Qur'an&Sunnah

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)

قسم V03/P203

ولو تزوج المكاتب بنت مولاه ثم مات المولى ومات المكاتب وترك وفاء فعليها أربعة أشهر وعشر دخل بها أو لم يدخل بها لأن النكاح عندنا لا يفسد بموت المولى فإذا مات المكاتب عن منكوحته الحرة وجبت عليها عدة الحرائر وإن لم يترك وفاء فعليها ثلاث حيض إن كان قد دخل بها وإن لم يكن دخل بها فلا عدة عليها لأنه مات عاجزا فملكته قبل موته وانفسخ النكاح ووجبت عليها العدة بالفرقة في حال الحياة إن كان دخل بها وإلا فلا فصل وأما أحكام العدة فمنها أنه لا يجوز للأجنبي نكاح المعتدة لقوله تعالى ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله قيل أي لا تعزموا على عقدة النكاح وقيل أي لا تعقدوا عقد النكاح حتى ينقضي ما كتب الله عليها من العدة ولأن النكاح بعد الطلاق الرجعي قائم من كل وجه وبعد الثلاث والبائن قائم من وجه حال قيام العدة لقيام بعض الآثار والثابت من وجه كالثابت من كل وجه في باب الحرمات احتياطا ويجوز لصاحب العدة أن يتزوجها لأن النهي عن التزوج للأجانب لا للأزواج لأن عدة الطلاق إنما لزمتها حقا للزوج لكونها باقية على حكم نكاحه من وجه فإنما يظهر في حق التحريم على الأجنبى لا على الزوج إذ لا يجوز أن يمنع حقه ومنها أنه لا يجوز للأجنبى خطبة المعتدة صريحا سواء كانت مطلقة أو متوفى عنها زوجها أما المطلقة طلاقا رجعيا فلأنها زوجة المطلق لقيام ملك النكاح من كل وجه فلا يجوز خطبتها كما لا تجوز ( ( ( يجوز ) ) ) قبل الطلاق وأما المطلقة ثلاثا أو بائنا والمتوفى عنها زوجها فلأن النكاح حال قيام العدة قائم من كل وجه لقيام بعض آثاره كالثابت من كل وجه في باب الحرمة ولأن التصريح بالخطبة حال قيام النكاح من وجه وقوف موقف التهمة ورتع حول الحمى وقد قال النبي من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم وقال من رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه فلا يجوز التصريح بالخطبة في العدة أصلا وأما التعريض فلا يجوز أيضا في عدة الطلاق ولا بأس به في عدة الوفاة والفرق بينهما من وجهين أحدهما أنه لا يجوز للمعتدة من طلاق الخروج من منزلها أصلا بالليل ولا بالنهار فلا يمكن التعريض على وجه لا يقف عليه الناس والإظهار بذلك بالحضور إلى بيت زوجها قبيح وأما المتوفى عنها زوجها فيباح لها الخروج نهارا فيمكن التعريض على وجه لا يقف عليه سواها والثاني أن تعريض المطلقة اكتساب عداوة وبغض فيما بينها وبين زوجها إذ العدة من حقه بدليل أنه إذا لم يدخل بها لا تجب العدة ومعنى العداوة لا يتقدر بينها وبين الميت ولا بينها وبين ورثته أيضا لأن العدة في المتوفى عنها زوجها ليست لحق الزوج بدليل أنها تجب قبل الدخول بها فلا يكون التعريض في هذه العدة نسبيا ( ( ( تسبيبا ) ) ) إلى العداوة والبغض بينها وبين ورثة المتوفى فلم يكن بها بأس والأصل في جواز التعريض في عدة الوفاة قوله تعالى ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء

قسم V03/P203–V03/P204

واختلف أهل التأويل في التعريض أنه ما هو قال بعضهم هو أن يقول لها إنك لجميلة ( ( ( الجميلة ) ) ) وإني فيك لراغب وإنك لتعجبيني ( ( ( لتعجبينني ) ) ) أو إني لأرجو أن نجتمع أو ما أجاوزك إلى غيرك وإنك لنافعة وهذا غير سديد ولا يحل لأحد أن يشافه امرأة أجنبية لا يحل له نكاحها للحال بمثل هذه الكلمات لأن بعضها صريح في الخطبة وبعضها صريح في إظهار الرغبة فلا يجوز شيء من ذلك وإنما المرخص هو التعريض وهو أن يرى من نفسه الرغبة في نكاحها بدلالة في الكلام من غير تصريح به إذ التعريض في اللغة هو تضمين الكلام في الدلالة على شيء من غير التصريح به بالقول على ما ذكر في الخبر أن فاطمة بنت قيس لما استشارت رسول الله وهي معتدة فقال لها إذا انقضت عدتك فآذنيني فآذنته في رجلين كانا خطباها فقال لها أما فلان فإنه لا يرفع العصا عن عاتقه وأما فلان فإنه صعلوك لا مال له فهل لك في أسامة بن زيد فكان قوله آذنيني كناية خطاب إلى أن أشار عليه الصلاة والسلام إلى أسامة بن زيد وصرح به وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال التعريض بالخطبة أن يقول لها أريد أن أتزوج امرأة من أمرها كذا وكذا يعرض لها بالقول والله عز وجل أعلم ومنها حرمة الخروج من البيت لبعض المعتدات دون بعض وجملة الكلام في هذا الحكم أن المعتدة لا يخلو إما أن تكون معتدة من نكاح صحيح وإما أن تكون معتدة من نكاح فاسد ولا يخلو إما أن تكون حرة وإما تكون أمة بالغة أو صغيرة عاقلة أو مجنونة مسلمة أو كتابية مطلقة أو متوفى عنها زوجها والحال حال الاختيار أو حال الاضطرار فإن كانت معتدة من نكاح صحيح وهي حرة مطلقة بالغة عاقلة مسلمة والحال حال الاختيار فإنها لا تخرج ليلا ولا نهارا سواء كان الطلاق ثلاثا أو بائنا أو رجعيا أما في الطلاق الرجعي فلقوله تعالى لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة قيل في تأويل قوله عز وجل إلا أن يأتين بفاحشة مبينة إلا أن تزني فتخرج لإقامة الحد عليها وقبل ( ( ( وقيل ) ) ) الفاحشة هي الخروج نفسه أي إلا أن يخرجن فيكون خروجهن فاحشة نهى الله تعالى الأزواج عن الإخراج والمعتدات عن الخروج وقوله تعالى أسكنوهن من حيث سكنتم والأمر بالإسكان نهي عن الإخراج والخروج ولأنها زوجته بعد الطلاق الرجعي لقيام ملك النكاح من كل وجه فلا يباح لها الخروج كما قبل الطلاق إلا أن بعد الطلاق لا يباح لها الخروج وإن أذن لها بالخروج بخلاف ما قبل الطلاق لأن حرمة الخروج بعد الطلاق لمكان العدة وفي العدة حق الله تعالى فلا يملك إبطاله بخلاف ما قبل الطلاق لأن الحرمة ثمة لحق الزوج خاصة فيملك ابطال حق نفسه بالإذن بالخروج ولأن الزوج يحتاج إلى تحصين مائه والمنع من الخروج طريق التحصين للماء لأن الخروج يريب الزوج أنه وطئها غيره فيشتبه النسب إذا حبلت وأما في الطلاق الثلاث أو البائن فلعموم النهي ومساس الحاجة إلى تحصين الماء على ما بينا وأما المتوفى عنها زوجها فلا تخرج ليلا ولا بأس بأن تخرج نهارا في حوائجها لأنها تحتاج إلى الخروج بالنهار لاكتساب ما تنفقه لأنه لا نفقة لها من الزوج المتوفى بل نفقتها عليها فتحتاج إلى الخروج لتحصيل النفقة ولا تخرج بالليل لعدم الحاجة إلى الخروج بالليل بخلاف المطلقة فإن نفقتها على الزوج فلا تحتاج إلى الخروج حتى لو اختلعت بنفقة عدتها بعض مشايخنا قالوا يباح لها الخروج بالنهار للاكتساب لأنها بمعنى المتوفى عنها زوجها

قسم V03/P204–V03/P205

وبعضهم قالوا لا يباح لها الخروج لأنها هي التي أبطلت النفقة بإختيارها والنفقة حق لها فتقدر على إبطاله فأما لزوم البيت فحق عليها فلا تملك إبطالة وإذا خرجت بالنهار في حوائجها لا تبيت عن منزلها الذي تعتد فيه والأصل فيه ما روي أن فريعة أخت أبي سعيد الخدري رضي الله عنه لما قتل زوجها أتت النبي فاستأذنته في الانتقال إلى بني خدرة فقال لها امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله وفي رواية لما استأذنت أذن لها ثم دعاها فقال أعيدي المسألة فأعادت فقال لا حتى يبلغ الكتاب أجله أفادنا الحديث حكمين إباحة الخروج بالنهار وحرمة الانتقال حيث لم ينكر خروجها ومنعها من الانتقال فدل على جواز الخروج بالنهار من غير انتقال وروى علقمة أن نسوة من همدان نعى إليهن أزواجهن فسألن ابن مسعود رضي الله عنه فقلن إنا نستوحش فأمرهن أن يجتمعن بالنهار فإذا كان بالليل ( ( ( الليل ) ) ) فلترح كل امرأة إلى بيتها وروي عن محمد أنه قال لا بأس أن تنام عن بيتها أقل من نصف الليل لأن البينونة ( ( ( البيتوتة ) ) ) في العرف عبارة عن الكون في البيت أكثر الليل فما دونه لا يسمى بيتوتة في العرف ومنزلها الذي تؤمر بالسكون فيه للاعتداد هو الموضع الذي كانت تسكنه قبل مفارقة زوجها وقبل موته سواء كان الزوج ساكنا فيه أو لم يكن لأن الله تعالى أضاف البيت إليها بقوله عز وجل لا تخرجوهن من بيوتهن والبيت المضاف إليها هو الذي تسكنه ولهذا قال أصحابنا إنها إذا زارت أهلها فطلقها زوجها كان عليها أن تعود إلى منزلها الذي كانت تسكن فيه فتعتد ثمة لأن ذلك هو الموضع الذي يضاف إليها وإن كانت هي في غيره وهذا في حالة الاختيار وأما في حالة الضرورة فإن اضطرت إلى الخروج من بيتها بأن خافت سقوط منزلها أو خافت على متاعها أو كان المنزل بأجرة ولا تجد ما تؤديه في أجرته في عدة الوفاة فلا بأس عند ذلك أن تنتقل ولأن كانت تقدر على الأجرة لا تنتقل وإن كان المنزل لزوجها وقد مات عنها فلها أن تسكن في نصيبها إن كان نصيبها من ذلك ما تكتفي به في السكنى وتستتر عن سائر الورثة ممن ليس بمحرم لها وإن كان نصيبها لا يكفيها أو خافت على متاعها منهم فلا بأس أن تنتقل وإنما كان كذلك لأن السكنى وجبت بطريق العبادة حقا لله تعالى عليها والعبادات تسقط بالأعذار وقد روي أنه لما قتل عمر رضي الله عنه نقل علي رضي الله عنه أم كلثوم رضي الله عنها لأنها كانت في دار الإجارة وقد روي أن عائشة رضي الله عنها نقلت أختها أم كلثوم بنت أبي بكر رضي الله عنه لما قتل طلحة رضي الله عنه فدل ذلك على جواز الانتقال للعذر وإذا كانت تقدر على أجرة البيت في عدة الوفاة فلا عذر فلا تسقط عنها العبادة كالمتيمم إذا قدر على شراء الماء بأن وجد ثمنه وجب عليه الشراء وإن لم يقدر لا يجب لعذر العدم كذا ههنا وإذا انتقلت لعذر يكون سكناها في البيت الذي انتقلت إليه بمنزلة كونها في المنزل الذي انتقلت منه في حرمة الخروج عنه لأن الانتقال من الأول إليه كان لعذر فصار المنزل الذي انتقلت إليه كأنه منزلها من الأصل فلزمها المقام فيه حتى تنقضي العدة وكذا ليس للمعتدة من طلاق ثلاث أو بائن أن تخرج من منزلها الذي تعتد فيه إلى سفر إذا كانت معتدة من نكاح صحيح وهي على الصفات التي ذكرناها ولا يجوز للزوج أن يسافر بها أيضا لقوله تعالى لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن وقوله عز وجل هن كناية عن المعتدات ولأن الزوجية قد زالت بالثلاث والبائن فلا يجوز له المسافرة بها

