ) منعت من انعقاد الاعتكاف فتمنع من البقاء

قسم V02/P115–V02/P116

ولو احتلم المعتكف لا يفسد اعتكافه لأنه لا صنع له فيه فلم يكن جماعا ولا في معنى الجماع ثم إن أمكنه الاغتسال في المسجد من غير أن يتلوث المسجد فلا بأس به وإلا فيحرج ( ( ( فيخرج ) ) ) فيغتسل ويعود إلى المسجد ولا بأس للمعتكف أن يبيع ويشتري ويتزوج ويراجع ويلبس ويتطيب ويدهن ويأكل ويشرب بعد غروب الشمس إلى طلوع الفجر ويتحدث ما بدا له بعد أن لا يكون مأثما ( ( ( صائما ) ) ) وينام في المسجد والمراد من البيع والشراء هو كلام الإيجاب والقبول من غير نقل الأمتعة إلى المسجد لأن ذلك ممنوع عنه لأجل المسجد لما فيه من اتخاذ المسجد متجرا لا لأجل الاعتكاف وحكي عن مالك أنه لا يجوز البيع في المسجد كأنه يشير إلى ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وبيعكم وشراءكم ورفع أصواتكم وسل سيوفكم ولنا عمومات البيع والشراء من الكتاب الكريم والسنة من غير فصل بين المسجد وغيره وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال لابن أخيه جعفر هلا اشتريت خادما قال كنت معتكفا قال وماذا عليك لو اشتريت أشار إلى جواز الشراء في المسجد وأما الحديث فمحمول على اتخاذ المساجد متاجر كالسوق يباع فيها وتنقل الأمتعة إليها أو يحمل على الندب والاستحباب توفيقا بين الدلائل بقدر الإمكان وأما النكاح والرجعة فلأن نصوص النكاح والرجعة لا تفصل بين المسجد وغيره من نحو قوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ونحو ذلك وقوله تعالى فأمسكوهن بمعروف ونحو ذلك وكذا الأكل والشرب واللبس والطيب والنوم لقوله تعالى وكلوا واشربوا وقوله تعالى يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وقوله تعالى قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق وقوله عز وجل وجعلنا نومكم سباتا وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك في حال اعتكافه في المسجد مع ما إن الأكل والشرب والنوم في المسجد في حال الإعتكاف لو منع منه لمنع من الإعتكاف إذ ذلك أمر لا بد منه وأما التكلم بما لا مأثم فيه فلقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا قيل في بعض وجوه التأويل أي صدقا وصوابا لا كذبا ولا فحشا وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتحدث مع أصحابه ونسائه رضي الله عنهم وهو معتكف في المسجد فأما التكلم بما فيه مأثم فإنه لا يجوز في غير المسجد ففي المسجد أولى وله أن يحرم في اعتكافه بحج أو عمرة وإذا فعل لزمه الإحرام وأقام في اعتكافه إلى أن يفرغ منه ثم يمضي في إحرامه إلا أن يخاف فوت الحج فيدع الإعتكاف ويحج ثم يستقبل الإعتكاف أما صحة الإحرام في حال الاعتكاف فلأنه لا تنافي بينهما ألا ترى أن الإعتكاف ينعقد مع الإحرام فيبقى معه أيضا وإذا صح إحرامه فإنه يتم الإعتكاف ثم يشتغل بأفعال الحج لأنه يمكنه الجمع بينهما وأما إذا خاف فوت الحج فإنه يدع الاعتكاف لأن الحج يفوت والاعتكاف لا يفوت فكان الإشتغال بالذي يفوت أولى ولأن الحج آكد وأهم من الاعتكاف فالاشتغال به أولى وإذا ترك الإعتكاف يقضيه بعد الفرغ ( ( ( الفراغ ) ) ) من الحج والله أعلم فصل وأما بيان حكمه إذا فسد

قسم V02/P116–V02/P117

فالذي فسد لا يخلو إما أن يكون واجبا وأعني به المنذور وإما أن يكون تطوعا فإن كان واجبا يقضي إذا قدر على القضاء إلا الردة خاصة لأنه إذا فسد التحق بالعدم فصار فائتا معنى فيحتاج إلى القضاء جبر ( ( ( جبرا ) ) ) للفوات ويقضي بالصوم لأنه فاته مع الصوم فيقضيه مع الصوم غير أن المنذور به إن كان اعتكاف شهر بعينه يقضي قدر ما فسد لا غير ولا يلزمه الاستقبال كالصوم المنذور به في شهر بعينه إذا أفطر يوما أنه يقضي ذلك اليوم ولا يلزمه الإستئناف كما في صوم رمضان لما ذكرنا في كتاب الصوم وإذا كان اعتكاف شهر بغير عينه يلزمه الاستقبال لأن يلزمه متتابعا فيراعى فيه صفة التتابع وسواء فسد بصنعه من غير عذر كالخروج والجماع والأكل والشرب في النهار إلا الردة أو فسد بصنعه لعذر كما إذا مرض فاحتاج إلى الخروج فخرج أو بغير صنعه رأسا كالحيض والجنون والإغماء الطويل لأن القضاء يجب جبرا للفائت والحاجة إلى الجبر متحققة في الأحوال كلها إلا أن سقوط القضاء في الردة عرف بالنص وهو قوله تعالى قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وقول النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام يجب ما قبله والقياس في الجنون الطويل أن يسقط القضاء كما في صوم رمضان إلا أن في الاستحسان يقضي لأن سقوط القضاء في صوم رمضان إنما كان لدفع الحرج لأن الجنون إذا طال قلما يزول فيتكرر عليه صوم رمضان فيخرج ( ( ( فيحرج ) ) ) في قضائه وهذا المعنى لا يتحقق في الإعتكاف وأما اعتكاف التطوع إذا قطعه قبل تمام اليوم فلا شيء عليه في رواية الأصل وفي رواية الحسن يقضي بناء على أن اعتكاف التطوع غير معتد في رواية محمد عن أبي حنيفة وفي رواية الحسن عنه مقدر بيوم وقد ذكرنا الوجه للروايتين فيما تقدم وأما حكمه إذا فات عن وقته المعين له بأن نذر اعتكاف شهر بعينه إنه إذا فات بعضه قضاه لا غير ولا يلزمه الاستقبال كما في الصوم وإن فاته كله قضى الكل متتابعا لأنه لما لم يعتكف حتى مضى الوقت صار الاعتكاف دينا في ذمته فصار كأنه أنشأ النذر باعتكاف شهر بعينه فإن قدر على قضائه فلم يقضه حتى أيس من حياته يجب عليه أن يوصى بالفدية لكل يوم طعام مسكين لأجل الصوم لا لأجل الاعتكاف كما في قضاء رمضان والصوم المنذور في وقت بعينه وإن قدر على البعض دون البعض فلم يعتكف فكذلك إن كان صحيحا وقت النذر فإن كان مريضا وقت النذر فذهب الوقت وهو مريض حتى مات فلا شيء عليه وإن صح يوما فهو على الإختلاف الذي ذكرناه في الصوم المنذور في وقت بعينه وإذا نذر اعتكاف شهر بغير تعينه ( ( ( عينه ) ) ) فجميع العمر وقته كما في النذر بالصوم في وقت بغير تعينه ( ( ( عينه ) ) ) وفي أي وقت أدى كان مؤديا لا قاضيا لأن الإيجاب حصل مطلقا عن الوقت وإنما يتضيق ( ( ( يقتضى ) ) ) عليه الوجوب إذا أيس من حياته وعند ذلك يجب عليه أن يوصي بالفدية كما في قضاء رمضان والصوم المنذور المطلق فإن لم يوص حتى مات سقط عنه في أحكام الدنيا عندنا حتى لا تؤخذ من تركته ولا يجب على الورثة الفدية إلا أن يتبرعوا به وعند الشافعي لا تسقط وتؤخذ من تركته وتعتبر من جميع المال والمسألة مضت في كتاب الزكاة والله الموفق كتاب الحج

