Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)
أما الأحكام : فأجمعت الأمة على تحريم الصيد في الإحرام ، وإن اختلفوا في فروع منه ، ودلائله نص الكتاب والسنة وإجماع الأمة ، قال أصحابنا : يحرم عليه كل صيد برى مأكول أو في أصله مأكول ، وحشيا كان أو في أصله وحشي ، هذا ضابطه ، فأما ما ليس بصيد كالبقر والغنم والإبل والخيل وغيرها من الحيوان الإنسي فليس بحرام بالإجماع لأنه ليس بصيد ، وإنما حرم الشرع الصيد ، قال القاضي أبو الطيب والأصحاب : قال الشافعي يحرم على المحرم الدجاجة الحبشية ، لأنها وحشية تمتنع بالطيران ، وإن كانت ربما ألفت البيوت قال القاضي : وهي شبيهة بالدجاج ، قال : ونسمي بالعراق سندية ، فإن أتلفها لزمه الجزاء والله أعلم . وأما ما ليس بمأكول ولا هو متولد من مأكول وغير مأكول فليس بحرام بلا خلاف عندنا ، وقد ذكره المصنف في الفصل الذي بعد هذا ، وهناك نوضحه بدلائله وفروعه إن شاء الله تعالى وأما صيد البحر فحلال للحلال والمحرم بالنص والإجماع ، قال الله تعالى : أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما قال أصحابنا : والمراد بصيد البحر الذي هو حلال للمحرم ما لا يعيش إلا في البحر ، سواء الصغير والكبير أما ما يعيش في البر والبحر فحرام كالبري تغليبا لجهة التحريم كما قلنا في المتولد من مأكول وغيره . وأما الطيور المائية التي تغوص في الماء وتخرج منه فبرية محرمة على المحرم . وأما الجراد فبري على المشهور ، وفيه قول واه سنوضحه حيث ذكره المصنف إن شاء الله تعالى أنه بحري غير مضمون . قال الماوردي وغيره : قال الشافعي : كلما كان أكثر عيشة في الماء فكان في بحر أو نهر أو بئر أو واد أو ماء مستنقع أو غير فسواء ، وهو مباح صيده للمحرم في الحل والحرم ، قال : فأما طائره ، فإنما يأوي إلى أرض فهو صيد بر حرام على المحرم ، هذا نصه وتابعوه عليه . وأما المتولد من مأكول وغير مأكول أو من وحشي وإنسي كمتولد بين ظبي وشاة ، أو بين يعفور ودجاجة ، فيحرمان على المحرم ، ويجب فيهما الجزاء كما سنوضحه إن شاء الله تعالى بعدها ، حيث ذكره المصنف في الفصل الآتي وأما الصيد المحرم الذي سبق ضبطه فيحرم جميع أنواعه ، صغيره وكبيره ، وحشه وطيره ، وسواء المستأنس منه وغيره والمملوك وغيره . وقال المزني لا جزاء في المملوك وذكر المصنف الدليل . قال الشافعي والأصحاب : يضمن المحرم الصيد المملوك بالجزاء والقيمة ، فيجب الجزاء لله تعالى يصرف إلى مساكين الحرم ، والقيمة لمالكه . قال أصحابنا : فإن أتلفه بغير ذبح فعليه للآدمي كمال القيمة ، وعليه لله تعالى الجزاء وإن ذبحه فإن قلنا : ذبيحة المحرم ميتة لا تحل لأحد ، فعليه أيضا القيمة بكمالها وإن قلنا : تحل ذبيحته لزمه مع الجزاء لمالكه ما بين قيمته مذبوحا وحيا ، إذا رده إليه مذبوحا ، وإذا أتلفه أو ذبحه وقلنا : هو ميتة فجلده لمالكه لا للمحرم ، صرح به الماوردي وغيره . قال أصحابنا : ولو توحش حيوان إنسي كشاة وبعير ودجاجة ونحوها لم يحرم ، ولا جزاء فيه بلا خلاف ، لأنه ليس بصيد . قال أصحابنا : ويحرم قتل الصيد وأخذه وجرحه وإتلاف شيء من أجزائه وتنفيره والتسبب في ذلك كله أو في شيء منه ، فإن أخذه لم يملكه لما ذكره المصنف ، فإن كان مملوكا لآدمي لزمه رده إلى صاحبه ، وإن كان مباحا وجب إرساله في موضع يمتنع على من يقصده ، فإن أتلفه أو تلف عنده ضمنه بالجزاء وإن كان مملوكا لآدمي ضمنه بالجزاء أو القيمة كما سبق ، ودليل هذا كله في الكتاب .
ولو خلص المحرم صيدا من فم سبع أو هرة أو نحوهما وأخذه ليداويه ثم يرسله ، أو رآه مجروحا فأخذه ليداويه ، ثم يرسله فمات في يده ، ففي ضمانه القولان اللذان ذكرهما المصنف وهما مشهوران ، وإن اتفقوا على أن الأصح أنه لا يضمن لأنه قصد الصلاح . وذكر الشيخ أبو محمد الجويني في كتاب السلسلة في المسألة طريقين أحدهما : على القولين والثاني : لا يضمن قولا واحدا ، قال أبو محمد : وفرع أصحابنا على هذا أنه لو انتزع إنسان العين المغصوبة من غاصبها ليردها إلى مالكها فتلفت في يده بلا تفريط ، فلا يضمن فيه الطريقان كالصيد فرع : لو حصل تلف صيد بسبب شيء في يد المحرم بأن كان راكب دابة أو سائقها أو قائدها ، فتلف صيد بعضها ، أو رفسها ، أو بالت في الطريق فزلق به صيد ، فهلك به ، ضمنه لأنها منسوبة إليه فضمن ما أتلفته أو تلف بسببها ، كما لو أتلفت آدميا ومالا أما إذا انفلتت دابة المحرم فأتلفت صيدا فلا شيء عليه ، نص الشافعي رحمه الله على هذا الفرع كله ، واتفق الأصحاب عليه . قال الدارمي : ولو كان مع الدابة ثلاثة سائق وقائد وراكب ، فأتلفت صيدا فوجهان أحدهما : يجب الجزاء على الثلاثة ، والثاني : على الراكب وحده . فرع : قال أصحابنا : جهات ضمان الصيد في حق المحرم ثلاث المباشرة واليد والتسبب فأما المباشرة فمعروفة وأما اليد فيحرم على المحرم وضع يده على الصيد . ولا يملكه بذلك ، ويضمنه إن تلف ، وقد سبق هذا قريبا واضحا ومن هذا ما إذا حصل التلف بسبب دابة في يده كما سبق بيانه قريبا وأما إذا سبقت اليد على الإحرام أو كانت يدا قهرية كالإرث ، أو يد معاقدة كشراء أو وصية أو هبة ونحوها ، فقد ذكره المصنف بعد هذا ، وسنوضحه قريبا إن شاء الله تعالى . وأما التسبب ففيه مسائل . الحلال شبكة أو فخا أو حبالة ونحو ذلك في الحرم ، أو نصبها المحرم حيث كان فتعقل بها صيد وهلك ، لزمه ضمانه ، سواء نصبها في ملكه أو موات أو غيرهما . فأما إذا نصبها وهو حلال ثم أحرم ، فوقع بها صيد فلا يضمنه بلا خلاف ، نص عليه وصرح به القفال والنبدنيجي والأصحاب . الثانية : قال الشافعي والأصحاب : يكره للمحرم استصحاب البازي وكل صائد من كلب وغيره ، فإن حله فأرسله على صيد فلم يقتله ولم يؤذه فلا جزاء عليه ، لكن يأثم كما لو رماه بسهم فأخطأه ، فإنه يأثم بالرمي لقصده الحرام ، ولا ضمان لعدم الإتلاف . ولو انفلت بنفسه فقتله فلا ضمان ، نص عليه الشافعي في المناسك الكبير ، واتفق الأصحاب عليه ، سواء فيه الكلب والبازي وغيرهما . قال الماوردي : وسواء فرط في حفظه أم لا ، لأن للكلب اختيارا . وأما إذا أرسل المحرم الكلب على الصيد أو حل رباطه . وهناك صيد ولم يرسله فأتلفه ، ضمنه لأنه متسبب ، ولو كان هناك صيد وانحل رباط الكلب لتقصير المحرم فالمذهب أنه يضمنه ، وفيه خلاف ضعيف حكاه الرافعي ، فلو لم يكن هناك صيد فأرسل الكلب أو حل رباطه فظهر صيد ضمنه أيضا على الأصح ، لأنه منسوب إليه . قال الماوردي : فإن قيل : قلتم هنا : إنه لو أرسل الكلب على الصيد ضمنه . ولو أرسله على آدمي فقتله لا ضمان ، فالفرق أن الكلب معلم للاصطياد فإذا صاد بإرساله كان كصيده بنفسه فضمنه ، وليس هو معلما قتل الآدمي ، فإذا أغراه على آدمي فقتله لم يكن القتل منسوبا إلى المغري ، بل إلى اختيار الكلب فلم يضمنه .
