Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

قسم V07/P101–V07/P103

فرع : لو استأجر المعضوب من يحج عنه فأحرم الأجير عن نفسه تطوعا فوجهان ، حكاهما إمام الحرمين أحدهما : وهو قول الشيخ أبي محمد ينصرف إلى المستأجر ، قال أبو محمد : وكذا كل من في ذمته حجة مرسلة بإجارة ، فإذا نوى التطوع بالحج انصرف إلى ما في ذمته ، كما لو نوى التطوع وعليه حجة الإسلام أو النذر أو القضاء ، فإنه ينصرف إلى ما عليه دون التطوع بلا خلاف والوجه الثاني : وهو الصحيح . وهو قول سائر الأصحاب يقع تطوعا للأجير ، قال إمام الحرمين : وما قاله شيخي أبو محمد انفرد به ، ولا يساعده عليه أحد من الأصحاب ، لأنا إنما نقدم واجب الحج على نقله لأمر يرجع إلى نفس الحج مع بقاء الأمة على تقديم الأولى فالأولى في مراتب الحج . وأما : الاستحقاق على الأجير فليس من خاصة الحج ، ولو ألزم الأجير ذمته بالإجارة ما لا يلزم مثله ، لكان حكم الوجوب فيه حكم الوجوب في الحج قال : والذي يوضح ذلك أن الحجة قد تكون تطوعا من المستأجر إذا جوزنا الاستئجار في حج التطوع وهو الأصح فلا خلاف في أن ذلك اللزوم ليس من مقتضيات الحج ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : لو استأجر رجلان رجلا يحج عنهما فأحرم عنهما معا انعقد إحرامه لنفسه تطوعا ولا ينعقد لواحد منهما ، لأن الإحرام لا ينعقد عن اثنين ، وليس أحدهما أولى من الآخر ، ولو أحرم عن أحدهما وعن نفسه معا انعقد إحرامه عن نفسه ، لأن الإحرام عن اثنين لا يجوز وهو أولى من غيره فانعقد ، هكذا نص عليه الشافعي في الأم وتابعه الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والأصحاب . فرع : إذا استأجره اثنان ليحج عنهما أو أوامره بلا إجاره ، فأحرم عن أحدهما لا بعينه ، انعقد إحرامه عن أحدهما ، وكان له صرفه إلى أيهما شاء ، قبل التلبس بشيء من أفعال الحج . هذا مذهبنا ونقله العبدري عن مذهبنا وبه قال أبو جنيفة ومحمد بن الحسن ، وقال أبو يوسف : يقع عن نفسه . دليلنا أن مالكا يعتقد ابتداء ذلك الإحرام به مطلقا ثم يصرفه إلى ما يشاء ، كما لو أحرم مطلقا عن نفسه ثم صرفه إلى حج أو عمرة . واحتج أبو يوسف بأنه أحرم بإحرام معين فإذا أحرم مطلقا لم يأت بالمأمور فيه قلنا : نقيض ما أسند للنيابة هذا إذا استأجراه ليحج بنفسه ، فإن عقدا معا فالعقد باطل في حقهما ، وإن عقد العقدين ففي الذمة صحا ، فإن تبرع بالحج عن أحدهما يثبت للآخر الخيار في فسخ العقد لتأخير حقه . فرع : قال صاحب الحاوي في باب الإجارة على الحج من كتاب الحج : لو استأجره لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم لم تصح ، قال : وأما الجعالة على زيارة القبر فإن كانت على مجرد الوقوف عند القبر ومشاهدته لم تصح لأنه لا تدخله النيابة وإن كانت على الدعاء عند زيارة قبره صلى الله عليه وسلم صحت لأن الدعاء تدخله النيابة ولا تضر الجهالة بنفس الدعاء . فرع : في مذاهب العلماء في الاستئجار للحج ، قد ذكرنا أن مذهبنا صحة الإجارة للحج بشرطه السابق وبه قال مالك .

قسم V07/P103–V07/P104

وقال أبو حنيفة وأحمد : لا يصح عقد الإجارة عليه ، بل يعطي رزقا عليه قال أبو حنيفة : يعطيه نقة الطريق فإن أفضل منها شيئا رده ، ويكون الحج للفاعل ، وللمستأجر ثواب نفقته ، لأنه عبادة بدنية ، فلا يجوز الاستئجار عليها كالصلاة والصوم ، لأن الحج يقع طاعة فلا يجوز أخذ العوض عليه دليلنا أنه عمل تدخله النيابة فجاز أنه العوض عليه ، كتفرقة الصدقة وغيرها من الأعمال فإن قيل : لا نسلم دخول النيابة ، بل يقع الحج عن الفاعل قلنا : هذا منابذ للأحاديث الصحيحة السابقة في إذن النبي صلى الله عليه وسلم في الحج عن العاجز ، وقوله صلى الله عليه وسلم : فدين الله أحق بالقضاء وحج عن أبيك وغير ذلك . فإن قيل : ينتقض بشاهد الفرع فإنه ثابت عن شاهد الأصل ولا يجوز له أخذ الأجرة على شهادته قلنا : شاهد الفرع ليس ثابتا عن شاهد الأصل وإنما هو شاهد على شهادته ، ولو كان ثابتا عنه لجاز أن يشهد بأصل الحق ، لا على شهادته ، ودليل آخر هو أن الحج يجوز أخذ الرزق عليه بالإجماع ، فجاز أخذ الأجرة عليه كبناء المساجد والقناطر فإن قيل : ينتقض بالجهاد قلنا : الفرق أنه إذا حضر الصف تعين الجهاد ، فلا يجوز أن يجاهد عن غيره وعليه فرضه وأما : الرزق في الجهاد فإنه يأخذه لقطع المسافة وأما : الجواب عن قياسهم على الصوم والصلاة ، فهو أنه لا تدخلها النيابة بخلاف الحج وعن : قولهم : الحج يقع طاعة ، فينتقض بأخذ الرزق والله أعلم . فرع : قد ذكرنا أنه إذا استأجره ليفرد الحج والعمرة فقرن عنه وقع الحج والعمرة عن المحجوج عنه ، وقد زاده خيرا ، وبه قال أبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة : إذا أمره أن يحج عن ميت أو يعتمر ، فقرن فهو ضامن للمال الذي أخذه ، لأنه لم يأت بالمأمور به على وجهه . دليلنا أنه أمره بحج وعمرة ، وأتى بهما وزاده خيرا بتقديم العمرة . فرع : قال القاضي أبو الطيب في تعليقه في هذا الموضع : قال الشافعي لا بأس أن يكترى المسلم جملا من ذمي للحج عليها لكن الذمي لا يدخل الحرم فيوجه مع جمله مسلما يقودها ويحفظها قال الشافعي : وإذا كان المسلم عنده نصراني خلفه في الحل ولا يجوز إدخاله معه الحرم . فرع : قال أصحابنا : إذا قال الموصى : أحجوا عني فلانا فمات فلان ، وجب إحجاح غيره كما لو قال : اعتقوا عني رقبة ، فاشتروا ليعتقوها فمات قبل الإعتاق وجب شراء أخرى ، قال القاضي أبو الطيب : ودليل المسألتين أن المقصود فيهما تحصيل العبادة ، فإذا مات من غير إيقاعها أقيم غيره مقامه .

