Qur'an&Sunnah

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)

قسم V06/P046–V06/P047

وإذا اعتبر الصلح على المنافع إجارة يصح بما تصح به الإجارات ويفسد بما تفسد به ولصاحب العبد أن يعتقه لأن صحة الإعتاق يقف على قيام ملك الرقبة وأنه قائم فأشبه إعتاق المستأجر والمرهون وليس له أن يبيعه لأن جواز البيع بعد ملك اليد ولم يوجد فلا يجوز بيعه كالعبد المستأجر والمرهون وله أن يؤاجره من غيره لأن منفعته صارت مملوكة له بالصلح فإن شاء استوفاه بنفسه وإن شاء ملكها من غيره كالعبد المستأجر وله أن يؤاجره من المدعى عليه في مدة الصلح عند أبي يوسف ولا يبطل الصلح كما لو آجره من غيره وعند محمد لا يجوز ويبطل الصلح كما لو آجره من المؤاجر في مدة الإجارة وإنه لا يجوز بالإجماع وتبطل الإجارة الأولى ولا يجب على المستأجر شيء من الأجرة كذا هذا وله أن يسافر به وذكر في الإجارة أن من استأجر عبدا للخدمة لم يكن له أن يسافر به للتفاوت بين خدمتي السفر والحضر والفرق أن المسافرة بالعبد المستأجر للخدمة إلحاق الضرر بالآجر لأن مؤنة الرد في باب الإجارة عليه وربما يلزمه برده مؤنة تزيد على الأجرة فيتضرر به فلم يملك المسافرة به دفعا للضرر عنه وهذا المعنى ههنا منعدم لأن مؤنة الرد لا تلزم صاحب العبد فأشبه العبد الموصي بخدمته والعبد المرهون وهما يملكان المسافرة به كذا هذا ولو ادعى على رجل دارا في يده فأنكر المدعى عليه فصالحه على أن يسكن المدعى عليه الذي في يده الدار سنة ثم يدفعها إلى المدعي جاز لأن المدعي متصرف في ملك نفسه ببدل المنفعة للمدعى عليه في زعمه سنة والمدعى عليه متصرف في ملك نفسه باستيفاء المنفعة لنفسه في المدة المشروطة فكان كل واحد منهما متصرفا في ملك نفسه في زعمه فيجوز ومنها أن يكون متقوما فلا يصح الصلح على الخمر والخنزير من المسلم لأنه ليس بمال متقوم في حقه وكذا إذا صالح على دن من خل فإذا هو خمر لم يصح لأنه تبين أنه لم يصادف محله ومنها أن يكون مملوكا للمصالح حتى أنه إذا صالح على مال ثم استحق من يد المدعي لم يصح الصلح لأنه تبين أنه ليس مملوكا للمصالح فتبين أن الصلح لم يصح ومنها أن يكون معلوما لأن جهالة البدل تؤدي إلى المنازعة فتوجب فساد العقد إلا إذا كان شيئا لا يفتقر إلى القبض والتسليم كما إذا ادعى رجلان كل واحد منهما على صاحبه حقا ثم تصالحا على أن جعل كل واحد منهما ما ادعاه على صاحبه صلحا مما ادعاه عليه صاحبه يصح الصلح وإن كان مجهولا لأن جهالة البدل لا تمنع جواز العقد لعينها بل لإفضائها إلى المنازعة المانعة من التسليم والتسلم فإذا كان ما لا يستغني عن التسليم والتسلم لا يفضي إلى المنازعة فلا يمنع الجواز إلا أن الصلح من القصاص في النفس وما دونه تتحمل الجهالة القليلة في البدل كما تتحمل في المهر في باب النكاح والخلع والإعتاق على مال والكتابة لما علم ولو صالح على مسيل أو شرب من نهر لا حق له في رقبته أو على أن يحمل كذا وكذا جذعا على هذا الحائط وعلى أن يسيل ميزابه في داره أياما معلومة لا يجوز لأن ما وقع عليه الصلح في هذه المواضع مفتقر إلى القبض والتسليم فلم تكن جهالته محتملة لهذا لا يجوز بيعها فلا يصح الصلح عليها والأصل أن كل ما يجوز بيعه وشراؤه يجوز الصلح عليه وما لا فلا فصل وأما الذي يرجع إلى المصالح عنه فأنواع أحدها أن يكون حق العبد لاحق الله عز وجل سواء كان مالا عينا أو دينا أو حقا ليس بمال عين ولا دين حتى لا يصح الصلح من حد الزنا والسرقة وشرب الخمر بأن أخذ زانيا أو سارقا من غيره أو شارب خمر فصالحه على مال أن لا يرفعه إلى ولي الأمر لأنه حق الله تعالى جل شأنه

قسم V06/P047–V06/P048

ولا يجوز الصلح من حقوق الله تعالى عز شأنه لأن المصالح بالصلح متصرف في حق نفسه إما باستيفاء كل حقه أو باستيفاء البعض وإسقاط الباقي أو بالمعاوضة وكل ذلك لا يجوز في غير حقه وكذا إذا صالح من حد القذف بأن قذف رجلا فصالحه على مال على أن يعفو عنه لأنه وإن كان للعبد فيه حق فالمغلب فيه حق الله تعالى والمغلوب ملحق بالعدم شرعا فكان في حكم الحقوق المتمحضة حقا لله تعالى عز وجل وإنها لا تحتمل الصلح كذا هذا وكذلك لو صالح شاهدا يريد أن يشهد عليه على مال على أن لا يشهد عليه فهو باطل لأن الشاهد في إقامة الشهادة محتسب حقا لله تعالى عز شأنه قال الله سبحانه وتعالى وأقيموا الشهادة لله والصلح عن حقوق الله عز وجل باطل ويجب عليه رد ما أخذ لأنه أخذه بغير حق ولو علم القاضي به أبطل شهادته لأنه فسق إلا أن يحدث توبة فتقبل ويجوز الصلح عن التعزير لأنه حق العبد وكذا يصح عن القصاص في النفس وما دونه لأن القصاص من حق العبد سواء كان البدن ( ( ( البدل ) ) ) عينا أو دينا إلا إذا كان دينا يشترط القبض في المجلس احترازا عن الافتراق عن دين بدين وسواء كان معلوما أو مجهولا جهالة غير متفاحشة حتى لو صالح من القصاص على عبد أو ثوب هروي جاز لأن الجهالة قلت ببيان النوع لأن مطلق العبد يقع على عبد وسط ومطلق الثوب الهروي يقع على الوسط منه فتقل الجهالة فيصح الصلح وله الخيار إن شاء أعطى الوسط من ذلك وإن شاء أعطى قيمته كما في النكاح فأما إذا صالح على ثوب أو دابة أو دار لا يجوز لأن الثياب والدواب أجناس تحتها أنواع مختلفة وجهالة النوع متفاحشة فتمنع الجواز وكذا جهالة الدور لاختلاف الأماكن ملحقة بجهالة الثوب والدابة فتمنع الجواز كما في باب النكاح والأصل أن كل جهالة تمنع صحة التسمية في باب النكاح تمنع صحة الصلح من القصاص وما لا فلا لأن ما وقع عليه الصلح والمهر كل واحد منهما يجب بدلا عما ليس بمال والجهالة لا تمنع من الصحة لعينها ألا ترى أن الشرع ورد بمهر المثل في باب النكاح مع أنه مجهول القدر وإنما يمنع منها لإفضائها إلى المنازعة ومبنى النكاح والصلح من القصاص على المسامحة كالإنسان يسامح بنفسه ما لا يسامح بماله عادة فلا يكون القليل من الجهالة مفضيا إلى المنازعة فلا يمنع من الجواز بخلاف باب البيع لأن مبناه على المماكسة ( ( ( المعاكسة ) ) ) والمضايقة لكونه معاوضة مال بمال والإنسان يضايق بماله ما لا يضايق بنفسه فهو الفرق والله عز وجل الموفق وإذا لم يصح الصلح لتفاحش جهالة البدل يسقط القصاص وتجب الدية وفي النكاح يجب مهر المثل إلا أن بينهما فرقا من وجه فإنه لو صالح عن القصاص على خمر أو خنزير لا يصح ولا يجب شيء آخر ولو تزوج امرأة على خمر أو خنزير لا تصح التسمية ويجب مهر المثل وجه الفرق أن الخمر إذا لم تصلح بدل الصلح بطلت تسميته وجعل لفظة الصلح كناية عن العفو وذلك جائز لأن العفو الفضل وفي الصلح معنى الفضل فأمكن جعله كناية عنه وبعد العفو لا يجب شيء آخر فأما لفظ النكاح فلا يحتمل العفو ولو احتمله فالعفو عن حق الغير لا يصح فيبقى النكاح من غير تسمية فيجب مهر المثل كما إذا سكت عن المهر أصلا فهو الفرق وسواء كان البدل قدر الدية أو أقل أو أكثر لقوله تعالى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان وقوله عز وجل فمن عفي له أي أعطى له كذا روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما

قسم V06/P048–V06/P049

وقوله عز شأنه فاتباع بالمعروف أي فليتبع مصدر بمعنى الأمر فقد أمر الله تبارك وتعالى الولي بالاتباع بالمعروف إذا أعطى له شيء واسم الشيء يتناول القليل والكثير فدلت الآية على جواز الصلح من القصاص على القليل والكثير وهذا بخلاف القتل الخطأ وشبه العمد أنه إذا صالح على أكثر من الدية لا يجوز والفرق أن بدل الصلح في باب الخطأ وشبه العمد عوض عن الدية وأنها مقدرة بمقدار معلوم لا تزيد عليه فالزيادة على المقدر تكون ربا فأما بدل الصلح عن القصاص فعوض عن القصاص والقصاص ليس من جنس المال حتى يكون البدل عنه زيادة على المال المقدر فلا يتحقق الربا فهو الفرق وأما كون المصالح عنه معلوما فليس بشرط لجواز الصلح حتى أن من ادعى على آخر حقا في عين فأقر به المدعى عليه أو أنكر فصالح على مال معلوم جاز لأن الصلح كما يصح بطريق المعاوضة يصح بطريق الإسقاط ولا يمكن تصحيحه هنا بطريق المعاوضة لجهالة أحد البدلين فيصحح بطريق الإسقاط فلا يؤدي إلى المنازعة المانعة من التسليم والتسلم والقبض لأن الساقط لا يحتمل ذلك وقد مر أن الجهالة فيما لا يحتمل التسليم والقبض لا تمنع جواز الصلح والثاني أن يكون حق المصالح والثالث أن يكون حقا ثابتا له في المحل فما لا يكون حقا له أو لا يكون حقا ثابتا له في المحل لا يجوز الصلح عنه حتى لو أن امرأة طلقها زوجها ادعت عليه صبيا في يده أنه ابنه منها وجحد الرجل فصالحت عن النسب على شيء فالصلح باطل لأن النسب حق الصبي لا حقها فلا تملك الاعتياض عن حق غيرها ولأن الصلح إما إسقاط أو معاوضة والنسب لا يحتملهما ولو صالح الشفيع من الشفعة التي وجبت له على شيء على أن يسلم الدار للمشتري فالصلح باطل لأنه لا حق للشفيع في المحل إنما الثابت له حق التمليك وهو ليس لمعنى في المحل بل هو عبارة عن الولاية وأنها صفة الوالي فلا يحتمل الصلح عنه بخلاف الصلح عن القصاص لأن هناك المحل يصير مملوكا في حق الاستيفاء فكان الحق ثابتا في المحل فملك الاعتياض عنه بالصلح فهو الفرق وكذلك الكفيل بالنفس إذا صالح على مال أن يبرئه من الكفالة فالصلح باطل لأن الثابت للطالب قبل الكفيل بالنفس حق المطالبة بتسليم نفس المكفول بنفسه وذلك عبارة عن ولاية المطالبة وإنها صفة الوالي فلا يجوز الصلح عنها فأشبه الشفعة وهل تبطل الكفالة فيه روايتان في رواية لا تبطل لأنه ما رضي بسقوط حقه إلا بعوض ولم يسلم له فلا يسقط حقه وفي رواية يسقط لأن الإبراء لا تقف صحته على العوض فيصح وإن لم يسلم العوض فإذا صح أنه إسقاط فالساقط لا يحتمل العود وعلى هذا إذا كان لرجل ظلة على طريق أو كتيف ( ( ( كنيف ) ) ) شارعه أو ميزابه فخاصمه رجل وأراد أن يطرحه فصالحه على مال فهذا لا يخلو من وجهين إما أن يكون الطريق نافذا وإما أن لا يكون نافذا فإذا كان نافذا فخاصمه رجل من المسلمين وأراد طرحه فصالحه على مال فالصلح باطل لأن رقبة الطريق النافذ لا تكون ملكا لأحد من المسلمين وإنما لهم حق المرور وأنه ليس بحق ثابت في رقبة الطريق بل هو عبارة عن ولاية المرور وأنه صفة المار فلا يجوز الصلح عنه مع أنه لا فائدة في هذا الصلح لأنه إن سقط حق هذا الواحد بالصلح فللباقين حق القلع وكذا لو صالح الثاني مع هذا المتقدم إليه على مال يأخذ ( ( ( يؤخذ ) ) ) من المتقدم إليه الطرح فالصلح باطل لأن الطرح واجب عليه فأخذ المال عليه يكون رشوة هذا إذا كان الطريق نافذا فأما إذا لم يكن نافذا فصالحه رجل من أهل الطريق على مال للترك فالصلح جائز لأن رقبة الطريق هنا مملوكة لأهل السكة فكان لكل واحد منهم فيها ملكا فجاز الصلح عنه