قسم V03/P205–V03/P206

وكذا المعتدة من طلاق رجعي ليس لها أن تخرج إلى سفر سواء كان سفر حج فريضة أو غير ذلك لا مع زوجها ولا مع محرم غيره حتى تنقضي عدتها أو يراجعها لعموم قوله تعالى لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن من غير فصل بين خروج وخروج ولما ذكرنا أن الزوجية قائمة لأن ملك النكاح قائم فلا يباح لها الخروج لأن العدة لما منعت أصل الخروج فلأن تمنع من خروج مديد وهو الخروج إلى السفر أولى وإنما استوى فيه سفر الحج وغيره وإن كان حج الإسلام فرضا لأن المقام في منزلها واجب لا يمكن تداركه بعد انقضاء العدة وسفر الحج واجب يمكن تداركه بعد انقضاء العدة لأن جميع العمر وقته فكان تقديم واجب لا يمكن تداركه بعد الفوت جمعا بين الواجبين فكان أولى وليس لزوجها أن يسافر بها عند أصحابنا الثلاثة وقال زفر له ذلك واختلف مشايخنا في تخريج قول زفر قال بعضهم إنما قال ذلك لأنه قد ثبت من أصل أصحابنا أن الطلاق الرجعي عدم في حق الحكم قبل انقضاء العدة فكان الحال قبل الرجعة وبعدها سواء وقال بعضهم إنما قال ذلك لأن المسافرة بها رجعة عنده دلالة ووجهه أن إخراج المعتدة من بيت العدة حرام فلو لم يكن من قصده الرجعة لم يسافر بها ظاهرا تحرزا عن الحرام فيجعل المسافرة بها رجعة دلالة حملا لأمره على الصلاح صيانة له عن ارتكاب الحرام ولهذا جعلنا القبلة واللمس عن شهرة ( ( ( شهوة ) ) ) رجعة كذا هذا ولنا قوله تعالى لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة نهى الأزواج عن الإخراج والنساء عن الخروج وبه تبين فساد التخريج الأول لأن نص الكتاب العزيز ( ( ( العزير ) ) ) يقتضي حرمة إخراج المعتدة وإن كان ملك النكاح قائما في الطلاق الرجعي فيترك القياس في مقابلة النص وإليه أشار أبو حنيفة فيما روي عنه أنه قال لا يسافر بها ليس من قبل أنه غير زوج وهو زوج وهو بمنزلة المحرم لكن الله تعالى قال لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن وأما التخريج الثاني وهو قولهم إن مسافرة الزوج بها دلالة الرجعة فممنوع وماذ ( ( ( وما ) ) ) كروا ( ( ( ذكروا ) ) ) أن الظاهر أنه يريد الرجعة تحرزا عن الحرام فذلك فيما كان النهي في التحريم ظاهرا فأما فيما كان خفيا فلا وحرمة إخراج المعتدة عن طلاق رجعي مع قيام ملك النكاح من كل وجه مما لا يخفى عن الفقهاء فضلا عن العوام فلا يثبت الامتناع عنه من طريق الدلالة مع ما أن الخلاف ثابت فيما إذا كان الزوج يقول أنه لا يراجعها نصا ولا معتبر بالدلالة مع التصريح بخلافها وإذا لم تكن المسافرة بها دلالة الرجعة فلو أخرجها لأخرجها مع قيام العدة وهذا حرام بالنص وقد قالوا فيمن خرجت محرمة فطلقها الزوج وبينها وبين مصرها أقل من ثلاثة أيام أنها ترجع وتصير بمنزلة المحصر لأنها صارت ممنوعة من المضي في حجها لمكان العدة فأما إذا راجعها الزوج فقد بطلت العدة وعادت الزوجية فجاز له السفر بها ويستوي الجواب في حرمة الخروج والإخراج إلى السفر وما دون ذلك لعموم النهي إلا أن النهي عن الخروج والإخراج إلى ما دون السفر أخف لخفة الخروج والإخراج في نفسه وإذا خرج مع امرأته مسافرا فطلقها في بعض الطريق أو مات عنها فإن كان بينها وبين مصرها الذي خرجت منه أقل من ثلاثة أيام وبينها وبين مقصدها ثلاثة أيام فصاعدا رجعت إلى مصرها لأنها لو مضت لاحتاجت إلى إنشاء سفر وهي معتدة ولو رجعت ما احتاجت إلى ذلك فكان الرجوع أولى كما إذا طلقت في المصر خارج بيتها أنها تعود إلى بيتها كذا هذا

قسم V03/P206

وإن كان بينها وبين مصرها ثلاثة أيام فصاعدا وبينها وبين مقصدها أقل من ثلاثة أيام فإنها تمضي لأنه ليس في المضي إنشاء سفر وفي الرجوع إنشاء سفر والمعتدة ممنوعة عن السفر وسواء كان الطلاق في موضع لا يصلح للإقامة كالمفازة ونحوها أو في موضع يصلح لها كالمصر ونحوها وإن كان بينها ( ( ( بينهما ) ) ) وبين مصرها ثلاثة أيام وبينها وبين مقصدها ثلاثة أيام فصاعدا فإن كان الطلاق في المفازة أو في موضع لا يصلح للإقامة بأن خافت على نفسها أو متاعها فهي بالخيار إن شاءت مضت وإن شاءت رجعت لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر سواء كان معها محرم أو لم يكن وإذا عادت أو مضت فبلغت أدنى المواضع فهي بالخيار إن شاءت مضت وإن شاءت رجعت إلى التي تصلح للإقامة في مضيها أو رجوعها أقامت فيه واعتدت إن لم تجد محرما بلا خلاف وإن وجدت فكذلك عند أبي حنيفة لأنه لو وجد الطلاق فيه ابتداء لكان لا يجوز لها أن تتجاوزه عنده وإن وجدت محرما فكذا إذا وصلت إليه وإن كان الطلاق في المصر أو في موضع يصلح للإقامة اختلف فيه قال أبو حنيفة تقيم فيه حتى تنقضي عدتها ولا تخرج بعد انقضاء عدتها إلا مع محرم حجا كان أو غيره وقال أبو يوسف ومحمد إن كان معها محرم مضت على سفرها وجه قولهما أن حرمة الخروج ليست لأجل العدة بل لمكان السفر بدليل أنه يباح لها الخروج إذا لم يكن بين مقصدها ومنزلها مسيرة ثلاث أيام ومعلوم أن الحرمة الثابتة للعدة لا تختلف بالسفر وغير السفر وإذا كانت الحرمة لمكان السفر تسقط بوجود المحرم ولأبي حنيفة أن العدة مانعة من الخروج والسفر في الأصل إلا أن الخروج إلى ما دون السفر ههنا سقط اعتباره لأنه ليس بخروج مبتدأ بل هو خروج مبني على الخروج الأول فلا يكون له حكم نفسه بخلاف الخروج من بيت الزوج لأنه خروج مبتدأ فإذا كان من الجانبين جميعا مسيرة سفر كانت منشئة للخروج باعتبار السفر فيتناوله التحريم وما حرم لأجل العدة لا يسقط بوجود المحرم وأما المعتدة في النكاح الفاسد فلها أن تخرج لأن أحكام العدة مرتبة على أحكام النكاح بل هي أحكام النكاح السابق في الحقيقة بقيت بعد الطلاق والوفاة والنكاح للفاسد ( ( ( الفاسد ) ) ) لا يفيد المنع من الخروج فكذا العدة إلا إذا منعها الزوج لتحصين مائه فله ذلك وأما الأمة والمدبرة وأم الولد والمكاتبة والمستسعاة على أصل أبي حنيفة فيخرجن في ذلك كله من الطلاق والوفاة أما الأمة فلما ذكرنا أن حال العدة مبنية على حال النكاح ولا يلزمها المقام في منزل زوجها في حال النكاح كذا في حال العدة ولأن خدمتها حق المولى فلو منعناها من الخروج لأبطلنا حق المولى في الخدمة من غير رضاه وهذا لا يجوز إلا إذا بوأها مولاها منزلا فحينئذ لا تخرج ما دامت على ذلك لأنه رضي بسقوط حق نفسه وإن أراد المولى أن يخرجها فله ذلك لأن الخدمة للمولى وإنما كان أعارها للزوج وللمعير أن يسترد العارية ولما ذكرنا أن حال العدة معتبرة بحال النكاح مرتبة عليها ولو بوأها المولى في حال النكاح كان للزوج أن يمنعها من الخروج حتى يبدو للمولى فكذا في حال العدة وروى ابن سماعة عن محمد في الأمة إذا طلقها زوجها وكان المولى مستغنيا عن خدمتها فلها أن تخرج وإن لم يأمرها لأنه قال إذا جاز لها أن تخرج بإذنه جاز لها أن تخرج بكل وجه ألا ترى أن حرمة الخروج لحق الله تعالى فلو لزمها لم يسقط بإذنه وكذلك المدبرة لما قلنا وكذلك أم الولد إذا طلقها زوجها أو مات عنها لأنها أمة المولى وكذا إذا عتقت أو مات عنها سيدها لها أن تخرج لأن عدتها عدة وطء فكانت كالمنكوحة نكاحا فاسدا

