Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

قسم V08/P291

وعنه قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلين بالحج ، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة رواه مسلم . قال البيهقي : وروينا عن علي وحذيفة وأبي مسعود الأنصاري وعائشة رضي الله عنهم أنهم قالوا البقرة عن سبعة وأما قياسه على الشاة فعجب ، لأن الشاة إنما تجزىء عن واحد ، والله أعلم .

قسم V08/P291–V08/P293

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجزىء ما فيه عيب ينقص اللحم ، كالعوراء والعمياء ( والجرباء ) والعرجاء التي تعجز عن المشي في المرعى ، لما روى البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يجزىء في الأضاحي العوراء البين عورها والمريضة البين مرضها ، والعرجاء البين ضلعها والكسيرة التي لا تنقى فنص على هذه الأربعة لأنها تنقص اللحم فدل على أن كل ما ينقص اللحم لا يجوز . ويكره أن يضحي بالجلحاء ، وهي التي لم يخلق لها قرن ، وبالقصماء وهي التي انكسر غلاف قرنها ، وبالعضباء وهي التي انكسر قنها ، وبالشرقاء وهي التي انتقبت من الكي أذنها ، وبالخرقاء وهي التي تشق أذنها بالطول ، لأن ذلك كله يشينها . وقد ورينا عن ابن عباس أن عظيمها استحسانها ، فإن ضحى بما ذكرناه أجزأه لأن ما بها لا ينقص من لحمها ، فإن نذر أن يضحي بحيوان فيه عيب يمنع الإجزاء كالجرب وجب عليه ذبحه ولا يجزئه عن الأضحية ، فإن زال العيب قبل إن يذبح لم يجزه عن الأضحية لأنه أزال الملك فيها بالنذر ، وهي لا تجزىء فلم يتغير الحكم بما يحدث فيها كما لو أعتق بالكفارة عبدا أعمى ثم صار بعد العتق بصيرا . + الشرح : حديث البراء رضي الله عنه صحيح رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم بأسانيد حسنة ، قال أحمد بن حنبل : ما أحسنه من حديث . وقال الترمذي حديث حسن صحيح . وقوله ( عيب ينقص اللحم ) بفتح الياء وإسكان النون وضم القاف . وقوله صلى الله عليه وسلم البين ضلعها هو بفتح الضاد المعجمة واللام ، وهو العرج وقوله ( التي لا تنقى ) بضم التاء وإسكان النون وكسر القاف ، أي التي لا نقي لها ، بكسر النون وإسكان القاف وهو المخ . وقوله ( هذه الأربعة ) يعني الأمراض وقوله ( نقص اللحم ) بتخفيف القاف والجلحاء بالمد وكذا العصماء ، وهي بفتح العين والصاد المهملتين ، وكذلك العضباء بفتح العين وإسكان الضاد المعجمة . والشرقاء والخرقاء بالمد أيضا . وقوله يشينها بفتح أوله . وهذا التفسير الذي ذكره المصنف في الشرقاء والخرقاء مما أنكر عليه وغلطوه فيه ، بل الصواب المعروف في الشرقاء أنها المشقوقة الأذن ، والخرقاء التي في أذنها ثقب مستدير ، والله أعلم . أما الأحكام : ففيه مسائل إحداها : لا تجزىء التضحية بما فيه عيب ينقص اللحم كالمريضة ، فإن كان مرضها يسيرا لم يمنع الإجزاء ، وإن كان بينا يظهر بسببه الهزال وفساد اللحم لم يجزه ، هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور . وحكى ابن كج قولا شاذا أن المرض لا يمنع بحال ، وأن المرض المذكور في الحديث المراد به الجرب . وحكى وجه أن المرض يمنع الإجزاء ، وإن كان يسيرا ، وحكاه في الحاوي قولا قديما . وحكى وجه في الهيام بضم الهاء وتخفيف الياء خاصة أنه يمنع الإجزاء ، وهو من أمراض الماشية ، وهو أن يشتد عطشها فلا تروي من الماء قال أهل اللغة : هو داء يأخذها فتهيم في الأرض لا ترعى ، وناقة هيماء بفتح الهاء والمد ، والله أعلم . الثانية : الجرب يمنع الإجزاء كثيره وقليله ، كذا قاله الجمهور ، ونص عليه في الجديد لأنه يفسد اللحم والودك ، وفيه وجه شاذ أنه لا يمنع إلا إذا كثر كالمرض ، واختاره إمام الحرمين والغزالي والمذهب الأول . وسواء في المرض والجرب ما يرجى زواله وما لا يرجى . الثالثة : العرجاء إن اشتد عرجها بحيث تسبقها الماشية إلى الكلأ الطيب ، وتتخلف عن القطيع لم تجزىء ، وإن كان يسيرا لا يخلفها عن الماشية لم يضر . فلو انكسر بعض قوائمها فكانت تزحف بثلاث لم تجزىء .

