Qur'an&Sunnah

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)

قسم V05/P192–V05/P193

ومنها الخلو عن احتمال الربا فلا تجوز المجازفة في أموال الربا بعضها ببعض لأن حقيقة الربا كما هي مفسدة للعقد فاحتمال الربا مفسد له أيضا لقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ما اجتمع الحلال والحرام في شيء إلا وقد غلب الحرام الحلال والأصل فيه أن كلما جازت فيه المفاضلة جاز فيه المجازفة وما لا فلا لأن التماثل والخلو عن الربا فيما يجري فيه الربا لما كان شرط الصحة فلا يعلم تحقيق المماثلة بالمجازفة فيقع الشك في وجود شرط الصحة فلا تثبت الصحة على الأصل المعهود في الحكم المعلق على شرط إذا وقع الشك في وجود شرطه أنه لا يثبت لأن غير الثابت بيقين لا يثبت بالشك كما أن الثابت بيقين لا يزول بالشك وبيان هذا الأصل في مسائل إذا تبايعا حنطة بحنطة مجازفة فإن لم يعلما كيلهما أو علم أحدهما دون الآخر أو علما كيل أحدهما دون الآخر لا يجوز لما قلنا وإن علم استواؤهما في الكيل فإن علم في المجلس جاز البيع لأن المجلس وإن طال فله حكم حالة العقد فكأنه عند العقد وإن علم بعد الافتراق لم يجز وقال زفر يجوز علم قبل الافتراق أو بعده وجه قوله أن الحاجة إلى الكيل عند العقد لتحقق المساواة المشروطة وقد تبين أنها كانت ثابتة عنده ولنا أن علم المتعاقدين بالمساواة عند العقد شرط الصحة ولم يوجد والدليل على أن العلم عند العقد شرط الصحة أن الشرع ألزم رعاية المماثلة عند البيع بقوله عليه الصلاة والسلام الحنطة بالحنطة مثلا بمثل أي بيعوا الحنطة بالحنطة مثلا بمثل أمر المتبايعين بالبيع بصفة المماثلة فلا بد وأن تكون المماثلة معلومة لهما عند البيع لتمكنهما من رعاية هذا الشرط وكذا لو كان بين رجلين حنطة فاقتسماها مجازفة لا يجوز لأن القسمة فيها معنى المبادلة فيشبه البيع ولا يجوز البيع فيها مجازفة فكذا القسمة ولو تبايعا حنطة بحنطة وزنا بوزن متساويا في الوزن لم يجز لأن الحنطة مكيلة والتساوي في الكيل شرط جواز البيع في المكيلات ولا تعلم المساواة بينهما في الكيل فكان بيع الحنطة بالحنطة مجازفة وروى عن أبي يوسف رحمه الله أنه إذا غلب استعمال الوزن فيها تصير وزنية ويعتبر التساوي فيها بالوزن وإن كانت في الأصل كيلية وعلى هذا تخرج المزابنة والمحاقلة أنهما لا يجوزان لأن المزابنة بيع التمر على رؤوس النخل بمثل كيلة من التمر خرصا لا يدري أيهما أكثر والزبيب بالعنب لا يدري أيهما أكثر والمحاقلة بيع الحب في السنبل بمثل كيلة من الحنطة خرصا لا يدري أيهما أكثر فكان هذا بيع مال الربا مجازفة لأنه لا تعرف ( ( ( يعرف ) ) ) المساواة بينهما في الكيل وقد روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله نهى عن بيع المزابنة والمحاقلة وفسر محمد رحمه الله المزابنة والمحاقلة في الموطأ بما قلنا وهو كان إماما في اللغة كما كان إماما في الشريعة وقال كذلك الجواب إذا كان أكثر من خمسة أوسق فأما ما دون خمسة أوسق فلا بأس به لما روى أبو هريرة أن رسول الله رخص في بيع العرايا بالتمر فيما دون خمسة أوسق فقد رخص رسول الله من جملة ما حرم من المزابنة ما دون خمسة والمرخص من جملة ما حرم يكون مباحا وتفسير العرية عندنا ما ذكره مالك بن أنس في الموطأ رضي الله عنه وهو أن يكون لرجل نخيل فيعطي رجلا منها ثمرة نخلة أو نخلتين يلقطهما لعياله ثم يثقل عليه دخوله حائطه فيسأله أن يتجاوز له عنها على أن يعطيه بمكيلتها تمرا عند إصرام النخل وذلك ما لا بأس به عندنا لأنه لا بيع هناك بل التمر كله لصاحب النخل فإن شاء سلم له ثمر النخل وإن شاء أعطاه بمكيلتها من التمر إلا أنه سماه الراوي بيعا لتصوره بصور البيع لا أن يكون بيعا حقيقة بل هو عطية

قسم V05/P193–V05/P194

ألا ترى أنه لم يملكه المعري له لانعدام القبض فكيف يجعل بيعا ولأنه لو جعل بيعا لكان بيع التمر بالتمر إلى أجل وأنه لا يجوز بلا خلاف دل أن العرية المرخص فيها ليست ببيع حقيقة بل هي عطية ولأن العرية هي العطية لغة قال حسان بن ثابت رضي الله عنه ليست بسنهاء ولا رجبية ولكن عرايا في السنين الجوائح ولو اشترى بكر من تمر نخلا عليها ثمر وسمى التمر أو ذكر كل قليل وكثير هو منه حتى دخل في البيع يراعى في جوازه طريق الاعتبار وهو أن يكون كيل التمر أكثر من كيل الثمر ليكون الثمر بمثله والزيادة بإزاء النخل فإن كان أقل لا يجوز لأن التمر يكون بمثل كيله وزيادة التمر مع النخل تكون زيادة لا يقابلها عوض فيكون ربا وكذا إذا كان مثله لأن النخل يكون فضلا لا يقابله عوض في عقد المعاوضة وكذا إذا كان لا يدري عندنا خلافا لزفر وسنذكر المسألة إن شاء الله تعالى ثم إنما يجوز على طريق الاعتبار إذا كان التمر نقدا فإن كان نسيئة لم يجز لتحقق ربا النساء هذا إذا كان ثمر النخل بسرا أو رطبا أو تمرا يابسا عند العقد فإن كان كفري جاز البيع كيف ما كان من غير شرط الاعتبار لأنه بيع الكفري بالتمر وأنه جائز كيف ما كان ولو لم يكن التمر موجودا عند العقد ثم أثمر النخل قبل القبض كرا أو أكثر من الكر لا يفسد البيع بخلاف ما إذا كان التمر موجودا عند العقد ثم أثمر النخل قبل القبض فباعه مع النخل بالتمر وكيل التمر مثل كيل ثمر النخل أو أقل حيث يفسد البيع لأن العاقدين أدخلا الربا في العقد لأنهما قابلا الثمن بكل المبيع فانقسم الثمن عليهما وبعض المبيع مال الربا فدخل الربا في العقد باشتراطهما واشتراط الربا في العقد مفسد له وههنا البيع كان صحيحا في الأصل لأن الثمن خلاف جنس المبيع إذ المبيع هو النخل وحده إلا أنه إذا زاد فقد صار مبيعا في حال البقاء لا بصنعهما فبقي البيع صحيحا والزيادة ملك المشتري وينقسم الثمن على قيمة النخل وقيمة الزيادة لكن تعتبر قيمة النخل وقت العقد وقيمة الزيادة وقت القبض فيطيب له من التمر قدر حصته من الثمن لأنه فضل له ذلك القدر ببدل ولا يطيب له الفضل ويتصدق به لأنه ربح ما لم يضمن ولو قضى الثمن من التمر الحادث ينظر إن قضاه منه قبل القبض فقضاؤه باطل لأن القضاء منه تصرف في المبيع قبل القبض وأنه لا يجوز وجعل كأنه لم يقبض حتى لو هلك الثمن في يد البائع بآفة سماوية لا يسقط شيء من الثمن وإن أكله البائع تسقط حصته من الثمن وإن كان المشتري قبض الثمن ثم قضى منه جاز القضاء لأنه تصرف في المبيع بعد القبض وأنه جائز وعليه أن يتصدق بما زاد على حصته من الثمن والله سبحانه وتعالى أعلم وعلى هذا بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والقيمة فيهما مجازفة ولو تبايعا حنطة بشعير أو ذهبا بفضة مجازفة جاز لأن المماثلة في بيع الجنس بخلاف الجنس غير مشروطة ولهذا جازت المفاضلة فيه فالمجازفة أولى وكذلك القيمة وعلى هذا يخرج بيع الموزون بجنسه وغير جنسه كما إذا اشترى فضة مع غيرها بفضة مفردة بأن اشترى سيفا محلى بفضة مفردة أو منطقة مفضضة أو جارية في عنقها طوق من فضة أو اشترى ذهبا وغيره بذهب مفرد كما إذا اشترى ثوبا منسوجا بالذهب بذهب مفرد أو جارية مع حليتها وحليها ذهب بذهب مفرد ونحو ذلك أنه لا يجوز مجازفة عندنا بل يراعى فيه طريق الاعتبار وهو أن يكون وزن الفضة المفردة أو الذهب المفرد أكثر من المجموع مع غيره ليكون قدر وزن المفرد بمثله من المجموع والزيادة بخلاف جنسه فلا يتحقق الربا فإن كان وزن المفرد أقل من وزن المجموع لم يجز لأن زيادة وزن المجموع مع خلاف الجنس لا يقابله عوض في عقد البيع فيكون ربا

