Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

قسم V08/P238–V08/P239

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن أحرمت المرأة بغير إذن الزوج فإن كان في تطوع جاز له أن يحللها لأن حق الزوج واجب فلا يجوز إبطاله عليه بتطوع ، وإن كان في حجة الإسلام ففيه قولان أحدهما : إن له أن يحللها لأن حقه على الفور والحج على التراخي ، فقدم حقه والثاني : أنه لا يملك لأنه فرض فلا يملك تحليلها منه كالصوم والصلاة . + الشرح : قوله ( لأنه فرض فلا يملك تحليلها منه ) ينتقض بصوم الكفارة والنذر في الذمة والقضاء الذي لم ينتقض ، فإن له منعها من كل ذلك في الأصح وكان ينبغي أن يقول : فرض بأصل الشرع والله أعلم . أما الأحكام : فقال أصحابنا : ينبغي للمرأة أن لا تحرم بغير إذن زوجها ، ويستحب له أن يحج بها ، واحتجوا فيه بحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال لا يخلون رجل بإمرأة ، ولا تسافر امرأة إلا مع محرم ، فقام رجل فقال : يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة وإني كتبت في غزوة كذا . قال : فانطلق فاحجج مع امرأتك رواه البخاري ومسلم . فإن أرادت حج إسلام أو تطوع فأذن الزوج وأحرمت به لزمه تمكينها من إتمامه بلا خلاف ، سواء كان فرضا أو نفلا كما سبق فيما لو أذن لعبده في الإحرام فأحرم وكما لا يجوز له تحليلها لا يجوز لها التحلل ، فإن تحللت لم يصح تحللها ولم تخرج من الحج ، كما لو نوى غيرها الخروج من الحج بلا إحصار فإنه لا يخرج منه بلا خلاف وإن أرادت حج الإسلام فمنعها الزوج فهل له المنع فيه قولان مشهوران ، وعجب كيف أهملهما المصنف قال القاضي أبو الطيب في تعليقه : المنصوص في باب الحج المرأة والعبد من المناسك الكبير أن للزوج منعها ، ونص الشافعي في باب خروج النساء إلى المساجد من اختلاف الحديث على أنه ليس له منعها . وقال البندنيجي : نص الشافعي في عامة كتبه أن له منعها ، واتفقوا على أن الصحيح من هذين القولين أن له منعها ، وبه قطع الشيخ أبو حامد والمحاملي وآخرون ، قال القاضي أبو الطيب في كتابه المجرد والروياتي وغيرهما : هذا القول هو الصحيح المشهور ، واحتجوا له بحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ليس لها أن تنطلق إلى الحج إلا بإذن زوجها رواه الدارقطني والبيهقي . ولأن حق الزوج على الفور والحج على التراخي ، فقدم ما كان على الفور ، كما تقدم العدة على الحج بلا خلاف . والقول الثاني : ليس له منعها لعموم قوله صلى الله عليه وسلم : لا تمنعوا إماء الله مساجد الله رواه البخاري ومسلم من رواية ابن عمر ، وقياسا على الصوم والصلاة . وأجاب الأولون عن الحديث بأنه محمول على أنه تنزيه أو على غير المتزوجات ، لأن غير المتزوجات لم يتعلق بهن حق على الفور ، وذلك كالبنت والأخت ونحوهما ، وأن المراد لا تمنعوهن مساجد الله للصلوات ، وهذا هو ظاهر سياق الحديث ، والله أعلم . قال أصحابنا : والفرق بين الحج والصوم والصلاة أن مدته طويلة بخلافهما ، والله تعالى أعلم . فإن أحرمت بحج الإسلام بغير إذنه قال أصحابنا : إن قلنا : ليس له منعها من الإبتداء فليس له تحليلها وإن قلنا : له منعها فهل له تحليلها فيه قولان مشهوران وهما اللذان ذكرهما المصنف هنا وفي التنبيه ، قال القاضي أبو الطيب والروياني وغيرهما : نص عليهما الشافعي في باب حج المرأة والعبد ، قال أصحابنا أصحهما : أنه له تحليلها ، وهو نصه في مختصر المزني ومما صرح بتصحيحه الجرجاني في التحرير والغزالي في الخلاصة والروياني في الحلية وأبو علي الفارقي في فوائد المهذب والرافعي في كتابيه وغيرهم .

قسم V08/P239–V08/P240

وشذ عنهم المحاملي في المقنع ، فجزم بأنه ليس له تحليلها لأنه يضيق بالشروع والمذهب : أن له تحليلها ، كما صححه الجمهور ، لأن حق الزوج سابق والله أعلم . قال الدارمي والجرجاني في التحرير : وحجة النذر كالإسلام ، فإذا أحرمت بها بغير إذنه فله تحليلها في أصح القولين ، وينبغي أن يكون القضاء كذلك والله أعلم . أما إذا أحرمت بحجة تطوع فله منعها منه بلا خلاف ، فإن أحرمت به فهل له تحليلها منه فيه طريقان مشهوران حكاهما القاضي أبو حامد المروذي والشيخ أبو حامد الإسفرايني والدارمي والقاضي أبو الطيب في كتابيه المجموع و التجريد والماوردي والقاضي أبو علي البندنيجي والقاضي حسين والفوراني وإمام الحرمين والغزالي وابن الصباغ والمتولي والبغوي وصاحب العدة والروياني والشاشي وخلائق آخرون أصحهما : باتفاقهم له تحليلها والثاني : لا ، لأنها لما أحرمت بها صارت كحجة الإسلام ، لأن حجة التطوع تلزم بالشروع والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : حيث أبحنا له تحليلها لا يجوز لها أن تتحلل حتى يأمرها ، فإذا أمرها تحللت كما يتحلل المحصر سواء ، فتذبح الهدي وتنوي عنده الخروج من الحج ، وتقصر رأسها أو ثلاث شعرات إذا قلنا الحلق نسك ، فإن كانت واحدة للهدي فلا بد مما ذكرناه ، وإن كانت عادمة له فهي كالحر المحصر ، إذا عدم الهدي ، وقد سبق إيضاحه ، واتفق أصحابنا على أن تحللها لا يحصل إلا مما يحصل به تحلل المحصر ، وأنها لو تطيبت أو جومعت أو قتلت صيدا أو فعلت غير ذلك من محظورات الإحرام أو فعل الزوج ذلك بها لا تصير متحللة بل يلزمه والفدية فيما ارتكبته ، والله أعلم . قال أصحابنا : ومتى أمرها بالتحلل حيث جوزناه له لزمها المبادرة به وإن امتنعت منه مع تمكنها جاز للزوج وطؤها وسائر هي الإثم . وحكى إمام الحرمين هذا عن الصيدلاني ثم قال الإمام : وهذا فيه نظر ، لأن المحرمة حرام لحق الله تعالى ، كما أن المرتدة حرام لحق الله تعالى ، فيحتمل تحريمها على الزوج والسيد . هذا كلام الإمام والمذهب والقطع بالجواز كما قاله الصيدلاني وغيره ، وبه جزم الغزالي وغيره ، والله أعلم . فرع : ليس للأمة المزوجة الإحرام إلا بإذن السيد والزوج جميعا بلا خلاف لأن لكل واحد منهما حقا ، فإن أذن أحدهما فللآخر المنع بلا خلاف ، فإن أحرمت بغير إذنهما ، قال الدارمي : إن اتفقا على تحليلها فلهما ذلك ، وإن اتفقا على بقائها وذهابها في الحج جاز ، وإن أراد السيد تحليلها فله ذلك ، وإن أراده الزوج ، قال ابن القطان : نص الشافعي أنه له ذلك ، قال ابن القطان : فيحتمل هذا ويحتمل أن يقال : لا يحللها ، لأن للسيد المسافرة بها ، نقله الدارمي . ونقل الروياني عن القفال أن المذهب أن للزوج تحليلها ، كما هو للسيد ، وأن من الأصحاب من قال بالنسبة إلى الزوج كالزوجة الحرة إذا أحرمت بتطوع ، هل له تحليلها فيه طريقان ، والمذهب الأول .