قسم V07/P104–V07/P105

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجوز الإحرام بالحج إلا في أشهر الحج ، والدليل عليه قوله عز وجل : الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج والمراد به وقت إحرام الحج ، لأن الحج لا يحتاج إلى أشهر ، فدل على أنه أراد به وقت الإحرام ، ولأن الإحرام نسك من مناسك الحج ، فكان مؤقتا ، كالوقوف والطواف . وأشهر الحج شوال ذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة ، وهو إلى أن يطلع الفجر من يوم النحر ، لما روى عن ابن مسعود وجابر وابن الزبير رضي الله عنهم أنهم قالوا : أشهر الحج معلومات ، شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة فإن أحرم بالحج في غير أشهره انعقد إحرامه بالعمرة لأنها عبادة مؤقتة ، فإذا عقدها في غير وقتها انعقد غيرها من جنسها ، كصلاة الظهر إذا أحرم بها قبل الزوال فإنه نعقد إحرامه بالنفل ولا يصح في سنة واحدة أكثر من حجة لأن الوقت يستغرق أفعال الحجة الواحدة ، فلا يمكن أداء الحجة الأخرى . + الشرح : قوله : لأن الوقت يستغرق أفعال الحجة ، الأجود أن يقال لأن الحجة تستغرق الوقت . ثم في الفصل مسائل إحداها : فيما يتعلق بألفاظه فقوله تعالى : فمن فرض فيهن الحج قال المفسرون وغيرهم من العلماء : معناه من أوجب على نفسه وألزمها الحج ، ومعنى الفرض في اللغة الإلزام والإيجاب وأما : الرفث ، فقال ابن عباس والجمهور : المراد به الجماع ، وقال كثيرون : المراد به هنا التعرض للنساء بالجماع ، وذكره بحضرتهن ، فأما ذكره من غير حضور النساء فلا بأس به وهذا مروي عن ابن عباس وآخرين وأما : الفسوق فقال ابن عباس وابن عمر والجمهور : هو المعاصي كلها . وأما : الجدال ، فقال المفسرون وغيرهم : المراد النهي عن جدال صاحبه ومماراته حتى يغضبه ، وسميت المخاصمة مجادلة ، لأن كل واحد من الخصمين يروم أن يفتل صاحبه عن رأيه ويصرفه عنه وقال مجاهد وأبو عبيدة وغيرهما معناه هنا ولا شك في الحج أنه في ذي الحجة ، والمراد إبطال ما كانت الجاهلية عليه من تأخيره ، وفعلهم النساء وهو النسيء والتأخير ، والأول هو قول الجمهور ، وقد ذكر المصنف تفسير ابن عباس الآية في آخر باب الإحرام . قال المفسرون وأهل المعاني وغيرهم : ظاهر الآية نفي ومعناها نهي ، أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا . واختلف القراء السبعة في قراءة هذه الآية فقرى ابن كثير وأبو عمرو ( فلا رفث ولا فسوق ) بالرفع والتنوين ، وقرى باقي السبعة بالنصب بلا تنوين ، واتفقوا على نصب اللام من جدال . وأما : قوله تعالى : الحج أشهر والمراد شهران وبعض الثالث فجاز على المعروف في لغة العرف في إطلاقهم لفظ الجمع على اثنين وبعض الثالث ، ومنه قوله تعالى : يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ويكفيها طهران وبعض الطهر الأول وأما : قول المصنف : وقت إحرام الحج فهكذا قاله أصحابنا في كتب الفقه ، واتفقوا عليه ووافقهم بعض العلماء وأما : النحويون وأصحاب المعاني ومحققوا قبل الزوال فإنه نعقد إحرامه بالنفل ولا يصح في سنة واحدة أكثر من حجة لأن الوقت يستغرق أفعال الحجة الواحدة ، فلا يمكن أداء الحجة الأخرى . + الشرح : قوله : لأن الوقت يستغرق أفعال الحجة ، الأجود أن يقال لأن الحجة تستغرق الوقت .

قسم V07/P105–V07/P106

ثم في الفصل مسائل إحداها : فيما يتعلق بألفاظه فقوله تعالى : فمن فرض فيهن الحج قال المفسرون وغيرهم من العلماء : معناه من أوجب على نفسه وألزمها الحج ، ومعنى الفرض في اللغة الإلزام والإيجاب وأما : الرفث ، فقال ابن عباس والجمهور : المراد به الجماع ، وقال كثيرون : المراد به هنا التعرض للنساء بالجماع ، وذكره بحضرتهن ، فأما ذكره من غير حضور النساء فلا بأس به وهذا مروي عن ابن عباس وآخرين وأما : الفسوق فقال ابن عباس وابن عمر والجمهور : هو المعاصي كلها . وأما : الجدال ، فقال المفسرون وغيرهم : المراد النهي عن جدال صاحبه ومماراته حتى يغضبه ، وسميت المخاصمة مجادلة ، لأن كل واحد من الخصمين يروم أن يفتل صاحبه عن رأيه ويصرفه عنه وقال مجاهد وأبو عبيدة وغيرهما معناه هنا ولا شك في الحج أنه في ذي الحجة ، والمراد إبطال ما كانت الجاهلية عليه من تأخيره ، وفعلهم النساء وهو النسيء والتأخير ، والأول هو قول الجمهور ، وقد ذكر المصنف تفسير ابن عباس الآية في آخر باب الإحرام . قال المفسرون وأهل المعاني وغيرهم : ظاهر الآية نفي ومعناها نهي ، أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا . واختلف القراء السبعة في قراءة هذه الآية فقرى ابن كثير وأبو عمرو ( فلا رفث ولا فسوق ) بالرفع والتنوين ، وقرى باقي السبعة بالنصب بلا تنوين ، واتفقوا على نصب اللام من جدال . وأما : قوله تعالى : الحج أشهر والمراد شهران وبعض الثالث فجاز على المعروف في لغة العرف في إطلاقهم لفظ الجمع على اثنين وبعض الثالث ، ومنه قوله تعالى : يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ويكفيها طهران وبعض الطهر الأول وأما : قول المصنف : وقت إحرام الحج فهكذا قاله أصحابنا في كتب الفقه ، واتفقوا عليه ووافقهم بعض العلماء وأما : النحويون وأصحاب المعاني ومحققوا المفسرين فذكروا في الآية قولين أحدهما : تقديرها : أشهر الحج أشهر معلومات فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه والثاني : تقديرها : الحج حج أشهر معلومات ، أي لاحج إلا في هذه الأشهر فلا يجوز في غيرها ، خلاف ما كانت الجاهلية تفعله من حجهم في غيرها . فعلى هذا يكون حذف المصدر المضاف للأشهر ، قال الواحدي : ويمكن حمل الآية على غير إضمار وهو أن الأشهر جعلت نفس الحج ليكون الحج فيها ، كقولهم : ليل نائم لما كان النوم فيه جعل نائما . وأما : قول المصنف : ولأن الإحرام نسك من مناسك الحج وكان مؤقتا كالوقوف والطواف فمقصوده به إلزام تعبير الثوري ومالك وأبي حنيفة وغيرهم ممن يقول : إنه يجوز الإحرام بالحج في جميع السنة ولا يأتي بشيء من أفعاله قبل أشهره ، ووافقونا على أن الوقوف والطواف لا يكونان في كل السنة ، بل هما مؤقتان فقاس المصنف الإحرام عليهما وأما : قوله : أشهره شوال وذو القعدة أو القعدة بفتح القاف على المشهور ، وحكي كسرها ، وذو الحجة بكسر الحاء على المشهور ، وحكي فتحها وأما : الآثار المذكور عن ابن مسعود وغيره فسنذكرها في فرع مذاهب العلماء إن شاء الله تعالى . وأما : قول المصنف : لأنها عبادة مؤقتة ، فقال القلعي : احترز بمؤقتة عن الوضوء والغسل ، وهو ما إذا توضأ للظهر مثلا قبل الزوال ، فإنه يصح وضوؤه للظهر وغيرها ، وتنعقد طهارته التي عينها بعينها ، قال : ويحتمل أنه أراد إذا كان متطهرا فتوضأ أو اغتسل بنية الحدث أو الجنابة اللذين يوجدان في المستقبل ، فإنه لا يصح له ما نواه ، ولا ينعقد وضوؤه تجديدا ، ولا غسله مسنونا ، قال : ويحتمل أن يحترز من التيمم ، وهو إذا تيمم للظهر قبل الزوال فإنه لا يصح تيممه ولا يجوز أن يصلي به فريضة ولا نافلة .