قسم V05/P194–V05/P195

وكذلك إذا كان مثله في الوزن لأنه يكون الفضة بمثلها والذهب بمثله فالفضل يكون ربا وإن كان من خلاف جنسه وكذلك إذا كان لا يعلم وزنه أنه أكثر أو مثله أو أقل أو اختلف أهل النظر فيه فقال بعضهم الثمن أكثر وقال بعضهم هو مثله لا يجوز عندنا وعند زفر يجوز وجه قوله أن الأصل في البيع جوازه والفساد بعارض الربا وفي وجوده شك فلا يثبت الفساد بالشك لأن جهة الفساد في هذا العقد أكثر من جهة الجواز لأن وزن المفرد لو كان أقل يفسد وكذلك لو كان مثله ولو كان أكثر يجوز فجاز من وجد ( ( ( وجه ) ) ) وفسد من وجهين فكانت الغلبة لجهة الفساد والحكم للغالب ثم إذا كان وزن المفرد أكثر حتى جاز البيع فيجتمع في هذا العقد صرف وهو بيع الفضة بالفضة أو الذهب بالذهب وبيع مطلق وهو بيع الذهب أو الفضة بخلاف جنسها فيراعى في الصرف شرائطه وسنذكر شرائط الصرف في موضعه إن شاء الله تعالى وإذا فات شيء من الشرائط حتى فسد الصرف هل يتعدى الفساد إلى البيع المطلق فيه تفصيل نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى هذا إذا اشترى فضة مع غيرها بفضة مفردة أو ذهبا مع غيره بذهب مفرد فأما إذا اشترى ذهبا مع غيره بفضة مفردة أو فضة مع غيرها بذهب مفرد فالبيع جائز لأنه لا ربا عند اختلاف الجنس غير أنه يقسم المفرد على قيمة المجموع وقيمة ذلك الغير فما كان بمقابلة الذهب أو الفضة يكون صرفا فيراعى فيه شرائط الصرف وما كان بمقابلة غيره يكون بيعا مطلقا على ما نذكره في بيان شرائط الصرف وعلى هذا الأصل يخرج بيع تراب معدن الفضة والذهب أما تراب معدن الفضة فلا يخلو إما أن يكون باعه بفضة وإما أن يكون باعه بغيرها فإن باعه بفضة لم يجز لأن البيع يقع على ما في التراب من الفضة لا على التراب لأنه لا قيمة له والمماثلة بين الفضتين ليست بمعلومة فكان هذا البيع بيع الفضة بالفضة مجازفة فلا يجوز وإن باعه بذهب جاز لأن الربا لا يتحقق عند اختلاف الجنس ويراعى فيه شرائط الصرف ثم ينظر إن لم يخلص منه شيء تبين أن البيع كان فاسدا لأنه تبين أنه باع ما ليس بمال فصار كما لو اشترى شخصا على أنه عبد ثم تبين أنه حر أو اشترى شاة مسلوخة على أنها مذبوحة ثم تبين أنها ميتة فإن خلص منه شيء فالأمر ماض والمشتري بالخيار لأنه اشترى شيئا لم يره فأشبه ما لو اشترى ثوبا في سقط أو سمكة في جب ولو باعه بعوض جاز أيضا لما قلنا ثم ينظر أن خلص منه شيء أو لم يخلص على ما ذكرنا ولو باعه بتراب معدن مثله من الفضة لم يجز لأن البيع يقع على ما فيها من الفضة ولا يعلم تساويهما في الوزن فكان بيع الفضة بالفضة مجازفة ولو باعه بتراب معدن الذهب جاز لاختلاف الجنس ويراعى فيه شرائط الصرف ثم إن لم يخلص منه شيء تبين أن البيع كان فاسدا لأنه تبين أنه باع ما ليس بمال وكذا إن خلص من أحدهما ولم يخلص من الآخر لأنه تبين أنه باع المال بما ليس بمال وإن خلص من كل واحد منهما فالأمر ماض ولهما خيار الرؤية لأن كل واحد منهما مشتر ما لم يره وكذلك لو كان تراب معدن الفضة بين رجلين فاقتسماه لم يجز لأن القسمة فيها معنى البيع فلا يحتمل المجازفة كالبيع ولو باع منه قفيزا بغير عينه بذهب أو بعرض لم يجز لأن المبيع ما في التراب من الفضة وأنه مجهول القدر لأنه متفاوت منه قفيز يخلص منه خمسة ومنه قفيز يخلص منه عشرة فكان المبيع مجهولا جهالة مفضية إلى المنازعة بخلاف بيع القفيز من صبرة لأن قفزان الصبرة الواحدة متماثلة فلم يكن المبيع مجهولا جهالة مفضية إلى المنازعة

قسم V05/P195

ولو باع نصف جملة التراب أو ثلثها أو ربعها شائعا بذهب أو عرض جاز لأن الجنس مختلف فلا يتحقق الربا إلا إذا لم يخلص منه شيء فتبين أن البيع كان فاسدا لما قلنا وإن خلص منه شيء فيكون ما خلص مشتركا بينها وله الخيار إذا رآه ولو استقرض تراب المعدن جاز وعلى المستقرض مثل ما خلص منه وقبض لأن القرض وقع على ما يخلص منه والقول قول القابض في قدر ما قبض وخلص ولو استأجره بنصف هذا التراب أو بثلثه أو بربعه يجوز إن خلص منه شيء كما يجوز لو بيع منه شيء فتبين أن البيع كان فاسدا لما قلنا وإن خلص منه شيء فيكون أجره مما ما خلص ولو استأجر أجيرا بتراب المعدن بعينه جازت الإجارة أن خلص منه شيء لأنه استأجره بمال والأجير بالخيار لأنه آجر نفسه بما لم يره فإن شاء رضي به ولا شيء له غيره وإن شاء رده ورجع على المستأجر بأجر مثله بالغا ما بلغ ولو استأجره بقفيز من تراب بغير عينه لا تجوز الإجارة لأن الأجرة ما في التراب من الفضة وأنه مجهول القدر ولهذا لم يجز بيعه ويكون بينهما وله الخيار وإن لم يخلص لا يجوز وله أجر مثله وعلى هذا حكم تراب معدن الذهب في جميع ما ذكرنا والله سبحانه وتعالى أعلم وأما تراب الصاغة فإن كان فيه فضة خالصة فحكمه حكم تراب معدن الفضة وإن كان فيه ذهب خالص فحكمه حكم تراب معدن الذهب وإن كان فيه ذهب وفضة فإن اشتراه بذهب أو فضة لم يجز لاحتمال أن يكون ما فيه من الذهب أو الفضة أكثر أو أقل أو مثله فيتحقق الربا ولو اشتراه بذهب وفضة جاز لأنه اشترى ذهبا وفضة بذهب وفضة فيجوز ويصرف الجنس إلى خلاف الجنس ويراعي فيه شرائط الصرف ولو اشتراه بعرض جاز لانعدام احتمال الربا وهذا كله إذا خلص منه شيء فإن لم يخلص تبين أن البيع كان فاسدا وعلى هذا الأصل يخرج بيع الدراهم المغشوشة التي الغش فيها هو الغالب بفضة خالصة أنه لا يجوز إلا على طريق الاعتبار وجملة الكلام فيه أن الدراهم المضروبة أقسام ثلاثة أما أن تكون الفضة فيها هي الغالبة وأما أن يكون الغش فيها هو الغالب وإما أن يكون الفضة والغش فيها على السواء فإن كانت الفضة فيها هي الغالبة بأن كان ثلثاها فضة وثلثها صفرا أو كانت ثلاثة أرباعها فضة وربعها صفرا ونحو ذلك فحكمها حكم الفضة الخالصة لا يجوز بيعها بالفضة الخالصة إلا سواء سواء وكذا بيع بعضها ببعض لا يجوز إلا مثلا بمثل لأن اعتبار الغالب وإلحاق المغلوب بالعدم هو الأصل في أحكام الشرع ولأن الدراهم الجياد لا تخلو عن قليل غش لأن الفضة لا تنطبع بدونه على ما قيل فكان قليل الغش مما لا يمكن التحرز عنه فكانت العبرة للغلبة وإن كان الغش فيها هو الغالب فإن كانت الفضة لا تخلص بالذوب والسبك بل تحترق ويبقى النحاس فحكمها حكم النحاس الخالص لأن الفضة فيها إذا كانت مستهلكة كانت ملحقة بالعدم فيعتبر كله نحاسا لا يباع بالنحاس إلا سواء بسواء يدا بيد وإن كانت تخلص من النحاس ولا تحترق ويبقى النحاس على حاله أيضا فإنه يعتبر فيه كل واحد منهما على حاله ولا يجعل أحدهما تبعا للآخر كأنهما منفصلان ممتازان أحدهما عن صاحبه لأنه إذا أمكن تخليص أحدهما من صاحبه على وجه يبقى كل واحد منهما بعد الذوب والسبك لم يكن أحدهما مستهلكا فلا يجوز بيعها بفضة خالصة إلا على طريق الاعتبار وهو أن تكون الفضة الخالصة أكثر من الفضة المخلوطة يصرف إلى الفضة المخلوطة مثلها من الفضة الخالصة والزيادة إلى الغش كما لو باع فضة وصفرا ممتازين بفضة خالصة فإن كانت الفضة الخالصة أقل من المخلوطة لم يجز لأن زيادة الفضة المخلوطة مع الصفر يكون فضلا خاليا من العوض في عقد المعاوضة فيكون ربا

قسم V05/P195–V05/P196

وكذا إذا كانت مثلها لأن الصفر يكون فضلا لا يقابله عوض وكذا إذا كان لا يدري قدر الفضتين أيهما أكثر أو هما سواء لا يجوز عندنا وعند زفر يجوز وقد ذكرنا الحجج فيما قبل وذكر في الجامع إذا كانت الدراهم ثلثاها صفرا وثلثها فضة ولا يقدر أن يخلص الفضة من الصفر ولا يدري إذا خلصت أيبقى الصفر أم يحترق أنه يراعي في بيع هذه الدراهم بفضة خالصة طريق الاعتبار ثم إذا كانت الفضة الخالصة أكثر حتى جاز البيع يكون هذا صرفا وبيعا مطلقا فيراعى في الصرف شرائطه وإذا فسد بفوات شرط منه يفسد البيع في الصفر لأنه لا يمكن تمييزه ( ( ( تميزه ) ) ) إلا بضرر وبيع ما لا يمكن تمييزه عن غيره إلا بضرر فاسد على ما ذكرنا ولو بيعت هذه الدراهم بذهب جاز لأن المانع هو الربا واختلاف الجنس يمنع تحقق ( ( ( تحقيق ) ) ) الربا لكن يراعى فيه شرائط الصرف لأنه صرف وإذا فات شرط منه حتى فسد يفسد البيع في الصفر أيضا لما قلنا ولو بيعت بجنسها من الدراهم المغشوشة جاز متساويا ومتفاضلا نص عليه محمد في الجامع ويصرف الجنس إلى خلاف الجنس كما لو باع فضة منفصلة وصفرا منفصلا بفضة وصفر منفصلين وقالوا في الستوقة إذا بيع بعضها ببعض متفاضلا أنه يجوز ويصرف الجنس إلى خلاف الجنس ومشايخنا لم يفتوا في ذلك إلا بالتحريم احترازا عن فتح باب الربا وقالوا في الدراهم القطر يفينه ( ( ( يفنيه ) ) ) يجوز بيع واحد أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة منها بدرهم فضة لأن ما فيها من الفضة يكون بمثل وزنها من الفضة الخالصة وزيادة الفضة تكون بمقابلة الصفر ولا يجوز بيع ستة منها بدرهم فضة لأن الصفر الذي فيها يبقى فضلا خاليا عن العوض في عقد المعاوضة فيكون ربا وكان الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل رحمه الله لا يفتي بجواز هذا وإن كانت الفضة والغش فيها سواء فلم يقطع محمد الجواب فيه في الجامع لكنه بناه على قول الصيارفة وحكي عنهم أنهم قالوا إن الفضة والصفر إذا خلطا لا تتميز الفضة من الصفر حتى يحترق الصفر لأنهما لا يتميزان إلا بذهاب أحدهما والصفر أسرعهما ذهابا فقال في هذه الدراهم إن كانت الفضة هي الغالبة أي على ما يقوله الصيارفة إن الصفر يتسارع إليه الاحتراق عند الإذابة والسبك فلا يجوز بيعها بالفضة الخالصة ولا بيع بعضها ببعض إلا سواء بسواء كبيع الزيوف بالجياد لأن الصفر إذا كان يتسارع إليه الاحتراق كان مغلوبا مستهلكا فكان ملحقا بالعدم وإن لم يغلب أحدهما على الآخر وبقيا على السواء يعتبر كل واحد منهما على حياله كأنهما منفصلان ويراعى في بيعهما بالفضة الخالصة طريق الاعتبار كما في النوع الأول ويجوز بيع بعضها ببعض متساويا ومتفاضلا ويصرف الجنس إلى خلاف الجنس كما في النوع الأول والله أعلم وهل يجوز استقراض الدراهم المغشوشة عددا أما النوع الأول وهو ما كانت فضته غالبة على غشه فلا يجوز استقراضه إلا وزنا لأن الغش إذا كان مغلوبا فيه كان بمنزلة الدراهم الزائفة ولا يجوز بيع الدراهم الزائفة بعضها ببعض عددا لأنها وزنية فلم يعتبر العدد فيها فكان بيع بعضها ببعض مجازفة فلم يجز فلا يجوز استقراضها أيضا لأنها مبادلة حقيقة أو فيها شبه ( ( ( شبهة ) ) ) المبادلة فيجب صيانتها عن الربا وعن شبهة الربا ولهذا لم يجز استقراض الكيلي وزنا لما أن الوزن في الكيلي غير معتبر فكان إقراضه مبادلة الشيء بمثله مجازفة أو شبهة المبادلة فلم يجز كذا هذا