قسم V08/P240–V08/P242

فرع : قال الدارمي : إذا أحرمت في العدة فإن كانت رجعية فلم يراجعها ، فليس له تحليلها ، وله منعها من الخروج ، فإن قضت العدة ولم يراجعها مضت في الحج ، فإن أدركته فذلك ، وإن فاتها فلها حكم الفوات وإن راجعها فهل له تحليلها فيه القولان السابقان ، وإن كانت مطلقة بائنا فليس له تحليلها بلا خلاف ، وله منعها ، فإن أدركت الحج بعد انقضاء العدة وإلا فهي كذات الفوات ، ولو أحرمت ثم طلقها فوجبت العدة أقامت على إحرامها ، ولم يجز لها التحلل ، فإن انقضت عدتها فأدركت الحج فذاك ، وإن فاتها قال ابن المرزبان : إن كانت هي سبب وجوب العدة بخيار ونحوه فهي المفوتة وإن طرأت بغير اختيارها ففي القضاء وجهان بناء على القولين في المحصر إذا سلك طريقا ففاته ، هذا كلام الدارمي . وكذا قال الروياني والرافعي وغيرهما إن المعتدة الرجعية إذا أحرمت فللزوج منعها من الذهاب في الحج ، وليس له تحليلها ولكن له رجعتها ، فإذا رجع هل له تحليلها فيه القولان ، وجزم الرافعي بأنه يحللها بعد المراجعة ، وهو تفريع على الأصح وإلا فالقولان لا بد منهما كما ذكره الدارمي والروياني وغيرهما . ونقل الروياني فيما إذا حرمت بحج تطوع ثم طلقت ثم اعتدت ففاتها قولين أحدهما : يجب القضاء كالخطأ في العدد والثاني : لا ، لعدم تقصيرها ، وهذا موافق لما ذكره ابن المرزبان والله أعلم . وقال الماوردي : إذا أحرمت ثم وجبت العدة بوفاة زوج أو طلاقه لزمها المضي في الإحرام وأعمال النسك ، ولا تكون العدة مانعة لأن الإحرام سابق ، قال : فإن منعها حاكم من إتمام الحج بسبب العدة صارت كالمحصر ، فتتحلل وعليها دم الإحصار . فرع : لو أذن لزوجته في الإحرام ثم رجع عن الإذن أو اختلفا فادعت الإذن وأنكره ، ففيه التفصيل الذي قدمته في أول كتاب الحج في مثل ذلك بين العبد والسيد ، كذا قاله الدارمي والله أعلم . فرع : إذا أرادت الحج ، قال الماوردي والمحاملي وغيرهما من الأصحاب : إن كان الحج فرضا جاز لها الخروج مع زوج أو محرم أو نسوة ثقات ، ويجوز مع امرأة ثقة قال الماوردي ومن الأصحاب من قال : إذا كان الطريق أمنا لا يخاف خلوة الرجال بها جاز خروجها بغير محرم ، وبغير امرأة ثقة ، قال : هذا خلاف نص الشافعي قالوا : فإن كان الحج تطوعا لم يجز أن تخرج إلا مع محرم ، وكذا السفر المباح كسفر الزيارة والتجارة لا يجوز خروجها في شيء من ذلك إلا مع محرم أو زوج . قال الماوردي : ومن أصحابنا من جوز خروجها مع نساء ثقات ، كسفرها للحج الواجب ، قال : وهذا خلاف نص الشافعي . وكذا قال الشيخ أبو حامد في تعليقه لا يجوز لها الخروج في حج التطوع إلا مع محرم ، نص عليه الشافعي في كتاب العدد من الأم ، فقال : لا يجوز الخروج في حج التطوع إلا مع محرم . قال أبو حامد : ومن أصحابنا من قال : لها الخروج بغير محرم في أي سفر كان واجبا كان أو غيره ، وهكذا ذكر المسألة البندنيجي وآخرون وحاصله أنه يجوز للخروج للحج الواجب مع زوج أو محرم أو امرأة ثقة ، ولا يجوز من غير هؤلاء ، وإن كان الطريق أمنا ، وفيه وجه ضعيف أنه يجوز إن كان أمنا . وأما حج التطوع وسفر الزيارة والتجارة وكل سفر ليس بواجب فلا يجوز على المذهب الصحيح المنصوص إلا مع زوج أو محرم ، وقيل : يجوز مع نسوة أو امرأة ثقة كالحج الواجب ، وقد سبقت هذه المسألة مختصرة في أول كتاب الحج في ذكر استطاعة المرأة والله أعلم . فرع : قد ذكرنا تفصيل مذهبنا في حج المرأة .

قسم V08/P242–V08/P243

وذكرنا أن الصحيح أنه يجوز لها في سفر حج الفرض أن تخرج مع نسوة ثقات . أو امرأة ثقة ، ولا يشترط المحرم ولا يجوز في التطوع وسفر التجارة والزيارة ونحوهما إلا بمحرم . وقال بعض أصحابنا : يجوز بغير نساء ولا امرأة إذا كان الطريق أمنا . وبهذا قال الحسن البصري وداود ، وقال مالك : لا يجوز بامرأة ثقة : وإنما يجوز بمحرم أو نسوة ثقات . وقال أبو حنيفة وأحمد : لا يجوز إلا مع زوج أو محرم ، قال الشيخ أبو حامد : والمسافة التي يشترط أبو حنيفة فيها المحرم ثلاثة أيام فإن كان أقل لم يشترط . واحتج لهم بحديث ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تسافر امرأة ثلاثا إلا معها ذو محرم رواه البخاري ومسلم . وفي رواية لمسلم لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة ثلاث ليال إلا ومعها ذو محرم . وعن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسافر امرأة إلا مع محرم . فقال : يا رسول الله إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا وامرأتي تريد الحج قال : اخرج معها رواه البخاري ومسلم . وعن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تسافر المرأة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم رواه البخاري ومسلم . وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة رواه البخاري ومسلم . وفي رواية لمسلم مسيرة يوم وفي رواية له ليلة وفي رواية صحيحة في سنن أبي داود مسيرة بريد وقياسا على حج التطوع وسفر التجارة والزيارة ونحوهما . واحتج أصحابنا بحديث عدي بن حاتم قال بينما أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتى رجل فشكا إليه الفاقة ، ثم أتاه آخر فشكا قطع السبيل ، فقال : يا عدي هل رأيت الحيرة قلت : لم أرها وقد أنبئت عنها ، قال : فإن طال بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة ، لا تخاف إلا الله ، قال عدي : فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله رواه البخاري ، وسبق ذكره في استطاعة المرأة فإن قيل : لا يلزم من حديث عدي جواز سفرها بغير محرم ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن هذا سيقع ووقع ولا يلزم من ذلك جوازه ، كما أخبر صلى الله عليه وسلم بأنه سيكون دجالون كذابون ، ولا يلزم من ذلك جوازه . قال أصحابنا : فجوابه أن هذا لحديث خرج في سياق ذم الحوادث . وأما : حديث عدي فخرج في سياق المدح والفضيلة واستعلاء الإسلام ورفع مناره ، فلا يمكن حمله على ما لا يجوز . قال الشيخ أبو حامد فإن قيل : هذا الخبر متروك الظاهر بالإجماع لأن فيه أنها تخرج بغير جوار ولا خلاف أنها لا تخرج بغير جوار ، ولو امرأة واحدة فالجواب : أن بعض أصحابنا جوز خروجها وحدها بغير امرأة كما سبق ، وعلى مذهب الشافعي ومنصوصه يشترط المرأة ولا يلزم من ذلك ترك الظاهر لأن حقيقته أن لا يكون معها جوار أصلا والجوار الملاصق والقريب ونحن لا نشترط في المرأة التي تخرج معها كونها ملازمة لها ، فإن مشت قدام القافلة أو بعدها بعيدة عن المرأة جاز ، فحصل من هذا أنا نقول بظاهر الحديث ، هذا كلام أبي حامد . قال أصحابنا : ولأنه سفر واجب فلم يشترط فيه المحرم كالهجرة . قال أصحابنا : وقياسا على ما إذا كانت المسافة مرحلتين ، فإن الحنفية وافقونا على أنه لا يشترط المحرم فإن قالوا : إنما جاز في المرحلتين لأنه ليس بسفر قلنا : هذا مخالف للأحاديث الصحيحة السابقة .

قسم V08/P243–V08/P244

وأما : الجواب عن الأحاديث التي احتجوا بها فمن أوجه أحدها : جواب الشيخ أبي حامد وآخرين أنها عامة فنخصها بما ذكرناه والثاني : أنه محمول على سفر التجارة والزيارة وحج التطوع وسائر الأسفار غير سفر الحج الواجب الثالث : ذكره القاضي أبو الطيب أنه محمول على ما إذا لم يكن الطريق أمنا والجواب : عن قياسهم على حج التطوع وسفر التجارة وأنه ليس بواجب بخلاف حج الفرض والله أعلم .