قال : ومثاله في الصيد أن يرسل كلبا غير معلم على صيد فيقتله فلا ضمان ، لأن غير المعلم لا ينسب فعله إلى المرسل ، بل إلى اختياره ، ولهذا لا يؤكل ما اصطاده بعد الإرسال ، كما لا يؤكل ما صاده المسترسل بنفسه ، هذا كلام الماوردي ، وهذا الذي قاله في غير المعلم فيه نظر ، وينبغي أن يضمن بإرساله لأنه سبب ، والله أعلم . الثالثة : إذا نفر المحرم صيدا فعثر وهلك بالعثار ، أو أخذه في مغارة سبع ، أو انصدم بشجرة أو جبل أو غير ذلك ، لزمه الضمان ، سواء قصد تنفيره أم لا ، قال أصحابنا : ولا يزال المنفر في عهدة ضمان التنقير حتى يعود الطير إلى عادته في السكون ، فإن عاد ثم هلك بعد ذلك فلا ضمان بلا خلاف ، ولو هلك في حال هربه ونفاره قبل سكونه بآفة سماوية فوجهان حكاهما إمام الحرمين وآخرون قالوا : أصحهما : لا ضمان لأنه لم يتلف في يده ولا بسببه والثاني : يضمنه لاستدامة أثر النفار . الرابعة : لو صاح المحرم على صيد فمات بسبب صياحه ، أو صاح حلال على صيد في الحرم فمات به فوجهان حكاهما البغوي أحدهما : يضمنه كما لو صاح على صبي فمات ، تجب ديته والثاني : لا يضمنه لأن الغالب أن الصيد لا يموت بالصياح . فهو كما لو صاح على بالغ عاقل متيقظ فمات لا ضمان ، ولم يرجح واحدا من الوجهين ، والظاهر الضمان لأنه بسببه . الخامسة : إذا حفر المحرم بئرا في محل عدوان أو حفرها حلال في الحرم في محل عدوان فهلك فيها صيد لزمهما الضمان بلا خلاف ، فإن حفرها في ملكه أو موات فأربعة أوجه أصحهما : يضمن في الحرم دون الإحرام والثاني يضمن والثالث : لا يضمن فيهما ، والرابع : إن حفرها للصيد ضمن وإلا فلا . وجزم الماوردي بأنه إن قصد الاصطياد لا يضمن وإلا فوجهان . السادسة : اتفق أصحابنا أنه لو رمى صيدا فنفذ فيه السهم وأصاب صيدا آخر فقتلهما لزمه جزاؤهما ، لأن أحدهما عمد والآخر خطأ أو بسببه ، وكل ذلك مضمن ، وقد نص الشافعي على هذا ، واتفقوا على أنه لو أصاب صيدا فوقع الصيد على صيد آخر أو على فراخه وبيضه ضمن ذلك كله ، لأنه بسببه . السابعة : لو رمى حلال إلى صيد ثم أحرم ثم أصابه ففي وجوب ضمانه وجهان ، حكاهما المتولي والروياني ، وغيرهما الأصح : يضمن ، ورجح أبو علي البندنيجي عدم الضمان ، وصحح القاضي حسين في تعليقه والرافعي الضمان ، قال المتولي : هما كالوجهين فيمن رمى إلى حربي أو مرتد فأسلم ، ثم أصابه فقتله ، قال : لكن الأصح هناك لا ضمان ، لأن الرمي إلى الحربي يحتاج إليه للقتال ، فلو أوجبنا الضمان لامتنع من رميه خوفا من إسلامه . وأما المحرم فيمكنه تأخير الإحرام إلى ما بعد الإصابة . ولو رمى سهما إلى صيد وقد بقى عليه من أسباب التحلل الحلق فقصر شعره بعد الرمي ، ثم أصابه السهم بعد فراغ التقصير وهو حلال فوجهان ، حكاهما المتولي والروياني وآخرون أحدهما : لا ضمان ، لأن الإصابة في حال لا يضمن فيها ، فأشبه من رمى إلى مسلم فارتد أو ذمي فنقض العهد ثم أصابه لا ضمان والثاني : يجب لأن الرمي جناية وجدت في الإحرام ، ويخالف المرتد والذمي ، فإنهما مقصران بما أحدثا من إهدارهما .
الثامنة : إذا دل الحلال محرما على صيد فقتله وجب الجزاء على المحرم ، ولا ضمان على الحلال ، سواء كان الصيد في يده أم لا ، لكنه يأثم ، ولو دل المحرم حلالا على صيد فقتله فإن كان الصيد في يد المحرم ، لزمه الجزاء ، لأنه ترك حفظه وهو واجب عليه فصار كالمودع إذا دل السارق على الوديعة ، فإنه يضمنها وإن لم يكن في يده فلا جزاء على واحد منهما ، لكن يأثم المحرم بدلالته ، وإنما لم يضمن لما ذكره المصنف وهو أنه لم يلتزم حفظه . ولو دل المحرم محرما فقتله ، أو دل الحلال حلالا أو محرما على صيد في الحرم فقتله ، فلا جزاء على الدال ، ويجب على القاتل ، ولو أعان المحرم حلالا أو محرما في قتل صيد بإعارة آلته أو أمره بإتلافه أو نحو ذلك فأتلفه فلا ضمان على المعين ، لما ذكرناه ، لكن يأثم سواء كان في الحل أو الحرم . فرع : قال الشافعي والأصحاب : العامد والمخطىء وهو الناسي والجاهل في ضمان الصيد سواء فيضمنه كل واحد منهم بالجزاء ، ولكن يأثم العامد دون الناسي والجاهل هذا هو المذهب ، وبه تظاهرت نصوص الشافعي وطرق الأصحاب ، وقيل : في وجوب الجزاء على الناسي قولان ، حكاه المصنف بعد هذا الفصل ، وحكاه الأصحاب ، وسنوضحه في موضعه إن شاء الله تعالى ، ولو أحرم به ثم جن أو أغمي عليه فقتل صيدا ففي وجوب الجزاء قولان نص عليهما أقيسهما : الوجوب ، لأنه من باب الغرامات ، والمجنون كغيره في ذلك والأصح : أنه لا يجب ، لأن المنع من الصيد تعبد يتعلق بالمكلفين ، وقد ذكر المصنف المسألة بعد هذا الفصل بقليل . ولو أكرم المحرم على قتل صيد أو أكره حلال على قتل صيد في الحرم فوجهان ، حكاهما البغوي وغيره أحدهما : يجب الجزاء على الآمر والثاني : يجب على المأمور ثم يرجع إلى الآمر ، كما لو حلق الحلال شعر المحرم مكرها ، وهذا الثاني أصح وقال الدارمي : هو كما لو أكره على قتل آدمي .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ويحرم عليه أكل ما صيد له ، لما روى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الصيد حلال لكم ما لم تصيدوه أو يصاد لكم ويحرم عليه أكل ما أعان على قتله بدلالة أو إعارة ، لما روى عبد الله بن أبي قتادة قال : كان أبو قتادة في قوم محرمين وهو حلال ، فأبصر حمار وحش فاختلس من بعضهم سوطا فضربه به حتى صرعه ، ثم ذبحه وأكله هو وأصحابه ، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : هل أشار إليه أحد منكم قالوا : لا ، قال : فلم ير بأكله بأسا فإن أكل ما صيد له أو أعان على قتله ، فهل يجب عليه الجزاء أم لا فيه قولان : أحدهما : يجب لأنه فعل محرم بحكم الإحرام ، فوجبت فيه الكفارة كقتل الصيد . والثاني : لا يجب لأنه ليس بنام . ولا يئول إلى النماء فلا يضمن بالجزاء كالشجر اليابس والبيض المذر . + الشرح : أما حديث جابر فرواه أبو داود والترمذي والنسائي من رواية عمرو بن أبي عمرو ، والمدني مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب ، عن مولاه المطلب عن جابر ، وإسناده إلى عمرو بن أبي عمرو صحيح . وأما عمرو بن أبي عمرو فقال النسائي : ليس هو بقوي ، وإن كان قد روي عنه مالك وكذا قال يحيى بن معين هو ضعيف ليس بقوي ، وليس بحجة ، وقد أشار الترمذي إلى تضعيف الحديث من وجه آخر فقال : لا يعرف للمطلب سماع من جابر فأما تضعيف عمرو بن أبي عمرو فغير ثابت ، لأن البخاري ومسلم رويا له في صحيحهما واحتجابه ، وهما القدوة في هذا الباب ، وقد احتج به مالك وروى عنه وهو القدو ، وقد عرف من عادته أنه لا يروي في كتابه إلا عن ثقة . وقال أحمد بن حنبل فيه : ليس به بأس ، وقال أبو زرعة : هو ثقة ، وقال أبو حاتم : لا بأس به ، وقال ابن عدي : لا بأس به لأن مالكا روى عنه ولا يروي مالك إلا عن صدوق ثقة . قلت : وقد عرف أن الجرح لا يثبت إلا مفسرا ولم يفسره ابن معين ، والنسائي يثبت تضعيفه وأما إدراك المطلب لجابر ، فقال ابن أبي حاتم : وروى عن جابر ، قال : ويشبه أن يكون أدركه . هذا كلام ابن أبي حاتم ، فحصل شك في إدراكه ، ومذهب مسلم بن الحجاج الذي ادعى في مقدمة صحيحه الإجماع فيه أنه لا يشترط في اتصال الحديث اللقاء ، بل يكفي إمكانه ، والإمكان حاصل قطعا ، ومذهب علي بن المديني والبخاري والأكثرين اشتراط ثبوت اللقاء ، فعلى مذهب مسلم الحديث متصل ، وعلى مذهب الأكثرين يكون مرسلا لبعض كبار التابعين ، وقد سبق أن مرسل التابعي الكبير يحتج به عندنا إذا اعتضد بقول الصحابة ، أو قول أكثر العلماء أو غير ذلك مما سبق وقد اعتضد هذا الحديث فقال به من الصحابة رضي الله عنهم من سنذكره في فرع مذاهب العلماء إن شاء الله تعالى ، والله أعلم . وأما حديث عبد الله بن أبي قتادة الذي ذكره المصنف فرواه البخاري ومسلم في صحيحهما عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه ، وينكر على المصنف كونه جعله مرسلا ، فقال : عند عبد الله بن أبي قتادة قال : كان أبو قتادة ، فلم يذكر أنه سمعه من أبيه ، مع أن الحديث في الصحيحين عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه متصل فغيره المصنف .