قسم V08/P293–V08/P294

ولو أضجعها ليضحى بها وهي سليمة فاضطربت وانكسرت رجلها أو عرجت تحت السكين لم تجزه على أصح الوجهين لأنها عرجاء عند الذبح . فأشبه ما لو انكسرت رجل شاة فبادر إلى التضحية بها فإنها لا تجزىء . الرابعة : لا تجزىء العمياء ولا العوراء التي ذهبت حدقتها وكذا إن بقيت حدقتها في أصح الوجهين لفوات المقصود وهو كمال النظر . وتجزىء العشواء على أصح الوجهين ، وهي التي تبصر بالنهار دون الليل لأنها تبصر وقت الرعي . فأما العمش وضعف بصر العينين جميعا قطع الجمهور بأنه لا يمنع . وقال الروياني إن غطى الناظر بياض أذهب أكثره منع وإن أذهب أقله لم يمنع على أصح الوجهين . الخامسة : العجفاء التي ذهب مخها من شدة هزالها لا تجزىء بلا خلاف وإن كان بها بعض الهزال ولم يذهب مخها أجزأت . كذا أطلقه الأكثرون . وقال الماوردي : إن كانت خلقيا فالحكم كذلك . وإن كان لمرض منع الإجزاء لأنه ذاهب بجزء منها . وقال إمام الحرمين : كما لا يعتبر السمن البالغ الإجزاء لا يعتبر العجف البالغ للمنع . قال : وأقرب معتبر أن يقال إن كان لا يرغب في لحمها الطبقة العالية من طلبة اللحم في حالة الرخاء منعت . السادسة : ورد النهي عن الثولاء وهي المجنونة التي تستدير في الرعي ولا ترعى إلا قليلا فتهزل فلا تجزىء بالإتفاق . السابعة : يجزىء الفحل وإن كثر نزواته والأنثى وإن كثرت ولادتها ولم يطلب لحمها إلا إذا انتهيا إلى العجف البين . الثامنة : لا تجزىء مقطوعة الأذن ، فإن قطع بعضها نظر ، فإن لم يبن منها شيء بل شق طرفها وبقي متدليا لم يمنع على الأصح من الوجهين ، وقال القفال : يمنع ، وحكاه الدارمي عن ابن القطان . وإن أبين فإن كان كثيرا بالإضافة إلى الأذن منع بلا خلاف ، وإن كان يسيرا منع أيضا على أصح الوجهين لفوات جزء مأكول . قال إمام الحرمين : وأقرب ضبط بين الكثير واليسير أنه إن لاح النقص من البعد فكثير ، وإلا فقليل . التاسعة : لا يمنع الكي في الأذن وغيرها على المذهب وبه قطع الجمهور . وقيل في منعه وجهان لتصلب الموضع . وتجزىء صغيرة الأذن ولا تجزىء التي لم يخلق لها أذن على المذهب ، وبه قطع الجمهور ، وفيه وجه ضعيف أنها تجزىء حكاه الدارمي وغيره . العاشرة : لا تجزىء التي أخذ الذئب مقدارا بينا من فخذها بالإضافة إليه ولا يمنع قطع الفلقة اليسيرة من عضو كبير . ولو قطع الذئب أو غيره أليتها أو ضرعها لم تجزىء على المذهب ، وبه قطع الجمهور . وقيل : وفيه وجهان ، وتجزىء المخلوقة بلا ضرع أو بلا ألية على أصح الوجهين ، كما يجزىء الذكر من المعز بخلاف التي لم يخلق لها أذن لأن الأذن عضو لازم غالبا ، والذنب كالألية ، وقطع بعض الألية أو الضرع كقطع كله ، ولا تجزىء مقطوعة بعض اللسان . الحادية عشرة : يجزىء الموجوء والخصي ، كذا قطع به الأصحاب وهو الصواب . وشذ ابن كج فحكى في الخصى قولين ، وجعل المنع هو قول الجديد وهذا ضعيف منابذ للحديث الصحيح فإن قيل : فقد فات منه الخصيتان ، وهما مأكولتان قلنا : ليستا مأكولتين في العادة بخلاف الأذن ، ولأن ذلك ينجبر بالسمن الذي يتجدد فيه بالإخصاء ، فإنه إنما جاء في الحديث أنه ضحى بموجوءين وهما المرضوضان ولا يلزم منه جواز الخصى الذي ذهبت خصياه فإنهما بالرض صارتا كالمعدومتين وتعذر أكلهما . الثانية عشرة : تجزىء التي لا قرن لها ومكسورة القرن سواء دمي قرنها أم لا . قال القفال : إلا أن يؤثر ألم الإنكسار في اللحم فيكون كالجرب وغيره . وذات القرن أفضل للحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أقرنين ولقول ابن عباس : تعظيمها استحسانها . الثالثة عشرة : تجزىء ذاهبه بعض الأسنان .