قسم V08/P244–V08/P245

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن أحرم الولد بغير إذن الأبوين فإن كان في حج فرض لم يكن لهما تحليله ، لأنه فرض ، فلم يجز إخراجه منه كالصوم والصلاة ، وإن كان في حج تطوع ففيه قولان أحدهما : يجوز لهما تحليله . لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن أراد أن يجاهد وله أبوان : ( ففيهما فجاهد ) : فمنع الجهاد لحقهما وهو فرض ، فدل على أن المنع من التطوع لحقهما أولى والثاني : لا يجوز ، لأنه قربة لا مخالفة عليه فيها ، فلا يجوز لهما تحليله منها كالصوم . + الشرح : هذا الحديث رواه البخاري ومسلم من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص بلفظه وقوله : لأنه قربة لا مخالفة عليه فيها احتراز من الجهاد . أما الأحكام : فقال أصحابنا : من كان له أبوان أو أحدهما استحب أن لا يحرم إلا بإذنهما أو إذن الحي منهما ، فإن أذنا له في حج فرض أو تطوع فأحرم لم يكن لهما تحليله ولا منعه بلا خلاف ، كما سبق في العبد والزوجة ، وإن منعاه الإحرام أو منعه أحدهما فإن كان في حج تطوع فلهما المنع على المذهب ، وبه قطع الجماهير في الطريقتين ، وحكى الرافعي وجها شاذا أنه ليس لهما منعه منه . وهذا ليس بشيء فإن أحرم بالتطوع فهل لهما تحليله فيه قولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : لهما ، ولكل واحد منهما تحليله . وأشار إليه الشافعي في الإملاء وممن نص على تصحيحه القاضي حسين في تعليقه والجرجاني في التحرير وغيرهما والثاني : ليس لهما تحليله ، نص عليه في الأم وصححه الفارقي والصحيح الأول . أما إذا أراد حج فرض الإسلام أو قضاء نذر ، فليس لهما منعه ، هذا هو المذهب ، وبه قطع الجماهير في الطريقتين . وحكى صاحب العدة والروياني والرافعي فيه وجها شاذا أن لهما منعه من الفرض كالتطوع وليس بشيء ، فإن أحرم به فليس لهما تحليله منه على المذهب ، وبه قطع الجمهور . وحكى القاضي حسين والروياني والرافعي وغيرهم فيه طريقا آخر أنه على قولين كالزوجة وليس بشيء ، والله أعلم . فرع وإذا أحرم بالتطوع وأراد الأبوان تحليله كان لهما ذلك على الأصح كما ذكرنا فلو أراده أحدهما فهو كما لو أراده . هذا هو المذهب ، وبه قطع الجمهور ، وقال الماوردي : إن أراد الأب تحليله فله ذلك على قولنا لهما تحليله . وإن أرادته الأم فلا ، وحكاه الروياني عن الماوردي ثم قال : وهذا مشكل ، وهو كما قال الروياني فالصحيح أن الأم كالأب في هذا ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا ، حيث جوزنا لهما تحليله فهو كتحليل الزوجة فيؤمر الولد بأن يتحلل بما يتحلل به المحصر من النية والذبح والحلق ، وقد سبق بيانه واضحا . فرع : تحليل الولد من العمرة ومنعه منها كالحج في كل ما ذكرناه باتفاق الأصحاب . فرع : إذا أراد الولد السفر لطلب العلم فقد جزم المصنف في أول كتاب السير بأنه يجوز بغير إذن الأبوين ، قال : وكذلك سفر التجارة لأن الغالب فيها السلامة . وبسط البغوي المسألة هنا فقال : إن أراد الولد الخروج لطلب العلم بغير إذن الأبوين نظر إن كان هناك من يتعلم منه لم يجز ولهما منعه ، وإن لم يكن نظر ، فإن أراد تعلم ما هو فرض عين لم يكن لهما منعه . وفي فرض الكفاية وجهان أصحهما : لا يجوز لهما منعه لأنه فرض عليه ما لم يبلغ واحد هناك درجة الفتوى ، حتى لو كبر المفتي وشاخ جاز لشاب أن يخرج لطلب العلم إن لم يمكنه التعلم من الشيخ .

قسم V08/P245–V08/P246

قال : ولو خرج واحد للتعلم هل لآخر أن يخرج بغير إذن الأبوين فيه وجهان أحدهما : لا ، لأنه قام به غيره كالجهاد والثاني : نعم ، لأن قصد إقامة الدين لا خوف فيه ، هذا كلام البغوي . فرع : قال أصحابنا : من عليه دين حال وهو موسر ، يجوز لمستحق الدين منعه من الخروج إلى الحج وحبسه ، ما لم يؤد الدين ، فإن كان أحرم فليس له التحلل كما سبق ، بل عليه قضاء الدين والمضي في الحج . وإن كان معسرا فلا مطالبة ولا منع ، وإن كان مؤجلا فلا منع ولا مطالبة ، لكن يستحب أن لا يخرج حتى يوكل من يقضي الدين عند حلوله . فرع : حيث جوزنا تحليل الزوجة والولد فتحللا ، فلهما حكم المتحلل بحصر خاص ، فإن كان حج تطوع لم يجب قضاؤه على أصح القولين ، وإن كان فرضا ففيه التفصيل السابق في حكم الحاج المحصر . فرع : قال إمام الحرمين وغيره : قول الأصحاب للسيد تحليل العبد ، وللزوج تحليل الزوجة وللوالد تحليل الولد . هذا كله مجاز ، ولا يصح التحليل من هؤلاء المذكورين ، بل معناه أنهم يأمرون العبد والزوجة والولد بالتحلل ، فيتحلل المأمور بالنية مع الذبح والحلق على تفصيله السابق ، وهذا واضح لا شك فيه والله أعلم .

قسم V08/P246–V08/P247

قال المصنف رحمه الله تعالى : إذا أحرم وشرط التحلل لفرض صحيح مثل أن يشترط أنه إذا مرض تحلل ، أو إذا ضاعت نفقته تحلل . ففيه طريقان أحدهما : أنه على قولين أحدهما : لا يثبت الشرط ، لأنه عبادة لا يجوز الخروج منها بغير عذر ، فلم يجز الخروج منها بالشرط كالصلاة المفروضة والثاني : أنه يثبت الشرط ، لما روى ابن عباس أن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب قالت : يا رسول الله إني امرأة ثقيلة . وإني أريد الحج ، فكيف تأمرني أن أهل قال أهلي واشترطي أن محلي حيث حبستني فدل على جواز الشرط ومنهم : من قال : يصح الشرط قولا واحدا لأنه علق أحد القولين على صحة حديث ضباعة ( وقد صح حديث ضباعة ) فعلى هذا إذا شرط أنه إذا مرض تحلل لم يتحلل إلا بالهدى . وإن شرط أنه إذا مرض صار حلالا فمرض ، صار حلالا . ومن أصحابنا من قال : لا يتحلل إلا بالهدى ، لأن مطلق كلام الآدمي يحمل على ما تقرر في الشرع ، والذي تقرر في الشرع أنه لا يتحلل إلا بالهدى ، فأما شرط أنه يخرج منه إذا شاء أو يجامع فيه إذا شاء ، فلا يجوز له ، لأنه خروج من غير عذر ، فلم يصح شرطه . + الشرح : حديث ضباعة رواه البخاري ومسلم وتقدمت طرقه ، وبيان ما يتعلق به مع بيان الأحاديث والآثار الواردة في المسألة مع بيان الفصل جميعا وبسطناها واضحة في فصل إحصار الغريم والمريض ، ويحصل مما قررناه هناك ، أن قول المصنف لم يتحلل إلا بالهدي اختيار منه للضعيف من القولين الأصح : أنه لا دم ، هذا إذا أطلق أنه يتحلل ، أما إذا قال : أتحلل بالهدي لزمه بلا خلاف وإن قال : أتحلل بلا هدي ، فلا يلزمه بلا خلاف كما سبق إيضاحه هناك . وقوله : لأنه عبادة لا يجوز الخروج منها بغير عذر احتراز من صلاة التطوع وصومه وقوله : كالصلاة المفروضة تصريح منه بما هو مذهب الشافعي وجميع أصحابه أنه لا يجوز لمن دخل في صلاة مفروضة مؤداة في أول وقتها أو مقتضيه أو صوم واجب بقضاء أو نذر أو كفارة الخروج بلا عذر ، وإن كان الوقت واسعا وقد سبقت المسألة واضحة في باب التيمم ، وفي آخر باب مواقيت الصلاة وآخر كتاب الصيام . والله أعلم . قال المصنف رحمه الله تعالى : إذا أحرم ثم ارتد ففيه وجهان أحدهما : يبطل إحرامه ، لأنه إذا بطل الإسلام الذي هو أصل فلأن يبطل الإحرام الذي هو فرع أولى والثاني : لا يبطل كما لا يبطل بالجنون والموت ، فعلى هذا إذا رجع إلى الإسلام بنى عليه . + الشرح : قوله : ( فلأن يبطل الإحرام ) وهو فرع ينتقض بالوضوء فإنه فرع ولا يبطل بالردة على المذهب كما سبق بيانه في باب ما ينقض الوضوء ، وهذان الوجهان اللذان ذكرهما المصنف أصحهما : عند الأكثرين يبطل . وفي المسألة وجهان آخران ، وقد سبق ذكر الأوجه الأربعة مع فروعها في باب ما يجب بمحظورات الإحرام في مسائل إفساد الحج بالجماع والله أعلم . فصل : في مسائل من مذاهب العلماء في الإحصار