قسم V03/P206–V03/P207

وأما المكاتبة فلأن سعايتها حق المولى إذ بها يصل المولى إلى حقه فلو منعناها من الخروج لتعذرت عليها السعاية والمعتق بعضها بمنزلة المكاتبة عند أبي حنيفة وعندهما حرة ولو أعتقت الأمة في العدة يلزمها فيما بقي من عدتها ما يلزم الحرة لأن المانع من الخروج قد زال وأما الصغيرة فلها أن تخرج من منزلها إذا كانت الفرقة لا رجعة فيها سواء أذن الزوج لها أو لم يأذن لأن وجوب السكنى في البيت على المعتدة لحق الله تعالى وحق الزوج وحق الله عز وجل لا يجب على الصبي وحق الزوج في حفظ الولد ولا ولد منها وإن كانت الفرقة رجعية فلا يجوز لها الخروج بغير إذن الزوج لأنها زوجته وله أن يأذن لها بالخروج وكذا المجنونة لها أن تخرج من منزلها لأنها غير مخاطبة كالصغيرة إلا أن لزوجها أن يمنعها من الخروج لتحصين مائه بخلاف الصغيرة فإن الزوج لا يملك منعها لأن المنع في حق المجنونة لصيانة الماء لاحتمال الحبل والصغيرة لا تحبل والمنع من الطلاق الرجعي لكونها زوجته وأما الكتابية فلها أن تخرج لأن السكنى في العدة حق الله تعالى من وجه فتكون عبادة من هذا الوجه والكفار لا يخاطبون بشرائع هي عبادات إلا إذا منعها الزوج من الخروج لتحصين مائه لأن الخروج حق في العدة وهو صيانة مائه عن الاختلاط فإن أسلمت الكتابية في العدة لزمها فيما بقي من العدة ما يلزم المسلمة لأن المانع من اللزوم وهو الكفر وقد زال بالإسلام وكذا المجوسية إذا أسلم زوجها وأبت الإسلام حتى وقعت الفرقة ووجبت العدة فإن كان الزوج قد دخل بها لها أن تخرج لما قلنا إلا إذا أراد الزوج منعها من الخروج لتحصين مائه فإذا طلب منها ذلك يلزمها لأن حق الإنسان يحب ( ( ( يجب ) ) ) إبقاؤه عند طلبه ولو قبلت المسلمة ابن زوجها حتى وقعت الفرقة ووجبت العدة إذا كان بعد الدخول فليس لها أن تخرج من منزلها لأن السكنى في العدة فيها حق الله تعالى وهي مخاطبة بحقوق الله عز وجل وأما بعد انقضاء العدة فلها أن تخرج إلى ما دون مسيرة سفر بلا محرم لأنها تحتاج إلى ذلك فلو شرط له المحرم لضاق الأمر عليها وهذا لا يجوز ولا يجوز لها أن تخرج إلى مسيرة سفر إلا مع المحرم والأصل فيه ما روي عن رسول الله أنه قال لا تسافر المرأة فوق ثلاثة أيام إلا ومعها زوجها أو ذو رحم محرم منها وسواء كان المحرم من النسب أو الرضاع أو المصاهرة لأن النص وإن ورد في ذي الرحم المحرم فالمقصود هو المحرمية وهو حرمة المناكحة بينهما على التأبيد وقد وجد فكان النص الوارد في ذي الرحم المحرم واردا ( ( ( وارد ) ) ) في المحرم بلا رحم دلالة ومنها وجوب الإحداد على المعتدة والكلام في هذا الحكم في ثلاثة مواضع أحدها في تفسير الإحداد والثاني في بيان أن الإحداد واجب في الجملة أولا والثالث في بيان شرائط وجوبه أما الأول فالإحداد في اللغة عبارة عن الامتناع من الزينة يقال أحدت على زوجها وحدت أي امتنعت من الزينة وهو أن تجتنب الطيب ولبس المطيب والمعصفر والمزعفر وتجتنب الدهن والكحل ولا تختضب ولا تمتشط ولا تلبس حليا ولا تتشوف

قسم V03/P207–V03/P208

أما الطيب فلما روت أم سلمة رضي الله عنها أن النبي نهى المعتدة أن تختضب بالحناء وقال الحناء طيب فيدل على وجوب اجتناب الطيب ولأن الطيب فوق الحناء فالنهي عن الحناء يكون نهيا عن الطيب دلالة كالنهي عن التأفيف نهي عن الضرب والقتل دلالة وكذا لبس الثوب المطيب والمصبوغ بالعصفر والزعفران له رائحة طيبة فكان كالطيب وأما الدهن فلما فيه من زينة الشعر وفي الكحل زينة العين ولهذا حرم على المحرم جميع ذلك وهذا في حال الاختيار فأما في حال الضرورة فلا بأس به بأن اشتكت عينها فلا بأس بأن تكتحل أو اشتكت رأسها فلا بأس أن تصب فيه الدهن أو لم يكن لها إلا ثوب مصبوغ فلا بأس أن تلبسه لكن لا تقصد به الزينة لأن مواضع الضرورة مستثناة وقال أبو يوسف لا بأس أن تلبس القصب والخز الأحمر وذكر في الأصل وقال ولا تلبس قصبا ولا خزا تتزين به لأن الخز والقصب قد يلبس للزينة وقد يلبس للحاجة والرفاء فاعتبر فيه القصد فإن قصد به الزينة لم يجز وإن لم يقصد به جاز وأما الثاني وهو بيان أنه واجب أم لا فنقول لا خلاف بين الفقهاء أن المتوفى عنها زوجها يلزمها الإحداد وقال نفاة القياس لا إحداد عليها وهم محجوجون بالأحاديث وإجماع الصحابة رضي الله عنهم أما الأحاديث فمنها ما روي أن أم حبيبة رضي الله عنها لما بلغها موت أبيها أبي سفيان انتظرت ثلاثة أيام ثم دعت بطيب وقالت مالي إلى الطيب من حاجة لكن سمعت رسول الله يقول لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاثة أيام إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرا وروي أن امرأة مات زوجها فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تستأذنه في الانتقال فقال رسول الله إن إحداكن كانت تمكث في شر أحلاسها إلى الحول ثم تخرج فتلقي البعرة أفلا أربعة أشهر وعشرا فدل الحديث أن عدتهن من قبل نزول هذه الآية كانت حولا وإنهن كن في شر أحلاسهن مدة الحول ثم انتسخ ما زاد على هذه المدة وبقي الحكم فيما بقي على ما كان قبل النسخ وهو أن تمكث المعتدة هذه المدة في شر أحلاسها وهذا تفسير الحداد وأما الإجماع فإنه روي عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم منهم عبد الله بن عمر وعائشة وأم سلمة وغيرهم رضي الله عنهم مثل قولنا وهو قول السلف واختلف في المطلقة ثلاثا أو بائنا قال أصحابنا يلزمها الحداد وقال الشافعي لا يلزمها الحداد وجه قوله أن الحداد في المنصوص عليه إنما وجب لحق الزوج تأسفا على ما فاتها من حسن العشرة وإدامة الصحبة إلى وقت الموت وهذا المعنى لم يوجد في المطلقة لأن الزوج أوحشها بالفرقة وقطع الوصلة باختيار ولم يمت عنها فلا يلزمها التأسف ولنا أن الحداد إنما وجب على المتوفى عنها زوجها لفوات النكاح الذي هو نعمة في الدين خاصة في حقها لما فيه من قضاء شهوتها وعفتها عن الحرام وصيانة نفسها عن الهلاك بدرور النفقة وقد انقطع ذلك كله بالموت فلزمها الإحداد إظهارا للمصيبة والحزن وقد وجد هذا المعنى في المطلقة الثلاث والمبانة فيلزمها الإحداد وقوله الإحداد في عدة الوفاة وجب لحق الزوج لا يستقيم لأنه لو كان لحق الزوج لما زاد على ثلاثة أيام كما في موت الأب وأما الثالث في شرائط وجوبه فهي أن تكون المعتدة بالغة عاقلة مسلمة من نكاح صحيح سواء كانت متوفى عنها زوجها أو مطلقة ثلاثا أو بائنا فلا يجب على الصغيرة والمجنونة الكبيرة والكتابية والمعتدة من نكاح فاسد والمطلقة طلاقا رجعيا وهذا عندنا وقال الشافعي يجب على الصغيرة والكتابية وجه قوله أن الحداد من أحكام العدة وقد لزمتها العدة فيلزمها حكمها ولنا أن الحداد عبادة بدنية فلا تجب على الصغيرة والكافرة كسائر العبادات البدنية من الصوم والصلاة وغيرهما بخلاف العدة فإنها اسم لمضي زمان وذا لا يختلف بالإسلام والكفر والصغر والكبر على أن بعض أصحابنا قالوا لا تجب عليهما العدة وإنما يجب علينا أن لا نتزوجهما

قسم V03/P208–V03/P209

ولا إحداد على أم الولد إذا أعتقها مولاها أو مات عنها لأنها تعتد من الوطء كالمنكوحة نكاحا فاسدا ولا إحداد على المعتدة من نكاح فاسد فكذا عليها ولا إحداد على المطلقة طلاقا رجعيا لأنه يجب إظهارا للمصيبة على فوت نعمة النكاح والنكاح بعد الطلاق الرجعي غير فائت بل هو قائم من كل وجه فلا يجب الحداد بل يستحب لها أن تتزين لتحسن في عين الزوج فيراجعها ولا إحداد في النكاح الفاسد لأن النكاح الفاسد ليس بنعمة في الدين لأنه معصية ومن المحال إيجاب إظهار المصيبة على فوات المعصية بل الواجب إظهار السرور والفرح على فواتها وأما الحرية فليست بشرط الوجوب ( ( ( لوجوب ) ) ) الإحداد فيجب على الأمة والمدبرة وأم الولد إذا كان لها زوج فمات عنها أو طلقها والمكاتبة والمستسعاة لأن ما وجب له الحداد لا يختلف بالرق والحرية فكانت الأمة فيه كالحرة والله تعالى أعلم ومنها وجوب النفقة والسكنى وهو مؤنة السكنى لبعض المعتدات دون بعض وجملة الكلام أن المعتدة أما إن كانت عن طلاق أو عن فرقة بغير طلاق وأما إن كانت عن وفاة ولا يخلو من أن تكون معتدة من نكاح صحيح أو فاسد أو ما هو في معنى النكاح الفاسد فإن كانت معتدة من نكاح صحيح عن طلاق فإن كان الطلاق رجعيا فلها النفقة والسكنى بلا خلاف لأن ملك النكاح قائم فكان الحال بعد الطلاق كالحال قبله ولما نذكر من دلائل أخر وإن كان الطلاق ثلاثا أو بائنا فلها النفقة والسكنى إن كانت حاملا بالإجماع لقوله تعالى وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن وإن كانت حائلا فلها النفقة والسكنى عند أصحابنا وقال الشافعي لها السكنى ولا نفقة لها وقال ابن أبي ليلى لا نفقة لها ولا سكنى واحتجا بقوله تعالى وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن خص الحامل بالأمر بالإنفاق عليها فلو وجب الإنفاق على غير الحامل لبطل التخصيص وروي عن فاطمة بنت قيس أنها قالت طلقني زوجي ثلاثا فلم يجعل لي النبي نفقة ولا سكنى ولأن النفقة تجب بالملك وقد زال الملك بالثلاث والبائن إلا أن الشافعي يقول عرفت وجوب السكنى في الحامل بالنص بخلاف البائن ولنا قوله تعالى أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم وفي قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أسكنوهن من حيث سكنتم وأنفقوا عليهن من وجدكم ولا اختلاف بين القراءتين لكن إحداهما تفسير الأخرى كقوله عز وجل والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما وقراءة ابن مسعود رضي الله عنه أيمانهما وليس ذلك اختلاف القراءة بل قراءته تفسير القراءة الظاهرة كذا هذا ولأن الأمر بالإسكان أمر بالإنفاق لأنها إذا كانت محبوسة ممنوعة عن الخروج لا تقدر على اكتساب النفقة فلو لم تكن نفقتها على الزوج ولا مال لها لهلكت أو ضاق الأمر عليها وعسر وهذا لا يجوز وقوله تعالى لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله من غير فصل بين ما قبل الطلاق وبعده في العدة ولأن النفقة إنما وجبت قبل الطلاق لكونها محبوسة عن الخروج والبروز لحق الزوج وقد بقي ذلك الاحتباس بعد الطلاق في حالة العدة وتأبد بانضمام حق الشرع إليه لأن الحبس قبل الطلاق كان حقا للزوج على الخلوص وبعد الطلاق تعلق به حق الشرع حتى لا يباح لها الخروج وإن أذن الزوج لها بالخروج فلما وجبت به النفقة قبل التأكد فلأن تجب بعد التأكد أولى وأما الآية ففيها أمر بالإنفاق على الحامل وإنه لا ينفي وجوب الإنفاق على غير الحامل ولا يوجبه أيضا فيكون مسكوتا ( ( ( مسكونا ) ) ) موقوفا على قيام الدليل وقد قام دليل الوجوب وهو ما ذكرنا

