Qur'an&Sunnah

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)

قسم V05/P240–V05/P241

وإن هلك بفعل البائع ينظر إن لم يكن له حق الاسترداد للحبس لاستيفاء الثمن بأن كان المشتري قبضه بإذنه أو كان الثمن منقودا أو مؤجلا فهذا وما لو أتلفه أجنبي سواء وقد ذكرنا حكمه وإن كان له حق الاسترداد بأن كان قبضه بغير إذنه والثمن حال غير منقود ينفسخ البيع في قدر المتلف ويسقط عن المشتري حصته من الثمن لأنه صار مستردا لذلك القدر بالإتلاف فتلف ذلك القدر في ضمانه فيسقط قدره من الثمن ولا يكون مستردا لأنه لم يوجد منه إتلاف الباقي لأنه لو هلك الباقي في يد المشتري فعليه حصته من الثمن إلا إذا هلك الباقي من سراية جناية البائع فيصير مستردا ويسقط عن المشتري جميع الثمن لأن تلف الباقي حصل مضافا إلى فعله فصار مستردا للكل فتلف الكل في ضمانه فيسقط كل الثمن ولو اختلف البياع والمشتري في هلاك المبيع فقال البائع هلك بعد القبض ولي عليك الثمن وقال المشتري هلك قبل القبض ولا ثمن لك علي فالقول قول المشتري مع يمينه لأن البائع يدعي عليه القبض والثمن وهو ينكر ولأن الظاهر شاهد للمشتري لأن المبيع كان في يد البائع والظاهر بقاء ما كان على ما كان والبائع يدعي أمرا عارضا وهو الزوال والانتقال فكان المشتري متمسكا بالأصل الظاهر فكان القول قوله وإن أقام أحدهما البينة قبلت بينته ولو أقاما جميعا البينة يقضي ببينة البائع لأنها تثبت أمرا بخلاف الظاهر وما شرعت للبينات ( ( ( البينات ) ) ) إلا لهذا ولأنها أكثر إظهارا لأنها تظهر القبض والثمن فكانت أولى بالقبول وكذلك لو اختلفا في الاستهلاك فادعى البائع على المشتري إنه استهلكه وادعى المشتري على البائع أنه استهلكه فالقول قول المشتري لما قلنا هذا إذا لم يكن للبينتين تاريخ فأما إذا كان لهما تاريخ وتاريخ أحدهما ( ( ( إحداهما ) ) ) أسبق فالأسبق أولى بالهلاك والاستهلاك جميعا هذا إذا لم يكن قبض المشتري المبيع ظاهرا فأما إذا كان ظاهرا فادعيا الاستهلاك فإن لم يكن لهما بينة فالقول قول البائع لأن الظاهر شاهد له لأن المبيع في يد المشتري وأيهما أقام البينة قبلت بينته وإن أقاما جميعا البينة فالبينة بينة المشتري لأنه هو المدعي ألا ترى أنه يدعي أمرا باطنا ليزيل به ظاهرا وهو الاستهلاك من البائع والمبيع في يده وكذا المشتري لوترك الدعوى يترك ولا يجبر عليها والبائع لو ترك الدعوى لا يترك بل يجبر عليها وهذه عبارة مشايخنا في تحديد المدعي والمدعى عليه وإذا قامت بينة المشتري ينظر إن كان في موضع للبائع حق الاسترداد للحبس لاستيفاء الثمن بأن كان المشتري قبضه بغير إذن البائع والثمن حال غير منقود يسقط الثمن عن المشتري لأنه بالاستهلاك صار مستردا وانفسخ البيع وإن كان في موضع ليس له حق الاسترداد للحبس بأن كان المشتري قبض المبيع بإذن البائع أو بغير إذنه لكن الثمن منقود أو مؤجل فللمشتري أن يضمن البائع قيمة المبيع لأنه إذا لم يكن له حق الاسترداد لم يكن بالاستهلاك مستردا ولا ينفسخ البيع فلا يحصل الاستهلاك في ضمان البائع فتلزمه القيمة كما لو استهلكه أجنبي والله عز وجل أعلم ولو اشترى بفلوس نافقة ثم كسدت قبل القبض انفسخ عند أبي حنيفة رحمه الله وعلى المشتري رد المبيع إن كان قائما وقيمته أو مثله إن كان هالكا وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله لا يبطل البيع والبائع بالخيار إن شاء فسخ البيع وإن شاء أخذ قيمة الفلوس وجه قولهما أن الفلوس في الذمة وما في الذمة لا يحتمل الهلاك فلا يكون الكساد هلاكا بل يكون عيبا فيها فيوجب الخيار إن شاء فسخ البيع وإن شاء أخذ قيمة الفلوس كما إذا كان الثمر ( ( ( الثمن ) ) ) رطبا فانقطع قبل القبض

قسم V05/P241–V05/P242

ولأبي حنيفة أن الفلوس بالكساد خرجت عن كونها ثمنا لأن ثمنيتها ثبتت باصطلاح الناس فإذا ترك الناس التعامل بها عددا فقد زال عنها صفة الثمنية ولا بيع بلا ثمن فينفسخ ضرورة ولو لم تكسد ولكنها رخصت قيمتها أو غلت لا ينفسخ البيع بالإجماع وعلى المشتري أن ينقد مثلها عددا ولا يلتفت إلى القيمة ههنا لأن الرخص أو الغلاء لا يوجب بطلان الثمنية ألا ترى أن الدراهم قد ترخص وقد تغلو وهي على حالها أثمان ثم اختلف أبو يوسف ومحمد فيما بينهما في وقت اعتبار القيمة فاعتبر أبو يوسف وقت العقد لأنه وقت وجوب الثمن واعتبر محمد وقت الكساد وهو آخر يوم ترك الناس التعامل بها لأنه وقت العجز عن التسليم ولو استقرض فلوسا نافقة وقبضها فكسدت فعليه رد مثل ما قبض من الفلوس عددا في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وفي قول محمد عليه قيمتها وجه قولهما أن الواجب بقبض القرض رد مثل المقبوض وبالكساد عجز عن رد المثل لخروجها عن رد الثمنية وصيرورتها سلعة فيجب عليه قيمتها كما لو استقرض شيئا من ذوات الأمثال وقبضه ثم انقطع عن أيدي الناس ولأبي حنيفة رحمه الله أن أثر الكساد في بطلان الثمنية وأنه لا يمنع جواز الرد بدليل أنه لو استقرضها بعد الكساد جاز ثم اختلفا في وقت اعتبار القيمة على ما ذكرنا ولو لم تكسد ولكنها رخصت أو غلت فعليه رد مثل ما قبض بلا خلاف لما ذكرنا أن صفة الثمنية باقية ولو اشترى بدرهم فلوسا وتقابضا وافترقا ثم استحقت الفلوس من يده وأخذها المستحق لا يبطل العقد لأن بالاستحقاق وإن انتقض القبض والتحق بالعدم فيصير كأن الافتراق حصل على قبض الدراهم دون الفلوس وهذا لا يوجب بطلان العقد وعلى بائع الفلوس أن ينقد مثلها وكذلك إن استحق بعضها وأخذ قدر المستحق لا يبطل البيع لما قلنا وعلى بائع الفلوس أن ينقد مثل القدر المستحق وكذلك إذا وجد المشتري الفلوس من الفلوس الكاسدة لا يبطل البيع لأن قبض أحد البدلين فيما لا يتضمن يكفي لبقاء العقد على الصحة وقد وجد قبض أحدهما وهو الدراهم ولو كان المشتري قبض الفلوس ولم ينقد الدراهم وافترقا ثم استحقت الفلوس فالمستحق بالخيار إن شاء أجاز نقد البائع فيجوز العقد لأن الإجازة استندت إلى حالة العقد فجاز النقد والعقد ويرجع المستحق على بائع الفلوس بمثلها وينقد المشتري بالدراهم ( ( ( الدراهم ) ) ) لبائع الفلوس وإن شاء لم يجز وأخذ الفلوس وبطل العقد لأنه لما يجز وأخذ الفلوس فقد انتقض القبض والتحق بالعدم فتبين أن افتراقهما حصل لا عن قبض أصلا فبطل العقد وكذلك لو استحق بعض الفلوس فحكم البعض كحكم الكل وقد ذكرناه ولو وجد الفلوس كاسدة لا تروج بطل العقد لأنه ظهر أنهما افترقا ( ( ( تفرقا ) ) ) من غير قبض وإن وجدها تروج في بعض التجارة ولا تروج في البعض أو يأخذها البعض دون البعض فحكمها حكم الدراهم الزائفة إن تجوز بها المشتري جاز لأنها من جنس حقه أصلا وإن لم يتجوز بها فالقياس أن يبطل العقد في المردود قل أو كثر وهو قول زفر وعند أبي يوسف ومحمد إن لم يستبدل في مجلس الرد يبطل وإن استبدل لا يبطل وعند أبي حنيفة إن كان قليلا فاستبدل لا يبطل وإن كان كثيرا يبطل على ما ذكرنا في السلم والله عز وجل أعلم وأما بيان صفة الحكم فله صفتان إحداهما اللزوم حتى لا ينفرد أحد العاقدين بالفسخ سواء كان بعد الافتراق عن المجلس أو قبله عندنا وعند الشافعي رحمه الله لا يلزم إلا بعد الافتراق عن المجلس وقد ذكرنا الكلام فيه من الجانبين فيما تقدم والثانية الحلول وهو ثبوت الملك في البدلين في الحال بخلاف البيع بشرط الخيار لأن الخيار يمنع انعقاد العقد في حق الحكم فيمنع وقوعه تمليكا للحال وبخلاف البيع الفاسد فإن ثبوت الملك فيه موقوف على القبض فيصير تمليكا عنده والله عز وجل أعلم وأما الأحكام التي هي من التوابع للحكم الأصلي للبيع