قسم V08/P247–V08/P249

. منها : المحرم بالحج له التحلل إذا أحصره عدو بالإجماع ، ويلزمه دم وهو شاة ، هذا مذهبنا ، ومذهب أبي حنيفة وأحمد والجمهور . وعن مالك لا دم عليه دليلنا قوله تعالى : فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي وتقرير الآية الكريمة فإن أحصرتم فلكم التحلل ، وعليكم ما استيسر من الهدي . فرع : إذا أحرم بالعمرة فأحصر فله التحلل عندنا وعند الجمهور ، ومنعه مالك لأنها تفوت ، دليلنا قوله تعالى : فإن أحصرتم ونزلت عام الحديبية حين كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحرموا بالعمرة ، فتحللوا وذبحوا الهدايا ، وحديث هذه القصة في الصحيح مشهورة . فرع : يجوز عندنا التحلل بالإحصار قبل الوقوف وبعده ، سواء أحصر عن الكعبة فقط أو عن عرفات فقط أو عنهما . وقال أبو حنيفة : لا يتحلل بالإحصار بعد الوقوف ، فإن أحصر بعد الوقوف عن الكعبة وعرفات تحلل ، وإن أحصر عن أحدهما لم يجز له التحلل ، دليلنا قوله تعالى : فإن أحصرتم الآية ولم يفرق . فرع : ذبح هدي الإحصار حيث أحصر ، سواء كان في الحرم أو غيره وقال أبو حنيفة : لا يجوز ذبحه إلا في الحرم ، قال : ويجوز قبل النحر . وقال أبو يوسف ومحمد لا يجوز قبل يوم النحر ، دليلنا الأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر هديه هو وأصحابه بالحديبية وهي خارج الحرم . فرع : إذا تحلل بالإحصار ، فإن كان حجه فرضا بقي كما كان قبل هذه السنة ، وهذا مجمع عليه ، وإن كان تطوعا لم يجب قضاؤه عندنا ، وبه قال مالك وأحمد وداود ، وقال أبو حنيفة ومجاهد والشعبي وعكرمة والنخعي : يلزمه قضاء التطوع أيضا . فرع : قد ذكرنا أن مذهبنا أنه لا يجوز التحلل بالمرض وغيره سواء العذر من غير شرط ، وبه قال ابن عمر وابن عباس ومالك وأحمد وإسحاق . وقال عطاء والنخعي والثوري وأبو حنيفة وأبو ثور وداود : يجوز التحلل بالمرض وكل عذر حدث ، وسبق دليل المسألة . فرع : يجوز للمكي التحلل إذا أحصر عن عرفات ، هذا مذهبنا ، وبه قال أبو ثور وابن المنذر . وقال محمد بن الحسن وغيره . . . . فرع : ذكرنا أن الأصح عندنا أنه له منع زوجته من حجة الإسلام . قال مالك وأبو حنيفة وداود : ليس له ذلك . وأما اشتراط المحرم مع المرأة في السفر فقد سبق قريبا بيانه ، ومذاهب العلماء فيه ، والله أعلم . & باب الهدي &

قسم V08/P249–V08/P250

قال المصنف رحمه الله تعالى : يستحب لمن قصد مكة حاجا أو معتمرا أن يهدي إليها من بهيمة الأنعام وينحره ويفرقه ، لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى مائة بدنة ويستحب أن يكون ما يهديه سمينا حسنا لقوله تعالى : ومن يعظم شعائر الله قال ابن عباس في تفسيرها : الاستسمان والاستحسان والاستعظام ، فإن نذر وجب عليه لأنه قربة فلزمت بالنذر . + الشرح : حديث أهدى النبي صلى الله عليه وسلم مائة بدنة صحيح رواه البخاري ومسلم والتصريح بالمائة في رواية البخاري وشعائر الله معالم دينه ، واحدتها شعيرة ، وأصل الشعائر والأشعار ، والشعار الأعلام . وقوله قربة بإسكان الراء وضمها لغتان مشهورتان ، قرىء بهما في السبع الأكثرون بالإسكان وورش بالضم . والهدي بإسكان الدال مع تخفيف الياء ، وبكسر الدال مع تشديد الياء لغتان مشهورتان حكاهما الأزهري وغيره . قال الأزهري : الأصل التشديد والواحد هدية وهدية ، ويقال فيه أهديت الهدي . قال العلماء : والهدي ما يهدى إلى الحرم من حيوان وغيره ، والمراد هنا ما يجزىء في الأضحية من الإبل والبقر والغنم خاصة ، لهذا قيده المصنف بقوله أن يهدى إليها من بهيمة الأنعام فخصه ببهيمة الأنعام لكونه يطلق على كل ما يهدى والأنعام هي الإبل والبقر والغنم ، والله أعلم . أما الأحكام : فاتفقوا على أنه يستحب لمن قصد مكة بحج أو عمرة أن يهدي هديا من الأنعام وينحره هناك ، ويفرقه على المساكين الموجودين في الحرم . ويستحب أن يكون ما يهديه سمينا حسنا كاملا نفيسا ، لما ذكره المصنف ، ولا يجب الهدي إلا بالنذر ، والله أعلم . فرع : يستحب أن يكون الهدي معه من بلده ، فإن لم يفعل فشراؤه من الطريق أفضل من شرائه من مكة ، ثم من مكة ، ثم عرفات ، فإن لم يسقه أصلا بل اشتراه من منى جاز وحصل أصل الهدي . هذا مذهبنا وبه قال ابن عباس وأبو حنيفة وأبو ثور والجمهور . وقال ابن عمر وسعيد بن جبير : لا هدى إلا ما أحضر عرفات .

قسم V08/P250–V08/P251

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن كان من الإبل والبقر فالمستحب أن يشعرها في صفحة سنامها الأيمن ويقلدها نعلين ، لما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر في ذي الحليفة ثم أتى ببدنة فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن ، ثم سلت الدم عنها ثم قلدها نعلين ولأنه ربما اختلط بغيره ، فإذا أشعر وقلد تميز ، وربما ند فيعرف بالإشعار والتقلد فيرد . وإن كان غنما قلده ، لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى مرة غنما مقلدة ، وتقلد الغنم خرب القرب لأن الغنم يثقل عليها حمل النعال ولا يشعرها ، لأن الإشعار لا يظهر في الغنم لكثرة شعرها وصوفها . + الشرح : حديث ابن عباس رضي الله عنهما رواه مسلم بلفظه ، وحديث عائشة رواه مسلم بلفظه والبخاري بمعناه . وقوله يشعرها بضم الياء ، وأصل الإشعار الإعلام . وقوله صفحة سنامها الأيمن كان ينبغي أن يقول اليمنى ، لأن الصفحة مؤنثة ، وهذا وصف لها ، ولكن قد ثبت في صحيح مسلم في حديث ابن عباس هذا صفحة سنامها الأيمن فيتعين تأويله ، وهو أن يكون المراد بالصفحة الجانب . وخرب القرب بضم الخاء المعجمة وفتح الراء ، وهي عراها واحدتها خربة كركبة وركب . وقوله ند هو بفتح النون وتشديد الدال أي هرب . أما الأحكام : فاتفق الشافعي والأصحاب على أنه يسن لمن أهدى شيئا من الإبل والبقر أن يشعره ويقلده ، فيجمع بين الإشعار والتقليد ، وأنه إذا أهدى غنما قلدها ولا يشعرها . قال أصحابنا : ويستحب كون الإشعار والتقليد في الجميع والهدى مستقبل القبلة ، وصح ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما ، وهذا كله لا خلاف فيه وأما قول المصنف في التنبيه : ويقلد البقر والغنم ولا يشعرها ، فجعل البقر كالغنم فغلط للذهول لا أنه تعمده ، وأنه وجه في المذهب وقد نبهت عليه في التحرير في صحيح التنبيه والله أعلم . ولا فرق فيما ذكرناه بين هدى التطوع والمنذور قال المصنف والأصحاب : المراد بالإشعار هنا أن يضرب صفحة سنامها اليمنى بحديدة ، وهي باردة مستقبلة القبلة فيدميها ثم يلطخها بالدم ، لما ذكره المصنف ، قالوا تقليد الإبل والبقر يكون بنعلين من هذه النعال التي تلبس في الرجلين في الإحرام ، ويستحب أن يكون له قيمة ويتصدق بها بعد ذبح الهدى ، وتقليد الغنم بخرب القرب ، وهي عراها وآذانها ، والخيوط المفتولة ونحوها ، قالوا : ولا يقلدها النعل ولا يشعرها لما ذكره المصنف ، ولو ترك التقليد والإشعار فلا شيء عليه لكن فاته الفضيلة . ويجوز في الإبل والبقر تقديم الإشعار على التقليد وعكسه . وفي الأفضل وجهان أحدهما : وهو نص الشافعي تقديم التقليد أفضل والثاني : تقديم الإشعار أفضل . حكاه صاحب الحاوي عن أصحابنا كلهم ولم يذكر فيه خلافا ، وصح هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم وصح الأول عن ابن عمر من فعله . رواه مالك في الموطأ والبيهقي . فرع : قد ذكرنا أنه يستحب كون الشعار في صفحة السنام اليمنى . نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب . فلو أهدى بعيرين مقرونين في حبل قال أبو علي البندنيجي في كتابه الجامع ، والروياني في البحر : يشعر أحدهما في الصفحة اليمنى والآخر في اليسرى ليشاهد . والله أعلم . فرع : قال الماوردي : قال الشافعي : فإن لم يكن للبقرة والبدنة سنام أشعر موضع سنامها . فرع : قد ذكرنا أن مذهبنا استحباب الإشعار والتقليد في الإبل والبقر ، وبه قال جماهير العلماء من السلف والخلف ، وهو مذهب مالك وأحمد وأبي يوسف ومحمد وداود . قال الخطابي : قال جميع العلماء : الإشعار سنة .