قسم V02/P117–V02/P118

الكتاب يشتمل على فصلين فصل في الحج وفصل في العمرة أما فصل الحج فالكلام فيه يقع في مواضع في بيان فرضية الحج وفي بيان كيفية فرضه وفي بيان شرائط الفرضية وفي بيان أركان الحج وفي بيان واجباته وفي بيان سننه وفي بيان الترتيب في أفعاله من الفرائض والواجبات والسنن وفي بيان شرائط أركانه وفي بيان ما يفسده وبيان حكمه إذا فسد وفي بيان ما يفوت الحج بعد الشروع فيه وفي بيان حكمه إذا فات عن عمره أصلا ورأسا أما الأول فالحج فريضة ثبتت فرضيته بالكتاب والسنة وإجماع الأمة والمعقول أما الكتاب فقوله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا في الآية دليل وجوب الحج من وجهين أحدهما أنه قال ولله على الناس حج البيت وعلى كلمة إيجاب والثاني أنه قال تعالى ومن كفر قيل في التأويل ومن كفر بوجوب الحج حتى روى عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال أي ومن كفر بالحج فلم ير حجه برا ولا تركه مأثما وقوله تعالى لإبراهيم عليه الصلاة والسلام وأذن في الناس بالحج أي ادع الناس ونادهم إلى حج البيت وقيل أي اعلم الناس أن الله فرض عليهم الحج دليله قوله تعالى يأتوك رجالا وعلى كل ضامر وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا وقوله صلى الله عليه وسلم اعبدوا ربكم وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وحجوا بيت ربكم وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم تدخلوا جنة ربكم وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال من مات ولم يحج حجة الإسلام من غير أن يمنعه سلطان جائر أو مرض حابس أو عدو ظاهر فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا أو مجوسيا وروى أنه قال من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله الحرام فلم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا وأما الإجماع فلأن الأمة أجمعت على فرضيته وأما المعقول فهو أن العبادات وجبت لحق العبودية أو لحق شكر النعمة إذ كل ذلك لازم في العقول ( ( ( المعقول ) ) ) وفي الحج إظهار العبودية وشكر النعمة أما إظهار العبودية فلأن إظهار العبودية هو إظهار التذلل للمعبود وفي الحج ذلك لأن الحاج في حال إحرامه يظهر الشعث ويرفض أسباب التزين والارتفاق ويتصور بصورة عبد سخط عليه مولاه فيتعرض بسوء حاله لعطف مولاه ومرحمته إياه وفي حال وقوفه بعرفة بمنزلة عبد عصى مولاه فوقف بين يديه متضرعا حامدا له مثنيا عليه مستغفرا لزلاته مستقيلا لعثراته وبالطواف حول البيت يلازم المكان المنسوب إلى ربه بمنزلة عبد معتكف على باب مولاه لائذ بجنابه وأما شكر النعمة فلأن العبادات بعضها بدنية وبعضها مالية والحج عبادة لا تقوم إلا بالبدن والمال ولهذا لا يجب إلا عند وجود المال وصحة البدن فكان فيه شكر النعمتين وشكر النعمة ليس إلا استعمالها في طاعة المنعم وشكر النعمة واجب عقلا وشرعا والله أعلم فصل وأما كيفية فرضه فمنها أنه فرض عين لا فرض كفاية فيجب على كل من استجمع شرائط الوجوب عينا لا يسقط بإقامة البعض عن الباقين بخلاف الجهاد فإنه فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين لأن الإيجاب تناول كل واحد من آحاد الناس عينا والأصل أن الإنسان لا يخرج عن عهدة ما عليه إلا بأدائه بنفسه إلا إذا حصل المقصود منه بأداء غيره كالجهاد ونحوه وذلك لا يتحقق في الحج

قسم V02/P118

ومنها أنه لا يجب في العمر إلا مرة واحدة بخلاف الصلاة والصوم والزكاة فإن الصلاة تجب في كل يوم وليلة خمس مرات والزكاة والصوم يجبان في كل سنة مرة واحدة لأن الأمر المطلق بالفعل لا يقتضي التكرار لما عرف في أصول الفقه والتكرار في باب الصلاة والزكاة والصوم ثبت بدليل زائد لا بمطلق الأمر ولما روي أنه لما نزلت آية الحج سأل الأقرع بن حابس رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله الحج في كل عام أو مرة واحدة فقال عليه الصلاة والسلام مرة واحدة وفي رواية قال لما نزلت آية الحج ألعامنا هذا يا رسول الله أم للأبد فقال للأبد ولأنه عبادة لا تتأدى إلا بكلفة عظيمة ومشقة شديدة بخلاف سائر العبادات فلو وجب في كل عام لأدى إلى الحرج وأنه منفى شرعا ولأنه إذا لم يمكن أداؤه إلا بحرج لا يؤدى فيلحق المأثم والعقاب إلى هذا أشار النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله الأقرع بن حابس وقال ألعامنا هذا أم للأبد فقال عليه الصلاة والسلام للأبد ولو قلت في كل عام لوجب ولو وجب ثم تركتم لضللتم واختلف في وجوبه على الفور والتراخي ذكر الكرخي أنه على الفور حتى يأثم بالتأخير عن أول أوقات الإمكان وهي السنة الأولى عند استجماع شرائط الوجوب وذكر أبو سهل الزجاجي الخلاف في المسألة بين أبي يوسف ومحمد فقال في قول أبي يوسف يجب على الفور وفي قول محمد على التراخي وهو قول الشافعي وروى عن أبي حنيفة مثل قول أبي يوسف وروي عنه مثل قول محمد وجه قول محمد أن الله تعالى فرض الحج في وقت مطلقا لأن قوله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا مطلقا ( ( ( مطلق ) ) ) عن الوقت ثم بين وقت الحج بقوله عز وجل الحج أشهر معلومات أي وقت الحج أشهر معلومات فصار المفروض هو الحج في أشهر الحج مطلقا من العمر فتقييده بالفور تقييدا ( ( ( تقييد ) ) ) لمطلق ( ( ( المطلق ) ) ) ولا يجوز إلا بدليل وروى أن فتح مكة كان لسنة ثمان من الهجرة وحج رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنة العشر ولو كان وجوبه على الفور لما احتمل التأخير منه والدليل عليه أنه لو أدى في السنة الثانية أو الثالثة يكون مؤديا لا قاضيا ولو كان واجبا على الفور وقد فات الفور فقد فات وقته فينبغي أن يكون قاضيا لا مؤديا كما لو فاتت صلاة الظهر عن وقتها وصوم رمضان عن وقته ولهما أن الأمر بالحج في وقته مطلق يحتمل الفور ويحتمل التراخي والحمل على الفور أحوط لأنه إذا حمل عليه يأتي بالفعل على الفور ظاهرا وغالبا خوفا من الإثم بالتأخير فإن أريد به الفور فقد أتى بما أمر به فأمن الضرر وإن أريد به التراخي لا يضره الفعل على الفور بل ينفعه لمسارعته إلى الخير ولو حمل على التراخي ربما لا يأتي به على الفور بل يؤخر إلى السنة الثانية والثالثة فتلحقه المضرة إن أريد به الفور وإن كان لا يلحقه إن أريد به التراخي فكان الحمل على الفور حملا على أحوط الوجهين فكان أولى وهذا قول إمام الهدى الشيخ أبي منصور الماتريدي في كل أمر مطلق عن الوقت أنه يحمل على الفور لكن عملا لا اعتقادا على طريق التعيين أن المراد منه الفور أو التراخي بل يعتقد أن ما أراد الله تعالى به من الفور والتراخي فهو حق وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله الحرام فلم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا ألحق الوعيد بمن أخر الحج عن أول أوقات الإمكان لأنه قال من ملك كذا فلم يحج والفاء للتعقيب بلا فصل أي لم يحج عقيب ملك الزاد والراحلة بلا فصل