قسم V08/P294–V08/P296

فإن انكسرت جميع أسنانها أو تناثرت فقط أطلق البغوي وآخرون أنها لا تجزىء . وقال إمام الحرمين : قال المحققون : تجزىء ، قيل : لا تجزىء وقال بعضهم إن كان ذلك لمرض أو كان يؤثر بالإعتلاف وينقص اللحم منع وإلا فلا ، قال الرافعي : هذا كلام الرافعي ، والصحيح المنع مطلقا ، وفي الحديث : نهى عن المشيعة ، قال صاحب البيان : هي المتأخرة عن الغنم ، فإن كان ذلك لهزال أو علة منع ، لأنها عجفاء ، وإن كان عادة وكسلا لم يمنع ، والله أعلم . الرابعة عشرة : قال أصحابنا : العيوب ضربان ، ضرب يمنع الإجزاء وضرب لا يمنعه ، لكن يكره فأما : الذي يمنعه فسبق بيانه وتفصيلة ، والمتفق عليه منه والمختلف فيه وأما : الذي لا يمنعه ، بل يكره فمنه مكسورة القرن وذاهبته . ويقال التي لم يخلق لها قرن : جلحاء . والتي انكسر ظاهر قرنها عصماء والعضباء هي مكسورة ظاهر القرن وباطنه ، هذا مذهبنا ، وقال النخعي : لا تجوز الجلحاء ، وقال مالك : إن دمي قرن العضباء لم تجزىء وإلا فتجزىء دليلنا أنه لا يؤثر في اللحم ومنه : المقابلة والمدابرة يكرهان ويجزئان ، وهما بفتح الباء فيهما قال جمهور العلماء من أهل اللغة وغريب الحديث والفقهاء : المقابلة التي قطع من مقدم أذنها فلقة وتدلت في مقابلة الأذن ولم ينفصل ، والمدابرة التي قطع من مؤخر أذنها فلقة وتدلت منه ، ولم تنفصل ، والفلقة الأول تسمى الإقبالة والأخرى تسمى الإدبارة . وقال أبو عبيد معمر بن المثنى في كتابه غريب الحديث : المقابلة الموسومة بالنار في باطن أذنها ، والمدابرة في ظاهر أذنها والمشهور الأول ، ودليل المسألة حديث علي رضي الله عنه قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن ، ولا نضحي بعوراء ، ولا مقابلة ، ولا مدابرة ولا شرقاء ، ولا خرقاء رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم ، قال الترمذي : حديث حسن صحيح ، وسبق تفسير الخرقاء والشرقاء في أول كلام المصنف ومعنى نستشرف العين أي نشرف عليها ونتأملها ، وقد قدمنا أن هذه العيوب كلها لا تمنع الإجزاء ، ونقله صاحب البيان عن أصحابنا العراقيين ثم قال : وقال المسعودي يعني صاحب الإبانة في إجزائها وجهان والله أعلم . الخامسة عشرة : إذا نذر التضحية بحيوان معين فيه عيب يمنع الإجزاء لزمه ، أو قال : جعلت هذه أضحية لزمه ذبحها لالتزامه ويثاب على ذلك . وإن كان لا يقع أضحية كمن أعتق عن كفارة معيبا يعتق ويثاب عليه وإن كان لا يجزىء عن الكفارة . قال : قال أصحابنا : ويكون ذبحها قربة وتفرقة لحمها صدقة ، ولا نجزىء عن الهدايا والضحايا المشروعة ، لأن السلامة شرط لها ، وهل يختص ذبحها بيوم النحر ، وتجري مجرى الأضحية في المصرف فيه وجهان أحدهما : لا ، لأنها ليست أضحية بل شاة لحم يجب التصدق به ، فتصير كمن نذر التصدق بلحم وأصحهما : نعم ، لأنه التزمها باسم الأضحية ، ولا محل لكلامه إلا هذا . فعلى هذا . لو ذبحها قبل يوم النحر تصدق بلحمها . ولا يأكل منه شيئا وعليه قيمتها يتصدق بها ولا يشتري أخرى لأن المعيب لا يثبت في الذمة . ذكره البغوي وغيره والله أعلم . قال أصحابنا : ولو أشار إلى ظبية وقال : جعلت هذه أضحية فهو لغو لا يلزم به شيء بلا خلاف . لأنها ليست من جنس الضحايا ، ولو أشار إلى فصيل أو سخلة وقال : جعلت هذه أضحية فهل هو كالظبية أم كالمعيب فيه وجهان أصحهما : كالمعيب .

قسم V08/P296

لأنها من جنس الحيوان الصالح للأضحية أما : إذا أوجبه معيبا ثم زال العيب فهل يجزىء ذبحه عن الأضحية فيه وجهان أصحهما : وبه قطع المصنف وآخرون : لا لما ذكره المصنف والثاني : يجزىء لكماله وقت الذبح وحكى بعض الأصحاب هذا قولا قديما والله أعلم . فرع : العيوب ستة أقسام : عيب الأضحية والهدى والعقيقة وعيب المبيع والمستأجرة وأحد الزوجين ورقبة الكفارة والغرة الواجبة في الجنين وحدودها مختلفة فعيب الأضحية المانع من إجزائها ما نقص اللحم . وعيب المبيع ما نقص القيمة أو العين كالخصاء . وعيب الإجارة ما يؤثر في المنفعة تأثيرا يظهر به تفاوت الأجرة لا ما يظهر به تفاوت الرقبة ، لأن العقد على المنفعة دون الرقبة ، وعيب النكاح ما نفر صورة التواق ، وهو سبعة أشياء الجنون والجذام والبرص والجب والتعنين والقرن والرتق ، وعيب الكفارة ما أضر بالعمل إضرارا بينا ، وعيب الغرة كعيب المبيع ، فهذا تقريب ضبطها ، وهي مذكورة مبسوطة في مواضعها من هذه الكتب ، والله أعلم . فرع في مذاهب العلماء في عيوب الأضحية أجمعوا على أن العمياء لا تجزىء ، وكذا العوراء البين عورها ، والعرجاء البين عرجها ، والمريضة البين مرضها ، والعجفاء ، واختلفوا في ذاهبة القرن ومكسورته ، فمذهبنا أنها تجزىء ، قال مالك : إن كانت مكسورة القرن وهو يدمى لم تجزه وإلا فتجزئه ، وقال أحمد : إن ذهب أكثر من نصف قرنها لم تجزه سواء دميت أم لا . وإن كان دون النصف أجزأه ، وأما مقطوعة الأذن فمذهبنا أنها لا تجزىء ، سواء قطع ( الأذن ) كلها أو بعضها ، وبه قال مالك وداود ، وقال أحمد إن قطع أكثر من النصف لم تجزه ، وإلا فتجزئه . وقال أبو حنيفة إن قطع أكثر من الثلث لم تجزه ، وقال أبو يوسف ومحمد : إن بقي أكثر من نصف أذنها أجزأت وأما : مقطوعة بعض الألية فلا تجزىء عندنا ، وبه قال مالك وأحمد ، وقال أبو حنيفة في رواية إن بقي الثلث أجزأت ، وفي رواية إن بقي أكثرها أجزأت وقال داود : تجزىء بكل حال وأما : إذا أضجعها ليذبحها فعالجها فأعورت حال الذبح فلا تجزىء ، وقال أبو حنيفة وأحمد : تجزىء والله أعلم .