قسم V03/P209–V03/P210

وأما حديث فاطمة بنت قيس فقد رده عمر رضي الله عنه فإنه روى أنها لما روت أن رسول الله لم يجعل لها سكنى ولا نفقة قال عمر رضي الله عنه لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت وفي بعض الروايات قال لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا ونأخذ بقول امرأة لعلها نسيت أو شبه لها سمعت رسول الله يقول لها السكنى والنفقة وقول عمر رضي الله عنه لا ندع كتاب ربنا يحتمل أنه أراد به قوله عز وجل أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم كما هو قراءة ابن مسعود رضي الله عنه ويكون هذا قراءة عمر أيضا ويحتمل أنه أراد قوله عز وجل لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله مطلقا ويحتمل أنه أراد بقوله لا ندع كتاب ربنا في السكنى خاصة وهو قوله عز وجل أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم كما هو القراءة الظاهرة وأراد بقوله رضي الله عنه سنة نبينا ما روي عنه رضي الله عنه أنه قال سمعت رسول الله يقول لها النفقة والسكنى ويحتمل أن يكون عند عمر رضي الله عنه في هذا تلاوة رفعت عينها وبقي حكمها فأراد بقوله لا ندع كتاب ربنا تلك الآية كما روي عنه أنه قال في باب الزنا كنا نتلو ( ( ( نتلوا ) ) ) في سورة الأحزاب الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما نكالا من الله والله عزيز حكيم ثم رفعت التلاوة وبقي حكمها كذا ههنا وروي أن زوجها أسامة بن زيد كان إذا سمعها تتحدث بذلك حصبها بكل شيء في يده وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لقد فتنت الناس بهذا الحديث وأقل أحوال إنكار الصحابة على راوي الحديث أن يوجب طعنا فيه ثم قد قيل في تأويله أنها كانت تبدو على أحمائها أي تفحش عليهم باللسان من قولهم بذوت على فلان أي فحشت عليه أي كانت تطيل لسانها عليهم بالفحش فنقلها رسول الله إلى بيت ابن أم مكتوم ولم يجعل لها نفقة ولا سكنى لأنها صارت كالناشزة إذا كان سبب الخروج منها وهكذا نقول فيمن خرجت من بيت زوجها في عدتها أو كان منها سبب أوجب الخروج أنها لا تستحق النفقة ما دامت في بيت غير الزوج وقيل إن زوجها كان غائبا فلم يقض لها بالنفقة والسكنى على الزوج لغيبته إذ لا يجوز القضاء على الغائب من غير أن يكون عنه خصم حاضر فإن قيل روى أن زوجها خرج إلى الشام وقد كان وكل أخاه فالجواب أنه إنما وكله بطلاقها ولم يوكله بالخصومة ( ( ( بالخصوصية ) ) ) وقولهما أن النفقة تجب لها بمقابلة الملك ممنوع فإن للملك ضمانا آخر وهو المهر على ما نذكر إن شاء الله تعالى وإنما تجب بالاحتباس وقد بقي بعد الطلاق الثلاث والبائن فتبقى النفقة وسواء كانت المعتدة عن طلاق كبيرة أو صغيرة مسلمة أو كتابية لأن ما ذكرنا من الدلائل لا يوجب الفصل ولا نفقة ولا سكنى للأمة المعتدة عن طلاق إذا لم يبوئها المولى بيتا لأنه إذا لم يبوئها المولى بيتا فحق الحبس لم يثبت للزوج ألا ترى أن لها أن تخرج فإن كان المولى قد بوأها بيتا فلها السكنى والنفقة لثبوت حق الحبس للزوج وكذلك المدبرة وأم الولد إذا طلقهما وبوأهما المولى بيتا أو لم يبوئهما لأن كل واحدة منهما أمة وكذا المكاتبة والمستسعاة على أصل أبي حنيفة وإن أعتقت أم الولد أو مات عنها مولاها فلا نفقة لها ولا سكنى لأنها غير محبوسة

قسم V03/P210

ألا ترى أن لها أن تخرج فلا تجب لها النفقة والسكنى كالمعتدة من نكاح فاسد لأن عدتها كعدة المنكوحة نكاحا فاسدا هذا إذا كانت معتدة عن طلاق من نكاح صحيح فإن كانت معتدة من نكاح فاسد فلا سكنى لها ولا نفقة لما ذكرنا أن حال العدة معتبرة بحال النكاح ولا سكنى ولا نفقة في النكاح الفاسد فكذا في العدة منه هذا إذا كانت معتدة عن طلاق فإن كانت معتدة عن فرقة بغير طلاق من نكاح صحيح فإن كانت الفرقة من قبله فلها النفقة والسكنى كيفما كانت الفرقة وإن كانت من قبلها فإن كانت بسبب ليس بمعصية كالأمة إذا أعتقت فاختارت نفسها وامرأة العنين إذا اختارت الفرقة فلها السكنى والنفقة وإن كانت بسبب هو معصية كالمسلمة قبلت ابن زوجها بشهوة قالوا لا نفقة لها ولها السكنى لأن السكنى فيها حق الله تعالى وهي مسلمة مخاطبة بحقوق الله تعالى وأما النفقة فتجب حقا لها على الخلوص فإذا وقعت الفرقة من قبلها بغير حق فقد أبطلت حق نفسها بخلاف المعتقة وامرأة العنين لأن الفرقة وقعت من قبلهما بحق فلا تسقط النفقة هذا إذا كانت معتدة عن طلاق أو عن فرقة بغير طلاق فإن كانت معتدة عن وفاة فلا سكنى لها ولا نفقة في مال الزوج سواء كانت حائلا أو حاملا فإن النفقة في باب النكاح لا تجب بعقد النكاح دفعة واحدة كالمهر وإنما تجب شيئا فشيئا على حسب مرور الزمان فإذا مات الزوج انتقل ملك أمواله إلى الورثة فلا يجوز أن تجب النفقة والسكنى في مال الورثة وسواء كانت حرة أو أمة وكبيرة ( ( ( كبيرة ) ) ) أو صغيرة مسلمة أو كتابية لأن الحرة المسلمة الكبيرة لما لم تستحق النفقة والسكنى في عدة الوفاة فهؤلاء أولى وكذا المعتدة من نكاح فاسد في الوفاة لا سكنى لها ولا نفقة لأنهما لا يستحقان بالنكاح الصحيح في هذه العدة فبالنكاح الفاسد أولى والله أعلم ومنها ثبوت النسب إذا جاءت بولد والكلام في هذا الموضع في موضعين في الأصل أحدهما في بيان ما يثبت فيه نسب ولد المعتدة من المدة والثاني في بيان ما يثبت به نسبه من الحجة أي يظهر به أما الأول فالأصل فيه أن أقل مدة الحمل ستة أشهر لقوله عز وجل وحمله وفصاله ثلاثون شهرا جعل الله تعالى ثلاثين شهرا مدة الحمل والفصال جميعا ثم جعل سبحانه وتعالى الفصال وهو الفطام في عامين بقوله وفصاله في عامين فيبقى للحمل ستة أشهر وهذا الاستدلال منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما فإنه روي أن رجلا تزوج امرأة فجاءت بولد لستة أشهر فهم عثمان رضي الله عنه برجمها فقال ابن عباس رضي الله عنهما أما أنه لو خاصمتكم بكتاب الله لخصمتكم قال الله تعالى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا وقال الله تعالى وفصاله في عامين أشار إلى ما ذكرنا فدل أن أقل مدة الحمل ستة أشهر وأكثرها سنتان عندنا وعند الشافعي أربع سنين وهو محجوج بحديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت لا يبقى الولد في رحم أمه أكثر من سنتين ولو بفلكة مغزل والظاهر أنها قالت ذلك سماعا من رسول الله لأن هذا باب لا يدرك بالرأي والاجتهاد ولا يظن بها أنها قالت ذلك جزافا وتخمينا فتعين السماع