قسم V02/P118–V02/P119

وأما طريق عامة المشايخ فإن للحج وقتا معينا من السنة يفوت عن تلك السنة بفوات ذلك الوقت فلو أخره عن السنة الأولى وقد يعيش إلى السنة الثانية وقد لا يعيش فكان التأخير عن السنة الأولى تفويتا له للحال لأنه لا يمكنه الأداء للحال إلى أن يجيء وقت الحج من السنة الثانية وفي إدراكه السنة الثانية شك فلا يرتفع الفوات الثابت للحال بالشك والتفويت حرام وأما قوله إن الوجوب في الوقت ثبت مطلقا عن الفور فمسلم لكن المطلق يحتمل الفور ويحتمل التراخي والحمل على الفور أولى لما بينا ويجوز تقييد المطلق عند قيام الدليل وأما تأخير رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج عن أول أوقات الإمكان فقد قيل أنه كان لعذر له ولا كلام في حال العذر يدل على أنه لا خلاف في أن التعجيل أفضل والرسول صلى الله عليه وسلم لا يترك الأفضل إلا لعذر على أن المانع من التأخير هو احتمال الفوات ولم يكن في تأخيره ذلك فوات لعلمه من طريق الوحي أنه يحج قبل موته قال الله تعالى لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين والثنيا للتيمن والتبرك أو لما أن الله تعالى خاطب الجماعة وقد علم أن بعضهم يموت قبل الدخول وأما قوله لو أدى في السنة الثانية كان مؤديا لا قاضيا فإنما كان كذلك لأن أثر الوجوب على الفور عملا في احتمال الإثم بالتأخير عن أول الوقت في الإمكان لا في إخراج السنة الثانية والثالثة من أن يكون وقتا للواجب كما في باب الصلاة وهذا لأن وجوب التعجيل إنما كان تحرزا عن الفوات فإذا عاش إلى السنة الثانية والثالثة فقد زال احتمال الفوات فحصل الأداء في وقته كما في باب الصلاة والله تعالى أعلم فصل وأما شرائط فرضيته فنوعان نوع يعم الرجال والنساء ونوع يخص النساء أما الذي يعم الرجال والنساء فمنها البلوغ ومنها العقل فلا حج على الصبي والمجنون لأنه لا خطاب عليهما فلا يلزمهما الحج حتى لو حجا ثم بلغ الصبي وأفاق المجنون فعليهما حجة الإسلام وما فعله الصبي قبل البلوغ يكون تطوعا وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أيما صبي حج عشر حجج ثم بلغ فعليه حجة الإسلام ومنها الإسلام في حق أحكام الدنيا بالإجماع حتى لو حج الكافر ثم أسلم يجب عليه حجة الإسلام ولا يعتد بما حج في حال الكفر وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال أيما أعرابي حج ولو عشر حجج فعليه حجة الإسلام إذا هاجر يعني أنه إذا حج قبل الإسلام ثم أسلم ولأن الحج عبادة والكافر ليس من أهل العبادة وكذا لا حج على الكافر في حق أحكام الآخرة عندنا حتى لا يؤاخذ بالترك وعند الشافعي ليس بشرط ويجب على الكافر حتى يؤاخذ بتركه في الآخرة وأصل المسألة أن الكفار لا يخاطبون بشرائع هي عبادات عندنا وعنده يخاطبون بذلك وهذا يعرف في أصول الفقه ولا حجة له في قوله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا لأن المراد منه المؤمنون بدليل سياق الآية وهو قوله ومن كفر فإن الله غني عن العالمين وبدليل عقلي يشمل الحج وغيره من العبادات وهو أن الحج عبادة والكافر ليس من أهل أداء العبادة ولا سبيل إلى الإيجاب لقدرته على الأداء بتقديم الإسلام لما فيه من جعل المتبوع تبعا والتبع متبوعا وأنه قلب الحقيقة على ما بينا في كتاب الزكاة وتخصيص العام بدليل عقلي جائز

قسم V02/P119–V02/P120

ومنها الحرية فلا حج على المملوك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أيما عبد حج عشر حجج فعليه حجة الإسلام إذا أعتق ولأن الله تعالى شرط الاستطاعة لوجوب الحج بقوله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ولا استطاعة بدون ملك الزاد والراحلة لما نذكر إن شاء الله تعالى ولا ملك للعبد لأنه مملوك فلا يكون مالكا بالإذن فلم يوجد شرط الوجوب وسواء أذن له المولى بالحج أو لأنه لا يصير مالكا إلا بإذن ( ( ( بالإذن ) ) ) فلم يجب الحج عليه فيكون ما حج في حال الرق تطوعا ولأن ما روينا من الحديث لا يفصل بين الإذن وعدم الإذن فلا يقع حجه عن حجة الإسلام بحال بخلاف الفقير لأنه لا يجب الحج عليه في الابتداء ثم إذا حج بالسؤال من الناس يجوز ذلك عن حجة الإسلام حتى لو أيسر لا يلزمه حجة أخرى لأن الاستطاعة بملك الزاد والراحلة ومنافع البدن شرط الوجوب لأن الحج يقام بالمال والبدن جميعا والعبد لا يملك شيئا من ذلك فلم يجب عليه ابتداء وانتهاء والفقير يملك منافع نفسه إذ لا ملك لأحد فيها إلا أنه ليس له ملك الزاد والراحلة وأنه شرط ابتداء الوجوب فامتنع الوجوب في الإبتداء فإذا بلغ مكة وهو يملك منافع بدنه فقد قدر على الحج بالمشي وقليل زاد فوجب عليه الحج فإذا أدى وقع عن حجة الإسلام فأما العبد فمنافع بدنه ملك مولاه ابتداء وانتهاء ما دام عبدا فلا يكون قادرا على الحج ابتداء وانتهاء فلم يجب عليه ولهذا قلنا إن الفقير إذا حضر القتال يضرب له بسهم كامل كسائر من فرض عليه القتال وإن كان لا يجب عليه الجهاد ابتداء والعبد إذا شهد الواقعة ( ( ( الوقعة ) ) ) لا يضرب له بسهم الحر بل يرضخ له وما افترقا إلا لما ذكرنا وهذا بخلاف العبد إذا شهد الجمعة وصلى أنه يقع فرضا وإن كان لا تجب عليه الجمعة في الإبتداء لأن منافع العبد مملوكة للمولى والعبد محجور عن التصرف في ملك مولاه نظرا للمولى إلا قدر ما استثنى عن ملكه من الصلوات الخمس فإنه مبقي فيها على أصل الحرية لحكمة الله تعالى في ذلك وليس في ذلك كبير ضرر بالمولى لأنها تتأدى بمنافع البدن في ساعات قليلة فيكون فيه نفع العبد من غير ضرر بالمولى فإذا حضر الجمعة وفاتت المنافع بسبب السعي فيعد ذلك الظهر والجمعة سواء فنظر المالك في جواز الجمعة إذ لو لم يجز له ذلك يجب عليه أداء الظهر ثانيا فيزيد الضرر في حق المولى بخلاف الحج والجهاد فإنهما لا يؤديان إلا بالمال والنفس في مدة طويلة وفيه ضرر بالمولى بفوات ماله وتعطيل كثير من منافع العبد فلم يجعل مبقى على أصل الحرية في حق هاتين العبادتين ولو قلنا بالجواز عن الفرض إذا وجد من العبد يتبادر العبيد إلى الأداء ليكون ( ( ( لكون ) ) ) الحج عبادة مرغوبة وكذا الجهاد فيؤدي إلى الإضرار بالمولى فالشرع حجر عليهم وسد هذا الباب نظرا بالمولى حتى لا يجب إلا بملك الزاد والراحلة وملك منافع البدن ولو أحرم الصبي ثم بلغ قبل الوقوف بعرفة فإن مضى على إحرامه يكون حجه تطوعا عندنا عند ( ( ( وعند ) ) ) الشافعي يكون عن حجة الإسلام إذا وقف بعرفة وهو بالغ وهذا بناء على أن من عليه حجة الإسلام إذا نوى النفل يقع عن النفل عندنا وعنده يقع عن الفرض والمسألة تأتي في موضعها إن شاء الله تعالى ولو جدد الإحرام بأن لبى أو نوى حجة الإسلام ووقف بعرفة وطاف طواف الزيارة يكون عن حجة الإسلام بلا خلاف وكذا المجنون إذا أفاق والكافر إذا أسلم قبل الوقوف بعرفة فجدد الإحرام