قسم V05/P242–V05/P243

فمنها وجوب تسليم المبيع والثمن والكلام في هذا الحكم في مواضع أحدها في بيان وجوب تسليم البدلين وما هو من توابع تسليمهما والثاني في بيان وقت وجوب تسليمهما والثالث في تفسير التسليم والقبض والرابع في بيان ما يصير به المشتري قابضا للمبيع من التصرفات وما لا يصير أما الأول فتسليم البدلين واجب على العاقدين لأن العقد أوجب الملك في البدلين ومعلوم أن الملك ما ثبت لعينه وإنما ثبت وسيلة إلى الانتفاع بالمملوك ولا يتهيأ الانتفاع به إلا بالتسليم فكان إيجاب الملك في البدلين شرعا إيجابا لتسليمهما ضرورة ولأن معنى البيع لا يحصل إلا بالتسليم والقبض لأنه عقد مبادلة وهو مبادلة شيء مرغوب بشيء مرغوب وحقيقة المبادلة في التسليم والقبض لأنها أخذ بدل وإعطاء بدل وإنما قول البيع والشراء وهو الإيجاب والقبول جعلا ( ( ( جعل ) ) ) دليلا عليهما ولهذا كان التعاطي بيعا عندنا على ما ذكرنا والله عز وجل أعلم وعلى هذا تخرج أجرة الكيال والوزان والعداد والذراع في بيع المكيل والموزون والمعدود والمذروع مكايلة وموازنة ومعاددة ومذارعة أنها على البائع أما أجرة الكيال والوزان فلأنها من مؤنات الكيل والوزن والكيل والوزن فيما بيع ( ( ( يباع ) ) ) مكايلة وموازنة من تمام التسليم على ما نذكر والتسليم على البائع فكانت مؤنة التسليم عليه والعدد في المعدود الذي بيع عددا بمنزلة الكيل والوزن في الكيل ( ( ( المكيل ) ) ) والموزون عند أبي حنيفة فكان من تمام التسليم فكانت على من عليه التسليم وعندهما هو من باب تأكيد التسليم فكان من توابعه كالذرع فيما بيع مذارعة فكانت مؤنته على من عليه التسليم وهو البائع وكذا أجرة وزان الثمن على المشتري لما قلنا وأما أجرة ناقد الثمن فعن محمد فيه روايتان روى إبراهيم بن رستم عنه أنها على البايع لأن حقه في الجيد والنقد لتمييز حقه فكانت مؤنته عليه وروى ابن سماعة عنه أن البايع إن كان لم يقبض الدراهم فعلى المشتري لأن عليه تسليم ثمن جيد فكانت مؤنة تسليمه عليه ولو كان قد قبضها فعلى البايع لأنه قبض حقه ظاهرا فإنما يطلب بالنقد إذا أدى فكان الناقد عاملا له فكانت أجرة عمله عليه وأما بيان وقت الوجوب فالوجوب على التوسع ثبت عقيب العقل ( ( ( العقد ) ) ) بلا فصل وأما على التضييق فإن تبايعا عينا بعين وجب تسليمهما معا إذا طالب كل واحد منهما صاحبه بالتسليم لما ذكرنا أن المساواة في عقد المعاوضة مطلوبة المتعاقدين عادة وتحقيق التساوي ههنا في التسليم معا لما ذكرنا أنه ليس أحدهما بالتقديم أولى من الآخر وكذلك إن تبايعا دينا بدين لما قلنا وإن تبايعا عينا بدين يراعي فيه الترتيب عندنا فيجب على المشتري تسليم الثمن أولا إذا طالبه البايع ثم يجب على البايع تسليم المبيع إذا طالبه المشتري لأن تحقيق التساوي فيه على ما بينا فيما تقدم وأما تفسير التسليم والقبض فالتسليم والقبض عندنا هو التخلية والتخلي وهو أن يخلي البايع بين المبيع وبين المشتري برفع الحائل بينهما على وجه يتمكن المشتري من التصرف فيه فيجعل البايع مسلما للمبيع والمشتري قابضا له وكذا تسليم الثمن من المشتري إلى البايع وقال الشافعي رحمه الله القبض في الدار والعقار والشجر بالتخلية وأما في الدراهم والدنانير فتناولهما بالبراجم وفي الثياب بالنقل وكذا في الطعام إذا اشتراه مجازفة فإذا اشتراه مكايلة فبالكيل وفي العبد والبهيمة بالسير من مكانه وجه قوله أن الأصل في القبض هو الأخذ بالبراجم لأنه القبض حقيقة إلا أن فيما لا يحتمل الأخذ بالبراجم أقيم النقل مقامه فيما يحتمل النقل وفيما لا يحتمله أقيم التخلية مقامه

قسم V05/P243–V05/P244

ولنا أن التسليم في اللغة عبارة عن جعله سالما خالصا يقال سلم فلان لفلان أي خلص له وقال الله تعالى ورجلا سلما لرجل أي سالما خالصا لا يشركه فيه أحد فتسليم المبيع إلى المشتري هو جعل المبيع سالما للمشتري أي خالصا بحيث لا ينازعه فيه غيره وهذا يحصل بالتخلية فكانت التخلية تسليما من البائع والتخلي قبضا من المشتري وكذا هذا في تسليم الثمن إلى البائع لأن التسليم واجب ومن عليه الواجب لا بد وأن يكون له سبيل الخروج عن عهدة ما وجب عليه والذي في وسعه هو التخلية ورفع الموانع فأما الأقباض فليس في وسعه لأن القبض بالبراجم فعل اختياري للقابض فلو تعلق وجوب التسليم به لتعذر عليه الوفاء بالواجب وهذا لا يجوز ثم لا خلاف بين أصحابنا في أن أصل القبض يحصل بالتخلية في سائر الأموال واختلفوا في أنها هل هي قبض تام فيها أم لا وجملة الكلام فيه أن المبيع لا يخلو إما أن يكون مما له مثل وإما أن يكون مما لا مثل له فإن كان مما لا مثل له من المذروعات والمعدودات المتفاوتة فالتخلية فيها قبض تام بلا خلاف حتى لو اشترى مذروعا مذارعة أو معدودا معاددة ووجدت التخلية يخرج عن ضمان البائع ويجوز بيعه والانتفاع به قبل الذرع والعد بلا خلاف وإن كان مما له مثل فإن باعه مجازفة فكذلك لأنه لا يعتبر معرفة القدر في بيع المجازفة وإن باع مكايلة أو موازنة في المكيل والموزون وخلى فلا خلاف في أن المبيع يخرج عن ضمان البايع ويدخل في ضمان المشتري حتى لو هلك بعد التخلية قبل الكيل والوزن يملك على المشتري وكذا لا خلاف في أنه لا يجوز للمشتري بيعه والانتفاع به قبل الكيل والوزن وكذا لو اكتاله المشتري أو اتزنه من بائعه ثم باعه مكايلة أو موازنة من غيره لم يحل لمشتري ( ( ( للمشتري ) ) ) منه أن يبيعه أو ينتفع ( ( ( يمتنع ) ) ) به حتى يكيله أو يزنه ولا يكتفي باكتيال البايع أو اتزانه من بائعه وإن كان ذلك بحضرة هذا المشتري لما روي عن رسول الله أنه نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه صاعان صاع البايع وصاع المشتري وروي أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع الطعام حتى يكال لكن اختلفوا في أن حرمة التصرف قبل الكيل أو الوزن لانعدام القبض بانعدام الكيل أو الوزن أو شرعا غير معقول المعنى مع حصول القبض بتمامه بالتخلية قال بعض مشايخنا إنه ( ( ( إنها ) ) ) تثبت شرعا غير معقول المعنى وقال بعضهم الحرمة لمكان انعدام القبض على التمام بالكيل أو الوزن وكما لا يجوز التصرف في المبيع المنقول بدون قبضه أصلا لا يجوز بدون قبضه بتمامه وجه قول الأولين ما ذكرنا أن معنى التسليم والتسلم يحصل بالتخلية لأن المشتري يصير سالما خالصا للمشتري على وجه يتهيأ له تقليبه والتصرف فيه على حسب مشيئته وإرادته ولهذا كانت التخلية تسليما وقبضا فيما لا مثل له وفيما له مثل إذا بيع مجازفة ولهذا يدخل المبيع في ضمان المشتري بالتخلية نفسها بلا خلاف دل أن التخلية قبض إلا أن حرمة التصرف مع وجود القبض بتمامه ثبت تعبدا غير معقول المعنى والله عز وجل أعلم وجه قول الآخرين تعليل محمد رحمه الله في هذه المسألة في كتاب البيوع فإنه قال ولا يجوز للمشتري أن يتصرف فيه قبل الكيل لأنه باعه قبل أن يقبضه ولم يرد به أصل القبض لأنه موجود وإنما أراد به تمام القبض والدليل على أن الكيل والوزن في المكيل والموزون الذي بيع مكايلة وموازنة من تمام القبض أن القدر في المكيل الموزون ( ( ( والموزون ) ) ) معقود عليه

قسم V05/P244

ألا ترى أنه لو كيل فازداد لا تطيب له الزيادة بل ترد أو يفرض لها ثمن ولو نقص يطرح بحصته شيء من الثمن ولا يعرف القدر فيهما إلا بالكيل والوزن لاحتمال الزيادة والنقصان فلا يتحقق قبض قدر المعقود عليه إلا بالكيل والوزن فكان الكيل والوزن فيه من تمام القبض ولا يجوز بيع المبيع المنقول قبل قبضه بتمامه كما لا يجوز قبل قبضه أصلا ورأسا بخلاف المذروعات لأن القدر فيها ليس معقودا عليه بل هو جار مجرى الوصف والأوصاف لا تكون معقودا عليها ولهذا سلمت الزيادة للمشتري بلا ثمن وفي النقصان لا يسقط عنه شيء من الثمن فكانت التخلية فيها قبضا تاما فيكتفي بها في جواز التصرف قبل الذرع بخلاف المكيلات والموزونات على ما بينا إلا أنه يخرج عن ضمان البائع بالتخلية نفسها لوجود القبض بأصله والخروج عن ضمان البائع يتعلق بأصل القبض لا بوصف الكمال فأما جواز التصرف فيه فيستدعي قبضا كاملا لورود النهي عن بيع ما لم يقبض والقبض المطلق هو القبض الكامل والله عز وجل أعلم وأما العدودات ( ( ( المعدودات ) ) ) المتقاربة إذا بيعت عددا لا جزافا فحكمها حكم المكيلات والموزونات عند أبي حنيفة حتى لا يجوز بيعها إلا بعد العد وعند أبي يوسف ومحمد حكمها حكم المذروعات فيجوز بيعها قبل العد وجه قولهما أن العددي ليس من أموال الربا كالذرع ولهذا لم تكن المساواة فيها شرطا لجواز العقد كما لا تشترط في المذروعات فكان حكمه حكم المذروع ولأبي حنيفة رحمه الله أن القدر في المعدود معقود عليه كالقدر في المكيل والموزون ألا ترى أنه لو عده فوجده زائدا لا تطيب الزيادة له بلا ثمن بل يردها أو يأخذها بثمنها ولو وجده ناقصا يرجع بقدر النقصان كما في المكيل والموزون دل أن القدر فيه معقود عليه واحتمال الزيادة والنقصان في عدد المبيع ثابت فلا بد من معرفة قدر المعقود عليه وامتيازه من غيره ولا يعرف قدره إلا بالعد فأشبه المكيل والموزون ولهذا كان العد فيه بمنزلة المكيل والموزون في ضمان العدوان ( ( ( العد ) ) ) إلا أنه لم يجز فيه الربا لأن المساواة بين واحد وواحد في العد ثبتت باصطلاح الناس وإهدارهم التفاوت بينهما في الصغر والكبر لكن ما ثبت بإصطلاح الناس جاز أن يبطل باصطلاحهم ولما تبايعا واحدا باثنين فقد أهدرا اصطلاح الإهدار واعتبرا الكبر لأنها ( ( ( لأنهما ) ) ) قصد ( ( ( قصدا ) ) ) البيع الصحيح ولا صحة إلا باعتبار الكبر وسقوط العد فكان أحدهما من أحد الجانبين بمقابلة الكبير من الجانب الآخر فلا يتحقق الربا أما ههنا فلا بد من اعتبار العد إذا بيع عددا وإذا اعتبر العد لا يجوز التصرف فيه قبل القبض كما في المكيل والموزون بخلاف المذروع فإن القدر فيه ليس بمعقود عليه على ما بينا فكانت التخلية فيه قبضا تاما فكان تصرفا في المبيع المنقول بعد القبض وأنه جائز والله عز وجل أعلم ولو كاله البائع أو وزنه بحضرة المشتري كان ذلك كافيا ولا يحتاج إلى إعادة الكيل لأن المقصود يحصل بكيله مرة واحدة بحضرة المشتري وما روي عن رسول الله أنه نهى عن بيع الطعام حتى يجر ( ( ( يجري ) ) ) فيه صاعان صاع البائع وصاع المشتري محمول على موضع مخصوص وهو ما إذا اشترى مكيلا مكايلة فاكتاله ثم باعه من غيره مكايلة لم يجز لهذا المشتري التصرف فيه حتى يكيله وإن كان هو حاضرا عند اكتيال بائعه فلا يكتفي بذلك وكذلك إذا أسلم إلى رجل في حنطة فلما حل الأجل اشترى المسلم إليه قدر المسلم فيه من رجل مكايلة وأمر رب السلم باقتضائه فإنه لا يجوز له التصرف فيه ما لم يكله مرتين مرة للمسلم إليه ومرة لنفسه بالنص ولو كان مكان السلم قرض بأن استقرض المستقرض كرا من إنسان وأمر المقرض بقبض الكر فإنه يكتفي فيه بكيل واحد للمشتري والمستقرض

