Qur'an&Sunnah

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)

قسم V06/P078–V06/P079

فالإيجاب والقبول وذلك بألفاظ تدل عليهما فالإيجاب هو لفظ المضاربة والمقارضة والمعاملة وما يؤدي معاني هذه الألفاظ بأن يقول رب المال خذ هذا المال مضاربة على أن ما رزق الله عز وجل أو أطعم الله تعالى منه من ربح فهو بيننا على كذا من نصف أو ربع أو ثلث أو غير ذلك من الأجزاء المعلومة وكذا إذا قال مقارضة أو معاملة ويقول المضارب أخذت أو رضيت أو قبلت ونحو ذلك فيتم الركن بينهما أما لفظ المضاربة فصريح مأخوذ من الضرب في الأرض وهو السير فيها سمي هذا العقد مضاربة لأن المضارب يسير في الأرض ويسعى فيها لابتغاء الفضل وكذا لفظ المقارضة صريح في عرف أهل المدينة لأنهم يسمون المضاربة مقارضة كما يسمون الإجارة بيعا ولأن المقارضة مأخوذة من القرض وهو القطع سميت المضاربة مقارضة لما أن رب المال يقطع يده عن رأس المال ويجعله في يد المضارب والمعاملة لفظ يشتمل على البيع والشراء وهذا معنى هذا العقد ولو قال خذ هذا المال واعمل به على أن ما رزق الله عز وجل من شيء فهو بيننا على كذا ولم يزد على هذا فهو جائز لأنه أتى بلفظ يؤدي معنى هذا العقد والعبرة في العقود لمعانيها لا لصور الألفاظ حتى ينعقد البيع بلفظ التمليك بلا خلاف وينعقد النكاح بلفظ البيع والهبة والتمليك عندنا وذكر في الأصل لو قال خذ هذه الألف فابتع بها متاعا فما كان من فضل فلك النصف ولم يزد على هذا فقبل هذا كان مضاربة استحسانا والقياس أن لا يكون مضاربة وجه القياس أنه ذكر الشراء ولم يذكر البيع ولا يتحقق معنى المضاربة إلا بالشراء والبيع وجه الاستحسان أنه ذكر الفضل ولا يحصل الفضل إلا بالشراء والبيع فكان ذكر الابتياع ذكرا للبيع وهذا معنى المضاربة ولو قال خذ هذه الألف بالنصف ولم يزد عليه كان مضاربة استحسانا والقياس أن لا يكون لأنه لم يذكر الشراء والبيع فلا يتحقق معنى المضاربة وجه الاستحسان أنه لما ذكر الأخذ والأخذ ليس عملا يستحق به العوض وإنما يستحق بالعمل في المأخوذ وهو الشراء والبيع فتضمن ذكره ذكر الشراء والبيع ولو قال خذ هذا المال فاشتر به هرويا بالنصف أو رقيقا بالنصف ولم يزد على هذا شيئا فاشترى كما أمره فهذا فاسد وللمشتري أجر مثل عمله فيما اشترى وليس له أن يبيع ما اشترى إلا بأمر رب المال لأنه ذكر الشراء ولم يذكر البيع ولا ذكر ما يوجب ذكر البيع ليحمل على المضاربة فحمل على الاستئجار على الشراء بأجر مجهول وذلك فاسد فإذا اشترى كما أمره فالمستأجر استوفى منافعه بعقد فاسد فاستحق أجر مثل عمله وليس له أن يبيع ما اشترى من غير إذن الآمر لأنه أمره بالشراء لا بالبيع فكان المشتري له فلا يجوز بيعه من غير إذنه فإن باع منه شيئا لا ينفذ بيعه من غير إجازة رب المال ويضمن قيمته إن لم يقدر على عينه لأنه صار متلفا مال الغير بغير إذنه وإن أجاز رب المال البيع والمتاع قائم جاز والثمن لرب المال لأن عدم الجواز لحقه فإذا أجاز فقد زال المانع وكذلك لو كان لا يدري حاله أنه قائم أو هالك فأجاز لأن الأصل هو بقاء المبيع حتى يعلم هلاكه وإنما شرط قيام المبيع لأنه شرط صحة الإجازة لما عرف أن ما لا يكون محلا لإنشاء العقد عليه لا يكون محلا لإجازة العقد فيه وإن علم أنه هلك فالإجازة باطلة لما ذكرناه وروى بشر عن أبي يوسف في رجل دفع إلى رجل ألف درهم ليشتري بها ويبيع فما ربح فهو بينهما فهذه مضاربة ولا ضمان على المدفوع إليه المال ما لم يخالف لأنه لما ذكر الشراء والبيع فقد أتى بمعنى المضاربة وكذلك لو شرط عليه أن الوضيعة علي وعليك فهذه مضاربة والربح بينهما والوضيعة على رب المال لأن شرط الوضيعة على المضارب شرط فاسد فيبطل الشرط وتبقى المضاربة

قسم V06/P079–V06/P080

وروي عن علي بن الجعد عن أبي يوسف لو أن رجلا دفع إلى رجل ألف درهم ولم يقل مضاربة ولا بضاعة ولا قرضا ولا شركة وقال ما ربحت فهو بيننا فهذه مضاربة لأن الربح لا يحصل إلا بالشراء والبيع فكان ذكر الربح ذكرا للشراء والبيع وهذا معنى المضاربة ولو قال خذ هذه الألف على أن لك نصف الربح أو ثلثه ولم يزد على هذا فالمضاربة جائزة قياسا واستحسانا وللمضارب ما شرط وما بقي فلرب المال والأصل في جنس هذه المسائل أن رب المال إنما يستحق الربح لأنه نماء ماله لا بالشرط فلا يفتقر استحقاقه إلى الشرط بدليل أنه إذا فسد الشرط كان جميع الربح له والمضارب لا يستحق إلا بالشرط لأنه إنما يستحق بمقابلة عمله والعمل لا يتقوم إلا بالعقد إذا عرف هذا فنقول في هذه المسألة إذا سمى للمضارب جزأ معلوما من الربح فقد وجد في حقه ما يفتقر إلى استحقاقه الربح فيستحقه والباقي يستحقه رب المال بماله ولو قال خذ هذا المال مضاربة على أن لي نصف الربح ولم يزد على هذا فالقياس أن تكون المضاربة فاسدة وهو قول الشافعي رحمه الله ولكنها جائزة استحسانا ويكون للمضارب النصف وجه القياس أن رب المال لم يجعل للمضارب شيئا معلوما من الربح وإنما سمى لنفسه النصف فقط وتسميته لنفسه لغو لعدم الحاجة إليها فكان ذكره والسكوت عنه بمنزلة واحدة وإنما الحاجة إلى التسمية في حق المضارب ( ( ( المضاربة ) ) ) ولم يوجد فلا تصح المضاربة وجه الاستحسان أن المضاربة تقتضي الشركة في الربح فكان تسمية أحد النصفين لنفسه تسمية الباقي للمضارب كأنه قال خذ هذا المال مضاربة على أن لك النصف كما في ميراث الأبوين في قوله سبحانه وتعالى فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث لما كان ميراث الميت لأبويه وقد جعل الله عز وجل للأم منه الثلث كان ذلك جعل الباقي للأب كذا هذا ولو قال على أن لي نصف الربح ولك ثلثه ولم يزد على هذا فالثلث للمضارب والباقي لرب المال لما ذكرنا أن استحقاق المضارب الربح بالشرط واستحقاق رب المال لكونه من نماء ماله فإذا سلم المشروط للمضارب بالشرط يسلم المسكوت عنه وهو الباقي لرب المال لكونه من نماء ماله ولو قال رب المال على أن ما رزق الله عز وجل فهو بيننا جاز ذلك وكان الربح بينهما نصفين لأن البين كلمة قسمة والقسمة تقتضي المساواة إذا لم يبين فيها مقدار معلوم قال الله عز شأنه ونبئهم أن الماء قسمة بينهم وقد فهم منها التساوي في الشرب قال الله سبحانه وتعالى هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم هذا إذا شرط جزء من الربح في عقد المضاربة لأحدهما إما المضارب وإما رب المال وسكت عن الآخر فأما إذا شرط لهما ولغيرهما بأن شرط فيه الثلث للمضارب والثلث لرب المال والثلث لثالث سواهما فإن كان الثالث أجنبيا أو كان ابن المضارب وشرط عليه العمل جاز وكان الربح بينهم أثلاثا وإن لم يشرط عليه العمل لم يجز وما شرط له يكون لرب المال لأن الربح لا يستحق في المضاربة من غير عمل ولا مال وصار المشروط له كالمسكوت عنه وإن كان الثالث عبد المضارب فإن كان عليه دين فكذلك عند أبي حنيفة رحمه الله أن شرط عمله لأن المضارب لا يملك كسب عبده فكان كالأجنبي وإن لم يشترط عمله فما شرطه فهو لرب المال لما ذكرنا في الأجنبي وعند أبي يوسف ومحمد المشروط له يكون للمضارب لأن المولى يملك كسبه عندهما كما يملك لو لم يكن عليه دين

قسم V06/P080–V06/P081

وإن كان الثالث عبد رب المال فهو على هذا التفصيل أيضا أنه إن كان عليه دين فإن شرط عمله فهو كالأجنبي عند أبي حنيفة لأن المولى لا يملك أكسابه وإن لم يشترط عمله فما شرط له فهو لرب المال لما قلنا وعندهما ما شرط له فهو مشروط لمولاه عمل أو لم يعمل لأن المولى يملك كسب عبده كان عليه دين أو لا فإن لم يكن على العبد دين ففي عبد المضارب الثلثان للمضارب والثلث لرب المال لأنه إذا لم يكن عليه دين فالملك يثبت للمولى فكان المشروط له مشروطا للمولى وصار كأنه شرط للمضارب الثلثين وفي عبد رب المال الثلث للمضارب والثلثان لرب المال لأن المشروط له يكون مشروطا لمولاه إذا لم يكن عليه دين فصار كأن رب المال شرط لنفسه الثلثين وعلى هذا قالوا لو شرط ثلث الربح للمضارب والثلث لقضاء دين المضارب والثلث لرب المال أن الثلثين للمضارب والثلث لرب المال وكذا لو شرط ثلث الربح للمضارب والثلث لرب المال والثلث لقضاء دين رب المال أن الثلثين لرب المال والثلث للمضارب لأن المشروط لقضاء دين كل واحد منهما مشروط له فصل وأما شرائط الركن فبعضها يرجع إلى العاقدين وهما رب المال والمضارب وبعضها يرجع إلى رأس المال وبعضها يرجع إلى الربح أما الذي يرجع إلى العاقدين وهما رب المال والمضارب فأهلية التوكيل والوكالة لأن المضارب يتصرف بأمر رب المال وهذا معنى التوكيل وقد ذكر شرائط أهلية التوكيل والوكالة في كتاب الوكالة ولا يشترط إسلامهما فتصح المضاربة بين أهل الذمة وبين المسلم والذمي والحربي المستأمن حتى لو دخل حربي دار الإسلام بأمان فدفع ماله إلى مسلم مضاربة أو دفع إليه مسلم ماله مضاربة فهو جائز لأن المستأمن في دارنا بمنزلة الذمي والمضاربة مع الذمي مضاربة جائزة فكذلك مع الحربي المستأمن فإن كان المضارب هو المسلم فدخل دار الحرب بأمان فعمل بالمال فهو جائز لأنه دخل دار رب المال فلم يوجد بينهما اختلاف الدارين فصار كأنهما في دار واحدة وإن كان المضارب هو الحربي فرجع إلى داره الحربي فإن كان بغير إذن رب المال بطلت المضاربة وإن كان بإذنه فذلك جائز ويكون على المضاربة وكون ( ( ( ويكون ) ) ) الربح بينهما على ما شرطا إن رجع إلى دار الإسلام مسلما أو معاهدا أو بأمان استحسانا والقياس أن تبطل المضاربة وجه القياس أنه لما عاد إلى دار الحرب بطل أمانه وعاد إلى حكم الحرب كما كان فبطل أمر رب المال عند اختلاف الدارين فإذا تصرف فيه فقد تعدى بالتصرف فملك ما تصرف فيه وجه الاستحسان أنه لما خرج بأمر رب المال صار كأن رب المال دخل معه ولو دخل رب المال معه إلى دار الحرب لم تبطل المضاربة فكذا إذا دخل بأمره بخلاف ما إذا دخل بغير أمره لأنه لما لم يأذن له بالدخول انقطع حكم رب المال عنه فصار تصرفه لنفسه فملك الأمر به وقد قالوا في المسلم إذا دخل دار الحرب بأمان فدفع إليه حربي مالا مضاربة مائة درهم أنه على قياس قول أبي حنيفة ومحمد جائز فإن اشترى المضارب على هذا وربح أو وضع فالوضيعة على رب المال والربح على ما اشترط ويستوفي المضارب مائة درهم والباقي لرب المال وإن لم يكن في المال ربح إلا مائة فهي كلها للمضارب وإن كان أقل من مائة فذلك للمضارب أيضا ولا شيء للمضارب على رب المال لأن رب المال لم يشترط المائة إلا من الربح فأما على قول أبي يوسف فالمضاربة فاسدة وللمضارب أجر مثله وهذا فرع اختلافهم في جواز الربا في دار الحرب لما علم وأما الذي يرجع إلى رأس المال فأنواع منها أن يكون رأس المال من الدراهم أو الدنانير عند عامة العلماء فلا تجوز المضاربة بالعروض وعند مالك هذا ليس بشرط وتجوز المضاربة بالعروض والصحيح قول العامة لما ذكرنا في كتاب الشركة أن ربح ما يتعين بالتعيين ربح ما لم يضمن