قسم V05/P196–V05/P197

وكذلك النوع الثالث وهو ما إذا كان نصفه فضة ونصفه صفرا لأن الغلبة إذا كانت الفضة على اعتبار بقائها وذهاب الصفر في المآل على ما يقوله أهل الصنعة كان ملحقا بالدراهم الزيوف فلا يجوز استقراضه عددا وإن كان لا يغلب أحدهما على الآخر ويبقيان بعد السبك على حالهما كان كل واحد منهما أصلا بنفسه فيعتبر كل واحد منهما على حياله فكان استقراض الفضة والصفر جملة عددا وهذا لا يجوز لأن اعتبار الصفر إن كان يوجب الجواز لأن الفلس عددي فاعتبار الفضة يمنع الجواز لأن الفضة وزنية فالحكم بالفساد عند تعارض جهتي الجواز والفساد أحوط وأما النوع الثاني ما كان الغش فيه غالبا والفضة مغلوبة فإنه ينظر إن كان الناس يتعاملون به وزنا لا عددا لا يجوز استقراضه عددا لأن العدد في الموزون باطل فكان استقراضه مبادلة الموزون بجنسه مجازفة أو شبهة المبادلة وأنه لا يجوز وإن كانوا يتعاملون به عددا يجوز استقراضه عددا لأنهم إذا تعاملوا به عددا فقد ألحقوه بالفلوس وجعلوا الفضة التي فيه تبعا للصفر وأنه ممكن لأنها قليلة وقد يكون في الفلوس في الجملة قليل فضة فثبتت التبعية بدلالة التعامل ومثل هذه الدلالة لم توجد فيما إذا تعاملوا بها وزنا لا عددا فبقيت وزنيه فلا يجوز استقراضه عددا وإن تعامل الناس بها عددا لأن هناك لا يمكن جعل الفضة تبعا للغش لأنها أكثر منه أو مثله والكثير لا يكون تبعا للقليل ومثل هذا الشيء لا يكون تبعا أيضا فبقيت على الصفة الأصلية الثابتة لها شرعا وهي كونها وزنية فلا يجوز استقراضها مجازفة كما لا يجوز بيع بعضها ببعض مجازفة وكذا الشراء بالدراهم المغشوشة من الأنواع الثلاثة عددا حكمه حكم الاستقراض سواء فلا يجوز الشراء بالنوع الأول إلا وزنا لأنها في حكم الجياد وإنها وزنية فلم يجز الشراء بها إلا وزنا إذا لم يكن مشارا إليها وكذلك بالنوع الثالث لما ذكرنا في الاستقراض وأما النوع الثالث فالأمر فيه على التفصيل الذي ذكرناه في الاستقراض أن الناس إن كانوا يتبايعون بها وزنا لا عددا لا يجوز لأحد أن يبتاع بها عددا لأن الوزن صفة أصلية للدراهم وإنما تصير عددية بتعامل الناس فإن جرى التعامل بها وزنا لا عددا فقد تقررت الصفة الأصلية وبقيت وزنية فإذا اشترى بها عددا على غير وزن والعدد هدر ولم توجد الإشارة فقد بقي الثمن مجهولا جهالة مفضية إلى المنازعة لأنه لا يدري ما وزن هذا القدر من العدد المسمى فيوجب فساد العقد بخلاف ما إذا اشترى بها عددا على غير وزن ولكن أشار إليها فيما يكتفي فيه بالإشارة حيث يجوز لأن مقدار وزنها وإن كان مجهولا بعد الإشارة إليها لكن هذه جهالة لا تقضي ( ( ( تفضي ) ) ) إلى المنازعة لأنه يمكن معرفة مقدار المشار إليه بالوزن إذا كان قائما فلا يمنع جواز العقد وإن كانوا يتبايعون بها عددا جاز لأنها صارت عددية بتعامل الناس وصارت كالفلوس الرائجة هذا إذا اشترى بالأنواع الثلاثة عددا على وزن ولم يعينها فأما إذا عينها واشترى بها عرضا بأن قال اشتريت هذا العرض بهذه الدراهم وأشار إليها فلا شك في جواز الشراء بها ولا تتعين بالإشارة إليها ولا يتعلق العقد بعينها حتى لو هلكت قبل أن ينقدها المشتري لا يبطل البيع ويعطي مكانها مثلها من جنسها ونوعها وقدرها وصفتها أما النوع الأول فلأنها بمنزلة الدراهم الجياد وإنها لا تتعين بالإشارة إليها ولا يبطل البيع بهلاكها فكذا هذه وأما النوع الثاني فلأن الصفة فيها إن كانت هي الغالبة على ما يقوله السباكون فهي في حكم النوع الأول وإن لم يغلب أحدهما على الآخر يعتبر كل واحد منهما بحياله فلا يبطل البيع أيضا لأن اعتبار الفضة لا يوجب البطلان لأنها لا تتعين واعتبار الصفر يوجب لأنه يتعين فلا يبطل بالشك

قسم V05/P197–V05/P198

وأما النوع الثالث فلأن الناس إن كانوا يتعاملون بها وزنا فهي وسائر الدراهم سواء فلا تتعين بالإشارة ويتعلق العقد بمثلها في الذمة لا بعينها فلا يبطل البيع بهلاكها وإن كانوا يتعاملون بها عددا فهي بمنزلة الفلوس الرائجة وأنها إذا قوبلت بخلاف في جنسها في المعاوضات لا تتعين ولا يتعلق العقد بعينها بل بمثلها عددا ولا يبطل بهلاكها كذا هذا ولو كسد هذا النوع من الدراهم وصارت لا تروج بين الناس فهي بمنزلة الفلوس الكاسدة والستوق والرصاص حتى تتعين بالإشارة إليها ويتعلق العقد بعينها حتى يبطل العقد بهلاكها قبل القبض لأنها صارت سلعة لكن قالوا هذا إذا كان العاقدان عالمين بحال هذه ويعلم كل واحد منهما أن الآخر يعلم بذلك فأما إذا كانا لا يعلمان أو يعلم أحدهما ولم يعلم الآخر أو يعلمان لكن لا يعلم كل واحد منهما أن صاحبه يعلم فإن العقد لا يتعلق بالمشار إليه ولا بجنسها وإنما يتعلق بالدراهم الرائجة التي عليها تعامل الناس في تلك البلد هذا إذا صارت بحيث لا تروج أصلا فأما إذا كانت يقبلها البعض دون البعض فحكمها حكم الدراهم الزائفة فيجوز الشراء بها ولا يتعلق العقد بعينها بل يتعلق بجنس تلك الدراهم الزيوف إن كان البائع يعلم بحالها خاصة لأنه رضي بجنس الزيوف وإن كان البائع لا يعلم لا يتعلق العقد بجنس المشار إليه وإنما يتعلق بالجيد من نقد تلك البلد لأنه لم يرض إلا به إذا كان لا يعلم بحالها والله سبحانه وتعالى أعلم ثم إنما لا يبطل البيع بهلاك الدراهم في الأنواع الثلاثة بعد الإشارة إليها إذا كان علم عددها أو وزنها قبل الهلاك لأنه إذا كان علم ذلك يمكن إعطاء مثلها بعد هلاكها فأما إذا كان لم يعلم لا عددها ولا وزنها حتى هلكت يبطل البيع لأن الثمن صار مجهولا إذ المشتري لا يمكنه إعطاء مثل الدراهم المشار إليها ومنها الخلو من شبهة الربا لأن الشبهة ملحقة بالحقيقة في باب الحرمات احتياطا وأصله ما روي عن رسول الله أنه قال لوابصة بن معبد رضي الله عنه الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك وعلى هذا يخرج ما إذا باع رجل شيئا نقدا أو نسيئة وقبضه المشتري ولم ينقد ثمنه أنه لا يجوز لبائعه أن يشتريه من مشتريه بأقل من ثمنه الذي باعه منه عندنا وعند الشافعي رحمه الله يجوز وجه قوله أن هذا بيع استجمع شرائط جوازه وخلا عن الشروط المفسدة إياه فلا معنى للحكم بفساده كما إذا اشتراه بعد نقد الثمن ولنا ما روي أن امرأة جاءت إلى سيدتنا عائشة رضي الله عنها وقالت إني ابتعت خادما من زيد بن أرقم بثمانمائة ثم بعتها منه بستمائة فقالت سيدتنا عائشة رضي الله عنها بئس ما شريت وبئس ما اشتريت أبلغني ( ( ( أبلغي ) ) ) زيدا أن الله تعالى قد أبطل جهاده مع رسول الله إن لم يتب ووجه الاستدلال به من وجهين أحدهما أنها ألحقت بزيد وعيدا لا يوقف عليه بالرأي وهو بطلان الطاعة بما سوى الردة فالظاهر أنها قالته سماعا من رسول الله ولا يلتحق الوعيد إلا بمباشرة المعصية فدل على فساد البيع لأن البيع الفاسد معصية والثاني أنها رضي الله عنها سمت ذلك بيع سوء وشراء سوء والفاسد هو الذي يوصف بذلك لا الصحيح ولأن في هذا البيع شبهة الربا لأن الثمن الثاني يصير قصاصا بالثمن الأول فبقي من الثمن الأول زيادة لا يقابلها عوض في عقد المعاوضة وهو تفسير الربا إلا أن الزيادة ثبتت بمجموع العقدين فكان الثابت بأحدهما شبهة الربا والشبهة في هذا الباب ملحقة بالحقيقة بخلاف ما إذا نقد الثمن لأن المقاصة لا تتحقق بعد الثمن فلا تتمكن الشبهة بالعقد ولو نقد ( ( ( نقدا ) ) ) الثمن كله إلا شيئا قليلا فهو على الخلاف