قسم V08/P251–V08/P253

ولم ينكره أحد غير أبي حنيفة ، وقال أبو حنيفة : الإشعار بدعة ، ونقل العبدري عنه أنه قال : هو حرام لأنه تعذيب للحيوان ومثلة ، وقد نهى الشرع عنهما . واحتج أصحابنا بحديث عائشة رضي الله عنها قالت فتلت قلائد بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي ثم أشعرها وقلدها ، ثم بعث بها إلى البيت وأقام بالمدينة فما حرم عليه شيء كان له حلالا رواه البخاري ومسلم . وعن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا : خرج النبي صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية من المدينة مع عشرة مائة من أصحابه حتى إذا كان بذي الحليفة قلد النبي صلى الله عليه وسلم الهدي وأشعره وأحرم بعمرة رواه البخاري . وعن ابن عباس قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن ، وسلت الدم وقلدها نعلين ، ثم ركب راحلته فلما استوت به على البيداء أهل بالحج رواه مسلم ورواه أبو داود بإسناد صحيح وقال : ثم سلت الدم بيديه وفي رواية بأصبعيه . وعن نافع أن ابن عمر كان إذا أهدى هديا من المدينة قلده وأشعره بذي الحليفة ، يقلده قبل أن يشعره ، وذلك في مكان واحد وهو موجه للقبلة يقلده نعلين ويشعره من الشق الأيسر ثم يساق معه حتى يوقف به مع الناس بعرفة ، ثم يدفع به معهم إذا دفعوا فإذا قدم في غداة نحره رواه مالك في الموطأ عن نافع فهو صحيح بالإجماع . وعن مالك عن نافع أن ابن عمر كان يشعر بدنه من الشق الأيسر إلا أن يكون صعابا مقرنة ، فإذا لم يستطع أن يدخل منها أشعر من الشق الأيمن ، وإذا أراد أن يشعرها وجهها إلى القبلة ، وإذا أشعرها قال : باسم الله والله أكبر وأنه كان يشعرها بيده وينحرها بيده قياما وروى مالك والبيهقي وغيرهما بالإسناد الصحيح عن ابن عمر أنه قال الهدي ما قلد وأشعر ووقف به بعرفة وروى البيهقي بإسناده الصحيح عن عائشة لا هدي لا ما قلد ووقف به بعرفة وبإسناده الصحيح عنها قالت إنما تشعر البدنة ليعلم أنها بدنة وأما الجواب عن احتجاجهم بالنهي عن المثلة وعن تعذيب الحيوان فهو أن ذلك عام وأحاديث الإشعار خاصة فقدمت . وأجاب الشيخ أبو حامد بجواب آخر ، وهو أن النهي عن المثلة كان عام غزوة أحد سنة ثلاث من الهجرة والإشعار كان عام الحديبية سنة ست ، وعام حجة والوداع سنة عشر فكان ناسخا ، والمختار هو الجواب الأول ، لأن النسخ لا يصار إليه مع إمكان الجمع والتأويل ، ولأن النهي عن المثلة باق . والله أعلم . فرع : قد ذكرنا أن مذهبنا استحباب الإشعار في صفحة السنام اليمنى ، وبه قال أحمد وداود . وقال ابن عمر ومالك وأبو يوسف : يشعرها في الصفحة اليسرى دليلنا حديث ابن عباس السابق في الفرع قبله . فرع : ذكرنا أن مذهبنا إشعار البقر مطلقا ، فإن كان لها سنام أشعرت فيه وإلا ففي موضعه ، وقال مالك : إن كان لها سنام أشعرت فيه ، وإلا فلا إشعار . فرع : مذهبنا تقليد الغنم للأحاديث السابقة . وقال أبو حنيفة ومالك : لا يستحب . فرع : يستحب فتل قلائد الهدى لحديث عائشة قالت فتلت قلائد بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي ثم أشعرها وقلدها ثم بعث بها إلى البيت وأقام بالمدينة فما حرم عليه شيء كان له حلالا رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية كنت أفتل القلائد للنبي صلى الله عليه وسلم فيقلد الغنم ، ويقيم في أهله حلالا رواه البخاري ومسلم .

قسم V08/P253–V08/P255

فرع : إذا قلد الهدى وأشعره لم يصر هديا واجبا على المذهب الصحيح المشهور الجديد بل يبقى سنة ، كما قبل التقليد والإشعار ، وفيه قول شاذ أنه يصير واجبا كما لو نذره باللفظ ، وسيأتي إيضاح المسألة حيث ذكرها المصنف في أول كتاب النذر . فرع : إذا قلد هديه وأشعره لا يصير محرما بذلك ، وإنما يصير محرما بنية الإحرام ، وهذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة . ونقل الشيخ أبو حامد عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم أنهما قالا : يصير محرما بمجرد تقليد الهدى . وهذا النقل الذي ذكره أبو حامد وتابعه عليه الأصحاب فيه تساهل ، وإنما مذهب ابن عباس أنه إذا قلد هديه حرم عليه ما يحرم على المحرم حتى ينحر هديه ، وكذا مذهب ابن عمر إن صح عنه في هذه المسألة شيء ، ودليل ما ذكرته حديث عمرة بنت عبد الرحمن أن زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة أن عبد الله بن عباس قال : من أهدى هديا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر هديه ، قالت عمرة : قالت عائشة : ليس كما قال ابن عباس ، أنا فتلت قلائد هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي ثم قلدها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ، ثم بعث بها مع أبي فلم يحرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء أحله الله له حتى نحر الهدى رواه البخاري ومسلم . وفي رواية مسلم أن ابن زياد كتب إلى عائشة وفي رواية لمسلم أنا فتلت تلك القلائد من عهن كان عندنا فأصبح فينا رسول الله حلالا يأتي ما يأتي الحلال من أهله أو يأتي ما يأتي الرجل من أهله وفي رواية لمسلم عن عروة وعمرة أن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهدي من المدينة فأفتل قلائد هديه ثم لا شيء مما يتجنب المحرم وعن الأسود عن عائشة مثله ، والله أعلم . فرع : السنة أن يقلد هديه ويشعره عند إحرامه ، سواء أحرم من الميقات أو قبله للأحاديث السابقة ، والله أعلم . فرع : يستحب لمن لم يرد الذهاب إلى الحج أن يبعث هديا للأحاديث الصحيحة السابقة . ويستحب أن يقلده ويشعره من بلده بخلاف من يخرج بهديه فإنه إنما يشعره ويقلده حين يحرم من الميقات أو غيره كما ذكرنا في الفرع قبله ، ودليل الجميع الأحاديث السابقة ، والله أعلم . فرع : قال الشافعي رضي الله عنه : ويجزىء في الهدي الذكر والأنثى ، لأن المقصود اللحم ، والذكر أجود لحما وأكثر ، ويخالف الزكاة حيث لا يجزىء الذكر ، لأن المقصود تسليم الحيوان في الزكاة حيا لينتفع المساكين بدره ونسله وصوفه وغير ذلك قال الشافعي : والأنثى أحب إلي من الذكر لأنها أزكى لحما والضأن أفضل من المعز ، والفحل أفضل من الخصى . قال أصحابنا لم يرد الفحل الذي يضرب لأن الضراب يهزله ويضعفه ، وإنما أراد الفحل الذي لا يضرب . فرع : ثبت عن علي رضي الله عنه قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنه أتصدق بلحمها وجلودها وأجلتها . وأن لا أعطي الجزار منها وقال : نحن نعطيه من عندنا رواه البخاري ومسلم . وفي رواية للبخاري قال : أهدى النبي صلى الله عليه وسلم مائة بدنة ، فأمرني بلحومها فقسمتها ، ثم أمرني بجلالها فقسمتها ، ثم أمرني بجلودها فقسمتها ، واتفق الشافعي والأصحاب وغيرهم من العلماء على استحباب تجليل الهدى والصدقة بذلك الجل ، ونقل القاضي عياض عن العلماء أن التجليل يكون بعد الإشعار ، لئلا يتلطخ بالدم ، وتكون نفاسة الجلال بحسب حال المهدي ، وكان بعض السلف يجلل بالوشي .