قسم V05/P244–V05/P245

ووجه الفرق أن الكيل والوزن فيما عقد بشرط الكيل والوزن في المكيل والموزون شرط جواز التصرف فيهما لأنه من تمام القبض على ما بينا والسلم عقد بشرط الكيل والمسلم إليه اشترى بشرط الكيل فلا بد من أن يكيل رب السلم أولا للمسلم إليه ليصير قابضا له فجعل ( ( ( فيجعل ) ) ) كأن المسلم إليه قبضه بنفسه من البائع ثم يكيل لنفسه من المسلم إليه فأما قبض بدل القرض فليس بشرط لجواز التصرف فيه لأن القبض بالكيل في باب البيع لاندفاع جهالة المعقود عليه بتميز حق المشتري عن حق البائع والقرض يقبل نوع جهالة فلا يشترط له القبض ولأن الإقراض إعارة عندنا فالمقبول من بدل القرض كأنه عين حقه فصار كما لو أعار عينا ثم استردها فيصح قبضه بدون الكيل وإنما يجب كيل واحد للمشتري لا غير والله عز وجل أعلم وأما بيان ما يصير به المشتري قابضا للمبيع من التصرفات وما لا يصير به قابضا فنقول وبالله التوفيق المبيع لا يخلو إما أن يكون في يد البائع وإما أن يكون في يد المشتري فإن كان في يد البائع فأتلفه المشتري صار قابضا له لأنه صار قابضا بالتخلية فبالإتلاف أولى لأن التخلية تمكين من التصرف في المبيع والإتلاف تصرف فيه حقيقة والتمكين من التصرف دون حقيقة التصرف وكذلك لو قطع يده أو شج رأسه وكل تصرف نقص شيئا لأن هذه الأفعال في الدلالة على التمكين فوق التخلية ثم بالتخلية صار قابضا فيها ( ( ( فبها ) ) ) أولى وكذلك لو فعل البائع شيئا من ذلك بأمر المشتري لأن فعله بأمر المشتري بمنزلة فعل المشتري بنفسه ولو أعتقه المشتري يصير قابضا لأن الإعتاق إتلاف حكما فيلحق بالإتلاف حقيقة وكذا لو دبره أو استولد الجارية أي أقر أنها أم ولد له لأن التدبير أو الاستيلاد تنقيص حكما فكان ملحقا بالتنقيص حقيقة ولو زوج المبيع بأن كان جارية أو عبدا فالقياس أن يصير قابضا وهو رواية عن أبي يوسف وفي الاستحسان لا يصير قابضا وجه القياس أن التزوج تعييب ألا ترى أن الزوجية عيب يرد بها وإذا كانت الزوجية عيبا كان التزوج تعييبا والتعييب قبض وجه الاستحسان أنه تعييب حكما لا حقيقة لأنه لا يوجب نقصان المحل ولا نقصان الملك فيه فلا يصير به قابضا وكذا لو أقر عليه بالدين فالقياس أن يصير قابضا لأن الدين عيب حتى يرد به وفي الاستحسان لا يصير قابضا لأنه تعييب حكمي وأنه لا يوجب النقصان فلا يكون قبضا ولو وطئها الزوج في يد البائع صار المشتري قابضا لأن الوطء إثبات اليد على الموطوءة وأنه حصل من الزوج بتسليط المشتري فكان من حيث أنه إثبات اليد مضافا إلى المشتري فكان قابضا من المشتري ولو أعار المشتري المبيع للبايع ( ( ( للبائع ) ) ) أو أودعه أو آجره لم يكن شيء من ذلك قبضا لأن هذه التصرفات لم تصح من المشتري لأن يد الحبس بطريق الإصالة ثابتة للبايع ( ( ( للبائع ) ) ) فلا يتصور إثبات يد النيابة له بهذه التصرفات فلم تصح والتحقت بالعدم ولو أعاره أو أودعه أجنبيا صار قابضا لأن الإعارة والإيداع إياه صحيح فقد أثبت يد النيابة لغيره فصار قابضا ولو أرسل المشتري العبد المبيع إلى حاجة صار قابضا لأن إرساله في الحاجة استعمال له بدليل أنه صار راضيا به واستعماله إياه إثبات يده عليه وهو معنى القبض ولو جنى أجنبي على المبيع فاختار المشتري اتباع الجاني بالضمان كان اختياره بمنزلة القبض عند أبي يوسف وعند محمد لا يكون حتى لو توى الضمان على الجاني بأن مات مفلسا كان التوى على المشتري ولا يبطل البيع عند أبي يوسف ويتقرر عليه الثمن وعند محمد يبطل البيع والتوى على البايع ويسقط الثمن عن المشتري وكذا لو استبدل المشتري الضمان ليأخذ مكانه من الجاني شيئا آخر جاز عند أبي يوسف

قسم V05/P245–V05/P246

وعن ( ( ( وعند ) ) ) محمد لا يجوز لأن هذا تصرف في المعقود ( ( ( العقود ) ) ) عليه قبل القبض لأن القيمة قائمة مقام العين المستهلكة والتصرف في المعقود عليه قبل القبض لا يجوز لا من البايع ولا من غيره وكذا المبيع إذا كان مصوغا من فضة اشتراها بدينار فاستهلك المصوغ أجنبي قبل القبض فاختار المشتري أن يتبع الجاني بالضمان ونقد الدينار البايع فافترقا قبل قبض ضمان المستهلك لا يبطل الصرف بينهما عند أبي يوسف لأن اختياره تضمين المستهلك بمنزلة القبض عنده وعند محمد يبطل الصرف لعدم القبض وجه قول محمد أن الضمان حكم العين لأن قيمة العين قائمة مقامها ولهذا بقي العقد على القيمة بعد استهلاك العين ثم العين لو كانت قائمة فهلكت قبل القبض كان الهلاك على البايع ويبطل البيع ويسقط الثمن عن المشتري فكذا القيمة ولأبي يوسف أن جناية الأجنبي حصلت بإذن المشتري وأمره دلالة فيصير قابضا كما لو فعل بنفسه وبيان ذلك أن اختيار المشتري اتباع الجاني بالضمان تمليك من المضمون لأن المضمونات تملك باختيار الضمان مستندا إلى وقت سبب الضمان فيصير كأن الجناية حصلت بأمر المشتري فيصير قابضا لأن فعل الأجنبي بأمر المشتري بمنزلة فعل المشتري بنفسه ولو أمر المشتري البائع أن يعمل في المبيع عملا فإن كان عملا لا ينقصه كالقصارة والغسل بأجر أو بغير أجر لا يصير قابضا لأن التصرف الذي لا يوجب نقصان المحل مما يملكه البائع باليد الثابتة كما إذا نقله من مكان إلى مكان فكان الأمر به استيفاء لملك اليد فلا يصير به قابضا وتجب الأجرة على المشتري إن كان بأجر لأن الإجارة قد صحت لأن العمل على البائع ليس بواجب فجاز أن تقابله الأجرة وإن كان عملا ينقصه يصير قابضا لأن تنقيصه إتلاف جزء منه وقد حصل بأمره فكان مضافا إليه كأنه فعله بنفسه والله عز وجل أعلم وعلى هذا يخرج ما إذا أسلم في كر حنطة فلما حل الأجل أمر رب السلم المسلم إليه أن يكيله في غرائر المسلم إليه أو دفع إليه غرائره وأمره أن يكيله فيها ففعل أنه إن كان رب السلم حاضرا يصير قابضا بالتخلية وإن كان غائبا لا يصير قابضا لأن الحنطة التي يكيلها المسلم إليه ملكه لا ملك رب السلم لأن حقه في الدين لا في العين فلم يصح أمر المشتري إياه بكيلها فلم يصر وكيلا له فلا تصير يده يد رب السلم سواء كانت الغرائر للمسلم إليه أو لرب السلم لأن يد رب السلم عن الغرائر قد زالت فإذا كال فيها الحنطة لم تصر في يد رب السلم فلا يصير قابضا وكذا لو استقرض من رجل كرا ودفع إليه غرائره ليكيله فيها ففعل وهو غائب لا يصير قابضا لأن القرض لا يملك قبل القبض فكان الكر على ملك المقرض فلم يصح أمر المستقرض إياه بكيله فلا يصير وكيلا له فلا تصير يده يد المستقرض كما في السلم ولو اشترى من إنسان كرا بعينه ودفع غرائره وأمره بأن يكيل فيها ففعل صار قابضا سواء كان المشتري حاضرا أو غائبا لأن المعقود عليه معين وقد ملكه المشتري بنفس العقد فصح أمر المشتري لأنه تناول عينا هو ملكه فصح أمره وصار البايع وكيلا له وصارت يده يد المشتري وكذلك الطحن إذا طحنه المسلم إليه بأمر رب السلم لم يصر قابضا ولو طحنه البائع بأمر المشتري صار قابضا لأن الطحن بمنزلة الكيل في الغرائر ولو استعار المشتري من البائع غرائره وأمره بأن يكيله فيها ففعل فإن كان المشتري حاضرا يصير قابضا بالتخلي بالإجماع وإن كان غائبا لا يصير قابضا عند محمد ما لم يسلم الغرائر إليه سواء كانت الغرائر بغير عينها أو بعينها وقال أبو يوسف إن كانت بعينها صار المشتري قابضا بنفس الكيل فيها وإن كانت بغير عينها بأن قال أعرني غرارة وكل فيها لا يصير قابضا