قسم V03/P210–V03/P211

وأصل آخر أن كل مطلقة لم تلزمها العدة بأن لم تكن مدخولا بها فنسب ولدها لا يثبت من الزوج إلا إذا علم يقينا أنه منه وهو أن تجيء به لأقل من ستة أشهر وكل مطلقة عليها العدة فنسب ولدها يثبت من الزوج إلا إذا علم يقينا أنه ليس منه وهو أن تجيء به لأكثر من سنتين وإنما كان كذلك لأن الطلاق قبل الدخول يوجب انقطاع النكاح بجميع علائقه فكان النكاح من كل وجه زائلا بيقين وما زال بيقين لا يثبت إلا بيقين مثله فإذا جاءت بولد لأقل من ستة أشهر من يوم الطلاق فقد تيقنا أن العلوق وجد في حال الفراش وأنه وطئها وهي حامل منه إذ لا يحتمل أن يكون بوطء بعد الطلاق لأن المرأة لا تلد لأقل من ستة أشهر فكان من وطء وجد على فراش الزوج وكون العلوق في فراشه يوجب ثبوت النسب منه فإذا جاءت بولد لستة أشهر فصاعدا لم يستيقن بكونه مولودا على الفراش لاحتمال أن يكون بوطء بعد الطلاق والفراش كان زائلا بيقين فلا يثبت مع الشك وعلى هذا يخرج ما إذا طلق امرأته قبل الدخول بها فجاءت بولد لأقل من ستة أشهر مذ طلقها أنه يلزمه ليقيننا ( ( ( لتيقننا ) ) ) بعلوقه حال قيام النكاح وإذا جاءت به لستة أشهر أو أكثر لا يلزمه لعدم التيقن بذلك ويستوي في هذا الحكم ذوات الأقراء وذوات الأشهر لما قلنا وعلى هذا يخرج ما إذا قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق فتزوج امرأة فطلقت فجاءت بولد إنها إن جاءت به لستة أشهر من وقت النكاح يثبت النسب لأنها إذا جاءت به لستة أشهر من وقت النكاح كان لأقل من ستة أشهر من وقت الطلاق لأن الطلاق يقع عقيب النكاح لأن الحالف أوقعه كذلك ألا ترى أنه قال فهي طالق والفاء للتعقيب بلا تراخي وقال زفر لا يثبت النسب وروي أن محمدا كان يقول مثل قوله ثم رجع وجه قول زفر أن إثبات النسب بعقد إمكان بوطء ولم يوجد إذ ليس بين النكاح والطلاق زمان يسع فيه الوطء بل كما وجد النكاح وقع الطلاق عقيبه بلا فصل فلا يتصور الوطء فلا يثبت النسب وإنا نقول يمكن تصوره بأن كان يخالط امرأة فدخل الرجال عليه فتزوجها وهم يسمعون كلامه وأنزل من ساعته وإذا تصور الوطء فالنكاح قائم مقام الوطء المنزل عند تصوره شرعا لقوله الولد للفراش وإن جاءت لأقل من ستة أشهر من وقت النكاح لا يثبت النسب لأن ( ( ( لأنا ) ) ) علمنا يقينا أنه لوطء وجد قبل النكاح ثم إذا جاءت به لستة أشهر من وقت النكاح حتى يثبت النسب يجب على الزوج مهر كامل كذا ذكر في ظاهر الرواية لأنها صارت في حكم المدخول بها وذكر أبو يوسف في الأمالي أن القياس أن يجب عليه مهر ونصف مهر نصف مهر بالطلاق قبل الدخول ومهر كامل بالدخول ووجهه أن يجعل الطلاق واقعا كما تزوج فيجب نصف مهر لوجود الطلاق قبل الدخول ثم يجعل واجبا بعد الدخول بناء على أن عنده أن الطلاق غير واقع لأنه يرى أن تعليق النكاح بالملك لا يصلح كما هو مذهب الشافعي فيجب المهر بهذا الوطء ويثبت النسب لأن المسألة مجتهد فيها فلا يكون فعله زننا ( ( ( زنا ) ) ) إلا أن أبا حنيفة استحسن وقال لا يجب إلا مهر واحد لأنها كالمدخول بها من طريق الحكم فيتأكد المهر

قسم V03/P211–V03/P212

وإن طلقها بعد الدخول بها فجاءت بولد فجملة الكلام في المعتدة أن يقال المعتدة لا يخلو أما إن كانت معتدة عن طلاق أو غيره من أسباب الفرقة وأما إن كانت معتدة من وفاة وكل واحدة منهما لا يخلو من أن تكون من ذوات الأقراء أو من ذوات الأشهر كانت أقرت بانقضاء العدة أو لم تقر فإن كانت معتدة عن طلاق فالطلاق لا يخلو إما أن يكون بائنا وإما أن يكون رجعيا فإن كان بائنا وهي من ذوات الأقراء ولم تكن أقرت بانقضاء العدة فجاءت بولد فإن جاءت به إلى سنتين عند الطلاق لزمه لأنه لا يحتمل أن يكون العلوق من وطء حادث بعد الطلاق ويحتمل أن يكون من وطء وجد في حال قيام النكاح وكانت حاملا وقت الطلاق لأن الولد يبقى في البطن إلى سنتين بالاتفاق وهذا أظهر الاحتمالين إذ الظاهر من حال المسلمة أن لا تتزوج في العدة وحمل أمور المسلمين على الصلاح والسداد واجب ما أمكن فيحمل عليه أو نقول النكاح كان قائما بيقين والفراش كان ثابتا بيقين لقيام النكاح والثابت بيقين لا يزول إلا بيقين مثله فإذا كان احتمال العلوق على الفراش قائما لم تستيقن ( ( ( نستيقن ) ) ) بانقضاء العدة وزوال النكاح من كل وجه فلم نستيقن بزوال الفراش فلا نحكم بالزوال بالشك وإن جاءت به لأكثر من سنتين لم يلزمه إن أنكره لأنا تيقنا أنه ليس منه لأن الولد لا يبقى في البطن أكثر من سنتين فلا يثبت نسبه منه ما لم يدع فإذا ادعى ثبت النسب منه وهل يشترط تصديقها فيه روايتان واختلف في انقضاء عدتها قال أبو حنيفة ومحمد يحكم بانقضائها قبل الولادة بستة أشهر وترد ما أخذت من نفقته هذه المدة وقال أبو يوسف انقضاء عدتها بوضع الحمل ولا ترد شيئا من النفقة وجه قوله أنه يحتمل أنه وطئها أجنبي بشبهة ( ( ( بشهبة ) ) ) ويحتمل أن الزوج وطئها بشبهة فلا ترد النفقة بالشك ولهما أن الولد لا بد وأن يكون من وطء حادث بعد الطلاق لأن الولد لا يبقى في البطن أكثر من سنتين فلا يجوز أن يحمل على أن الزوج وطئها لأنه حرام ولا على أن أجنبيا وطئها بشبهة لأن ذلك حرام أيضا وظاهر حال المسلم التحرج عن الحرام فتعين الحمل على وطء حلال وهو الوطء في نكاح صحيح فيحمل على أن عدتها قد انقضت وتزوجت وأقل مدة الحمل ستة أشهر فوجب رد نفقة ستة أشهر لأنه تبين أنها لم تكن عليه وقد خرج الجواب عما ذكره أبو يوسف على أنا إن حملنا على أن أجنبيا وطئها بشبهة تسقط النفقة عن زوجها لأنهم قالوا في المنكوحة إذا تزوجت فحملت من غير زوجها أنه لا نفقة لها عليه وإن كانت أقرت بانقضاء العدة وذلك في مدة تنقضي في مثلها العدة ثم جاءت بولد في سنتين فإن جاءت به لأقل من ستة أشهر من يوم أقرت لزمه أيضا وإن جاءت بولد لستة أشهر فصاعدا من وقت الإقرار لم يلزمه لأن الأصل أن المعتدة مصدقة في الإخبار عن انقضاء عدتها إذ الشرع ائتمنها على ذلك فنصدق ( ( ( فتصدق ) ) ) ما لم يظهر غلطها أو كذبها بيقين فإذا جاءت به لأقل من ستة أشهر من وقت الإقرار ظهر غلطها أو كذبها لأنه تبين أنها كانت معتدة وقت الإقرار إذ المرأة لا تلد لأقل من ستة أشهر فإقرارها بانقضاء العدة وهي معتدة يكون غلطا أو يكون كذبا إذ هو إخبار عن الخبر لا على ما هو به وهذا حد الكذب فالتحق إقرارها بالعدم وإذا جاءت به لستة أشهر أو أكثر لم يظهر كذبها لاحتمال أنها تزوجت بعد إقرارها بانقضاء العدة فجاءت منه بولد فلم يكن ولد زنا لكن ليس له نسب معروف فلزم تصديقها في إخبارها بانقضاء عدتها على الأصل فلم يكن الولد من الزوج وهذا الذي ذكرنا مذهبنا وقال الشافعي إذا أقرت ثم جاءت بولد لتمام ستة أشهر يثبت نسبه ما لم تتزوج

قسم V03/P212–V03/P213

وجه قوله أن إقرارها بانقضاء عدتها يتضمن إبطال حق الصبي وهو تضييع نسبه لأن النسب يثبت حقا للصبي فلا يقبل ولنا ما ذكرنا أن الشرع ائتمنها في الإخبار بانقضاء عدتها حيث نهاها عن كتمان ما في رحمها والنهي عن الكتمان أمر بالإظهار وإنه أمر بالقبول وقوله يتضمن إبطال حق الصبي في النسب ممنوع فإن إبطال الحق بعد ثبوته يكون والنسب ههنا غير ثابت لما ذكرنا في الطلاق البائن وإن جاءت به لأكثر من سنتين لزم الزوج أيضا وصار مراجعا لها وإنما كان كذلك لأن العلوق حصل من وطء بعد الطلاق ويمكن حمله على الوطء الحلال وهو وطء الزوج لأن الطلاق الرجعي لا يحرم الوطء فيملك وطأها ما لم تقر بانقضاء العدة فوجب حمله عليه ومتى حمل عليه صار مراجعا بالوطء فيثبت النسب وإن طال الزمان لجواز أن تكون ممتدة الطهر فوطئها في آخر الطهر فعلقت فصار مراجعا فإن قيل هلا حمل عليه فيما إذا جاءت به لأقل من سنتين ليصير مراجعا لها فالجواب أن هناك لا يمكن الحمل عليه لأنه لو حمل عليه للزم إثبات الرجعة بالشك لأن الأمر محتمل يحتمل أن يكون العلوق من وطء بعد الطلاق فيكون رجعة ويحتمل أن يكون من وطء قبله فلا يكون رجعة فلا تثبت الرجعة مع الشك أما ههنا فلا يحتمل أن يكون العلوق من وطء قبل الطلاق لأن الولد لا يبقى في البطن أكثر من سنتين فتعين أن يكون من وطء بعد الطلاق وأمكن حمله على الوطء الحلال فيحمل عليه فيصير مراجعا بالوطء فافترقا وإن كانت أقرت بانقضاء العدة في مدة تنقضي في مثلها العدة فإن جاءت به لأقل من ستة أشهر منذ أقرت لزمه وإن جاءت به لستة أشهر أو أكثر من وقت الإقرار لا يلزمه لما ذكرنا في الطلاق البائن هذا إذا كانت المعتدة من طلاق من ذوات الأقراء فأما إذا كانت من ذوات الأشهر فإن كانت آيسة فجاءت بولد فإن كانت لم تقر بانقضاء العدة فحكمها حكم ذوات الأقراء وقد ذكرناه سواء كان الطلاق رجعيا أو بائنا فإنها إذا جاءت بولد إلى سنتين من وقت الطلاق يثبت نسبه من الزوج لأنها لما ولدت علم أنها ليست بآيسة بل هي من ذوات الأقراء وإن كانت أقرت بانقضاء عدتها فإن كانت أقرت به مفسرا بثلاثة أشهر فكذلك لأنه لما تبين أنها لم تكن آيسة تبين أن عدتها لم تكن بالأشهر فلم يصح إقرارها بانقضاء عدتها بالأشهر فالتحق إقرارها بالعدم فجعل كأنها لم تقر أصلا وإن كانت أقرت به مطلقا في مدة تصلح لثلاثة أقراء فإن ولدت لأقل من ستة أشهر منذ أقرت يثبت النسب وإلا فلا لأنه لما بطل اليأس بعذر حمل إقرارها على الأقراء بالانقضاء بالأشهر لبطلان الاعتداد بالأشهر فيحمل على الأقراء بالانقضاء بالأقراء حملا لكلام العاقلة المسلمة على الصحة عند الإمكان وإن كانت صغيرة فجاءت بولد فالأمر لا يخلو من ثلاثة أوجه أما إن كانت أقرت بانقضاء العدة بعد مضي ثلاثة أشهر وأما إن كانت لم تقر ولكنها أقرت إنها حامل في مدة العدة وهي الثلاثة الأشهر وأما إن سكتت وكل وجه على وجهين أما إن كان الطلاق بائنا وأما إن كان رجعيا فإن كانت أقرت بانقضاء العدة عند مضي ثلاثة أشهر ثم جاءت بولد فإن جاءت به لأقل من ستة أشهر منذ أقرت ثبت النسب وإن جاءت به لستة أشهر أو أكثر لا يثبت لأن إقرار الصغيرة بانقضاء عدتها مقبول في الظاهر لأنها أعرف بعدتها من غيرها ولهذا لو أقرت بالبلوغ يقبل إقرارها غير أنها لما جاءت به لأقل من ستة أشهر من وقت الإقرار فقد ظهر كذبها في إقرارها لأنه تبين أنها كانت معتدة وقت الإقرار فألحق إقرارها بالعدم