وقوله : في حديث جابر : ما لم تصيدون أو يصاد لكم هكذا الرواية فيه يصاد بالألف ، وهو جائز على لغة ، ومنه قوله تعالى : إنه من يتق ويصبر على قراءة من قرأ بالياء ومنه قول الشاعر : ألم يأتيك والأنباء تنمي وقد غير المصنف ألفاظا في حديث أبي قتادة فلفظه في البخاري ومسلم : عن عبد الله بن أبي قتادة أن أباه حدثه قال : انطلقنا مع النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية فأحرم أصحابه ولم أحرم ، فبصر أصحابنا بحمار وحش ، فجعل بعضهم يضحك إلى بعض ، فنظرت فرأيته ، فحملت عليه الفرس فطعنته فأثبته ، فاستعنتهم فلم يعينوني فأكلنا منه ، ثم لحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله إنا صدنا حمار وحش وإن عندنا فاضلة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : كلوا ، وهم محرمون . وفي رواية : فرأيت أصحابي يتراءون شيئا فنظرت فإذا حمار وحش ، فوقع السوط ، فقالوا : لا نعينك عليه بشيء ، إنا محرمون ، فتناولته ، فأخذته ثم أتيت الحمار من وراء أكمة فعقرته ، فأتيت به أصحابي ، فقال بعضهم : كلوا ، وقال بعضهم : لا تأكلوا ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو أمامنا فسألته ، فقال : كلوه حلال وفي رواية : هو حلال فكلوه . وفي رواية في الصحيحين فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هل منكم أحد أمره أن يحمل عليه أو أشار إليه وفي رواية : أنه سأل أصحابه أن يناولوه سوطه فأبوا فسألهم رمحه فأبوا ، فأخذه ثم شد على الحمار فقتله فأكل منه بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأبى بعضهم فأدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عن ذلك فقال : إنما هي طعمة أطعمكموها الله عز وجل ، وفي رواية البخاري قال : كنت جالسا مع رجال مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق مكة والقوم محرمون ، وأنا غير محرم ، فأبصروا حمارا وحشيا وأنا مشغول أخصف نعلي ، فلم يؤذنوني به وأحبوا لو أني أبصرته ، فالتفت فأبصرته ، فقمت إلى الفرس فأسرجته ثم ركبت ونسيت السوط والرمح ، فقلت لهم : ناولوني السوط والرمح ، فقالوا : لا والله لا نعينك عليه بشيء ، فغضبت فنزلت فأخذتهما ثم ركبت ، فشددت على الحمار فعقرته ثم جئت به وقد مات ، فوقعوا عليه يأكلونه ، ثم إنهم شكوا في أكلهم إياه وهم حرم ، فرحنا وخباب العضد معي فأدركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عن ذلك فقال : هل معكم من شيء ، فناولته العضد فأكلها حتى تعرقها وهو محرم . وفي رواية لمسلم فقال : هل معكم شيء فناولته العضد فأكلها ثم تعرقها وهو محرم وفي رواية لمسلم فقال : هل معكم منه شيء فقالوا : معنا رجله فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلها ، هذه ألفاظ الحديث في الصحيح . وإنما أخذ صلى الله عليه وسلم ما أخذه وأكله تطييبا لقلوبهم في إباحته ، ومبالغة في إزالة الشبهة عنهم والشك فيه ، لحصول الاختلاف فيه بينهم قبل ذلك ، والله أعلم . أما قول المصنف : لأنه فعل محرم بحكم الإحرام فوجبت فيه الكفارة فقال القلعي : احترز بفعل عقد النكاح وبقوله : محرم من الأفعال المباحة في الإحرام وبقوله : في الإحرام عن ذبح شاة غيره . وقوله : ليس بنام احتراز من قتل الصيد وقطع شجر الحرم . وقوله : ولا يؤول إلى النماء احتراز من كسر بيض الصيد . وقوله : البيض المذر هو بالذال المعجمة أي الفاسد ، والله أعلم .
أما حكم المسألة : فقال الشافعي والأصحاب : يحرم على المحرم أكل صيد صاد هو ، أو أعان على اصطياده ، أو أعان على قتله بدلالة أو إعارة آلة ، سواء دل عليه دلالة ظاهرة أو خفية ، وسواء إعارة ما يستغني عنه القاتل أم لا ، وهذا لا خلاف فيه ، قال الشافعي والأصحاب : ويحرم عليه لحم ما صاده الحلال المحرم ، سواء علم به المحرم وأمره بذلك أم لا ، وهذا لا خلاف فيه أيضا . وأما إذا صاد الحلال شيئا ولم يقصد اصطياده للمحرم ، ولا كان من المحرم فيه إعانة ولا دلالة ، فيحل للمحرم أكله بلا خلاف ، ولا جزاء عليه في ذلك بلا خلاف فإن أكل المحرم مما صاده الحلال له أو بإعانته أو دلالته ففي وجوب الجزاء عليه قولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما الأصح : الجديد : لا جزاء و القديم : وجوب الجزاء ، وهو القيمة بقدر ما أكل . هكذا قال الأكثرون تفريعا على القديم . وقال الماوردي : في كيفية الضمان على القديم ثلاثة أوجه أحدها : يضمن مثله لحما من لحوم النعم يتصدق به على مساكين الحرم . والثاني : يضمن مثله على النعم ، فيضمن بقدر ما أكل من مثله من النعم فإن أكل عشر لحمه لزمه عشر مثله والثالث : يضمن قيمة ما أكل ، دراهم ، فإن شاء تصدق بها دراهم وإن شاء اشترى بها طعاما ، وتصدق به هذا نقل الماوردي وعلى مقتضى الثالث أنه إن شاء صام عن كل مد يوما . أما إذا أكل المحرم ما ذبحه بنفسه فقد ذكر المصنف بعد هذا وسائر الأصحاب أنه لا يلزمه بأكله بعد الذبح شيء آخر بلا خلاف عندنا ، كما لا يلزمه في صيد الحرم بعد الذبح شيء آخر ، وإنما يلزمه في الموضعين جزاء قتله فقط ، هذا مذهبنا . وقال أبو حنيفة : يلزمه في صيد الإحرام جزاء آخر ، ووافقنا في صيد الحرم ، فلهذا قاس الأصحاب عليه قاسوه أيضا على من ذبح شاة لآدمي ثم أكلها ، فإنه تلزمه قيمة واحدة والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن ذبح المحرم صيدا حرم عليه أكله ، لأنه إذا حرم عليه ما صيد له أو دل عليه ، فلأن يحرم ما ذبحه أولى ، وهل يحرم على غيره فيه قولان قال في الجديد : يحرم ، لأن ما حرم على الذابح أكله حرم على غيره كذبيحة المجوس . وقال في القديم : لا يحرم لأن ما حل بذكاته غير الصيد حل بذكاته الصيد كالحلال ، فإن أكل ما ذبحه لم يضمن بالأكل لأن ما ضمنه بالقتل لم يضمنه بالأكل كشاة الغير . + الشرح : إذا ذبح المحرم صيدا حرم عليه بلا خلاف ، وفي تحريمه على غيره القولان اللذان ذكرهما المصنف الجديد تحريمه وهو الأصح عند الجمهور . وقال القاضي أبو الطيب في تعليقه : صحح كثيرون من أصحابنا هذا القديم . وقال القاضي أيضا في كتابه المجرد . وقال أصحابنا : القديم هنا هذا كلامه ، والصحيح عند الجمهور هو الجديد ، ودليل الجميع في الكتاب وإن قلنا بالجديد فأكله غير المحرم لم يلزمه الجزاء بلا خلاف ، لأنه لم يتلف صيدا فهو كمن أكل ميتة أخرى . صرح به الماوردي وغيره فعلى الجديد ذبيحة المحرم ميتة ، وعلى القديم ليست ميتة . هذا في حق غيره ، ولا خلاف في تحريمها عليه في الإحرام . فلو تحلل واللحم باق هل يجوز له إن قلنا : يحرم على غيره فعليه أولى ، وإلا فطريقان حكاهما إمام الحرمين وغيره أحدهما : القطع بتحريمه ، لأنا لو أبحناه بعد التحلل جعل ذلك ذريعة إلى ادخاره ، قال إمام الحرمين : وبهذا الطريق قطع المراوزة . والطريق الثاني : فيه وجهان أصحهما : تحريمه لما ذكرناه . والثاني : إباحته لأن المنع للإحرام وقد زال ، وبهذا الطريق قطع المتولي ، والبغوي وآخرون ، ونقله إمام الحرمين عن العراقيين إلا أنه قال : زيفوا وجه الإباحة والله أعلم . هذا حكم ذبيحة المحرم فأما إذا ذبح الحلال صيدا حرميا ففيه طريقان مشهوران وقد ذكرهما المصنف في أواخر الباب الذي بعد هذا أصحهما : أنه كذبيحة المحرم فيحرم عليه بلا خلاف ، وفي تحريمه على غيره القولان الأصح : تحريمه والثاني : إباحته والطريق الثاني : وصححه البندنيجي يحرم على غيره قولا واحدا ، كما يحرم عليه والفرق بينه وبين ذبيحة المحرم من وجهين ، أحدهما : أن صيد الحرم محرم على جميع الناس . والثاني : أنه محرم في جميع الأزمان بخلاف صيد الإحرام والله أعلم . وإذا أكل ما ذبحه بنفسه في الحرم أو الإحرام لا يلزمه بالأكل جزاء ، إنما يلزمه جزاء واحد بسبب الذبح . وقد سبقت المسألة قريبا واضحة والله أعلم . أما إذا كسر المحرم بيض صيد وقلاه فيحرم عليه بلا خلاف ، وفي تحريمه على غيره طريقان أشهرهما : وهي التي اختارها المصنف في الفصل الذي بعد هذا كثيرون وبها قطع الشيخ أبو حامد ونقلها صاحب البحر عن الأصحاب مطلقا أنه على القولين كاللحم الجديد تحريمه و القديم إباحته . و الطريق الثانية : القطع بإباحته واختارها القاضي أبو الطيب وصححها الماوردي والمتولي والروياني في البحر وغيرهم ، وقطع بها القاضي حسين في تعليقه والبغوي وآخرون . قال الماوردي : وجهل بعض المتأخرين فحكى في تحريمه قولين . قال : وهذا جهل قبيح ، والصواب إباحته لأنه لا يحتاج إلى ذكاة وفرق هؤلاء بين اللحم والبيض ، بأن الحيوان لا يستباح إلا بذكاة ، والمحرم ليس أهلها بخلاف البيض فإنه بكل حال ويباح من غير قلي ، ولو كسره مجوسي أو قلاه حل بخلاف الحيوان قال المتولي : فعلى هذا ينزل البيض منزلة ذبيحة حلال ، فمن حل له أكل صيد ذبحه له حلال حل له هذا البيض .