قسم V06/P081–V06/P082

لأن العروض تتعين عند الشراء بها والمعين غير مضمون حتى لو هلكت قبل التسليم لا شيء على المضارب فالربح عليها يكون ربح ما لم يضمن ونهى رسول الله عن ربح ما لم يضمن وما لا يتعين يكون مضمونا عند الشراء به حتى لو هلكت العين قبل التسليم فعلى المشتري به ضمانه فكان الربح على ما في الذمة فيكون ربح المضمون ولأن المضاربة بالعروض تؤدي إلى جهالة الربح وقت القسمة لأن قيمة العروض تعرف بالحزر ( ( ( بالحرز ) ) ) والظن وتختلف باختلاف المقومين والجهالة تفضي إلى المنازعة والمنازعة تفضي إلى الفساد وهذا لا يجوز وقد قالوا إنه لو دفع إليه عروضا فقال له بعها واعمل بثمنها مضاربة فباعها بدراهم أو دنانير وتصرف فيها جاز لأنه لم يضف المضاربة إلى العروض وإنما أضافها إلى الثمن والثمن تصح به المضاربة فإن باعها بمكيل أو موزون جاز البيع عند أبي حنيفة بناء على أصله في الوكيل بالبيع مطلقا أنه يبيع بالأثمان وغيرها إلا أن المضاربة فاسدة لأنها صارت مضافة إلى ما لا تصح المضاربة به وهو الحنطة والشعير وأما على أصلهما فالبيع لا يجوز لأن الوكيل بالبيع مطلقا لا يملك البيع بغير الأثمان ولا تفسد المضاربة لأنها لم تصر مضافة إلى ما لا يصلح به رأس مال المضاربة وأما تبر الذهب والفضة فقد جعله في هذا الكتاب بمنزلة العروض وجعله في كتاب الصرف بمنزلة الدراهم والدنانير والأمر فيه موكول إلى التعامل فإن كان الناس يتعاملون به فهو بمنزلة الدراهم والدنانير فتجوز المضاربة به وإن كانوا لا يتعاملون به فهو كالعروض فلا تجوز المضاربة به وأما الزيوف والنبهرجة فتجوز المضاربة بها ذكره محمد رحمه الله لأنها تتعين بالعقد كالجياد وأما الستوقة فإن كانت لا تروج فهي كالعروض وإن كانت تروج فهي كالفلوس وذكر ابن سماعة عن أبي يوسف في الدراهم التجارية لا يجوز المضاربة بها لأنها كسدت عندهم وصارت سلعة قال ولو أجزت المضاربة بها أجزتها بمكة بالطعام لأنهم يتبايعون بالحنطة كما يتبايع غيرهم بالفلوس وأما الفلوس فقد ذكرنا الكلام فيها في كتاب الشركة فالحاصل أن في جواز المضاربة بها روايتين عن أبي حنيفة ذكر محمد في المضاربة الكبيرة في الجامع الصغير وقال لا تجوز المضاربة إلا بالدراهم والدنانير عند أبي حنيفة وروى الحسن عنه أنها تجوز والصحيح من مذهب أبي يوسف أنها لا تجوز وعند محمد تجوز بناء على أن الفلوس لا تتعين بالتعيين عنده فكانت أثمانا كالدراهم والدنانير وعند أبي حنيفة وأبي يوسف تتعين فكانت كالعروض ومنها أن يكون معلوما فإن كان مجهولا لا تصح المضاربة لأن جهالة رأس المال تؤدي إلى جهالة الربح وكون الربح معلوما شرط صحة المضاربة ومنها أن يكون رأس المال عينا لا دينا فإن كان دينا فالمضاربة فاسدة وعلى هذا يخرج ما إذا كان لرب المال على رجل دين فقال له اعمل بديني الذي في ذمتك مضاربة بالنصف أن المضاربة فاسدة بلا خلاف فإن اشترى هذا المضارب وباع له ربحه وعليه وضيعته والدين في ذمته بحال عند أبي حنيفة وعندهما ما اشترى وباع لرب المال له ربحه وعليه وضيعته بناء على أن من وكل رجلا يشتري له بالدين الذي في ذمته لم يصح عند أبي حنيفة حتى لو اشترى لا يبرأ عما في ذمته عنده وإذا لم يصح الأمر بالشراء بما في الذمة لم تصح إضافة المضاربة إلى ما في الذمة وعندهما يصح التوكيل ولكن لا تصح المضاربة لأن الشراء يقع للموكل فتصير المضاربة بعد ذلك مضاربة بالعروض لأنه يصير في التقدير كأنه وكله بشراء العروض ثم دفعه إليه مضاربة فتصير مضاربة بالعروض فلا تصح

قسم V06/P082–V06/P083

ولو قال لرجل اقبض مالي على فلان من الدين واعمل به مضاربة جاز لأن المضاربة هنا أضيفت إلى المقبوض فكان رأس المال عينا لا دينا ولو أضاف المضاربة إلى عين هي أمانة في يد المضارب من الدراهم والدنانير بأن قال للمودع أو المستبضع اعمل بما في يدك مضاربة بالنصف جاز ذلك بلا خلاف وإن أضافها إلى مضمونة في يده كالدراهم والدنانير المغصوبة فقال للغاصب اعمل بما في يدك مضاربة بالنصف جاز ذلك عند أبي يوسف والحسن بن زياد وقال زفر لا يجوز وجه قوله أن المضاربة تقتضي كون المال أمانة في يد المضارب والمغصوب مغصوب في يده فلا يتحقق التصرف للمضاربة فلا يصح ولأبي يوسف أن ما في يده مضمون إلى أن يأخذ في العمل فإذا أخذ في العمل وهو الشراء تصير أمانة في يده فيتحقق معنى المضاربة فتصح وسواء كان رأس المال مفروزا أو مشاعا بأن دفع مالا إلى رجل بعضه مضاربة وبعضه غير مضاربة مشاعا في المال فالمضاربة جائزة لأن الإشاعة لا تمنع من التصرف في المال فإن المضارب يتمكن من التصرف في المشاع وكذا الشركة لا تمنع المضاربة فإن المضارب إذا ربح يصير شريكا في المال ويجوز تصرفه بعد ذلك على المضاربة فإذا لم يمنع البقاء لا يمنع الابتداء وعلى هذا يخرج ما إذا دفع إلى رجل ألف درهم فقال نصفها عليك قرض ونصفها مضاربة أن ذلك جائز أما جواز المضاربة فلما قلنا وأما جواز القرض في المشاع وإن كان القرض تبرعا والشياع يمنع صحة التبرع كالهبة فلأن القرض ليس بتبرع مطلق لأنه وإن كان في الحال تبرعا لأنه لا يقابله عوض للحال فهو تمليك المال بعوض في الثاني ألا ترى أن الواجب فيه رد المثل لا رد العين فلم يكن تبرعا من كل وجه فلا يعمل فيه الشيوع بخلاف الهبة فإنها تبرع محض فعمل الشيوع فيها وإذا جاز القرض والمضاربة كان نصف الربح للمضارب لأنه ربح ملكه وهو القرض ووضيعته عليه والنصف الآخر بينه وبين رب المال على ما شرطا لأنه ربح مستفاد بمال المضاربة ووضيعته على رب المال ولا تجوز قسمة أحدهما دون صاحبه لأنه مال مشترك بينهما فلا ينفرد أحد الشريكين بقسمته قالوا ولو كان قال له خذ هذه الألف على أن نصفها قرض عليك على أن تعمل بالنصف الآخر مضاربة على أن الربح لي فهذا مكروه لأنه شرط لنفسه منفعة في مقابلة القرض وقد نهى رسول الله عن قرض جر نفعا فإن عمل على هذا فربح أو وضع فالربح بينهما نصفان وكذا الوضيعة أما الربح فلأن المضارب ملك نصف المال بالقرض فكان نصف الربح له والنصف الآخر بضاعة في يده فكان ربحه لرب المال وأما الوضيعة فلأنها جزء هالك من المال والمال مشترك فكانت الوضيعة على قدره ولو قال خذ هذه الألف على أن نصفها مضاربة بالنصف ونصفها هبة فقبضها المضارب على ذلك غير مقسوم فالهبة فاسدة لأنها هبة المشاع فيما يحتمل القسمة فإن عمل في المال فربح كان نصف الربح للمضارب حصة الهبة ونصف الربح بينهما على ما شرطا والوضيعة عليهما أما نصف الربح للمضارب حصة الهبة فلأنه يثبت الملك له فيه إذا قبض بعقد فاسد فكان ربحه له وأما النصف الآخر فإنما يكون ربحه بينهما على الشرط لأنه استفيد بمال المضاربة مضاربة صحيحة وأما كون الوضيعة عليهما فلأنها جزء هالك من المال والمال مشترك فإن هلك المال في يد المضارب قبل أن يعمل أو بعد ما عمل فهو ضامن لنصف المال وهو الهبة لأنه مقبوض بعقد فاسد فكان مضمونا عليه كالمقبوض ببيع فاسد ولو كان دفع نصف المال بضاعة ونصفه مضاربة فقبضه المضارب على ذلك فهو جائز والمال على ما سميا من المضاربة والبضاعة والوضيعة على رب المال ونصف الربح لرب المال ونصفه على ما شرطا لأن الإشاعة لا تمنع من العمل في المال مضاربة وبضاعة وجازت المضاربة والبضاعة