قسم V06/P049

وكذا إسقاط حق كل واحد منهم بالصلح مفيد لاحتمال تحصيل رضا الباقين ولا يحتمل ذلك في الوجه الأول لأنهم لا يحصون وكذا لو صالح الثاني مع واحد منهم على مال للترك جاز ويطيب له المال لأن رقبة الطريق مملوكة لهم على الشركة فكان لكل واحد منهم فيها نصيب فكان الصلح اعتياضا عن ملكه فصح فأما في طريق المسلمين فلا ملك لأحد فيها ولا حق ثابت في المحل فلم يكن الصلح اعتياضا عن ملك ولا حق ثابت في المحل فبطل وذكر الجصاص أن جواز الصلح في طريق غير نافذ محمول على ما إذا بنى على الطريق فأما إذا شرع إلى الهواء فلا يجوز لأنه اعتياض عن الهواء ولو ادعى على رجل مالا وأنكر المدعى عليه ولا بينة للمدعي فطلب منه اليمين فصالح عن اليمين على أن لا يستحلفه جاز الصلح وبرىء من اليمين وكذا إذا قال المدعى عليه صالحك ( ( ( صالحتك ) ) ) من اليمين التي وجبت لك علي أو قال افتديت منك يمينك بكذا وكذا صح الصلح لأن هذا صلح عن حق ثابت للمدعي لأن اليمين حق المدعي قبل المدعى عليه قال عليه الصلاة والسلام في قصة الحضرمي والكندي ألك بينة قال لا قال إذا لك يمينه جعل اليمين حق المدعي فكان هذا صلحا عن حق ثابت شرعا للمدعي وكذا الملك في المدعي ثابت في زعمه فكان الصلح عن حق ثابت في حقه وفي حق المدعى عليه وهو بدل المال لإسقاط الخصومة والافتداء عن اليمين ولو قال المدعى عليه اشتريت منك اليمين على كذا وقال المدعي بعت منك اليمين على كذا لا يصح فقد خالف الصلح البيع حيث جاز بلفظ الصلح والافتداء ولم يجز بلفظ البيع والشراء ولو ادعى على رجل أنه عبده فأنكر فصالحه على مائة درهم جاز لأن هذا صلح عن حق ثابت في حق المدعي لأن الرق ثابت في حقه فكان الصلح في حقه إعتاقا على مال فيصح إلا أن الولاء لا يكون له لإنكار المدعى عليه الرق فإن أقام المدعي بعد ذلك بينة لا تقبل إلا في حق إثبات الولاء وكذلك لو صالحه على حيوان في الذمة إلى أجل كان جائزا لأن الرق ثابت في حق المدعي فكان بدل الصلح بدلا عن العتق في حقه فأشبه بدل الكتابة فيجوز على حيوان في الذمة ولو ادعى رجل على امرأة نكاحا فجحدته فصالحته على مال بذلته حتى يترك الدعوى جاز لأن النكاح حق ثابت في حق المدعي فكان الصلح على حق ثابت فكان في معنى الخلع إذ هو أخذ المال بالبضع وقد وجد فكان جائزا وفي حقها بدل مال لإسقاط الخصومة وأنه جائز أيضا للنص ولو ادعت امرأة على رجل نكاحا فجحد الرجل فصالحها على مال بذله لها لا يخلو إما أن يكون النكاح ثابتا أو لم يكن ثابتا فإن لم يكن ثابتا كان دفع المال إليها من الرجل في معنى الرشوة وإن كان ثابتا لا تثبت الفرقة بهذا الصلح لأن العوض في الفرقة تعطيه المرأة لا الزوج فلا يكون المال الذي تأخذه المرأة عوضا عن شيء فلا يجوز ولو ادعى على إنسان مائة درهم فأنكر المدعي عليه فتصالحا على أنه إن حلف المدعى عليه فهو بريء فالصلح باطل والمدعى على دعواه حتى لو أقام بينة أخذه بها لأن قوله على أنه إن حلف المدعى عليه فهو بريء تعليق البراءة بالشرط وأنه باطل لأن في الإبراء معنى التمليك والأصل في التمليك أن لا يحتمل التعليق بالشرط وإن لم تكن له بينة وأراد استحلافه فهو على وجهين إن كان ذلك الحلف عند غير القاضي فله أن يستحلفه عند القاضي مرة أخرى لأن تلك اليمين غير معتبرة لأنها غير واجبة ولا تنقطع بها خصومة فلم يكن معتدا بها وإن كان عند القاضي لم يستحلفه ثانيا لأن الحلف عند القاضي معتد به فقد استوفى المدعي حقه مرة فلا يجب الإيفاء ثانيا

قسم V06/P049–V06/P050

ولو تصالحا على أن يحلف المدعى عليه فإذا حلف فالمال واجب على المدعى عليه فهو باطل لأن هذا تعليق وجوب المال بالشرط وإنه باطل لكونه قمارا ولو أودع إنسانا وديعة ثم طلبها منه فقال المودع هلكت أو قال رددتها وكذبه المودع وقال استهلكتها فتصالحا على شيء فالصلح باطل عند أبي يوسف وعند محمد صحيح وجه قول محمد أن هذا صلح وقع عن دعوى صحيحة ويمين متوجهة فيصح كما في سائر المواضع وجه قول أبي يوسف أن المدعي مناقض في هذه الدعوى لأن المودع أمين المالك وقول الأمين قول المؤتمن فكان أخباره بالرد والهلاك إقرارا من المودع فكان مناقضا في دعوى الاستهلاك والتناقض يمنع صحة الدعوى إلا أنه يستحلف لكن لا لدفع الدعوى لأنها مندفعة لبطلانها بل للتهمة وإذا لم تصح الدعوى لا يصح الصلح ولو ادعى المودع الاستهلاك ولم يقل المودع إنها هلكت أو رددتها فتصالحا على شيء جاز لأن دعوى الاستهلاك صحيحة واليمين متوجهة عليه فصح الصلح ولو طلب المودع الوديعة فجحدها المودع وقال لم تودعني شيئا ثم قال هلكت أو رددتها وقال المودع بل استهلكتها فتصالحا جاز لأن المالك يدعي عليه ضمان الغصب بالجحود إذ هو سبب لوجوب الضمان وكل جواب عرفته في الوديعة فهو الجواب في العارية والمضاربة لأن كل ذلك أمانة ولو اشترى من رجل عبدا فطعن فيه بعيب وخاصمه فيه ثم صالحه على شيء أو حط من ثمنه شيئا فإن كان العبد مما يجوز رده على البائع وله المطالبة بأرش العيب دون الرد فالصلح جائز لأن الصلح عن العيب صلح عن حق ثابت في المحل وهو صفة سلامة المبيع عن عيب وإنها من قبيل الأموال فكان عن العيب معاوضة مال بمال فصح وكذا الصلح عن الإرش معاوضة مال بمال لا شك فيه وإذا صار المبيع بحال لا يملك رده على البائع ولا المطالبة بأرشه بأن باع العبد فالصلح باطل لأن حق الدعوى والخصومة فيهما قبل البيع قد بطل بالبيع فلا يجوز الصلح ولو صالح من العيب ثم زال العيب بأن كان بياضا في عين العبد فانجلى بطل الصلح ويرد ما أخذ لأن المعوض وهي صفة السلامة قد عادت فيعود العوض فبطل الصلح ولو طعن المشتري بعيب فصالحه البائع على أن يبريه ( ( ( يبرئه ) ) ) من ذلك العيب ومن كل عيب فهو جائز لأن الإبراء عن العيب إبراء عن صفة السلامة وإسقاط لها وهي مستحقة على البائع فيصح الصلح عنها والإبراء عن كل عيب وإن كان إبراء عن المجهول لكن جهالة المصالح عنه لا تمنع صحة الصلح فلا تمنع صحة الإبراء للفقه الذي مر قبل هذا إن الجهالة لعينها غير مانعة بل لأفضائها إلى المنازعة المانعة من التسليم والقبض والذي وقع الصلح والإبراء عنه لا يفتقر إلى التسليم والقبض فلا تضره الجهالة وكذلك لو لم يطعن المشتري بعيب فصالحه البائع من كل عيب على شيء فالصلح جائز لأنه وإن لم يطعن بعيب فله حق الخصومة فيصالحه لإبطال هذا الحق ولو خاصمه في ضرب من العيوب نحو الشجاج والقروح فصالحه على ذلك ثم ظهر عيب غيره كان له أن يخاصمه فيه لأن الصلح وقع عن نوع خاص فكان له حق الخصومة في غيره ولو اشترى شيئا من امرأة فظهر به عيب فصالحته على أن تتزوجه فهو جائز وهذا إقرار منها بالعيب فإن كان يبلغ أرش العيب عشرة دراهم فهو مهرها وإن كان أقل من ذلك يكمل لها عشرة دراهم لأن أرش العيب لما صار مهرها والنكاح معاوضة البضع بالمهر فإذا نكحت نفسها فقد أقرت بالعيب وكذلك لو اشترى شيئا بأرش عيب كان إقرارا بالعيب لأن الشراء معاوضة فالإقدام عليه يكون إقرارا بالعيب بخلاف الصلح حيث لا يكون إقرارا بالعيب لأن الصلح مرة يصح معاوضة ومرة يصح إسقاطا فلا يصح دليلا على الإقرار بالشك والاحتمال