قسم V08/P255

وبعضهم بالحبرة ، وبعضهم باللادن والأرز ، وكان ابن عمر يجلل بالأنماط ، ويستحب أن يشق على الأسمة إن كانت قيمتها قليلة لئلا يسقط ، وليظهر الإشعار وإن كانت نفيسه لم يشق والله أعلم .

قسم V08/P255–V08/P257

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن كان تطوعا فهو باق على ملكه وتصرفه إلى أن ينحر ، وإن كان نذرا زال ملكه عنه وصار للمساكين ، فلا يجوز له بيعه ولا إبداله بغيره ، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أهديت نجيبة وأعطيت بها ثلاثمائة دينار أفابيعها وأبتاع بثمنها بدنا وأنحرها : قال : لا ، ولكن أنحرها إياها فإن كان مما يركب جاز له أن يركبه بالمعروف إذا احتاج ، لقوله تعالى : لكم فيها منافع إلى أجل مسمى الحج : 1 وسئل جابر رضي الله عنه عن ركوب الهدى فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اركبا بالمعروف إذا ألجئت إليها ، فإن نقصت بالركوب ضمن النقصان ، وإن نتجت تبعها الولد وينحره معها سواء حدث بعد النذر أو قبله ، لما روى أن عليا رضي الله عنه رأى رجلا يسوق بدنة ومعها ولدها فقال : لا تشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها ، فإذا كان يوم النحر فاذبحها وولدها ولأنه معنى يزيل الملك فاستتبع الولد كالبيع أو العتق ، فإن لم يمكنه أن يمشي حمله على ظهر الأم لما روى أن ابن عمر كان يحمل ولد البدنة إلى أن يضحى عليها ولا يشرب لبنها إلا مالا يحتاج إليه الولد ، ولقول علي كرم الله وجهه . ولأن اللبن غذاء الولد ، والولد كالأم . فإذا لم يجز أن يمنع الأم علفها لم يجز أن يمنع الولد غذاءه ، وإن فضل عن الولد شيء فله أن يشربه لقوله عز وجل : لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ولقول علي رضي الله عنه . والأولى أن يتصدق به . وإن كان لها صوف نظرت فإن كان في تركه صلاح بأن يكون في الشتاء ، وتحتاج إليه للدفء لم يجزه ، لأنه ينتفع به الحيوان في دفع البرد عنه ، وينتفع به المساكين عند الذبح ، وإن كان الصلاح في جزه أن يكون في وقت الصيف وقد بقي إلى وقت النحر مدة طويلة جزه لأنه يترفه به الهدى ويستمر فتنتفع به المساكين فإن أحصر نحره حيث أحصر كما قلنا في هدى المحصر ، وإن تلف من غير تفريط لم يضمنه لأنه أمانة عنده ، فإذا هلكت من غير تفريط لم تضمن كالوديعة . وإن أصابه عيب ذبحه وأجزأه ، لأن ابن الزبير أتى في هداياه بناقة عوراء فقال إن كان أصابها بعد ما اشتريتموها فأمضوها : وإن كان أصابها قبل أن تشتروها فأبدلوها ولأنه لو هلك حميعه لم يضمنه ، فإذا نقص بعضه لم يضمنه كالوديعة . + الشرح : حديث ابن عمر في قصة نجيبة بنت عمر رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح ، إلا أنه من رواية جهم بن الجارود عن سالم بن عبد الله ابن عمر قال البخاري : لا يعرف له سماع مرسل . ووقع في المهذب نجيبة والذي قاله المحدثون ووقع في رواياتهم نجيبا بغيرها . وأما : حديث جابر فرواه مسلم ولفظه سمعت جابر بن عبد الله يسأل عن ركوب الهدى فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرا وعن أنس رضي الله عنه قال : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل يسوق بدنة فقال : اركبها فقال : إنها بدنة قال : اركبها مرتين أو ثلاثا رواه البخاري ومسلم . وفي الصحيحين : عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله وأما : حديث علي رضي الله عنه فرواه البيهقي .

قسم V08/P257–V08/P258

وأما : الأثر عن ابن عمر في حمل ولد البدنة فصحيح ، رواه مالك في الموطأ بإسناده الصحيح ، وهو مالك عن نافع أن ابن عمر كان يقول إذا أنتجت البدنة فليحمل ولدها حتى ينحر معها فإن لم يجد له محلا فليحمل على أمه حتى ينحر معها . وأما : الأثر عن ابن الزبير فصحيح رواه البيهقي بإسناد صحيح . وأما ألفاظ الفصل : فقوله ( لأنه معنى يزيل الملك فاستتبع الولد ) احتراز من التدبير ، فإن ولد المدبرة من نكاح أو زنا لا يتعها في التدبير على أصح القولين . وقوله ( يحتاج للدفأ ) هكذا هو في نسخ المهذب للدفأ وهو بفتح الدال والفاء وبعدها همزة على وزن الظمأ ، قال الجوهري : الدفء السخونة يقول فيه : دفىء دفا مثل ظمىء ظما . والإسم الدفء بالكسر وهو الشيء الذي يدفئك . والجمع الدفاء ، والله تعالى أعلم . أما الأحكام : ففيها مسائل إحداها : إذا كان الهدى تطوعا فهو باق على ملكه وتصرفه فله ذبحه وأكله وبيعه وسائر التصرفات لأن ملكه ثابت ولم ينذره وإنما وجد منه مجرد نية ذبحه . وهذا لا يزيل الملك كما لو نوى أن يتصدق بماله أو يعتق عبده أو يطلق امرأته أو يقف داره ، وقد سبق قريبا حكاية قول شاذ أنه إذا قلد الهدى صار كالمنذور ، والصواب الأول . أما : إذا نذر هدى هذا الحيوان فإنه يزول ملكه بنفس النذر ، وصار الحيوان للمساكين فلا يجوز للناذر التصرف فيه ببيع ولا هبة ولا وصية ولا رهن ولا غيرها من التصرفات التي تزيل الملك أو تؤول إلى زواله كالوصية والهبة والرهن ولا يجوز أيضا إبداله بمثله ولا بخير منه . هذا هو المشهور وهو الذي تظاهرت عليه نصوص الشافعي ، وقطع به الأصحاب في جميع الطرق . وحكى الرافعي وجها أنه لا يزول ملكه حتى يذبحه ويتصدق باللحم ، كما لو قال : لله على إعتاق هذا العبد ، فإنه لا يزول ملكه عنه إلا باعتاقه ، وهذا الوجه غلط والصواب ما سبق . وفرق الأصحاب بين الهدى والإعتاق بأن الملك ينتقل في الهدى إلى المساكين ، فانتقل بنفس النذر كالوقف . وأما الملك في العبد فلا ينتقل إلى العبد ولا إلى غيره ، بل ينفك عن الملك . قال أصحابنا ولو نذر أضحية معينة فحكمها حكم الهدى فيما ذكرناه ، وفيها الوجه الذي حكاه الرافعي . قال أصحابنا : ولو نذر إعتاق عبد معين لم يجز له بيعه وإبداله ، وإن كان لم يزل الملك فيه بنفس النذر لأنه ثبت بالنذر لهذا العبد حق فلا يجوز إبطاله عليه قال أصحابنا : فإن خالف فباع الهدى أو الأضحية المعينين لزمه استرداده إن كانت عينه باقية ويلزمه رد الثمن ، فإن تلف الهدى عند المشتري أو أتلفه لزمه قيمته أكثر ما كانت من حين القبض إلى حين التلف ، ويشتري الناذر بتلك القيمة مثل التالف جنسا ونوعا وسنا ، فإن لم يجد بالقيمة المثل لغلاء حدث لزمه أن يضم من ماله إليها تمام الثمن ، وهذا معنى قول الأصحاب : يضمن ما باعه بأكثر الأمرين من قيمته ومثله . وإن كانت القيمة أكثر من ثمن المثل لرخص حدث لزمه أن يشتري ، وفيما يفعل بالزيادة خلاف سنذكره مع تمام فروع المسألة في باب الأضحية ، حيث ذكره المصنف إن شاء الله تعالى . ثم إن اشترى المثل بعين القيمة صار المشتري ضحية بنفس الشراء ، وإن اشتراه في الذمة ونوى عند الشراء أنها ضحية فكذلك وإلا فليجعله بعد الشراء ضحية ، والله أعلم . فرع : لا يجوز إجارة الهدى والأضحية المنذورين لأنها بيع للمنافع ، وقد نقل القاضي عياض إجماع المسلمين على هذا .