قسم V06/P083

وإنما كانت الوضيعة على رب المال لأنه لا ضمان على المبضع والمضارب في البضاعة والمضاربة وحصة البضاعة من الربح لرب المال خاصة لأن المبضع لا يستحق الربح وحصة المضاربة بينهما على ما شرطا لأنه ربح حصل من مال المضاربة والمضاربة قد صحت فيكون بينهما على الشرط ولو دفع إليه على أن نصفها وديعة في يد المضارب ونصفها مضاربة بالنصف فذلك جائز والمال في يد المضارب على ما سميا لأن كل واحد منهما أعني الوديعة والمضاربة أمانة فلا يتنافيان فكان نصف المال في يد المضارب وديعة ونصفه مضاربة إلا أن التصرف لا يجوز إلا بعد القسمة لأن كل جزء من المال بعضه مضاربة وبعضه وديعة والتصرف في الوديعة لا يجوز فإن قسم المضارب المال نصفين ثم عمل بأحد النصفين على المضاربة فربح أو وضع فالوضيعة عليه وعلى رب المال نصفان ونصف الربح للمضارب ونصفه على ما شرطا لأن قسمة المضارب المال لم تصح لأن المالك لم يأذن له فيها فإذا أفرز بعضه فقد تصرف في مال الوديعة ومال المضاربة فما كان في حصة الوديعة فهو غصب فيكون ربحه للغاصب وما كان في حصة المضاربة فهو على الشرط ومن هذا الجنس ما إذا دفع إلى رجل متاعا فباع نصفه من المدفوع إليه بخمسمائة ثم أمره أن يبيع النصف الباقي ويعمل بالثمن كله مضاربة على أن ما رزق الله تعالى من شيء فهو بيننا نصفان فباع المضارب نصف المتاع بخمسمائة ثم عمل بها وبالخمسمائة التي عليه فربح في ذلك أو وضع فالوضيعة عليهما نصفان والربح بينهما نصفان في قياس قول أبي حنيفة رحمه الله لأن من مذهبه أن من كان له على رجل دين فأمره أن يشتري له بذلك الدين شيئا لا يصح والمشتري يكون للمأمور لا للآمر ويكون الدين على المأمور حاله وإذا كان كذلك فهنا ( ( ( فههنا ) ) ) أمر أن يعمل بالدين وبنصف ثمن المباع فما ربح في حصة الدين فهو للمدفوع إليه لأنه تصرف في ملك نفسه فيكون ربحه له وما ربح في نصيب الدافع فهو للدافع والوضيعة عليهما لأن المال مشترك بينهما فكان الهالك بينهما وأما في قياس قول أبي يوسف ومحمد فمقدار ما ربح في الخمسمائة التي أمره أن يبيع نصف المتاع بها فهو بينهما نصفان على ما شرطا وما ربح في النصف الذي عليه من الدين يكون لرب المال لأن من أصلهما أن الأمر بالشراء بالدين يصح وتكون المضاربة فاسدة لأنه إذا اشترى صار عروضا والمضاربة بالعروض لا تصح فصارت المضاربة هنا جائزة في النصف فاسدة في النصف فالربح في الصحيحة يكون بينهما على الشرط وفي الفاسدة يكون لرب المال ولو شرط الدافع لنفسه الثلث وللمضارب الثلثين والمسألة بحالها فإن في قول أبي حنيفة ثلثا الربح للمضارب على ما اشترطا نصف الربح من نصيب المضارب خاصة والسدس من نصيب الدافع كأنه قال له اعمل في نصيبك على أن الربح لك واعمل في نصيبي على أن لك ثلث الربح من نصيبي وأما على قياس قولهما فقد دفع إليه نصفه مضاربة جائزة ونصفه مضاربة فاسدة فما ربح في النصف الذي كان دينا فهو لرب المال لأنه مضاربة فاسدة وما ربح في النصف الذي هو ثمن المتاع فالربح بينهما على ما شرطا فصار لرب المال ثلثا الربح وللمضارب الثلث وإن كان شرط لرب المال ثلثي الربح وللمضارب الثلث فالربح بينهما نصفان في قول أبي حنيفة لأن رب المال شرط النصف من نصيب نفسه والزيادة من نصيب المضارب وشرط الزيادة من غير عمل ولا رأس مال باطل فيكون الربح على قدر المال وفي قياس قولهما نصف الربح لرب المال خاصة لأن المضاربة فيه فاسدة وللمضارب ثلث ربح النصف الآخر ومنها تسليم رأس المال إلى المضارب لأنه أمانة فلا يصح إلا بالتسليم وهو التخلية كالوديعة ولا يصح مع بقاء يد الدافع على المال لعدم التسليم مع بقاء يده حتى لو شرط بقاء يد المالك على المال فسدت المضاربة لما قلنا

قسم V06/P083–V06/P084

فرق بين هذا وبين الشركة فإنها تصح مع بقاء يد رب المال على ماله والفرق أن المضاربة انعقدت على رأس مال من أحد الجانبين وعلى العمل من الجانب الآخر ولا يتحقق العمل إلا بعد خروجه من يد رب المال فكان هذا شرطا موافقا مقتضى العقد بخلاف الشركة لأنها انعقدت على العمل من الجانبين فشرط زوال يد رب المال عن العمل يناقض مقتضى العقد وكذا لو شرط في المضاربة عمل رب المال فسدت المضاربة سواء عمل رب المال معه أو لم يعمل لأن شرط عمله معه شرط بقاء يده على المال وأنه شرط فاسد ولو سلم رأس المال إلى رب المال ولم يشترط عمله ثم استعان به على العمل أو دفع إليه المال بضاعة جاز لأن الاستعانة لا توجب خروج المال عن يده وسواء كان المالك عاقدا أو غير عاقد لا بد من زوال يد رب المال عن ماله لتصح المضاربة حتى إن الأب أو الوصي إذا دفع مال الصغير مضاربة وشرط عمل الصغير لم تصح المضاربة لأن يد الصغير باقية لبقاء ملكه فتمنع التسليم وكذلك أحد شريكي المفاوضة أو العنان إذا دفع مالا مضاربة وشرط عمل شريكه مع المضارب لأن لشريكه فيه ملكا فيمنع التسليم فأما العاقد إذا لم يكن مالكا للمال فشرط أن يتصرف في المال مع المضارب فإن كان ممن يجوز أن يأخذ مال المالك مضاربة لم تفسد المضاربة كالأب والوصي إذا دفعا مال الصغير مضاربة وشرطا أن يعملا مع المضارب بجزء من الربح لأنهما لو أخذا مال الصغير مضاربة بأنفسهما جاز فكذا إذا شرطا عملهما مع المضارب وصار كالأجنبي وإن كان العاقد ممن لا يجوز أن يأخذ مال المالك مضاربة فشرط عمله فسد العقد كالمأذون إذا دفع مالا مضاربة وشرط عمله مع المضارب لأن المأذون وإن لم يكن مالكا رقبة المال فيد التصرف ثابتة له عليه فينزل منزلة المالك فيما يرجع إلى التصرف فكان قيام يده مانعا من التسليم والقبض فيمنع صحة المضاربة وإن شرط المأذون عمل مولاه مع المضارب ولا دين عليه فالمضاربة فاسدة لأن المولى هو المالك للمال حقيقة فإذا حصل المال في يده فقد وجد يد المالك فيمنع التسليم وإن كان عليه دين فالمضاربة جائزة في قول أبي حنيفة رحمه الله لأن المولى لا يملك هذا المال فصار كالأجنبي وأما المكاتب إذا شرط عمل مولاه لم تفسد المضاربة لأن المولى لا يملك أكساب مكاتبه وهو فيها كالأجنبي ولو دفع إلى إنسان مالا مضاربة وأمره أن يعمل برأيه ودفعه المضارب الأول إلى آخر مضاربة على أن يعمل المضارب معه أو يعمل معه رب المال فالمضاربة فاسدة لأن اليد للمضارب والملك للمولى وكل ذلك يمنع من التسليم وقد قالوا في المضارب إذا دفع المال إلى رب المال مضاربة بالثلث فالمضاربة الثانية فاسدة والمضاربة الأولى على حالها جائزة والربح بين رب المال وبين المضارب على ما شرطا في المضاربة الأولى ولا أجر لرب المال أما فساد المضاربة الثانية فلأن يد رب المال يد ملك ويد الملك مع يد المضارب لا يجتمعان فلا تصح المضاربة الثانية وبقيت المضاربة الأولى على حالها ولم يذكر القدوري رحمه الله في شرحه مختصر الكرخي خلافا وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أن هذا مذهب أصحابنا الثلاثة وعند زفر رحمه الله تنفسخ المضاربة الأولى بدفع المال إلى رب المال والرد عليه وجه قوله أن زوال يد رب المال شرط صحة المضاربة فكانت إعادة يده إليه مفسدة لها

قسم V06/P084–V06/P085

ولنا أن رب المال يصير معينا للمضارب والإعانة لا توجب إخراج المال عن يده فيبقى العقد الأول ولا أجر لرب المال لأنه عمل في ملك نفسه فلا يستحق الأجر وأما الذي يرجع إلى الربح فأنواع منها إعلام مقدار الربح لأن المعقود عليه هو الربح وجهالة المعقود عليه توجب فساد العقد ولو دفع إليه ألف درهم عن أنهما يشتركان في الربح ولم يبين مقدار الربح جاز ذلك والربح بينهما نصفان لأن الشركة تقتضي المساواة قال الله تعالى عز شأنه فهم شركاء في الثلث ولو قال على أن للمضارب شركا في الربح جاز في قول أبي يوسف والربح بينهما نصفان وقال محمد المضاربة فاسدة وجه قول محمد أن الشركة هي النصيب قال الله تعالى أم لهم شرك في السماوات ( ( ( السموات ) ) ) أي نصيب وقال تعالى وما لهم فيهما من شرك أي نصيب فقد جعل له نصيبا من الربح والنصيب مجهول فصار الربح مجهولا وجه قول أبي يوسف أن الشرك بمعنى الشركة يقال شركته في هذا الأمر أشركه شركة وشركا قال القائل وشاركنا قريشا في بقاها وفي أحسابها شرك العنان ويذكر بمعنى النصيب أيضا لكن في الحمل على الشركة تصحيح للعقد فيحمل عليها ومنها أن يكون المشروط لكل واحد منهما من المضارب ورب المال من الربح جزءا شائعا نصفا أو ثلثا أو ربعا فإن شرطا عددا مقدرا بأن شرطا أن يكون لأحدهما مائة درهم من الربح أو أقل أو أكثر والباقي للآخر لا يجوز والمضاربة فاسدة لأن المضاربة نوع من الشركة وهي الشركة في الربح وهذا شرط يوجب قطع الشركة في الربح لجواز أن لا يربح المضارب إلا هذا القدر المذكور فيكون ذلك لأحدهما دون الآخر فلا تتحقق الشركة فلا يكون التصرف مضاربة وكذلك إن شرطا أن يكون لأحدهما النصف أو الثلث ومائة درهم أو قالا إلا مائة درهم فإنه لا يجوز كما ذكرنا أنه شرط يقطع الشركة في الربح لأنه إذا شرطا لأحدهما النصف ومائة فمن الجائز أن يكون الربح مائتين فيكون كل الربح للمشروط له وإذا شرط ( ( ( شرطا ) ) ) له النصف إلا مائة فمن الجائز أن يكون نصف الربح مائة فلا يكون له شيء من الربح ولو شرطا في العقد أن تكون الوضيعة عليهما بطل الشرط والمضاربة صحيحة والأصل في الشرط الفاسد إذا دخل في هذا العقد أنه ينظر إن كان يؤدي إلى جهالة الربح يوجب فساد العقد لأن الربح هو المعقود عليه وجهالة المعقود عليه توجب فساد العقد وإن كان لا يؤدي إلى جهالة الربح يبطل الشرط وتصح المضاربة وشرط الوضيعة عليهما شرط فاسد لأن الوضيعة جزء هالك من المال فلا يكون إلا على رب المال لا أنه يؤدي إلى جهالة الربح فلا يؤثر في العقد فلا يفسد به العقد ولأن هذا عقد تقف صحته على القبض فلا يفسده الشرط الزائد الذي لا يرجع إلى المعقود عليه كالهبة والرهن ولأنها وكالة والشرط الفاسد لا يعمل في الوكالة وذكر محمد في المضاربة إذا قال رب المال للمضارب لك ثلث الربح وعشرة دراهم في كل شهر ما عملت في المضاربة صحت المضاربة من الثلث وبطل الشرط وذكر في المزارعة إذا دفع إليه أرضه بثلث الخارج وجعل له عشرة دراهم في كل شهر فالمزارعة باطلة من أصحابنا من قال في المسألة روايتان رواية كتاب المزارعة تقتضي فساد المضاربة لأن المشروط للمضارب من المشاهرة معقود عليه وهو قطع عنه الشركة وهذا يفسد المضاربة وفي رواية كتاب المضاربة يقتضي أن تصح المضاربة لأنه عقد على ربح معلوم ثم ألحق به شرطا فاسدا فيبطل الشرط وتصح المضاربة والصحيح هو الفرق بين المسألتين لأن معنى الإجازة ( ( ( الإجارة ) ) ) في المزارعة أظهر منه في المضاربة بدليل أنها لا تصح إلا بمدة معلومة والمضاربة لا تفتقر صحتها إلى ذكر المدة فالشرط الفاسد جاز أن يؤثر في المزارعة ولا يؤثر في المضاربة