قال المتولي : ولو حلب لبن صيد أو قتل جرادة فهو ككسره البيض لأن الجرادة تحل بالموت ، ولهذا لو قتلها مجوسي حلت ، وقطع الماوردي وغيره بأن الجراد إذا قتله محرم حل للحلال . قال المتولي : ولو أخذ إنسان بيض صيد الحرم فكسره أو قلاه فطريقان أحدهما : أنه كلحم صيد الحرم وأصحهما : أنا إن قلنا : صيد الحرم ليس بميتة فالبيض حلال ، وإن قلنا : ميتة ففي البيض وجهان أحدهما : لا يحل ، لأنا جعلنا صيد الحرم كحيوان لا يحل لكونه محرما على العموم ، وبيض ما لا يؤكل لا يحل ، والثاني : يحل ، لأن أخذ البيض وقلبه ليس سبب الإباحة بخلاف ذبح الصيد . قال : وحكم ابن صيد الحرم وحكم جراده حكم البيض فيما ذكرنا وقطع الماوردي بأن بيض صيد الحرم حرام على كاسره ، وعلى جميع الناس قولا واحدا ، لأن حرمة الحرم لم تزل عنه بكسره .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ويحرم عليه أن يشتري الصيد أو يتهبه ، لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن الصعب بن جثامة أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم حمار وحش فرده عليه ، فلما رأى ما في وجهه قال : إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم ولأنه سبب يتملك به الصيد فلم يملك به مع الإحرام كالاصطياد . وإن مات من يرثه وله صيد ففيه وجهان أحدهما : لا يرثه ، لأنه سبب للملك فلا يملك به الصيد ، كالبيع والهبة . والثاني : أنه يرثه لأنه يدخل في ملكه بغير قصده ويملك به الصبي والمجنون فجاز أن يملك به المحرم الصيد ، وإن كان في ملكه صيد فأحرم ففيه قولان : أحدهما : لا يزول ملكه عنه ، لأنه ملك فلا يزول بالإحرام كملك البضع والثاني : يزول ملكه عنه ، لأنه معنى لا يراد للبقاء يحرم ( على المحرم ) ابتداؤه فحرمت استدامته كلبس المخيط . فإن قلنا : لا يزول ملكه جاز له بيعه وهبته ، ولا يجوز له قتله ، فإن قتله وجب عليه لأن الجزاء كفارة تجب لله تعالى ، فجاز أن تجب على مالكه ككفارة القتل ، وإن قلنا : يزول ملكه وجب عليه إرساله ، فإن لم يرسله حتى مات ضمنه بالجزاء ، وإن لم يرسله حتى تحلل ففيه وجهان ، أحدهما : يعود إلى ملكه ويسقط عنه فرض الإرسال ، لأن علة زوال الملك هو الإحرام ، وقد زال فعاد الملك كالعصير إذا صار خمرا ثم صار خلا . والثاني : أنه لا يعود إلى ملكه ويلزمه إرساله ، لأن يده متعدية فوجب أن يزيلها . + الشرح : حديث ابن عباس رواه البخاري ومسلم من طرق منها : ما ذكره المصنف بلفظه ، وفي رواية لمسلم : أن الصعب بن جثامة أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمار وحش وفي رواية له : من لحم حمار وحش وفي رواية : رجل حمار وحش وفي رواية : عجز حمار وحش يقطر دماء وفي رواية : شق حمار وحش . وفي رواية : عضو من لحم صيد . هذه الروايات كلها في صحيح مسلم ، وترجم البخاري : باب إذا أهدي للمحرم حمارا وحشيا حيا لم يقبل . ثم رواه بإسناده وقال في روايته : حمارا وحشيا فأشار البخاري إلى هذا الحمار كان حيا . وحكي هذا أيضا عن مالك وغيره ، وهو الظاهر من استدلال المصنف وغيره من أصحابنا . وهذا تأويل باطل مردود بهذه الروايات الصحيحة الصريحة التي ذكرها مسلم . فالصواب أنه إنما أهدى بعض لحم صيد لأكله ، ويكون قوله : حمارا وحشيا وحمار وحش مجازا أي بعض حمار ، ويكون رد النبي صلى الله عليه وسلم له عليه لأنه علم منه أو من حاله أنه اصطاده للنبي صلى الله عليه وسلم ولو لم يقصد الاصطياد له لقبله منه ، فإن لحم الصيد الذي صاده الحلال إنما يحرم على المحرم إذا صيد له أو أعان عليه كما سبق بيانه قريبا فإن قيل : فإنما علل النبي صلى الله عليه وسلم رده عليه بأنهم حرم قلنا : لا تمنع هذه العبارة كونه صيد له ، لأنه إنما يحرم الصيد على الإنسان إذا صيد له بشرط كونه محرما ، فبين الشرط الذي يحرم به ، وسأبسط الكلام في إيضاح هذا الحديث ، وبيان طرقه وما يوافقه ، وكلام العلماء عليه في فرع مذاهب العلماء في المسألة الثالثة منه إن شاء الله تعالى ، والله أعلم . وأما قوله : الصعب بن جثامة فالصعب بفتح الصاد وإسكان العين وجثامة بجيم مفتوحة ثم ثاء مثلثة مشددة وقوله صلى الله عليه وسلم : لم نرده عليك هو برفع الدال على الصواب المعروف لأهل العربية ، وغلب على ألسنة المحدثين والفقهاء فتحها وهو ضعيف ، وقد أوضحته في التهذيب و شرح مسلم .