قسم V02/P120–V02/P121

ولو أحرم العبد ثم عتق فأحرم بحجة الإسلام بعد العتق لا يكون ذلك عن حجة الإسلام بخلاف الصبي والمجنون والكافر والفرق أن إحرام الكافر والمجنون لم ينعقد أصلا لعدم الأهلية وإحرام الصبي العاقل وقع صحيحا لكنه غير لازم لكونه غير مخاطب فكان محتملا للانتقاض فإذا جدد الإحرام بحجة الإسلام انتقض فأما إحرام العبد فإنه وقع لازما لكونه أهلا للخطاب فانعقد إحرامه تطوعا فلا يصح إحرامه الثاني إلا بفسخ الأول وأنه لا يحتمل الإنفساخ ومنها صحة البدن فلا حج على المريض والزمن والمقعد والمفلوج والشيخ الكبير الذي لا يثبت على الراحلة بنفسه والمحبوس والممنوع من قبل السلطان الجائر عن الخروج إلى الحج لأن الله تعالى شرط الإستطاعة لوجوب الحج والمراد منها استطاعة التكليف وهي سلامة الأسباب والآلات ومن جملة الأسباب سلامة البدن عن الآفات المانعة عن القيام بما لا بد منه في سفر الحج لأن الحج عبادة بدنية فلا بد من سلامة البدن ولا سلامة مع المانع وعن ابن عباس رضي الله عنه في قوله عز وجل من استطاع إليه سبيلا أن السبيل أن يصح بدن العبد ويكون له ثمن زاد وراحلة من غير أن يحجب ولأن القرب والعبادات وجبت بحق الشكر لما أنعم الله على المكلف فإذا منع السبب الذي هو النعمة وهو سلامة البدن أو المال كيف يكلف بالشكر ولا نعمة وأما الأعمى فقد ذكر في الأصل عن أبي حنيفة أنه لا حج عليه بنفسه وإن وجد زادا وراحلة وقائدا وإنما يجب في ماله إذا كان له مال وروى الحسن عن أبي حنيفة في الأعمى والمقعد والزمن إن عليهم الحج بأنفسهم وقال أبو يوسف ومحمد يجب على الأعمى الحج بنفسه إذا وجد زادا وراحلة ومن يكفيه مؤنة سفره في خدمته ولا يجب على الزمن والمقعد والمقطوع وجه قولهما ما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الاستطاعة فقال هي الزاد والراحلة فسر صلى الله عليه وسلم الاستطاعة بالزاد والراحلة وللأعمى هذه الاستطاعة فيجب عليه الحج ولأن الأعمى يجب عليه الحج بنفسه إلا أنه لا يهتدي إلى الطريق بنفسه ويهتدي بالقائد فيجب عليه بخلاف الزمن والمقعد ومقطوع اليد والرجل لأن هؤلاء لا يقدرون على الأداء بأنفسهم وجه رواية الحسن في الزمن والمقعد أنهما يقدران بغيرهما إن كانا لا يقدران بأنفسهما والقدرة بالغير كافية لوجوب الحج كالقدرة بالزاد والراحلة وكذا فسر النبي صلى الله عليه وسلم الاستطاعة بالزاد والراحلة وقد وجد ( ( ( وجدا ) ) ) وجه رواية الأصل لأبي حنيفة أن الأعمى لا يقدر على أداء الحج بنفسه لأنه لا يهتدي إلى الطريق بنفسه ولا يقدر على ما لا بد منه في الطريق بنفسه من الركوب والنزول وغير ذلك وكذا الزمن والمقعد فلم يكونا قادرين على الأداء بأنفسهم بل بقدرة غير مختار والقادر بقدرة غير مختار لا يكون قادرا على الإطلاق لأن فعل المختار يتعلق باختياره فلم تثبت الاستطاعة على الإطلاق ولهذا لم يجب الحج على الشيخ الكبير الذي لا يستمسك على الراحلة وإن كان ثمة غيره يمسكه لما قلنا كذا هذا وإنما فسر النبي صلى الله عليه وسلم الاستطاعة بالزاد والراحلة لكونهما من الأسباب الموصلة إلى الحج لا لاقتصار الاستطاعة عليهما ألا ترى أنه إذا كان بينه وبين مكة بحر زاخر لا سفينة ثمة أو عدو حائل يحول بينه وبين الوصول إلى البيت لا يجب عليه الحج مع وجود الزاد والراحلة فثبت أن تخصيص الزاد والراحلة ليس لاقتصار الشرط عليهما بل للتنبيه على أسباب الإمكان فكلما كان من أسباب الإمكان يدخل تحت تفسير الاستطاعة معنى ولأن في إيجاب الحج على الأعمى والزمن والمقعد والمفلوج والمريض والشيخ الكبير الذي لا يثبت على الراحلة بأنفسهم حرجا بينا ومشقة شديدة وقد قال الله عز وجل وما جعل عليكم في الدين من حرج ومنها ملك الزاد والراحلة في حق النائي عن مكة والكلام فيه في موضعين أحدهما في بيان أنه من شرائط الوجوب والثاني في تفسير الزاد والراحلة