قسم V06/P050–V06/P051

ولو اشترى ثوبين كل واحد بعشرة فقبضهما ثم وجد بأحدهما عيبا فصالح على أن يرده بالعيب على أن يزيده في ثمن الآخر درهما فالرد جائز وزيادة الدرهم باطل عند أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف لا يجوز شيء من ذلك وجه قوله إن الرد بالعيب فسخ والفسخ بيع جديد بمنزلة الإقالة والبيع تبطله الشروط الفاسدة وجه قولهما إن هذا تعليق الزيادة في الثمن بالشرط وإنه باطل لأن الزيادة تلحق بأصل العقد وأصل الثمن لا يحتمل التعليق بالشرط لأنه في معنى القمار فكذا الزيادة عليه فأما الرد ففسخ العقد وإنه يحتمل الشرط فجائز ولو ادعى عل امرأة نكاحا فجحدت فصالحها على مائة درهم على أن تقر له بالنكاح فأقرت فهو جائز وتجعل المائة من الزوج زيادة في مهرها لأن إقرارها بالنكاح محمول على الصحة ولو ادعى على إنسان ألفا وأنكر المدعي فصالحه على مائة درهم على أن يقر له بالألف فهو باطل لأن المدعي لا يخلو إما أن يكون صادقا في دعواه وإما أن يكون كاذبا فيها فإن كان صادقا فيها فالألف واجبة على المدعى عليه ويكون أخذ العوض عليه في معنى الرشوة وإنه حرام وإن كان كاذبا في دعواه فإقرار المدعى عليه بالألف التزام المال ابتداء وهذا لا يجوز ولو قال لامرأة أعطيتك مائة درهم على أن تكوني امرأتي ففعلت ذلك فهو جائز إذا كان بمحضر من الشهود ويجعل كناية عن إنشاء النكاح وكذا لو قال تزوجتك أمس على ألف درهم فجحدت فقال أزيدك مائة على أن تقري لي بالنكاح فأقرت جاز ولها ألف ومائة ويحمل إقرارها على الصحة والله عز وجل أعلم هذا الذي ذكرنا إذا كان الصلح بين المدعي والمدعى عليه وأما إذا كان بين المدعي والأجنبي المتوسط أو المتبرع فلا يخلو إما أن كان ذلك بأمر المدعى عليه أو بغير أمره فإن كان بأمره يصح لأنه وكيل عنه والصلح مما يحتمل التوكيل به وإن كان بغيره ( ( ( بغير ) ) ) أمره فهو صلح الفضولي وإنه على خمسة أوجه أحدها أن يضيف الضمان إلى نفسه بأن يقول للمدعي صالحتك أو أصالحك من دعواك هذه على فلان على ألف درهم على أني ضامن لك الألف أو على أن علي الألف والثاني أن يضيف المال إلى نفسه بأن يقول على ألفي هذه أو على عبدي هذا والثالث أن يعين البدل وإن كان لا ينسبه إلى نفسه بأن يقول علي هذه الألف أو علي هذا العبد والرابع أن يسلم البدل وإن لم يعين ولم ينسب بأن قال صالحتك على ألف وسلمها إليه والخامس أن لا يفعل شيئا من ذلك بأن يقول صالحتك على ألف درهم أو على عبد وسط ولم يزد عليه ففي الوجوه الأربعة يصح الصلح لقوله تعالى إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم وهذا خاص في صلح المتوسط وقوله عز شأنه والصلح خير وهذا عام في جميع أنواع الصلح لدخول الألف واللام على الصلح وإنهما لاستغراق الجنس ولأنه بالصلح في هذه الوجوه متصرف على نفسه بالتبرع بإسقاط الدين على الغير بالقضاء من مال نفسه إن كان الصلح عن إقرار وإن كان عن إنكار بإسقاط الخصومة فيصح تبرعه كما إذا تبرع بقضاء دين غيره من مال نفسه ابتداء ومتى صح صلحه يجب عليه تسليم البدل في الوجوه الثلاثة وليس له أن يرجع على المدعى عليه لأن التبرع بقضاء الدين لا يطلق الرجوع على ما نذكره في فصل الحكم إن شاء الله تعالى وأما في الوجه الخامس فموقوف على إجازة المدعى عليه لأن عند انعدام الضمان والنسبة وتعيين البدل والتمكين لا يمكن حمله على التبرع بقضاء دين غيره من مال نفسه فلا يكون ( ( ( يكن ) ) ) متصرفا على نفسه بل على المدعى عليه فيقف على إجازته فإن أجاز نفذ ويجب البدل عليه دون المصالح لأن الإجازة اللاحقة بمنزلة الوكالة السابقة

قسم V06/P051–V06/P052

ولو كان وكيلا من الابتداء لنفذ تصرفه على موكله فكذلك إذا التحق التوكيل بالإجازة وإن رده بطل لأن التصرف على الإنسان لا يصح من غير إذنه وإجازته ثم إنما يصح صلح الفضولي إذا كان حرا بالغا فلا يصح صلح العبد المأذون والصبي لأنهما ليس ( ( ( ليسا ) ) ) من أهل التبرع وكذا الخلع من الأجنبي على هذه الفصول التي ذكرنا بأن كان بإذن الزوج أو المرأة يصير وكيلا ويجب المال على المرأة دون الوكيل وإن كان بغير إذنهما فهو على الفصول التي ذكرنا في الصلح وكذلك الزيادة في الثمن من الأجنبي على هذا التفصيل إن كان بإذن المشتري يكون وكيلا ويجب على المشتري وإن كان بغير إذنه فعلى ما ذكرنا من الفصول وكذلك العفو والصلح عن دم العمد من الأجنبي على هذه الفصول ثم لا يخلو إما أن صالح على المفروض أو على غير المفروض بمقدار المفروض أو بأكثر منه قبل تعيين القاضي أو بعده على ما تقدم والأصل فيه أنه يجوز من صلح الأجنبي ما يجوز من صلح القاتل وما لا فلا وبيان ذلك أنه إذا صالح الفضولي على خمسة عشر ألفا أو على ألفي دينار وضمن قبل تعيين القاضي الواجب على العاقلة جاز الصلح على عشر آلاف درهم وعلى ألف دينار وتبطل الزيادة لما ذكرنا أن الفضولي بالصلح في مثل هذا الموضع متبرع بقضاء دين على المتبرع عليه وليس عليه إلا هذا القدر فلا يصح تبرعه عليه بالزيادة كمن كان له على آخر ألف درهم دين فقضى عنه ألفين بغير أمره له أن يسترد الزيادة هذا إذا صالح على المفروض فإن صالح على جنس آخر جاز لأن المانع من الجواز هو الربا ولا يجري في مختلفي الجنس وكذلك لو صالح على مائتي بعير بعينها أو بغير عينها جاز صلحه على المائة لما أن القاتل لو فعل ذلك بنفسه لما جاز إلا على المائة فكذا الفضولي لما ذكرنا ثم إن كانت بغير أعيانها فالواجب عليه مائة من الإبل على الأسنان الواجبة في باب الدية لأن مطلق الإبل في هذا الباب ينصرف إلى الواجب وإن كانت بأعيانها فالواجب مائة منها والخيار إلى الطالب لأن الرضا بالكل يكون رضا بالبعض فإن كان في أسنان الإبل نقصان عن أسنان الإبل الواجبة في باب الدية فللطالب أن يرد الصلح لأن صلح الطالب على الزيادة على المفروض محمول على أن غرضه أنه لو ظهر نقصان في السن لا يجبر بزيادة العدد فإذا لم تحصل له الزيادة لم يحصل غرضه فاختل رضاه بالنقصان فأوجب حق النقص ولو صالح على مائة على أسنان الدية وضمنها فهو جائز ولا خيار للطالب لأن الصلح على مائة على أسنان الدية استيفاء عين الحق وإن كان القاضي عين الواجب فقضي عليه بالدراهم فصالح المتوسط على ألفي دينار جاز ولا بد من القبض في المجلس كما فعله القاتل بنفسه لأنه صرف فيراعى شرائطه والله أعلم فصل وأما بيان حكم الصلح فنقول وبالله التوفيق إن للصلح أحكاما بعضها أصلي لا ينفصل عنه جنس الصلح المشروع وبعضها دخيل يدخل في بعض أنواع الصلح دون البعض أما الأصل فهو انقطاع الخصومة والمنازعة بين المتداعيين شرعا حتى لا تسمع دعواهما بعد ذلك وهذا حكم لازم جنس الصلح فأما الدخيل فأنواع منها حق الشفعة للشفيع وجملته أن المدعي لو كان دارا وبدل الصلح سوى الدار من الدراهم والدنانير وغيرهما فإن كان الصلح عن إقرار المدعى عليه يثبت للشفيع فيها حق الشفعة لأنه في معنى البيع من الجانبين فيجب حق الشفعة وإن كان الصلح عن إنكار لا يثبت لأنه ليس في معنى البيع من جانب المدعى عليه بل هو بذل المال لدفع الخصومة واليمين لكن للشفيع أن يقوم مقام المدعي فيدلي بحجته على المدعى عليه فإن كانت للمدعي بينة أقامها الشفيع عليه وأخذ الدار بالشفعة لأن بإقامة البينة تبين له أن الصلح كان في معنى البيع

قسم V06/P052–V06/P053

وكذلك إن لم تكن له بينة فحلف المدعى عليه فنكل وإن كان بدل الصلح دارا والصلح عن إقرار المدعى عليه يثبت للشفيع حق الشفعة في الدارين جميعا لما مر أن الصلح هنا في معنى البيع من الجانبين فصار كأنهما تبايعا دارا بدار فيأخذ شفيع كل دار الدار المشفوعة بقيمة الدار الأخرى وإن تصالحا على أن يأخذ المدعي الدار المدعاة ويعطي المدعى عليه دارا أخرى فإن كان الصلح عن إنكار وجبت فيهما الشفعة بقيمة كل واحدة منهما لأن هذا الصلح في معنى البيع من الجانبين وإن كان الصلح عن إقرار لا يصح لأن الدارين جميعا ملك المدعي لاستحالة أن يكون ملكه بدلا عن ملكه وإذا لم يصح الصلح لا تجب الشفعة ولو صالح عن الدار على منافع لا تثبت الشفعة وإن كان الصلح عن إقرار لأن المنفعة ليست بعين مال فلا يجوز أخذ الشفعة بها وإن كان الصلح عن إنكار يثبت للشفيع حق الشفعة في الدار التي هي بدل الصلح ولا يثبت في الدار المدعاة لأن الأخذ بالشفعة يستدعي كون المأخوذ مبيعا في حق من يأخذ منه لأن الصلح عن إنكار في جانب المدعي معاوضة فكان بدل الصلح بمعنى البيع في حقه إذا كان عينا فكان للشفيع حق الأخذ منه بالشفعة وفي جانب المدعى عليه ليس بمعاوضة بل هو إسقاط الخصومة ودفع اليمين عن نفسه فلم يكن للدار المدعاة حكم المبيع في حقه فلم يكن للشفيع أن يأخذها بالشفعة إلا أن يدلي بحجة المدعي فيقيم البينة أو يحلف المدعى عليه فينكل على ما ذكرنا ومنها حق الرد بالعيب وإنه يثبت من الجانبين جميعا إن كان الصلح عن إقرار لأنه بمنزلة البيع وإن كان عن إنكار يثبت في جانب المدعي ولا يثبت في جانب المدعى عليه لأن هذا بمنزلة البيع في حقه لا في حق المدعى عليه والعيب على المدعى عليه في دعواه فإن أقام البينة أخذ حصة العيب وإن لم يثبت المدعى ( ( ( للمدعى ) ) ) عليه حق الرد بالعيب لم يرجع في شيء وكذا لو استحق عليه الدار وقد بنى فيها بناء فنقض لا يرجع على المدعي بقيمة البناء وكذا لو كان المدعي جارية فاستولدها لم يكن مغرورا ولا يرجع بقيمة الولد لأن ما أخذه المدعي ليس بدل المدعي في حقه إلا أنه إذا استحقت الدار المدعاة يرجع على المدعي بما أدى إليه لأن المؤدي بدل الخصومة في حقه وقد تبين أنه لا خصومة له فيه فكان له حق الرجوع بالمؤدي ولو وجد ببدل الصلح عيبا فلم يقدر على رده للهلاك أو للزيادة أو للنقصان في يد المدعي فإن كان الصلح عن إقرار يرجع على المدعى عليه بحصة العيب في المدعي وإن كان عن إنكار يرجع بحصة العيب على المدعى عليه في دعواه فإن أقام البينة أخذ حصة العيب وكذا إذا حلفه فنكل وإن حلف فلا شيء عليه ومنها الرد بخيار الرؤية في نوعي الصلح وفرق الطحاوي بينهما والحق الرد في الصلح عن إنكار ببدل الصلح عن القصاص وبالمهر وبدل الخلع والرد بخيار الرؤية غير ثابت في تلك العقود فكذا ههنا وفي كتاب الصلح أثبت حق الرد في النوعين جميعا من غير فصل هو الصحيح لأن الخيار ثبت للمدعي فيستدعي كونه معاوضة عن حقه وقد وجد وكذلك الأحكام تشهد بصحة هذا على ما نذكر ومنها أنه لا يجوز التصرف في بدل الصلح قبل القبض إذا كان منقولا في نوعي الصلح فلا يجوز للمدعي بيعه وهبته ونحو ذلك وإن كان عقارا يجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد لا يجوز ويجوز ذلك في الصلح عن القصاص للمصالح أن يبيعه ويبرىء ( ( ( ويبرأ ) ) ) عنه قبل القبض وكذلك المهر والخلع والفرق أن المانع من الجواز في سائر المواضع التحرز عن انفساخ العقد على تقدير الهلاك ولم يوجد هنا لأن الصلح عن القصاص بما لا يحتمل الانفساخ فلا حاجة إلى الصيانة بالمنع كالموروث