قسم V05/P246–V05/P247

وجه قول محمد أن الغرائر عارية في الوجهين جميعا ولم يقبضها والعارية لا حكم لها بدون القبض فبقيت في يد البائع فبقي ما فيها في يد البايع أيضا فلا يصير في يد المشتري قابضا إلا بتسليم الغرائر إليه ولأبي يوسف الفرق بين حالة التعيين وعدم التعيين وهو أن الغرائر إذا كانت معينة مشارا إليها فإن لم يمكن تصحيح التعيين من حيث كونه استعارة يمكن تصحيحه من حيث إقامتها مقام يده وإذا لم تكن متعينة فلا وجه للإعارة بوجه وقول محمد أظهر والله عز وجل أعلم ولو اشترى كرا بعينه وله على البايع كر دين فأعطاه جولقا وقال له كلهما فيه ففعل صار قابضا لهما سواء كان المبيع أولا أو الدين وهذا قول أبي يوسف وقال محمد إن كان المبيع أولا يصير قابضا لهما كما قال أبو يوسف وإن كان الدين أولا لم يصر قابضا للدين وكان قابضا للعين وكانا شركين ( ( ( شريكين ) ) ) فيه وجه قول محمد إن نفس الكيل في الدين ليس بقبض لما ذكرنا فإذا بدأ بكيله لم يصر المشتري قابضا له فإذا كاله بعده فقد خلط ملك المشتري بملك نفسه فيشتركان في المخلوط ونفس الكيل في العين قبض فإذا بدأ بكيله صار المشتري قابضا له ثم إذا كان ( ( ( كال ) ) ) الدين بعده فقد استهلك العين بالخلط فقام ذلك الدين مقام العين فصار قابضا له وجه قول أبي يوسف أن البائع خلط ملك المشتري بملك نفسه في الحال بأمر المشتري فكان مضافا إلى المشتري والخلط من أسباب التملك في الجملة فيملك المشتري الدين بالخلط وقد جعله في غرائره بأمره فصار قابضا له والله عز وجل أعلم ولو باع قطنا في فراش أو حنطة في سنبل وسلم كذلك فإن أمكن المشتري قبض القطن أو الحنطة من غير فتق الفراش أو دق السنبل صار قابضا له لحصول معنى القبض وهو التخلي والتمكن من التصرف وإن لم يمكنه إلا بالفتق والدق لم يصر قابضا له لأنه لا يملك الفتق أو الدق لأنه تصرف في ملك البائع وهو لا يملك التصرف في ملكه فلم يحصل التمكن والتخلي فلا يصير قابضا ولو باع الثمرة على الشجرة وسلم كذلك صار قابضا لأنه يمكنه الجذاذ من غير تصرف في ملك البائع فحصل التخلي بتسليم الشجر فكان قبضا بخلاف بيع القطن في الفراش والحنطة في السنبل ولهذا قالوا إن أجرة الجذاذ على المشتري وأجرة الفتق والدق على البائع إذا كان المشتري لا يمكنه القبض إلا به لأنه صار قابضا للثمن بتسليم الشجر فكان الجاذ عاملا للمشتري فكانت الأجرة عليه ولم يحصل القبض بتسليم الفراش والسنبل فكان الفتق والدق على البائع مما يتحقق به التسليم فكانت أجرته عليه هذا إذا كان المبيع في يد البائع وقت البيع فأما إذا كان في يد المشتري فهل يصير قابضا للبيع بنفس العقد أم يحتاج فيه إلى تجديد القبض فالأصل فيه أن الموجود وقت العقد إن كان مثل المستحق بالعقد ينوب منابه وإن لم يكن مثله فإن كان أقوى من المستحق ناب عنه وإن كان دونه لا ينوب لأنه إذا كان مثله أمكن تحقيق التناوب لأن المتماثلين غيران ينوب كل واحد منهما مناب صاحبه ويسد مسده وأن كان أقوى منه يوجد فيه المستحق وزيادة وإن كان دونه لا يوجد فيه إلا بعض المستحق فلا ينوب عن كله

قسم V05/P247–V05/P248

وبيان ذلك في مسائل وجملة الكلام فيها أن يد المشتري قبل الشراء إما إن كانت يد ضمان وإما إن كانت يد أمانة فإن كانت يد ضمان فإما إن كانت يد ضمان بنفسه وإما إن كانت يد ضمان بغيره فإن كانت يد ضمان بنفسه كيدا ( ( ( كيد ) ) ) لغاصب ( ( ( الغاصب ) ) ) يصير المشتري قابضا لمبيع ( ( ( للمبيع ) ) ) بنفس العقد ولا يحتاج إلى تجديد القبض سواء كان المبيع حاضرا أو غائبا لأن المغصوب مضمون بنفسه والمبيع بعد القبض مضمون بنفسه فتجانس القبضان فناب أحدهما عن الآخر لأن التجانس يقتضي التشابه والمتشابهان ينوب كل واحد منهما مناب صاحبه ويسد مسده سواء كان المبيع حاضرا أو غائبا لأن يد الغاصب في الحالين يد ضمان وإن كان يده يد ضمان لغيره كيد الرهن بأن باع الراهن المرهون من المرتهن فإنه لا يصير قابضا إلا أن يكون الرهن حاضرا أو يذهب إلى حيث الرهن ويتمكن من قبضه لأن المرهون ليس بمضمون بنفسه بل بغيره وهو الدين والمبيع مضمون بنفسه فلم يتجانس القبضان فلم يتشابها فلا ينوب أحدهما عن الآخر ولأن الرهن أمانة في الحقيقة فكان قبضه قبض أمانة وإنما يسقط الدين بهلاكه لمعنى آخر لا لكونه مضمونا على ما عرف وإذا كان أمانة فقبض الأمانة لا ينوب عن قبض الضمان كقبض العارية والوديعة وإن كانت يد المشتري يد أمانة كيد الوديعة والعارية لا يصير قابضا إلا أن يكون بحضرته أو يذهب إلى حيث يتمكن من قبضه بالتخلي لأن يد الأمانة ليست من جنس يد الضمان فلا يتناوبان والله عز وجل أعلم ولو اختلف البائع والمشتري في قبض المبيع فقال البائع قبضته وقال المشتري لم أقبضه فالقول قول المشتري لأن البايع يدعي عليه وجود القبض وتقرر الثمن وهو ينكر ولأن عدم القبض أصل والوجود عارض فكان المشتري تمسكا ( ( ( متمسكا ) ) ) بالأصل والبايع ( ( ( والبائع ) ) ) يدعي أمرا عارضا فكان الظاهر شاهدا للمشتري فكان القول قوله مع يمينه وكذا إذا قبض بعضه واختلفا في قدر المقبوض فالقول قول المشتري لما قلنا ولو اختلفا في قبض الثمن فالقول قول البائع لما قلنا في قبض المبيع والله أعلم ولو اختلفا فقال البائع للمشتري قطعت يده فصرت قابضا وقال المشتري للبائع أنت قطعت يده وانفسخ البيع فيه لم يقبل قول كل واحد منهما على صاحبه ويجعل كأنه ( ( ( كأن ) ) ) يده ذهبت بآفة سماوية لتعارض الدعوتين وانعدام دليل الترجيح لأحدهما فلا يكون قول أحدهما بالقبول على صاحبه أولى من قول الآخر فلا يقبل ويجعل كأنها ذهبت بآفة سماوية ويخير المشتري لتغير المبيع قبل القبض فإن شاء أخذ الباقي بجميع الثمن وإن شاء رده على البائع فإن اختار الأخذ يحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه ويأخذ كذا ذكر القدوري رحمه الله في شرحه أما تحليف البائع فلا إشكال فيه لأن المشتري يدعي عليه سقوط بعض الثمن وهو ينكر فيحلف لأنه إذا حلف لا يسقط عن المشتري شيء من الثمن فكان تحليفه مفيدا وأما تحليف المشتري فمشكل لأنه لا يفيد شيئا لأنه يأخذه بعد الحلف بكل الثمن وهذا فيما إذا اختار المشتري الرد على البائع لأنه لا يحلف البائع بل يحلف المشتري وحده لأن تحليف البائع لا يفيده شيئا حيث يرده عليه وكذلك لو كان المبيع مما يكال أو يوزن فذهب بعضه فاختلفا فقال البائع للمشتري أنت أكلت وقال المشتري للبائع مثل ذلك إنه لا يقبل قول واحد منهما على صاحبه ويجعل كأنه ذهب بعضه بآفة سماوية لما قلنا ويخير المشتري لتفرق الصفقة إلا أن هناك إن اختار الأخذ أ خذ الباقي بما بقي من الثمن لأن القدر في المكيل والموزون معقود عليه فكان له حصة من الثمن والأطراف من الحيوان جارية مجرى الأوصاف فلا يقابلها الثمن إلا إذا صارت مقصودة بالقبض أو بالجناية على ما بينا فيما تقدم

قسم V05/P248

وذكر القدوري رحمه الله ههنا أيضا أنه يحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه ويأخذ ولا إشكال ههنا في تحليف المشتري لأن التحليف مفيد في حقه لأن البائع يدعي عليه كل الثمن وهو ينكر فيندفع عنه لزوم كل الثمن بالحلف فكان مفيدا وأما تحليف البائع ففيه إشكال لأن المشتري يدعي عليه سقوط بعض الثمن وذا حاصل له من غير تحليفه فلم يكن تحليفه مفيدا في حقه فينبغي أن لا يحلف وإن اختار الرد على البائع حلف المشتري وحده دون البائع لما قلنا فإن أقام أحدهما البينة قبلت بينته لأنها قامت على أمر جائز الوجود وإن أقاما البينة فالبينة بينة البائع لأنها مثبتة ألا ترى أنها توجب دخول السلعة في ضمان المشتري وتقرر الثمن عليه وبينة المشتري نافية فالمثبتة أولى والله عز وجل أعلم ومنها ثبوت حق الحبس للمبيع لاستيفاء الثمن وهذا عندنا وقال الشافعي رحمه الله في قول يسلمان معا وفي قول يسلم المبيع أولا ثم يسلم الثمن أما قوله الأول فبناء على أصله الذي ذكرنا فيما تقدم وهو أن الثمن والمبيع من الأسماء المترادفة عنده ويتعين كل واحد منهما بالتعيين فكان كل ثمن مبيعا وكل مبيعا ( ( ( مبيع ) ) ) ثمنا وأما قوله الثاني وهو أن في تقديم تسليم المبيع صيانة العقد عن الانفساخ بهلاك المبيع وليس ذلك في تقديم تسليم الثمن لأنه لو هلك المبيع قبل القبض ينفسخ العقد وإن قبض الثمن فكان تقديم تسليم المبيع أولى صيانة للعقد عن الانفساخ ما أمكن ولنا قوله عليه الصلاة والسلام الدين مقضي وصف عليه الصلاة والسلام الدين بكونه مقضيا عاما أو مطلقا فلو تأخر تسليم الثمن عن تسليم المبيع لم يكن هذا الدين مقضيا وهذا خلاف النص وروي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال ثلاث لا يؤخرن الجنازة إذا حضرت والأيم إذا وجدت لها كفء والدين إذا وجدت ما يقضيه وتقديم تسليم المبيع تأخير الدين وإنه منفي بظاهر النص ولأن المعاوضات مبناها على المساواة عادة وحقيقة ولا تتحقق المساواة إلا بتقديم تسليم الثمن لأن المبيع متعين قبل التسليم والثمن لا يتعين إلا بالتسليم على أصلنا فلا بد من تسليمه أولا تحقيقا للمساواة وقوله فيما قلته صيانة للعقد عن الانفساخ بهلاك المبيع قلنا هلاكه قبل تسليم الثمن نادر والنادر ملحق بالعدم فيلزم اعتبار معنى المساواة ثم الكلام في هذا الحكم في موضعين أحدهما في بيان شرط ثبوت هذا الحكم والثاني في بيان ما يبطل به بعد ثبوته أما شرط ثبوته فشيئان أحدهما أن يكون أحد البدلين عينا والآخر دينا فإن كانا عينين أو دينين فلا يثبت حق الحبس بل يسلمان معا لما ذكرنا فيما تقدم والثاني أن يكون الثمن حالا فإن كان مؤجلا لا يثبت حق الحبس لأن ولاية الحبس تثبت حقا للبائع لطلبة المساواة عادة لما بينا ولما باع بثمن مؤجل فقد أسقط حق نفسه فبطلت الولاية ولو كان الثمن مؤجلا في العقد فلم يقبض المشتري المبيع حتى حل الأجل فله أن يقبضه قبل نقد الثمن وليس للبائع حق الحبس لأنه أسقط حق نفسه بالتأجيل والساقط متلاشي ( ( ( متلاش ) ) ) فلا يحتمل العود وكذلك لو طرأ الأجل على العقد بأن أخر الثمن بعد العقد فلم يقبض البائع حتى حل الأجل له أن يقبضه قبل نقد الثمن ولا يملك البائع حبسه لما قلنا ولو باع بثمن مؤجل فلم يقبض المشتري حتى حل الأجل هل له أجل آخر في المستقبل ينظر إن ذكرا أجلا مطلقا بأن ذكرا سنة مطلقة غير معينة فله أجل آخر هو سنة أخرى من حين يقبض المبيع عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد الثمن حال وليس له أجل آخر وإن ذكرا أجلا بعينه بأن باعه إلى رمضان فلم يقبضه المشتري حتى مضى رمضان صار الثمن حالا بالإجماع وجه قولهما أن السنة المطلقة تنصرف إلى سنة تعقب العقد بلا فصل فإذا مضت انتهى الأجل كما لو عين الأجل نصا