قسم V08/P296–V08/P298

قال المصنف رحمه الله تعالى : والمستحب أن يضحي بنفسه لحديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين ( أملحين ) ووضع رجله على صفاحهما ، وسمي وكبر ويجوز أن يستنيب غيره ، لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم ( نحر ثلاثا وستين بدنة ثم أعطى عليا فنحر ما غبر منها ) والمستحب أن لا يستنيب إلا مسلما لأنه قربة ، فكان الأفضل أن لا يتولاها كافر ، ولأنه يخرج بذلك من الخلاف لأن عند مالك ( رحمه الله ) لا يجزئه ذبحه فإن استناب يهوديا أو نصرانيا جاز لأنه من أهل الذكاة ، ويستحب أن يكون عالما لأنه أعرف بسنة الذبح . والمستحب إذا استناب غيره أن يشهد أن يكون عالما لأنه أعرف بسنة الذبح . والمستحب إذا استناب غيره أن يشهد الذبح لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة رضي الله عنها قومي إلى أضحيتك فاشهديها فإنه بأول قطرة من لهما يغفر لك ما سلف من ذنبك . + الشرح : حديث أنس رواه البخاري بلفظه ، وحديث جابر رواه مسلم بلفظه وهو من جملة حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم وأما حديث أبي سعيد فرواه البيهقي من رواية أبي سعيد ومن رواية علي . وقوله ( ما غبر ) أي ما بقي ، وهو بفتح الغين المعجمة والباء الموحدة . أما الأحكام : فقال الشافعي والأصحاب : يستحب أن يذبح هديه وأضحيته بنفسه . قال الماوردي : إلا المرأة فيستحب لها أن توكل في ذبح هديها وأضحيتها رجلا . قال الشافعي والأصحاب : ويجوز للرجل والمرأة أن يوكلا في ذبحهما من تحل ذكاته ، والأفضل أن يوكل مسلما فقيها بباب الصيد والذبائح والضحايا وما يتعلق بذلك لأنه أعرف بشروطه وسننه ، ولا يجوز أن يوكل وثنيا ولا مجوسيا ولا مرتدا ، ويجوز أن يوكل كتابيا وامرأة وصبيا ، لكن قال أصحابنا : يكره توكيل الصبي ، وفي كراهة توكيل المرأة الحائض وجهان أصحهما : لا يكره ، لأنه لم يصح فيه نهي والحائض أولى من الصبي ، والصبي أولى من الكافر الكتابي ويستحب إذا وكل أن يحضر ذبحها ، ودليل الجميع في الكتاب ، قال البندنيجي وغيره : ويستحب أن يتولى تفرقة اللحم بنفسه ، ويجوز التوكيل فيها . والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : والنية شرط لصحة التضحية ، وهل يجوز تقديمها على حالة الذبح أم يشترط قرنها به فيه وجهان أصحهما : جواز التقديم كما في الصوم والزكاة على الأصح والثاني : يشترط قرنها كنية الصلاة والوضوء . ولو قال : جعلت هذه الشاة ضحية ، فهل يكفيه التعيين والقصد عن نية التضحية والذبح فيه وجهان أصحهما : عند الأكثرين لا يكفيه لأن التضحية قرية في نفسها فوجبت فيها النية . ورجح إمام الحرمين والغزالي الاكتفاء لتضمنه النية وبهذا قطع الشيخ أبو حامد . قال حتى لو ذبحها يعتقدها شاة لحم أو ذبحها لص وقعت الموقع ، والمذهب الأول . ولو التزم ضحية في ذمته ثم عين شاة عما في ذمته بنى على الخلاف السابق في باب الهدي أن المعينة هل تتعين عن المطلقة في الذمة وفيه وجهان الصحيح : وبه قطع الأكثرون تتعين فإن قلنا : لا تتعين اشترطت النية عند الذبح ، وإلا فعلى الوجهين . ولو وكله ونوى عند ذبح الوكيل كفى ذلك ولا حاجة إلى نية الوكيل ، بل لو لم يعلم الوكيل أنه مضح لم يضر . وإن نوى عند دفعها إلى الوكيل فقط فعلى الوجهين في تقديم النية . ويجوز تفويض النية إلى الوكيل إن كان مسلما ، فإن كان كتابيا فلا .