قسم V06/P085–V06/P086

وعلى هذا الأصل قال محمد فيمن دفع ألفا مضاربة على أن الربح بينهما نصفين على أن يدفع إليه رب المال أرضه ليزرعها سنة أو دارا ليسكنها سنة فالشرط باطل والمضاربة صحيحة لأنه ألحق بها شرطا فاسدا لا تقتضيه فبطل الشرط ولو كان المضارب هو الذي شرط عليه أن يدفع أرضه ليزرعها رب المال سنة أو يدفع داره إلى رب المال ليسكنها سنة فسدت المضاربة لأنه جعل نصف الربح عوضا عن عمله وعن أجرة الدار والأرض فصارت حصة العمل مجهولة العقد ( ( ( بالعقد ) ) ) فلم يصح العقد وروى المعلى عن أبي يوسف في رجل دفع مالا إلى رجل مضاربة على أن يبيع في دار رب المال أو على أن يبيع في دار المضارب كان جائزا ولو شرطا أن يسكن المضارب دار رب المال أو رب المال دار المضارب فهذا لا يجوز لأنه إذا شرط البيع في أحد الدارين فإنما خص البيع بمكان دون مكان ولم يعقد على منافع الدار وإذا شرط للمضارب السكنى فقد جعل تلك المنفعة أجرة له وأطلق أبو يوسف أنه لا يجوز ولم يذكر أنه لا يجوز الشرط أو لا تجوز المضاربة وذكر القدوري رحمه الله أنه ينبغي أن يكون الفساد في الشرط لا في في المضاربة ولو شرط جميع الربح للمضارب فهو قرض عند أصحابنا وعند الشافعي رحمه الله هي مضاربة فاسدة وله أجرة مثل ما إذا عمل وجه قوله أن المضاربة عقد شركة في الربح فشرط قطع الشركة فيها يكون شرطا فاسدا ولنا أنه إذا لم يمكن تصحيحها مضاربة تصحح قرضا لأنه أتى بمعنى القرض والعبرة في العقود لمعانيها وعلى هذا إذا شرط جميع الربح لرب المال فهو أبضاع عندنا لوجود معنى الإبضاع فصل وأما بيان حكم المضاربة فالمضاربة لا تخلو إما أن تكون صحيحة أو فاسدة ولكل واحد منهما أحكام أما أحكام الصحيحة فكثيرة بعضها يرجع إلى حال المضارب في عقد المضاربة وبعضها يرجع إلى عمل المضارب ما لكل واحد منهما أن يعمله وما ليس له أن يعمله وبعضه ( ( ( وبعضها ) ) ) يرجع إلى ما يستحقه المضارب بالعمل وما يستحقه رب المال بالمال أما الذي يرجع إلى حال المضارب في عقد المضاربة فهو أن رأس المال قبل أن يشتري المضارب به شيئا أمانة في يده بمنزلة الوديعة لأنه قبضه بإذن المالك لا على وجه البدل والوثيقة فإذا اشترى به شيئا صار بمنزلة الوكيل بالشراء والبيع لأنه تصرف في مال الغير بأمره وهو معنى الوكيل فيكون شراؤه على المعروف وهو أن يكون بمثل قيمته أو بما يتغابن الناس في مثله كالوكيل بالشراء وبيعه على الاختلاف المعروف في الوكيل بالبيع المطلق ولو اشترى شراء فاسدا يملك إذا قبض لا يكون مخالفا ويكون الشراء على المضاربة وكذا إذا باع شيئا من مال المضاربة بيعا فاسدا لا يصير مخالفا ولا يضمن لأن المضاربة توكيل والوكيل بالشراء والبيع مطلقا يملك الصحيح والفاسد فلا يصير مخالفا فإذا ظهر في المال ربع ( ( ( ربح ) ) ) صار شريكا فيه بقدر حصته من الربح لأنه ملك جزءا من المال المشروط بعمله والباقي لرب المال لأنه نماء ماله فإذا فسدت بوجه من الوجوه صار بمنزلة الأجير لرب المال فإذا خالف شرط رب المال صار بمنزلة الغاصب ويصير المال مضمونا عليه ويكون ربح المال كله بعدما صار مضمونا عليه له لأن الربح بالضمان لكنه لا يطيب له في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وعند أبي يوسف رحمه الله يطيب له وهو على اختلافهم في الغاصب والمودع إذا تصرفا في المغصوب والوديعة وربحا ولو أراد رب المال أن يجعل المال مضمونا على المضارب فالحيلة في ذلك أن يقرض المال من المضارب ويشهد عليه ويسلمه إليه ثم يأخذ منه مضاربة بالنصف أو بالثلث ثم يدفعه إلى المستقرض فيستعين به في العمل حتى لو هلك في يده كان القرض عليه وإذا لم يهلك وربح يكون الربح بينهما على الشرط

قسم V06/P086–V06/P087

وحيلة أخرى أن يقرض رب المال جميع المال من المضارب إلا درهما واحدا ويسلمه إليه ويشهد على ذلك ثم إنهما يشتركان في ذلك شركة عنان على أن يكون رأس مال المقرض درهما ورأس مال المستقرض جميع ما استقرض على أن يعملا جميعا وشرطا أن يكون الربح بينهما ثم بعد ذلك يعمل المستقرض خاصة في المال فإن هلك المال في يده كان القرض على حاله ولو ربح كان الربح بينهما على الشرط وأما الذي يرجع إلى عمل المضارب مما له أن يعمله بالعقد وما ليس له أن يعمل به فجملة الكلام فيه أن المضاربة نوعان مطلقة ومقيدة فالمطلقة أن يدفع المال مضاربة من غير تعيين العمل والمكان والزمان وصفة العمل ومن يعامله والمقيدة أن يعين شيئا من ذلك وتصرف المضارب في كل واحد من النوعين ينقسم أربعة أقسام قسم منه للمضارب أن يعمله من غير الحاجة إلى التنصيص عليه ولا إلى قول اعمل برأيك فيه وقسم منه ما ليس له أن يعمل ولو قيل له اعمل فيه برأيك إلا بالتنصيص عليه وقسم منه ما له أن يعمله إذا قيل له اعمل فيه برأيك وإن لم ينص عليه وقسم منه ما ليس له أن يعمله رأسا وإن نص عليه وأما القسم الذي للمضارب أن يعمله من غير التنصيص عليه ولا قول اعمل برأيك كالمضاربة المطلقة عن الشرط والقيد وهي ما إذا قال له خذ هذا المال واعمل به على أن ما رزق الله من ربح فهو بيننا على كذا أو قال خذ هذا المال مضاربة على كذا فله أن يشتري به ويبيع لأنه أمره بعمل هو سبب حصول الربح وهو الشراء والبيع وكذا المقصود من عقد المضاربة هو الربح والربح لا يحصل إلا بالشراء والبيع إلا أن شراءه يقع على المعروف وهو أن يكون بمثل قيمة المشترى أو بأقل من ذلك مما يتغابن الناس في مثله لأنه وكيل وشراء الوكيل يقع على المعروف فإن اشترى بما لا يتغابن الناس في مثله كان مشتريا لنفسه لا على المضاربة بمنزلة الوكيل بالشراء وأما بيعه فعلى الاختلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه رضي الله تعالى عنهم في التوكيل بمطلق البيع أنه يملك البيع نقدا ونسيئة وبغبن فاحش في قول أبي حنيفة رحمه الله فالمضارب أولى لأن المضاربة أعم من الوكالة وعندهما لا يملك البيع بالنسيئة ولا بما لا يتغابن الناس في مثله وهي من مسائل كتاب الوكالة وله أن يشتري ما بدا له من سائر أنواع التجارات في سائر الأمكنة مع سائر الناس لإطلاق العقد وله أن يدفع المال بضاعة لأن الإبضاع من عادة التجار ولأن المقصود من هذا العقد هو الربح والإبضاع طريق إلى ذلك ولأنه يملك الاستئجار فالإبضاع أولى لأن الاستئجار استعمال في المال بعوض والإبضاع استعمال فيه بغير عوض فكان أولى وله أن يودع لأن الإيداع من عادة التجار ومن ضرورات التجارة وله أن يستأجر من يعمل في المال لأنه من عادة التجار وضرورات التجارة أيضا لأن الإنسان قد لا يتمكن من جميع الأعمال بنفسه فيحتاج إلى الأجير وله أن يستأجر البيوت ليجعل المال فيها لأنه لا يقدر على حفظ المال إلا به وله أن يستأجر السفن والدواب للحمل لأن الحمل من مكان إلى مكان طريق يحصل الربح ولا يمكنه النقل بنفسه وله أن يوكل بالشراء والبيع لأن التوكيل من عادة التجار ولأنه طريق الوصول إلى المقصود وهو الربح فكان بسبيل منه كالشريك ولأن المضاربة أعم من الوكالة ويجوز أن يستفاد بالشيء ما هو دونه بخلاف الوكالة المفردة أن الوكيل لا يملك أن يوكل غيره بمطلق الوكالة إلا إذا قيل له اعمل برأيك لأن المقصود من ذلك ليس هو التجارة وحصول الربح بل إدخال المبيع في ملكه وكذا الوكالة الثانية مثل الأولى والشيء لا يستتبع مثله وكل ما للمضارب أن يعمل بنفسه فله أن يوكل فيه غيره وكل ما لا يكون له أن يفعله بنفسه لا يجوز فيه وكالته على رب المال لأنه لما لم يملك أن يعمل بنفسه فبوكيله أولى