قسم V03/P213

وإذا جاءت به لستة أشهر فصاعدا لم يظهر كذبها في إقرارها لجواز أنها تزوجت بعد انقضاء عدتها وهذا الولد منه والطلاق البائن والرجعي في هذا الوجه سواء وإن لم تكن أقرت بانقضاء العدة ولكنها أقرت بالحمل في مدة العدة فإن كان الطلاق بائنا يثبت النسب إلى سنتين من وقت الطلاق وإن كان رجعيا يثبت إلى سبعة وعشرين شهرا لأنها لما أقرت بالحمل في مدة العدة فقد حكمنا ببلوغها فصار حكمها حكم البالغة فإذا جاءت بولد يثبت النسب إلى سنتين من وقت الطلاق وإن كان الطلاق بائنا لما مر أنه يحكم بالعلوق قبل الطلاق فإذا جاءت به لأكثر من سنتين لا يثبت لأنه يحمل على علوق حادث بعد الطلاق وإن كان الطلاق رجعيا يثبت النسب إلى سنتين وثلاثة أشهر لأنه ظهر أن العلوق كان في العدة وعدتها ثلاثة أشهر والمعتدة من طلاق رجعي إذا علقت في العدة يصير الزوج مراجعا لها وإن جاءت به لأكثر من سبعة وعشرين شهرا لا يثبت النسب لأنه تبين أن العلوق كان بعد مضي الثلاثة الأشهر ولأن الولد لا يبقى في البطن أكثر من سنتين فلا يصير مراجعا لها وإن لم يقر بشيء اختلف فيه قال أبو حنيفة ومحمد سكوتها كإقرارها بانقضاء العدة أنها إن جاءت لأقل من ستة أشهر من وقت الطلاق يثبت النسب وإن جاءت به لستة أشهر أو أكثر لا يثبت سواء كان الطلاق بائنا أو رجعيا وقال أبو يوسف سكوتها كإقرارها بالحمل أو دعوى الحمل أنه إن كان الطلاق بائنا يثبت النسب إلى سنتين وإن كان رجعيا يثبت إلى سبعة وعشرين شهرا وجه قوله أن المراهقة يحتمل أن تكون عدتها بوضع الحمل لاحتمال أنها حبلت ولم تعلم بذلك فما لم تقر بانقضاء عدتها لا يحكم بالانقضاء كالمتوفى عنها زوجها ولهما أن عدة الصغيرة ذات جهة واحدة وهي ثلاثة أشهر على اعتبار الأصل إذا الأصل فيها عدم البلوغ فكان انقضاؤها بانقضاء ثلاثة أشهر كإقرارها بانقضاء عدتها ولو أقرت بانقضاء عدتها كان الجواب ما ذكرنا كذا هذا بخلاف المتوفى عنها زوجها أنه لا يحكم بانقضاء عدتها بمضي الشهور لأنها عدتها ذات جهتين يحتمل أن تكون بالشهور ويحتمل أن تكون بوضع الحمل فما لم تقر بانقضاء العدة لا يحكم بأحد الأمرين هذا الذي ذكرنا حكم المعتدة عن طلاق وكل جواب عرفته في المعتدة من طلاق فهو الجواب في المعتدة من غير طلاق من أسباب الفرقة وأما المتوفى عنها زوجها وهي مدخول بها فإن كانت من ذوات الأقراء فجاءت بولد فإن جاءت به ما بينها وبين سنتين ولم تكن أقرت بانقضاء العدة يثبت نسب ولدها من الزوج عند أصحابنا الثلاثة وقال زفر إذا لم تدع الحمل في مدة العدة ثم جاءت به لعشرة أشهر وعشرة أيام لا يثبت النسب وجه قوله أن عدة المتوفى عنها زوجها هي الأشهر عند عدم الحمل والأصل عدم الحمل فإذا مضت أربعة أشهر وعشر يحكم بانقضاء عدتها فصار كأنها أقرت بانقضاء العدة ثم جاءت بولد بعد ذلك وهناك لو جاءت به لأقل من ستة أشهر من وقت الإقرار يثبت النسب وإن جاءت به لستة أشهر فصاعدا لا يثبت كذا هذا ولهذا كان الحكم في الصغيرة ما وصفنا كذا في الكبيرة ولنا ما ذكرنا أن عدة المتوفى عنها زوجها ذات جهتين لجواز أن تكون حاملا ولا يعلم ذلك فلا تنقضي عدتها بالأشهر فما لم تقر بانقضاء عدتها لا يحكم بالانقضاء كالمعتدة من الطلاق وإن جاءت به لأكثر من سنتين لا يثبت لما مر في عدة الطلاق بخلاف الصغيرة فإن عدتها ذات جهة واحدة لأن الأصل فيها عدم الحبل لأن المحل لا يحتمل وإنما يصير محلا بالبلوغ وفيه شك فيبقى حكم الأصل فأما عدة الكبيرة فذات جهتين لما قررنا من الاحتمال والتردد فلا يحكم بالانقضاء بالأشهر مع الاحتمال وإن أقرت بانقضاء عدتها ثم أتت بولد

قسم V03/P213–V03/P214

فإن أتت به لأقل من ستة أشهر مذ ( ( ( منذ ) ) ) أقرت يثبت النسب وإن جاءت به لتمام ستة أشهر فهو على الاختلاف الذي ذكرناه في عدة الطلاق أنه لا يثبت النسب عندنا وعند الشافعي يثبت ما لم تتزوج وإن كانت من ذوات الأشهر فإن كانت آيسة أو صغيرة فحكمها في الفوات ما هو حكمها في الطلاق وقد ذكرناه هذا الذي ذكرناه كله في عدة الطلاق وغيره من الفراق وعدة الوفاة إذا جاءت المعتدة بولد قبل التزوج ( ( ( التزويج ) ) ) بزوج آخر فأما إذا تزوجت بزوج آخر ثم جاءت بولد فالأمر لا يخلو من أربعة أوجه إما إن جاءت به لأقل من سنتين مذ ( ( ( منذ ) ) ) طلقها الأول أو مات ولأقل من ستة أشهر منذ تزوجها الثاني وأما إن جاءت به لأكثر من سنتين منذ طلقها الأول أو مات ولستة أشهر فصاعدا منذ تزوجها الثاني وإما إن جاءت به لأقل من سنتين منذ طلقها الأول أو مات ولستة أشهر فصاعدا منذ تزوجها الثاني وأما أن جاءت به لأكثر من سنتين منذ طلقها الأول أو مات ولأقل من ستة أشهر مذ ( ( ( منذ ) ) ) تزوجها الثاني فالولد للأول لأنه لا يحتمل أن يكون من الثاني إذ المرأة لا تلد لأقل من ستة أشهر ويحتمل أن يكون من الأول لأن الولد يبقى في بطن أمه إلى سنتين وفي الحمل عليه حمل أمرها على الصلاح وأنه واجب ما أمكن وإن جاءت به لأكثر من سنتين منذ طلقها الأول أو مات ولستة أشهر فصاعدا منذ تزوجها الثاني فهو للثاني لأنه لا يحتمل أن يكون من الأول إذ الظاهر من حال العاقلة المسلمة أن لا تتزوج وهي معتدة الغير فصح نكاح الثاني فكان مولودا على فراش صحيح فيثبت نسبه منه وإن جاءت به لأكثر من سنتين منذ طلقها الأول أو مات ولأقل من ستة أشهر منذ تزوجها الثاني لم يكن للأول ولا الثاني لأن الولد لا يبقى في البطن أكثر من سنتين والمرأة لا تلد لأقل من ستة أشهر وهل يجوز نكاح الثاني في قول أبي حنيفة ومحمد جائز وعند أبي يوسف فاسد لأنه إذا لم يثبت النسب من الأول ولا من الثاني كان هذا الحمل من الزنا فيكون بمنزلة رجل تزوج امرأة وهي حامل من الزنا وذلك على هذا الاختلاف على قول أبي حنيفة ومحمد جاز نكاحها ولكن لا يقربها حتى تضع وعلى قول أبي يوسف لا يجوز النكاح ما لم تضع حملها هذا إذا لم يعلم وقت التزوج أنها تزوجت في عدتها فإن علم ذلك وقع النكاح الثاني فاسدا فجاءت بولد فإن النسب يثبت من الأول إن أمكن إثباته منه بأن جاءت به لأقل من سنتين منذ طلقها الأول أو مات عنها ولستة أشهر فصاعدا منذ تزوجها الثاني لأن النكاح الثاني فاسد ومهما أمكن إحالة النسب إلى الفراش الصحيح كان أولى وإن لم يمكن إثباته منه وأمكن إثباته من الثاني فالنسب يثبت من الثاني بأن جاءت به لأكثر من سنتين منذ طلقها الأول أو مات ولستة أشهر فصاعدا منذ تزوجها الثاني لأن النكاح الثاني وإن كان فاسدا لكن لما تعذر إثبات النسب من النكاح الصحيح فإثباته من النكاح الفاسد أولى من الحمل على الزنا والله الموفق وإذا نعى إلى المرأة زوجها فاعتدت وتزوجت وولدت ثم جاء زوجها الأول فهي امرأته لأنها كانت منكوحته ولم يعترض على النكاح شيء من أسباب الفرقة فبقيت على النكاح السابق ولكن لا يقربها حتى تنقضي عدتها من الثاني وأما الولد فقد اختلف فيه قال أبو حنيفة هو للأول وقال أبو يوسف إن كانت ولدته لأقل من ستة أشهر من حين وطئها الثاني فهو للأول وإن كانت ولدته لستة أشهر أو أكثر فهو للثاني وقال محمد إن كانت ولدته لسنتين من حين وطئها الثاني فهو للأول وإن كانت ولدته لأكثر من سنتين فهو للثاني