قسم V06/P053

وبذا تبين أن إلحاق العقد بالعقود التي هي مبادلة مال بغير مال على ما ذكره الطحاوي غير سديد ولو صالح عن القصاص على عين فهلكت قبل التسليم فعليه قيمتها لأن الصلح لم ينفسخ فبقي وجوب التسليم وهو عاجز عن تسليم العين للمصلح فيجب تسليم القيمة ومنها إن الوكيل بالصلح إذا صالح ببدل الصلح يلزمه أو يلزم المدعى عليه فهذا في الأصل لا يخلو من وجهين إما أن يكون الصلح في معنى المعاوضة وإما أن يكون في معنى استيفاء عين الحق فإن كان في معنى المعاوضة يلزمه دون المدعى عليه لأنه يكون جاريا مجرى البيع وحقوق البيع راجعة إلى الوكيل وإن كان في معنى استيفاء عين الحق فهذا على وجهين أيضا إما أن ضمن بدل الصلح وأما إن لم يضمن فإن لم يضمن لا يلزمه لأنه يكون سفيرا بمنزلة الرسول فلا ترجع إليه الحقوق وإن ضمن لزمه بحكم الكفالة لا بحكم العقد وأما الفضولي فإن نفذ صلحه فالبدل عليه ولا يرجع به على المدعى عليه لأنه متبرع وإن وقف صلحه فإن رده المدعى عليه بطل ولا شيء على واحد منهما وإن أجازه جاز والبدل عليه دون الفضولي فصل وأما بيان ما يبطل به الصلح بعد وجوده فنقول وبالله التوفيق ما يبطل به الصلح أشياء منها الإقالة فيما سوى القصاص لأن ما سوى القصاص لأن ما سوى القصاص لا يخلو عن معنى معاوضة المال بالمال فكان محتملا للفسخ كالبيع ونحوه فأما في القصاص فالصلح فيه إسقاط محض لأنه عفو والعفو إسقاط فلا يحتمل الفسخ كالطلاق ونحوه ومنها لحاق المرتد بدار الحرب أو موته على الردة عند أبي حنيفة بناء على أن تصرفات المرتد موقوفة عنده على الإسلام أو اللحوق بدار الحرب والموت فإن أسلم نفذ وإن لحق بدار الحرب وقضى القاضي به أو قتل أو مات على الردة تبطل وعندهما نافذة والمرتدة إذا لحقت بدار الحرب يبطل من صلحها ما يبطل من صلح الحربية لأن حكمها حكم الحربية والمسألة تعرف في موضعها إن شاء الله تعالى ومنها الرد بخيار العيب والرؤية لأنه يفسخ العقد لما علم ومنها الاستحقاق وأنه ليس إبطالا حقيقة بل هو بيان أن الصلح لم يصح أصلا لا أنه بطل بعد الصحة إلا أنه إبطال من حيث الظاهر لنفاذ الصلح ظاهرا فيجوز إلحاقه بهذا القسم لكنه ليس بإبطال حقيقة فكان إلحاقه بأقسام الشرائط على ما ذكرنا أولى وأقرب إلى الصناعة والفقه فكان أولى ومنها هلاك أحد المتعاقدين في الصلح على المنافع قبل انقضاء المدة لأنه بمعنى الإجازة وأنها ( ( ( وإنما ) ) ) تبطل بموت أحد المتعاقدين وأما هلاك ما وقع الصلح على منفعته هل يوجب بطلان الصلح فلا يخلو إما كان حيوانا كالعبد والدابة أو غير حيوان كالدار والبيت فإن كان حيوانا لا يخلو إما إن هلك بنفسه أو باستهلاك فإن هلك بنفسه يبطل الصلح إجماعا وإن هلك باستهلاك فلا يخلو من ثلاثة أوجه إما أن استهلكه أجنبي وأما إن استهلكه المدعى عليه وأما إن استهلكه المدعي فإن استهلكه أجنبي بطل الصلح عند محمد وقال أبو يوسف لا يبطل ولكن للمدعي الخيار إن شاء نقض الصلح وإن شاء اشترى له بقيمته عبدا يخدمه إلى المدة المضروبة وجه قول محمد إن الصلح على المنفعة بمنزلة الإجارة لأن الإجارة تمليك المنفعة بعوض وقد وجد ولهذا ملك إجارة العبد من غيره بمنزلة المستأجر في باب الإجارة والإجارة تبطل بهلاك المستأجر سواء هلك بنفسه أو باستهلاكه ( ( ( باستهلاك ) ) ) كذا هذا

قسم V06/P053–V06/P054

وجه قول أبي يوسف إن هذا صلح فيه معنى الإجارة وكما أن معنى المعاوضة لازم في الإجارة فمعنى استيفاء عين الحق أصل في الصلح فيجب اعتبارهما جميعا ما أمكن ومعلوم أنه لا يمكن استيفاء الحق من المنفعة لأنها ليست من جنس المدعي فيجب تحقيق معنى الاستيفاء من محل المنفعة وهو الرقبة ولا يمكن ذلك إلا بعد ثبوت الملك له فيها فتجعل كأنها ملكه في حق استيفاء حقه منها وبعد القتل أن تعذر الاستيفاء من عينها يمكن من بدلها فكان له أن يستوفي من البدل بأن يشتري له عبدا فيخدمه إلى المدة المشروطة وله حق النقض أيضا لتعذر محل الاستيفاء وإن استهلكه المدعى عليه بأن قتله أو كان عبدا فأعتقه يبطل الصلح أيضا وقيل هذا قول محمد فأما على أصل أبي يوسف فلا يبطل وتلزمه القيمة ليشتري له به ( ( ( بها ) ) ) عبدا آخر يخدمه إلى المدة المشروطة كما إذا قتله أجنبي وكالراهن إذا قتل العبد المرهون أو أعتقه وهذا لأن رقبة العبد وإن كانت مملوكة للمدعي عليه لكنها مشغولة بحق الغير وهو المدعي لتعلق حقه بها فتجب رعايتهما جميعا بتنفيذ العتق ويضمن القيمة كما في الرهن وكذا لو استهلكه المدعي بطل الصلح عند محمد وعند أبي يوسف لا يبطل وتؤخذ من المدعي قيمة العبد ويشتري عبدا آخر يخدمه وهل يثبت الخيار للمدعي في نقض الصلح على مذهبه فيه نظر هذا إذا كان الصلح على منافع الحيوان فأما إذا كان على سكنى بيت فهلك بنفسه بأن انهدم أو باستهلاك بأن هدمه غيره لا يبطل الصلح ولكن لصاحب السكنى وهو المدعي الخيار إن شاء بناه صاحب البيت بيتا آخر يسكنه إلى المدة المضروبة وإن شاء نقض الصلح ولا يتعذر هنا خلاف محمد لأن إجارة العبد تبطل بموته بالإجماع وإجارة الدار لا تبطل بإنهدامها ولصاحب الدار أن يبنيها مرة أخرى في بعض إشارات الروايات عن أصحابنا على ما مر في الإجارات ولو تصالحا عن إنكار المدعى عليه على مال ثم أقر المدعى عليه بعد الصلح لا ينفسخ الصلح لأن الإقرار مبين إن الصلح وقع معاوضة من الجانبين فكان مقرا للصلح لا مبطلا له ولو أقام المدعي البينة بعد الصلح لا تسمع بينته إلا إذا ظهر ببدل الصلح عيب وأنكر المدعى عليه فأقام البينة ليرده بالعيب فتسمع بينته وتبين إن للصلح الماضي حكم الصلح عن إقرار المدعى عليه فكل حكم ثبت في ذلك ثبت في هذا فصل وأما بيان حكم الصلح إذا بطل بعد صحته أو لم يصح أصلا فهو أن يرجع المدعي إلى أصل دعواه إن كان الصلح عن إنكار وإن كان عن إقرار فيرجع على المدعى عليه بالمدعي لا غيره إلا أن في الصلح عن قصاص إذا لم يصح كان له أن يرجع على القاتل بالدية دون القصاص إلا أن يصير مغرورا من جهة المدعى عليه فيرجع عليه بضمان الغرور أيضا وبيان هذه الجملة أنهما إذا تقايلا الصلح فيما سوى القصاص أو رد البدل بالعيب وخيار الرؤية يرجع المدعي بالمدعى إن كان عن إقرار وإن كان عن إنكار يرجع إلى دعواه لأن الإقالة والرد بالعيب وخيار الرؤية فسخ للعقد وإذا فسخ جعل كأن لم يكن فعاد الأمر على ما كان من قبل وكذا إذا استحق لأن بالاستحقاق ظهر أنه لم يصح لفوات شرط الصحة فكأنه لم يوجد أصلا فكان وجوده وعدمه بمنزلة واحدة إلا أن في الصلح عن القصاص عن إقرار لا يرجع بالمدعي وإن فات شرط الصحة لأن صورة الصلح أورثت شبهة في درء القصاص والقصاص لا يستوفي مع الشبهة فسقط لكن إلى بدل وهو الدية