قسم V05/P198–V05/P199

ولو اشترى ما باع بمثل ما باع قبل نقد الثمن جاز بالإجاع ( ( ( بالإجماع ) ) ) لانعدام الشبهة وكذا لو اشتراه بأكثر مما باع قبل نقد الثمن ولأن فساد العقد معدول به عن القياس وإنما عرفناه بالأثر والأثر جاء في الشراء بأقل من الثمن الأول فبقي ما وراءه على أصل القياس هذا إذا اشتراه بجنس الثمن الأول فإن اشتراه بخلاف الجنس جاز لأن الربا لا يتحقق عند اختلاف الجنس إلا في الدراهم والدنانير خاصة استحسانا والقياس أن لا يجوز لأنهما جنسان مختلفان حقيقة فالتحقا بسائر الأجناس المختلفة وجه الاستحسان أنهما في الثمنية كجنس واحد فيتحقق الربا بمجموع العقدين فكان في العقد الثاني شبهة الربا وهي الربا من وجه ولو تعيب المبيع في يد المشتري فباعه من بائعه بأقل مما باعه جاز لأن نقصان الثمن يكون بمقابلة نقصان العيب فيلتحق النقصان بالعدم كأنه باعه بمثل ما اشتراه فلا تتحقق شبهة الربا ولو خرج المبيع من ملك المشتري فاشتراه البائع من المالك الثاني بأقل مما باعه قبل نقد الثمن جاز لأن اختلاف الملك بمنزلة اختلاف العين فيمنع تحقق الربا ولو مات المشتري فاشتراه البائع من وارثه بأقل مما باع قبل نقد الثمن لم يجز لأن الملك هناك لم يختلف وإنما قام الوارث مقام الشتري ( ( ( المشتري ) ) ) بدليل أنه يرد بالعيب ويرد عليه وكذا لو كان المبيع جارية فاستولدها الوارث أو كان دارا فبنى عليها ثم ورد الاستحقاق فأخذ منه قيمة الولد ونقض عليه البناء كان للوارث أن يرجع على بائع المورث بقيمة الولد وقيمة البناء كما كان يرجع المشتري لو كان حيا لأن الوارث قائم مقام المشتري فكان الشراء منه بمنزلة الشراء من المشتري فرق بين هذا وبين ما إذا مات البائع فاشترى وارثه من المشتري بأقل مما باع قبل نقد الثمن أنه يجوز إذا كان الوارث ممن تجوز شهادته للبائع في حال حياته ووجه الفرق أن الوارث يقوم مقام المورث فيما ورثه ووارث المشتري ورث عين المبيع فقام مقامه في عينه فكان الشراء منه كالشراء من المشتري فلم يجز ووارث البائع ورث الثمن والثمن في ذمة المشتري وما عين في ذمة المشتري لا يحتمل الإرث فلم يكن ذلك عين ما ورثه عن البائع فلم يكن وارث البائع مقامه فيما ورثه وروي عن أبي يوسف رحمه الله أنه لا يجوز الشراء من وارث البائع كما لا يجوز الشراء من وارث المشتري لأن الوارث خلف المورث فالمشتري قائم مقامه كأنه هو ولو باعه المشتري ممن غيره فعاد المبيع إلى ملكه فشتراه ( ( ( فاشتراه ) ) ) بأقل مما باع فهذا لا يخلو إما إن عاد إليه بملك جديد وإما إن عاد إليه على حكم الملك الأول فإن عاد إليه بملك جديد كالشراء والهبة والميراث والإقالة قبل القبض وبعده والرد بالعيب بعد القبض بغير قضاء القاضي ونحو ذلك من أسباب تجديد الملك جاز الشراء منه بأقل مما باع لأن اختلاف الملك بمنزلة اختلاف العين وإن عاد إليه على حكم الملك الأول كالرد بخيار الرؤية والرد بخيار الشرط قبل القبض وبعده بقضاء القاضي وبغير قضاء القاضي والرد بخيار العيب قبل القبض بقضاء القاضي وبغير قضاء القاضي وبعد القبض بقضاء القاضي لا يجوز الشراء منه بأقل مما باع لأن الرد في هذه المواضع يكون فسخا والفسخ يكون رفعا من الأصل وإعادة إلى قديم الملك كأنه لم يخرج عن ملكه أصلا ولو كان كذلك لكان لا يجوز له الشراء فكذا هذا ولو لم يشتره البائع لكن اشتراه بعض من لا تجوز شهادته له كالوالدين والمولودين والزوج والزوجة لا يجوز عند أبي حنيفة رحمه الله كما لا يجوز من البائع وعند أبي يوسف ومحمد يجوز كما يجوز من الأجنبي

قسم V05/P199

وجه قولهما أن كل واحد منها ( ( ( منهما ) ) ) أجنبي عن ملك صاحبه لانفصال ملكه عن ملك صاحبه فيقع عقد كل واحد منهما له لا لصاحبه كسائر الأجانب ثم شراء الأجنبي لنفسه جائز فكذا شراؤه لصاحبه ولأبي حنيفة رحمه الله أن كل واحد منهما يبيع بمال صاحبه عادة حتى لا تقبل شهادة أحدهما لصاحبه فكان معنى ملك كل واحد منهما ثابتا لصاحبه فكان عقده واقعا لصاحبه من وجه فيؤثر في فساد العقد احتياطا في باب الربا ولو باع المولى ثم اشتراه مدبره أو مكاتبه أو بعض مماليكه ولا دين عليه أو عليه دين بأقل مما باع المولى لا يجوز كما لا يجوز عن المولى وكذا لو باع المدبر أو المكاتب أو بعض مماليكه ثم اشتراه المولى لا يجوز لأن عقد هؤلاء يقع للمولى من وجه ولو كان وكيلا فباع واشترى بأقل مما باع قبل نقد الثمن لا يجوز كما لو باع واشترى الموكل لنفسه لأن المانع تمكن شبهة الربا وأن لا يفصل بين الوكيل والموكل ولذا سيدتنا عائشة رضي الله عنها لم تستفسر السائلة أنها مالكة أو وكيلة ولو كان الحكم يختلف لاستفسرت وكذا لو باع الوكيل ثم اشتراه الموكل لم يجز لأنه لو اشتراه وكيله لم يجز فإذا اشتراه بنفسه أولى أن لا يجوز وكذا لو باعه الوكيل ثم اشتراه بعض من لا تجوز شهادة الوكيل له أو بعض من لا تجوز شهادة الموكل له لم يجز عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما يجوز على ما مر ولو باع ثم وكل بنفسه إنسانا بأن يشتري له ذلك الشيء بأقل مما باع قبل نقد الثمن فاشتراه الوكيل فهو جائز للوكيل والثمنان يلتقيان قصاصا والزيادة من الثمن الأول لا تطيب للبائع ويكون ملكا له وهذا قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف التوكيل فاسد ويكون الوكيل مشتريا لنفسه وقال محمد التوكيل صحيح إلا أنه إذا اشتراه الوكيل يكون مشتريا للبائع شراء فاسدا ويملكه البائع ملكا فاسدا وهذا بناء على أصل لهم فأصل أبي حنيفة أنه ينظر إلى العاقد ويعتبر أهليته ولا يعتبر أهلية من يقع له حكم العقد ولهذا قال إن المسلم إذا كان وكل ذميا بشراء الخمر أو بيعها أنه يجوز وكذا المحرم إذا وكل حلالا ببيع صيد له أو بشراء صيد جاز التوكيل عنده وتعتبر أهلية الوكيل وأصل أبي يوسف ومحمد أنهما يعتبران أهلية العقد للعقد والمعقود له جميعا حتى لم يجز التوكيل عندهما في المسألتين إلا أن محمدا خالف أبا يوسف في هذه المسألة وترك أصله حيث قال بصحة التوكيل ولم ينظر إلى الموكل وعلى هذا الخلاف إذا وكل المسلم ذميا بأن يشتري له من ذمي عبده بخمر وغير ذلك العبد ففعل الوكيل صح الشراء عند أبي حنيفة ويكون العبد للموكل وعلى الوكيل للبائع الخمر وهو يرجع بقيمة الخمر على موكله وعند أبي يوسف التوكيل فاسد ويكون الوكيل مشتريا لنفسه وعند محمد التوكيل صحيح ويكون مشتريا للموكل شراء فاسدا ولو باع بألف درهم حالة ثم اشتراه بألف درهم مؤجلة فالشراء فاسد لأنه اشترى ما باع بأقل مما باع من حيث المعنى لأن الحالة خير من المؤجلة وكذا لو باع بألف مؤجلة ثم اشتراه بألف مؤجلة إلى أبعد من ذلك الأجل فهو فاسد لما قلنا ولو باع عبدا بألف وقبضه المشتري ثم اشتراه البائع وعبدا آخر قبل نقد الثمن فإن الثمن يقسم عليهما على قدر قيمتهما ( ( ( قيمتيهما ) ) ) ثم ينظر فإن كانت حصة العبد الذي باعه مثل ثمنه أو أكثر جاز الشراء فيهما جميعا أما في الذي لم يبعه فظاهر وكذا في الذي باعه لأنه اشترى ما باع بمثل ما باع أو بأكثر مما باع قبل نقد الثمن وأنه جائز

قسم V05/P199–V05/P200

وإن كان أقل من ثمنه يفسد البيع فيه ولا يفسد في الآخر لأن الفساد لكونه شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن وذلك وجد في أحدهما دون الآخر وهذا على أصلهما ظاهر وكذا على أصل أبي حنيفة فكان ينبغي أن يفسد فيهما لأن من أصله أن الصفقة متى اشتملت على أبدال وفسدت في بعضها أن يتعدى الفساد إلى الكل كما إذا جمع بين حر وعبد وباعهما جميعا صفقة واحدة وإنما لم يفسد فيهما لأن الفساد هناك باعتبار أنه لما جمع بين الحر والعبد وباعهما صفقة واحدة فقد جعل قبول العقد في أحدهما شرطا لقبول العقد في الآخر والحر ليس بمحل لقبول العقد فيه بيقين فلا يصح القبول فيه فلا يصح في الآخر فلم ينعقد العقد أصلا والفساد ههنا باعتبار شراء ما باع بأقل مما باع وذلك وجد في أحدهما دون الآخر فيفسد في أحدهما دون الآخر لأن الأصل اقتصار الفساد على قدر المفسد ولهذا لو جمع بين عبدين وباع أحدهما إلى الحصاد أو الدياس أن البيع يفسد فيما في بيعه أجل ولا يفسد في الآخر وكذا لو جمع بين قن ومدبر وباعهما صفقة واحدة يصح البيع في القن ويفسد في المدبر لوجود المفسد في أحدهما دون الآخر كذا هذا ومنها قبض رأس المال في بيع الدين بالعين وهو السلم والكلام في السلم في الأصل في ثلاثة مواضع أحدها في بيان ركنه والثاني في بيان شرائط الركن والثالث في بيان ما يجوز من التصرف في المسلم فيه وما لا يجوز أما ركن السلم فهو لفظ السلم والسلف والبيع بأن يقول رب السلم أسلمت إليك في كذا أو أسلفت لأن السلم والسلف مستعملان بمعنى واحد يقال سلفت وأسلفت وأسلمت بمعنى واحد فإذا قال المسلم إليه قبلت فقد تم الركن وكذا إذا قال المسلم إليه بعت منك كذا وذكر شرائط السلم فقال رب السلم قبلت وهذا قول علمائنا الثلاثة وقال زفر لا ينعقد إلا بلفظ السلم لأن القياس أن لا ينعقد أصلا لأنه بيع ما ليس عند الإنسان وأنه منهي عنه إلا أن الشرع ورد بجوازه بلفظ السلم بقوله ورخص في السلم ولنا أن السلم بيع فينعقد بلفظ البيع والدليل على أنه بيع ما روي أن رسول الله نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في السلم نهى عليه الصلاة والسلام عن بيع ما ليس عند الإنسان عاما ورخص السلم بالرخصة فيه فدل أن السلم بيع ما ليس عند الإنسان ليستقيم تخصيصه عن عموم النهي بالترخص فيه فصل وأما شرائط الركن فهي في الأصل نوعان نوع يرجع إلى نفس العقد ونوع يرجع إلى البدل أما الذي يرجع إلى نفس العقد فواحد وهو أن يكون العقد باتا عاريا عن شرط الخيار للعاقدين أو لأحدهما لأن جواز البيع مع شرط الخيار في الأصل ثبت معدولا به عن القياس لأنه شرط يخالف مقتضى العقد بثبوت الحكم للحال وشرط الخيار يمنع انعقاد العقد في حق الحكم ومثل هذا الشرط مفسد للعقد في الأصل إلا أنا عرفنا جوازه بالنص والنص ورد في بيع العين فبقي ما وراءه على أصل القياس خصوصا إذا لم يكن في معناه والسلم ليس في معنى بيع العين فيما شرع له الخيار لأنه شرع لدفع الغبن والسلم مبناه على الغبن ووكس الثمن لأنه بيع المفاليس فلم يكن في معنى مورد النص فورد ( ( ( فورود ) ) ) النص هناك لا يكون ورودا ههنا دلالة فبقي الحكم فيه للقياس ولأن قبض رأس المال من شرائط الصحة على ما نذكره ولا صحة للقبض إلا في الملك وخيار الشرط يمنع ثبوت الملك فيمنع المستحق صحة القبض بخلاف المستحق إنه لا يبطل السلم حتى لو استحق رأس المال وقد افترقا عن القبض وأجاز المستحق فالسلم صحيح لأنه لما أجاز تبين أن العقد وقع صحيحا من حين وجوده وكذا القبض إذا الإجازة اللاحقة بمنزلة الوكالة السابقة وبخلاف خيار الرؤية والعيب لأنه لا يمنع ثبوت الملك فلا يمنع صحة القبض