قسم V06/P087–V06/P088

وله أن يرهن بدين عليه في المضاربة من مال المضاربة وأن يرتهن بدين له منها على رجل لأن الرهن بالدين والارتهان من باب الإيفاء والاستيفاء وهو يملك ذلك فيملك الرهن والارتهان وليس له أن يرهن بعد نهي رب المال عن العمل ولا بعد موته لأن المضاربة تبطل بالنهي والموت إلا في تصرف ينضر به رأس المال والرهن ليس تصرفا ينضر به رأس المال فلا يملكه المضارب ولو باع شيئا وأخر الثمن جاز لأن التأخير للثمن عادة التجار وأما على أصل أبي حنيفة عليه الرحمة فلأن الوكيل بالبيع يملك تأخير الثمن فالمضارب أولى لأن تصرفه أعم من تصرف الوكيل إلا أن الوكيل بالبيع إذا أخر الثمن يضمن عندهما والمضارب لا يضمن لأن المضارب يملك أن يستقبل ( ( ( يستقيل ) ) ) ثم يبيع نسيئة فيملك التأخير ابتداء فلم يضمن فأما الوكيل فلا يملك الإقالة ثم البيع بالنسيئة فإذا أخر ضمن وأما عند أبي يوسف فإنما جاز تأخير المضارب دون الوكيل لهذا المعنى أيضا وهو أن المضارب يملك أن يشتري السلعة أو يستقبل ( ( ( يستقيل ) ) ) فيها ثم يبيعها نساء فيملك تأخير ثمنها والوكيل لا يملك ذلك وله أن يحتال بالثمن على رجل موسرا كان المحتال عليه أو معسرا لأن الحوالة من عادة التجار لأن الوصول إلى الدين قد يكون أيسر من ذمة المحال عليه منه من ذمة المحيل بخلاف الوصي إذا احتال بمال اليتيم إن ذلك إن كان أصلح جاز وإلا فلا لأن تصرف الوصي في مال اليتيم مبني على النظر وتصرف المضارب مبني على عادة التجار قال محمد وله أن يستأجر أرضا بيضاء ويشتري ببعض المال طعاما فيزرعه فيها وكذلك له أن يقلبها ليغرس فيها نخلا أو شجرا أو رطبا فذلك كله جائز والربح على ما شرطا لأن الاستئجار من التجارة لأنه طريق حصول الربح وكذا هو من عادة التجار فيملكه المضارب وللمضارب أن لا يسافر بالمال لأن المقصود من هذا العقد استنماء المال وهذا المقصود بالسفر أوفر ولأن العقد صدر مطلقا عن المكان فيجري على إطلاقه ولأن مأخذ الاسم دليل عليه لأن المضاربة مشتقة من الضرب في الأرض وهو السير قال الله تبارك وتعالى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله ولأنه طلب الفضل وقد قال الله تعالى عز شأنه وابتغوا من فضل الله وهذا قول أبي حنيفة ومحمد وهو قول أبي يوسف في رواية محمد عنه وفي رواية أصحاب الإملاء عنه ليس له أن يسافر وروي عنه أنه فرق بين الذي يثبت في وطنه وبين الذي لا يثبت وبين ما له حمل ومؤنة وبين ما لا حمل له ولا مؤنة في الشركة فالمضارب على ذلك وقد ذكرنا وجه كل واحد من ذلك في كتاب الشركة وقد قال أبو يوسف عن أبي حنيفة رحمه الله إنه إذا دفع إليه المال بالكوفة وهما من أهليها فإن أبا حنيفة قال ليس له أن يسافر بالمال ولو كان الدفع في مصر آخر غير الكوفة فللمضارب أن يخرج به حيث شاء وقد ذكرنا وجه الرواية المشهورة في كتاب الشركة وأما وجه رواية أبي يوسف عنه فهو أن المسافرة بالمال مخاطرة به فلا يجوز إلا بإذن رب المال نصا أو دلالة فإذا دفع المال إليه في بلدهما فلم يأذن له بالسفر نصا ودلالة لم يكن له أن يسافر وإذا دفع إليه في غير بلدهما فقد وجد دلالة الإذن بالرجوع إلى الوطن لأن العادة أن الإنسان لا يأخذ المال مضاربة ويترك بلده فكان دفع المال في غير بلدهما رضا بالرجوع إلى الوطن فكان إذنا دلالة وله أن يأذن لعبيد المضاربة بالتجارة في ظاهر الرواية لأن الإذن بالتجارة من التجارة ومن عادة التجار أيضا وروى ابن رستم عن محمد أنه لا يملك ذلك بإطلاق المضاربة لأن الإذن بالتجارة أعم من المضاربة فلا يستتبع ما هو فوقه وله أن يبيعهم إذا لحقهم دين سواء كان المولى حاضرا أو غائبا لأن البيع في الدين من التجارة فلا يقف على حضور المولى

قسم V06/P088

ولو جنى عبد المضاربة بأن قتل إنسانا خطأ وقيمته مثل مال المضارب بأن كان رأس المال ألف درهم فاشترى بها عبدا قيمته ألف فقتل إنسانا خطأ لا يخاطب المضارب بالدفع أو الفداء لأن الدفع أو الفداء ليس من التجارة ولا ملك أيضا للمضارب في رقبته لانعدام الفعل والتدبير في جنايته إلى رب المال لأن رقبته خالص ملكه ولا ملك للمضارب فيها بخلاف عبد المأذون إذا جنى أنه يخاطب المأذون بالدفع أو الفداء مع غيبة المولى لأن العبد المأذون في التصرف كالحر لأنه يتصرف لنفسه كالحر بدليل أنه لا يرجع بالعهدة على المولى ولو كان متصرفا للمولى لرجع بالعهدة عليه فلما لم يرجع دل أنه يتصرف لنفسه وإنما يظهر حق المولى في كسبه عند فراغه عن حاجته فإذا تعلقت الجناية برقبته صارت مشغولة فلا يظهر حق المولى فيخاطب بالدفع كالحر فأما المضارب فإنه وكيل رب المال في التصرف حتى يرجع بالعهدة عليه والوكيل بالشراء لا يخاطب بحكم الجناية فهو الفرق بين المسألتين فإن اختار رب المال الدفع واختار المضارب الفداء فله ذلك لأن بالفداء يستبقي مال المضاربة وله فيه فائدة في الجملة لتوهم الربح ولو دفع رب المال أو فدى خرج العبد من المضاربة أما إذا دفع فلا شك فيه لأن بالدفع زال ملكه لا إلى بدل فصار كأنه هلك وإذا فدى فقد لزمه ضمان ليس من مقتضيات المضاربة ولأن اختيار الفداء دليل رغبته في عين العبد فلا يحصل المقصود من العقد وهو الربح لأن ذلك بالبيع ولو كان قيمة العبد ألفين فجنى جناية خطأ لا يخاطب المضارب بالدفع أو الفداء إذا كان رب المال غائبا لما قلنا وليس لأصحاب الجناية على المضارب ولا على الغلام سبيل إلا أن لهم أن يستوثقوا من الغلام بكفيل إلى أن يقدم المولى وكذا لا يخاطب المولى بالدفع أو الفداء إذا كان المضارب غائبا وليس لأحدهما أن يفدي حتى يحضرا جميعا فإن فدى كان متطوعا بالفداء فإذا حضرا دفعا أو فديا فإن دفعا فليس لهما شيء وإن فديا كان الفداء عليهما أرباعا وخرج العبد من المضاربة وهذا قول أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف حضور المضارب ليس بشرط ويخاطب المولى بحكم الجناية وجه قوله أن نصيب المضارب لم يتعين في الربح لعدم تعين رأس المال لأن التعيين بالقسمة ولم توجد فبقي المال على حكم ملك رب المال فكان هو المخاطب بحكم الجناية فلا يشترط حضور المضارب ولهما أنه إذا كان في المضاربة فضل كان للمضارب ملك في العبد ولهذا لو أعتقه نفذ إعتاقه في نصيبه وإذا كان له نصيب في العبد كان فداء نصيبه عليه فلا بد من حضوره وأما قوله أن حقه لم يتعين في الربح لعدم تعيين رأس المال فممنوع بل تعين ضرورة لزوم الفداء في نصيبه ولا يلزم إلا بتعيين حقه ولا يتعين حقه إلا بتعيين رأس المال ولا يتعين رأس المال إلا بالقسمة فثبتت القسمة ضرورة فإن اختار أحدهما الدفع والآخر الفداء فلهما ذلك لأن كل واحد منهما مالك لنصيبه فصار كالعبد المشترك غير أن في العبد المشترك إذا حضر أحد الشريكين وغاب الآخر يخاطب الآخر بحكم الجناية من الدفع أو الفداء وههنا لا يخاطب واحد منهما ما لم يحضرا جميعا لأن تصرف أحدهما يتضمن قسمه لأن المال لا يبقى على المضاربة بعد الدفع أو الفداء والقسمة لا تصح إلا بحضرتهما والدفع أو الفداء من أحد الشريكين لا يتضمن قسمة ولا حكما في حق الشريك الآخر فلا يقف على حضوره وهذا بخلاف العبد المرهون إذا كانت قيمته أكثر من الدين فجنى جناية خطأ أنه يخاطب الراهن والمرتهن بحكم الجناية فإن اختار أحدهما الدفع والآخر الفداء لم يكن لهما ذلك ويلزمهما أن يجتمعا على أحد الأمرين لأن الملك هناك واحد فاختلاف اختيارهما يوجب تبعيض موجب الجناية في حق مال ( ( ( مالك ) ) ) واحد وهذا لا يجوز كالعبد الذي ليس برهن وهنا مالك العبد اثنان فلو اختلف اختيارهما لا يوجب ذلك تبعيض موجب الجناية في حق مالك واحد