قسم V08/P298–V08/P299

فرع : لا يصح تضحية عبد ولا مستولدة ولا مدبر عن أنفسهم ، إن قلنا بالمذهب الصحيح الجديد إنهم لا يملكون بالتمليك ، فإن أذن لهم السيد وقعت التضحية عن السيد وإن قلنا : يملكون لم يصح تضحيتهم بغير إذن ، لأن له حق الإنتزاع ، فإن أذن وقعت عنهم ، كما لو أذن لهم في التصديق ، وليس له الرجوع بعد الذبح ولا بعد جعلها ضحية . وأما المكاتب فلا تصح تضحيته بغير إذن سيده ، فإن أذن فعلى القولين في تبرعه بإذنه أصحهما : الصحة . وأما من بعضه رقيق فله التضحية بما ملكه بحريته فلا يحتاج إلى أذن ، والله أعلم . فرع : لو ضحى عن غيره بغير إذنه لم يقع عنه . وأما التضحية عن الميت فقد أطلق أبو الحسن العبادي جوازها ، لأنها ضرب من الصدقة ، والصدقة تصح عن الميت وتنفعه وتصل إليه بالإجماع . وقال صاحب العدة والبغوي : لا تصح التضحية عن الميت إلا أن يوصي بها ، وبه قطع الرافعي في المجرد ، والله تعالى أعلم . قال أصحابنا : وإذا ضحى عن غيره بغير إذنه ، فإن كانت الشاة معينة بالنذر وقعت عن المضحي وإلا فلا ، كذا قاله صاحب العدة وآخرون ، وأطلق الشيخ إبراهيم المروروذي أنها تقع المضحي ، قال هو وصاحب العدة وآخرون : ولو ذبح عن نفسه واشترط غيره في ثوابها جاز ، قالوا : وعليه يحمل الحديث المشهور عن عائشة ( أن النبي صلى الله عليه وسلم ذبح كبشا وقال : بسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد ، ومن أمة محمد ، ثم ضحى به ) رواه مسلم ، والله أعلم . واحتج العبادي وغيره في التضحية عن الميت بحديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان ( يضحي بكبشين عن النبي صلى الله عليه وسلم وبكبشين عن نفسه ، وقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أضحي عنه أبدا فأنا أضحي عنه أبدا ) رواه أبو داود والترمذي والبيهقي . قال البيهقي : إن ثبت هذا كان فيه دلالة على صحة التضحية عن الميت ، والله أعلم . فرع : أجمعوا على أنه يجوز أن يستنيب في ذبح أضحيته مسلما . وأما الكتابي فمذهبنا ومذهب جماهير العلماء صحة استنابته ، وتقع ذبيحته ضحية عن الموكل مع أنه مكروه كراهة تنزيه . وقال مالك لا تصح وتكون شاة لحم . دليلنا أنه من أهل الزكاة كالمسلم .

قسم V08/P299–V08/P300

قال المصنف رحمه الله تعالى : والمستحب أن يوجه الذبيحة إلى القبلة لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ضحوا وطيبوا أنفسكم فإنه ما من مسلم يستقبل بذبيحته القبلة إلا كان دمها وفرثها وصوفها حسنات في ميزانه يوم القيامة ) ولأنه قربة لا بد فيها من جهة ، فكانت جهة القبلة أولى . ويستحب أن يسمي الله تعالى لحديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم ( سمى وكبر ) ويستحب أن يقوم ( اللهم تقبل مني ) لما روى عن ابن عباس أنه قال ( ليجعل أحدكم ذبيحته بينه وبين القبلة . ثم يقول : من الله وإلى الله والله أكبر ، اللهم منك ولك ، اللهم تقبل ) وعن ابن عمر ( رضي الله عنهما ) أنه كان إذا ضحى قال ( من الله والله أكبر ، واللهم منك ولك ، اللهم تقبل مني ) . + الشرح : حديث أنس رواه البخاري ومسلم ، ولفظ مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( باسم الله والله أكبر ) ولفظ البخاري ( سمي وكبر ) وأما حديث عائشة فذكر البيهقي وقال إسناده ضعيف . وأما الأثر عن ابن عباس فرواه البخاري بمعناه ، ويغنى عنه حديث عائشة المذكور في الفرع قبل هذا ، وهو في صحيح مسلم ودلالته ظاهرة ، ويا ليت المصنف احتج به . أما الأحكام : فمقصود الفصل بيان آداب الذبح وسننه ، سواء في ذلك الهدى والأضحية وغيرهما ، وفيه مسائل إحداها : يستحب تحديد السكين وإراحة الذبيحة ، وقد ذكره المصنف في باب الصيد والذبائح بدليله ، وهناك نشرحه إن شاء الله تعالى . الثانية : يستحب إمرار السكين بقوة وتحامل ذهابا وعودا ، ليكون أرجى وأسهل . الثالثة : استقبال الذابح القبلة وتوجيه الذبيحة إليها ، وهذا مستحب في كل ذبيحه ، لكنه في الهدي والأضحية أشد استحبابا لأن الإستقبال في العبادات مستحب وفي بعضها واجب ، وفي كيفية توجيهها ثلاثة أوجه حكاها الرافعي أصحهما : يوجه مذبحها إلى القبلة ، ولا يوجه وجهها ليمكنه هو أيضا الإستقبال والثاني : يوجهها بجميع بدنها والثالث : يوجه قوائمها . ويستحب أن ينحر البعير قائما على ثلاث قوائم معقول الركبة وإلا فباركا ويستحب أن يضجع البقر والشاة على جنبها الأيسر ، هكذا صرح به البغوي والأصحاب ، قالوا ويترك رجلها اليمنى ويشد قوائمها الثلاث . الرابعة : التسمية مستحبة عند الذبح والرمي إلى الصيد وإرسال الكلب ونحوه فلو تركها عمدا أو سهوا حلت الذبيحة ، لكن تركها عمدا مكروه على المذهب الصحيح كراهة تنزيه لا تحريم ، وفي تعليق الشيخ أبي حامد أنه يأثم به ، والمشهور الأول ، وهل يتأدى الإستحباب بالتسمية عند عض الكلب وإصابة السهم فيه وجهان أصحهما : نعم ، وهذا الخلاف في كمال الإستحباب . فأما إذا ترك التسمية عند الإرسال فيستحب تداركها عند الإصابة بلا خلاف كما لو ترك التسمية في أول الوضوء والأكل ، يستحب التسمية في أثنائهما . قال أصحابنا : ولا يجوز أن يقول الذابح : باسم محمد ، ولا باسم الله واسم محمد ، بل من حق الله تعالى أن يجعل الذبح باسمه واليمين باسمه ، والسجود له لا يشاركه في ذلك مخلوق . وذكر الغزالي في الوسيط أنه لا يجوز أن يقول : باسم الله ومحمد رسول الله لأنه تشريك ، قال : ولو قال باسم الله ومحمد رسول الله فلا بأس . قال الرافعي : ويناسب هذه المسائل ما حكى في الشامل وغيره عن نص الشافعي رحمه الله : أنه لو كان لأهل الكتاب ذبيحة يذبحونها باسم غير الله تعالى كالمسيح لم تحل .