قسم V06/P054–V06/P055

فأما المال وما سوى القصاص من الحقوق والحدود فيما يمكن استيفاؤه مع الشبهة فأمكن الرجوع بالمدعي ولا يرجع بشيء آخر إلا إذا صار مغرورا من جهة المدعى عليه بأن كان بدل الصلح جارية فقبضها واستولدها ثم جاء مستحق فاستحقها وأخذها وأخذ عقرها وقيمة ولدها وقت الخصومة فإنه يرجع على المدعى عليه بالمدعي وبما ضمن من قيمة الولد إن كان الصلح عن إقرار لأنه صار مغرورا من جهته وإن كان الصلح عن إنكار يرجع إلى دعواه لا غير فإن أقام البينة على صحة دعواه أو حلف المدعى عليه فنكل حينئذ يرجع بما ادعى وبقيمة الولد لأنه تبين أنه كان مغرورا فيرجع عليه بضمان الغرور ولا يرجع بالعقر في نوعي الصلح لأن العقر بدل المنفعة ( ( ( لمنفعة ) ) ) المستوفي فكان عليه العقر وإن كان الصلح عن القصاص في النفس أو ما دونها فصالح على جارية فاستولدها ثم استحقت فإنه يرجع على المدعى عليه بقيمة الجارية وبما ضمن من قيمة الولد إن كان الصلح عن إقرار ولا يرجع بالعقر لما ذكرنا وإن كان الصلح عن إنكار يرجع إلى دعواه لا غير فإن أقام البينة أو حلف المدعى عليه فنكل يرجع بقيمة الجارية وبما ضمن من قيمة الولد لما قلنا وإن حلف لا يرجع بشيء أو صالح المتوسط على عبد معين فاستحق العبد أو وجد به عيبا فرده حتى بطل الصلح لا سبيل للمدعي على المتوسط ولكنه يرجع بالمدعي إن كان الصلح عن إقرار وإن كان عن إنكار يرجع إلى دعواه لأن المتوسط بهذا الصلح لا يضمن سوى تسليم العبد المعين ولو صالح على دراهم مسماة وضمنها ودفعها إليه ثم استحقت أو وجدها زيوفا له أن يرجع على المصالح المتوسط لأنه بالضمان التزم تسليم الجارية وسلامة المضمون ولو استحقت الدار المدعاة بعد الصلح عن إقرار أو عن إنكار كان للمدعى عليه أن يرجع بما دفع أما في موضع الإقرار فلا شك فيه لأن المأخوذ عوض في حقهما جميعا وأما في موضع الإنكار فلأن المأخوذ عوض في حق المدعي عن المدعى عليه وقد فات بالاستحقاق فيجب عليه رد عوضه وهذا إذا استحق كل الدار فأما إذا استحق بعضها فإن كان ادعى جميع الدار يرجع بحصة ما استحق لفوات بعض ما هو عوض عن المستحق وإن كان ادعى فيها حقا لم يرجع بشيء لجواز أن يكون المدعي ما وراء المستحق وإذا بطل الصلح على المنافع بموت أحد المتعاقدين وغير ذلك في أثناء المدة فإن كان الصلح عن إقرار رجع بالمدعي بقدر ما لم يستوف من المنفعة وإن كان عن إنكار رجع إلى الدعوى في قدر ما لم يستوف من المنفعة ولو صالح عن القصاص على دن من خمر فإذا هو خل أو على عبد فإذا هو حر فهو على الاختلاف الذي عرف في باب النكاح إلا أن فيما يجب مهر المثل هناك تجب الدية هنا وفيما تجب القيمة لرجل مثله هناك يجب ذاك هنا ولا يشبه هذا ما إذا صالح عن القصاص على خمر وهو يعلم بأنه خمر أنه لا يجب شيء وههنا يجب شيء لأن هناك صار مغرورا من جهة المدعى عليه بتسمية العبد والخل وكل من غر غيره في شيء يكون ملتزما ما يلحقه من العهدة فيه فإذا ظهر الأمر بخلافه كان له حق الرجوع عليه بحكم الكفالة والضمان ومعنى الغرور لا يتقدر عنه علمه بحال المسمى فتبقى لفظة الصلح كناية عن العفو وأنه مسقط للحق أصلا فهو الفرق بين الأمرين والله عز وجل أعلم كتاب الشركة الشركة في الأصل نوعان شركة الأملاك وشركة العقود وشركة الأملاك نوعان نوع يثبت بفعل الشريكين ونوع يثبت بغير فعلهما أما الذي يثبت بفعلهما فنحو أن يشتريا شيئا أو يوهب لهما أو يوصى لهما أو يتصدق عليهما فيقبلا فيصير المشتري والموهوب والموصى به والمتصدق به مشتركا بينهما شركة ملك وأما الذي يثبت بغير فعلهما فالميراث بأن ورثا شيئا فيكون الموروث مشتركا بينهما شركة ملك

قسم V06/P055–V06/P056

وأما شركة العقود فالكلام فيها يقع في مواضع في بيان أنواعها وكيفية كل نوع منها وركنه وفي بيان شرائط ركنه وفي بيان حكم الشركة وفي بيان صفة عقد الشركة وفي بيان ما يبطل العقد أما الأول فشركة العقود أنواع ثلاثة شركة بالأموال وشركة بالأعمال وتسمى شركة الأبدان وشركة الصانع وشركة بالتقبل وشركة بالوجوه أما الأول وهو الشركة بالأموال فهو أن يشترك اثنان في رأس مال فيقولان اشتركنا فيه على أن نشتري ونبيع معا أو شتى أو أطلقا على أن ما رزق الله عز وجل من ربح فهو بيننا على شرط كذا أو يقول أحدهما ذلك ويقول الآخر نعم ولو ذكرا الشراء دون البيع فإن ذكرا ما يدل على شركة العقود بأن قالا ما اشترينا فهو بيننا أو ما اشترى أحدنا من تجارة فهو بيننا يكون شركة لأنهما لما جعلا ما اشتراه كل واحد بينهما علم أنهما أرادا به الشركة لا الوكالة لأن الوكيل لا يوكل موكله عادة وإذا لم يكن وكالة لا تقف صحته على ما تقف عليه صحة الوكالة وهو التخصيص ببيان الجنس أو النوع أو قدر الثمن بل يصح من غير بيان شيء من ذلك إن لم يذكرا الشراء والبيع ولا ما يدل على شركة العقود بأن قال رجل لغيره ما اشتريت من شيء فبيني وبينك أو قال فبيننا وقال الآخر نعم فإن أراد ( ( ( أرادا ) ) ) بذلك أن يكونا بمعنى شريكي التجارة كان شركة حتى تصح من غير بيان جنس المشتري ونوعه وقدر الثمن كما إذا نصا على الشراء والبيع وإن أرادا به أن يكون المشتري بينهما خاصة بعينه ولا يكونا فيه كشريكي التجارة بل يكون المشتري بينهما بعينه كما إذا أورثا أو وهب لهما كان وكالة لا شركة فإن وجد شرط صحة الوكالة جازت الوكالة وإلا فلا وهو بيان جنس المشتري وبيان نوعه أو مقدار الثمن في الوكالة الخاصة وهي أن لا يفوض الموكل الرأي إلى الوكيل بأن يقول ما اشتريت لي من عبد تركي أو جارية رومية فهو جائز أو ما اشتريت لي من عبد أو جارية بألف درهم فهو جائز أو بيان الوقت أو قدر الثمن أو جنس المشتري في الوكالة العامة بأن يقول ما اشتريت لي من شيء اليوم أو شهر كذا أو سنة كذا فهو جائز أو قال ما اشتريت لي من شيء بألف درهم فهو جائز أو ما اشتريت لي من البز والخز فهو جائز وإنما كان كذلك لأن مطلق هذا اللفظ يحتمل الشركة ويحتمل الوكالة فلا بد من النية فإن نويا به الشركة كان شركة في عموم التجارات لأن الأصل في الشركة العموم لأن المقصود منها تحصيل الربح وهذا المقصود لا يحصل إلا بتكرار التجارة مرة بعد أخرى ولا يشترط لها بيان شيء مما ذكرنا لأن ذلك ليس بشرط لصحة الشركة وإن نويا به الوكالة كان وكالة ويقف صحتها على شرائطها من الخاصة أو العامة لأن مبنى الوكالة على الخصوص لأن المقصود منها تملك العين لا تحصيل الربح منها فلا بد فيها من التخصيص ببيان ما ذكرنا إلا أنه يكتفي في الوكالة العامة ببيان أحد الأشياء التى وصفنا لأنه لما عممها بتفويض الرأي فيها إلى الوكيل فقد شبهها بالشركة فكان في احتمال الجهالة الفاحشة كالشركة لكنها وكالة والخصوص أصل في الوكالة فلا بد فيها من ضرب تخصيص فإن أتى بشيء مما ذكرنا جازت وإلا بطلت قال بشر سمعت أبا يوسف يقول في رجل قال لرجل ما اشتريت اليوم من شيء فبيني وبينك نصفين فقال الرجل نعم فإن أبا حنيفة رحمه الله قال هذا جائز وكذلك قال أبو يوسف وكذلك إن وقت مالا ولم يؤقت يوما وكذا إن وقت صنفا من الثياب وسمى عددا أو لم يسم ثمنا ولا يوما

قسم V06/P056–V06/P057

وإن قال ما اشتريت من شيء فهو بيني وبينك ولم يسم شيئا مما ذكرنا فإن أبا حنيفة رحمه الله قال لا يجوز وكذلك قال أبو يوسف لما ذكرنا أنه لما لم يذكر البيع ولا ما يدل على شركة العقود علم أنها وكالة فلا تصح إلا بضرب من التخصيص على ما بينا وذكر محمد في الأصل في رجلين اشتركا بغير مال على أن ما اشتريا اليوم فهو بينهما خصا صنفا من الأصناف أو عما لو ( ( ( ولم ) ) ) يخصا فهو جائز وكذلك إن لم يوقتا للشركة وقتا كان هذا جائزا لأنهما لما جعلا ما يشتريه كل واحد بينهما دل على أنها شركة وليست بوكالة لأن الوكالة لا تكون من الجانبين عادة وإذا كان شركة فالشركة لا تحتاج إلى التخصيص قال وإن أشهد أحدهما أن ما يشتريه لنفسه بغير محضر من صاحبه فكلما اشتريا شيئا فهو بينهما لأن الشركة لما صحت كان كل واحد منهما وكيل الآخر فيما يشتريه فهو بالإشهاد أنه يشتري لنفسه يريد إخراج نفسه من الوكالة بغير محضر من الموكل فلا يملك ذلك وأما الشركة بالأعمال فهو أن يشتركا على عمل من الخياطة أو القصارة أو غيرهما فيقولا اشتركنا على أن نعمل فيه على أن ما رزق الله عز وجل من أجرة فهي بيننا على شرط كذا وأما الشركة بالوجوه فهو أن يشتركا وليس لهما مال لكن لهما وجاهة عند الناس فيقولا اشتركنا على أن نشتري بالنسيئة ونبيع بالنقد على أن ما رزق الله سبحانه وتعالى من ربح فهو بيننا على شرط كذا وسمي هذا النوع شركة الوجوه لأنه لا يباع بالنسيئة إلا الوجيه من الناس عادة ويحتمل أنه سمي بذلك لأن كل واحد منهما يواجه صاحبه ينتظران من يبيعهما ( ( ( يبيعها ) ) ) بالنسيئة ويدخل في كل واحد من الأنواع الثلاثة العنان والمفاوضة ويفصل بينهما بشرائط تختص بالمفاوضة نذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى فصل وأما بيان جواز هذه الأنواع الثلاثة فقد قال أصحابنا إنها جائزة عنانا كانت أو مفاوضة وقال الشافعي رحمه الله شركة الأعمال والوجوه لا جواز لها أصلا ورأسا وأما شركة الأموال فتجوز فيها العنان ولا تجوز فيها المفاوضة وقال مالك رحمه الله لا أعرف المفاوضة وقيل في اشتقاق العنان إنه مأخوذ من العن وهو الإعراض يقال عن لي أي اعترض وظهر قال امرؤ القيس عن ( ( ( فعن ) ) ) لنا شرب ( ( ( سرب ) ) ) كأن نعاجه عذارى دوار في ملاء مدبل ( ( ( مذيل ) ) ) سمي هذا النوع مثل الشركة عنانا لأنه يقع على حسب ما يعن لهما في كل التجارات أو في بعضها دون بعض وعند تساوي المالين أو تفاضلهما وقيل هو مأخوذ من عنان الفرس أن يكون بإحدى يديه ويده الأخرى مطلقة يفعل بها ما يشاء فسمي هذا النوع من الشركة له عنانا لأنه لا يكون إلا في بعض الأموال ويتصرف كل واحد منهما في الباقي كيف يشاء أو لأن كل واحد منهما جعل عنان التصرف في المال المشترك لصاحبه وكان أهل الجاهلية يتعاطون هذه الشركة قال النابغة وشاركنا قريشا في بقاها ( ( ( تقاها ) ) ) وفي أحسابها شرك العنان وأما المفاوضة فقد قيل إنها المساواة في اللغة قال القائل وهو العبدي يهدي ( ( ( تهدى ) ) ) الأمور بأهل الرأي ما صلحت فإن تولت فبالأشرار تنقاد لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا سمي هذا النوع من الشركة مفاوضة لاعتبار المساواة فيه في رأس المال والربح والتصرف وغير ذلك على ما نذكر وقيل هي من التفويض لأن كل واحد منهما يفوض التصرف إلى صاحبه على كل حال