قسم V02/P121–V02/P122

أما الأول فقد قال عامة العلماء أنه شرط فلا يجب الحج بإباحة الزاد والراحلة سواء كانت الإباحة ممن له منة على المباح له أو كانت ممن لا منة له عليه كالأب وقال الشافعي يجب الحج بإباحة الزاد والراحلة إذا كانت الإباحة ممن لا منة له على المباح له كالوالد بذل الزاد والراحلة لابنه وله في الأجنبي قولان ولو وهبه إنسان مالا يحج به لا يجب على الموهوب له القبول عندنا وللشافعي فيه قولان وقال مالك الراحلة ليست بشرط لوجوب الحج أصلا لا ملكا ولا إباحة وملك الزاد شرط حتى لو كان صحيح البدن وهو يقدر على المشي يجب عليه الحج وإن لم يكن له راحلة أما الكلام مع مالك فهو احتج بظاهر قوله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كان صحيح البدن قادرا على المشي وله زاد فقد استطاع إليه سبيلا فيلزمه فرض الحج ولنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر الإستطاعة بالزاد والراحلة جميعا فلا تثبت الاستطاعة بأحدهما وبه تبين أن القدرة على المشي لا تكفي لاستطاعة الحج ثم شرط الراحلة إنما يراعى لوجوب الحج في حق من نأى عن مكة فأما أهل مكة ومن حولهم فإن الحج يجب على القوى منهم القادر على المشي من غير راحلة لأنه لا حرج يلحقه في المشي إلى الحج كما لا يلحقه الحرج في المشي إلى الجمعة وأما الكلام مع الشافعي فوجه قوله إن الاستطاعة المذكورة هي القدرة من حيث سلامة الأسباب والآلات والقدرة تثبت بالإباحة فلا معنى لاشتراط الملك إذ الملك لا يشترط لعينه بل للقدرة على استعمال الزاد والراحلة أكلا وركوبا وإذا ( ( ( ولذا ) ) ) ثبتت بالإباحة ولهذا استوى الملك والإباحة في باب الطهارة في المنع من جواز التيمم كذا ههنا ولنا أن استطاعة الأسباب والآلات لا تثبت بالإباحة لأن الإباحة لا تكون لازمة ألا ترى أن للمبيح أن يمنع المباح له عن التصرف في المباح ومع قيام ولاية المنع لا تثبت القدرة المطلقة فلا يكون مستطيعا على الإطلاق فلم يوجد شرط الوجوب فلا يجب بخلاف مسألة الطهارة لأن شرط جواز التيمم عدم الماء بقوله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا والعدم لا يثبت مع البذل والإباحة وأما تفسير الزاد والراحلة فهو أن يملك من المال مقدار ما يبلغه إلى مكة ذاهبا وجائيا راكبا لا ماشيا بنفقة وسط لا إسراف فيها ولا تقتير فاضلا عن مسكنه وخادمه وفرسه وسلاحه وثيابه وأثاثه ونفقة عياله وخدمه وكسوتهم وقضاء ديونه وروى عن أبي يوسف أنه قال ونفقة شهر بعد انصرافه أيضا وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه فسر الراحلة فقال إذا كان عنده ما يفضل عما ذكرنا ما يكتري به شق محمول ( ( ( محمل ) ) ) أو زاملة أو رأس راحلة وينفق ذاهبا وجائيا فعليه الحج وإن لم يكفه ذلك إلا أن يمشي أو يكتري عقبة فليس عليه الحج ماشيا ولا راكبا عقبة وإنما اعتبرنا الفضل على ما ذكرنا من الحوائج لأنها من الحوائج اللازمة التي لا بد منها فكان المستحق بها ملحقا بالعدم وما ذكره بعض أصحابنا في تقدير نفقة العيال سنة والبعض شهرا فليس بتقدير لازم بل هو على حسب اختلاف المسافة في القرب والبعد لأن قدر النفقة يختلف باختلاف المسافة فيعتبر في ذلك قدر ما يذهب ويعود إلى منزله وإنما لا يجب عليه الحج إذا لم يكف ماله إلا للعقبة لأن المفروض هو الحج راكبا لا ماشيا والراكب عقبة لا يركب في كل الطريق بل يركب في البعض ويمشي في البعض

قسم V02/P122

وذكر ابن شجاع إنه إذا كانت له دار لا يسكنها ولا يؤاجرها ومتاع لا يمتهنه وعبد لا يستخدمه وجب عليه أن يبيعه ويحج به وحرم عليه أخذ الزكاة إذا بلغ نصابا لأنه إذا كان كذلك كان فاضلا عن حاجته كسائر الأموال وكان مستطيعا فيلزمه فرض الحج فإن أمكنه بيع منزله وإن يشتري بثمنه منزلا دونه ويحج بالفضل فهو أفضل لكن لا يجب عليه لأنه محتاج إلى سكناه فلا يعتبر في الحاجة قدر ما لا بد منه كما لا يجب عليه بيع المنزل والاقتصار على السكنى وذكر الكرخي أن أبا يوسف قال إذا لم يكن له مسكن ولا خادم ولا قوت عياله وعنده دراهم تبلغه إلى الحج لا ينبغي أن يجعل ذلك في غير الحج فإن فعل أثم لأنه مستطيع لملك الدراهم فلا يعذر في الترك ولا يتضرر بترك شراء المسكن والخادم بخلاف بيع المسكن والخادم فإنه يتضرر ببيعهما وقوله ولا قوت عياله مؤول وتأويله ولا قوت عياله ما يزيد على مقدار الذهاب والرجوع فأما المقدار المحتاج إليه من وقت الذهاب إلى وقت الرجوع فذلك مقدم على الحج لما بينا ومنها أمن الطريق وأنه من شرائط الوجوب عند بعض أصحابنا بمنزلة الزاد والراحلة وهكذا روى ابن شجاع عن أبي حنيفة وقال بعضهم أنه من شرائط الأداء لا من شرائط الوجوب وفائدة هذا الاختلاف تظهر في وجوب الوصية إذا خاف الفوت فمن قال إنه من شرائط الأداء يقول إنه تجب الوصية إذا خاف الفوت ومن قال أنه شرط الوجوب يقول لا تجب الوصية لأن الحج لم يجب عليه ولم يصر دينا في ذمته فلا تلزمه الوصية وجه قول من قال إنه شرط الأداء لا شرط الوجوب ما روينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة ولم يذكر أمن الطريق وجه قول من قال إنه شرط الوجوب وهو الصحيح أن الله تعالى شرط الاستطاعة ولا استطاعة بدون أمن الطريق كما لا استطاعة بدون الزاد والراحلة إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم بين الاستطاعة بالزاد والراحلة بيان كفاية ليستدل بالمنصوص عليه على غيره لاستوائهما في المعنى وهو إمكان الوصول إلى البيت ألا ترى أنه كما لم يذكر أمن الطريق لم يذكر صحة الجوارح وزوال سائر الموانع الحسية وذلك شرط الوجوب على أن الممنوع عن الوصول إلى البيت لا زاد له ولا راحلة معه فكان شرط الزاد والراحلة شرطا لأمن الطريق ضرورة وأما الذي يخص النساء فشرطان أحدهما أن يكون معها زوجها أو محرم لها فإن لم يوجد أحدهما لا يجب عليها الحج وهذا عندنا وعند الشافعي هذا ليس بشرط ويلزمها الحج والخروج من غير زوج ولا محرم إذا كان معها نساء في الرفقة ثقات واحتج بظاهر قوله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا وخطاب الناس يتناول الذكور والإناث بلا خلاف فإذا كان لها زاد وراحلة كانت مستطيعة وإذا كان معها نساء ثقات يؤمن الفساد عليها فيلزمها فرض الحج ولنا ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ألا لا تحجن امرأة إلا ومعها محرم وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تسافر امرأة ثلاثة أيام إلا ومعها محرم أو زوج ولأنها إذا لم يكن معها زوج ولا محرم لا يؤمن عليها إذا النساء لحم على وضم إلا ما ذب عنه ولهذا لا يجوز لها الخروج وحدها والخوف عند اجتماعهن أكثر ولهذا حرمت الخلوة بالأجنبية وإن كان معها امرأة أخرى