قسم V08/P300–V08/P302

وفي كتاب القاضي ابن كج أن اليهودي لو ذبح لموسى أو النصراني لعيسى صلى الله عليه وسلم أو للصليب حرمت ذبيحته ، وأن المسلم لو ذبح للكعبة أو ذبح لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيقوى أن يقال : يحرم لأنه ذبح لغير الله تعالى قال وخرج أبو الحسين بن القطان وجها آخر أنها تحل لأن المسلم يذبح لله تعالى ولا يعتقد في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يعتقده النصراني في عيسى . قالوا : وإذا ذبح للصنم لم تؤكل ذبيحته . سواء كان الذابح مسلما أو نصرانيا ، وفي تعليق الشيخ إبراهيم المروروذي أن ما يذبح عند استقبال السلطان تقربا إليه أفتى أهل نجران بتحريمه ، لأنه مما أهل به لغير الله تعالى . قال الرافعي : وأعلم أن الذبح للمعبود وباسمه نازل منزلة السجود ، وكل واحد منهما من أنواع التعظيم والعبادة المخصوصة بالله تعالى ، الذي هو المستحق للعبادة فمن ذبح لغيره من حيوان أو جماد كالصنم على وجه التعظيم والعبادة لم تحل ذبيحته وكان فعله كفرا كمن يسجد لغير الله تعالى سجدة عبادة ، فكذا لو ذبح له أو لغيره على هذا الوجه ، فأما إذا ذبح لغيره لا على هذا الوجه بأن ضحى أو ذبح للكعبة تعظيما لها لكونها بيت الله أو لرسول الله صلى الله عليه وسلم لكونه رسول الله ، فهو لا يجوز أن يمنع حل الذبيحة ، وإلى هذا المعنى يرجع قول القائل أهديت للحرم أو الكعبة ، ومن هذا القبيل الذبح عند استقبال السلطان ، لأنه استبشار بقدومه نازل منزلة ذبح العقيقة لولادة المولود . ومثل هذا لا يوجب الكفر ، وكذا السجود للغير تذللا وخضوعا لا يوجب الكفر ، وإن كان ممنوعا . وعلى هذا فإذا قال الذابح : باسم الله واسم محمد ، وأراد أذبح باسم الله وأتبرك باسم محمد ، فينبغي أن لا يحرم ، وقول من قال : لا يجوز ذلك يمكن حمله على أن اللفظة مكروهة لأن المكروه يصح نفي الجواز والإباحة المطلقة عنه . قال : ووقعت منازعة بين جماعة ممن لقيناهم من فقهاء قزوين في أن من ذبح باسم الله واسم رسوله هل تحرم ذبيحته وهل يكفر بذلك وأفضت تلك المنازعة إلى فتنة ، قال : والصواب ما بيناه . هذا كلام الرافعي ، وقد أتقن رحمه الله هذا الفصل ، ومما يؤيد ما قاله واختاره ما ذكره إبراهيم المروروذي في تعليقه ، قال : حكى صاحب التقريب عن الشافعي رحمه الله أن النصراني إذا سمى غير الله تعالى كالمسيح لم تحل ذبيحته ، قال صاحب التقريب : معناه أن يذبحها له ، فأما إن ذكر المسيح على معنى الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجائز ، قال وقال الحليمي : تحل مطلقا وإن سمى المسيح ، والله أعلم . فرع : قال ابن كج : من ذبح شاة وقال أذبح لرضاء فلان حلت الذبيحة ، لأنه يتقرب إليه بذلك بخلاف من ذبح للصنم وذكر الروياني أن من ذبح للجن وقصد به التقرب إلى الله تعالى ليصرف شرهم عنه فهو حلال ، وإن قصد الذبح لهم فحرام . فرع : يستحب مع التسمية على الذبيحة أن يصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الذبح ، نص عليه الشافعي في الأم ، وبه قطع المصنف في التنبيه وجماهير الأصحاب . وفيه وجه لابن أبي هريرة أنه لا يستحب ولا يكره . وعجب أن المصنف هنا كيف أهمل ذكر هذه المسألة مع شهرتها وذكره إياها في التنبيه ، والله أعلم . هذا مذهبنا . ونقل القاضي عياض عن مالك وسائر العلماء كراهتها ، قالوا : ولا يذكر عند الذبح إلا الله وحده . فرع : يستحب أن يقول عند التضحية مع التسمية : اللهم منك وإليك تقبل مني . وحكى الماوردي وجها أنه لا يستحب ، وهذا شاذ ضعيف والمذهب ما سبق .