قسم V05/P200–V05/P201

ولو أبطل صاحب الخيار خياره قبل الافتراق بأبدانهما ورأس المال قائم في يد المسلم إليه ينقلب العقد جائزا عندنا خلافا لزفر وقد مرت المسألة وإن كان هالكا أو مستهلكا لا ينقلب إلى الجواز بالإجماع لأن رأس المال يصير دينا على المسلم إليه والسلم لا ينعقد برأس مال دين فلا ينعقد عليه أيضا وأما الذي يرجع إلى البدل فأنواع ثلاثة نوع يرجع إلى رأس المال خاصة ونوع يرجع إلى المسلم فيه خاصة ونوع يرجع إليهما جميعا أما الذي يرجع إلى رأس المال فأنواع منها بيان جنسه كقولنا دراهم أو دنانير أو حنطة أو تمر ومنها بيان نوعه إذا كان في البلد نقود مختلفة كقولنا دراهم فتحية أو دنانير نيسابورية أو حنطة سقية أو تمر برني ومنها بيان صفته كقولنا جيد أو وسط أو رديء لأن جهالة الجنس والنوع والصفة مفضية إلى المنازعة وأنها مانعة صحة البيع لما ذكرنا من الوجوه فيما تقدم ومنها بيان قدره إذا كان مما يتعلق العقد بقدره من الميكلات ( ( ( المكيلات ) ) ) والموزونات والمعدودات المتقاربة ولا يكتفي بالإشارة إليه وهذا قول أبي حنيفة وسفيان الثوري وأحد قولي الشافعي وقال أبو يوسف ومحمد ليس بشرط والتعيين بالإشارة كاف وهو أحد قولي الشافعي رحمه الله ولو كان رأس المال مما لا يتعلق العقد بقدره من الذرعيات والعدديات المتفاوتة لا يشترط إعلام قدره ويكتفي بالإشارة بالإجماع وكذا إعلام قدر الثمن في بيع العين ليس بشرط والإشارة كافية بالإجماع وصورة المسألة إذا قال أسلمت إليك هذه الدراهم أو هذه الدنانير ولا يعرف وزنها أو هذه الصبرة ولم يعرف كيلها لا يجوز عند أبي حنيفة وعندهما يجوز ولو قال أسلمت إليك هذا الثوب ولم يعرف ذرعه أو هذا القطيع من الغنم ولم يعرف عدده جاز بالإجماع وجه قولهما أن الحاجة إلى تعيين رأس المال وأنه حصل بالإشارة إليه فلا حاجة إلى إعلام قدره ولهذا لم يشترط إعلام قدر الثمن في بيع العين ولا في السلم إذا كان رأس المال مما يتعلق العقد بقدره ولأبي حنيفة رحمه الله أن جهالة قدر رأس المال تؤدي إلى جهالة قدر المسلم فيه وأنها مفسدة للعقد فيلزم إعلام قدره صيانة للعقد عن الفساد ما أمكن كما إذا أسلم في المكيل بمكيال نفسه بعينه ودلالة أنها تؤدي إلى ما قلنا أن الدراهم على ما عليه العادة لا تخلو عن قليل زيف وقد ورد ( ( ( يرد ) ) ) الاستحقاق على بعضها فإذا رد الزائف ولم يستبدل في مجلس الرد ولم يتجرز ( ( ( يتجوز ) ) ) المستحق ينفسخ السلم في المسلم فيه بقدر المردود والمستحق ويبقى في الباقي وذلك غير معلوم فيصير المسلم فيه مجهول القدر ولهذا لم يصح السلم في المكيلات بقفيز بعينه لأنه يحتمل هلاك القفيز فيصير المسلم فيه مجهول القدر فلم يصح كذا هذا بخلاف بيع العين فإن الزيف والاستحقاق هناك لا يؤثر في العقد لأن قبض الثمن غير مستحق وبخلاف الثياب والعدديات المتفاوتة لأن القدر فيها ملحق بالصفة ألا ترى أنه لو قال أسلمت إليك هذا الثوب على أنه عشرة أذرع فوجده المسلم إليه أحد عشر سلمت الزيادة له فثبت أن الزيادة فيها تجري مجرى الصفة وإعلام صفة رأس المال ليس بشرط لصحة السلم إذا كان معينا مشارا إليه وعلى هذا الخلاف إذا كان رأس المال جنسا واحدا مما يتعلق العقد على قدره فأسلمه في جنسين مختلفين كالحنطة والشعير أو نوعين مختلفين من جنس واحد كالهروي والمروي ولم يبين حصة كل واحد منهما فالسلم فاسد عند أبي حنيفة وعندهما جائز ولو كان جنسا واحدا مما لا يتعلق العقد على قدره كالثوب والعددي المتفاوت فأسلمه في شيئين مختلفين ولم يبين حصة كل واحد منهما من ثمن رأس المال فالثمن جائز بالإجماع ولو كان رأس المال من جنسين مختلفين أو نوعين مختلفين فأسلمهما في جنس واحد فهو على الاختلاف

قسم V05/P201–V05/P202

والكلام في هذه المسألة بناء على الأصل الذي ذكرنا أن كون رأس المال معلوم القدر شرط لصحة السلم عند أبي حنيفة وعندهما ليس بشرط ووجه البناء على هذا الأصل أن إعلام القدر لما كان شرطا عنده فإذا كان رأس المال واحدا وقوبل بشيئين مختلفين كان انقسامه عليهما من حيث القيمة لا من حيث الأجزاء وحصة كل واحد منهما من رأس المال لا تعرف إلا بالحزر والظن فيبقى قدر حصة كل واحد منهما من رأس المال مجهولا وجهالة قدر رأس المال مفسدة للسلم عنده وعندهما إعلام قدره ليس بشرط فجهالته لا تكون ضارة ولو أسلم عشرة دراهم في ثوبين جنسهما واحد ونوعهما واحد وصفتهما واحدة وطولهما واحد ولم يبين حصة كل واحد منهما من العشرة فالسلم جائز بالإجماع أما عندهما فظاهر لأن إعلام قدر رأس المال ليس بشرط وأما عنده فلأن حصة كل واحد منهما من رأس المال تعرف من غير حزر وظن فكان قدر رأس المال معلوما وصار كما إذا أسلم عشرة دراهم في قفيزي حنطة ولم يبين حصة كل قفيز من رأس المال أنه يجوز لما قلنا كذا هذا ولو قبض الثوبين بعد محل الأجل ليس له أن يبيع أحدهما مرابحة على خمسة دراهم عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد له ذلك وله أن يبيعهما جميعا مرابحة على عشرة بالإجماع وكذا لو كان بين حصة كل ثوب خمسة دراهم له أن يبيع أحدهما على خمسة مرابحة بلا خلاف ونذكر دلائل هذه الجملة في مسائل المرابحة إن شاء الله تعالى ومنها أن يكون مقبوضا في مجلس السلم لأن المسلم فيه دين والافتراق لا عن قبض رأس المال يكون افتراقا عن دين بدين وأنه منهي عنه لما روي أن رسول الله نهى عن بيع الكالىء ( ( ( الكالئ ) ) ) بالكالىء ( ( ( بالكالئ ) ) ) أي النسيئة بالنسيئة ولأن مأخذ هذا العقد دليل على هذا الشرط فإنه يسمى سلما وسلفا لغة وشرعا تقول العرب أسلمت وأسلفت بمعنى واحد وفي الحديث من أسلم فليسلم في كيل معلوم وروى من أسلف ( ( ( سلف ) ) ) فليسلف في كيل معلوم والسلم ينبىء عن التسليم والسلف ينبىء عن التقدم فيقتضي لزوم تسليم رأس المال ويقدم قبضه على قبض المسلم فيه فإن قيل شرط الشيء يسبقه أو يقارنه والقبض يعقب العقد فكيف يكون شرطا فالجواب أن القبض شرط بقاء العقد على الصحة لا شرط الصحة فإن العقد ينعقد صحيحا بدون قبض ثم يفسد بالافتراق لا عن قبض وبقاء العقد صحيحا يعقب العقد ولا يتقدمه فيصلح القبض شرطا له وسواء كان رأس المال دينا أو عينا عند عامة العلماء استحسانا والقياس أن لا يشترط قبضه في المجلس إذا كان عينا وهو قول مالك رحمه الله وجه القياس أن اشتراط القبض للاحتراز عن الافتراق عن دين بدين وهذا افتراق عن عين بدين وأنه جائز وجه الاستحسان أن رأس مال السلم يكون دينا عادة ولا تجعل العين رأس مال السلم إلا نادرا والنادر حكمه حكم الغالب ( ( ( الغائب ) ) ) فيلحق بالدين على ما هو الأصل في الشرع في إلحاق المفرد بالجملة ولأن مأخذ العقد في الدلالة على اعتبار هذا الشرط لا يوجب الفصل بين الدين والعين على ما ذكرنا وسواء قبض في أول المجلس أو في آخره فهو جائز لأن ساعات المجلس لها حكم ساعة واحدة وكذا لو لم يقبض حتى قاما يمشيان فقبض قبل أن يفترقا بأبدانهما جاز لأن ما قبل الافتراق بأبدانهما له حكم المجلس وعلى هذا يخرج الإبراء عن رأس مال السلم أنه لا يجوز بدون قبول رب السلم لأن قبض رأس المال شرط صحة السلم فلو جاز الإبراء من غير قبوله وفيه إسقاط هذا الشرط أصلا لكان الإبراء فسخا معنى وأحد العاقدين لا ينفرد بفسخ العقد فلا يصح الإبراء وبقي عقد السلم على حاله