قسم V02/P122–V02/P123

والآية لا تتناول النساء حال عدم الزوج والمحرم معها لأن المرأة لا تقدر على الركوب والنزول بنفسها فتحتاج إلى من يركبها وينزلها ولا يجوز ذلك لغير الزوج والمحرم فلم تكن مستطيعة في هذه الحالة فلا يتناولها النص فإن امتنع الزوج أو المحرم عن الخروج لا يجبران على الخروج ولو امتنع من الخروج لإرادة زاد وراحلة هل يلزمها ذلك ذكر القدوري في شرحه مختصر الكرخي أنه يلزمها ذلك ويجب عليها الحج بنفسها وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنه لا يلزمها ذلك ولا يجب الحج عليها وجه ما ذكره القدوري أن المحرم أو الزوج من ضرورات حجها بمنزلة الزاد والراحلة إذ لا يمكنها الحج بدونه كما لا يمكنها الحج بدون الزاد والراحلة ولا يمكن الزام ذلك الزوج أو المحرم من مال نفسه فيلزمها ذلك له كما يلزمها الزاد والراحلة لنفسها وجه ما ذكره القاضي أن هذا من شرائط وجوب الحج عليها ولا يجب على الإنسان تحصيل شرط الوجوب بل إن وجد الشرط وجب وإلا فلا ألا ترى أن الفقير لا يلزمه تحصيل الزاد والراحلة فيجب عليه الحج ولهذا قالوا في المرأة التي لا زوج لها ولا محرم أنه لا يجب عليها أن تتزوج بمن يحج بها كذا هذا ولو كان معها محرم فلها أن تخرج مع المحرم في الحجة الفريضة من غير إذن زوجها عندنا وعند الشافعي ليس لها أن تخرج بغير إذن زوجها وجه قوله إن في الخروج تفويت حقه المستحق عليها وهو الاستمتاع بها فلا تملك ذلك من غير رضاه ولنا أنها إذا وجدت محرما فقد استطاعت إلى حج البيت سبيلا لأنها قدرت على الركوب والنزول وأمنت المخاوف لأن المحرم يصونها وأما قوله إن حق الزوج في الاستمتاع يفوت بالخروج إلى الحج فنقول منافعها مستثناة عن ملك الزوج في الفرائض كما في الصلوات الخمس وصوم رمضان ونحو ذلك حتى لو أرادت الخروج إلى حجة التطوع فللزوج أن يمنعها كما في صلاة التطوع وصوم التطوع وسواء كانت المرأة شابة أو عجوزا أنها ( ( ( فإنها ) ) ) لا تخرج إلا بزوج أو محرم لأن ما روينا من الحديث لا يفصل بين الشابة والعجوز وكذا المعنى لا يوجب الفصل بينهما لما ذكرنا من حاجة المرأة إلى من يركبها وينزلها بل حاجة العجوز إلى ذلك أشد لأنها أعجز وكذا يخاف عليها من الرجال وكذا لا يؤمن عليها من أن يطلع عليها الرجال حال ركوبها ونزولها فتحتاج إلى الزوج أو إلى المحرم ليصونها عن ذلك والله أعلم ثم صفة المحرم أن يكون ممن لا يجوز له نكاحها على التأبيد إما بالقرابة أو الرضاع أو الصهرية لأن الحرمة المؤبدة تزيل التهمة في الخلوة ولهذا قالوا إن المحرم إذا لم يكن مأمونا عليها لم يجز لها أن تسافر معه وسواء كان المحرم حرا أو عبدا لأن الرق لا ينافي المحرمية وسواء كان مسلما أو ذميا أو مشركا لأن الذمي والمشرك يحفظان محارمهما إلا أن يكون مجوسيا لأنه يعتقد إباحة نكاحها فلا تسافر معه لأنه لا يؤمن عليها كالأجنبي وقالوا في الصبي الذي لم يحتلم والمجنون الذي لم يفق أنهما ليسا بمحرمين في السفر لأنه لا يتأتى منهما حفظها وقالوا في الصبية التي لا يشتهي مثلها أنها تسافر بغير محرم لأنه يؤمن عليها فإذا بلغت حد الشهوة لا تسافر بغير محرم لأنها صارت بحيث لا يؤمن عليها ثم المحرم أو الزوج إنما يشترط إذا كان بين المرأة وبين مكة ثلاثة أيام فصاعدا فإن كان أقل من ذلك حجت بغير محرم لأن المحرم يشترط للسفر وما دون ثلاثة أيام ليس بسفر فلا يشترط فيه المحرم كما لا يشترط للخروج من محلة إلى محلة ثم الزوج أو المحرم شرط الوجوب أم شرط الجواز فقد اختلف أصحابنا فيه كما اختلفوا في أمن الطريق والصحيح أنه شرط الوجوب لما ذكرنا في أمن الطريق والله أعلم

قسم V02/P123–V02/P124

والثاني أن لا تكون معتدة عن طلاق أو وفاة لأن الله تعالى نهى المعتدات عن الخروج بقوله عز وجل لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن وروى عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه رد المعتدات من ذي الحليفة وروى عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه ردهن من الجحفة ولأن الحج يمكن أداؤه في وقت آخر فأما العدة فإنها إنما يجب قضاؤها في هذا الوقت خاصة فكان الجمع بين الأمرين أولى وإن لزمتها بعد الخروج إلى السفر وهي مسافر ( ( ( مسافرة ) ) ) فإن كان الطلاق رجعيا لا يفارقها زوجها لأن الطلاق الرجعي لا يزيل الزوجية والأفضل أن يراجعها وإن كانت بائنا أو كانت معتدة عن وفاة فإن كان إلى منزلها أقل من مدة سفر وإلى مكة مدة سفر فإنها تعود إلى منزلها لأنه ليس فيه إنشاء سفر فصار كأنها في بلدها وإن كان إلى مكة أقل من مدة سفر وإلى منزلها مدة سفر مضت إلى مكة لأنها لا تحتاج إلى المحرم في أقل من مدة السفر وإن كان من الجانبين أقل من مدة السفر فهي بالخيار إن شاءت مضت وإن شاءت رجعت إلى منزلها فإن كان من الجانبين مدة سفر فإن كانت في المصر فليس لها أن تخرج حتى تنقضي عدتها في قول أبي حنيفة وإن وجدت محرما وعند أبي يوسف ومحمد لها أن تخرج إذا وجدت محرما وليس لها أن تخرج بلا محرم بلا خلاف وإن كان ذلك في المفازة أو في بعض القرى بحيث لا تأمن على نفسها ومالها فلها أن تمضي فتدخل موضع الأمن ثم لا تخرج منه في قول أبي حنيفة سواء وجدت محرما أو لا وعندهما تخرج إذا وجدت محرما وهذه من مسائل كتاب الطلاق نذكرها ( ( ( ونذكرها ) ) ) بدلائلها في فصول العدة إن شاء الله تعالى ثم من لم يجب عليه الحج بنفسه لعذر كالمريض ونحوه وله مال يلزمه أن يحج رجلا عنه ويجزئه عن حجة الإسلام إذا وجد شرائط جواز الأحجاج على ما نذكره ولو تكلف واحد ممن له عذر فحج بنفسه أجزأه عن حجة الإسلام إذا كان عاقلا بالغا حرا لأنه من أهل الفرض إلا أنه لم يجب عليه لأنه لا يمكنه الوصول إلى مكة إلا بحرج فإذا تحمل الحرج وقع موقعه كالفقير إذا حج والعبد إذا حضر الجمعة فأداها ولأنه إذا وصل إلى مكة صار كأهل مكة فيلزمه الحج بخلاف العبد والصبي والمجنون فإن العبد والصبي ليسا من أهل فرض الحج والمجنون ليس من أهل العبادة أصلا والله أعلم ثم ما ذكرنا من الشرائط لوجوب الحج من الزاد والراحلة وغير ذلك يعتبر وجودها وقت خروج أهل بلده حتى لو ملك الزاد والراحلة في أول السنة قبل أشهر الحج وقبل أن يخرج أهل بلده إلى مكة فهو في سعة من صرف ذلك إلى حيث أحب لأنه لا يلزمه التأهب للحج قبل خروج أهل بلده لأنه لم يجب عليه الحج قبله ومن لا حج عليه لا يلزمه التأهب للحج فكان بسبيل من التصرف في ماله كيف شاء وإذا صرف ماله ثم خرج أهل بلده لا يجب عليه الحج فأما إذا جاء وقت الخروج والمال في يده فليس له أن يصرفه إلى غيره على قول من يقول بالوجوب على الفور لأنه إذا جاء وقت خروج أهل بلده فقد وجب عليه الحج لوجود الاستطاعة فيلزمه التأهب للحج فلا يجوز له صرفه إلى غيره كالمسافر إذا كان معه ماء للطهارة وقد قرب الوقت لا يجوز له استهلاكه في غير الطهارة فإن صرفه إلى غير الحج أثم وعليه الحج والله تعالى أعلم فصل وأما ركن الحج فشيئان أحدهما الوقوف بعرنة ( ( ( بعرفة ) ) ) وهو الركن الأصلي للحج والثاني طواف الزيارة أما الوقوف بعرفة فالكلام فيه يقع في مواضع في بيان أنه ركن وفي بيان مكانه وفي بيان زمانه وفي بيان مقداره وفي بيان سننه وفي بيان حكمه إذا فات عن وقته