قسم V06/P088–V06/P089

وقد قالوا إذا غاب أحدهما وادعيت الجناية على العبد لم تسمع البينة حتى يحضرا لأن كل واحد منهما له حق العبد فكان التدبير في الجناية إليهما فلا يجوز سماع البينة على أحدهما مع غيبة الآخر وإنما أخذ بالعبد كفيل لأنه لا يؤمن عليه أن يغيب فيسقط حق ولي الجناية لأن حقه تعلق برقبته فكان له أن يستوثق حقه بكفيل وحقوق العقد في الشراء والبيع ترجع إلى المضارب لا إلى رب المال لأن المضارب هو العاقد فهو الذي يطالب بتسليم المبيع ويطالب بتسليم الثمن ويقبض المبيع والثمن ويرد بالعيب ويرد عليه ويخاصم ويخاصم لما قلنا ولو اشترى المضارب عبدا معيبا قد علم رب المال بعيبه ولم يعلم به المضارب فللمضارب أن يرده ولو كان علم بالعيب ولم يعلم به رب المال لم يكن للمضارب أن يرده لأن حقوق العقد تتعلق بالمضارب لا برب المال فيعتبر علم المضارب لا علم رب المال ولو اشترى عبدا فظهر به عيب فقال رب المال بعد الشراء رضيت بهذا العبد بطل الرد لأن الملك لرب المال فإذا رضي به فقد أبطل حق نفسه ولو أن رب المال دفع إليه ألف درهم مضاربة على أن يشتري بها عبد فلان بعينه ثم يبيعه فاشتراه المضارب ولم يره فليس له أن يرده بخيار الرؤية ولا بخيار العيب لأن أمره بالشراء بعد العلم رضا منه بذلك العيب فكأنه قال بعد الشراء قد رضيت بخلاف ما إذا أمره بشراء عبد غير معين لأنه لا يعلم أنه يشتري العبد المعيب لا محالة حتى يكون علمه دلالة الرضا به وهل له أن يأخذ بالشفعة في دار اشتراها أجنبي إلى جنب دار المضارب أو باع رب المال دارا لنفسه والمضارب شفيعها بدار أخرى من المضاربة ففيه تفصيل نذكره إن شاء الله تعالى ولو دفع المال إلى رجلين مضاربة فليس لأحدهما أن يبيع ويشتري بغير إذن صاحبه ولا يعمل أحدهما شيئا مما للمضارب الواحد أن يعمله سواء قال لهما اعملا برأيكما أو لم يقل لأنه رضي برأيهما ولم يرض برأي أحدهما فصارا كالوكيلين وأذن ( ( ( وإذا ) ) ) له الشريك في شيء من ذلك جاز في قولهم جميعا لأنه لما أذن له فقد اجتمع رأيهما فصار كأنهما عقدا جميعا وأما القسم الذي ليس للمضارب أن يعمله إلا بالتنصيص عليه في المضاربة المطلقة فليس له أن يستدين على مال المضاربة ولو استدان لم يجز على رب المال ويكون دينا على المضارب في ماله لأن الاستدانة إثبات زيادة في رأس المال من غير رضا رب المال بل فيه إثبات زيادة ضمان على رب المال من غير رضاه لأن ثمن المشتري برأس المال في باب المضاربة مضمون على رب المال بدليل أن المضارب لو اشترى برأس المال ثم هلك المشتري قبل التسليم فإن المضارب يرجع إلى رب المال بمثله فلو جوزنا الاستدانة على المضاربة لألزمناه زيادة ضمان لم يرض به وهذا لا يجوز ثم الاستدانة هي أن يشتري المضارب شيئا بثمن دين ليس في يده من جنسه حتى إنه لو لم يكن في يده شيء من رأس المال من الدراهم والدنانير بأن كان اشترى برأس المال سلعة ثم اشترى شيئا بالدراهم أو الدنانير لم يجز على المضاربة وكان المشتري له عليه ثمنه من ماله لأنه اشترى بثمن ليس في يده من جنسه فكان مستدينا على المضاربة فلم تجز على رب المال وجاز عليه لأن الشراء وجد نفاذا عليه كالوكيل بالشراء إذا خالف وسواء كان اشترى بثمن حال أو مؤجل لأنه لما اشترى بما ليس في يده من جنسه صار مستدينا على المضاربة وهو لا يملك ذلك ولو كان ما في يد المضارب من العبد أو العرض يساوي رأس المال أو أكثر فاشترى شيئا للمضاربة بالدراهم والدنانير لبيع ( ( ( ليبيع ) ) ) العرض ويؤدي ثمنه منها لم يجز سواء كان الثمن حالا أو مؤجلا لما ذكرنا أنه استدانة

قسم V06/P089–V06/P090

ولو باع ما في يده من العرض بالدراهم والدنانير وحصل ذلك في يده قبل حل الأجل لم ينتفع بذلك لأنه لما خالف في حالة الشراء لزمه الثمن وصارت السلعة له لأنه لم يملك الشراء للمضاربة فوقع العقد له فلا يصير بعد ذلك للمضاربة وكذا إذا قبض المضارب مال المضاربة ليس له أن يشتري بأكثر من رأس المال الذي في يده لأن الزيادة تكون دينا وليس في يده من مال المضاربة ما يؤديه حتى لو اشترى سلعة بألفي درهم ومال المضاربة ألف كانت حصة الألف من السلعة المشتراة للمضاربة وحصة ما زاد على الألف للمضارب خاصة له ربح ذلك وعليه وضيعته والزيادة دين عليه في ماله لأنه يملك الشراء بالألف ولا يملك الشراء بما زاد عليها للمضاربة ويملك الشراء لنفسه فوقع له وكذا إذا قبض المضارب رأس المال وهو قائم في يده فليس له أن يشتري للمضاربة بغير الدراهم والدنانير من المكيل والموزون والمعدود والثوب الموصوف المؤجل إذا لم يكن في يده شيء من ذلك لأن الشراء بغير المال يكون استدانة على المال ولو كان في يده من مال المضاربة مكيل أو موزون فاشتري ثوبا أو عبدا بمكيل أو موزون موصوف في الذمة كان المشتري للمضارب لأن في يده من جنسه فلم يكن استدانة ولو كان في يده دراهم فاشترى سلعة بدراهم نسيئة لم يكن استدانة لأن في يده من جنسه ولو كان في يده دراهم فاشتري بدنانير أو كان في يده دنانير فاشترى بدراهم فالقياس أن لا يجوز على رب المال وهو قول زفر وفي الاستحسان يجوز وجه القياس أن الدراهم والدنانير جنسان مختلفان حقيقة فقد اشترى بما ليس في يده من جنسه فيكون استدانة كما لو اشترى بالعروض وجه الاستحسان أن الدراهم والدنانير عند التجار كجنس واحد لأنهما أثمان الأشياء بهما تقدر النفقات وأروش الجنايات وقيمة المتلفات ولا يتعذر نقل كل واحد منهما إلى الآخر فكانا بمنزلة شيء واحد فكان مشتريا بثمن في يده من جنسه وكذلك لو اشترى بثمن هو من جنس رأس المال لكنه يخالفه في الصفة بأن اشترى بدراهم بيض ورأس المال دراهم سود أو اشترى بصحاح ورأس المال غلة أو اشترى بدراهم سود ورأس المال دراهم بيض أو اشترى بدراهم غلة ورأس المال صحاح فذلك جائز على المضاربة وقال زفر لا يجوز شيء من ذلك على المضاربة ويكون استدانة ويجعل اختلاف الصفة كاختلاف الجنس وقال محمد إن اشترى بما صفته أنقص من صفة رأس المال جاز وهذا يشير إلى أنه لو اشترى بما صفته أزيد من صفة رأس المال أنه لا يجوز على المضاربة ووجهه أنه إذا اشترى بما صفته أنقص من صفة رأس المال كان في يده ذلك القدر الذي اشترى به ذلك القدر وزيادة فجاز وإذا اشترى بما صفته أكمل لم يكن في يده القدر الذي اشترى به فلا يجوز على المضارب والصحيح قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله لأنه لما جاز عند اختلاف الجنس فلأن يجوز عند اختلاف الصفة أولى لأن تفاوت الصفة دون تفاوت الجنس ولو كان رأس المال ألف درهم فاشترى سلعة بألف أو بدنانير أو بفلوس قيمة ذلك ألف لا يملك أن يشتري بعد ذلك على ألف المضاربة شيئا بألف أخرى أو غير ذلك لأن مال المضاربة كان مستحقا بالثمن الأول فلو اشترى بعد ذلك لصار مستدينا على مال المضاربة فلا يملك ذلك فإن اشترى عليها أولا عبدا بخمسمائة لا يملك بعد ذلك أن يشتري إلا بقدر خمسمائة لأن الخمسمائة خرجت من المضاربة وكذلك كل دين يلحق رأس المال لأن ذلك صار مستحقا من رأس المال فيخرج القدر المستحق من المضاربة فإذا اشترى بأكثر مما بقي صار مستدينا على مال المضاربة فلا يصح

قسم V06/P090–V06/P091

ولو باع المضارب واشترى وتصرف في مال المضاربة فحصل في يده صنوف من الأموال من المكيل والموزون والمعدود وغير ذلك من سائر الأموال ولم يكن في يده دراهم ولا دنانير ولا فلوس فليس له أن يشتري متاعا بثمن ليس في يده مثله من جنسه وصفته وقدره بأن اشترى عبدا بكر حنطة موصوفة فإن اشترى بكر حنطة وسط وفي يده الوسط أو بكر حنطة جيدة وفي يده جاز وإن كان في يده أجود مما اشترى به أو أدون لم يكن للمضاربة وكان للمضارب لأنه إذا لم يكن في يده مثل الثمن صار مستدينا على المضاربة فلا يجوز وليس اختلاف الصفة هنا كاختلاف الصفة في الدراهم لأن اختلاف الجنس هناك بين الدراهم والدنانير لا يمنع الجواز فاختلاف الصفة أولى لأنه دونه واختلاف الجنس هنا يمنع الجواز فكذا اختلاف الصفة ثم في جميع ما ذكرنا أنه لا يجوز من المضارب الاستدانة على رب المال يستوي فيه ما إذا قال رب المال اعمل برأيك أو لم يقل لأن قوله اعمل برأيك تفويض إليه فيما هم من المضاربة والاستدانة لم تدخل في عقد المضاربة فلا يملكها المضارب إلا بإذن رب المال بها نصا ثم كما لا يجوز للمضارب الاستدانة على مال المضاربة لا يجوز له الاستدانة على إصلاح مال المضاربة حتى لو اشترى المضارب بجميع مال المضاربة ثيابا ثم استأجر على حملها أو على قصارتها أو نقلها كان متطوعا في ذلك كله لأنه إذا لم يبق في يده شيء من رأس المال صار بالاستئجار مستدينا على المضاربة فلم يجز عليها فصار عاقدا لنفسه متطوعا في مال الغير كما لو حمل متاعا لغيره أو قصر ثيابا لغيره بغير أمره وقال محمد وكذلك إذا صبغها سودا من ماله فنقصها ذلك لأن الاستدانة لا تجوز ولا يصير شريكا بالسواد لأنه لم يوجب في العين زيادة بل أوجب نقصانا فيها ولا يضمن بفعله سواء قال له اعمل برأيك أو لم يقل لأنه مأذون فيه بعقد المضاربة بدليل أنه لو كان في يده فضل فصبغ الثياب به سودا فنقصها ذلك لم يضمن وكذلك إذا صبغها بمال نفسه ولو صبغ المتاع بعصفر أو زعفران أو صبغ يزيد فيها وليس في يده من مال المضاربة شيء فإن كان لم يقل اعمل برأيك فهو ضامن ورب المال بالخيار إن شاء ضمنه قيمة متاعه يوم صبغه وسلم إليه المتاع وإن شاء ترك المتاع حتى يباع فيتصرف فيه رب المال بقيمته أبيض وتصرف المضارب بما زاد الصبغ فيه لأن الصبغ عين مال قائم فما أصاب المتاع فهو مال المضاربة وما زاد الصبغ فللمضارب خاصة لأن الصبغ استدانة على المال وذلك لا يجوز فصار الصبغ من غير المضاربة والمضارب إذا خلط مال نفسه بمال المضاربة ولم يقل له اعمل برأيك يضمن وصار كأجنبي خلط المال ولو صبغ الثياب أجنبي كان للمالك الخيار إن شاء ضمنه قيمتها وإن شاء تركها على الشركة وتضاربا بثمنها على الشركة كذا هذا وإن كان قال له اعمل برأيك فلا ضمان عليه لأنه إذا قال ذلك فله أن يخلط مال نفسه بمال المضاربة والصبغ على ملكه فلا يضمن بخلطه وصار المتاع بينهما فإذا بيع المتاع قسم الثمن على قيمة الثوب أبيض فما أصاب ذلك كان في المضاربة وما أصاب الصبغ كان للمضارب