قسم V07/P106–V07/P108

فأما : الفريضة فلأنه تيمم لها قبل وقتها وأما : النافلة فلأنه إنما يستبيحها بالتيمم تبعا للفريضة ، فإذا لم يستبح المتبوع لم يستبح التابع . وأما : قوله : كصلاة الظهر إذا أحرم بها قبل الزوال ، فإنه ينعقد إحرامه بالنفل ، فهكذا قاس الشافعي والأصحاب ، وكذا نقله المزني في المختصر وهذا الذي قاله من انعقاد الظهر نفلا إذا إحرام بها قبل الزوال هو المذهب ، وبه قطع المصنف وجمهور العراقيين ، وفيه قول آخر : إنها لا تنعقد ، وسبق بيان المسألة في أول صفة الصلاة ، وصورة المسألة : إذا ظن دخول الوقت فبان خلافه فأما : إذا أحرم بها قبل الزوال عالما بأن الوقت لم يدخل فلا تنعقد صلاته على المذهب ، وفيه خلاف ضعيف جدا سبق هناك . وأعلم : أن قياس المصنف والشافعي والأصحاب على من صلى الظهر قبل الزوال أرادوا به ما إذا كان جاهلا عدم دخول الوقت ، وحينئذ يقال : ليست صورة الحج مثلها إلا أن يفرض فيمن أحرم بالحج في غير أشهره ، ظانا جواز ذلك ، عالما بأنه لا ينعقد الحج في غير أشهره . وظاهر كلامهم أنه لا فرق بين العالم والجاهل ، فينبني الإشكال ، والله أعلم . المسألة الثانية : لا ينعقد الإحرام بالحج إلا في أشهر الحج بلا خلاف عندنا ، وأشهره شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة آخرها طلوع الفجر ليلة النحر فأما : كون أولها أول شوال فمجمع عليه وأما : امتدادها إلى طلوع الفجر فهو الصحيح المشهور الذي نص عليه الشافعي في المختصر ، وقطع به جمهور الأصحاب في الطريقين ، وحكى الخراسانيون وجها أنه لا يصح الإحرام ليلة العشر ، بل آخر الشهر آخر يوم عرفة ، وحكى القاضي قول الشافعي في أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله ، حكاه المحاملي وأبو الطيب وصاحب البيان عن نصه في الإملاء ، ونقله السرخسي عن نصه في القديم ، ودليل الجميع في الكتاب مع ما سنذكره إن شاء الله تعالى والله أعلم . الثالثة : إذا أحرم بالحج في غير أشهر الحج لم ينعقد حجا بلا خلاف ، وفي انعقاده عمرة ثلاثة طرق الصحيح : أنه ينعقد عمرة مجزئة عن عمرة الإسلام وهو نص الشافعي في القديم والثاني : أنه يتحلل بأفعال عمرة ولا يحسب عمرة ، كمن فاته الحج ، قال المتولي وأخرجه من الستة : إنه تعذر عليه الحج لعدم الوقت في المسألتين والثالث : أنه ينعقد إحرامه بهما فإن صرفه إلى عمرة صحيحة ، وإلا تحلل بعمل عمرة ولا يحسب عمرة ، قال أصحابنا : ولا خلاف في انعقاد إحرامه وأنه يتحلل بأعمال عمرة ، وإنما الخلاف في أنها عمرة مجزئة عن عمرة الإسلام أما : إذا أحرم بنسك مطلقا قبل أشهر الحج فينعقد إحرامه عمرة على المذهب ، وبه قطع أصحابنا في كل الطرق إلا الرافعي ، فحكى فيه طريقا آخر أنه على وجهين أصحهما : هذا والثاني : هو محكي عن أبي عبد الله الحصري ينعقد بهما ، فإذا دخلت أشهر الحج صرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة أو قران ، والصواب الأول ، لأن الوقت لا يقبل إلا العمرة فتعين إحرامه لها والله أعلم . الرابعة : قال المصنف والأصحاب : لا يصح في سنة واحدة أكثر من حجة لأن الوقت يستغرق أفعال الحجة الواحدة لأنه ما دام في أفعال الحجة لا يصلح إحرامه لحجة أخرى ، ولا يفرغ من أفعال الحج إلا في أيام التشريق ، ولا يصح الإحرام بالحج فيها ولو صح الإحرام فيها على القول السابق عن الإملاء والقديم لم يمكن حجة أخرى لتعذر الوقوف .

قسم V07/P108–V07/P109

قال أصحابنا : ولو أحرم بحجتين أو عمرتين انعقدت إحداهما ولا تنعقد الأخرى ولا تثبت في ذمته عندنا لأنه لا يمكنه المضي فيهما فلم يصح الدخول فيهما قياسا على صوم النذر وصوم رمضان ، وقد ذكر المصنف هذه المسألة في أوائل باب الإحرام ، قال أصحابنا : ولو أحرم بحجة ثم أدخل عليها حجة أخرى أو بعمرة ثم أدخل عليها عمرة أخرى فالثانية لغو والله أعلم فإن قيل : قلتم : لو أحرم بحجتين انعقدت إحداهما ، ولو أحرم بصلاتين لم تنعقد واحدة منهما ، فما الفرق فالجواب : أن تعيين النية شرط في الصلاة بخلاف الحج ، ولأن الإحرام يحافظ عليه ما أمكن ولا يلغى ، ولهذا لو أحرم بالحج في غير أشهره انعقد عمرة والله أعلم . فرع : قال صاحب البيان : لو أحرم قبل أشهر الحج ، ثم شك هل أحرم بحج أم بعمرة فهي عمرة قطعا ، وإن أحرم بالحج ثم شك ، هل كان إحرامه في أشهر الحج أم قبلها قال الصميري : كان حجا لأنه على يقين من هذا الزمان ، وعلى شك من تقدمه . فرع : قال الشافعي في مختصر المزني أشهر الحج شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة وهو يوم عرفة فمن لم يدرك إلى الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج ، هذا نصه بحرفه واعترض عليه أبو بكر الطاهري فقال : قوله : إن أراد به الليالي فهو خطأ لأن الليالي عشر وإن أراد الأيام فهو خطأ في اللغة فإن الأيام مذكورة فالصواب تسعة وأجاب الأصحاب عن هذا ، بأن المراد الأيام والليالي وغلب لفظ التأنيث على عادة العرب فإن العرب تغلب لفظ التأنيث في اسم العدد يقولون : صمنا عشرا ويريدون الليالي والأيام ويقولون صمنا خمسا ويريدون الأيام ، ومن هذا قول الله تعالى : يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا والمراد بالليالي والأيام ومنه قوله تعالى : يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال وقد سبق بيان هذا كله واضحا في باب صوم التطوع في هذا الحديث ، قال الزمخشري : يقولون صمنا عشرا ولو قلت : صمت عشرة لم تكن متكلما بكلام العرب ، قال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والأصحاب : إنما أفرد الشافعي ليلة النحر بالذكر وذكرها بعد التسع ، لأن الإحرام يستحب تقديمه عليها قالوا : ويحتمل أنه أفردها لأنها تنفرد عن اليوم الذي بعدها ، ويحتمل أنه أفردها لتعلق الفوات بها . فرع : في مذاهب العلماء في وقت الإحرام بالحج ، لا ينعقد الإحرام بالحج إلا في أشهره عندنا ، فإن أحرم في غيرها انعقد عمرة ، وبه قال عطاء وطاوس ومجاهد وأبو ثور ، ونقله الماوردي عن عمر وابن مسعود وجابر وابن عباس وأحمد . وقال الأوزاعي : يتحلل بعمرة . وقال ابن عباس : لا يحرم بالحج إلا في أشهره . وقال داود : لا ينعقد وقال النخعي والثوري ومالك و أبو حنيفة وأحمد : يجوز قبل أشهر الحج لكن يكره ، قالوا : فأما الأعمال فلا تجوز قبل أشهر الحج بلا خلاف ، واحتج لها بقوله تعالى : يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج فأخبر سبحانه وتعالى أن الأهلة كلها مواقيت للناس والحج ، ولأنها عبادة تدخلها النيابة ، وتجب الكفارة في إفسادها ، فلم تخص بوقت كالعمرة ، ولأن الإحرام بالحج يصح في زمان لا يمكن إيقاع الأفعال فيه ، وهو شوال فعلم أنه لا يختص بزمان . قالوا : ولأن التوقيت ضربان توقيت مكان وزمان ، وقد ثبت أنه لو تقدم إحرامه على ميقات المكان صح ، فكان الزمان ، قالوا وأجمعنا على أنه لو أحرم بالحج قبل أشهره انعقد ، لكن اختلفنا هل ينعقد حجا أم عمرة فلو لم ينعقد حجا لما انعقد .

قسم V07/P109–V07/P111

واحتج أصحابنا بقوله تعالى : الحج أشهر معلومات قالوا : وتقديره وقت الإحرام بالحج أشهر معلومات ، لأنه لا يجوز حمل الآية على أن المراد أفعال الحج ، لأن الأفعال لا تكون في أشهر وإنما تكون في أيام معدودة . فإن : قالوا : قد قال الزجاج : قال جمهور أهل المعاني والنحويين : معنى الآية أشهر الحج معلومات قلنا : قال القاضي أبو الطيب وغيره : لو كان المراد هذا لم يكن فيه فائدة ، وفي التقدير الذي ذكرناه فائدة ، فالحمل عليه أولى فإن قيل : تقدير وقت الإحرام لا يدل على أن تقديمه لا يصح كالسعي ، فإنه مؤقت ، ويجوز تقديمه على وقته ، قال أصحابنا : لا نسلم جواز تقديم السعي لأنه يشترط تأخير السعي على الإحرام بالحج في أشهر الحج ، ويكره عندهم في غيرها قلنا : هذا خلاف الظاهر ، فإن : قالوا : نحن لا نجيز الحج في غير أشهره وإنما نجيز الإحرام به ، وذلك ليس عندنا من الحج ، قال أصحابنا فالجواب : أن الإحرام وإن لم يكن عندهم من الحج إلا أن المحرم يدخل به في الحج ، فإذا أحرم به قبل أشهره دخل في الحج قبل أشهره واحتج أصحابنا أيضا برواية أبي الزبير قال : سئل جابر : أهل بالحج في غير أشهر الحج قال : لا رواه البيهقي بإسناد صحيح ، وعن ابن عباس قال : لا يحرم بالحج إلا في أشهره ، فإن من سنة الحج أن يحرم بالحج في أشهر الحج رواه البيهقي بإسناد صحيح ولأنها عبادة مؤقتة فكان الإحرام بها مؤقتا كالصلاة ، ولأنه آخر أركان الحج فلا يصح تقديمه على أشهر الحج كالوقوف بعرفة . وأما : الجواب عما احتجوا به من قوله تعالى : يسألونك عن الأهلة فهو أن الأشهر هنا مجملة حملها على المبين ، وهو قوله تعالى : الحج أشهر معلومات والجواب عن قوله تعالى : وأتموا الحج والعمرة لله مع قول عمرو علي من وجهين أحدهما : أنه محمول على دويرة أهله ، بحيث يمكنه الإحرام منها في أشهر الحج والثاني : إن سلمنا أنه مخالف لما ذكرنا فهو مخالف لما صح عن ابن عباس وجابر ، وإذا اختلفت الصحابة لم يعمل بقول بعضهم وأما : القياس على العمرة فجوابه : أن أفعالها غير مؤقتة ، فكذا إحرامها بخلاف الحج . وأما : قولهم : إن الإحرام بالحج يصح في زمان لا يمكن إيقاع الأفعال فيه وهو شوال ، فعلم أنه لا يختص بزمان فجوابه : من وجهين أحدهما : أن ما ذكروه ليس بلازم والثاني : ينتقض بصلاة الظهر ، فإن الإحرام بها يجوز عقيب الزوال ، ولا يجوز حينئذ الركوع والسجود وهي مؤقتة وأما : قولهم : التوقيت ضربان إلى آخره ، فهو أن مقتضى التوقيت أن يتقدم عليه خالفنا ذلك في المكان ، وليس كذلك الزمان وأما : قولهم : ولأنا أجمعنا على صحة إحرامه فجوابه : إنما صح إحرامه عندنا بالعمرة ، ولا يلزم من ذلك صحة إحرامه بالحج ، ونظيره إذا أحرم بالظهر قبل الزوال غلطا يصح نفلا لا ظهرا . فرع : في مذاهب العلماء في أشهر الحج ، قد ذكرنا أن مذهبنا أنها شوال وذوالقعدة وعشر ليال من ذي الحج ، وحكاه ابن المنذر عن ابن مسعود وابن الزبير والشعبي وعطاء ومجاهد وقتادة والنخعي والثوري وأبي ثور وبه قال أبو يوسف وداود ، وقال مالك : هي شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله . قال ابن المنذر : وروى عن ابن عمر وابن عباس روايتان كالمذهبين ، وقال أبو حنيفة وأحمد وأصحاب داود : شوال وذو القعدة وعشرة أيا من ذي الحجة ، وخالف أصحاب داود في هذا .