قسم V08/P302–V08/P304

ولو قال : تقبل مني كما تقبلت من إبراهيم خليلك ومحمد عبدك ورسولك صلى الله عليه وسلم لم يكره ، ولم يستحب ، كذا نقله الروياني في البحر عن الأصحاب ، واتفق أصحابنا على استحباب التكبير مع التسمية فيقول : بسم الله والله أكبر لحديث أنس المذكور ، وهو صحيح كما سبق . قال الماوردي : يختار في الأضحية أن يكبر الله تعالى قبل التسمية وبعدها ثلاثا فيقول : الله أكبر الله أكبر الله أكبر . والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في التسمية على ذبح الأضحية وغيرها من الذبائح وعلى إرسال الكلب والسهم وغيرهما إلى الصيد . مذهبنا أنها سنة في جميع ذلك . فإن تركها سهوا أو عمدا حلت الذبيحة ولا إثم عليه ، قال العبدري : وروى هذا عن ابن عباس وأبي هريرة وعطاء ، وقال أبو حنيفة : التسمية شرط للإباحة مع الذكر دون النسيان ، وهذا مذهب جماهير العلماء . وعن أصحاب مالك قولان أصحهما : كمذهب أبي حنيفة والثاني : كمذهبنا وعن أحمد ثلاث روايات الصحيحة : عندهم والمشهورة عنه أن التسمية شرط للإباحة ، فإن تركها عمدا أو سهوا في صيد فهو ميتة والثانية : كمذهب أبي حنيفة والثالثة : إن تركها على إرسال السهم ناسيا أكل وإن تركها على الكلب والفهد لم يؤكل ، قال : وإن تركها في ذبيحة سهوا حلت ، وإن تركها عمدا فعنه روايتان وقال ابن سيرين وأبو ثور وداود : لا تحل سواء تركها عمدا أو سهوا . هذا نقل العبدري . وقال ابن المنذر عن الشعبي ونافع كمذهب ابن سيرين ، قال : وممن أباح أكل ما تركت التسمية عليه ابن عباس وأبو هريرة وسعيد بن المسيب وطاوس وعطاء والحسن البصري والنخعي وعبد الرحمن بن أبي ليلى وجعفر بن محمد والحكم وربيعة ومالك والثوري وأحمد وإسحاق وأبو حنيفة ، واحتج لمن شرط التسمية بقوله تعالى : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق الأنعام . وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا أرسلت كلبك المعلم فاذكر اسم الله ، وكل ما أمسك عليك وفي رواية فإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل ، فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره وفي رواية إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله وفي رواية إذا رميت سهمك فاذكر الله رواه البخاري ومسلم بهذه الروايات . وعن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له وما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل ، وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله تعالى عليه فكل وفي رواية فما صدت بقوسك فاذكر اسم الله ثم كل ، وما صدت بكلبك المعلم فاذكر اسم الله ثم كل . واحتج أصحابنا بقول الله تعالى : حرمت عليكم الميتة والدم المائدة : 3 إلى قوله تعالى : إلا ما ذكيتم فأباح المذكي ، ولم يذكر التسمية ، فإن قيل لا يكون مذكى إلا بالتسمية قلنا : الذكاة في اللغة الشق والفتح وقد وجدا ، وأيضا قوله تعالى : وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم فأباح ذبائحهم ولم يشترط التسمية ، وبحديث عائشة رضي الله عنها أنهم قالوا يا رسول الله إن قومنا حديثو عهد بالجاهلية يأتون بلحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لم يذكروا فنأكل منها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سموا وكلوا حديث صحيح رواه البخاري في صحيحه ، ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه بأسانيد صحيحة كلها ، فإسناد النسائي وابن ماجه على شرط البخاري ومسلم ، وإسناد أبي داود على شرط البخاري .