قسم V06/P057–V06/P058

وأما الكلام في شركة الأعمال والوجوه فوجه قول الشافعي رحمه الله أن الشركة تنبىء عن الاختلاط ولهذا شرط الخلط لجواز الشركة ولا يقع الاختلاط إلا في الأموال وكذا ما وضع له الشركة لا يتحقق في هذين النوعين لأنها وضعت لاستنماء المال بالتجارة لأن نماء المال بالتجارة والناس في الاهتداء إلى التجارة مختلفون بعضهم أهدى من البعض فشرعت الشركة لتحصيل غرض الاستنماء ولا بد من أصل يستنمي ولم يوجد في هذين النوعين فلا يحصل ما وضع له الشركة فلا يجوز ولنا إن الناس يتعاملون بهذين النوعين في سائر الأعصار من غير إنكار عليهم من أحد قال عليه الصلاة والسلام لا تجتمع أمتي على ضلالة ولأنهما يشتملان على الوكالة والوكالة جائزة والمشتمل على الجائز جائز وقوله إن الشركة شرعت لاستنماء المال فيستدعي أصلا يستنمي فنقول الشركة بالأموال شرعت لتنمية المال وأما الشركة بالأعمال أو بالوجوه فما شرعت لتنمية المال بل لتحصيل أصل المال والحاجة إلى تحصيل أصل المال فوق الحاجة إلى تنميته فلما شرعت لتحصيل الوصف فلأن تشرع لتحصيل الأصل أولى وأما الكلام في الشركة بالأموال فأما العنان فجائز بإجماع فقهاء الأمصار ولتعامل الناس ذلك في كل عصر من غير نكير وما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ولما روي أن أسامة بن شريك جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أتعرفني فقال عليه الصلاة والسلام وكيف لا أعرفك وكنت شريكي ونعم الشريك لا تداري ولا تماري وأدنى ما يستدل بفعله عليه السلام الجواز وكذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس يتعاملون بهذه الشركة فقررهم على ذلك حيث لم ينههم ولم ينكر عليهم والتقرير أحد وجوه السنة ولأن هذه العقود شرعت لمصالح العباد وحاجتهم إلى استنماء المال متحققة وهذا النوع طريق صالح للاستنماء فكان مشروعا ولأنه يشتمل على الوكالة والوكالة جائزة إجماعا وأما المفاوضة فأما قول مالك رحمه الله لا أعرف ما المفاوضة فإن عنى به لا أعرف معناها في اللغة فقد بينا معناها في اللغة إنها عبارة عن المساواة وإن عنى به لا أعرف جوازها فقد عرفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الجواز بقوله عليه الصلاة والسلام تفاوضوا فإنه أعظم للبركة ولأنها مشتملة على أمرين جائزين وهما الوكالة والكفالة لأن كل واحدة منهما جائزة حال الانفراد وكذا حالة الاجتماع كالعنان ولأنها طريق استنماء المال أو تحصيله والحاجة إلى ذلك متحققة فكانت جائزة كالعنان وأما الكلام مع الشافعي رحمه الله فوجه قوله أن المفاوضة تتضمن الكفالة عندكم والكفالة التي تتضمنها المفاوضة كفالة بمجهول وإنها غير صحيحة حالة الانفراد فكذا التي تتضمنها المفاوضة ودليلنا على الجواز ما ذكرنا مع مالك رحمه الله وأما قوله المكفول له مجهول فنعم لكن هذا النوع من الجهالة في عقد الشركة عفو وإن لم يكن عفوا حالة الانفراد كما في شركة العنان فإنها تشتمل على الوكالة العامة وإن كان لا يصح هذا التوكيل حالة الانفراد وكذا المضاربة تتضمن وكالة عامة وإنها صحيحة وإن كانت الوكالة العامة لا تصح من غير بيان حالة الانفراد فكذا هذا وكان المعنى في ذلك الوكالة لا تثبت في هذا العقد مقصودا بل ضمنا للشركة وقد يثبت الشيء ضمنا وإن كان لا يثبت قصدا ويشترط للثابت مقصودا ما لا يشترط للثابت ضمنا وتبعا كعزل الوكيل ونحو ذلك فصل وأما بيان شرائط جواز هذه الأنواع فلجوازها شرائط بعضها يعم الأنواع كلها وبعضها يخص البعض دون البعض أما الشرائط العامة فأنواع منها أهلية الوكالة لأن الوكالة لازمة في الكل وهي أن يصير كل واحد منهما وكيل صاحبه في التصرف بالشراء والبيع وتقبل الأعمال لأن كل واحد منهما أذن لصاحبه بالشراء والبيع وتقبل الأعمال مقتضى عقد الشركة والوكيل هو المتصرف عن إذن فيشترط فيها أهلية الوكالة لما علم في كتاب الوكالة ومنها أن يكون الربح معلوم القدر فإن كان مجهولا تفسد الشركة لأن الربح هو المعقود عليه وجهالته توجب فساد العقد كما في البيع والإجارة

قسم V06/P058

ومنها أن يكون الربح جزءا شائعا في الجملة لا معينا فإن عينا عشرة أو مائة أو نحو ذلك كانت الشركة فاسدة لأن العقد يقتضي تحقق الشركة في الربح والتعيين يقطع الشركة لجواز أن لا يحصل من الربح إلا القدر المعين لأحدهما فلا يتحقق الشركة في الربح وأما الذي يخص البعض دون البعض فيختلف أما الشركة بالأموال فلها شروط منها أن يكون رأس المال من الأثمان المطلقة وهي التي لا تتعين بالتعيين في المفاوضات على كل حال وهي الدراهم والدنانير عنانا كانت الشركة أو مفاوضة عند عامة العلماء فلا تصح الشركة في العروض وقال مالك رحمه الله هذا ليس بشرط وتصح الشركة في العروض والصحيح قول العامة لأن معنى الوكالة من لوازم الشركة والوكالة التي يتضمنها الشركة لا تصح في العروض وتصح في الدراهم والدنانير فإن من قال لغيره بع عرضك على أن يكون ثمنه بيننا لا يجوز وإذا لم تجز الوكالة التي هي من ضرورات الشركة لم تجز الشركة ولو قال له اشتر بألف درهم من مالك على أن يكون ما اشتريته بيننا جاز ولأن الشركة في العروض تؤدي إلى جهالة الربح عند القسمة لأن رأس المال يكون قيمة العروض لا عينها والقيمة مجهولة لأنها تعرف بالحزر والظن فيصير الربح مجهولا فيؤدي إلى المنازعة عند القسمة وهذا المعنى لا يوجد في الدراهم والدنانير لأن رأس المال من الدراهم والدنانير عند القسمة عينها فلا يؤدي إلى جهالة الربح ولأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن ربح ما لم يضمن والشركة في العروض تؤدي إلى ربح ما لم يضمن لأن العروض غير مضمونة بالهلاك فإن من اشترى شيئا بعرض بعينه فهلك العرض قبل التسليم لا يضمن شيئا آخر لأن العروض تتعين بالتعيين فيبطل البيع فإذا لم تكن مضمونة فالشركة فيها تؤدي إلى ربح ما لم يضمن وإنه منهي بخلاف الدراهم والدنانير فإنها مضمونة بالهلاك لأنها لا تتعين بالتعيين فالشركة فيها لا تؤدي إلى ربح ما لم يضمن بل يكون ربح ما ضمن والحيلة في جواز الشركة في العروض وكل ما يتعين بالتعيين أن يبيع كل واحد منهما نصف ماله بنصف مال صاحبه حتى يصير مال كل واحد منهما نصفين وتحصل شركة ملك بينهما ثم يعقدان بعد ذلك عقد الشركة فتجوز بلا خلاف ولو كان من أحدهما دراهم ومن الآخر عروض فالحيلة في جوازه أن يبيع صاحب العروض نصف عرضه بنصف دراهم صاحبه ويتقابضا ويخلطا جميعا حتى تصير الدراهم بينهما والعروض بينهما ثم يعقدان عليهما عقد الشركة فيجوز وأما التبر فهل يصلح رأس مال الشركة ذكر في كتاب الشركة وجعله كالعروض وفي كتاب الصرف جعله كالأثمان المطلقة لأنه قال فيه إذا اشترى به فهلك لا ينفسخ العقد والأمر فيه موكول إلى تعامل الناس فإن كانوا يتعاملون به فحكمه حكم الأثمان المطلقة فتجوز الشركة بها وإن كانوا لا يتعاملون بها فحكمها حكم العروض ولا تجوز فيها الشركة وأما الفلوس فإن كانت كاسدة فلا تجوز الشركة ولا المضاربة بها لأنها عروض وإن كانت نافقة فكذلك في الرواية المشهورة عن أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد تجوز والكلام فيها مبني على أصل وهو أن الفلوس الرائجة ليست أثمانا على كل حال عند أبي حنيفة وأبي يوسف لأنها تتعين بالتعيين في الجملة وتصير مبيعا بإصلاح العاقدين حتى جاز بيع الفلس بالفلسين بأعيانها عندهما فأما إذا لم تكن أثمانا مطلقة لاحتمالها التعيين بالتعيين في الجملة في عقود المعاوضات لم تصلح رأس مال الشركة كسائر العروض وعند محمد الثمنية لازمة للفلوس النافقة فكانت من الأثمان المطلقة ولهذا أبى جواز بيع الواحد منها باثنين فتصلح رأس مال الشركة كسائر الأثمان المطلقة من الدراهم والدنانير وروي عن أبي يوسف أنه تجوز الشركة بالفلوس ولا تجوز المضاربة