قسم V02/P124–V02/P125

أما الأول فالدليل عليه قوله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ثم فسر النبي صلى الله عليه وسلم الحج بقوله الحج عرفة أي الحج الوقوف بعرفة إذ الحج فعل وعرفة مكان فلا يكون حجا فكان الوقوف مضمرا فيه فكان تقديره الحج الوقوف بعرفة والمجمل إذا التحق به التفسير يصير مفسرا من الأصل فيصير كأنه تعالى قال ولله على الناس حج البيت والحج الوقوف بعرفة فظاهره يقتضي أن يكون هو الركن لا غير إلا أنه زيد عليه طواف الزيارة بدليل ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم في سياق التفسير من وقف بعرفة فقد تم حجه جعل الوقوف بعرفة اسما للحج فدل أنه ركن فإن قيل هذا يدل على أن الوقوف بعرفة واجب وليس بفرض فضلا عن أن يكون ركنا لأنه علق تمام الحج به والواجب هو الذي يتعلق بوجوده التمام لا الفرض فالجواب أن المراد من قوله فقد تم حجه ليس هو التمام الذي هو ضد النقصان بل خروجه عن احتمال الفساد فقوله فقد تم حجه أي خرج من أن يكون محتملا للفساد بعد ذلك لوجود المفسد حتى لو جامع بعد ذلك لا يفسد حجه لكن تلزمه الفدية على ما نذكر إن شاء الله تعالى وهذا لأن الله تعالى فرض الحج بقوله ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا وفسر النبي صلى الله عليه وسلم الحج بالوقوف بعرفة فصار الوقوف بعرفة فرضا وهو ركن فلو حمل التمام المذكور في الحديث على التمام الذي هو ضد النقصان لم يكن فرضا لأنه يوجد الحج بدونه فيتناقض فحمل التمام المذكور على خروجه عن احتمال الفساد عملا بالدلائل صيانة لها عن التناقض وقوله عز وجل ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس قيل إن أهل الحرم كانوا لا يقفون بعرفات ويقولون نحن أهل حرم الله لا نفيض كغيرنا ممن قصدنا فأنزل الله الآية الكريمة يأمرهم بالوقوف بعرفات والإفاضة من حيث أفاض الناس والناس كانوا يفيضون من عرفات وإفاضتهم منها لا تكون إلا بعد حصولهم فيها فكان الأمر بالإفاضة منها أمرا بالوقوف بها ضرورة وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت كانت قريش ومن كان على دينها يقفون بالمزدلفة ولا يقفون بعرفات فأنزل الله عز وجل قوله ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس وكذا الأمة أجمعت على كون الوقوف ركنا في الحج وأما مكان الوقوف فعرفات كلها موقف لقول النبي صلى الله عليه وسلم عرفات كلها موقف إلا بطن عرنة ولما روينا من الحديث وهو قوله صلى الله عليه وسلم الحج عرفة فمن وقف بعرفة فقد تم حجه مطلقا من غير تعيين موضع دون موضع إلا أنه لا ينبغي أن يقف في بطن عرفة ( ( ( عرنة ) ) ) لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك وأخبر أنه وادي الشيطان وأما زمانه فزمان الوقوف من حين تزول الشمس من يوم عرفة إلى طلوع الفجر الثاني من يوم النحر حتى لو وقف بعرفة في غير هذا الوقت كان وقوفه وعدم وقوفه سواء لأنه فرض مؤقت فلا يتأدى في غير وقته كسائر الفرائض المؤقتة إلا في حال الضرورة وهي حال الاشتباه استحسانا على ما نذكره إن شاء الله تعالى وكذا الوقوف قبل الزوال لم يجز ما لم يقف بعد الزوال وكذا من لم يدرك عرفة بنهار ولا بليل فقد فاته الحج والأصل فيه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف بعرفة بعد الزوال وقال خذوا عني مناسككم فكان بيانا لأول الوقت وقال صلى الله عليه وسلم من أدرك عرفة فقد أدرك الحج ومن فاته عرفة بليل فقد فاته الحج وهذا بيان آخر الوقت فدل أن الوقت يبقى ببقاء الليل ويفوت بفواته وهذا الذي ذكرنا قول عامة العلماء وقال مالك وقت الوقوف هو الليل فمن لم يقف في جزء من الليل لم يجز وقوفه