وقوله : لأنه سبب يتملك به الصيد ، إنما قال : يتملك ، ولم يقل يملك ليحترز عن الإرث ، فإنه يملك به على أحد الوجهين لأنه سبب يملك به الصيد . ولا يقال في الإرث : يتملك إنما يقال لأنه ملك قهري . قوله : لأنه معنى لا يراد للبقاء يحرم ابتداؤه فحرمت استدامته كلبس المخيط احترز بقوله : لا يرد للبقاء من النكاح ، وبقوله : يحرم ابتداؤه من لبس ما سوى المخيط ، وهذه العلة منتقضة بالطيب ، فإنه لا يحرم استدامته ، والله أعلم . أما الأحكام : ففيها مسائل ، إحداها : يحرم على المحرم شراء الصيد وقبول هبته وهديته والوصية له به ، فإن اشتراه أو قبل الهبة أو الهدية أو الوصية فهل يملكه فيه طريقان ، أحدهما : وبه قطع المصنف وسائر العراقيين لا يملكه لما ذكره المصنف ، والثاني : طريقة القفال ومعظم الخراسانيين أنه يبنى على أنه إذا كان في ملكه صيد فأحرم فإن قلنا : يزول ملكه عنه لم يملك الصيد بالشراء والهبة والهدية والوصية ، وإلا فقولان كشراء الكافر عبدا مسلما أصحهما : لا يملك . قال أصحابنا : فإن قلنا بالمذهب : إنه لا يملك فليس له القبض فإن قبض قال الشافعي رحمه الله : لزمه إرساله واختلف أصحابنا في مراده بقوله : لزمه إرساله ، على وجهين مشهورين ، فمن قال : إنه يملكه تعلق بهذه اللفظة من كلام الشافعي ، وقال : لولا أنه ملكه ما أمره بإرساله ، ومن قال : لا يملكه اختلفوا في المراد فقال الشيخ أبو حامد والمحاملي وطائفة . والمراد بإرساله رده إلى صاحبه وليس المراد إرساله في البرية ، قالوا : لأنه لم يملكه ، فلا يجوز له تضييعه ، ولم يزل ملك البائع والواهب عنه فلا يجوز تفويته عليه . وقال صاحب الشامل وآخرون : يلزمه إرساله في البرية . ويحمل كلام الشافعي على ظاهره ، فيجب إرساله بحيث يتوحش ويصير ممتنعا في البرية ويدفع إلى مالكه القيمة . قالوا : ويجوز تفويت حق المالك من عين وإن كان باقيا على ملكه ، لأنه هو المتسبب في حصوله في يد المحرم حتى وجب إرساله فانتقل حقه إلى البدل جمعا بين الحقين . قال المتولي : ويصير المحرم كمن اضطر إلى أكل طعام غيره فيأكله ويغرم بدله ، ويكون الاضطرار عذرا في إتلاف مال الغير بغير إذنه فكذا هنا . هذا مختصر كلام الأصحاب في تفسير قول الشافعي : لزمه إرساله والله أعلم . قال أصحابنا : فإن هلك في يد المحرم قبل إرساله ورده إلى مالكه لزمه الجزاء لحق الله تعالى يدفع إلى المساكين ، ويلزمه لمالكه قيمته إن كان قبضه بالشراء ، لأن المقبوض بالشراء الفاسد مضمون ، وفي وقت اعتبار القيمة الخلاف المعروف فيمن تلف عند المقبوض بشراء فاسد ، وإن كان قبضه بالهبة ونحوها لزمه الجزاء لحق الله تعالى ، وهل يلزمه القيمة لمالكه الواهب فيه وجهان مشهوران في كل ما قبض بهبة فاسدة هل يكون مضمونا ، أم لا أصحهما : لا يكون مضمونا ، لأن حكم العقود الفاسدة حكم الصحيحة في الضمان ، فما ضمن صحيحه ضمن فاسده وما لا يضمن صحيحه لا يضمن فاسده ، وهذا قاعدة مشهورة سنوضحها في كتاب الرهن والشركة والهبة إن شاء الله تعالى . ومما ذكر الوجهين فيها هنا الماوردي وغيره ، وقطع القاضي أبو الطيب والمحاملي وأبو علي البندنيجي في كتابه الجماع والقاضي حسين وابن الصباغ وصاحب البيان وآخرون هنا بالأصح ، وهو أنه لا ضمان وأشار جماعة من الخراسانيين إلى القطع بالضمان وقد اغتر الرافعي بهذا فوافق إشارتهم فقطع هنا بالضمان مع أنه ذكر الخلاف في كتاب الهبة ، وأن الأصح أنه لا ضمان ، فكأنه لم يتذكره في هذا الموطن . فالحاصل أن الصحيح أنه لا ضمان . هذا كله إذا تلف في يد المحرم .
أما إذا أتلفه فقد صرح القاضي أبو الطيب في تعليقه وصاحب الشامل وغيرهما بأنه كما لو تلف في جميع ما ذكرناه أما إذا رده إلى مالكه فتسقط عنه القيمة التي هي حق الآدمي سواء كان قبضه بالشراء أو الهبة ونحوها ، ولكن لا يسقط عنه الجزء لحق الله تعالى إلا بإرساله . وإن تلف في يد مالكه بعد ذلك لزم المحرم الجزاء ، وإن أرسله مالكه سقط عن المحرم الجزاء هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور ، وقطع البندنيجي بأنه إذا رد ما قبضه بالبيع إلى بائعه زال عنه الضمان ، ولو قبضه بالهبة فرده إلى واهبه لم يزل عنه الضمان ، وفرق بأن المتهب كان يمكنه إرساله ولا يكون ضامنا لواهبه بخلاف المشتري ، وهذا الحكم والفرق ضعيفان ، قال الغزالي : فإن صححنا الشراء فباعه المحرم حرم البيع ، ولكن ينعقد ويجب على المشتري إرساله فإذا أرسله فهل يكون من ضمان البائع فيه الخلاف فيمن باع عبدا مرتدا فقتل في يد المشتري . هذا كلام الغزالي ، وكأنه أراد ما ذكره شيخه إمام الحرمين ، فإن إمام الحرمين قال : قال الأئمة : إذا باع المحرم صيدا أمرناه بإطلاقه ، ووجب على المشتري إرساله . قال : فإن استبعد الفقيه ذلك فهو كتصحيحنا من المشتري شراءه مع أمرنا إياه بإرساله ، ثم إذا أرسله المشتري بعد قبضه اتصل هذا بالتفريع فيمن اشتراه مرتدا فقتل في يده بالردة فمن ضمان من هو وفيه خلاف قال : ولعل الوجه القطع هنا بإرساله من ضمان البائع وجها واحدا ، لأنا قد نقول : المرتد قد يقتل لردة حالة ، والخطرات تتجدد ، والسبب الذي علق به وجوب الإرسالة دائم لا تجدد فيه . قال : ثم قال الأصحاب : لو تلف الصيد في يد المشتري أو في يد من اشترى منه ، وهكذا كل شيء كيف تناسخت الأيدي فالضمان على المحرم لأنه لمتسبب إلى إثبات هذه الأيدي ، وللسبب في المضمونات حكم المباشرة هذا آخر كلام إمام الحرمين ، ومراده بالضمان المذكور في آخر كلامه ضمان الجزاء والله أعلم . المسألة الثانية : إذا مات للمحرم يملك صيدا فهل يرثه فيه طريقان أحدهما : وبه قطع المصنف وسائر العراقيين وجهان ، أصحهما : يرثه ، والثاني : لا ، ودليلهما في الكتاب ، والطريق الثاني : وبه قطع القفال والشيخ أبو محمد الجويني ، وأبو بكر الصيدلاني ، وآخرون من أئمة أصحابنا الخراسانيين : يرثه وجها واحدا لأنه ملك قهري . قال القاضي أبو الطيب في تعليقه ، وإنما يتصور القول بتوريثه على قولنا إن الإحرام لا يزيل الملك عن الصيد فأما إذا قلنا بالقول الآخر : إنه يزيله فلا يدخل في ملكه بالإرث ، هذا كلام القاضي وذكر إمام الحرمين عكسه فقال : قال العراقيون إذا قلنا : الإحرام يقطع دوام الملك ففي الإرث وجهان أحدهما : لا يفيد الملك لأنه مشبه باستمرار الملك على الدوام ، فإذا كان الإحرام ينافي دوام الملك فكذلك ينافي الملك المتجدد المشبه بالدوام . والثاني : يحصل الملك بالإرث ويزيله ، فإنا نضطر إلى الجري على قياس التوريث فلنجر ذلك الحكم ثم نحكم بعده بالزوال . هذا كلام إمام الحرمين ، وهو مخالف لما ذكره القاضي أبو الطيب ولم يتعرض جمهور الأصحاب لما قاله وهذا النقل الذي أضافه الإمام إلى العراقيين غريب في كتبهم . وأما المتولي فقال : إن قلنا : يزول ملكه في الصيد لم يرثه وإلا فيرثه .