قسم V06/P058–V06/P059

ووجهه أن المانع من جواز المضاربة جهالة الربح عند القسمة على تقدير الكساد لأنه لا بد من تعيين رأس المال عند القسمة فإذا كسدت صار رأس المال قيمة والقيمة مجهولة لأنها تعرف بالحزر والظن وهذا المعنى لا يوجد في الشركة لأنهما عند الكساد يأخذان رأس المال عددا لا قيمة فكان الربح معلوما وأما الشركة بالمكيلات والموزونات التي ليست بأثمان مطلقة والعدديات المتقاربة التي لا تتفاوت فلا تجوز قبل الخلط في قولهم جميعا لأنها إنما تتعين بالتعيين إذا كانت عينا فكانت كالعروض ولأن الوكالة التي تتضمنها الشركة فيها لا تصح قبل الخلط ألا يرى أنه لو قال آخر قبل الخلط بع حنطتك على أن يكون ثمنها بيننا لم يجز وسواء كانت الشركة من جنسين أو من جنس واحد وأما بعد الخلط فإن كانت الشركة في جنسين مختلفين لا تجوز في قولهم جميعا لأن الحنطة إذا خلطت بالشعير خرجت من أن تكون ثمنا بدليل أن مستهلكها يضمن قيمتها لا مثلها وإن كانت من جنس واحد فكذلك عند أبي يوسف لا تصح وإنما تصير شركة ملك وعند محمد تصح الشركة فيها بعد الخلط وفائدة الاختلاف تظهر فيما إذا كان المكيل نصفين وشرطا الربح أثلاثا فخلطاه واشتريا به فعلى قول أبي يوسف الربح بينهما على قدر المالين نصفين وعلى قول محمد على ما شرطا فقول أبي يوسف مطرد على الأصل الذي ذكرنا أن المكيلات والموزونات والمعدودات المتقاربة ليست أثمانا على كل حال بل تكون تارة ثمنا وتارة مبيعا لأنها تتعين بالتعيين في الجملة فكانت كالفلوس ووجه التخريج لمحمد أن معنى الوكالة التي تتضمنها الشركة ثابت بعد الخلط فأشبهت الدراهم والدنانير بخلاف ما قبل الخلط لأن الوكالة التي من مقتضيات الشركة لا يصح فيها قبل الخلط والحيلة في جواز الشركة بالمكيلات وسائر الموزونات والعدديات المتقاربة على قول أبي يوسف أن يخلطا حتى تصير شركة ملك بينهما ثم يعقدا عليها عقد الشركة فيجوز عنده أيضا ومنها أن يكون رأس مال الشركة عينا حاضرا لا دينا ولا مالا غائبا فإن كان لا تجوز عنانا كانت أو مفاوضة لأن المقصود من الشركة الربح وذلك بواسطة التصرف ولا يمكن في الدين ولا المال الغائب فلا يحصل المقصود وإنما يشترط الحضور عند الشراء لا عند العقد لأن عقد الشركة يتم بالشراء فيعتبر الحضور عنده حتى لو دفع إلى رجل ألف درهم فقال له اخرج مثلها واشتر بهما وبع فما ربحت يكون بيننا فأقام المأمور البينة إنه فعل ذلك جاز وإن لم يكن المال حاضرا من الجانبين عند العقد لما كان حاضرا عند الشراء وهل يشترط خلط المالين وهو خلط الدراهم بالدنانير أو الدنانير بالدراهم قال أصحابنا الثلاثة لا يشترط وقال زفر يشترط وبه أخذ الشافعي رحمه الله وعلى هذا الأصل يبنى ما إذا كان المالان من جنسين بأن كان لأحدهما دراهم والآخر دنانير أن الشركة جائزة عندنا خلافا لهما وكذلك إذا كانا من جنس واحد لكن بصفتين مختلفتين كالصحاح مع المكسرة أو كانت دراهم أحدهما بيضاء والآخر سوداء وعله ذلك في شركة العنان فهو على هذا الخلاف وروي عن زفر أن الخلط شرط في المفاوضة لا في العنان ولكن الطحاوي ذكر أنه شرط فيهما عند زفر وجه قوله إن الشركة تنبىء عن الاختلاط والاختلاط لا يتحقق مع تميز المالين فلا يتحقق معنى الشركة ولأن من أحكام الشركة إن الهلاك يكون من المالين وما هلك قبل الخلط من أحد المالين يهلك من مال صاحبه خاصة وهذا ليس من مقتضى الشركة ولنا أن الشركة تشتمل على الوكالة فما جاز التوكيل به جازت الشركة فيه والتوكيل جائز في المالين قبل الخلط كذا الشركة وأما قوله الشركة تنبىء عن الاختلاط فمسلم لكن على اختلاط رأسي المال أو على اختلاط الربح فهذا مما لا يتعرض له لفظ الشركة فيجوز أن يكون تسميته شركة لاختلاط الربح لا لاختلاط رأس المال واختلاط الربح يوجد وإن اشترى كل واحد منهما بمال نفسه على حدة لأن الزيادة وهي الربح تحدث على الشركة

قسم V06/P059–V06/P060

وأما ما هلك من أحد المالين قبل الخلط فإنما كان من نصيب صاحبه خاصة لأن الشركة لا تتم إلا بالشراء فما هلك قبله هلك قبل تمام الشركة فلا تعتبر حتى لو هلك بعد الشراء بأحدهما كان الهالك من المالين جميعا لأنه هلك بعد تمام العقد وأما تسليم رأس مال كل واحد منهما إلى صاحبه وهو التخلية بين ماله وبين صاحبه فليس بشرط في العنان والمفاوضة جميعا وأنه شرط لصحة المضاربة والفرق بينهما يذكر في كتاب المضاربة ومنها ما هو مختص بالمفاوضة وهو أن يكون لكل من الشريكين أهلية الكفالة بأن يكونا حرين عاقلين لأن من أحكام المفاوضة أن كل ما يلزم لأحدهما من حقوق ما يتجران فيه يلزم الآخر ويكون كل واحد منهما فيما وجب على صاحبه بمنزلة الكفيل عنه لما نذكر فلا بد من أهلية الكفالة وشرائط أهلية الكفالة تطلب من كتاب الكفالة ومنها المساواة في رأس المال قدرا وهي شرط صحة المفاوضة بلا خلاف حتى لو كان المالان متفاضلين قدرا لم تكن مفاوضة لأن المفاوضة تنبىء عن المساواة فلا بد من اعتبار المساواة فيها ما أمكن وكذا قيمة في الرواية المشهورة حتى لو كان أحدهما صحاحا والآخر مكسرة أو كان أحدهما ألفا بيضاء والآخر ألفا سوداء وبينهما فضل قيمة في الصرف لم تجز المفاوضة في الرواية المشهورة لأن زيادة القيمة بمنزلة زيادة الوزن فلا تثبت المساواة التي هي من مقتضى العقد وروى إسماعيل بن حماد عن أبي يوسف أن إحدى الألفين إذا كانت أفضل من الأخرى جاز وكانت مفاوضة لأن الجودة في أموال الربا لا قيمة لها شرعا عند مقابلتها بجنسها فسقط اعتبار الجودة فصار كأنهما على صفة واحدة وهل تشترط المجانسة في رأس المال بأن يكون كل واحد منهما دراهم أو يكون كل واحد منهما دنانير فعلى الرواية المشهورة لا تشترط حتى لو كان أحدهما دراهم والآخر دنانير جازت المفاوضة في الرواية المشهورة بعد أن استويا في القيمة ولا خلاف في أنهما إذا لم يستويا في القيمة لم تكن مفاوضة وروي عن أبي حنيفة عليه الرحمة أنه لا تكون مفاوضة وإن استويا في القيمة وجه هذه الرواية أن عند اختلاف الجنس لا تعرف المساواة بينهما في القيمة لأن القيمة تعرف بالجزر ( ( ( بالحزر ) ) ) والظن وتختلف باختلاف المقومين فلا تعرف بالمساواة والصحيح هو الرواية المشهورة لأنها من جنس الأثمان فكانت المجانسة ثابتة في الثمنية ومنها أن لا يكون لأحد المتفاوضين ما تصح فيه الشركة ولا يدخل في الشركة فإن كان لم تكن مفاوضة لأن ذلك يمنع المساواة وإن تفاضلا في الأموال التي لا تصح فيها الشركة كالعروض والعقار والدين جازت المفاوضة وكذا المال الغائب لأن ما لا تنعقد عليه الشركة كان وجوده والعدم بمنزلة وكان التفاضل فيه كالتفاضل في الأزواج والأولاد ومنها المساواة في الربح في المفاوضة فإن شرطا التفاضل في الربح لم تكن مفاوضة لعدم المساواة ومنها العموم في المفاوضة وهو أن يكون في جميع التجارات ولا يختص أحدهما بتجارة دون شريكه لما في الاختصاص من إبطال معنى المفاوضة وهو المساواة وعلى هذا يخرج قول أبي حنيفة ومحمد عليهما الرحمة إنه لا تجوز المفاوضة بين المسلم وبين الذمي لأن الذمي يختص بتجارة لا يجوز ذلك للمسلم وهي التجارة في الخمر والخنزير فلم يستويا في التجارة فلا يتحقق معنى المفاوضة وعند أبي يوسف يجوز لاستوائهما في أهلية الوكالة والكفالة وتجوز مفاوضة الذميين لاستوائهما في التجارة وأما مفاوضة المسلم والمرتد ذكر الكرخي أنها غير جائزة وكذا روى عيسى بن أبان عن أبي حنيفة رحمهم الله لأن تصرفات المرتد متوقفة عنده لوقوف أملاكه فلا يساوي المسلم في التصرف فلا تجوز كما لا تجوز بين المسلم والذمي وذكر محمد في الأصل وقال قياس قول أبي يوسف أنه يجوز يعني قياس قوله في الذمي ولأبي يوسف أنه يفرق بينهما من حيث إن ملك المرتد ناقص لكونه على شرف الزوال