قسم V05/P248–V05/P249

ولأبي حنيفة رحمه الله أن الأصل في الثمن شرع نظرا للمشتري لينتفع بالمبيع في الحال مع تأخير المطالبة بالثمن ولن يحصل هذا الغرض له إلا وأن يكون اعتبار الأجل من وقت قبض المبيع فكان هذا تأجيلا من هذا الوقت دلالة بخلاف ما إذا عين الأجل لأنه نص على تعينه فوجب اعتبار المنصوص عليه إذ لا دلالة مع النص بخلافها ولو كان في البيع خيار الشرط لهما أو لأحدهما والأجل مطلق فابتداء الأجل من حين وجوب العقد وهو وقت سقوط الخيار لا من حين وجوده لأن تأجيل الثمن هو تأخيره عن وقت وجوبه ووقت وجوبه هو وقت العقد وانبرامه لا قبله إذ لا وجوب للثمن قبله والله عز وجل أعلم وأما بيان ما يبطل به حق الحبس بعد ثبوته وما لا يبطل فنقول وبالله التوفيق إذا أخر الثمن بعد العقد بطل حق الحبس لأنه أخر حق نفسه في قبض الثمن فلا يتأخر حق المشتري في قبض المبيع وكذا المشتري إذا نقد الثمن كله أو أبرأه البائع عن كله بطل حق الحبس لأن حق الحبس لاستيفاء الثمن واستيفاء الثمن ولا ثمن محال ولو نقد الثمن كله إلا درهما كان له حق حبس المبيع جميعه لاستيفاء الباقي لأن المبيع في استحقاق الحبس بالثمن لا يتجزأ فكان كل المبيع محبوسا بكل جزء من أجزاء الثمن وكذلك لو باع شيئين صفقة واحدة وسمى لكل واحد منهما ثمنا فنقد المشتري حصة أحدهما كان للبائع حبسهما حتى يقبض حق الآخر لما قلنا ولأن قبض أحدهما دون الآخر تفريق الصفقة الواحدة في حق القبض والمشتري لا يملك تفريق الصفقة الواحدة في حق القبول بأن يقبل الإيجاب في أحدهما دون الآخر فلا يملك التفريق في حق القبض أيضا لأن القبض ( ( ( للقبض ) ) ) شبها بالعقد وكذلك لو أبرأه من حصة أحدهما فله حبس الكل لاستيفاء الباقي لما ذكرنا وكذلك لو باع من اثنين فنقد أحدهما حصته كان له حق حبس المبيع حتى يقبض ما على الآخر وروي عن أبي يوسف رحمه الله في النوادر أنه إذا نقد أحدهما نصف الثمن يأخذ نصف المبيع ووجهه أن الواجب على كل واحد منهما نصف الثمن فإذا أدى النصف فقد أدى ما وجب عليه فلا معنى لتوقف حقه في قبض المبيع على أداء صاحبه ولأنه لو توقف وصاحبه مختار في الأداء قد يؤدي وقد لا يؤدي فيفوت حقه أصلا ورأسا وهذا لا يجوز ولهذا جعل التخلية والتخلي تسليما وقبضا في الشرع على ما ذكرنا فيما تقدم وجه ظاهر الرواية على نحو ما ذكرنا أن المبيع في حق الاستحقاق لحبس الثمن لا يحتمل التجزي ( ( ( التجزؤ ) ) ) فكان استحقاق بعضه استحقاق كله وما ذكرنا أن الصفقة واحدة فلا تحتمل التفريق في البعض كما لا تحتمله في القبول فإن غاب أحدهما لم يجبر الآخر على تسليم كل الثمن لأن الواجب على كل واحد منهما نصف الثمن لا كله فلا يؤاخذ بتسليم كله فإن اختار الحاضر ذلك ونقد كل الثمن وقبض المبيع هل يكون متبرعا فيما تقدم ( ( ( نقد ) ) ) أم لا أخلف ( ( ( اختلف ) ) ) فيه قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله لا يكون متبرعا فيما نقد وله أن يحبسه عن الشريك الغائب حتى يستوفي ما نقد عنه وقال أبو يوسف رحمه الله هو متبرع في حصته وجه قوله ظاهر لأنه قضى دين غيره بغير أمره فكان متبرعا كما في سائر الديون ولهما أنه قضى دين صاحبه بأمره دلالة فلا يكون متبرعا كما لو قضاه بأمره نصا

قسم V05/P249–V05/P250

ودلالة ذلك أنه لما غاب قبل نقد الثمن مع علمه أن صاحبه استحق قبض نصيبه من المبيع بتسليم حصته من الثمن ولا يمكنه الوصول إليه إلا بتسليم كل الثمن كان إذنا له بتسليم حصته من الثمن فكان قاضيا دينه بأمره دلالة فلم يكن متطوعا وصار هذا كمن أعار ماله إنسانا ليرهنه بدينه فرهن ثم أفتكه الغير من مال نفسه لا يكون تبرعا ( ( ( متبرعا ) ) ) ويرجع على الراهن لأن الراهن لما علم أنه علق مال الغير بدينه ولا يزول العلوق إلا بانفكاكه فكان ادنا ( ( ( إذنا ) ) ) له بالفكاك دلالة كذا هذا وله حق حبس العبد إلى أن يستوفي ما نقد عنه كما لو نقد بأمره نصا ولو أدى جميع الثمن وقبض العبد ثم هلك في يده قبل الحبس يرجع على شريكه بنصف الثمن لأنه أدى عنه بأمره دلالة على ما ذكرنا والله عز وجل أعلم والرهن بالثمن والكفالة به لا يبطلان حق الحبس لأنهما لا يسقطان الثمن عن ذمة المشتري ولا حق المطالبة به فكانت الحاجة إلى تعيينه بالقبض قائمة فيبقى حق الحبس لاستيفائه وأما الحوالة بالثمن فهل تبطل حق الحبس قال أبو يوسف تبطل سواء كانت الحوالة من المشتري بأن أحال المشتري البائع بالثمن على إنسان وقبل المحال عليه الحوالة أو من البائع بأن أحال البائع غريما له على المشتري وقال محمد إن كانت الحوالة من المشتري لا تبطل وللبائع أن يحبس المبيع حتى يستوفي الثمن من المحال عليه وإن كانت من البائع فإن كانت مطلقة لا تبطل أيضا وإن كانت مقيدة بما عليه تبطل فأبو يوسف أراد بقاء الحبس على بقاء الدين في ذمة المشتري وذمته برئت من دين المحيل بالحوالة فيبطل حق الحبس ومحمد اعتبر بقاء حق المطالبة لبقاء حق الحبس وحق المطالبة لم يبطل بحوالة المشتري ألا ترى أن له أن يطالب المحال عليه فلم يبطل حق الحبس وبطلت حوالة البائع إذا كانت مقيدة بما على المحال عليه فبطل حق الحبس والصحيح اعتبار محمد لأن حق الحبس في الشرع يدور مع حق المطالبة بالثمن لا مع قيام الثمن في ذاته بدليل أن الثمن إذا كان مؤجلا لا يثبت حق الحبس والثمن في ذمة المشتري قائم وإنما سقطت المطالبة دل أن حق الحبس يتبع حق المطالبة بالثمن لا قيام الثمن في ذاته وحق المطالبة في حوالة المشتري وحوالة البائع إذا كانت مطلقة فكان حق الحبس ثابتا وفي حوالة البائع إذا كانت مقيدة ينقطع فلم ينقطع حق الحبس وعلى هذا الخلاف إذا أحال الراهن المرتهن بدينه على رجل أو أحال المرتهن غريما له بدينه على الراهن حوالة مطلقة أو مقيدة أنه يبطل حق المرتهن في حق حبس الرهن عند أبي يوسف وعند محمد لا يبطل في حوالة الراهن وكذا في حوالة المرتهن إذا كانت مطلقة وإن كانت مقيدة تبطل ولو أعار البائع المبيع للمشتري أو أودعه بطل حق الحبس حتى لا يملك استرداده في ظاهر الرواية وروي عن أبي يوسف أنه لا يبطل وللبائع أن يسترده وجه هذه الرواية أن عقد الإعارة والإيداع ليس بعقد لازم فكان له ولاية الاسترداد كالمرتهن إذا أعار الرهن من الراهن أو أودعه إياه له أن يسترده لما قلنا كذا هذا وجه ظاهر الرواية أن الإعارة والإيداع أمانة في يد المشتري وهو لا يصلح نائبا عن البائع في اليد لأنه أصل في الملك فكان أصلا في اليد فإذا وقعت العارية أو الوديعة في يده وقعت بجهة الأصالة وهي يد الملك ويد الملك يد لازمة فلا يملك إبطالها بالاسترداد وبخلاف الرهن فإن المرتهن في اليد الثابتة بعقد الرهن بمنزلة الملك فيمكن تحقيق معنى الإنابة ويد النيابة لا تكون لازمة فملك الاسترداد ولو قبض المشتري المبيع بإذن البائع بطل حق الحبس حتى لا يملك الاسترداد لأنه أبطل حقه بالإذن بالقبض ولو قبض بغير إذنه لم يبطل وله أن يسترده لأن حق الإنسان لا يجوز إبطاله عليه من غير رضاه

قسم V05/P250–V05/P251

ولو كان المشتري تصرف فيه نظر في ذلك إن كان تصرفا يحتمل الفسخ كالبيع والهبة والرهن والإجارة والأمهار فسخه واسترده لأنه تعلق به حقه وإن كان تصرفا لا يحتمل الفسخ كالإعتاق والتدبير والاستيلاد لا يملك الاسترداد لأن الاسترداد والإعارة إلى الحبس إما إن كان مع نقض هذه التصرفات وإما إن كان مع قيامها لا سبيل إلى الأول لأن هذه التصرفات لا تحتمل النقض ولا سبيل إلى الثاني لأنها إذا بقيت كانت الإعادة إلى الحبس حبس الجزء من كل وجه أو من وجه دون وجه وكل ذلك لا يجوز فبطل حق الحبس أصلا ولو نقد المشتري الثمن فوجده البائع زيوفا أو ستوقا أو مستحقا أو وجد بعضه كذلك فهذا لا يخلو إما أن يكون المشتري قبض المبيع وإما أن يكون لم يقبض فإن كان لم يقبضه كان له حق الحبس في الفصول كلها لأنه تبين أنه ما استوفي حقه وإن كان قبضه المشتري ينظر إن كان قبضه بغير إذن البائع فللبائع أن يسترده في الفصول كلها لما قلنا وكذلك إن كان المشتري تصرف في المبيع فللبائع أن يفسخ تصرفه ويسترد المبيع إلا إذا كان تصرفا لا يحتمل الفسخ فلا يفسخ ويطالب المشتري بالثمن فلو نقد المشتري الثمن قبل أن يفسخ التصرف الذي يحتمل الفسخ لا يفسخ لأنه لما نقد الثمن فقد بطل حقه في الحبس فبطل حق الفسخ والاسترداد وإن كان قبضه بإذن البائع ينظر إن وجده زيوفا فردها لا يملك استرداد المبيع عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر له أن يسترد وهو قول أبي يوسف وجه قول زفر أن البائع ما رضي بزوال حق الحبس إلا بوصول حقه إليه وحقه في الثمن السليم لا في المعيب فإذا وجده معيبا فلم يسلم له حقه فكان له أن يسترد المبيع حتى يستوفي حقه كالراهن إذا قضي دين المرتهن وقبض الرهن ثم إن المرتهن وجد المقبوض زيوفا كان له أن يرده ويسترد الرهن لما قلنا كذا هذا ولنا أن البائع يسلم المبيع بعد استيفاء جنس حقه فلا يملك الاسترداد بعد ما استوفى حقه ودلالة ذلك أن الزيوف جنس حقه من حيث الأصل وإنما الفائت صفة الجودة بدليل أنه لو تجوز به في الصرف والسلم جاز ولو لم يكن من جنس حقه لما جاز لأنه يكون استبدالا ببدل الصرف والسلم وأنه لا يجوز وإذا كان المقبوض جنس حقه فتسلم المبيع بعد استيفاء جنس الحق يمنع من الاسترداد بخلاف الرهن لأن الارتهان استيفاء لحقه من الرهن والافتكاك إيفاء من مال آخر فإذا وجد زيوفا تبين أنه ما استوفي حقه فكان له ولاية الاسترداد والدليل على التفرقة بين الرهن والبيع أنه لو أعار المبيع المشتري بطل حق الحبس حتى لا يملك استرداده ولو أعار المرهون الراهن لا يبطل حق الحبس وله أن يسترده فإن وجده ستوقا أو رصاصا أو مستحقا وأخذ منه له أن يرد بخلاف الزيوف لأن البائع إنما أذن للمشتري بالقبض على أنه استوفي حقه وتبين أنه لم يستوف أصلا ورأسا لأن الستوق والرصاص ليسا من جنس حقه ألا ترى أنه لو تجوز بها في الصرف والسلم لا يجوز وإن كان الإذن بالقبض على تقدير استيفاء الحق وقد تبين أنه لم يستوف فتبين أنه لم يكن آذنا له بالقبض ولا راضيا به فكان له ولاية الاسترداد ولو كان المشتري تصرف فيه فلا سبيل للبائع عليه سواء كان تصرفا يحتمل الفسخ كالبيع والرهن والإجارة ونحوها أو لا يكون كالإعتاق ونحوه بخلاف ما إذا قبضه بغير إذن البائع قبل نقد الثمن وتصرف فيه تصرفا يحتمل الفسخ أنه يفسخ ويسترد لأن هناك لم يوجد الإذن بالقبض فكان التصرف في المبيع إبطالا لحقه فيرد عليه إذا كان محتملا للرد