قسم V03/P214–V03/P215

وجه قول محمد أنها إذا كانت ولدته لسنتين من حين وطئها الثاني أمكن حمله على الفراش الصحيح لأن الولد يبقى في البطن إلى سنتين فيحمل عليه وإذا كانت ولدته إلى سنتين فيحمل عليه وإذا كانت ولدته لأكثر من سنتين لم يمكن حمله على الفراش الصحيح لأن الولد لا يبقى في البطن أكثر من سنتين فيحمل على الفراش الفاسد ضرورة وجه قول أبي يوسف أنها إذا ولدت لأقل من ستة أشهر من حين وطئها الثاني تيقنا أنه ليس من الثاني لأن المرأة لا تلد لأقل من ستة أشهر وأمكن حمله على الفراش فيحمل عليه وإذا ولدت لستة أشهر أو أكثر فالظاهر أنه من الثاني وجه قول أبي حنيفة أن الفراش الصحيح للأول فيكون الولد للأول لقول النبي الولد للفراش ومطلق الفراش ينصرف إلى الصحيح والله الموفق للصواب وأما الثاني وهو بيان ما يثبت به نسب ولد المعتدة أي يظهر به فجملة الكلام فيه أن المرأة إذا ادعت أنها ولدت هذا الولد لستة أشهر فإن صدقها الزوج فقد ثبت ولادتها سواء كانت منكوحة أو معتدة وإن كذبها تثبت ولادتها بشهادة امرأة واحدة ثقة عند أصحابنا ويثبت نسبه منه حتى لو نفاه يلاعن وقال الشافعي لا يثبت إلا بشهادة أربع نسوة ثقات وجه قوله أن هذا نوع شهادة فلا بد من اعتبار العدد فيه كسائر أنواع الشهادات فيقام كل اثنتين منهن مقام رجل فإذا كن أربعا يقمن مقام رجلين فيكمل العدد ولنا ما روي أن رسول الله أجاز شهادة القابلة في الولادة فدل على جواز شهادتها في الولادة من غير اعتبار العدد ولأن الأصل فيما يقبل فيه قول النساء بانفرادهن أنه لا يشترط فيه العدد منهن على هذا أصول الشرع كما في رواية الأخبار والإخبار عن طهارة الماء ونجاسته وعن الوكالة وغير ذلك من الديانات والمعاملات وقد خرج الجواب عما ذكره المخالف أن العدد شرط لأن العدد إنما يشترط فيما لا يقبل فيه قول النساء بانفرادهن وههنا يقبل فلا يشترط العدد فيهن ولو نفى الولد يلاعن لأنه يثبت نسب الولد بالنكاح لا بشهادة القابلة وإنما الثابت بشهادتها الولادة وتعين أي الذي ولدته هذا لجواز أنها ولدت ميتا أو حيا ثم مات فإذا نفى الولد فقد صار قاذفا لأمه بالزنا وقذف الزوجة بالزنا يوجب اللعان وكذلك إذا قال لأمته إن كان في بطنك ولد فهو مني فشهدت امرأة على الولادة تصير الجارية أم ولد لأن النسب يثبت بفراش الملك عند الدعوة وقوله إن كان في بطنك ولد فهو مني دعوى النسب والحاجة بعد ذلك إلى الولادة وتعين الولد وذلك يثبت بشهادة القابلة وإذا ثبت النسب صارت الجارية أم ولد له ضرورة لأن أمية الولد من ضرورات ثبوت النسب ولو قال لامرأته إذا ولدت فأنت طالق فقالت ولدت وأنكر الزوج الولادة فشهدت قابلة على الولادة يثبت النسب بالإجماع وإن لم يكن الزوج أقر بالحبل ولا كان الحبل ظاهرا فهل يقع الطلاق قال أبو حنيفة لا يقع ما لم يشهد على الولادة رجلان أو رجل وامرأتان وقال أبو يوسف ومحمد يقع بشهادة القابلة إذا كانت عدلة ( ( ( عدلا ) ) ) وجه قولهما أن الولادة قد تثبت بشهادة القابلة بالإجماع ولهذا ثبت النسب ومن ضرورة ثبوت الولادة وقوع الطلاق لأنه معلق بها

قسم V03/P215–V03/P216

ولأبي حنيفة أن شهادة القابلة حجة ضرورية لأنها شهادة فرد ثم هو أنثى فيظهر فيما فيه الضرورة وفيما هو من ضرورات تلك الضرورة والضرورة في الولادة فيظهر فيها فتثبت الولادة ووقوع الطلاق ليس من ضرورات الولادة لتصور الولادة بدون الطلاق في الجملة فلا ضرورة إلى إثبات الولادة في حق وقوع الطلاق فلا يثبت في حقه والنسب ما ثبت بالشهادة وإنما يثبت بالفراش لقيام النكاح وإنما الثابت بالشهادة الولادة وتعين الولد ووقوع الطلاق ليس من ضرورات الولادة ولا من ضرورات ثبوت النسب أيضا فلم يكن من ضرورة الولادة وثبوت النسب وقوع الطلاق وإن كان الزوج قد أقر بالحبل أو كان الحبل ظاهرا يقع الطلاق بمجرد قولها وإن لم تشهد القابلة في قول أبي حنيفة وعندهما لا يقع إلا بشهادة القابلة ولا خلاف في أن النسب لا يثبت بدون شهادة القابلة وجه قولهما أن المرأة تدعي وقوع الطلاق والأصل أن المدعي لا يعطي شيئا بمجرد الدعوى لأن دعوى المدعي عارضها إنكار المنكر وقد قال لو أعطى الناس بدعواهم الحديث إلا فيما لا يوقف عليه من جهة غيره فيجعل القول فيه قوله للضرورة كما في الحيض والولادة أمر يمكن الوقوف عليه من جهة غيرها فلا يقبل قولها فيه ولهذا لم يثبت النسب بقولها بدون شهادة القابلة كذا وقوع الطلاق لأنها تدعي وهو ينكر والقول قول المنكر حتى يقيم للمدعي حجته وجه قول أبي حنيفة أنه قد ثبت الحبل وهو كون الولد في البطن بإقرار الزوج بالحبل أو يكون الحبل ظاهرا وأنه يقضي ( ( ( يفضي ) ) ) إلى الولادة لا محالة لأن الحمل يوضع لا محالة فكانت الولادة أمرا كائنا لا محالة فيقبل فيه قولها كما في دم الحيض حتى لو قال لامرأته إذا حضت فأنت طالق فقالت حضت يقع الطلاق كذا ههنا إلا أنه لم يقبل قولها في حق إثبات النسب بدون شهادة القابلة لأنها متهمة في تعيين الولد فلا تصدق على التعيين في حق ثبات ( ( ( إثبات ) ) ) النسب ولا تهمة في التعيين في حق وقوع الطلاق فتصدق فيه من غير شهادة القابلة ونظيره ما إذا قال لامرأته إذا حضت فأنت طالق وامرأتي الأخرى فلانة معك فقالت حضت وكذبها الزوج تطلق هي ولا تطلق ضرتها ويثبت حيضها في حقها ولا يثبت في حق ضرتها إلا بتصديق الزوج لكونها متهمة في حق ضرتها وانتفاء التهمة في حق نفسها كذا ههنا والله أعلم وإن كانت معتدة من طلاق بائن أو من وفاة فجاءت بولد إلى سنتين فأنكر الزوج الولادة أو ورثته بعد وفاته وادعت هي فإن لم يكن الزوج أقر بالحبل ولا كان الحبل ظاهرا لا يثبت النسب إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين على الولادة في قول أبي حنيفة وعندهما يثبت بشهادة القابلة وجه قولهما أن النكاح بعد الطلاق البائن والوفاة باق في حق الفراش فلا حاجة إلى ما يثبت به النسب كما في حال قيام النكاح وإنما الحاجة إلى الولادة وتعيين الولد وذلك يثبت بشهادة القابلة كما في حال قيام النكاح ولأبي حنيفة أن الفراش لا يبقى بعد الولادة لانقطاع النكاح بجميع علائقه بانقضاء العدة بالولادة وتصير أجنبية فكان القضاء بثبوت الولادة بشهادة القابلة قضاء بثبوت النسب لولد الأجنبية بشهادة النساء ولا يجوز ذلك ولا يثبت إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين وإن كان الزوج قد أقر بالحبل أو كان الحبل ظاهرا فالقول قولها في الولادة وإن لم تشهد لها قابلة في قول أبي حنيفة وعندهما لا تثبت الولادة بدون شهادة القابلة والكلام في الطرفين على النحو الذي ذكرنا وإن كانت معتدة من طلاق رجعي فكذلك ذكره في كتاب الدعوى وسوى بين الرجعي والبائن لأنها بعد انقضاء العدة أجنبية في الفصلين جميعا فلا تصدق على الولادة إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين عند أبي حنيفة إذا لم يكن الزوج مقرا بالحبل ولا كان الحبل ظاهرا وإن كان قد أقر بالحبل أو كان الحبل ظاهرا فهو على الاختلاف الذي ذكرنا

قسم V03/P216–V03/P217

ولو مات الزوج وأتت امرأته بولد بعد وفاته ما بينها وبين سنتين ولم يشهد على الولادة أحد لا القابلة ولا غيرها ولكن صدقها الورثة في أنها ولدته ذكر في الجامع الصغير أنه يثبت نسبه بقولهم وذكر في كتاب الدعوى أن نسب الولد يثبت إن كان ورثته ابنين أو ابنا وبنتين واختلاف العبارتين ترجع ( ( ( يرجع ) ) ) إلى أن ثبوت نسبه بتصديقهم من طريق الشهادة أو من طريق الإقرار فما ذكر ( ( ( ذكرنا ) ) ) في كتاب الدعوى يدل على أنه من طريق الشهادة حيث شرط أن يكون الورثة ابنين أو ابنا وبنتين وما ذكر ( ( ( ذكرنا ) ) ) في الجامع يدل على أنه من طريق الإقرار لأنه قال فصدقها الورثة والشهادة لا تسمى تصديقا في العرف وكذا الحاجة إلى الشهادة عند المنازعة ولا منازع ههنا ومن هذا إنشاء الاختلاف بين مشايخنا فاعتبر بعضهم التصديق منه شهادة وبعضهم إقرارا فمن اعتبره شهادة قال لا يثبت نسبه إلا إذا كانت الورثة رجلين أو رجلا وامرأتين ويشترط لفظ الشهادة ومجلس الحكم وإذا صدقها البعض وجحد البعض فإن صدقها رجلان منهم أو رجل وامرأتان يشارك الولد المقرين منهم والمنكرين جميعا منهم في الميراث لأن الشهادة حجة مطلقة فكانت حجة على الكل فيظهر نسبه في حقهم ( ( ( حق ) ) ) الكل ومن اعتبره إقرارا قال يثبت نسبه إذا صدقها جميع الورثة سواء كانوا ذكورا أو إناثا ولا يراعى لفظ الشهادة ومجلس الحكم فإذا صدقها بعض الورثة وجحد الباقون يثبت نسبه في حقهم ويشاركهم في نصيبهم من الميراث ولا يثبت في حق غيرهم لأن إقرارهم حجة في حقهم لا في حق غيرهم ومن هذا أيضا إنشاء الخلاف فيما إذا كان الوارث واحدا فصدقها في الولادة فقال الكرخي إن نسبه يثبت بإقراره في قولهم جميعا وذكر الطحاوي فيه الاختلاف فقال لا يثبت نسبه في قول أبي حنيفة ومحمد وفي قول أبي يوسف يثبت كأنهما اعتبرا قوله شهادة وشهادة الفرد لا تقبل واعتبره أبو يوسف إقرارا وإقرار الفرد مقبول هذا إذا صدقها الورثة أو بعضهم فأما إذا لم يصدقها أحد منهم فهو على الاختلاف والتفصيل الذي ذكرنا أن الزوج إذا لم يكن أقر بالحمل ولا كان الحمل ظاهرا لا يثبت نسبه إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين على الولادة عند أبي حنيفة وعندهما لا يثبت نسبه بشهادة القابلة وإذا كان الزوج أقر بالحبل أو كان الحبل ظاهرا تثبت الولادة بمجرد قولها ولدت عند أبي حنيفة وعندهما لا تثبت ( ( ( يثبت ) ) ) من غير شهادة القابلة وقد مر الكلام في ذلك كله فيما تقدم والله تعالى الموفق رجل قال لغلام هذا ابني ثم مات فجاءت أم الغلام فقالت أنا امرأته لا شك أن الغلام يرثه لأنه ثبت نسبه منه بإقراره وهل ترثه هذه أم لا ذكر في النوادر أنها ترثه استحسانا والقياس أن لا يكون لها الميراث وجه القياس أنه يحتمل أن تكون أم الغلام حرة ويحتمل أن تكون أمة ولو كانت حرة فيحتمل أن تكون هذه المرأة ويحتمل أن تكون غيرها ولو كانت هذه المرأة فيحتمل أن يكون وطئها بنكاح صحيح ويحتمل بنكاح فاسد أو بشبهة نكاح فيقع الشك في الإرث فلا ترث بالشك وجه الاستحسان أن سبب الاستحقاق للإرث في حقها يثبت بإقراره بنسب الولد وهو النكاح الصحيح لأن المسألة مفروضة في امرأة معروفة بالحرية وبأمومة هذا الولد فإذا أقر بنسب الولد أنه منه والنسب لا يثبت إلا بالفراش والأصل في الفراش هو النكاح الصحيح فكان دعوى نسب الولد إقرارا منه أنه من النكاح الصحيح فإذا صدقها يثبت النكاح ظاهرا فترثه لأن العمل بالظاهر واجب فأما إذا لم تكن معروفة بذلك وأنكرت الورثة كونها حرة أو أما له فلا ميراث لها لأن الأمر يبقى محتملا فلا ترث بالشك والاحتمال والله الموفق