قسم V06/P091

وإذا أذن للمضارب أن يستدين على مال المضاربة جاز له الاستدانة وما يستدينه يكون شركة بينهما شركة وجوه وكان المشترى بينهما نصفين لأنه لا يمكن أن يجعل المشترى بالدين مضاربة لأن المضاربة لا تجوز إلا في مال عين فتجعل شركة وجوه ويكون المشتري بينهما نصفين لأن مطلق الشركة يقتضي التساوي وسواء كان الربح بينهما في المضاربة نصفين أو أثلاثا لأن هذه شركة على حدة فلا يبنى على حكم المضاربة وقد بينا في كتاب الشركة أنه لا يجوز التفاضل في الربح في شركة الوجوه إلا بشرط التفاضل في الضمان فإن شرطا التفاضل في الضمان كان الربح كذلك وإن أطلقا كان المشترى نصفين لا يجوز فيه التفاضل في الربح وإذا صارت هذه شركة وجوه صار الثمن دينا عليهما من غيره مضاربة فلا يملك المضارب أن يرهن به مال المضاربة إلا بإذن رب المال فإن أذن له أن يرهن بجميع الثمن فقد أعاره نصف الرهن ليرهن بدينه وإن هلك صار مضمونا عليه وليس له أن يقرض مال المضاربة لأن القرض تبرع في الحال إذ لا يقابله عوض للحال وإنما يصير مبادلة في الثاني ومال الغير لا يحتمل التبرع وكذلك الهبة والصدقة لأن كل واحد منهما تبرع ولا يأخد ( ( ( يأخذ ) ) ) سفتجة لأن أخذها استدانة وهو لا يملك الاستدانة وكذا لا يعطى سفتجة لأن إعطاء السفتجة إقراض وهو لا يملك الإقراض إلا بالتنصيص عليه هكذا قال محمد عن أبي حنيفة أنه قال ليس له أن يقرض ولا أن يأخذ سفتجة حتى يأمره بذلك بعينه فيقول له خذ السفاتج وأقرض إن أحببت فأما إذا قال له اعمل في ذلك برأيك فإنما هذا على البيع والشراء والشركة والمضاربة وخلط المال وهذا قول أبي يوسف وقولنا لما ذكرنا أن قوله اعمل في ذلك برأيك تفويض الرأي إليه في المضاربة والتبرع ليس من عمل المضاربة وكذا الاستدانة بل هي عند الإذن شركة وجوه وهي عقد آخر وراء المضاربة وهو إنما فوض إليه الرأي في المفاوضة خاصة لا في عقد آخر لا تعلق له بها فلا يدخل في ذلك وليس له أن يشتري بما لا يتغابن الناس في مثله وإن قال له اعمل برأيك ولو اشترى يصير مخالفا لأن المضاربة توكيل بالشراء والتوكيل بالشراء مطلقا ينصرف إلى المتعارف وهو أن يكون بمثل القيمة أو بما يتغابن الناس في مثله ولأن الشراء بما لا يتغابن في مثله محاباة والمحاباة تبرع والتبرع لا يدخل في عقد المضاربة وليس له أن يعتق على مال لأنه إزالة الملك عن الرقبة بدين في ذمة المفلس فكان في معنى التبرع ولأنه ليس بتجارة إذ التجارة مبادلة المال بالمال وهذا مبادلة العتق بالمال وليس له أن يكاتب لأن الكتابة ليست بتجارة لانعدام مبادلة المال بالمال لهذا لا يملكه المأذون له في التجارة وليس له أن يعتق عبدا من المضاربة إذا لم يكن في نفس العبد فضل عن رأس المال فإن أعتق لم ينفذ لأن العقد السابق لا يفيده ولأنه لا يملك الإعتاق على مال وفيه معنى المبادلة فالإعتاق بغير مال أولى ولا ملك للمضارب في العبد مما لا ينفذ إعتاقه وسواء كان في يد المضارب مال آخر سوى العبد أو لم يكن لأن العبد إذا كان بقدر رأس المال لا فضل فيه لم يتعين للمضارب فيه حق لأنه مشغول برأس المال بدليل أنه لو هلك ذلك المال يصير العبد رأس المال

قسم V06/P091–V06/P092

وإن كان في نفس العبد المعتق فضل عن رأس المال جاز إعتاقه في قدر حصته من الربح لأنه إذا كان قيمته أكثر من رأس المال فقد تعين للمضارب فيه ملك فينفذ إعتاقه في قدر نصيبه كعبد بين شريكين أعتقه أحدهما وكذلك إن كاتب عبدا من المضاربة أو أعتقه على مال ولم يكن فيه فضل أنه لم يجز وإن كان فيه فضل كان كعبد بين شريكين أعتقه أحدهما على مال فإذا قبل العبد عتق عليه نصيبه وكان رب المال بالخيار ولرب المال فسخ الكتابة قبل الأداء لأنه لا يتضرر به في الحال وفي الثاني أما في الحال فلا يمتنع عليه بيع نصيبه وهبته ما دام شيء منه فكذا هذا وأما الثاني فلأنه لو أدى وعتق نفسه يفسد الباقي على رب المال فأكد دفع هذا الضرر بالفسخ لأن الكتابة قابلة للفسخ فله أن يفسخ كأحد الشريكين إذا باع حصته من بيت معين من دار مشتركة بينهما كان لشريكه نقض بيعه وإن باع ملك نفسه لما أن الشريك يتضرر بنفاذ هذا البيع فإنه متى أراد أن يقسم الدار يحتاج إلى قسمين قسمة البيت مع المشتري وقسمة بقية الدار مع الشريك الأول ويتضرر فكان له نقض البيع دفعا للضرر عنه فكذا هذا بخلاف ما إذا دبر المضارب نصيبه أو أعتق أنه ينفذ وإن كان يتضرر به رب المال لأن الضرر إنما يدفع إذا أمكن وهناك لا يمكن لأن التدبير والإعتاق تصرفان لا يحتملان الفسخ بخلاف الكتابة فإن أدى الكتابة قبل الفسخ عتق لوجود شرط العتق وهو الأداء إلا أن لرب المال أن يأخذ مما أداه المكاتب قدر حصته من المؤدى لأنه كسب عبد مشترك بينهما وكذلك إذا كان رأس المال ألف درهم فاشترى بها المضارب عبدين قيمة كل واحد منهما ألف فأعتق أحدهما أنه لا يجوز إعتاقه عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر يجوز إعتاقه في نصيبه منهما لأن رأس المال ليس إلا الألف فما زاد على ذلك يكون ربحا ويكون للمضارب فيه نصيب فينفذ إعتاقه في نصيبه ولنا أنه لم يتعين للمضارب ملك في أحد العبدين لأن كل واحد منهما يجوز أن يكون رأس المال والآخر ربحا فليس أحدهما بأن يجعل رأس المال والآخر ربحا أولى من القلب فيجعل كل واحد منهما كأن ليس معه غيره ولأن حق المضارب لا يتعين في الربح قبل تعين رأس المال ورأس المال لم يتعين إلا بتعيين ملك المضارب في الربح وكذلك لو كان في يد المضارب عشرون عبدا قيمة كل واحد منهم ألف درهم ورأس المال ألف درهم أنه لا يجوز عتقه في واحد منهم لأنه لا يتعين للمضارب في واحد منهم ملك لأن كل واحد منهم يصلح أن يكون هو رأس المال فإذا لم يملك شيئا منهم لا ينفذ إعتاقه من مشايخنا من قال هذا على أصل أبي حنيفة أن العبيد والجواري لا يقسمون قسمة واحدة بل كل شخص يقسم على حدة لأن العبيد والجواري بمنزلة أجناس مختلفة من سائر الأموال ولا يتعين للمضارب ملك في الأجناس المختلفة من العروض ونحوها فأما على أصل أبي يوسف ومحمد أنهم يقسمون قسمة واحدة بمنزلة الدواب فظهر الربح فينفذ إعتاقه في قدر نصيبه من الربح وقال بعض مشايخنا إن هذا بالاتفاق لأن عندهما إنما يقسم القاضي قسمة واحدة إذا رأى القاضي ذلك فأما قبل ذلك فلا بل العبيد بمنزلة الأجناس المختلفة لهذا لا يصح التوكيل بشراء عبد بدون بيان الثمن بالاتفاق كالتوكيل بشراء ثوب لهذا لو كانت العبيد للخدمة بين اثنين لا تجب على أحدهما صدقة الفطر بسببهم في عامة الروايات والأصل أن مال المضاربة إذا كان من جنس واحد وفيه فضل عن رأس المال أنه يضم بعضه إلى بعض ويتعين نصيب المضارب فيما زاد على رأس المال وإذا كان من جنسين مختلفين كل واحد منهما مثل رأس المال لا يضم أحدهما إلى الآخر فلا يتعين للمضارب في أحدهما ملك لاشتغال كل واحد منهما برأس المال

قسم V06/P092–V06/P093

وقد قالوا في هذه المسألة إن رب المال لو أعتق العبيد نفذ إعتاقه في جميعهم لأنه إذا لم يتعين للمضارب في واحد منهم ملك نفذ على رب المال فإذا أعتقهم بلفظة واحدة عتقوا ويضمن حصة المضارب فيهم سواء كان موسرا أو معسرا أما الضمان فلأن المضارب وإن لم يملك شيئا من العبيد فقد كان له حق أن يتملك وقد أفسده عليه رب المال فيضمن وإنما استوى فيه اليسار والإعسار لأنه أعتق الكل مباشرة ونفذ إعتاقه في الكل فصار متلفا المال عليه بخلاف ضمان العتق لأنه يعتق نصيب المعتق ابتداء ثم يسري إلى نصيب الشريك على أصل أبي يوسف ومحمد لذلك اختلف فيه اليسار والإعسار وكذلك لو اشترى المضارب عبدا من مال المضاربة فادعى أنه ابنه إنه إن لم يكن فيه فضل لم تجز دعوته وإن كان فيه فضل جازت دعوته وعتق لأن هذه دعوة تحرير وإنها مبنية على الملك فإذا لم يكن فيه فضل فازدادت قيمة رأس المال بعد ذلك فظهر فيه فضل جازت دعوته وعتق عليه وكان كعبد بين اثنين عتق على أحدهما نصيبه بغير فعله بأن ورث نصيبه وإنما كان كذلك لأنه لما ادعى النسب ولا ملك له في الحال كانت دعوته موقوفة على الملك فإذا ازدادت قيمته فقد ملك جزأ منه فنفذت دعوته فيه كمن ادعى النسب في ملك غيره ثم ملك أنه تنفذ دعوته بخلاف ما إذا أعتقه ثم ازدادت قيمته أنه لا ينفذ إعتاقه لأن إنشاء الإعتاق في ملك الغير لا يتوقف كمن أعتق ملك غيره ثم ملكه ولا ضمان على المضارب في ذلك لأن العبد عتق من غير صنعه لأنه عتق بزيادة القيمة والعبد المشترك إذا عتق على أحد الشريكين بغير فعله لا يضمن للشريك شيئا ولو اشترى أمة قيمتها ألف ورأس المال ألف فولدت ولدا يساوي ألفا فادعى الولد لا يكون ولده ولا تكون الأم أم ولد له لأنه ليس لأحدهما فضل على رأس المال هكذا ذكر الكرخي وذكر القدوري رحمه الله أن هذا محمول على أنها علقت قبل أن يشتريها فأما إذا كان العلوق بعد الشراء فحكم المسألة يتغير لأن المضارب يغرم العقر مائة فإذا استوفاها رب المال منه جعل المستوفى من رأس المال فينتقص رأس المال وصار تسعمائة فيتعين للمضارب ملك فيهما جميعا فنفذت دعوته ويثبت النسب وإذا ثبت النسب ضمن المضارب من قيمة الأم سبعمائة حتى يستوفي رب المال تمام رأس ماله ثم يغرم خمسين درهما وهو تمام ما بقي من الأم فظهر أن الولد ربح بينهما فيعتق نصف الولد من المضاربة ويسعى في النصف لرب المال قال عيسى بن أبان أن هذا الجواب هو الصحيح وذكر محمد في الأصل مسألة أخرى طعن فيها عيسى وهو ما إذا اشترى جارية بألف درهم تساوي ألفا فولدت ولدا يساوي ألفا فادعاه المضارب لم يثبت نسبه ويغرم العقر فإن زادت قيمة الولد حتى صارت ألفين يثبت النسب من المضارب لأنه ملك بعضه لظهور الربح في الولد بزيادة قيمته فيعتق ربعه عليه ولا ضمان عليه لأنه عتق بزيادة القيمة ولا صنع له فيها ويسعى العبد في ثلاثة أرباع قيمته لرب المال والجارية على حالها لم تصر أم ولد للمضارب ما لم يستوف رب المال العقر والسعاية لأن المضارب لا يظهر له الربح في الجارية حتى يصل إلى رب المال شيء من المال فلا يملك شيئا منها ولا صحة للاستيلاد بدون الملك ولو لم تزد قيمة الولد ولكن زادت قيمة الأم فصارت ألفين فإن الجارية أم ولد له لظهور الربح فيها بزيادة قيمتها وعلى المضارب ثلاثة أرباع قيمتها لرب المال وإن لم يكن له صنع فيها لأن ضمانها ضمان تملك لهذا استوى فيه اليسار والإعسار فيستوي أن يكون بفعله أو من طريق الحكم ولا يثبت نسب الولد من المضارب لأنه لم يملك من الولد شيئا ما لم يأخذ رب المال شيئا من رأس ماله