قسم V07/P111–V07/P112

والخلاف بينا وبين أبي حنيفة وموافقيه في يوم النحر ، فهو عنده من أشهر الحج ، وليس هو عندنا منها ، وقد مثل المحاملي في المجموع إجماع العلماء على أن أول وقت أشهر الحج شوال وإنما اختلفوا في آخرها . قال صاحب الشامل وآخرون من أصحابنا : وهذا الخلاف الذي بيننا وبين أبي حنيفة وأحمد يجوز الإحرام بالحج في جميع السنة كما حكيناه عنهما في الفرع السابق ولا يجوز عندهما إيقاع الفعل إلا في أوقاتها من أشهر الحج ، فلا فرق بين أن يوافقونا في أشهر الحج أو يخالفونا ، وقال المتولي : لا فائدة في هذا الخلاف إلا في شيء واحد ، وهو أن عند مالك يكره الاعتمار في أشهر الحج ، فالعمرة عنده مكروهة في جميع ذي الحجة ، وهذا الذي استثناه المتولي لا حاجة إليه لأن العمرة لا تكره عندنا في شيء من السنة ، فلا فرق بين أن يوافقنا مالك في أشهر الحج أو يخالفنا ، وهكذا قال العبدري : إن فائدة الخلاف عند مالك إذا أخر طواف الإفاضة عن ذي الحجة لزم دم ، وهذا أيضا لا حاجة إليه لأن الدم لا يجب عندنا بتأخير الطواف ، ولو أخره سنين . واحتج لأبي حنيفة وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وابن الزبير رضي الله عنهم قالوا : أشهر الحج شهران وعشر ليال ، قالوا : وإذا أطلقت الليالي تبعتها الأيام فيمكون يوم النحر منها ، ولأن يوم النحر يفعل فيه معظم المناسك ، فكان من أشهر الحج كيوم عرفة ، واحتج مالك بأن الأشهر جمع وأقله ثلاثة ، واحتج أصحابنا برواية نافع عن ابن عمر أنه قال : أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة وعن ابن مسعود وابن عباس وابن الزبير مثله ، رواها كلها البيهقي ، وصحح الرواية عن ابن عباس ، ورواية ابن عمر صحيحة ، وأجاب أصحابنا عن قول الحنفية : إذا أطلقت الليالي تبعتها الأيام بأن ذلك عند إرادة المتكلم ، ولا نسلم وجود الإرادة هنا . بل الظاهر عدمها فنحن قائلون بما قالته الصحابة . والجواب : عن قولهم : إن يوم النحر يفعل فيه معظم المناسك ، فينتقض بأيام التشريق والجواب : عن قول مالك : إن العرب تعبر عن اثنين وبعض الثالث بلفظ الجمع ، قال الله تعالى : يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء وأجمعنا نحن ومالك على أن الأقراء هي الأطهار ، وأنه إذا طلقها في بقية طهر حسبت تلك البقية قرءا . فاتفقنا على حمل الأقراء على قرءين وبعض ، واتفقت العرب وأهل اللغة على استعمال مثله في التواريخ وغيرها ، يقولون : كتبت لثلاث ، وهو في بعض الليلة الثالثة ، والله أعلم . فرع : في مذاهبهم فيمن أهل بحجتين ، وقد ذكرنا أن مذهبنا أنه ينعقد إحداهما ولا يلزمه فعل الأخرى ( وعند أبي حنيفة ينعقدان ويلزمه قضاء الأخرى ) ، والذي حكاه ابن المنذر عنه أنه يصير ناقضا لإحداهما حتى يتوجه إلى مكة ، قال أبو يوسف : أما أنا فأراه ناقضا لإحداهما حين يحرم بهما قبل أن يسير إلى مكة ، دليلنا ما سبق .

قسم V07/P112–V07/P114

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما العمرة فإنها تجوز في أشهر الحج وغيرها لما روت عائشة رضي الله عنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر عمرتين في ذي القعدة وفي شوال وروى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : عمرة في رمضان تعدل حجة ولا يكره فعل عمرتين وأكثر في سنة ، لما ذكرناه من حديث عائشة رضي الله عنها . + الشرح : حديث ابن عباس رواه البخاري ومسلم ، وروت أم معقل الصحابية رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : عمرة في رمضان تعدل حجة رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم ، قال الترمذي : حديث حسن ، قال : وفي الباب بغير عمرة في رمضان عن ابن عباس وجابر وأنس بن مالك وأبي هريرة ووهب بن خنبش قال : ويقال هرم بن حينس رضي الله عنهم قال الترمذي : قال إسحاق يعني ابن راهوية : معنى هذا الحديث مثل : قراءة قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن . وأما : حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر مرتين في ذي القعدة وفي شوال فصحيح رواه أبو داود في سنه بإسناده الصحيح ، وقد ثبت فعل العمرة في أشهر الحج في الأحاديث الصحيحة من طرق كثيرة منها : حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته رواه البخاري ومسلم ، وعن ابن عمر قال : اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر إحداهن في رجب ، فبلغ ذلك عائشة فقالت : يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر عمرة قط إلا وهو شاهد ، وما اعتمر قط في رجب رواه البخاري ومسلم ، وعن البراء : أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر في ذي القعدة رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح ، وفي الباب عن ابن عباس وغيره أحاديث كثيرة . أما الأحكام : فقال الشافعي والأصحاب : جميع السنة وقت للعمرة فيجوز الأحرام بها في كل وقت من السنة ، ولا يكره في وقت من الأوقات ، وسواء أشهر الحج وغيرها في جوازها فيها من غير كراهة ، ولا يكره عمرتان وثلاث وأكثر في السنة الواحدة ، ولا في اليوم الواحد ، بل يستحب الإكثار منها بلا خلاف عندنا ، قال أصحابنا : ويستحب الاعتمار في أشهر الحج وفي رمضان للأحاديث السابقة ، قال المتولي وغيره : والعمرة في رمضان أفضل منها في باقي السنة للحديث السابق ، قال أصحابنا : وقد يمتنع الإحرام العمرة في بعض السنة لعارض لا بسبب الوقت ، وذلك كالمحرم بالحج لا يجوز له الإحرام بالعمرة بعد الشروع في التحلل من الحج بلا خلاف وكذا لا يصح إحرامه بها قبل الشروع في التحلل على المذهب ، ما سنوضحه قريبا إن شاء الله تعالى في إحرام القارن . قال أصحابنا : لو تحلل من الحج التحللين وأقام بمنى للرمي والمبيت ، فأحرم بالعمرة لم ينعقد إحرامه بلا خلاف نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب ، نص عليه الأصحاب لأنه عاجر عن التشاغل بها لوجوب ملازمة إتمام الحج بالرمي والمبيت قال أصحابنا : ولا يلزمه بذلك شيء .