قسم V05/P202–V05/P203

وإذا قبل جاز الإبراء لأن الفسخ حينئذ يكون بتراضيهما وأنه جائز وإذا جاز الإبراء وأنه في معنى الفسخ انفسخ العقد ضرورة بخلاف الإبراء عن المسلم فيه أنه جائز من غير قبول المسلم إليه لأنه ليس في الإبراء عنه إسقاط شرط لأن قبض المسلم فيه ليس بشرط فيصح من غير قبول وبخلاف الإبراء عن ثمن المبيع أنه يصح من غير قبول المشتري إلا أنه يرتد بالرد لأن قبض الثمن ليس بشرط لصحة البيع إلا أنه يرتد بالرد لأن في الإبراء معنى التمليك على سبيل التبرع فلا يلزم دفعا لضرر المنة ولا يجوز الإبراء عن المبيع لأنه عين والإبراء إسقاط وإسقاط الأعيان لا يعقل وعلى هذا يخرج الاستبدال برأس مال السلم في مجلس العقد أنه لا يجوز وهو أن يأخذ برأس مال السلم شيئا من غير جنسه لأن قبض رأس المال لما كان شرطا فبالاستبدال يفوت قبضه حقيقة وإنما يقبض بدله وبدل الشيء غيره وكذلك الاستبدال ببدل الصرف لما قلنا فإن أعطى رب السلم من جنس رأس المال أجود أو أردأ ورضي المسلم إليه بالأردأ جاز لأنه قبض جنس حقه وإنما اختلف الوصف فإن كان أجود فقد قضى حقه وأحسن في القضاء وإن كان أردأ فقد قضى حقه أيضا لكن على وجه النقصان فلا يكون أخذ الأجود والأردأ استبدالا إلا أنه لا يجبر على أخذ إلا ردأ لأن فيه فوات حقه عن صفة الجودة فلا بد من رضاه وهل يجبر على الأخذ إذا أعطاه أجود من حقه قال علماؤنا الثلاثة رحمهم الله يجبر عليه وقال زفر لا يجبر وجه قوله أن رب السلم في إعطاء الزيادة على حقه متبرع والمتبرع عليه لا يجبر على قبول التبرع لما فيه من إلزام المنة فلا يلزمه من غير التزامه ولنا أن إعطاء الأجود مكان الجيد في قضاء الديون لا يعد فضلا وزيادة في العادات بل يعد من باب الإحسان في القضاء ولو أحق الإيفاء فإذا أعطاه الأجود فقد قضى حق صاحب الحق وأجمل في القضاء فيجبر على الأخذ وأما الاستبدال بالمسلم فيه بجنس آخر فلا يجوز أيضا لكن بناء على أصل آخر ذكرناه فيما تقدم وهو أن السلم ( ( ( المسلم ) ) ) فيه مبيع منقول وبيع المبيع المنقول قبل القبض لا يجوز وإن أعطى أجود أو أردأ فحكمه حكم رأس المال وقد ذكرنا ( ( ( ذكرناه ) ) ) وأما استبدال رأس مال السلم بجنس آخر بعد الإقالة أو بعد انفساخ السلم العارض فلا يجوز عندنا خلافا لزفر ويجوز استبدال بدل الصرف بعد الإقالة بالإجماع وقد مر الكلام فيه والفرق فيما تقدم وتجوز الحوالة برأس مال السلم على رجل حاضر والكفالة به لوجود ركن هذه العقود مع شرائطه فيجوز كما في سائر العقود فلو امتنع الجواز فإنما يمتنع لمكان الخلل في شرط عقد السلم وهو القبض وهذه العقود لا تخل بهذا الشرط بل تحققه لكونها وسائل إلى استيفاء الحق فكانت مؤكدة له هذا مذهب أصحابنا الثلاثة رحمهم الله وقال زفر لا يجوز لأن هذه العقود شرعت لتوثيق حق يحتمل التأخر عن المجلس فلا يحصل ما شرع له العقد فلا يصح وهذا غير سديد لأن معنى التوثيق يحصل في الحقين جميعا فجاز العقد فيهما جميعا ثم إذا جازت الحوالة والكفالة فإن قبض المسلم إليه رأس مال السلم من المحال عليه أو الكفيل أو من رب السلم فقد تم العقد بينهما إذا كان ( ( ( كانا ) ) ) في المجلس سواء بقي الحويل والكفيل أو افترقا بعد أن كان العاقدان في المجلس وإن افترقا العاقدان بأنفسهما قبل القبض بطل السلم وبطلت الحوالة والكفالة وإن بقي المحال عليه والكفيل في المجلس فالعبرة لبقاء العاقدين وافتراقهما لا لبقاء الحويل والكفيل وافتراقهما لأن القبض من حقوق العقد وقيام العقد بالعاقدين فكان المعتبر مجلسهما

قسم V05/P203

وعلى هذا الحوالة والكفالة ببدل الصرف أنهما جائزان لما قلنا لكن التقابض من الجانبين قبل تفرق العاقدين بأبدانهما شرط وافتراق المحال عليه والكفيل لا يضر لما ذكرنا فإن افترق العاقدان بأبدانهما قبل التقابض من الجانبين بطل الصرف وبطلت الحوالة والكفالة كما في السلم وأما الرهن برأس مال السلم فإن هلك الرهن وقيمته مثل رأس المال أو أكثر فقد تم العقد بينهما لأنه حصل مستوفيا لرأس المال لأن قبض الرهن قبض استيفاء لأنه قبض مضمون وقد تقرر الضمان بالهلاك وعلى الراهن مثله من جنسه في المالية فيتقاصان فحصل الافتراق عن قبض رأس المال فتم عقد السلم وإن كانت قيمته أقل من رأس المال تم العقد بقدره ويبطل في الباقي لأنه استوفي من رأس المال بقدره وإن لم يهلك الرهن حتى افترقا بطل السلم لحصول الافتراق لا عن قبض رأس المال وعليه رد الرهن على صاحبه وكذا هذا الحكم في بدل الصرف إذا أخذ به رهنا أنه إن هلك الرهن قبل افتراق العاقدين بأبدانهما تم عقد الصرف لأنه بالهلاك صار مستوفيا وإن لم يهلك حتى افترقا بطل الصرف لفوات شرط الصحة وهو القبض كما في السلم والله سبحانه وتعالى أعلم وعلى هذا يخرج ما إذا كان رأس المال دينا على المسلم إليه أو على غيره فأسلمه أنه لا يجوز لأن القبض شرط ولم يوجد حقيقة فيكون افتراقا عن دين بدين وأنه منهي فإن نقده في المجلس جاز إن كان الدين على المسلم إليه ولأن المانع ههنا ليس إلا انعدام القبض حقيقة وقد زال وإن كان على غيره لا يجوز وإن نقده في المجلس لكن هناك مانع آخر وهو العجز عن التسليم لأن ما في ذمة الغير لا يكون مقدور التسليم والقدرة على التسليم عند العقد من شرائط الصحة على ما مر وهذا المانع منعدم في الفصل الأول لأن ذمة المسلم إليه في يده فكان قادرا على التسليم عند العقد وإنما لم يجز لعدم القبض وإذا وجد جاز ولو أسلم دينا وعينا وافترقا جاز في حصة العين وبطل في حصة الدين لأن الأصل أن الفساد بقدر المفسد والمفسد عدم القبض وأنه يخص الدين فيفسد السلم بقدره كما لو اشترى عبدين ولم يقبضهما حتى هلك أحدهما قبل القبض أنه يبطل العقد في الهالك ويبقى في الآخر لما قلنا كذا هذا وعلى هذا يخرج ما إذا قبض رأس المال ثم انتقص القبض فيه بمعنى أوجب انتقاصه أنه يبطل السلم وبيان ذلك أن جملة رأس المال لا تخلو أما أن تكون عينا وهو ما يتعين بالتعيين وأما أن تكون دينا وهو ما لا يتعين بالتعيين والعين لا تخلو أما أن توجد مستحقا أو معيبا والدين لا يخلو إما أن يوجد مستحقا أو زيوفا أو نبهرهة ( ( ( نبهرجة ) ) ) أو ستوقا أو رصاصا وكل ذلك لا يخلو إما أن يكون قبل الافتراق أو بعده وجد كله كذلك أو بعضه دون بعض وكذلك أحد المتصارفين إذا وجد بدل الصرف كذلك فهو على التفاصيل التي ذكرنا فإن كان رأس المال عينا فوجده المسلم إليه مستحقا أو معيبا فإن لم يجز المستحق ولم يرض المسلم إليه بالعيب يبطل السلم سواء كان بعد الافتراق أو قبله لأنه انتقض القبض فيه بالاستحقاق والرد بالعيب ولا يمكن إقامة غيره مقامه في القبض لأنه معين فيحصل الافتراق لا عن قبض رأس المال في المجلس فيبطل السلم وإن أجاز المستحق ورضي المسلم إليه بالعيب جاز السلم سواء كان قبل الافتراق أو بعده لأنه تبين أن قبضه وقع صحيحا فحصل الافتراق عن قبض رأس المال أولا ولا سبيل للمستحق على المقبوض لأنه لما أجاز فقد صار المقبوض ملكا للمسلم إليه وله أن يرجع على الناقد بمثله إن كان مثليا وبقيمته إن لم يكن مثليا لأنه أتلف عليه ماله بالتسليم

قسم V05/P203–V05/P204

وكذا في الصرف غير أن هناك إذا كان البدل المستحق أو المعيب عينا كالتبر والمصوغ من الفضة ولم يجز المستحق ولا رضي القابض بالمعيب حتى بطل الصرف يرجع على قابض الدينار بعين الدينار إن كان قائما وبمثله إن كان هالكا ولا خيار لقابض الدينار في ظاهر الرواية كما في بيع العين إذا استحق المبيع وأخذه المستحق ولو كان قابض الدينار تصرف فيه وأخرجه من ملكه لا يفسخ عليه تصرفه وعليه مثله كما في المقبوض بعقد فاسد هذا إذا كان رأس المال عينا فأما إذا كان دينا فإن وجده مستحقا وأجاز المستحق فالسلم ماض سواء كان قبل الافتراق أو بعده لأنه ظهر أن القبض كان صحيحا ولا سبيل للمشتري على المقبوض ويرجع على الناقد بمثله لأنه أتلفه بالتسليم وهو مثلي فيرجع عليه بمثله وإن لم يجز فإن كان قبل الافتراق واستبدل في المجلس فالسلم ماض لأن رأس المال إذا كان دينا كان الواجب في ذمة رب السلم مثل المستحق لا عينه فقبض المستحق أن لم يصح أو انتقض بالاستحقاق وعدم الإجازة يقوم قبض مثله مقامه فيرجع عليه بمثله ويلحق ذلك الذي كان بالعدم كأنه لم يقبض وأخر القبض فيه إلى آخر المجلس بخلاف ما إذا كان عينا لأن المستحق هناك قبض العين وقد انتقض القبض فيه بالاستحقاق وتعذر إقامة قبض غيره مقامه فجعل الافتراق لا عن قبض فيبطل العقد وإن كان بعد الافتراق يبطل السلم لأنه تبين أن الافتراق حصل لا عن قبض رأس المال هذا إذا وجده مستحقا فأما إذا وجده زيوفا أو نبهرجة فإن تجوز المسلم إليه فالسلم ماض على الصحة سواء وجده قبل الافتراق أو بعده لأن الزيوف من جنس حقه لأنها دراهم لكنها معيبة بالزيافة وفوات صفة الجودة فإذا تجوز به فقد أبرأه عن العيب ورضي بقبض حقه مع النقصان بخلاف الستوق فإنه لا يجوز به وإن تجوز به لأنه ليس من جنس الدراهم على ما نذكره وإن لم يتجوز به ورده فإن كان قبل الافتراق واستبدله في المجلس فالعقد ماض وجعل كأنه أخر القبض إلى آخر المجلس وإن كان بعد الافتراق بطل السلم عند أبي حنيفة وزفر سواء استبدل في مجلس الرد أو لا وعند أبي يوسف ومحمد إن لم يستبدل في مجلس الرد فكذلك وإن استبدل لا يبطل السلم وجه قولهما أن قبض الزيوف وقع صحيحا لأنه قبض جنس الحق ألا يرى أنه لو تجوز بها جاز ولو لم يكن من جنس حقه لما جاز كالستوق إلا أنه فاتته صفة الجودة بالزيافة فكانت من جنس حقه أصلا لا وصفا فكانت الزيافة فيها عيبا والمعيب لا يمنع صحة القبض كما في بيع العين إذا كان المبيع معيبا وبالرد ينتقض القبض لكن مقصورا على حالة الرد ولا يستند الانتقاض إلى وقت القبض فيبقى القبض صحيحا كان ينبغي أن لا يشترط قبض بدله في مجلس الرد لأن المستحق بعقد السلم القبض مرة واحدة إلا أنه شرط لأن للرد شبها بالعقد حيث لا يجب القبض في مجلس الرد إلا بالرد كما لا يجب القبض في مجلس العقد إلا بالعقد فألحق مجلس الرد بمجلس العقد وجه قول أبي حنيفة وزفر رحمهما الله أن الزيوف من جنس حق المسلم إليه لكن أصلا لا وصفا ولهذا ثبت له حق الرد بفوات حقه عن الوصف فكان حقه في الأصل والوصف جميعا فصار بقبض الزيوف قابضا حقه من حيث الأصل لا من حيث الوصف إلا أنه إذا رضي به فقد أسقط حقه عن الوصف وتبين أن المستحق هو قبض الأصل دون الوصف لا ( ( ( لإبرائه ) ) ) براعة إياه عن الوصف فإذا قبضه فقد قبض حقه فيبطل المستحق وإن لم يرض به تبين أنه لم يقبض حقه لأن حقه في الأصل والوصف جميعا فتبين أن الافتراق حصل لا عن قبض رأس مال السلم