قسم V05/P251–V05/P252

وههنا وجد الأذن بالقبض فكان تصرف المشتري حاصلا عن تسليط البائع فنفذ وبطل حقه في الاسترداد كالمقبوض على وجه البيع الفاسد إذا تصرف فيه المشتري أنه يبطل حق البائع في الفسخ إلا أن في البيع الفاسد إذا أجر المبيع تفسخ الإجارة وههنا لا تفسخ لأن الإجارة تفسخ بالعذر وقد تحقق العذر في البيع الفاسد لأنه مستحق الفسخ حقا للشرع دفعا للفساد فجعل استحقاق الفسخ بسبب الفساد عذرا في فسخ الإجارة ولا فساد ههنا فلا عذر في الفسخ فلا يفسخ ولو كان مكان البيع كتابة فأدى المكاتب بدل الكتابة فعتق ثم وجد المولى المقبوض زيوفا أو مستحقا فالعتق ماض فإن وجده ستوقا أو رصاصا لا يعتق مما ذكرنا أن الزيوف من جنس حقه فصار بقبضها قابضا أصل حقه وكذا قبض الدراهم المستحقة وقع صحيحا ظاهرا واحتمال الإجازة بعد ظهور الاستحقاق ثابت أيضا والعتق بعد ثبوته ظاهرا لا يحتمل الفسخ بخلاف ما إذا وجدها ستوقا أو رصاصا لأن ذلك ليس من جنس حقه أصلا ورأسا فلم يوجد أو أبدل الكتابة فلا يعتق يحقق الفرق بينهما إذا حلف لا يفارق غريمه حتى يستوفي حقه فقبض ثم وجد المقبوض بعد الافتراق زيوفا أو مستحقا فرد الزيوف أو أخذ المالك المستحقة بر في يمينه وإن وجده ستوقا أو رصاصا حنث في يمينه والله عز وجل أعلم ولو قبض المشتري المبيع بإذن البائع ثم أفلس أو مات قبل نقد الثمن أو بعد ما نقد منه شيئا وعليه ديون لأناس شتى هل يكون البائع أحق به من سائر الغرماء اختلف فيه قال أصحابنا لا يكون له بل الغرماء كلهم أسوة فيه فيباع ويقسم ثمنه بينهم بالحصص وقال الشافعي رحمه الله البائع أحق به وإن لم يكن قبضه حتى أفلس أو مات فإن كان الثمن مؤجلا فهو على هذا الاختلاف وإن كان حالا فالبائع أحق به بالإجماع احتج الشافعي بما روي عن رسول الله أنه قال إذا أفلس المشتري فوجد البائع متاعه عنده فهو أحق به وهذا نص في الباب ولأن العجز عن تسليم المبيع يوجب حق الفسخ للمشتري بالإجماع فإن من باع عبدا فأبق قبل القبض أو غصب أو كانت دابة فضلت للمشتري أن يفسخ البيع والعجز عن تسليم الثمن يوجب الفسخ للبائع أيضا لأن البيع عقد معاوضة ومبنى المعاوضات على المساواة ولنا ما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال من باع بيعا فوجده وقد أفلس الرجل فهو ماله بين غرمائه وهذا نص وهو عين مذهبنا ولأن البائع لم يكن له حق حبس المبيع حال كون المشتري حيا مليا فلا يكون أحق بثمنه بعد موته وإفلاسه لأن الثمن بدل المبيع قائم مقامه واعتبار الثمن بالمبيع غير سديد لأن بينهما مفارقة في الأحكام ألا ترى أن ملك المبيع شرط جواز العقد وملك الثمن ليس بشرط ( ( ( شرطا ) ) ) فإنه لو اشترى شيئا بدراهم لا يملكها جاز ولو باع شيئا لا يملكه لا يجوز وكذا لا يجوز التصرف في المبيع المنقول قبل القبض والتصرف في الثمن قبل القبض جائز وغير ذلك من الأحكام فكان اعتبار الثمن بالمبيع على الإطلاق فاسد ( ( ( فاسدا ) ) ) والحديث محمول على ما إذا قبض المبيع بغير إذن البايع وعندنا البائع أحق به في هذه الحالة إلا أنه ذكر الإفلاس وإن كان حق الاسترداد لا يتقيد به لأن المليء يتمكن من دفع الاسترداد بنقد الثمن والمفلس لا يتمكن من ذلك فكان ذكر الإفلاس مفيدا ( ( ( مقيدا ) ) ) فحملناه على ما قلنا توفيقا بين الدلائل والله عز وجل الموفق ومنها وجوب الاستبراء في شراء الجارية وجملة الكلام فيه أن الاستبراء نوعان نوع هو مندوب ونوع هو واجب أما المندوب إليه فهو استبراء البائع إذا وطىء جارية وأراد أن يبيعها أو يخرجها عن ملكه بوجه من الوجوه عند عامة العلماء وقال مالك رحمه الله هو واجب وجه قوله أنه يحتمل شغل الرحم بماء البائع فيلزمه التعرف عن ذلك بالاستبراء كما في جانب المشتري

قسم V05/P252–V05/P253

ولنا أن سبب الوجوب لم يوجد في حق البائع على ما نذكر والاعتبار بالمشتري غير سديد لأن الوجوب عليه لصيانة مائه عن الاختلاط بماء البائع والخلط يحصل بفعل المشتري لا بفعل البائع فتجب الصيانة عليه بالاستبراء لا على البائع إلا أنه يندب إليه لتوهم اشتغال رحمها بمائه فيكون البيع قبل الاستبراء مباشرة شرط الاختلاط فكان الاستبراء مستحبا وكذا إذا وطىء أمته أو مدبرته أو أم ولد ( ( ( ولده ) ) ) له ثم أراد أن يزوجها من غيره يستحب أن لا يفعل حتى يستبرئها لما قلنا وإذا زوجها قبل الاستبراء أو بعده فللزوج أن يطأها من غير استبراء وقال محمد رحمه الله أحب إلى أن يستبرئها بحيضة ولست أوجبه عليه وكذلك الرجل إذا رأى امرأة تزني ثم تزوجها له أن يطأها من غير استبراء وقال محمد أحب إلي أن لا يطأها حتى يستبرئها ويعلم فراغ رحمها والله أعلم وأما الاستبراء الواجب فهو استبراء المشتري وكل من حدث له حل الاستمتاع بالجارية بحدوث ملك اليمين مطلقا والكلام فيه في مواضع في بيان وجوب هذا النوع من الاستبراء وفي بيان سبب وجوبه وفي بيان ما يقع به من الاستبراء أما الأول فالأصل فيه ما روي عن رسول الله أنه قال في سبايا أوطاس ألا لا توطأ الحبالى حتى يضعن ولا الحبالى ( ( ( الحيالى ) ) ) حتى يستبرأن بحيضة والنص الوارد في السبي يكون واردا في سائر أسباب الملك دلالة لأن الاستبراء طلب براءة الرحم وإنه واجب على المشتري لأن به يقع الصيانة عن الخلط والخلط حرام لما روي عن رسول الله أنه قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقين ماءه زرع غيره والصيانة عن الحرام تكون واجبة ولا تقع الصيانة إلا بالاستبراء فيكون واجبا ضرورة فلا يحل له وطؤها قبل الاستبراء ولا أن يلمسها بشهوة أو ينظر إلى فرجها عن شهوة لأن كل ذلك داع إلى الوطء والوطء إذا حرم حرم بدواعيه كما في باب الظهار وغيره بخلاف الحائض حيث لم تحرم الدواعي منها لأن المحرم هناك ليس هو الوطء بل استعمال الأذى والوطء حرام لغيره وهو استعمال الأذى ولا يجوز ذلك في الدواعي فلا يجوز والله أعلم وأما سبب وجوبه فهو حدوث حل الاستمتاع بملك اليمين لعدم الملك لهم قال النبي عليه الصلاة والسلام لا يتسرى العبد ولا يسريه مولاه ولا يملك العبد ولا المكاتب شيئا إلا الطلاق ولو اشترى جارية من عبده المأذون ينظر إن لم يكن على العبد دين أصلا أو عليه دين غير مستغرق لا يجب عليه أن يستبرئها إذا كانت حاضت عند العبد ويجتزىء ( ( ( ويجتزئ ) ) ) بتلك الحيضة لأن كسب المأذون الذي لا دين عليه أو عليه دين غير مستغرق ملك المولى فقد حاضت في ملك نفسه فيجتزي ( ( ( فيجتزئ ) ) ) بها عن الاستبراء وإن كان عليه دين مستغرق رقبته وكسبه يجب عليه الاستبراء عند أبي حنيفة رحمه الله وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله لا يجب عليه بناء على أن المولى لا يملك كسب عبده المأذون المديون دينا مستغرقا عنده وعندهما يملكه ولو تبايعا بيعا صحيحا ثم تقايلا فإن كانت الإقالة قبل القبض فالقياس أن يجب الاستبراء على البائع وهو رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة رحمهما الله وفي الاستحسان لا يجب وهو رواية محمد عن أبي حنيفة رحمهما وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله وجه القياس أنه وجد سبب الوجوب في حقه وهو حدوث حل الاستمتاع بحدوث ملك اليمين حقيقة وإنكار الحقائق مكابرة وجه الاستحسان أن الأقالة قبل القبض فسخ والفسخ رفع من الأصل وإعادة إلى قديم الملك كأنه لم يزل عن ملك البائع فلم يوجد السبب مع ما أن الملك قبل القبض غير متأكد والتأكيد إثبات من وجه فلم يتكامل الملك للمشتري فلم يحدث ملك اليمين للبائع على الإطلاق فلم يتكامل السبب وإن كانت الإقالة بعد القبض يجب