قسم V07/P114–V07/P115

فأما : إذا نفر النفر الأول وهو بعد الرمي في اليوم الثاني من أيام التشريق فأحرم بعمرة فيما بقي من أيام التشريق ليلا أو نهارا فعمرته صحيحة بلا خلاف قال الشيخ أبو محمد الجويني في كتابه الفروق وآخرون من أصحابنا : والفرق بين هاتين الصورتين أن المقيم بمنى يوم النفر وإن كان خاليا من علائق الإحرام بالتحللين ، إلا أنه مقيم على نسك مشتغل بإتمامه وهو الرمي والمبيت ، وهما من تمام الحج ، فلا تنعقد عمرته ما لم يكمل حجه بخلاف من نفر فإنه فرغ من الحج وصار كغير الحاج ، قال أبو محمد : ولا يتصور حين يحرم بالعمرة فيوقت ، ولا تنعقد عمرته إلا في هذه المسألة وقد يرد على هذا ما إذا أحرم بالعمرة في حال جماعه المرأة ، فإنه حلال ولا ينعقد إحرامه على أصح الأوجه ، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في جماع المحرم ، ويمكن أن يجاب عنه بأن عدم انعقاد العمرة هنا لعدم أهلية المحرم لا لعارض ، فهو كالكافر وغيره ، ممن لا يصح إحرامه لعدم أهليته ، ولا شك أن الكافر ونحوه لا يرد على قول الشيخ أبي محمد ، والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في وقت العمرة ، قد ذكرنا أن مذهبنا جوازها في جميع السنة ، ولا تكره في شيء منها ، وبهذا قال مالك وأحمد وداود ، ونقله الماوردي عن جمهور الفقهاء ، وقال أبو حنيفة : تكره العمرة ، واحتج أصحابنا بأن الأصل عدم الكراهة حتى يثبت النهي الشرعي ، ولم يثبت هذا الخبر ، ولأنه يجوز القران في يوم عرفة بلا كراهة ، فلا يكره إفراد العمرة فيه كما في جميع السنة ، ولأن كل وقت لا يكره فيه استدامة العمرة لا يكره فيه إنشاؤها كباقي السنة . وأما : قول عائشة فأجاب : أصحابنا عنه بأجوبة أجودها أنه باطل لا يعرف عنها ، ولم يذكره عنها أحد ممن يعتمد ، ولو صح لكان قول صحابي لم يشتهر ، فلا حجة فيه على الصحيح ، ولو صح واشتهر لكان محمولا على من كان متلبسا بالحج وأما : قولهم : إنها أيام الحج فكرهت فيها العمرة ، فدعوى باطلة لا شبهة لها . فرع : في مذاهبهن في تكرار العمرة في السنة . مذهبنا أنه لا يكره ذلك بل يستحب ، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وجمهور العلماء من السلف والخلف ، وممن حكاه عن الجمهور المارودي والسرخسي والعبدري ، وحكاه ابن المنذر عن علي بن أبي طالب وابن عمر وابن عباس وأنس وعائشة وعطاء وغيرهم رضي الله عنهم ، وقال الحسن البصري وابن سيرين ومالك : تكره العمرة في السنة أكثر من مرة ، لأنها عبادة تشتمل على الطواف والسعي فلا تفعل في السنة إلا مرة كالحج ، واحتج الشافعي والأصحاب وابن المنذر وخلائق بما ثبت في الحديث الصحيح أن عائشة رضي الله عنها أحرمت بعمرة عام حجة الوداع ، فحاضت ، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تحرم بحج ففعلت ، وصارت قارنة ووقفت المواقف ، فلما طهرت طافت وسعت فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم قد حللت من حجك وعمرتك ، فطلبت من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعمرها عمرة أخرى ، فأذن لها فاعتمرت من التنعيم عمرة أخرى رواه البخاري ومسلم مطولا ، ونقلته مختصرا . قال الشافعي : وكانت عمرتها في ذي الحجة ، ثم أعمرها العمرة الأخرى في ذي الحجة فكان لها عمرتان في ذي الحجة .

قسم V07/P115–V07/P117

وعن عائشة أيضا : أنها اعتمرت في سنة مرتين أي بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وفي رواية ثلاثة عمر ، وعن ابن عمر أنه اعتمر أعواما في عهد ابن الزبير مرتين في كل عام ، ذكر هذه الآثار كلها الشافعي ، ثم البيهقي بأسانيدها ، وأما : الحديث الذي ذكره المصنف فليس فيه دلالة ظاهرة ، لأنها لم تقل : اعتمر في ذي القعدة وشوال من سنة واحدة واحتج أصحابنا أيضا في المسألة بحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما رواه البخاري ومسلم ، وسبق ذكره في أول كتاب الحج ، ولكن ليست دلالته ظاهرة ، وإن كان البيهقي وغيره قد احتجوا به ، وصدر به البيهقي الباب ، فقال بعض أصحابنا : وحجه دلالته أنه صلى الله عليه وسلم لم يفرق بين كون العمرتين في سنة أو سنتين ، وهذا تعليق ضعيف . واحتج أيضا بالقياس على الصلاة فقالوا : عبادة غير مؤقتة ، فلم يكره تكرارها في السنة كالصلاة ، قال الشافعي في المختصر : من قال : لا يعتمر في السنة إلا مرة مخالف لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني حديث عائشة السابق . فإن قيل : قد ثبت في حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها : ارفضي عمرتك وامتشطي وأهلي بالحج ففعلت ثم اعتمرت ، وهذا ظاهره أنه لم يحصل له إلا عمرة واحدة فالجواب : أنها لم ترفضها ، يعني الخروج منها والإعراض عنها ، لأن العمرة والحج لا يخرج منهما بنية الخروج بلا خلاف وإنما رفضها رفض أعمالها مستقلة ، لأنها أحرمت بعدها بالحج فصارت قارنة فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ارفضيها أي اتركي أعمالها المستقلة لاندراجها في أفعال الحج وأما : امتشاطها فلا دلالة فيه . قال القاضي أبو الطيب وغيره : لأن المحرم يجوز له عندنا الامتشاط وأما : الجواب عن احتجاج مالك بالقياس على الحج فهو أن الحج مؤقت لا يتصور تكراره في السنة والعمرة غير مؤقتة ، فتصور تكرارها كالصلاة والله أعلم .

قسم V07/P117–V07/P119

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجوز إفراد الحج عن العمرة والتمتع بالعمرة إلى الحج والقران بينهما ، لما روت عائشة قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا من أهل بالحج : ومنا من أهل بالعمرة ، ومنا من أهل بالحج والعمرة والإفراد والتمتع أفضل من القران ، وقال المزني : القران أفضل ، والدليل على ما قلناه أن المفرد والمتمتع يأتي بكل واحد من النسكين بكمال أفعاله ، والقارن يقتصر على عمل الحج وحده ، فكان الإفراد والتمتع أفضل ، وفي التمتع والإفراد قولان أحدهما : أن التمتع أفضل ، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال : تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج والثاني : أن الإفراد أفضل لما روى جابر قال : أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحج ليس معه عمرة ولأن التمتع يتعلق به وجوب دم فكان الإفراد أفضل منه كالقران وأما : حديث ابن عمر رضي الله عنهما فإنه يحتمل أنه أراد أمر بالتمتع كما روى أنه رجم ماعزا وأراد أنه أمر برجمه ، والدليل عليه أن ابن عمر هو الراوي ، وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد بالحج . + الشرح : حديث عائشة وحديث ابن عمر وحديث جابر رواها كلها البخاري ومسلم بلفظها ، إلا حديث جابر فلفظهما فيه : أهل النبي صلى الله عليه وسلم هو وصحابه بالحج وأما : قوله ليس معه عمرة فليست في روايتهما ورواها البيهقي بإسناد ضعيف . أما الأحكام : فقد اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على جواز الإحرام على خمسة أنواع ، الإفراد ، والتمتع ، والقران ، والإطلاق ، وهو أن يحرم بنسك مطلقا ثم يصرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة أو كليهما ، والتعليق وهو أن يحرم بإحرام كإحرام فهذه الأنواع الخمسة جائزة بلا خلاف ، وذكر المصنف هنا الثلاثة الأولى وأما : النوعان الآخران فذكرهما في باب الإحرام وسنوضحهما هناك إن شاء الله تعالى . وأما : الأفضل من هذه الأنواع الثلاثة الأولى ففيه طرق وأقوال منتشرة الصحيح : منها الإفراد ، ثم التمتع ، ثم القران ، هذا هو المنصوص للشافعي رحمه الله تعالى في عامة كتبه ، والمشهور من مذهبه والقول الثاني : أن أفضلها التمتع ، ثم الإفراد ، وهذا القول في الكتاب ، وهذا الثاني نصه في كتاب اختلاف الحديث ، حكاه عنه القاضي أبو الطيب والأصحاب والثالث : أفضلها الأفراد ، ثم القران ، ثم التمتع ، حكاه صاحب الفروع ، والسرخسي وصاحب البيان ، وآخرون ، قالوا نص عليه في أحكام القران ، وممن اختاره من أصحابنا المزني وابن المنذر وأبو إسحق المروزي والقاضي حسين في تعليقه . قال أصحاينا : وشرط تقديم الإفراد أن يحج ثم يعتمر في سنة ، فإن أخر العمرة عن سنة فكل واحد من التمتع والقران أفضل منه بلا خلاف ، لأن تأخير العمرة عن سنة الحج مكروه . هكذا قاله جماهير الأصحاب ، ممن صرح به الماوردي والقاضي أبو الطيب في تعليقه . وصاحب الشامل والبيان والرافعي وآخرون ، وقال القاضي حسين والمتولي : الإفراد أفضل من التمتع والقران ، سواء اعتمر في سنته أم في سنة أخرى ، وهذا شاذ ضعيف ، والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في الأفراد والتمتع والقرن .