قسم V06/P060–V06/P061

ألا ترى إن قاضيا لو قضى ببطلان تصرفه وزوال ملكه ينفذ قضاؤه وإذا كان ناقص الملك والتصرف نزل بمنزلة ( ( ( منزلة ) ) ) المكاتب بخلاف الذمي ولو فاوض مسلم مرتدة ذكر الكرخي إنها لا تجوز وقال القدوري رحمه الله وهو ظاهر على أصل أبي حنيفة ومحمد لأن الكفر عندهما يمنع انعقاد المفاوضة بين المسلم والكافر وأما أبو يوسف فالكفر عنده غير مانع وإنما المانع نقصان الملك والتصرف وهذا لا يوجد في المرأة وأما مفاوضة المرتدين أو شركتهما شركة العنان فذلك موقوف عند أبي حنيفة على ما أصله في عقود المرتد إنها موقوفة فإن أسلما جاز عقدهما وإن قتلا على ردتهما أو ماتا أو لحقا بدار الحرب بطل وأما على قولهما فشركة العنان جائزة لأن عقودهما نافذة وأما مفاوضتهما فقد ذكر القدوري رحمه الله وقال ينبغي أن لا يجوز أما عند أبي يوسف فلأن نقصان الملك يمنع المفاوضة كالمكاتب وملكهما ناقص لما ذكرنا فصارا كالمكاتبين وأما عند محمد فلأن المرتد عنده بمنزلة المريض مرض الموت وكفالة المريض مرض الموت لا تصح إلا من الثلث والمفاوضة تقتضي جواز الكفالة على الإطلاق وإن شارك مسلم مسلما ثم ارتد أحدهما فإن قتل أو مات أو لحق بدار الحرب بطلت الشركة وإن رجع قبل ذلك فهما على الشركة لأنه إذا قتل أو مات أو لحق بدار الحرب زالت أملاكه عند أبي حنيفة من حين ارتد فكأنه مات فبطلت شركته وإن أسلم فقد زال التوقف وجعل كأن الردة لم تكن ولهذا قال أبو حنيفة أن المرتد منهما إذا أقر ثم قتل لم يلزم إقراره شريكه لأن الملك يحكم بزواله من وقت الردة فقد أقر بعد بطلان الشركة وأما على قولهما فإقراره جائز على شريكه وكذا بيعه وشراؤه لأن الشركة عندهما إنما بطلت بالقتل أو باللحاق فكانت باقية قبل ذلك فنفذ تصرفه وإقراره ويكره للمسلم أن يشارك الذمي لأنه يباشر عقودا لا تجوز في الإسلام فيحصل كسبه من محظور فيكره ولهذا كره توكيل المسلم الذمي ولو شاركه شركة عنان جاز كما لو وكله ومنها لفظ المفاوضة في شركة المفاوضة كذا روى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا تصح شركة المفاوضة إلا بلفظ المفاوضة وهو قول أبي يوسف ومحمد لأن للمفاوضة شرائط لا يجمعها ألا لفظ المفاوضة أو عبارة أخرى تقوم مقامها والعوام قلما يقفون على ذلك وهذه العقود في الأعم الأغلب تجري بينهم فإن كان العاقد ممن يقدر على استيفاء شرائطها بلفظ آخر يصح وإن لم يذكر لفظها لأن العبرة في العقود لمعانيها لا عين الألفاظ وفي كل موضع فقد شرط من الشروط بالمفاوضة كانت الشركة عنانا لأن المفاوضة تضمنت العنان وزيادة فبطلان المفاوضة لا يوجب بطلان العنان ولأن فقد شرط في عقد إنما يوجب بطلانه إذا كان العقد ما يقف صحته عليه ولا يقف صحة العنان على هذه الشرائط ففقدانها لا يوجب بطلانه وأما شركة العنان فلا يراعي لها شرائط المفاوضة فلا يشترط فيها أهلية الكفالة حتى تصح ممن لا تصح كفالته من الصبي المأذون والعبد المأذون والمكاتب ولا المساواة بين رأسي المال فيجوز مع تفاضل الشريكين في رأس المال ومع أن يكون لأحدهما مال آخر يجوز عقد الشركة عليه سوى رأس ماله الذي شاركه صاحبه فيه ولا أن يكون في عموم التجارات بل يجوز عاما وهو أن يشتركا في عموم التجارات وخاصا وهو أن يشتركا في شيء خاص كالبز والخز والرقيق والثياب ونحو ذلك لأن اعتبار هذه الشرائط في المفاوضات لدلالة اللفظ عليها وهو معنى المساواة ولم يوجد في العنان ولا لفظة المفاوضة لأن اعتبارها في المفاوضة لدلالتها على شرائط مختصة بالمفاوضة ولم يشترط في العنان فلا حاجة إلى لفظة المفاوضة ولا إلى لفظة العنان أيضا لأن كل أحد يقدر على لفظ يؤدي معناه بخلاف المفاوضة ولا المساواة في الربح فيجوز متفاضلا ومتساويا لما قلنا

قسم V06/P061–V06/P062

والأصل أن الربح إنما يستحق عندنا إما بالمال وإما بالعمل وإما بالضمان أما ثبوت الاستحقاق بالمال فظاهر لأن الربح نماء رأس المال فيكون لمالكه ولهذا استحق رب المال الربح في المضاربة وأما بالعلم ( ( ( بالعمل ) ) ) فإن المضارب يستحق الربح بعمله فكذا الشريك وأما بالضمان فإن المال إذا صار مضمونا على المضارب يستحق جميع الربح ويكون ذلك بمقابلة الضمان خراجا بضمان بقول النبي عليه الصلاة والسلام الخراج بالضمان فإذا كان ضمانه عليه كان خراجه له والدليل عليه أن صانعا تقبل عملا بأجر ثم لم يعمل بنفسه ولكن قبله لغيره بأقل من ذلك طاب له الفضل ولا سبب لاستحقاق الفضل إلا الضمان فثبت أن كل واحد منهما سبب صالح لاستحقاق الربح فإن لم يوجد شيء من ذلك لا يستحق بدليل أن من قال لغيره تصرف في ملكك على أن لي بعض ربحه لم يجز ولا يستحق شيئا من الربح لأنه لا مال ولا عمل ولا ضمان إذا عرف هذا فنقول إذا شرطا الربح على قدر المالين متساويا أو متفاضلا فلا شك أنه يجوز ويكون الربح بينهما على الشرط سواء شرطا العمل عليهما أو على أحدهما والوضيعة على قدر المالين متساويا ومتفاضلا لأن الوضيعة اسم لجزء هالك من المال فيتقدر بقدر المال وإن كان المالان متساويين فشرطا لأحدهما فضلا على ربح ينظر إن شرطا العمل عليهما جميعا جاز والربح بينهما على الشرط في قول أصحابنا الثلاثة وعند زفر لا يجوز أن يشترط لأحدهما أكثر من ربح ماله وبه أخذ الشافعي رحمه الله ولا خلاف في شركة الملك أن الزيادة فيها تكون على قدر المال حتى لو شرط الشريكان في ملك ماشية لأحدهما فضلا من أولادها وألبانها لم تجز بالإجماع والكلام بيننا وبين زفر بناء على أصل وهو أن الربح عنده لا يستحق إلا بالمال لأنه نماء الملك فيكون على قدر المال كالأولاد والألبان وأما عندنا فالربح تارة يستحق بالمال وتارة بالعمل وتارة بالضمان على ما بينا وسواء عملا جميعا أو عمل أحدهما دون الآخر فالربح بينهما يكون على الشرط لأن استحقاق الربح في الشركة بالأعمال بشرط العمل لا بوجود العمل بدليل أن المضارب إذا استعان برب المال استحق الربح وإن لم يوجد منه العمل لوجود شرط العمل عليه والوضيعة على قدر المالين لما قلنا وإن شرطا العمل على أحدهما فإن شرطاه على الذي شرطا له فضل الربح جاز والربح بينهما على الشرط فيستحق ربح رأس ماله بماله والفضل بعمله وإن شرطاه على أقلهما ربحا لم يجز لأن الذي شرطا له الزيادة ليس له في الزيادة مال ولا عمل ولا ضمان وقد بينا أن الربح لا يستحق إلا بأحد هذه الأشياء الثلاثة وإن كان المالان متفاضلين وشرطا التساوي في الربح فهو على هذا الخلاف أن ذلك جائز عند أصحابنا الثلاثة إذا شرطا العمل عليهما وكان زيادة الربح لأحدهما على قدر رأس ماله بعمله وإنه جائز وعلى قول زفر لا يجوز ولا بد أن يكون قدر الربح على قدر رأس المالين عنده وإن شرطا العمل على أحدهما فإن شرطاه على الذي رأس ماله أقل جاز ويستحق قدر ربح ماله بماله والفضل بعمله وإن شرطاه على صاحب الأكثر لم يجز لأن زيادة الربح في حق صاحب الأقل لا يقابلها مال ولا عمل ولا ضمان وأما العلم بمقدار رأس المال وقت العقد فليس بشرط لجواز الشركة بالأموال عندنا وعند الشافعي رحمه الله شرط وجه قوله إن جهالة قدر رأس المال تؤدي إلى جهالة الربح والعلم بمقدار الربح شرط جواز هذا العقد فكان العلم بمقدار رأس المال شرطا ولنا أن الجهالة لا تمنع جواز العقد لعينها بل لإفضائها إلى المنازعة وجهالة رأس المال وقت العقد لا تفضي إلى المنازعة لأنه يعلم مقداره ظاهرا وغالبا لأن الدراهم والدنانير توزنان وقت الشراء فيعلم مقدارها فلا يؤدي إلى جهالة مقدار الربح وقت القسمة وأما الشركة بالأعمال فأما المفاوضة منها فمن شرائطها أهلية الكفالة ومنها التساوي في الأجر ومنها مراعاة لفظ المفاوضة لما ذكرنا في الشركة بالأموال

قسم V06/P062–V06/P063

أما العنان منها فلا يشترط لها شيء من ذلك وإنما تشترط أهلية التوكيل فقط كذا روى أبو يوسف عن أبي حنيفة رحمهما الله أنه قال ما تجوز فيه الوكالة تجوز فيه الشركة وما لا تجوز فيه الوكالة لا تجوز فيه الشركة وعلى هذا تخرج الشركة بالأعمال في المباحات من الصيد والحطب والحشيش في البراري وما يكون في الجبال من الثمار وما يكون في الأرض من المعادن وما أشبه ذلك بأن اشتركا على أن يصيدا أو يحتطبا أو يحتشا أو يستقيا الماء ويبيعانه على أن ما أصاب من ذلك فهو بينهما أن الشركة فاسدة لأن الوكالة لا تنعقد على هذا الوجه ألا ترى أنه لو وكل رجلا ليعمل له شيئا من ذلك لا تصح الوكالة كذا الشركة فإن تشاركا فأخذ كل واحد منهما شيئا من ذلك منفردا كان المأخوذ ملكا له لأن سبب ثبوت الملك في المباحات الأخذ والاستيلاء وكل واحد منهما انفرد بالأخذ والاستيلاء فينفرد بالملك وإن أخذاه جميعا معا كان المأخوذ بينهما نصفين لاستوائهما في سبب الاستحقاق فيستويان في الاستحقاق فإن أخذ كل واحد منهما على الانفراد ثم خلطاه وباعاه فإن كان مما يكال أو يوزن يقسم الثمن بينهما على قدر الكيل والوزن وإن كان مما لا يكال ولا يوزن قسم الثمن بينهما بالقيمة يضرب كل واحد منهما بقيمة الذي له لأن المكيل والموزون من الأشياء المتماثلة فتمكن قسمة الثمن بينهما على قدر الكيل والوزن فأما غير المكيل والموزون من الأشياء المتفاوتة فلا يمكن قسمة الثمن على عينها فيقسم على قيمتها وإن لم يعلم الكيل والوزن والقيمة يصدق كل واحد منهما فيما يدعيه إلى النصف من ذلك مع اليمين على دعوى صاحبه لأن الشيء في أيديهما واليد دليل الملك من حيث الظاهر والتساوي في دليل الملك يوجب التساوي في الملك فإن ادعى أكثر من النصف لا يقبل قوله إلا ببينة فإن عمل أحدهما وأعانه الآخر في عمله بالجمع والربط فذلك كله للعامل ولا شيء للمعين لوجود السبب من العامل دون المعين وللمعين أجر مثله لا يجاوز به قدر المسمى له من النصف والثلث ونحو ذلك في قول أبي يوسف وقال محمد له أجر مثله بالغا ما بلغ أما وجوب أجر المثل للمعين فلأنه استوفى منفعته بعقد فاسد وإنه يوجب أجر المثل ثم قال أبو يوسف لا يجاوز به قيمة ما سمى وقاسه على سائر الإجارات الفاسدة لأنه لا يزاد على المسمى هناك كذا هذا هنا والجامع بينهما أنه رضي بأنه لا يكون له زيادة على المسمى فلا يستحق وصار كمن قال لرجل بع هذا الثوب على أن لك نصف ثمنه فباعه كان له أجر المثل لا يجاوز به نصف الثمن كذا هذا وفرق محمد بين هذا وبين سائر الإجارات الفاسدة بأن المسمى هناك قدر معلوم من الأجرة فكان الرضا به إسقاطا لما زاد عليه والمسمى هنا ليس بمعلوم بل هو معدوم لأنه ما سمي إلا نصف الحطب أو ثلثه والرضا بغير المعلوم لا يتحقق فلم تكن هذه التسمية مسقطة الزيادة على المسمى من أجر مثله وعلى هذا الاختلاف المضاربة الفاسدة إذا ربح المضارب فيها أن له أجر مثله لا يتجاوز به المسمى من الربح في قول أبي يوسف وإن لم يكن له ربح فلا شيء له وعند محمد له أجر مثله بالغا ما بلغ ربح أو لم يربح وستأتي المسألة في كتاب المضاربة