قسم V05/P253–V05/P254

أما عند أبي يوسف فلأن الإقالة بيع جديد فكانت استحداثا للملك مطلقا وأما عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وإن كان فسخا لكن في حق العاقدين فأما في حق ثالث فبيع جديد والاستبراء يجب حقا للشرع فاعتبر حق الشرع ثالثا في حق وجوب الاستبراء احتياطا ولو رد الجارية بعيب أو خيار رؤية يجب الاستبراء على البائع لوجود السبب وهو حدوث حل الاستمتاع بحدوث ملك اليمين لأن خيار الرؤية وخيار العيب لا يمنع ثبوت الملك للمشتري وأما الرد بخيار الشرط فينظر فيه إن كان الخيار للبائع فلا يجب الاستبراء بالإجماع لأن خياره لا يمنع زوال السلعة عن ملكه فلم يوجد حدوث حل الاستمتاع بحدوث ملك اليمين وإن كان الخيار للمشتري لا يجب الاستبراء على البائع عند أبي حنيفة رحمه الله سواء كان الرد قبل القبض أو بعده بناء على أن خيار المشتري يمنع دخول السلعة في ملكه عند أبي حنيفة وإذا لم تدخل في ملك المشتري وإن خرجت عن ملك البائع فلأنها لم تخرج وبقيت على ملكه فلم يوجد سبب الوجوب وأما عندهما فإن كان الرد قبل القبض فالقياس أن يجب لأنها زالت عن ملك البائع ودخلت في ملك المشتري فإذا ردت عليه فقد وجد سبب الوجوب في حق البائع وفي الاستحسان لا يجب لأن الرد قبل القبض فسخ محض ورفع للعقد من الأصل كأنه لم يكن وإن كان بعد القبض يجب الاستبراء قياسا واستحسانا لأنها دخلت في ملك المشتري وإن كان المبيع فاسدا ففسخ وردت الجارية إلى البائع فإن كان قبل القبض فلا استبراء على البائع لأنها على ملكه فلم يحدث له الحل وإن كان بعده فعليه الاستبراء بالإجماع لوجود السبب ولو أسر العدو الجارية ثم عادت إلى المالك فإن كان قبل الإحراز بدار الحرب فلا استبراء على المالك لانعدام السبب وهو حدوث الحل بحدوث الملك وإن كان بعد الأحراز بدراهم ( ( ( بدارهم ) ) ) وجب لوجود السبب ولو أبقيت ( ( ( أبقت ) ) ) من دار الإسلام إلى دار الحرب وأخذها الكفار ثم عادت إلى صاحبها بوجه من الوجوه فلا استبراء عليه عند أبي حنيفة لأنهم لم يملكوها فلم يوجد السبب وعندهما عليه الاستبراء لأنهم ملكوها لوجود السبب ولو اشترى جارية مع غيره فلا استبراء عليهما لانعدام السبب وهو حدوث الحل إذ لا تحل لأحدهما ولو اشترى جارية ولها زوج فقبضها وطلقها الزوج قبل الدخول بها فلا استبراء على المشتري لأنه لم يوجد السبب وهو حدوث حل الاستمتاع بحدوث ملك اليمين وقت الشراء لقيام فراش الزوج وبعد زوال الفراس ( ( ( الفراش ) ) ) لم يحدث سبب حدوث الحل وهو ملك اليمين وذكر الكرخي رحمه الله أن على قول أبي يوسف يجب الاستبراء على المشتري ومن هذا استخرجوا لإسقاط الاستبراء حيلة وهي أن يزوج البائع الجارية ممن يجوز له نكاحها ولم يكن تحته حرة ونحو ذلك من الشرائط ثم يبيعها ويسلمها إلى المشتري ثم يطلقها الزوج قبل الدخول بها فتحل للمشتري من غير استبراء وإن طلقها الزوج قبل القبض ثم قبضها المشتري لا يحل له وطؤها حتى يستبرئها وحيلة أخرى لإسقاط الاستبراء أن يزوجها البائع من المشتري قبل الشراء والمشتري ممن يجوز له نكاحها بأن لم يكن تحته حرة ونحو ذلك ثم يشتريها فيفسد النكاح ويحل له وطؤها من غير استبراء وهذا الوجه الثاني أولى لأنه يسقط عنه جميع المهر وفي الوجه الأول على الزوج المطلق نصف المهر للبائع فيحتاج إلى إبرائه عنه ولو كانت الجارية في عدة من زوجها عدة طلاق أو عدة وفاة فاشتراها وقبضها ثم انقضت عدتها فلا استبراء عليه لأن قيام العدة بمنزلة قيام النكاح ولو كانت منكوحة فطلقها قبل الدخول بها لم يجب الاستبراء كذا هذا وعلى ما ذكره الكرخي رحمه الله على قول أبي يوسف يجب الاستبراء فإن انقضت عدتها قبل القبض لم يعتد بذلك ولا تحل له حتى يستبرئها بعد القبض بحيضة أخرى في ظاهر الرواية

قسم V05/P254

وروي عن أبي يوسف أنه يعتد بذلك كما يعتد بالحيضة قبل القبض عنده وعلى هذا يخرج عدم وجوب الاستبراء في النكاح حتى أن من تزوج جارية فللزوج أن يطأها من غير استبراء لأن السبب لم يوجد وهو حدوث حل الاستمتاع بملك اليمين وقال محمد أحب إلي أن يستبرئها بحيضة ولست أوجبها عليه وذكر الكرخي رحمه الله وقال لا استبراء عليه في قول أبي حنيفة رضي الله عنه وقال أبو يوسف استبرأ بها الزوج استحسانا وجه قول أبي يوسف إن المعنى الذي له وجب الاستبراء في ملك اليمين موجود في ملك النكاح وهو التعرف عن براءة الرحم فوجب الاستبراء في الملكين ولأبي حنيفة أن جواز نكاحها دليل براءة رحمها شرعا فلا حاجة إلى التعرف بالاستبراء وما ذكره محمد نوع احتياط وهو حسن وعلى هذا يخرج ما إذا اشترى جارية فلم يقبضها حتى حاضت في يد البائع حيضة أنه لا يجتزي ( ( ( يجتزئ ) ) ) بها في الاستبراء في ظاهر الرواية حتى لو قبضها لا تحل له حتى يستبرئها بحيضة أخرى لأنه لم يحد ( ( ( يحدث ) ) ) له حل الاستمتاع قبل القبض ولا حدث له ملك اليمين على الإطلاق لانعدام اليد وهذا لأن الملك قبل القبض غير متأكد والتأكد إثبات من وجه فكان له حكم العدم من وجه فلم يجب به الاستبراء وروي عن أبي يوسف أنه يجتزيء ( ( ( يجتزئ ) ) ) بها ولا استبراء لأن الحيضة قبل القبض تصلح دليلا على فراغ رحمها فحصل المقصود من الاستبراء فيكتفي بها وأما بيان ما يقع به الاستبراء فنقول وبالله تعالى التوفيق الجارية في الأصل لا يخلو إما إن كانت ممن تحيض وإما إن كانت ممن لا تحيض فإن كانت ممن تحيض فاستبراؤها بحيضة واحدة عند عامة العلماء وعامة الصحابة رضي الله عنهم وعن معاوية رضي الله عنه أن استبراءها بحيضتين لأن الاستبراء أخت العدة وعدتها حيضتان والصحيح قول العامة لما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال في سبايا أوطاس ألا لا توطأ الحبالى حتى يضعن ولا الحبالى ( ( ( الحيالى ) ) ) حتى يستبرأن بحيضة والفعلة للمرة والتقدير الشرعي يمنع من الزيادة عليه إلا بدليل ولأن ما شرع له الاستبراء وهو حصول العلم بطهارة الرحم يحصل بحيضة واحدة فكان ينبغي أن لا يشترط العدد في باب العدة أيضا إلا أنا عرفنا ذلك نصا بخلاف القياس فيقتصر على مورد النص وإن كانت ممن لا تحيض فلا يخلو إما إن كانت لا تحيض لصغر أو لكبر وإما إن كانت لا تحيض لعلة وهي الممتد طهرها وأما إن كانت لا تحيض لحبل فإن كانت لا تحيض لصغر أو لكبر فاستبراؤها بشهر واحد لأن الأشهر أقيمت مقام الإقراء في حق الآيسة والصغيرة في العدة فكذا في باب الاستبراء وإن كانت لا تحيض لعلة فقد اختلفوا فيه قال أبو حنيفة عليه الرحمة لا يطؤها حتى يعلم أنها غير حامل ولم يوقت في ذلك وقتا وقال أبو يوسف يستبرئها بثلاثة أشهر أو أربعة أشهر وعن محمد روايتان في رواية قال يستبرئها بشهرين وخمسة أيام عدة الإماء وفي رواية قال يستبرئها بأربعة أشهر وعشر مدة عدة الحرائر وقال زفر يستبرئها بسنتين لأن الولد الموجود في البطن لا يبقى أكثر من سنتين فإذا مضت سنتان ولم يظهر بها حمل علم أنها غير حامل ويحتمل أن يكون هذا تفسير قول أبي حنيفة لا يطؤها حتى يعلم أنها غير حامل وهو اختيار الطحاوي ويحتمل أن يكون ما قاله أبو يوسف تفسيرا لقوله لأنها مدة يعلم فيها أنها ليست بحامل لأن الحبل يظهر في مثل هذه المدة لو كان لظهور آثاره من انتفاخ البطن وغير ذلك فيدل عدم الظهور على براءة رحمها