قسم V07/P119–V07/P121

قد ذكرنا أن مذهبنا جواز الثلاثة ، وبه قال العلماء كافة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، إلا ما ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما أنهما كانا ينهيان عن التمتع ، وقد ذكر الشيخ أبوحامد في تعليقه وآخرون من أصحابنا ومن غيرهم من العلماء في نهي عمر وعثمان تأويلين أحدهما : أنهما نهيا عنه تنزيها ، وحملا للناس على ما هو الأفضل عندهما وهو الإفراد ، لا أنهما يعتقدان بطلان التمتع هذا مع علمهما بقول الله تعالى : فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي والثاني : أنهما كانا ينهيان عن التمتع الذي فعلته الصحابة في حجة الوداع ، وهو فسخ الحج إلى العمرة ، لأن ذلك كان خاصا لهم كما سنذكره واضحا إن شاء الله تعالى ، وهذا التأويل ضعيف وإن كان مشهورا وسياق الأحاديث الصحيحة يقتضي خلافه . ومن العلماء من أصحابنا وغيرهم من يقتضي كلامه أن مذهب عمر بطلان التمتع وهو ضعيف ولا ينبغي أن يحمل كلامه عليه ، بل المختار في مذهبه ما قدمته والله أعلم . فرع : في مذاهبهم في الأفضل من هذه الأنواع الثلاثة . قد ذكرنا أن الصحيح من مذهبنا أن الإفراد أفضل ، وبه قال عمر بن الخطاب وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عمر وجابر وعاشة ومالك والأوزاعي وأبو ثور وداود ، وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري وإسحاق بن راهويه والمزني وابن المنذر وأبو إسحاق المروزي القران أفضل . وقال أحمد التمتع أفضل . وحكي أبو يوسف أن التمتع والقران أفضل من الأفراد . وحكى القاضي عياض عن بعض العلماء أن الأنواع الثلاثة سواء في الفضيلة لا أفضلية لبعضها على بعض ، ودليل الجميع يفهم مما ذكره المصنف ومما سأذكره إن شاء الله تعالى بعد هذا ، والله أعلم . فرع : قال المزني في المختصر : قال الشافعي في اختلاف الحديث : ليس شيء من الاختلاف أيسر من هذا ، وإن كان الغلط فيه قبيحا من جهة أنه مباح ، لأن الكتاب ثم السنة ثم ما لا علم فيه خلاف يدل على أن التمتع بالعمرة إلى الحج وإفراد الحج والقران واسع كله ، قال الشافعي : وثبت أنه صلى الله عليه وسلم خرج ينتظر القضاء فنزل عليه القضاء وهو فيما بين الصفا والمروة ، فأمر أصحابه أن من كان منهم أهل بالحج ولم يكن معه هدى أن يجعلها عمرة وقال : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدى ، ولجعلتها عمرة . قال الشافعي : فإن : قال قائل : فمن أين أثبتت حديث عائشة وجابر وابن عمر يعني للإفراد دون حديث من قال قرن قيل : لتقدم صحبة جابر للنبي صلى الله عليه وسلم وحسن سياقه لابتداء الحديث وآخره لرواية عائشة ، وفضل حفظها عنه ، وقرب ابن عمر منه ، هذا نصه في مختصر المزني . قال المارودي : يعني قول الشافعي ليس شيء من الخلاف أيسر من هذا لأنه مباح ليس فيه تغيير حكم ، لأن الإفراد والتمتع كلها جائزة ، قال : وقول الشافعي وإن مكان الغلط فيه قبيحا يحتمل أمرين أحدهما : أنه أراد الإنكار على الرواة حجيث لمن يتفقوا على نقلها ، وهي حجة واحدة والثاني : أنه أراد الإنكار على من لا معرفة له بالأحاديث وترتيب مختلفها ، والجمع بينها ، وأنها غير متضادة ، بل يجمع بينها ، هذا كلام الماوردي .

قسم V07/P121–V07/P123

قال القاضي حسين : وإنما استيسر الخلاف فيه لأن الأنواع الثلاثة منصوص عليها في القرآن ، وكلها منقولة عنه صلى الله عليه وسلم صحيحة عنه ، وكلها جائزة بالإجماع أما : الأفراد فبين في قوله تعالى : ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا وأما : التمتع ففي قوله تعالى : وأتموا الحج والعمرة لله هذا كلام القاضي حسين ، وفي الاستدلال بهذه الأخيرة للقران نظر ، وقد استدل بها أصحاب أبي حنيفة لمذهبهم في ترجيح القران ، وأنكر ذلك أصحابنا وقالوا : لا دلالة في الآية للقران ، لأنه ليس في الآية أكثر من جمع الحج والعمرة في الذكر ، ولا يلزم من ذلك جمعهما في الفعل ، نظيره قوله تعالى : وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وقال القاضي أبو الطيب في تعليقه في شرح كلام الشافعي هذا وقوله : وإن كان الغلط فيه قبيحا ، يعني اختلافهم فيها قبيح ، قال : ثم عذرهم في ذلك فإنه قد كان ثبت عندهم أن الإفراد والتمتع والقران كلها جائزة لم يهتموا بما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم بحيث يعلمونه علما قطعيا ، ويتفقون عليه ، بل اقتصر كل واحد على ما غلب على ظنه كما رواه وسمعه منه ، مع أمور فوق ظنه في روايته ، والله أعلم . فرع : أذكر فيه إن شاء الله تعالى جملة من الأحاديث الصحيحة في الإفراد والتمتع والقران فأما : جوازها كلها ففيه حديث عائشة رضي الله عنها قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع ، فمنا من أهل بعمرة ، ومنا من أهل بحج وعمرة ، ومنا من أهل بحج ، وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية لمسلم : منا من أهل بالحج مفردا ، ومنا من قرن ، ومنا من تمتع وأما : ترجيح الإفراد فثبت في الصحيح من رواية جابر وابن عمر وابن عباس وعائشة . فأما : حديث عائشة فقد سبق الآن في قولها : وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية لمسلم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج وفي رواية له أيضا عنها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بالحج مفردا وفي رواية البخاري ومسلم قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يذكر لنا الحج ، فلما جئنا سرف طمثت وذكرت تمام الحديث إلى قولها ثم رجعوا مهلين بالحج يعني إلى منى . وأما : حديث ابن عمر فعن بكر بن عبد الله المزني عن أنس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبى بالحج والعمرة جميعا ، قال بكر : فحدثت بذلك ابن عمر فقال : لبى بالحج وحده ، فلقيت أنسا فحدثته بقول ابن عمر فقال أنس : ما تعدوننا إلا صبيانا ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لبيك عمرة وحجا رواه البخاري ومسلم ، وعن زيد بن أسلم أن رجلا أتى ابن عمر فقال : بم أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : بالحج ، ثم أتاه من العام المقبل فسأله فقال : ألم تأتني عام أول قال : بلى ، ولكن أنسا يزعم أنه قرن ، قال ان عمر : إن أنسا كان يدخل على النساء وهن منكشفات الرءوس ، وإني كنت تحت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنت أسمعه يلبى الحج رواه البيهقي بإسناد صحيح ، وفي رواية لمسلم أيضا عن ابن عمر قال : أهللنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج منفردا .