قسم V03/P217

ومما يتصل بحال قيام العدة عن طلاق ( ( ( الطلاق ) ) ) من الأحكام منها الأرث عند الموت وجملة الكلام فيه أن المعتدة لا تخلو إما إن كانت من طلاق رجعي وإما إن كانت من طلاق بائن أو ثلاث والحال لا يخلو إما إن كانت حال الصحة وإما إن كانت حال المرض فإن كانت العدة من طلاق رجعي فمات أحد الزوجين قبل انقضاء العدة ورثه الآخر بلا خلاف سواء كان الطلاق في حال المرض أو في حال الصحة لأن الطلاق الرجعي منه لا يزيل النكاح فكانت الزوجية بعد الطلاق قبل انقضاء العدة قائمة من كل وجه والنكاح القائم من كل وجه سبب لاستحقاق الإرث من الجانبين كما لو مات أحدهما قبل الطلاق وسواء كان الطلاق بغير رضاها أو برضاها فإن ما رضيت به ليس بسبب لبطلان النكاح حتى يكون رضا ببطلان حقها في الميراث وسواء كانت المرأة حرة مسلمة وقت الطلاق أو مملوكة أو كتابية ثم أعتقت أو أسلمت في العدة لأن النكاح بعد الطلاق قائم من كل وجه ما دامت العدة قائمة وأنه سبب لاستحقاق الإرث وإن كانت من طلاق بائن أو ثلاث فإن كان ذلك في حال الصحة فمات أحدهما لم يرثه صاحبه سواء كان الطلاق برضاها أو بغير رضاها وإن كان في حال المرض فإن كان برضاها لا ترث بالإجماع وإن كان بغير رضاها فإنها ترث من زوجها عندنا وعند الشافعي لا ترث ومعرفة هذه المسألة مبنية على معرفة سبب استحقاق الإرث وشرط الاستحقاق ووقته أما السبب فنقول لا خلاف أن سبب استحقاق الإرث في حقها النكاح فإن الله عز وجل أدار الإرث فيما بين الزوجين على الزوجية بقوله سبحانه وتعالى ولكم نصف ما ترك أزواجكم إلى آخر ما ذكر سبحانه من ميراث الزوجين ولأن سبب الإرث في الشرع ثلاثة لا رابع لها القرابة والولاء والزوجية واختلف في الوقت الذي يصير النكاح سببا لاستحقاق الإرث وعند الشافعي هو وقت الموت فإن كان النكاح قائما وقت الموت ثبت الإرث وإلا فلا واختلف مشايخنا قال بعضهم هو وقت مرض الموت والنكاح كان قائما من كل وجه من أول مرض الموت ولا يحتاج إلى إبقائه من وجه إلى وقت الموت ليصير سببا وتفسير الاستحقاق عندهم هو ثبوت الملك من كل وجه للوارث من وقت المرض بطريق الظهور ومن وجه وقت الموت مقصورا عليه وهو طريق الاستناد وهما طريقتا مشايخنا المتقدمين وقال بعضهم وهو طريق المتأخرين منهم إن النكاح القائم وقت مرض الموت سبب لاستحقاق الإرث وهو ثبوت حق الإرث من غير ثبوت الملك للوارث أصلا لا من كل وجه ولا من وجه وجه قول الشافعي أن الإرث لا يثبت إلا عند الموت لأن المال قبل الموت ملك المورث بدليل نفاذ تصرفاته فلا بد من وجود السبب عند الموت ولا سبب ههنا إلا النكاح وقد زال بالإبانة والثلاث فلا يثبت الإرث ولهذا لا يثبت بعد انقضاء العدة ولا يرث الزوج منها بلا خلاف ولو كان النكاح قائما في حق الإرث لورث لأن الزوجية لا تقوم بأحد الطرفين فدل أنها زائلة ولنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم والمعقول أما الإجماع فإنه روي عن ابن سيرين أنه قال كانوا يقولون ولا يختلفون من فر من كتاب الله تعالى رد إليه أي من طلق امرأته ثلاثا في مرضه فإنها ترثه ما دامت في العدة وهذا منه حكاية عن إجماع الصحابة رضي الله عنهم ومثله لا يكذب وكذا روي توريث امرأة الفار عن جماعة من الصحابة من غير نكير مثل عمر وعثمان وعلي وعائشة وأبي بن كعب رضي الله عنهم فإنه روي عن إبراهيم النخعي أنه قال جاء عروة البارقي إلى شريح بخمس خصال من عند عمر رضي الله عنه منهن إن الرجل إذا طلق امرأته وهو مريض ثلاثا ورثت منه ما دامت في عدتها

قسم V03/P217–V03/P218

وروي عن الشعبي أنه قال أن أم البنين بنت عيينة بن حصين ( ( ( حصن ) ) ) كانت تحت عثمان رضي الله عنه فلما احتضر طلقها وقد كان أرسل إليها بشرى فلما قتل أتت عليا رضي الله عنه فذكرت له ذلك فقال علي رضي الله عنه تركها حتى إذا أشرف على الموت طلقها فورثها وروي أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته تماضر الكلبية في مرضه آخر تطليقاتها الثلاث وكانت تحته أم كلثوم بنت عقبة أخت عثمان بن عفان فورثها عثمان رضي الله عنه وروي أنه قال ما أتهمه ولكن أريد أن تكون سنة وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت إن المطلقة ثلاثا وهو مريض ترثه ما دامت في العدة وروي عن أبي بن كعب ترثه ما لم تتزوج فإن قيل إن ابن الزبير مخالف فإنه روي عنه أنه قال في قصة تماضر ورثها عثمان بن عفان رضي الله عنه ولو كنت أنا لم أورثها فكيف ينعقد الإجماع مع مخالفته فالجواب إن الخلاف لا يثبت بقوله هذا لأنه محتمل يحتمل أن يكون معنى قوله لو كنت أنا لما ورثتها أي عندي أنها لا ترث ويحتمل أن يكون معناه أي ظهر له من الاجتهاد والصواب ما لو كنت مكانه لكان لا يظهر لي فكان تصويبا له في اجتهاده وإن الحق في اجتهاده فلا يثبت الاختلاف مع الاحتمال بل حمله على الوجه الذي فيه تحقيق الموافقة أولى ويحتمل أنها كانت سألت الطلاق فرأى عثمان رضي الله عنه توريثها مع سؤالها الطلاق فيرجع قوله لو كنت أنا لما ورثتها إلى سؤالها الطلاق فلما ورثها عثمان رضي الله عنه مع مسألتها الطلاق فعند عدم السؤال أولى على أنه روي أن ابن الزبير رضي الله عنه إنما قال ذلك في ولايته وقد كان انعقد الإجماع قبله منهم على التوريث فخلافه بعد وقوع الاتفاق منهم لا يقدح في الإجماع لأن انقراض العصر ليس بشرط لصحة الإجماع على ما عرف في أصول الفقه وأما المعقول فهو أن سبب استحقاق الإرث وجد مع شرائط الاستحقاق فيستحق الإرث كما إذا طلقها طلاقا رجعيا ولا كلام في سبب الاستحقاق وشرائطه وإنما الكلام في وقت الاستحقاق فنقول وقت الاستحقاق هو مرض الموت أما على التفسير الأول والثاني وهو ثبوت الملك من كل وجه أو من وجه فالدليل عليه النص وإجماع الصحابة رضي الله عنهم ودلالة الإجماع والمعقول أما النص فما روي عن رسول الله أنه قال إن الله تعالى تصدق عليكم بثلث أموالكم في آخر أعماركم زيادة على أعمالكم أي تصدق باستيفاء ملككم عليكم في ثلث أموالكم زيادة على أعمالكم أخبر عن منة الله تعالى على عباده أنه استبقى لهم الملك في ثلث أموالهم ليكون وسيلة إلى الزيادة في أعمالهم بالصرف إلى وجوه الخير لأن مثل هذا الكلام يخرج مخرج الإخبار عن المنة وآخر أعمارهم مرض الموت فدل على زوال ملكهم عن الثلثين إذ لو لم يزل لم يكن ليمن عليهم بالتصدق بالثلث بل بالثلثين إذ الحكيم في موضع بيان المنة لا يترك أعلى المنتين ويذكر أدناهما وإذا زال ملكه عن الثلثين يؤل ( ( ( يئول ) ) ) إلى ورثته لأنهم أقرب الناس إليه فيرضى بالزوال إليهم لرجوع معنى الملك إليه بالدعاء والصدقة وأنواع الخير بخلاف الأحاديث وأما إجماع الصحابة رضي الله عنهم فإنه روي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال في مرض موته لعائشة رضي الله عنها إني كنت نحلتك جداد عشرين وسقا من مالي بالعالية وإنك لم تكوني حزتيه ولا قبضتيه وإنما هو اليوم مال الوارث ولم تدع عائشة رضي الله عنها ولا أنكر عليه أحد وكان ذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم فيكون إجماعا منهم على أن مال المريض في مرض موته يصير ملك الوارث من كل وجه أو من وجه