قسم V05/P204–V05/P205

هذا إذا وجده زيوفا أو نهرجة ( ( ( نبهرجة ) ) ) فأما إذا وجده ستوقا أو رصاصا فإن وجده بعد الافتراق بطل السلم لأن الستوق ليس من جنس الدراهم ألا يرى أنها لا تروج في معاملات الناس فلم تكن من جنس حقه أصلا ووصفا فكان الافتراق عن المجلس لا عن قبض رأس المال فيبطل السلم وسواء تجوز به أو لا لأنه إذا لم يكن من جنس حقه كان التجوز به استبدالا برأس مال السلم قبل القبض وأنه لا يجوز بخلاف الزيوف فإنها من جنس حقه على ما بينا وإن وجده في المجلس فاستبدل فالسلم ماض لأن قبضه وإن لم يصح فقد بقي الواجب في ذمة رب السلم دراهم هي حق المسلم إليه فإذا قبضها فقد قبض حقه في المجلس والتحق قبض الستوق بالعدم كأنه لم يقبض أصلا وأخر قبض رأس المال إلى آخر المجلس وكذا في الصرف غير أن هناك إذا ظهر أن الدراهم ستوقة أو رصاص بعد الافتراق عن المجلس حتى بطل الصرف فقابض الدينار يسترد دراهمه الستوقة وقابض الدراهم يسترد من قابض الدينار عين ديناره إن كان قائما ومثله إن كان هالكا ولا خيار لقابض الدينار كذا ذكر محمد في الأصل لأنه إذا ظهر أن المقبوض ستوقة أو رصاص فقد ظهر أن قبضه لم يصح فتبين أن الافتراق حصل لا عن قبض فيبطل السلم وبقي الدينار في يده من غير سبب شرعي فأشبه يد الغصب واستحقاق المبيع في بيع العين وهناك يسترد عينه إن كان قائما كذا ههنا وطعن عيسى بن أبان وقال ينبغي أن يكون قابض الدينار بالخيار إن شاء رد عين الدينار وإن شاء رد مثله ولا يستحق عليه رد عين الدينار وإن كان قائما لأنه لم يكن متعينا في العقد فلا يكون متعينا في الفسخ والاعتبار باستحقاق المبيع غير سديد لأن هناك ظهر بطلان العقد من الأصل لأنه إذا لم يجز المستحق تبين أن العقد وقع باطلا من حين وجوده وهناك العقد وقع صحيحا وإنما بطل في المستقبل لعارض طرأ عليه بعد الصحة فلا يظهر بطلانه من الأصل وبعض مشايخنا أخذوا بقول عيسى ونصروه وحملوا جواب الكتاب على ما إذا اختار قابض الدينار رد عين الدينار والله سبحانه وتعالى أعلم هذا الذي ذكرنا إذا وجد المسلم إليه كل رأس المال مستحقا أو معيبا أو زيوفا أو ستوقا فأما إذا وجد بعضه دون بعض ففي الاستحقاق إذا لم يجز المستحق ينقص العقد بقدر المستحق سواء كان رأس المال عينا أو دينا بلا خلاف لأن القبض انتقص فيه بقدره وكذا في الستوق والرصاص فبطل العقد بقدره قليلا كان أو كثيرا بالإجماع لما قلنا وكذا هذا في الصرف غير أن هناك قابض الستوقة يصير شريكا لقابض الدينار في الدينار الذي دفعه بدلا عن الدراهم فيرجع عليه بعينه وعلى قول عيسى قابض الدينار بالخيار على ما ذكرنا وأما في الزيوف والنبهرجة فقياس قول أبي حنيفة رحمه الله أن ينقص العقد بقدره إذا لم يتجوز ورده استبدل في مجلس الرد أولا وهو قول زفر لأنه تبين أن قبض المردود لم يصح فتبين أن الافتراق حصل لا عن قبض رأس المال في قدر المردود فيبطل السلم بقدره إلا أنه استحسن في القليل وقال إن كان قليلا فرده واستبدل في ذلك المجلس فالعقد ماض في الكل وإن كان كثيرا يبطل العقد بقدر المردود لأن الزيافة في القليل مما لا يمكن التحرز عنه لأن الدراهم لا تخلو عن ذلك فكانت ملحقة بالعدم بخلاف الكثير واختلفت الرواية عن أبي حنيفة في الحد الفاصل بين القليل والكثير مع اتفاق الروايات على أن الثلث قليل وفي رواية عنه أن ما زاد على الثلث يكون كثيرا

قسم V05/P205–V05/P206

وفي رواية النصف وفي رواية عنه الزائد على النصف وكذا هذا في الصرف غير أن هناك إذا كثرت الزيوف فرد حتى بطل العقد في قدر المردود عند أبي حنيفة يصير شريكا لقابض الدينار فيسترد منه عينه وعلى قول عيسى قابض الدينار بالخيار على ما بينا ولو كان تصرف فيه أو أخرجه عن ملكه لا يفسخ عليه تصرفه وعليه مثله كما في البيع الفاسد على ما مر وكل جواب عرفته في السلم والصرف فهو الجواب في عقد تتعلق صحته بالقبض قبل الافتراق مما سوى الصرف والسلم كمن كان له على آخر دنانير فصالح منها على دراهم أو كان له على آخر مكيل أو موزون موصوف في الذمة أو غيرهما مما يثبت مثله في الذمة دينا فصالح منها على دراهم أو نحو ذلك من العقود مما يكون قبض الدراهم فيه قبل الافتراق عن المجلس شرطا لصحة العقد فقبض الدراهم ثم وجدها مستحقة أو زيوفا أو نبهرجة أو ستوقة أو رصاصا كلها أو بعضها الافتراق أو بعده والله سبحانه وتعالى أعلم وعلى هذا تخرج مقاصة رأس مال السلم بدين آخر على المسلم إليه بأن وجب على المسلم إليه دين مثل رأس المال أنه هل يصير رأس المال قصاصا بذلك الدين أم لا فهذا لا يخلو إما إن وجب دين آخر بالعقد وإما إن وجب بعقد متقدم على عقد السلم وأما إن وجب بعقد متأخر عنه فإن وجب بعقد متقدم على السلم بأن كان رب السلم باع المسلم إليه ثوبا بعشرة دراهم ولم يقبض العشرة حتى أسلم إليه عشرة دراهم في كر حنطة فإن جعلا الدينين قصاصا أو تراضيا بالمقاصة يصير قصاصا وإن أبى أحدهما لا يصير قصاصا وهذا استحسان والقياس أن لا يصير قصاصا كيف ما كان وهو قول زفر وجه قوله أن قبض رأس المال شرط والحاصل بالمقاصة ليس بقبض حقيقة فكان الافتراق حاصلا لا عن قبض رأس المال فبطل السلم ولنا أن العقد ينعقد موجبا للقبض حقيقة لولا المقاصة فإذا تقاصا تبين أن العقد انعقد موجبا قبضا بطريق المقاصة وقد وجد ونظيره ما قلنا في الزيادة في الثمن والمثمن أنها جائزة استحسانا وتلتحق بأصل العقد لأن بالزيادة تبين أن العقد وقع على المزيد عليه وعلى الزيادة جميعا كذا هذا وإن وجب بعقد متأخر عن السلم لا يصير قصاصا وإن جعلاه قصاصا إلا رواية عن أبي يوسف شاذة لأن بالمقاصة لا يتبين أن العقد وقع موجبا قبضا بطريق المقاصة من حين وجوده لأن المقاصة تستدعي قيام دينين ولم يكن عند عقد السلم إلا دين واحد فانعقد موجبا حقيقة القبض وأنه لا يحصل بالمقاصة هذا إذا وجب الدين بالعقد فأما إذا وجب بالقبض كالغصب والقرض فإنه يصير قصاصا أولا ( ( ( سواء ) ) ) بعد إن كان وجوب الدين الآخر متأخرا عن العقد لأن العقد إن انعقد موجبا قبضا حقيقة فقد وجد ههنا لكن قبض الغصب والقرض قبض حقيقة فيجعل عن قبض رأس المال لأنه واجب وقبض الغصب محظور وقبض القرض ليس بواجب فكان إيقاعه عن الواجب أولى بخلاف ما تقدم لأن هناك لم يوجد القبض حقيقة والقبض بطريق المقاصة يمكن في أحد الفصلين دون الآخر على ما بينا والله عز وجل أعلم هذا إذا تساوى الدينان فأما إذا تفاضلا بأن كان أحدهما أفضل والآخر أدون فرضي أحدهما بالقصاص وأبى الآخر فإنه ينظر إن أبى صاحب الأفضل لا يصير قصاصا لأن حقه في الجودة معصوم محترم فلا يجوز إبطاله عليه من غير رضاه وإن أبى صاحب الأدون يصير قصاصا لأنه لما رضي به صاحب الأفضل فقد أسقط حقه عن الفضل كأنه قضى دينه فأعطاه أجود مما عليه وهناك يجبر على الأخذ كذا هذا والله سبحانه وتعالى أعلم وكذلك المقاصة في ثمن الصرف تخرج على هذه التفاصيل التي ذكرناها في رأس مال السلم فأفهم والله الموفق للصواب