قال الرافعي : فإن قلنا : يرث قال إمام الحرمين والغزالي مكله عقب ثبوته بناء على إن الملك يزول عن الصيد بالإحرام ، قال : وفي التهذيب وغيره خلافه ، لأنهم قالوا : إذا ورثه لزمه إرساله ، فإن باعه صح بيعه ، ولا يسقط عنه ضمان الجزاء حتى لو مات في يد المشتري وجب الجزاء على البائع ، وإنما يسقط عنه إذا أرسله المشتري ، هذا كلام الرافعي ، وهذا الذي أضافه إلى التهذيب وغيره هو الصحيح المشهور الذي قطع به المحاملي وآخرون . قال المحاملي في المجموع : إذا قلنا : إنه يملكه بالإرث كان ملكا له يملك التصرف فيه كيف شاء إلا القتل والإتلاف والله أعلم . وأما إذا قلنا لا يرث ففي حكمه وجهان أحدهما : وبه قطع المتولي يكون ملك الصيد لباقي الورثة ، ويكون إحرامه بالنسبة إلى الصيد مانعا من موانع الإرث ، والوجه الثاني : وهو الصحيح بل الصواب المشهور الذي قطع به الجمهور أنه يكون باقيا على ملك المشتري الميت حتى يتحلل المحرم من إحرامه فإن تحلل دخل في ملكه . وممن صرح بهذا الشيخ أبو حامد في تعليقه والدارمي وأبو علي البندنيجي في كتابه الجامع والمحاملي في كتابيه المجموع و التجريد ، والقاضي أبو الطيب في المجرد ، وصاحب الحاوي والقاضي حسين في تعليقه وأبو القاسم الكرخي شيخ المصنف وصاحب العدة والبيان وغيرهم . قال الدارمي : فإن مات الوارث قبل تحلله قام وارثه مقامه والله أعلم . المسألة الثالثة : إذا كان في ملكه صيد فأحرم ففي زوال ملكه عنه قولان مشهوران ، ذكرهما المصنف بدليلهما نص الشافعي عليهما في الأم ، ومنهم من يقول : إنما نص في الإملاء على أنه لا يزول : ممن حكى هذا الشيخ أبو حامد والماوردي والأصح : من القولين أنه يزول ممن صححه القاضي أبو الطيب في تعليقه وفي المجرد والعبدري والرافعي وغيرهم ، وخالفهم الجرجاني فقال في كتابه التحرير : الأصح لا يزول ملكه ، والمشهور تصحيح زوال ملكه قال الرافعي : هل يلزمه إرساله فيه قولان الأظهر : يلزمه إرساله ، وقيل : لا يلزمه إرساله قولا واحدا ، بل يستحب . قال أصحابنا : فإن لم نوجب الإرسال فهو باق على ملكه له بيعه وهبته ، لكن لا يجوز له قتله ، فإن قتله لزمه الجزاء كما لو قتل عبده يلزمه الكفارة ، ولو أرسله غيره أو قتله لزمه قيمته للمالك ولا شيء على المالك . وإن أوجبنا إرساله فهل يزول ملكه عنه فيه قولان ، أصحهما : يزول ، فعلى هذا لو أرسله غيره أو قتله فلا شيء عليه ، ولو أرسله المحرم فأخذه غيره ملكه لأنه صار مباحا كما كان قبل اصطياده أولا . ولو لم يرسله حتى تحلل فهل يلزمه إرساله فيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : يلزمه وهو المنصوص واتفقوا على تصحيحه والثاني : لا يلزمه ، وهو قول أبي إسحاق المروزي وحكى إمام الحرمين على هذا القول وجهين في أنه يزول ملكه بنفس الإحرام أم الإحرام يوجب عليه الإرسال فإذا أرسل زال حينئذ والأول : منهما أصح وهو مقتضى كلام جمهور الأصحاب وصرح به جماعة منهم . وإن قلنا : لا يزول ملكه فليس لغيره أخذه ، فلو أخذه لم يملكه ، ولو قتله ضمنه .
وعلى القولين لو مات في يده بعد إمكان الإرسال لزمه الجزاء لأنهما فرعان على وجوب الإرسال ، وهو مقصر بالإمساك ، ولو مات الصيد قبل إمكان الإرسال وجب الجزاء على أصح الوجهين ، ولا يجب في الثاني ، وبه قطع الشيخ أبو حامد في تعليقه والبندنيجي وصاحب البيان ، وممن صحح الأول إمام الحرمين والرافعي ، وإذا لم يرسله حتى حل من إحرامه وقلنا بالصحيح : المنصوص أنه يلزمه الإرسال بعد التحلل فقتله فوجهان ، حكاهما الشيخ أبو حامد والأصحاب أحدهما : لا ضمان لأنه قتله وهو حلال وأصحهما : وجوب الجزاء لأنه ضمنه باليد في الإحرام فلا يزول الضمان إلا بالإرسال ، اتفق الأصحاب على أنه لا يجب تقديم الإرسال على الإحرام وممن نقل الاتفاق عليه إمام الحرمين ، والله أعلم . فرع : قال الأصحاب : متى أمر بإرسال الصيد فأرسله زال عنه الضمان ، وصار الصيد مباحا ، فمن أخذه من الناس بعد ذلك وهو حلال ملكه ، وكذا لو أخذه المحرم بعد تحلله ملكه ، كغيره من الناس ، وكغيره من الصيود . فرع : لو اشترى صيدا فوجده وقد أحرم البائع ، فإن قلنا للمحرم : أن يملك الصيد بالإرث رده عليه وإلا فوجهان مشهوران ، ذكرهما ابن الصباغ والمتولي وصاحب البيان وآخرون أحدهما : لا يرد ، لأن المحرم لا يدخل الصيد في ملكه ، والثاني : يرد ، لأن منع الرد إضرار بالمشتري ، قال المتولي : فإن قلنا : لا يرد فحكمه حكم من اشترى شيئا فرهنه ، ثم علم به عيبا وهو مرهون . وقال صاحب البيان : إذا قلنا : لا رد فماذا يصنع فيه وجهان ، قال القاضي أبو الطيب : يرد عليه البائع الثمن ، ويوقف الصيد حتى يتحلل فيرده عليه ، لأن المتعذر هو رد الصيد دون رد الثمن ، وقال ابن الصباغ يكون المشتري بالخيار بين أن يوقف حتى يتحلل البائع ، ويرد عليه بين أن يرجع بالأرش لتعذر الرد في الحال ، لأنه لو ملك المشتري لزال ملكه عن الصيد إلى البائع ولوجب رده عليه لئلا يجتمع العوضان للمشتري ، قلت : هذا الذي حكاه عن القاضي أبي الطيب إنما هو احتمال ذكره في تعليقه ، ولم يجزم به ، والصحيح ما ذكره ابن الصباغ ، والله أعلم . فرع : لو اشترى الحلال صيدا ثم أفلس بالثمن والبائع محرم فهل له الرجوع في الصيد فيه طريقان أصحهما : وبه قطع الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والبندنيجي والماوردي والمحاملي وابن الصباغ وسائر العراقيين والقاضي حسين وغيره من الخراسانيين : ليس له ذلك ، وبهذا قطع المصنف في كتاب التفليس ، ونقله المحاملي هنا في المجموع عن أصحابنا مطلقا ونقل القاضي أبو الطيب في تعليقه وصاحب العدة اتفاق الأصحاب عليه ، والطريق الثاني : فيه وجهان حكاه المتولي وآخرون كالرد بالعيب ، ووجه الجواز رفع الضرر عن البائع ، والمذهب الأول ، لأن هنا يملك الصيد بالاختيار ، فلم يجزىء مع الإحرام كالمشتري بخلاف الإرث فإنه مجزىء ، وبخلاف الرد بالعيب على وجه ، فإنه بغير اختياره فإذا قلنا : لا يرجع ، قال الماوردي وغيره : له الرجوع بعد التحلل من إحرامه . فرع : لو استعار المحرم صيدا صار مضمونا عليه بالجزاء لله تعالى ، والقيمة للمعير ، وليس له التعرض له ، فإن تلف في يده لزمه الجزاء والقيمة ، فإن أرسله عصى ولزمه القيمة للمالك وسقط عنه الجزاء ، وإن رده إلى المالك برىء من حق المالك ولا يسقط عنه الجزاء ما لم يرسله المالك . هكذا ذكر هذا الفرع أصحابنا في الطريقتين ، واتفقوا على تحريم إعارة الصيد للمحرم وقد ذكر المصنف تحريم الإعارة في أول كتاب العارية .