قسم V06/P093–V06/P094

ولو زادت قيمتها ( ( ( قيمتهما ) ) ) جميعا فصارت قيمة كل واحد منهما ألف درهم يثبت نسب الولد وتصير الجارية أم ولد له لأنه ملك بعض كل واحد منهما لأنه ظهر الفضل في كل واحد منهما بزيادة قيمته ويضمن المضارب لرب المال تمام قيمة الجارية ألفي درهم وعقر مائة درهم فظهر أن رب المال استوفى رأس ماله واستوفى من الربح ألفا ومائة وللمضارب أن يستوفي من ربح الولد مقدار ألف ومائة فعتق الولد منه بذلك المقدار وبقي من الولد مقدار تسعمائة ربح بينهما لأن لكل واحد منهما أربعمائة وخمسون ( ( ( وخمسين ) ) ) فما أصاب المضارب عتق وما أصاب رب المال سعى فيه الولد قال عيسى هذا الجواب خطأ والصحيح أن يقال يضمن المضارب من الأم ثلاثة أرباع قيمتها ونصف العقر وبقي الولد ربحا بينهما يسعى في نصف قيمته لرب المال ويسقط عنه النصف بحصة المضارب قال القدوري رحمه الله هذا الذي ذكره عيسى هو جواب محمد في المسألة التي قدمناها إذا لم تزد قيمة كل واحد منهما وعلى قياس ما قال محمد في المسألة الزيادة تجب أن يقول إذا لم تزد قيمتها ينبغي أن يغرم المضارب ألفا ومائة ثم يستوفي المضارب من الولد مائة وبقي تسعمائة بينهما فمن أصحابنا من قال القياس ما أجاب به في المسألة التي لم تزد القيمة فيها ووجهه أن المضارب لا يغرم بعدما غرم تمام رأس ماله إلا نصف ما بقي من الأم لأن نصف ما بقي من الأم ربح بينهما فلا يجوز أن يغرم الكل والذي أجاب به في مسألة الزيادة هو الاستحسان لأن في غرم تمام قيمة الجارية تكثير العتق والعتق والرق إذا اجتمعا غلبت الحرية الرق ومن أصحابنا من قال إنما افترقت المسألتان لوصفهما لأن سبب العتق في مسألة الزيادة زيادة قيمة الولد وفي المسألة الأخرى سبب العتق قبض رب المال العقر فلما شارك رب المال المضارب في سبب عتقه أن يجتمع ربحه في الجارية وأما في المسألة الأخرى لما كان عتقه بسبب الزيادة صرف نصيب رب المال إلى الجارية لأن المضارب قد مكلها ( ( ( ملكها ) ) ) وقد قيل أيضا إن في تلك المسألة إنما قصد تكثير العتق وفي المسألة الأخرى إذا لم تزد القيمة لا يتبين تكثير العتق لأن الفضل فيما بينهما مقدار نصف العشر فلا يتبين بذلك المقدار تكثير العتق وقد قالوا في المضارب إذا اشترى جارية بألف فولدت ولدا يساوي ألفا فادعاه رب المال ثبت النسب وعتق الولد وصارت الجارية أم ولد له وانتقضت المضاربة ولا ضمان عليه لأن دعوته صادفت ملكه فثبت النسب واستندت الدعوة إلى وقت العلوق ولا قيمة للولد في ذلك الوقت ولا فضل في المال فلا تجب عليه القيمة ولا العقر لأنه وطىء ملك نفسه وليس له أن يزوج عبدا ولا أمة من مال المضاربة في قول أبي حنيفة ومحمد عليهما الرحمة وعند أبي يوسف رحمه الله يزوج الأمة ولا يزوج العبد وقد ذكرنا المسألة في موضع آخر وروى ابن رستم عن محمد أنه ليس له أن يزوج أمة من المضاربة لأنه لا يملك أن يشتري شيئا من مال المضاربة لنفسه فلا يملك أن يعقد على جارية المضاربة لنفسه فإن تزوج بإذن رب المال فهو جائز إذا لم يكن في المال ربح وقد خرجت من المضاربة أما الجواز فلأنه إذا لم يكن في المال ربح لم يكن للمضارب فيها ملك وإنما له حق التصرف وإنه لا يمنع النكاح كالعبد المأذون وأما خروج الأمة عن المضاربة فلأن العادة أن من تزوج أمة حصنها ومنعها من الخروج والبروز والمضاربة تقتضي العرض على البيع وإبرازها للمشتري وكان اتفاقهما على التزويج إخراجا إياها عن المضاربة ويحسب مقدار قيمتها من رأس المال لأنه لما أخرجها من المضاربة صار كأنه استرد ذلك القدر من رأس المال

قسم V06/P094–V06/P095

وقد قال الحسن بن زياد عن أبي حنيفة إن المضارب لا يملك أن يزوج أمة من المضاربة لعبد من المضاربة لأن تصرف المضارب يختص بالتجارة والتزويج ليس من التجارة وذكر القدوري رحمه الله وقال ينبغي أن يكون هذا قولهم لأن عند أبي يوسف إن كان يملك تزويج الأمة لا يملك تزويج العبد ولو أخذ المضارب نخلا أو شجرا أو رطبة معاملة على أن ينفق من المال لم يجز على رب المال وإن كان قال له رب المال حين دفع إليه اعمل فيه برأيك لأن الأخذ منه معاملة عقد على منافع نفسه ومنافع نفس المضارب لا تدخل تحت عقد المضاربة فصار كما لو آجر نفسه للخدمة ولا يعتبر ما شرط من الإنفاق لأن ذلك ليس بمعقود عليه بل هو تابع للعمل كالخيط في إجارة الخياط والصبغ في الصباغة وكذا لا يعتبر قوله اعمل برأيك لما ذكرنا أن ذلك يفيد تفويض الرأي إليه في المضاربة والمضاربة تصرف في المال وهذا عقد على منافع نفسه ومنافع نفس المضارب لا يجوز أن يستحق بدلها رب المال ولو أخذ أرضا مزارعة على أن يزرعها فما خرج من ذلك كان نصفين فاشترى طعاما ببعض المزارعة فزرعه قال محمد هذا يجوز إن قال له اعمل برأيك وإن لم يكن قال له اعمل برأيك لم يجز لأنه يوجب حقا لرب الأرض في مال رب المال فيصير كأنه شاركه بمال المضاربة وإنه لا يملك الإشراك بإطلاق العقد ما لم يقل اعمل برأيك فإذا قال ملك كذا هذا وقال الحسن بن زياد إن الأرض والبذر والبقر إذا كان من قبل رب الأرض والعمل على المضارب لم يكن ذلك على المضاربة بل يكون للمضارب خاصة لما ذكرنا أنه عقد على منافع نفسه فكان له بدل منافع نفسه فلا يستحقه رب المال وكذلك إذا شرط البقر على المضارب لأن العقد وقع على منفعته وإنما البقر آلة العمل والآلة تبع ما لم يقع عليها العقد ولو دفع المضارب أيضا بغير بذر مزارعة جازت سواء قال اعمل برأيك أو لم يقل لأنه لم يوجب شركة في مال رب المال إنما آجر أرضه والإجارة داخلة تحت عقد المضاربة والله عز وجل أعلم وأما القسم الذي للمضارب أن يعمله إذا قيل له اعمل برأيك وإن لم ينص عليه فالمضاربة والشركة والخلط فله أن يدفع مال المضاربة مضاربة إلى غيره وأن يشارك غيره في مال المضاربة شركة عنان وأن يخلط مال المضاربة بمال نفسه إذا قال له رب المال اعمل برأيك وليس له أن يعمل شيئا من ذلك إذا لم يقل له ذلك أما المضاربة فلأن المضاربة مثل المضاربة والشيء لا يستتبع مثله فلا يستفاد بمطلق عقد المضاربة مثله ولهذا لا يملك الوكيل التوكيل بمطلق العقد كذا هذا وأما الشركة فهي أولى أن لا يملكها بمطلق العقد لأنها أعم من المضاربة والشيء لا يستتبع مثله فما فوقه أولى وأما الخلط فلأنه يوجب في مال رب المال حقا لغيره فلا يجوز إلا بإذنه وإن لم يقل له ذلك فدفع المضارب مال المضاربة مضاربة إلى غيره فنقول لا يخلو من وجوه إما إن كان المضاربتان صحيحتين وإما إن كانتا فاسدتين وأما إن كانت إحداهما صحيحة والأخرى فاسدة فإن كانتا صحيحتين فإن المال لا يكون مضمونا على المضارب الأول بمجرد الدفع إلى الثاني حتى لو هلك المال في يد الثاني قبل أن يعمل يهلك أمانة وهذا قول أصحابنا الثلاثة وقال زفر يصير مضمونا بنفس الدفع عمل الثاني أو لم يعمل وإذا هلك قبل العمل يضمن وهو رواية عن أبي يوسف أيضا وجه قول زفر أن رب المال إذا لم يقل للمضارب اعمل برأيك لم يملك دفع المال مضاربة إلى غيره فإذا دفع صار بالدفع مخالفا فصار ضامنا كالمودع إذا أودع ولنا أن مجرد الدفع إيداع منه وهو يملك إيداع مال المضاربة فلا يضمن بالدفع