قسم V05/P206–V05/P207

ثم ما ذكرنا من اعتبار هذا الشرط وهو قبض رأس المال حال بقاء العقد فأما بعد ارتفاعه بطريق الإقالة أو بطريق آخر فقبضه ليس بشرط في مجلس الإقالة بخلاف القبض في مجلس العقد وقبض بدل الصرف في مجلس الإقالة أنه شرط لصحة الإقالة كقبضهما في مجلس العقد ووجه الفرق أن القبض في مجلس العقد في البابين ما هو شرط لعينه وإنما هو شرط للتعيين وهو أن يصير البدل معينا بالقبض صيانة عن الافتراق عن دين بدين على ما بينا ولا حاجة إلى التعيين في مجلس الإقالة في السلم لأنه لا يجوز استبداله فيعود إليه عينه فلا تقع الحاجة إلى التعيين بالقبض فكان الواجب نفس القبض فلا يراعي له المجلس بخلاف الصرف لأن التعيين لا يحصل إلا بالقبض لأن استبداله جائز فلا بد من شرط القبض في المجلس ليتعين والله أعلم فصل وأما الذي يرجع إلى المسلم فيه فأنواع أيضا منها أن يكون معلوم الجنس كقولنا حنطة أو شعير أو تمر ومنها أن يكون معلوم النوع كقولنا حنطة سقية أو نحسية تمر برني أو فارسي هذا إذا كان مما يختلف نوعه فإن كان مما لا يختلف فلا يشترط بيان النوع ومنها أن يكون معلوم الصفة كقولنا جيد أو وسط أو رديء ومنها أن يكون معلوم القدر بالكيل أو الوزن أو العد أو الزرع ( ( ( الذرع ) ) ) لأن جهالة النوع والجنس والصفة والقدر جهالة مفضية إلى المنازعة وإنها مفسدة للعقد وقال النبي عليه الصلاة والسلام من أسلم منكم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم ومنها أن يكون معلوم القدر بكيل أو وزن أو ذرع يؤمن عليه فقده عن أيدي الناس فإن كان لا يؤمن فالسلم فاسد بأن أعلم قدره بمكيال لا يعرف عياره بأن قال بهذا الإناء ولا يعلم كم يسع فيه أو بحجر لا يعرف عياره بأن قال بهذا الحجر ولا يعلم كم وزنه أو بخشبة لا يعرف قدرها بأن قال بهذه الخشبة ولا يعرف مقدارها أو بذراع يده ولو كان هذا في بيع العين بأن قال بعتك من هذه الصبرة ملء هذا الإناء بدرهم أن من هذا الزيت وزن هذا الحجر بدرهم يجوز في ظاهر الرواية وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله أنه لا يجوز في بيع العين أيضا كما لا يجوز في السلم وروي عن أبي يوسف أنه كان يقول أولا لا يجوز ثم رجع وقال يجوز وجه هذه الرواية أن هذا البيع مكايلة والسلم ( ( ( والعلم ) ) ) بمقدار المبيع في بيع المكايلة شرط الصحة ولم يوجد فيفسد كما لو باع قفزانا من هذه الصبرة ولظاهر الرواية الفرق بين السلم وبين بيع العين ووجه الفرق بينهما من وجهين أحدهما أن التسليم في باب السلم لا يجب عقيب العقد وإنما يجب بعد محل الأجل فيحتمل أن يملك الإناء قبل محل الأجل وهذا الاحتمال إن لم يكن غالبا فليس بنادر أيضا وإذا هلك يصير المسلم فيه مجهول القدر بخلاف بيع العين لأنه يوجب التسليم عقيب العقد وهلاك القفيز عقيب العقد بلا فصل نادر والنادر ملحق بالعدم فلا يصير المبيع مجهول القدر والثاني أن القدرة على تسليم المبيع شرط انعقاد العقد وصحته والقدرة على التسليم عند العقد فائتة في باب السلم لأن السلم بيع المفاليس وفي ثبوت القدرة عند محل الأجل شك قد تثبت وقد لا تثبت لأنه إن بقي المكيال والحجر والخشبة تثبت وإن لم يبق لا يقدر فوقع الشك في ثبوت القدرة فلا تثبت بالشك على الأصل المعهود في غير الثابت يقين ( ( ( بيقين ) ) ) إذا وقع الشك في ثبوته أنه لا يثبت بخلاف بيع العين لأن هناك القدرة على التسليم ثابتة عند العقد وفي فواتها بالهلاك شك فلا تفوت بالشك على الأصل المعهود في الثابت بيقين إذا وقع الشك في زواله أنه لا يزول بالشك

قسم V05/P207

وأما قوله أن العلم بمقدار المبيع في بيع المكايلة شرط الصحة فنقول العلم بذلك لا يشترط لعينه بل لصيانة العقد عن الجهالة المفضية إلى المنازعة وهذا النوع من الجهالة لا يفضي إلى المنازعة لإمكان الوصول إلى العلم بقدر المبيع بالكيل للحال بخلاف بيع قفزان من الصبرة لأن هناك لا طريق للوصول إلى العلم بمقدار المبيع فالمشتري يطالبه بزيادة والبائع لا يعطيه فيتنازعان فكانت الجهالة مفضية إلى المنازعة فهو الفرق بين الفصلين وقيل إنما يجوز هذا في بيع العين إذا كان الإناء من خزف أو خشب أو حديد أو نحو ذلك لأنه لا يحتمل الزيادة والنقصان وأما إذا كان مثل الزنبيل والجوالق والغرارة ونحو ذلك فلا يجوز لأنه يحتمل الزيادة والنقصان والله سبحانه وتعالى أعلم ولو كان المسلم فيه مكيلا فأعلم ( ( ( فعلم ) ) ) قدره بالوزن المعلوم أو كان موزونا فأعلم ( ( ( فعلم ) ) ) قدره بالكيل المعلوم جاز لأن الشرط كونه معلوم القدر بمعيار يؤمن فقده وقد وجده بخلاف ما إذا باع المكيل بالمكيل وزنا بوزن متساويا في الوزن أو باع الموزون بالموزون كيلا بكيل متساويا في الكيل أنه لا يجوز ما لم يتساويا في الكيل أو الوزن لأن شرط جواز السلم كون المسلم فيه معلوم القدر والعلم بالقدر كما يحصل بالكيل يحصل بالوزن فأما شرط الكيل والوزن في الأشياء التي ورد الشرع فيها باعتبار الكيل والوزن في بيع العين ثبت نصا فكان بيعها بالكيل أو الوزن مجازفة فلا يجوز أما في باب السلم فاعتبار الكيل والوزن لمعرفة مقدار المسلم فيه وقد حصل والله عز وجل أعلم ومنها أن يكون مما يمكن أن يضبط قدره وصفته بالوصف على وجه لا يبقى بعد الوصف إلا تفاوت يسير فإن كان مما لا يمكن ويبقى بعد الوصف تفاوت فاحش لا يجوز السلم فيه لأنه إذا لم يمكن ضبط قدره وصفته بالوصف يبقي مجهول القدر أو الوصف جهالة فاحشة مفضية إلى المنازعة وأنها مفسدة للعقد وبيان ذلك أنه يجوز السلم في المكيلات والموزونات التي تحتمل التعيين والعدديات المتقاربة أما المكيلات والموزونات فلأنها ممكنة الضبط قدرا وصفه على وجه لا يبقى بعد الوصف بينه وبين جنسه ونوعه إلا تفاوت يسير لأنها من ذوات الأمثال وكذلك العدديات المتقاربة من الجوز والبيض لأن الجهالة فيها يسيرة لا تفضي إلى المنازعة وصغير الجوز والبيض وكبيرهما سواء لأنه لا يجري التنازع في ذلك القدر من التفاوت وبين ( ( ( بين ) ) ) الناس عادة فكان ملحقا بالعدم فيجوز السلم فيها عددا وكذلك كيلا وهذا عندنا وقال زفر لا يجوز وجه قوله أن الجوز والبيض مما يختلف ويتفاوت في الصغر والكبر حتى يشتري الكبير منها بأكثر مما يشتري الصغير فأشبه البطيخ والرمان ولنا أن التفاوت بين صغير الجوز وكبيره يسير اعرض الناس عن اعتباره فكان ساقط العبرة ولهذا كان مضمونا بالمثل عند الإتلاف بخلاف الرمان والبطيخ فإن التفاوت بين آحاده تفاوت فاحش ولهذا كان مضمونا بالقيمة وأما السلم في الفلوس عددا فجائز عند أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد لا يجوز بناء على أن الفلوس أثمان عنده فلا يجوز السلم فيها كما لا يجوز السلم في الدراهم والدنانير وعندهما ثمنيتها ليست بلازمة بل تحتمل الزوال لأنها ثبتت بالاصطلاح فتزول بالاصطلاح وإقدام العاقدين على عقد السلم فيها مع علمهما أنه لا صحة للسلم في الأثمان اتفاق منهما على إخراجها عن صفة الثمنية فتبطل ثمنيتها في حق العاقدين سابقا على العقد وتصير سلعا عددية فيصح السلم فيها كما في سائر السلع العددية كالنصال ونحوها

قسم V05/P207–V05/P208

وأما الذرعيات كالثياب والبسط والحصير والبواري ونحوها فالقياس أن لا يجوز السلم فيها لأنها ليست من ذوات الأمثال لتفاوت فاحش بين ثوب وثوب ولهذا لم تضمن بالمثل في ضمان العدديات بل بالقيمة فأشبه السلم في اللآلىء ( ( ( اللآلئ ) ) ) والجواهر إلا أنا استحسنا الجواز لقوله عز وجل في آية الدين ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله والمكيل والموزون لا يقال فيه الصغير والكبير وإنما يقال ذلك في الذرعيات والعدديات ولأن الناس تعاملوا السلم في الثياب لحاجتهم إلى ذلك فيكون إجماعا منهم على الجواز فيترك القياس بمقابلته ولأنه إذا بين جنسه وصفته ونوعه ورفعته وطوله وعرضه يتقارب التفاوت فليحق ( ( ( فيلحق ) ) ) بالمثل في باب السلم شرعا لحاجة الناس ولا حاجة إلى الإلحاق بالمثل في باب الاستهلاك مع ما أن هذا الاعتبار غير سديد لأنه قد يحتمل في المعاملات من التفاوت اليسير مالا يحتمل مثله في الإتلافات فإن الأب إذا باع مال ولده بغبن يسير جاز ولا يضمن ولو أتلف عليه شيئا يسيرا من ماله يضمن فلا يستقيم الاستبدال هذا إذا أسلم في ثوب الكرباس أو الكتان فأما إذا أسلم في ثوب الحرير فهل يشترط فيه بيان الوزن بعد بيان الجنس والنوع والصفة والرفعة والطول والعرض إن كان مما تختلف قيمته باختلاف وزنه من القلة والكثرة بعد التساوي في الجنس والنوع والصفة والرفعة والطول والعرض يشترط لأن بعد بيان هذه الأشياء تبقى جهالته مفضية إلى المنازعة وإن كان مما لا يختلف يجوز لأن جهالة الوزن فيه لا تفضي إلى المنازعة ولا يجوز السلم في العدديات المتفاوتة من الحيوان والجواهر واللآلىء ( ( ( واللآلئ ) ) ) والجوز والجلود والأدم والرؤوس ( ( ( والرءوس ) ) ) والأكارع والبطيخ والقثاء والرمان والسفرجل ونحوها من العدديات المتفاوتة لأنه لا يمكن ضبطها بالوصف إذ يبقى بعد بيان جنسها ونوعها وصفتها وقدرها جهالة فاحشة مفضية إلى المنازعة لتفاوت فاحش بين جوهر وجوهر ولؤلؤ ولؤلؤ وحيوان وحيوان وكذا بين جلد وجلد ورأس ورأس في الصغر والكبر والسمن والهزال وقال الشافعي رحمه الله يجوز السلم في الحيوان وجه قوله أن المانع من الجواز هنا جهالة المسلم فيه وقد زالت ببيان الجنس والنوع والصفة والسن لأن الحيوان معلوم الجنس والنوع والصفة فكان مضبوط الوصف والتفاوت فيما وراء ذلك لا يعتبر ولهذا وجب دينا في الذمة في النكاح فأشبه الثياب ولنا أن بعد بيان هذه الأشياء يبقي بين فرس وفرس تفاوت فاحش في المالية فتبقى جهالة مفضية إلى المنازعة وأنها مانعة صحة العقد لما ذكرنا من الوجوه فيما قيل ( ( ( قبل ) ) ) وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن السلف في الحيوان والسلف والسلم واحد في اللغة والاعتبار بالنكاح غير سديد لأنه يتحمل جهالة لا يتحملها البيع ألا ترى أنه يصح من غير ذكر البدل وببدل مجهول وهو مهر المثل ولا يصح البيع إلا ببدل معلوم فلا يستقيم الاستدلال ولا يجوز السلم في التبن أحمالا أو أوقارا لأن التفاوت بين الحمل والحمل والوقر والوقر مما يفحش إلا إذا أسلم فيه بقبان معلوم من قبابين التجار فلا يختلف فيجوز ولايجوز السلم في الحطب حزما ولا أوقارا للتفاوت الفاحش بين حزمة وحزمة ووقر ووقر وكذا في القصب والحشيش والعيدان إلا إذا وصفه بوصف يعرف ويتقارب التفاوت فيجوز ويجوز السلم في اللبن والآجر إذا سمى ملبنا معلوما لا يختلف ولا يتفاوت إلا يسيرا