قسم V08/P258–V08/P260

ويجوز إعارتها لأنها إرفاق كما يجوز الإرتفاق بها ، فلو خالف وأجرها فركبها المستأجر فتلفت ضمن المؤجر قيمتها والمستأجر الأجرة ، وفي قدرها وجهان أصحهما : أجره المثل والثاني : الأكثر من أجرة المثل والمسمى . ثم في مصرفها وجهان أحدهما : الفقراء فقط وأصحهما : مصرف الضحايا ، والله أعلم . المسألة الثانية : يجوز ركوب الهدى والأضحية المنذورين ويجوز إركابها بالعارية كما سبق ، ويجوز الحمل عليهما ولا يجوز إجارتها لذلك ، ويشترط في الركوب والإركاب والحمل أن يكون مطيقا لذلك لا يتضرر به ، ولا يجوز الركوب والحمل عليه إلا لحاجة للحديث السابق وممن صرح به الشيخ أبو حامد والبندنيجي والمتولي وصاحب البيان وآخرون وهو ظاهر نص الشافعي فإنه قال يركب الهدي إذا اضطر إليه قال الماوردي ويجوز بلا ضرورة ما لم يهز لها وأما الشيخ أبو حامد فقال لا يجوز أن يركب الهدي قال الشافعي فإن اضطر إلى ركوبه ركبه ركوبا غير فادح وقال البندنيجي لا يجوز ركوبه إلا لضرورة وقال الروياني قال الشافعي في الأوسط ليس له ركوبه إلا من ضرورة وله حمل المضطر والمعي قال وقال القفال هل يجوز الركوب فيه وجهان أصحهما له الركوب بحيث لا يضر الهدي سواء كان ضرورة أم لا قال الروياني هذا خلاف النص والله أعلم واتفق أصحابنا مع نصوص الشافعي على أنه إذا ركبها حيث أذنا له فنقصت بركوبه ضمن النقصان والله أعلم الثالثة إذا ولد الهدي أو الأضحية المتطوعة بهما فالولد ملك له كالأم فيتصرف فيه بما شاء من بيع وغيره كالأم ولو ولدت التي عينها ابتداء بالنذر هديا أو أضحية تبعها ولدها بلا خلاف وسواء كانت حاملا عن النذر أو حدث الحمل بعده لما ذكره المصنف فإن ماتت الام بقي حكم الولد كما كان ويحب ذبحه في وقت ذبح الأم ولا يرتفع حكم الهدي فيه بموت أمه كما لا يرفع حكم ولد أم الولد بموتها ولو عينها بالنذر عما كان التزمه في ذمته فثلاثة أوجه الصحيح أن حكم ولدها حكمها كولد المعينة بالنذر ابتداء والثاني لا يتبعها بل هو ملك المضحى والمهديل أن ملك الفقراء ليس بمستقر في هذه فإنها لو غابت عادت إلى ملكه والثالث يتبعها ما دامت حية فإن ماتت لم يبق حكم الهدي ولا الأضحية فيه والمذهب الأول قالوا ويجزي هذا الخلاف في ولد الأمة المبيعة إذا ماتت في يد البائع والله أعلم قال المصنف والأصحاب وإذا لم يطق ولد الهدي المشي حمل على أمه أو غيرها حتى يبلغ الحرم لما ذكره المصنف والله أعلم وإذا ذبح الأم والولد في أضحية التطوع ففي تفرقة لحمهما ثلاثة أوجه أحدها لكل واحد حكم أضحية مستقلة فيتصدق من كل واحدة بشيء لأنهما ضحيتان والثاني يكفي التصدق من أحداهما لأنه بعضها والثالث لا بد من التصدق من الأم لأنها الأصل وهذا هو الأصح عند الغزالي وصحح الروياني الأول وهو المختار ويشترك الوجهان الأخيران في جواز أكل جميع الولد أما إذا ذبحها فوجد في بطنها جنينا فقال الرافعي يحتمل أن يكون فيه الخلاف ويحتمل القطع بأنه بعضها هذا كلام الرافعي والمختار أنه يبني على القولين المعروفين أن الحمل له حكم وقسط من الثمن أم لا إن قلنا لا فهو بعض كيدها وإلا فالظاهر طرد الخلاف ويحتمل القطع بأنه بعضها ، هذا كلام الرافعي ، والمختار أنه يبني على القولين المعروفين أن الحمل له حكم وقسط من الثمن أم لا إن قلنا : لا ، فهو بعض كبدها وإلا فالظاهر طرد الخلاف ، ويحتمل القطع بأنه بعض منها والأصح : على الجملة أنه لا يجوز أكل جميعه هنا ، والله أعلم . الرابعة : إذا كان لبن الهدي أو الأضحية المنذورين قدر كفاية الولد لا يجوز حلب شيء منه ، فإن حلب فنقص الولد بسببه لزمه وإن فضل عن ري الولد حلب الفاضل .

قسم V08/P260–V08/P261

ثم قال المصنف والجمهور : له شربه ، لأنه يشق نقله ولأنه يستخلفه بخلاف الولد ، وفيه وجه ضعيف أنه لا يجوز شربه ، بل يجب التصدق به . وممن حكى هذا الوجه القفال وصاحبه الفوراني والروياني وصاحب البيان : وغيرهم . وقال المتولي : إن لم نجوز أكل لحم الهدى لم يجز شرب لبنه ، بل يجب نقله إلى مكة إن أمكن ، أو تجفيفه ونقله جافا ، فإن تعذر تصدق به على الفقراء في موضع الحلب ، وإن جوزنا أكل لحمه جاز شربه ، فهذه ثلاث طرق المذهب : منها القطع بجواز شرب الفاضل عن حاجة الولد ، نص عليه الشافعي في كتابه الأوسط وفي غيره ، قال الشافعي والأصحاب : ولو تصدق لكان أفضل . قال الشافعي والأصحاب : وحيث جاز شربه جاز أن يسقيه لغيره بلا عوض ولا يجوز بيعه بلا خلاف . قال الشافعي والأصحاب : ولو مات الولد كان حكم لبنه حكم الزائد على حاجة الولد كما ذكرنا ، والله أعلم . الخامسة : قال أصحابنا : إن كان في بقاء صوف الهدى المنذور مصلحة لدفع ضرر حر أو برد أو نحوهما ، أو كان وقت ذبحه قريبا ولم يضره بقاؤه لم يجزه جزه وإن كان في جزه مصلحة بأن يكون في وقت الذبح بعد جزه وله الإنتفاع به ، والأفضل أن يتصدق به ، هكذا قاله المصنف والجمهور ، وقال المتولي : يستصحب الصوف إلى الحرم ويتصدق به هناك على المساكين كالولد ، وقطع الدارمي بأن لا يجز الصوف مطلقا والمذهب الأول ، والله أعلم . السادسة : إذا أحصر ومعه الهدي المنذور أو المتطوع به فيحل نحر الهدى هناك ، كما ينحر هدى الإحصار هناك . السابعة : إن تلف الهدي المنذور أو الأضحية المنذورة قبل المحل بتفريط لزمه ضمانه ، وإن تلف بلا تفريط لم يلزمه ضمانه ، وإن تعب ذبحه وأجزأه ، ودليل الجميع في الكتاب ، ولا خلاف في شيء من هذا إلا وجها شاذا حكاه النبدنيجي وصاحب البيان وغيره عن أبي جعفر الاستراباذي من أصحابنا أنه يجب إبدال المعيب ، وهذا فاسد لأنه لم يلتزم في ذمته شيئا وإنما التزم هذا ، فإذا تعيب من غير تفريط لم يلزمه شيء كما لو تلف ، والله أعلم . فرع : ذكرنا أن مذهبنا أنه إذا نذر هديا معينا زال ملكه عنه ولم يجز له بيعه وقال أبو حنيفة : لا يزول ملكه عنه ، بل يجوز له التصرف فيه بالبيع والهبة وغيرهما ، لكن إذا باعه لزمه أن يشتري بثمنه مثله هديا . دليلنا ما سبق . فرع : في مذاهب العلماء في ركوب الهدى المنذور . ذكرنا أن مذهبنا جوازه للمحتاج دون غيره على ظاهر النص ، وبه قال ابن المنذر ، وهو رواية عن مالك . وقال عروة بن الزبير ومالك وأحمد وإسحاق : له ركوبه من غير حاجة بحيث لا يضره ، وبه قال الظاهر . وقال أبو حنيفة : لا يركبه إلا إن لم يجد منه بدا وحكى القاضي عن بعض العلماء أنه أوجب ركوبها لمطلق الأمر ولمخالفة ما كانت الجاهلية عليه من إهمال السائبة والبحيرة والوصيلة والحام . دليلنا على الأولين الأحاديث السابقة ، وعلى الموجبين أنه صلى الله عليه وسلم أهدى الهدايا ولم يركبها . فرع : ذكرنا أن مذهبنا أنه إذا هديا معينا سليما ثم تعيب لا يلزمه إبداله ، وبه قال عبد الله بن الزبير وعطاء والحسن والنخعي والزهري والثوري ومالك وإسحاق وقال أبو حنيفة : يلزمه إبداله ، وبه قال الاستراباذي من أصحابنا كما سبق . فرع : ذكرنا أن المشهور من مذهبنا جواز شرب ما فضل من لبن الهدى عن الولد ، وقال أبو حنيفة : لا يجوز بل ينضح ضرعها بالماء ليخف اللبن . دليلنا ما سبق .