قسم V02/P125

واحتج بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من أدرك عرفة بليل فقد أدرك الحج علق إدراك الحج بإدراك عرفة بليل فدل أن الوقوف بجزء من الليل هو وقت الركن ولنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من وقف معنا هذا الموقف وصلى معنا هذه الصلاة وكان وقف قبل ذلك بعرفة ساعة من ليل أو نهار فقد تم حجه وقضى تفثه أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن تمام الحج بالوقوف ساعة من ليل أو نهار فدل أن ذلك هو وقت الوقوف غير عين وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من وقف بعرفة فقد ثم ( ( ( تم ) ) ) حجه مطلقا عن الزمان إلا أن زمان ما قبل الزوال وبعد انفجار الصبح من يوم النحر ليس بمراد بدليل فبقي ما بعد الزوال إلى انفجار الصبح مرادا ولأن هذا نوع نسك فلا يختص بالليل كسائر أنواع المناسك ولا حجة له في الحديث لأن فيه من أدرك عرفة بليل فقد أدرك الحج وليس فيه أن من لم يدركها بليل ماذا حكمه فكان متعلقا بالمسكوت فلا يصح ولو اشتبه على الناس هلال ذي الحجة فوقفوا بعرفة بعد أن أكملوا عدة ذي القعدة ثلاثين يوما ثم شهد الشهود أنهم رأوا الهلال يوم كذا وتبين أن ذلك اليوم كان يوم النحر فوقوفهم صحيح وحجتهم تامة استحسانا والقياس أن لا يصح وجه القياس أنهم وقفوا في غير وقت الوقوف فلا يجوز كما لو تبين أنهم وقفوا يوم التروية وأي فرق بين التقديم والتأخير والاستحسان ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال صومكم يوم تصومون وأضحاكم يوم تضحون وعرفتكم يوم تعرفون وروي وحجكم يوم تحجون فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم وقت الوقوف أو الحج وقت تقف أو تحج فيه الناس والمعنى فيه من وجهين أحدهما ما قال بعض مشايخنا أن هذه شهادة قامت على النفي وهي نفي جواز الحج والشهادة على النفي باطلة والثاني أن شهادتهم جائزة مقبولة لكن وقوفهم جائز أيضا لأن هذا النوع من الاشتباه مما يغلب ولا يمكن التحرز عنه فلو لم نحكم بالجواز لوقع الناس في الحرج بخلاف ما إذا تبين أن ذلك اليوم كان يوم التروية لأن ذلك نادر غاية الندرة فكان ملحقا بالعدم ولأنهم بهذا التأخير بنو ( ( ( بنوا ) ) ) على دليل ظاهر واجب العمل به وهو وجوب إكمال العدة إذا كان بالسماء علة فعذروا في الخطأ بخلاف التقديم فإنه خطأ غير مبني على دليل رأسا فلم يعذروا فيه نظيره إذا اشتبهت القبلة فتحرى وصلي إلى جهة ثم تبين أنه أخطأ جهة القبلة جازت صلاته ولو لم يتحر وصلى ثم تبين أنه أخطأ لم يجز لما قلنا كذا هذا وهل يجوز وقوف الشهود روى هشام عن محمد أنه يجوز وقوفهم وحجهم أيضا وقد قال محمد إذا شهد عند الإمام شاهدان عشية يوم عرفة برؤية الهلال فإن كان الإمام لم يمكنه الوقوف في بقية الليل مع الناس أو أكثرهم لم يعمل بتلك الشهادة ووقف من الغد بعد الزوال لأنهم وإن شهدوا عشية عرفة لكن لما تعذر على الجماعة الوقوف في الوقت وهو ما بقي من الليل صاروا كأنهم شهدوا بعد الوقت فإن كان الإمام يمكنه الوقوف قبل طلوع الفجر مع الناس أو أكثرهم بأن كان يدرك الوقوف عامة الناس إلا أنه لا يدركه ضعفة الناس جاز وقوفه فإن لم يقف فات حجه لأنه ترك الوقوف في وقته مع علمه به والقدرة عليه قال محمد فإن اشتبه على الناس فوقف الإمام والناس يوم النحر وقد كان من رأى الهلال وقف يوم عرفة لم يجزه وقوفه وكان عليه أن يعيد الوقوف مع الإمام لأن يوم النحر صار يوم الحج في حق الجماعة ووقت الوقوف لا يجوز أن يختلف فلا يعتد بما فعله بانفراده وكذا إذا أخر الإمام الوقوف لمعنى يسوغ فيه الاجتهاد لم يجز وقوف من وقف قبله

قسم V02/P125–V02/P126

فإن شهد شاهدان عند الإمام بهلال ذي الحجة فرد شهادتهما لأنه لا علة بالسماء فوقف بشهادتهما قوم قبل الإمام لم يجز وقوفهم لأن الإمام أخر الوقوف بسبب يجوز العمل عليه في الشرع فصار كما لو أخر بالاشتباه والله تعالى أعلم وأما قدره فنبين القدر المفروض والواجب أما القدر المفروض من الوقوف فهو كينونته بعرفة في ساعة من هذا الوقت فمتى حصل إتيانها في ساعة من هذا الوقت تأدى فرض الوقوف سواء كان عالما بها أو جاهلا نائما أو يقظان مفيقا أو مغمى عليه وقف بها أو مر وهو يمشي أو على الدابة أو محمولا لأنه أتى بالقدر المفروض وهو حصوله كائنا بها والأصل فيه ما روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من وقف بعرفة فقد تم حجه والمشي والسير لا يخلو عن وقفة وسواء نوى الوقوف عند الوقوف أو لم ينو بخلاف الطواف وسنذكر الفرق في فصل الطواف إن شاء الله وسواء كان محدثا أو جنبا أو حائضا أو نفساء لأن الطهارة ليست بشرط لجواز الوقوف لأن حديث الوقوف مطلق عن شرط الطهارة ولما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعائشة رضي الله عنها حين حاضت افعلي ما يفعله الحاج غير أنك لا تطوفي بالبيت ولأنه نسك غير متعلق بالبيت فلا تشترط له الطهارة كرمي الجمار وسواء كان قد صلى الصلاتين أو لم يصل لإطلاق الحديث ولأن الصلاتين وهما الظهر والعصر لا تعلق لهما بالوقوف فلا يكون تركهما مانعا من الوقوف والله أعلم وأما القدر الواجب من الوقوف فمن حين تزول الشمس إلى أن تغرب فهذا القدر من الوقوف واجب عندنا وعند الشافعي ليس بواجب بل هو سنة بناء على أنه لا فرق عنده بين الفرض والواجب فإذا لم يكن فرضا لم يكن واجبا ونحن نفرق بين الفرض والواجب كفرق ما بين السماء والأرض وهو أن الفرض اسم لما ثبت وجوبه بدليل مقطوع به والواجب اسم لما ثبت وجوبه بدليل فيه شبهة العدم على ما عرف في أصول الفقه وأصل الوقوف ثبت بدليل مقطوع به وهو النص المفسر من الكتاب والسنة المتواترة المشهورة ( ( ( والمشهورة ) ) ) والإجماع على ما ذكرنا فأما الوقوف إلى جزء من الليل فلم يقم عليه دليل قاطع بل مع شبهة العدم أعني خبر الواحد وهو ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من أدرك عرفة بليل فقد أدرك الحج أو غير ذلك من الآحاد التي لا تثبت بمثلها الفرائض فضلا عن الأركان وإذا عرف أن الوقوف من حين زوال الشمس إلى غروبها واجب فإن دفع منها قبل غروب الشمس فإن جاوز عرفة بعد الغروب فلا شيء عليه لأنه ما ترك الواجب وإن جاوزها قبل الغروب فعليه دم عندنا لتركه الواجب فيجب عليه الدم كما لو ترك غيره من الواجبات وعند الشافعي لا دم عليه لأنه لم يترك الواجب إذ الوقوف المقدر ليس بواجب عنده ولو عاد إلى عرفة قبل غروب الشمس وقبل أن يدفع الإمام ثم دفع منها بعد الغروب مع الإمام سقط عنه الدم عندنا لأنه استدرك المتروك وعند زفر لا يسقط وهو على الإختلاف في مجاوزة الميقات بغير إحرام والكلام فيه على نحو الكلام في تلك المسألة وسنذكرها إن شاء الله في موضعها وإن عاد قبل غروب الشمس بعدما خرج الإمام من عرفة ذكر الكرخي أنه يسقط عنه الدم أيضا وكذا روى ابن شجاع عن أبي حنيفة أن الدم يسقط عنه أيضا لأنه استدرك المتروك إذ المتروك هو الدفع بعد الغروب وقد استدركه وذكر في الأصل أنه لا يسقط عنه الدم قال مشايخنا اختلاف الرواية لمكان الاختلاف فيما لأجله يجب الدم فعلى رواية الأصل الدم يجب لأجل دفعه قبل الإمام ولم يستدرك ذلك وعلى رواية ابن شجاع يجب لأجل دفعه قبل غروب الشمس وقد استدركه بالعود