قسم V07/P123–V07/P125

وأما : حديث جابر فعن عطاء بن جابر بن عبد الله قال : أهل النبي صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه بالحج رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية لمسلم أيضا عن جابر قال : أهللنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بالحج خالصا وحده ، فقدمنا صبح رابعة من ذي الحجة فأمرنا أن نحل وفي صحيح مسلم أيضا عن جابر في حديث طويل قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لمناسك الحج وذكر الحديث إلى أن قال حتى إذا كان آخر طواف على المروة قال النبي صلى الله عليه وسلم لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدى ولجعلتها عمرة ، فمن كان منكم ليس معه هدى فليتحلل وليجعلها عمرة قوله : آخر طواف على المروة يعني السعي . وأما : حديث ابن عباس ففيه قال : أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج فقدم لأربع مضين من ذي الحج وصلى الصبح وقال لما صلى الصبح : من شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها عمرة رواه مسلم ، وفي رواية لمسلم أيضا عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بذي الحليفة ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن ، وسلت الدم وقلدها نعلين ، ثم ركب راحلته ، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج وروى البيهقي بإسناده عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال لابنه : يا بني أفرد الحج فإنه أفضل وبإسناده عن ابن مسعود أنه أمر بإفراد الحج . وأما : ترجيح التمتع فعن ابن عمر قال : تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج ، وأهدى فساق معه الهدى من ذي الحليفة ، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ، ثم أهل بالحج وتمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج ، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي ، ومنهم من لم يهد ، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس : من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حتى يقضي حجته ، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة ، وليقصر وليحلل ، ثم ليهلل بالحج وليهد فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله ، وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة فاستلم الركن أول شيء ثم خب ثلاثة أطواف من السبع ، ومشى أربعة أطواف ، ثم ركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين ، ثم سلم فانصرف ، فأتى الصفا فطاف طوافه بالبيت عند المقام ركعتين ، ثم سلم فانصرف ، فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف ثم لم يحلل من شيء حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر ، وأفاض فطاف بالبيت ، ثم حل من كل شيء حرم منه ، وفعل مثل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهدى ، وساق الهدي من الناس رواه البخاري ومسلم . وعن الزهري عن عروة عن عائشة قالت : تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج ، وتمتع الناس معه ، قال الزهري : مثل الذي أخبرني سالم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه البخاري ومسلم ، قال البيهقي : قد روينا عن ابن عمر وعائشة فيما سبق في إفراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يخالف هذا ، قال : وكونه قال في هذه الرواية : لم يتحلل من إحرامه حتى فرغ من حجه دليل ظاهر على أنه لم يكن متمتعا .

قسم V07/P125–V07/P126

وعن غنيم بن قيس بضم الغين المعجمة قال : سألت سعد بن أبي وقاص عن المتعة فقال : فعلناها ، وهذا يومئذ كافر بالعرش يعني بيوت مكة رواه مسلم وقوله : العرش هو بضم العين والراء وهي بيوت مكة وقوله : وهذا كافر يعني معاوية ، وفي رواية غير مسلم : فعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يومئذ كافر بالعرش يعني معاوية . وعن محمد بن عبد الله بن الحارث أنه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس عام حج معاوية بن أبي سفيان ، وهما يذكران التمتع والعمرة إلى الحج ، فقال الضحاك : لا يصنع مثل هذا إلا من جهل أمر الله تعالى ، فقال سعد : بئس ما قلت يا بن أخي ، قال الضحاك : فإن عمر بن الخطاب نهى عن ذلك ، فقال سعد : قد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها معه رواه الترمذي ، وقال : حديث صحيح ، وفي بعض النسخ حسن صحيح ورواه النسائي وآخرون أيضا ، وعن أبي موسى الأشعري قال : بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى قومي باليمن فجئت وهو منيخ بالبطحاء فقال : بم أهللت فقلت أهللت كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : هل معك من هدي قلت : لا ، فأمرني فطفت بالبيت والصفا والمروة ، ثم أمرني فأحللت فأتيت امرأة من قومي فمشطتني أو غسلت رأسي رواه البخاري ومسلم . وعن سالم بن عبد الله أنه سمع رجلا من أهل الشام سأل ابن عمر عن التمتع بالعمرة إلى الحج فقال ابن عمر : هي حلال ، قال الشافعي : إن أباك قد نهى عنها قال ابن عمر : أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : لقد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه الترمذي بإسناد وهو ضعيف ، ولهذا لم يقع في بعض نسخ الترمذي قوله : حديث حسن . وعن عمران بن الحصين قال : تمتع النبي صلى الله عليه وسلم وتمتعنا معه رواه مسلم بهذا اللفظ ورواه البخاري بمعناه قال : متعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونزل القرآن قال رجل برأيه ما شاء وعن أبي جمرة بالجيم قال : تمتعت فنهاني ناس عن ذلك فسألت ابن عباس فأمرني بها . فرأيت في المنام كأن رجلا يقول لي : حج مبرور وعمرة متقبلة ، فأخبرت ابن عباس فقال : سنة النبي صلى الله عليه وسلم رواه البخاري ومسلم .

قسم V07/P126–V07/P128

وأما : القران فجاءت فيه أحاديث منها : حديث سعيد بن المسيب قال : اختلف علي وعثمان وهما بعسفان فكان عثمان نهى عن المتعة أو العمرة فقال علي ما تريد إلا أن تنهي عن أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال عثمان : دعنا منك ، فقال : إني لا أستطيع أن أدعك ، فلما رأى علي ذلك أهل بهما جميعا رواه البخاري ومسلم ومنها : حديث أنس فعن بكر ابن عبد الله المزني عن أنس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبى بالحج وحده ، فلقيت أنسا فحدثه بقول ابن عمر ، فقال أنس : ما تعدوننا إلا صبيانا ، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : لبيك عمرة وحجا وروى البيهقي بإسناده عن سليمان بن الحارث وهو شيخ البخاري قال : سمع هذه الرواية أبو قلابة من أنس وأبو قلابة فقيه قال : وقد روى حميد ويحيى بن أبي إسحاق عن أنس قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يلبى بعمرة وحج قال سليمان : ولم يحفظا إنما الصحيح ما قال أبو قلابة : أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد للحج ، وقد جمع بعض أصحابه بين الحج والعمرة فأما سمع أنس فعن أولئك الذين جمعوا بين الحج والعمرة ، قال البيهقي : فالاشتباه وقع لأنس لا لمن دونه قال : ويحتمل أن يكون سمع النبي صلى الله عليه وسلم يعلم رجلا كيف صورة القران ، لا أنه قرن عن نفسه وعن أنس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بهما لبيك عمرة وحجا رواه مسلم ، وعن عمران بن الحصين قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين حجة وعمرة ثم لم ينه حتى مات ، ولم ينزل فيه قرآن يحرمه رواه مسلم . وعن عمر رضي الله تعالى عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بوادي العقيق أتاني الليلة آت من ربي ، فقال : صل في هذا الوادي المبارك ، وقال : عمرة في حجة رواه البخاري هكذا في بعض الروايات ، وقال عمرة في حجة ، وفي بعضها وقل : عمرة في حجة ، قال البيهقي : ويكون ذلك إذنا في إدخال العمرة على الحج ، لأنه أمره في نفسه ، وعن الصبى بن معبد قال : كنت رجلا نصرانيا فأسلمت فأهللت بالحج والعمرة فلما أتيت العذيب لقيني سلمان بن ربيعة وزيد بن صوجان ، وأنا أهل بهما جميعا فقال أحدهما للآخر : ما هذا بأفقه من بعيره قال : فكأنما ألقي علي جبل حتى أتيت عمر بن الخطاب فقلت له : يا أمير المؤمنين إني كنت رجلا أعرابيا نصرانيا ، وإني أسلمت وأنا حريص على الجهاد ، وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبين علي ، فأتيت رجلا من قومي فقال لي أجمعهما واذبح ما استيسر من الهدى ، وإني أهللت بهما جميعا ، فقال عمر : هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم ، رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح ، قال الدارقطني في كتاب العلل : هو حديث صحيح .

قسم V07/P128–V07/P129

قال البيهقي : ومقتضى هذا جواز القران لا تفضيله وقد أمر عم بالإفراد قلت : وهذا أود ما قلته منه في تأويل نهى عمر رضي الله تعالى عنه عن التمتع ، وأنه إنما نهى عنه لتفضيله أمر الإفراد لا لبطلان التمتع ، وعن أبي قتادة قال : إنما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحج والعمرة لأنه علم أنه ليس بجامع بعدها رواه الدارقطني ، وعن حفصة قالت : قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ما شأن الناس حلوا ولم تحل من عمرتك قال : إني قلدت هديي ولبدت رأسي فلا أحل حتى أحل من الحج رواه البخاري قال البيهقي : قال الشافعي : قولها من عمرتك أي من إحرامك ، قال : إني قلدت هديي ولبدت رأسي ، فلا أحل حتى أنحر ، أي حتى يحل الحاج لأن القضاء نزل عليه أنه من كان معه هدى جعل إحرامه حجا . واعلم : أن البيهقي ذكر بابا في جواز الإفراد والتمتع والقران ، ثم بابا في تفضيل الإفراد ، ثم باب من زعم أن القران أفضل ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان متمتعا ، وذكر في كل نحو ما ذكرته من الأحاديث ثم قال باب كراهة من كره التمتع والقران ، وبيان أن جميع ذلك جائز ، وإن كنا اخترنا الإفراد فذكر في هذا الباب بإسناده عن سعيد بن المسيب أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فشهد عنده أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي قضى فيه ينهى عن العمرة قبل الحج رواه أبو داود في سننه ، وقد اختلفوا في سماع سعيد بن المسيب من عمر ، لكنه لم يرو هنا عن عمر ، بل عن صحابي غير مسمى ، والصحابة كلهم عدول . وعن معاوية : أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يقرن بين الحج والعمرة رواه البيهقي بإسناد حسن ، وروى البيهقي حديث عمران بن الحصين قال : تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل فيه القرآن فليقل رجل برأيه ما شاء رواه البخاري ومسلم ، وحديث أبي موسى السابق في القران وأن أبا موسى قال : قلت أفتى الناس بالذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من التمتع في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمن أبي بكر وصدر خلافة عمر رواه البخاري ومسلم ، وفيه أن عمر كان ينهى عنها ، وفي رواية : أن أبا موسى سأله عمر عن نهيه فقال عمر : قد علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد فعله وأصحابه ، ولكن كرهت أن يظلوا معرسين بهن في الأراك ، ثم يروحون في الحج تقطر رءوسهم رواه مسلم إلا قوله : وأصحابه ، ولكن كرهت أن يظلوا معرسين بهن تحت الأراك ثم يروحون والإعراس : كناية عن وطء النساء .