قسم V08/P261–V08/P263

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن عطب وخاف أن يهلك نحره وعمس نعله في دمه وضرب به صفحته لما روى أبو قبيصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث بالهدى ثم يقول : إن عطب منها شيء فخشيت عليه موتا فانحرها أغمس نعلها في دمها ثم أضرب صفحتها ولا تطعمها أنت ولا أحد من رفقتك ولأنه هدى معكوف عن الحرم فوجب نحره مكانه كهدى المحصر ، وهل يجوز أن يفرقه على فقراء الرفقة فيه وجهان أحدهما : لا يجوز لحديث أبي قبيصة ، ولأن فقراء الرفقة يتهمون في سبب عطبها فلم يطعموا منها والثاني : يجوز لأنهم من أهل الصدقة ، فجاز أن يطعموا كسائر الفقراء ، فإن أخر ذبحه حتى مات ضمنه لأنه مفرط في تركه فضمنه كالمودع إذا رأى من يسرق الوديعة فسكت عنه حتى سرقها . وإن أتلفها لزمه الضمان لأنه أتلف مال المساكين فلزمه ضمانه ، ويضمنه بأكثر الأمرين من قيمته أو هدى مثله ، لأنه لزمه الإراقة والتفرقة وقد فوت الجميع فلزمه ضمانهما ، كما لو أتلف شيئين . فإن كانت القيمة مثل ثمن مثله اشترى مثله وأهداه ، وإن كانت أقل لزمه أن يشتري مثله ويهديه ، وإن كانت أكثر من ذلك نظرت فإن كان يمكنه أن يشتري به هديين اشتراهما ، وإن لم يمكنه اشترى هديا ، وفيما يفضل ثلاثة أوجه أحدها : يشتري به جزءا من حيوان ، ويذبح لأن إراقة الدم مستحقة ، فإذا أمكن لم يترك والثاني : أنه يشتري به اللحم لأن اللحم والإراقة مقصودان والإراقة تشق فسقطت ، والتفرقة لا تشق فلم تسقط والثالث : أن يتصدق بالفاضل ، لأنه إذا سقطت الإراقة كان اللحم والقيمة واحدا . وإن أتلفها أجنبي وجبت عليه القيمة ، فإن كانت القيمة مثل ثمن مثلها اشترى بها مثلها ، وإن كانت أكثر ولم تبلغ ثمن مثلين اشترى المثل ، وفي الفاضل الأوجه الثلاثة ، وإن كانت أقل من ثمن المثل ففيه الأوجه الثلاثة ، وإن كان الهدى الذي نذره اشتراه ووجد به عيبا بعد النذر لم يجز له الرد بالعيب ، لأنه قد أيس من الرد لحق الله عز وجل ويرجع بالأرش ويكون الأرش للمساكين لأنه بدل عن الجزء الفائت الذي التزمه بالنذر ، فإن لم يمكنه أن يشتري به هديا ففيه الأوجه الثلاثة . + الشرح : حديث أبي قبيصة رواه مسلم في صحيحه ، واسم أبي قبيصة ذؤيب بن حلحلة الخزاعي والد قبيصة بن ذؤيب الفقيه المشهور التابعي ، ولفظ الحديث في صحيح مسلم عن ابن عباس أن ذؤيبا أبا قبيصة حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث معه بالبدن ثم يقول : إن عطب منها شيء فخشيت عليه موتا فانحرها ثم أغمس نعلها في دمها ثم اضرب به صفحتها ولا تطعمها أنت ولا أحد من أهل رفقتك وعن ناجية الأسلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معه بهدى فقال : إن عطب فانحره ، ثم اصبغ نعله في دمه ، ثم خل بينه وبين الناس رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه . قال الترمذي : حديث حسن صحيح . وأما ألفاظ الفصل : فقوله : خاف أن يهلك هو بكسر اللام وقوله ( غمس نعله ) يعني النعل المعلقة في عنقه ، كما سبق أنه يسن أن يقلدها نعلين . قوله صلى الله عليه وسلم ( ولا تطعما ) هو بفتح التاء والعين ، أي لا تأكلها ، والرفقة بضم الراء وكسرها قوله ( هدى معكوف عن الحرم ) أي محبوس . وقوله ( بأكثر الأمرين من قيمته وهدى ) هكذا وقع في بعض النسخ هنا ، وهدى بالواو ، ووقع بعضها أو ، وهذا هو الذي ينكر في كتب الفقه مثله ، ولكن الصواب هو الأول ، والله أعلم .

قسم V08/P263–V08/P264

أما الأحكام : ففيها مسائل : إحداها : إذا عطب الهدى في الطريق وخاف هلاكه ، قال أصحابنا : إن كان تطوعا فله أن يفعل به ما شاء من بيع وذبح وأكل وإطعام وتركه وغير ذلك لأنه ملكه ، ولا شيء عليه في كل ذلك ، وإن كان منذورا لزمه ذبحه ، فإن تركه حتى هلك لزمه ضمانه ، كما لو فرط في حفظ الوديعة حتى تلفت . وإذا ذبحه غمس النعل التي قلده إياها في دمه وضرب بها صفحة سنامه وتركه موضعه ليعلم من مر به أنه هدى فيأكله . قال أصحابنا : ولا يجوز للهدى ولا لسائق هذا الهدى وقائده الأكل منه بلا خلاف للحديث ، ولا يجوز للأغنياء الأكل منه بلا خلاف ، لأن الهدى مستحق للفقراء فلا حق للأغنياء فيه ، ويجوز للفقراء من غير رفقه صاحب الهدى الأكل منه بالإجماع لحديث ناجية السابق . وهل يجوز للفقراء من رفقة صاحب الهدى الأكل منه فيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : لا يجوز ، وهو المنصوص للشافعي وصححه الأصحاب للحديث . ومن جوزه حمل الحديث على أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أن رفقة ذلك المخاطب لا فقير فيهم . وهذا تأويل ضعيف . وفي المراد بالرفقة وجهان حكاهما الروياني في البحر أحدهما : وهو الذي استحسنه الروياني أن المراد الرفقة الذين يخالطونه في الأكل وغيره دون القافلة وأصحهما : وهو الذي يقتضيه ظاهر الأحاديث ، وظاهر نص الشافعي وكلام الأصحاب أن المراد جميع القافلة ، لأن السبب الذي منعت به الرفقة هو خوف تعطيلهم إياه . وهذا موجود في جميع القافلة فإن قيل : إذا لم يجز لأهل القافلة أكلها وترك في البرية كان طعمة للسباع وهذا إضاعة مال قلنا ليس فيه إضاعة ، بل العادة الغالبة أن سكان البوادي يتبعون منازل الحجيج لالتقاط ساقطة ونحوه ، وقد تأتي قافلة في إثر قافلة والله تعالى أعلم . وإذا ذبح الهدى الواجب وغمس نعله في دمه وضرب به صفحته وتركه فهل يتوقف إباحة أكله على قوله : أبحته لمن يأكل منه فيه قولان أصحهما : لا يتوقف بل يكفي ذبحه وتخليته ، لأن بالنذر زال ملكه وصار للفقراء . أما إذا عطب هدى التطوع فذبحه فقال صاحب الشامل والأصحاب : لا يصير مباحا للفقراء بمجرد ذلك ، ولا يصير مباحا لهم إلا بلفظ بأن يقول أبحته للفقراء أو المساكين أو جعلته لهم أو سبلته لهم ونحو ذلك ، قالوا : ولا خلاف في هذا ، قالوا : فإذا قال هذا اللفظ جاز لمن سمعه الأكل منه بلا خلاف ، وهل يجوز لغيره قولان ، قال في الإملاء : حتى يعلم الإذن ، وقال في الأم و القديم : يحل ، وهو الأصح لأن الظاهر أنه أباحه ، وقياسا على ما إذا رأى ماء في الطريق موضوعا وعليه أمارة الإباحة ، فإن له شربه باتفاقهم ، والله أعلم . فرع : قد ذكرنا أنه إذا عطب الهدى المنذور فلم يذبحه حتى هلك ضمنه ، وإن أكله ضمنه ، قال الروياني : قال أبو علي الطبري في الإفصاح : قال الشافعي : يوصل بدله إلى مساكين الحرم ، قال أبو علي : وعندي القياس أنه يجعله لمساكين موضعه ، قال الروياني : هذا غلط لأنه يمكن إيصال ثمنه إلى مساكين الحرم بخلاف الذبيحة ، وكما يجب إيصال الولد إليهم دون اللبن . المسألة الثانية : إذا أتلف المهدي الهدى لزمه ضمانه بأكثر الأمرين من قيمته ومثله كما لو باع الأضحية المعينة وتلفت عند المشتري . هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور . وفيه وجه ضعيف مشهور أنه يلزمه قيمته يوم الإتلاف ، كما سنذكره إن شاء الله تعالى فيما إذا أتلفه أجنبي ، وبهذا الوجه قال مالك وأبو حنيفة . ودليل المذهب ما ذكره المصنف .