وأما إذا أودع الصيد عند المحرم فوجهان أصحهما وبه قطع القاضي حسين والبغوي والرافعي هنا أنه يكون مضمونا عليه بالجزاء كما لو استعاره ، لأنه ممنوع من وضع اليد عليه فصار كما لو استودع مالا مغصوبا . فعلى هذا إن تلف في يده لزمه الجزاء ولا تلزمه القيمة للمالك إلا أن يفرط ، لأن الوديعة لا تضمن إلا بالتفريط ، وقال القاضي حسين في تعليقه : يضمنه ، وهذا ضعيف ، وإن أرسله عصى لزمه القيمة للمالك ، وإن رده إليه لم يسقط عنه الجزاء ما لم يرسله المالك . والثاني : لا جزاء عليه وإن تلف في يده ، وبه قطع الشيخ أبو حامد ، وحكاه عنه صاحب البيان في أول كتاب العارية ، لأنه لم يمسكه لنفسه . وهذه العلة تنتقض بالمغصوب إذا أودع عنده والله أعلم . قال الماوردي هنا : فأما إذا استعار الحلال صيدا من محرم فتلف في يد المستعير ، فإن قلنا : يزول ملك المحرم عن الصيد بالإحرام وجب الجزاء على المحرم المعير ، لأنه كان مضمونا عليه باليد ولا شيء على المستعير ، لا جزاء ولا قيمة أما الجزاء فلأنه حلال . وأما القيمة فلأن المعير لا يملكه ، وإن قلنا : لا يزول ملك المحرم فلا جزاء على المحرم ، لأنه على هذا القول لا يضمنه إلا بالجناية . وتجب القيمة على المستعير للمالك لأنها عارية مملوكة ، فوجب ضمانها بالتلف والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : حيث صار الصيد مضمونا على المحرم بالجزاء فإن تلف في يده لزمه الجزاء ، فإن قتله حلال في يده فالجزاء على المحرم ، وإن قتله محرم آخر فوجهان حكاهما الشيخ أبو حامد والماوردي والبغوي وآخرون أحدهما : الجزاء عليهما نصفين ، كما لو اشتركا في قتل صيد ، أصحهما : يجب على القاتل ، ويكون الذي كان في يده طريقا في الضمان . فرع : قال إمام الحرمين : لو كان بين رجلين صيد مملوك لهما فأحرم أحدهما ، وقلنا : يلزم المحرم إرسال الصيد الذي كان في ملكه قبل الإحرام ، فالإرسال هنا غير ممكن ، فأقصى ما يمكن أن يرفع يد نفسه عنه ، قال : ولم يوجب الأصحاب عليه السعي في تحصيل الملك في نصيب شريكه ليطلقه ، ولكن ترددوا في أنه لو تلف هل يلزمه ضمان حصته من جهة أنه لم يتأت منه إطلاقه على ما ينبغي والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن كان الصيد غير مأكول نظرت ، فإن كان متولدا بين ما يؤكل وبين ما لا يؤكل كالسمع المتولد بين الذئب والضيع ، والحمار المتولد بين حمار الوحش وحمار الأهل فحكمه ما يؤكل في تحريم صيده ووجوب الجزاء ، لأنه اجتمع فيه جهة التحليل والتحريم ، فغلب التحريم كما غلبت جهة التحريم في أكله وإن كان حيوانا لا يؤكل ، ولا هو متولد مما يؤكل ، فالحلال والحرام فيه واحد ، لقوله تعالى : وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما فحرم من الصيد ما يحرم بالإحرام ، وهذا لا يكون إلا فيما يؤكل ، وهل يكره قتله أو لا يكره ينظر فيه ، فإن كان مما يضر ولا ينفع كالذئب والأسد والحية والعقرب والفأرة والحدأة والغراب والكلب العقور والبق والبرغوث والقمل والقرقش والزنبور فالمستحب أن يقتله ، لأنه يدفع ضرره عن نفسه وعن غيره ، وإن كان مما ينتفع به ويستضر به كالفهد والبازي فلا يستحب قتله لما فيه من المنفعة ، ولا يكره لما فيه من المضرة ، وإن كان مما لا يضر ولا ينفع كالخنافس والجعلان وبنات وردان فإن يكره قتله ولا يحرم . الشرح السمع بكسر السين والضبع اسن للأنثى . وأما الذكر فيقال له ضبعان بكسر الضاد وإسكان الباء والفأرة مهموزة ، ويجوز تخفيفها بترك الهمزة ، والحدأة بكسر الحاء وبعد الدال همزة وجمعها حدأ كعنبة وعنب ، والبرغوث بضم الباء والقرقش بقافين مكسورتين قال الجوهري : هو البعوض الصغار ، قال : ويقال : الجرجس بمعجمتين مكسورتين وقيل : إنه نوع من البق وأما البازي ففيه ثلاث لغات تخفيف الياء وتشديدها والثالثة باز بغير ياء ، أفصحهن البازي بالياء المخففة ، ولغة التشديد غريبة ، وممن حكاها ابن مكي وأنكرها الأكثرون ، وقد أوضحت ذلك مع ما يتعلق به من جمع الكلمة . وتصريفها في تهذيب اللغات . أما الأحكام : فنمهد قبلها بحديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : خمس من الدواب كلهن فاسق ، يقتلن في الحرم ، الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية لهما : فيقتلن في الحل والحرام وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح ، الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية لمسلم : في الحرم والإحرام وفي رواية لمسلم : خمس من قتلهن وهو محرم فلا جناح عليه وفي رواية عن زيد بن جبير قال : سأل رجل ابن عمر ما يقتل الرجل من الدواب وهو محرم قال : حدثني إحدى نسوة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر بقتل الكلب العقور والفأر والعقرب والغراب والحية قال : وفي الصلاة أيضا ، والله أعلم . وعن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عما يقتل المحرم قال : الحية والعقرب والفويسقة ، ويرمي الغراب ولا يقتله ، والكلب والعقور ، والحدأة والسبع العادي ، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم ، وهو من رواية يزيد بن أبي زياد ، وهو ضعيف جدا وقد قال الترمذي : إنه حديث حسن فإن صح حمل قوله : ويرمى الغراب ولا يقتله على أنه لا يتأكد ندب قتله كتأكده في الحية والفأرة والكلب العقور ، والله أعلم .
وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الوزغ فويسق ولم أسمعه أمر بقتله رواه البخاري ومسلم ، وعن أم شريك رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الأوزاغ رواه البخاري ومسلم ، وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الوزغ وسماه فويسقا رواه مسلم وعن طارق بن شهاب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر المحرم بقتل الزنبور رواه الشافعي والبيهقي بإسناد صحيح . وعن ربيعة بن عبد الرحمن بن الجبير أنه رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقدر بعيرا له في طين بالسقيا وهو محرم رواه مالك في الموطأ والشافعي والبيهقي بإسناد صحيح ، والله أعلم . قال أصحابنا : ما ليس مأكولا من الدواب والطيور ضربان أحدهما : ما ليس في أصله مأكولا والثاني : ما أحد أصلية مأكولا ، فالأول لا يحرم التعرض له بالإحرام ، فيجوز للمحرم قتله ولا جزاء عليه ، وكذلك يجوز قتله للحلال ، والمحرم في الحرم ولا جزاء عليه ، للأحاديث السابقة قال أصحابنا : وهذا الضرب ثلاثة أقسام أحدها : ما يستحب قتله للمحرم وغيره وهي المؤذيات كالحية والفأرة والعقرب والخنزير والكلب العقور والغراب والحدأة والذئب والأسد والنمر والدب والنسر والعقاب والبرغوث والبق والزنبور والقراد واللكة والقرقش وأشباهها . القسم الثاني : ما فيه نفع ومضرة ، كالفهد والعقاب والبازي والصقر ونحوها ، فلا يستحب قتلها ولا يكره لما ذكره المصنف قال ، قال القاضي : نفع هذا الضرب أنه يعلم للأصطياد ، وضرره أنه يعدو على الناس والبهائم . الثالث : ما لا يظهر فيه نفع ولا ضر كالخنافس والدود والجعلان والسرطان والبغاثة والرخمة والعضاء واللحكاء والذباب وأشباهها ، فيكره قتلها ولا يحرم ، هكذا قطع به المصنف والجمهور . وحكى إمام الحرمين وجها شاذا أنه يحرم قتل الطيور دون الحشرات ، ودليل الكراهة أنه عبث بلا حاجة ، وقد ثبت في صحيح مسلم عن شداد بن أوس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإن قتلتم فأحسنوا إلى آخره . وليس من الإحسان قتلها عبثا ، وروى البيهقي عن قطبة بن مالك الصحابي رضي الله عنه قال : كان يكره أن يقتل الرجل ما لا يضره قال أصحابنا : ولا يجوز قتل النحل والنمل والخطاف والضفدع ، وفي وجوب الجزاء بقتل الهدهد والصرد خلاف مبني على الخلاف في جواز أكلهما إن جاز وجب وإلا فلا . واستدل البيهقي وغيره في المسألة بحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم : نهى عن قتل أربع من الدواب النملة والنحلة والهدهد والصرد رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم ، وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن نملة قرصت نبيا من الأنبياء وصلوات الله وسلامه عليهم فأمر بقرية النمل فأحرقت ، فأوحى الله تعالى إليه أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح رواه البخاري ومسلم والله أعلم . وأما الكلب الذي ليس بعقور ، فإن كان فيه منفعة مباحة فقتله حرام بلا خلاف ، وإن لم يكن فيه منفعة مباحة فالأصح أنه يحرم قتله ، وقيل : يكره والأمر بقتل الكلاب منسوخ ، وقد سبقت المسألة مستوفاة في باب إزالة النجاسة وسنعيدها واضحة إن شاء الله تعالى حيث ذكر المصنف مادتها في باب ما يجزز بيعه وما لا يجوز . أما القمل فقتله مستحب في غير الإحرام بلا شك ، لأنه في معنى المنصوص عليه في الأحاديث السابقة .