قسم V07/P129–V07/P131

وروى البيهقي عن الزهري عن عروة عن عائشة : أنها أخبرته في تمتع النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج ، وتمتع الناس معه بمثل الذي أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الزهري : فقلت لسالم فلم ينهى عن التمتع ، وقد فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله الناس معه قال سالم : أخبرني ابن عمر أن الأتم للعمرة أن تفردوها من أشهر الحج : ( للحج أشهر معلومات ) شوال وذو القعدة وذو الحجة ، فأخلصوا فيهن الحج واعتمروا فينا سواهن من الشهور ، قال : وإن أعمر بذلك لزمه إتمام العمرة لقول الله تعالى : وأتموا الحج والعمرة وذلك أن العمرة إنما يتمتع بها إلى الحج ، والتمتع لا يتم إلا بالهدي أو الصيام إذا لم يجد هديا ، والعمرة في غير أشهر الحج تتم بلا هدى ولا صيام ، فأراد عمر بترك التمتع تمام العمرة كما أمر الله تعالى بإتمامها وأراد أيضا أن تكرر زيارة الكعبة في كل سنة مرتين . فكره التمتع لئلا يقصروا على زيارة مرة فتردد الأئمة في التمتع حتى ظن الناس أن الأئمة يرون ذلك حراما ، قال : ولعمري لم ير الأئمة ذلك حراما ، ولكنهم ابتعوا ما أمر به عمر رضي الله عنه إحسانا للخير وبإسناده الصحيح عن سالم قال : سئل ابن عمر عن متعة الحج فأمر بها فقيل إنكم تخالف أباك فقال : إن أبي لم يقل الذي يقولون ، إنما قال أفردوا الحج من العمرة ، أي إن العمرة لا تتم في أشهر الحج فجعلتموها أنتم حراما وعاقبتم الناس عليها ، وقد أحلها الله عز وجل ، وعمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فإذا أكثروا عليه قال : فكتاب الله أحق أن يتبع أم عمر . وعن سالم قال : كان ابن عمر يفتي بالذي أنزل الله تعالى من الرخصة في التمتع ، وبيه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول ناس لابن عمر : كيف أباك وقد نهى عن ذلك فيقول لهم ابن عمر : ألا تتقون الله أرأيتم إن كان عمر نهى عن ذلك يبغى فيه الخير ويلتمس فيه تمام العمرة ، فلم كرهتموها وقد أحلها الله تعالى وعمل بها رسول الله أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبعوا أم عمر إن عمر لم يقل ذلك ، إن العمرة في أشهر الحج حرام ، ولكنه قال : إن إتمام العمرة أن تفردوها من أشهر الحج ثم روى البيهقي بإسناده الصحيح عن عبيد بن عمير قال : قال علي بن أبي طالب لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما : أنهيت عن المتعة قال : لا ولكني أردت كثرة زيارة البيت ، فقال علي : من أفرد الحج فحسن ، ومن تمتع فقد أخذ بكتاب الله تعالى وسنة نبيه . عن أبي نصرة قال : قلت لجابر بن عبد الله إن ابن الزبير ينهى عن المتعة ، وإن ابن عباس يأمر بها ، فقال جابر : على يدي دار الحديث ، تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قام عمر قال : إن الله كان يحل لرسول صلى الله عليه وسلم ما شاء بما شاء ، وإن القرآن قد نزل منازله فأتموا الحج والعمرة لله كما أمركم وابتغوا نكاح هذه النساء فلن أوتي برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة رواه مسلم ، وفي رواية : فإنه أتم يحكم وأتم بعمرتكم قال البيهقي : وفي هذه الزيادة دلالة على أن عمر نهى عن المتعة على الوجه الذي سبق بيانه في الحديث قبله .

قسم V07/P131–V07/P132

وعن عبد الله بن شقيق : كان عثمان ينهى عن المتعة وكان علي يأمر بها ، فقال عثمان لعلي كلمة ثم قال علي : لقد علمت أنا قد تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أجل ، ولكننا كنا خائفين رواه مسلم وأراد بكنا خائفين عمرة القضاء وكانت سنة سبع من الهجرة قبل الفتح ، وعن أبي ذر قال : كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة رواه مسلم . قال البيهقي : إنما أراد فسخهم الحج إلى العمرة هو أن بعض الصحابة أهل بالحج ، ولم يكن معه هدى فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعلوه عمرة لينقض بذلك عادتهم في تحريم العمرة في أشهر الحج وهذا لا يجوز اليوم وقد جاء في رواية ابن عباس وغيره ما دل على ذلك . وعن محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود عن سليمان بن الأسود أن أبا ذر رضي الله عنه كان يقول فيمن حج ثم فسخها بعمرة ولم يكن ذلك إلا الركب الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود ، ولكنه ضعيف لأن محمد بن إسحاق صاحب المغازي هذا مدلس وقد قال عن : وقد اتفق العلماء على أن المدلس إذا قال عن : لا يحتج بروايته . وعن ابن مسعود قال : الحج أشهر معلومات ليس فيها عمرة قال البيهقي . وكراهة من كره ذلك أظنها على الوجه الذي ذكرناه عن ابن عمر عن عمر . وقد روى عن الأسود عن ابن مسعود قال : أحب أن يكون لكل واحد منهما قال البيهقي فثبت بالسنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جواز التمتع والقران والإفراد وثبت بمضي النبي صلى الله عليه وسلم في حج مفرد ثم باختلاف الصدر الأول في كراهة التمتع والقران دون الإفراد كون إفراد الحج عن العمرة أفضل وأنه أسلم . فرع : في طريق الجمع بين هذه الأحاديث الصحيحة على الوجه الذي تقتضيه طرقها . وقد سبق في هذه الأحاديث الصحيحة أن من الصحابة من روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في حجة الوداع مفردا ومنهم : من روى أنه كان قارنا ومنهم : من روى أنه كان متمتعا ، وكله في الصحيح وهي قصة واحدة ، فيجب تأويل جميعها ببعضها ، والجمع بينها ، وصنف ابن حزم الظاهري كتابا فيها حاصله أنه اختار القران وتأويل باقي الأحاديث وتأويل بعضها ليس بظاهر فيما قاله والصواب : الذي نعتقده أنه صلى الله عليه وسلم أحرم أولا بالحج مفردا ، ثم أدخل عليه العمرة فصار قارنا ، وإدخال العمرة على الحج جائز على أحد القولين عندنا ، وعلى الأصح لا يجوز لنا ، وجاز للنبي صلى الله عليه وسلم تلك السنة للحاجة ، وأمر به في قوله : لبيك عمرة في حجة كما سبق . فإذا عرفت ما قلنا عن سهل الجمع بين الأحاديث ( فمن روى أنه صلى الله عليه وسلم كان مفردا وهم الأكثرون كما سبق أراد أنه اعتمر أول الإحرام ومن : روى أنه كان قارنا أراد أنه اعتمر آخره ، وما بعد أحراه ومن : روى أنه كان متمتعا أراد التمتع اللغوي وهو الانتفاع إلى إفراد كل واحد بعمل ، ويؤيد هذا الذي ذكرته أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتمر تلك السنة عمرة مفردة ، لا قبل الحج ولا بعده ، وقد قدمنا أن القران أفضل من إفراد الحج من غير عمرة بلا خلاف ، ولو جعلت حجته صلى الله عليه وسلم مفردة لزم منه أن لا يكون اعتمر تلك السنة ، ولم يقل أحد : إن الحج وحده أفضل من القران ، وعلى هذا الجمع الذي ذكرته ينتظم الأحاديث كلها في حجته صلى الله عليه وسلم في نفسه .