قسم V05/P254–V05/P255

وإن كانت لا تحيض لحبل بها فاستبراؤها بوضع الحمل بعض القبض حدوث حل الاستمتاع بحدوث ملك اليمين مطلقا يعني به ملك الرقبة واليد بأي سبب حدث الملك من الشراء والسبي والصدقة والهبة والأرث ونحوها فلا يجب الاستبراء على البائع لانعدام السبب وهو حدوث الحل ويجب على المشتري لوجود سببه سواء كان بائعه ممن يطأ أو ممن لا يطأ كالمرأة والصبي الذي لا يعقل وسواء كانت الجارية بكرا أو ثيبا في ظاهر الرواية لما قلنا وروي عن أبي يوسف أنه إذا علم المشتري أنها لم توطأ لا يجب الاستبراء لأن الاستبراء طلب براءة الرحم وفراغها عما يشغلها ورحم البكر برية فارغة عن الشغل فلا معنى لطلب البراءة والفراغ والجواب أن الوقوف على حقيقة الشغل والفراغ متعذر فتعلق الحكم بالسبب الظاهر وهو حدوث حل الاستمتاع بحدوث ملك اليمين مطلقا وقد وجد ولا يجب على من حرم عليه فرج أمته بعارض الحيض والنفاس والردة والكتابة والتزويج إذا زالت هذه العوارض بأن طهرت وأسلمت وعجزت فطلقها الزوج قبل الدخول بها لأن حل الاستمتاع لم يحدث بل كان ثابتا لكن منع منه لغيره وقد زال بزوال العوارض وكذا لم يحدث ملك اليمين فلم يوجد السبب ولا يجب بشراء جارية لا يحل فرجها بملك اليمين بأن وطئها أبوه أو ابنه أو لمسها بشهوة أو نظر إلى فرجها لا بشهوة أو كان هو وطىء أمها أو ابنتها أو نظر إلى فرجها عن شهوة أو كانت مرتدة أو مجوسية ونحو ذلك من الفروج التي لا تحل بملك اليمين لأن فائدة الاستبراء التمكن من الاستمتاع بعد حصول انعدام مانع معين منه وهو اختلاط الماءين والاستبراء في هذه المواضع لا يفيد التمكن من الاستمتاع لوجود مانع آخر وهو أن المحل لا يحتمل الحل ولا يجب على العبد والمكاتب والمدبر لانعدام لأن وضع الحمل في الدلالة على فراغ رحمها فوق الحيضة فإذا وضعت حملها حل له أن يستمتع بها فيما سوى الجماع ما دامت في نفاسها كما في الحائض فإن وضعت حملها قبل القبض ثم قبضها لا يطؤها حتى يستبرئها ولا يجتزي ( ( ( يجتزئ ) ) ) بوضع الحمل قبل القبض كما يجتزي ( ( ( يجتزئ ) ) ) بالحيضة قبل القبض وعلى قياس ما روي عن أبي يوسف يجتزي ( ( ( يجتزئ ) ) ) به كما يجتزي ( ( ( يجتزئ ) ) ) بالحيضة قبل القبض والله عز وجل أعلم ثم ما ذكرنا من الحكم الأصل ( ( ( الأصلي ) ) ) للبيع وما يجري مجرى التوابع للحكم الأصلي كما يثبت في المبيع يثبت في زوائد المبيع عندنا وعند الشافعي رحمه الله لا يثبت شيء من ذلك في الزوائد والكلام فيه مبني على أصل وهو أن زوائد المبيع مبيعة عندنا سواء كانت منفصلة أو متصلة متولدة من الأصل أو غير متولدة منه إلا الهبة والصدقة والكسب وعنده ليست بمبيعة أصلا وإنما تملك بملك الأصل لا بالبيع السابق وجه قول الشافعي رحمه الله في إثبات هذا الأصل أن المبيع ما أضيف إليه البيع ولم توجد الإضافة إلى الزوائد لكونها منعدمة عند البيع فلا تكون ( ( ( يكون ) ) ) مبيعة ولهذا لم يكن الكسب مبيعا ولأن المبيع ما يقابله ثمن إذ البيع مقابله المبيع بالثمن والزيادة لا يقابلها ثمن لأن كل الثمن مقابل بالأصل فلم تكن مبيعة كالكسب ولهذا لم تجز الزيادة عنده في المبيع والثمن ولنا أن المبيع ما يثبت فيه الحكم الأصلي للبيع والحكم الأصلي للبيع يثبت في الزوائد بالبيع السابق فكانت مبيعة وبيان ذلك أن الحكم الأصلي للبيع هو الملك والزوائد مملوكة بلا خلاف والدليل على أنها مملوكة بالبيع السابق أن البيع السابق أوجب الملك في الأصل ومتى ثبت الملك في الأصل ثبت في التبع فكان ملك الزيادة بواسطة ملك الأصل مضافا إلى البيع السابق فكانت الزيادة مبيعة ولكن تبعا لثبوت الحكم الأصلي فيها تبعا وعلى هذا الأصل مسائل بيننا وبين الشافعي رحمه الله

قسم V05/P255–V05/P256

منها أن للبائع حق حبس الزوائد لاستيفاء الثمن كما له حق حبس الأصل عندنا وعنده ليس له أن يحبس الزوائد ومنها أن البائع إذا أتلف الزيادة سقطت حصتها من الثمن عن المشتري عندنا كما لو أتلف جزءا من المبيع وعنده لا يسقط شيء من الثمن وعليه ضمانها كما أو أتلفها أجنبي ولا خيار للمشتري عند أبي حنيفة وعندهما يثبت على ما مر وكذا إذا أتلف الأرش أو العقر قبل القبض عندنا لأنه بدل الجزء الفائت فكان حكمه حكم الجزء ولو هلكت الزيادة بآفة سماوية لا يسقط شيء من الثمن بالإجماع وإن كانت مبيعة عندنا لأنها مبيعة تبعا بمنزلة أطراف الأم لا مقصودا والأطراف كالأوصاف لا يقابلها شيء من الثمن إلا أن تصير مقصودة بالفعل من القبض أو الجناية ولم يوجد ولا خيار للمشتري لأن الصفقة لم تتفرق عليه لأن العقد ما أضيف إليها وإنما يثبت حكم العقد فيها تبعا فلا يثبت الخيار إلا في ولد الجارية إذا هلك قبل القبض بآفة سماوية فإنه يثبت الخيار للمشتري لا لهلاك الزيادة بل لحدوث نقصان في الأم بسبب الولادة وكذا لا خيار بحدوث زيادة ما قبل القبض إلا في ولد الجارية لأجل نقصان الأم بالولادة لا لحدوث الزيادة ومنها أن المشتري إذا قبض الزوائد يصير لها حصة من الثمن بالقبض عندنا فيقسم الثمن على قيمة الأصل يوم العقد وعلى قيمة الزيادة يوم القبض حتى لو اطلع المشتري على عيب بالأصل فإنه يرده بحصته من الثمن لا بجميع الثمن عندنا وعنده لا حصة للزيادة من الثمن بحال وعند ظهور العيب بالأصل يرد بكل الثمن ولا يكون بإزاء الزيادة شيء وكذا إذا وجد بالزيادة عيبا يردها بحصتها من الثمن وعنده لا يردها بالعيب أصلا وكذا المشتري إذا أتلف الزيادة قبل القبض يصير لها حصة من الثمن عندنا لأنه صار قابضا به بالإتلاف وبالقبض يصير لها حصة من الثمن على ما ذكرنا وعنده لا حصة لها من الثمن بحال ولو هلك الأصل وبقيت الزيادة يبقى العقد في قدر الزيادة عندنا ويصير لها حصة من الثمن فينقسم الثمن على الأصل يوم العقد وعلى الزيادة يوم الهلاك فيبطل ملك الثمن بقدر قيمة الأصل ويبقي بحصة الزيادة بخلاف ما إذا هلك قبل حدوث الزيادة حيث ينفسخ العقد أصلا ورأسا ويسقط كل الثمن لأن هناك لا فائدة في بقاء العقد إذ لو بقي لطلب البائع من المشتري الثمن فيطلب المشتري منه تسليم المبيع ولا يمكنه تسليمه فينفسخ ضرورة لانعدام فائدة البقاء وإذا بقيت الزيادة كان في بقاء العقد في الزيادة فائدة لإمكان تسليمها فبقي العقد فيها وصار لها حصة من الثمن فينقسم على الأصل والزيادة على ما ذكرنا وعنده إذا هلك الأصل انفسخ العقد أصلا ورأسا ومنها أنه إذا أتلفها أجنبي وضمنها بلا خلاف فالمشتري بالخيار عندنا إن شاء اختار الفسخ ويرجع البائع على الجاني بضمان الجناية وإن شاء اختار المبيع واتبع الجاني بالضمان وعليه جميع الثمن كما لو أتلف الأصل وعنده عليه الضمان ولا خيار للمشتري

قسم V05/P256

ومنها إذا اشترى نخلا بكر من تمر فلم يقبض النخل حتى أثمر النخل كرا فقبض النخل مع الكر الحادث لا يطيب الكر وعليه أن يتصدق به عندنا لأن التمر الحادث عندنا زيادة متولدة من المبيع فكان مبيعا وله عند القبض حصة من الثمن كما لغيره من الزوائد والثمر من جنسه زيادة عليه فلو قسم على النخل والكر لحادث ( ( ( الحادث ) ) ) يصير ربا فيفسد البيع في الكر الحادث ولا يفسد في النخل بخلاف ما إذا باع نخلا وكرا من تمر بكر من تمر إن العقد يفسد في التمر والنخل جميعا لأن هناك الربا دخل في العقد باشتراطهما وصنعهما لأن بعض المبيع مال الربا وهو التمر والتمر مقسوم عليهما فيتحقق الربا وإدخال الربا في العقد يفسد العقد كله وههنا البيع كان صحيحا في الأصل لأن الثمن خلاف جنس المبيع وهو النخل وحده إلا أنه لما زاد بعد العقد صار مبيعا في حال البقاء لا بصنعهما فيفسد في الكر الحادث ويقتصر الفساد عليه ومنها إذا اشترى عبدا بألف درهم يساوي ألفين فقتل قبل القبض فاختار البيع واتباع ( ( ( وابتاع ) ) ) الجاني فأخذ قيمته ألفين يتصدق بالألف الزائد عندنا لأنه ربح ما لم يضمن وعنده لا يتصدق بشيء والله عز وجل أعلم ومنها إذا غصب كر حنطة فابتليت ( ( ( فابتلت ) ) ) في يد الغاصب وانتفخت حتى صارت كرا ونصف كر ضمن للمالك كرا مثله فإنه يملك ذلك الكر ونصف الكر عندنا لكن يتصدق بنصف الكر الزائد وطاب له ما بقي لأن الملك عندنا يثبت من وقت الغصب بالضمان والزيادة بالانتفاخ حصلت بعد ذلك فتعتبر بالزيادة المتولدة وعند الشافعي رحمه الله في هذا الفصل يرد الكل لأن المضمونات عنده لا تملك بالضمان ومنها أن الزوائد الحادثة بعد القبض مبيعة أيضا عندنا حتى لو وجد المشتري بالأصل عيبا فالزيادة تمنع الرد والفسخ بالعيب وبسائر أسباب الفسخ على ما نذكره في خيار العيب في بيان الأسباب المانعة من الرد بالعيب إن شاء الله تعالى وعنده ليست بمبيعة في أي حال حدثت ولا تمنع رد الأصل بالعيب بكل الثمن ولو اشترى أرضا فيها أشجار مثمرة فإن كان عليها ثمر وسماه حتى دخل في البيع فالثمر له حصة من الثمن بلا خلاف حتى لو كانت قيمة الأرض خمسمائة وقيمة الشجر خمسمائة وقيمة الثمر كذلك فإن الثمن يقسم على الكل أثلاثا بالإجماع لأن الكل معقود عليه مقصودا ( ( ( مقصود ) ) ) لورود فعل العقد على الكل فإن كان للثمر حصة من الثمن حتى لو هلك بآفة سماوية أو بفعل البائع بأن أكله يسقط عن المشتري ثلث الثمن وله الخيار إن شاء أخذ الأرض والشجر بثلثي الثمن وإن شاء ترك لأن الثمر لما كان مبيعا مقصودا بهلاكه تفرقت الصفقة على المشتري قبل التمام فيثبت الخيار وإن لم يكن الثمر موجودا وقت العقد وحدث بعده قبل القبض فأكله البائع فقد صار له حصة من الثمن عندنا لصيرورته مبيعا مقصورا بالإتلاف على ما بينا لكن الكلام في كيفية أخذ الحصة فاختلف أصحابنا فيها قال أبو حنيفة ومحمد يأخذ الحصة من الشجر والأرض جميعا فيقسم الثمن على الشجر والأرض والثمر أثلاثا فيسقط ثلث الثمن بإتلاف البائع وقال أبو يوسف يأخذ الحصة من الشجر خاصة فيقسم الثمن على قيمة الأرض والشجر ثم ما أصاب الشجر يقسم عليه يوم العقد وعلى قيمة الثمر يوم الإتلاف فيسقط بيانه إذا كانت قيمة الأرض ألفا وقيمة الأشجار ألفا وقيمة الثمر كذلك فأكل البائع الثمر قبل القبض يسقط عن المشتري ثلث الثمن عندهما ويأخذ الأرض والأشجار بثلثي الثمن ولا خيار له عند أبي حنيفة خاصة وعند محمد له الخيار إن شاء أخذ الأرض والشجر بثلثي القيمة وإن شاء ترك