وأما في حال الإحرام فإن ظهر على ثياب المحرم أو بدنه فلا يكره له تنحيته ولا يحرم عليه قتله ، فإن قتله فلا شيء فيه لأنه ليس مأكولا ، قال الشافعي والأصحاب : ويكره أن يفلي رأسه ولحيته فإن فعل وأخرج منها قملة وقتلها قال الشافعي : تصدق ولو بلقمة ، قال جمهور الأصحاب : هذا التصدق مستحب . وحكى القاضي حسين في تعليقه وإمام الحرمين وآخرون وجها شاذا ضعيفا أنه واجب لما فيه من إزالة الأذى عن الرأس . قال القاضي حسين : ولو جعل الزيت في رأسه فمات القمل والصئبان ففي وجوب الجزاء هذان الوجهان . هذا إذا جعله في شعر رأسه أو لحيته بعد الإحرام ، قال الشافعي والأصحاب : قالوا جميعا : فإن جعله قبل الإحرام فلا فدية قطعا لا واجبة ولا مستحبة قال الشافعي : وللصئبان حكم القمل وهو بيض القمل ، لكن فديته أقل من فدية القمل لكونه أصغر منه ، قال أصحابنا : وحقيقة الفدية ليست للقمل بل للترفه بإزالة الأذى عن الرأس فأشبه حلق شعر الرأس . الضرب الثاني : ما في أصله مأكول كالمتولد بين ذئب وضبع ، أو حمار وحش وإنس ، فيحرم التعرض له ويجب الجزاء لما ذكره المصنف ، ويلحق بهذا الضرب ما تولد من صيد وحيوان أهلي كمتولد بين ضبع وشاة ودجاجة ويعفور ونحو ذلك ، فيحرم على المحرم التعرض له ويضمنه بالجزاء لما ذكرناه في المتولد بين مأكول وغيره ، وهذا كله لا خلاف فيه ، والله أعلم . فرع : قال الشافعي : فإن أتلف حيوانا وشك هل هو مأكول أم لا أو شك هل خالطه وحشي مأكول أم لا لم يجب الجزاء لأن الأصل براءته ، ولكن يستحب احتياطا ، واتفق الأصحاب على هذا وكذلك البيض كالحيوان عند الشك ، والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وما حرم على المحرم من الصيد حرم عليه بيضه ، وإذا كسره وجب عليه الجزاء وقال المزني رحمه الله : لا جزاء عليه لأنه لا روح فيه . والدليل عليه ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : في بيض النعامة يصيبه المحرم ثمنه ولأنه خارج من الصيد يخلق منه مثله فضمن بالجزاء كالفرخ فإن كسر بيضا لم يحل له أكله ، وهل يحل لغيره فيه قولان كالصيد . وقال شيخنا القاضي أبو الطيب رحمه الله : في تحريمه على غيره نظر لأنه لا روح فيه فلا يحتاج إلى ذكاة ، وإن كسر بيضا مذرا لم يضمنه من غير النعامة ، لأنه لا قيمة له ، ويضمنه من النعامة لأن لقشر بيض النعامة قيمة . + الشرح : أما حديث أبي هريرة فرواه ابن ماجه والدارقطني والبيهقي من رواية أبي المهزم يزيد بن أبي سفيان عن أبي هريرة ، وأبو المهزم هذا ضعيف باتفاق المحدثين ، وبالغوا في تضعيفه حتى قال شعبة : ولو أعطوه فلسا لحدثهم سبعين حديثا . وذكر البيهقي في الباب أحاديث كثيرة وآثارا ، وقوله : لأنه خارج من الصيد ، احتراز من بيض الدجاج ، وقوله : يخلق منه مثله احتراز من البيض المذر . أما الأحكام : فقال الشافعي والأصحاب : كل صيد حرم على المحرم حرم عليه بيضه ، وإذا كسره لزمه قيمته ، هذا مذهبنا وبه قال العلماء كافة إلا المزني و داود فقالا : هو حلال ولا جزاء فيه ، واتفق أصحابنا على أن البيض المذر لا يحرم ، ولا جزاء في إتلافه إلا أن يكون بيض نعامة ، فعليه قيمته لأن قشرها ينتفع به متقوم ، هذا هو المذهب ، وبه قطع المصنف والأصحاب في جميع الطرق إلا إمام الحرمين فإنه قال : لو كسر بيضة للنعامة مذرة فلا شيء عليه قال : وإن قدرت فيمته فهي للقشر وليس هو مضمونا كما لا يضمن الريش المنفصل من الطائر هذا كلامه وهو شاذ ضعيف أو غلط والله أعلم . قال أصحابنا : ولو نفر صيدا عن بيضته التي حضنها ففسدت لزمه قيمتها ، لأنها تلفت بسببه ، ولو أخذ بيض دجاجة فأحضنه صيدا فلم يقعد الصيد على بيض نفسه ففسد ، أو قعد على بيضه وبيض الدجاجة ففسد بيضه ، وجب عليه ضمانه ، لأنه الظاهر أن فساده بسبب ضم بيض الدجاجة إليه وامتناعه من القعود عليه بسببه . ولو أخذ بيض صيد وأحضنه دجاجة فهو في ضمانه حتى يخرج الفرخ ويسعى ويستقل ، فإن خرج ومات قبل الامتناع لزمه مثله من النعم إلا فقيمته . وإن تلف البيض تحت الدجاجة لزمه قيمته ، ولو كسر بيضة صيد فيها فرخ له روح فطار وسلم فلا شيء عليه ، وإن مات فعليه مثله من النعم ، ولو نزا ديك على يعفورة أو يعفور على دجاجة فباضت ، فالبيض حرام على المحرم كما سبق في المتولد من الدجاجة واليعفور إذا صار فرخا ، فإن أتلفه لزمه قيمته . قال أصحابنا : وبيض الجراد حرام مضمون بالجزاء لأنه صيد . وأما بيض السمك فمباح للمحرم كالسمك ولا جزاء فيهما . قال الماوردي : ولو رأى المحرم على فراشه بيض السمك فأزاله عنه فقصد ، فقد علق الشافعي القول فيه قال : فخرجه أصحابنا على قولين أحدهما : عليه ضمانه ، لأنه فسد بفعله . والثاني : لا ضمان عليه ، والله أعلم . فرع : إذا كسر المحرم بيض صيد أو قلاه حرم عليه أكله بلا خلاف . وفي تحريمه على الحلال طريقان أحدهما : فيه قولان كلحم الصيد . والطريق الثاني : لا يحرم على الحلال قولا واحدا ، وهذا الطريق أصح .
وقد سبق بيان الطريقين والقائلين بهما ، وبيان الترجيح وما يتفرع عليهما ، وبيض صيد الحرم ولبنه وبيض الجراد أوضحناه قريبا في مسألة لحم صيد ذبحه المحرم ، والله أعلم . فرع : إذا حلب المحرم لبن صيد ضمنه . هذا هو المذهب وبه قطع أبو العلاء البندنيجي في كتابه الجامع وصاحب الشامل وصاحب البيان والجمهور وقال الروياني . ولا يضمنه . وقال أبو حنيفة إن نقص الصيد بذلك ضمنه وإلا فلا ، ودليل المذهب القياس على البيض والريش ، هكذا استدلال صاحب الشامل وغيره . فرع : يجب في شعر الصيد القيمة بلا خلاف ، صرح به القاضي حسين والأصحاب ، قال القاضي : والفرق بينه وبين أوراق أشجار الحرم فإنه لا يضمن أن جز الشعر يضر الحيوان وبقاءه ينفعه بخلاف الورق . فرع : إذا رمى الحصاة السابعة ثم رمى صيدا قبل وقوع الحصاة في الجمرة ، قال الدارمي : قال ابن المرزبان : يلزمه الجزاء ، لأنه رماه قبل التحلل ، فإنه لا يحصل التحلل إلا بوقوع الحصاة في الجمرة ، قال الدارمي : وعندي أنه لا فائدة في هذه المسألة ، لأن موضع بيضه وبيض الدجاجة ففسد بيضه ، وجب عليه ضمانه ، لأنه الظاهر أن فساده بسبب ضم بيض الدجاجة إليه وامتناعه من القعود عليه بسببه . ولو أخذ بيض صيد وأحضنه دجاجة فهو في ضمانه حتى يخرج الفرخ ويسعى ويستقل ، فإن خرج ومات قبل الامتناع لزمه مثله من النعم إلا فقيمته . وإن تلف البيض تحت الدجاجة لزمه قيمته ، ولو كسر بيضة صيد فيها فرخ له روح فطار وسلم فلا شيء عليه ، وإن مات فعليه مثله من النعم ، ولو نزا ديك على يعفورة أو يعفور على دجاجة فباضت ، فالبيض حرام على المحرم كما سبق في المتولد من الدجاجة واليعفور إذا صار فرخا ، فإن أتلفه لزمه قيمته . قال أصحابنا : وبيض الجراد حرام مضمون بالجزاء لأنه صيد . وأما بيض السمك فمباح للمحرم كالسمك ولا جزاء فيهما . قال الماوردي : ولو رأى المحرم على فراشه بيض السمك فأزاله عنه فقصد ، فقد علق الشافعي القول فيه قال : فخرجه أصحابنا على قولين أحدهما : عليه ضمانه ، لأنه فسد بفعله . والثاني : لا ضمان عليه ، والله أعلم . فرع : إذا كسر المحرم بيض صيد أو قلاه حرم عليه أكله بلا خلاف . وفي تحريمه على الحلال طريقان أحدهما : فيه قولان كلحم الصيد . والطريق الثاني : لا يحرم على الحلال قولا واحدا ، وهذا الطريق أصح . وقد سبق بيان الطريقين والقائلين بهما ، وبيان الترجيح وما يتفرع عليهما ، وبيض صيد الحرم ولبنه وبيض الجراد أوضحناه قريبا في مسألة لحم صيد ذبحه المحرم ، والله أعلم . فرع : إذا حلب المحرم لبن صيد ضمنه . هذا هو المذهب وبه قطع أبو العلاء البندنيجي في كتابه الجامع وصاحب الشامل وصاحب البيان والجمهور وقال الروياني . ولا يضمنه . وقال أبو حنيفة إن نقص الصيد بذلك ضمنه وإلا فلا ، ودليل المذهب القياس على البيض والريش ، هكذا استدلال صاحب الشامل وغيره . فرع : يجب في شعر الصيد القيمة بلا خلاف ، صرح به القاضي حسين والأصحاب ، قال القاضي : والفرق بينه وبين أوراق أشجار الحرم فإنه لا يضمن أن جز الشعر يضر الحيوان وبقاءه ينفعه بخلاف الورق .