قسم V08/P304–V08/P305

قال أصحابنا : وقوله صلى الله عليه وسلم سموا وكلوا هذه التسمية المستحبة عند أكل كل طعام وشرب كل شراب ، فهذا الحديث هو المعتمد في المسألة ، وأحاديث أبي هريرة قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أرأيت الرجل يذبح وينسى أن يسمي فقال النبي صلى الله عليه وسلم اسم الله على كل مسلم فهذا حديث منكر مجمع على ضعفه ذكره البيهقي وبين أنه منكر ولا يحتج به ، وهذا حديث الصلت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله أو لم يذكر فهذا حديث مرسل ذكره أبو داود في المراسيل والبيهقي . وأجاب أصحابنا عن الآية التي احتج بها الأولون أن المراد ما ذبح للأصنام كما قال تعالى في الآية الأخرى وما أهل لغير الله به وما ذبح على النصب المائدة : 3 ولهذا قال تعالى : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق الأنعام : 121 وقد أجمعت الأمة على أن من أكل متروك التسمية ليس بفاسق ، فوجب حملها على ما ذكرناه ، ويجمع بينها وبين الآيات السابقات مع حديث عائشة . وأجاب بعض أصحابنا بجواب آخر وهو حمل النهي على كراهة التنزيه جمعا بين الأدلة والجواب : عن حديثي علي وأبي ثعلبة أن ذكر التسمية للندب وجواب : آخر عن قوله صلى الله عليه وسلم فإنما سميت على كلبك أن المراد بالتسمية الإرسال والله أعلم . فرع في مذاهبهم في مسائل مما سبق يستحب عندنا أن يقول في ذبح الأضحية ( اللهم منك ولك فتقبل مني ) وبه قال ابن عباس وكرهه ابن سيرين ومالك وأبو حنيفة . دليلنا حديث عائشة السابق وأما الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند الذبح فمستحبة عندنا . وكرهها الليث بن سعد وابن المنذر .

قسم V08/P305–V08/P306

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإذا نحر الهدي أو الأضحية نظرت فإن كان تطوعا فالمستحب أن يأكل منه ، لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر ثلاثا وستين بدنة ثم أعطى عليا رضي الله عنه فنحر ما غبر وأشركه في هديه ، وأمر من كل بدنة ببضعة فجعلها في قدر فطبخت فأكل من لحمها وشرب من مرقها ولا يجب ذلك لقوله عز وجل : والبدن جعلناها لكم من شعائر الله الحج : 36 فجعلها لنا ، وما هو للإنسان فهو مخير بين أكله وبين تركه ، وفي القدر الذي يستحب أكله قولان ، قال في القديم : يأكل النصف ويتصدق بالنصف لقوله عز وجل : فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير الحج : 28 فجعلها بين اثنين ، فدل على أنها بينهما نصفين . وقال في الجديد : يأكل الثلث ويهدى الثلث ويتصدق بالثلث لقوله عز وجل : فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر الحج : 36 قال الحسن : القانع الذي يسألك ، والمعتر الذي يتعرض لك ولا يسألك وقال مجاهد : القانع الجالس في بيته والمعتر الذي يسألك فجعلها بين ثلاثة فدل على أنها بينهم أثلاثا . وأما : القدر الذي يجوز أن يؤكل ففيه وجهان ، قال أبو العباس بن سريج وأبو العباس بن القاص يجوز أن يأكل الجميع ، لأنها ذبيحة يجوز أن يأكل منها فجاز أن يأكل جميعها كسائر الذبائح ، وقال عام أصحابنا : يجب أن يبقى منها قدر ما يقع عليه اسم الصدقه ، لأن القصة منها القربة ، فإذا أكل الجميع لم تحصل القربة له ، فإن أكل الجميع لم يضمن على قول أبي العباس وابن القاص ، ويضمن على قول سائر أصحابنا ، وفي القدر الذي يضمن وجهان أحدهما : يضمن أقل ما يجزىء في الصدقة والثاني : يضمن القدر المستحب وهو الثلث في أحد القولين والنصف في الآخر بناء على القولين فيمن فرق سهم الفقراء على اثنين . وإن كان نذرا نظرت فإن كان قد عينه عما في ذمته لم يجز أن يأكل منه لأنه بدل عن واجب فلم يجز أن يأكل منه كالدم الذي يجب بترك الإحرام من الميقات ، وإن كان نذر مجازاة كالنذر لشفاء المريض وقدوم الغائب لم يجز أن يأكل منه لأنه جزاء ، فلم يجز أن يأكل منه جزاء الصيد ، فإن أكل شيئا منه ضمنه . وفي ضمانه ثلاثة أوجه أحدها : يلزمه قيمة ما أكل ، كما لو أكل منه أجنبي والثاني : يلزمه مثله من اللحم لأنه أو أكل جميعه ضمنه بمثله ، فإذا أكل بعضه ضمنه بمثله والثالث : يلزمه أن يشتري جزءا من حيوان مثله ، ويشارك في ذبحه ، وإن كان نذرا مطلقا ففيه ثلاثة أوجه أحدها : أنه لا يجوز أن يأكل منه لأنه إراقة دم واجب فلا يجوز أن يأكل منه كدم الطيب واللباس والثاني : يجوز لأن مطلق النذر يحمل على ما تقرر في الشرع ، والهدى والأضحية المعهودة في الشرع يجوز الأكل منها ، فحمل النذر عليه والثالث : أنه إن كان أضحية جاز أن يأكل منها ، لأن الأضحية المعهودة في الشرع يجوز الأكل منها ، وإن كان هديا لم يجز أن يأكل منه ، لأن أكثر الهدايا في الشرع الأكل منها فحمل النذر عليها . + الشرح : حديث جابر رواه مسلم في صحيحه بحروفه ، والبضعة بفتح الباء لا غير وهي القطعة من اللحم . وقوله ما غبر أي ما بقي . وقوله ( وأشركه في هديه ) أي في ثوابه ، وإنما أخذ بضعة من كل بدنة وشرب من مرقها ، ليكون قد تناول من كل واحدة شيئا . وقوله ( لأنه ذبيحة يجوز أن يأكل منها ) احتراز من جزاء الصيد والمنذورة . أما الأحكام : فللأضحية والهدى حالان أحدهما : أن يكون تطوعا فيستحب الأكل منهما ولا يجب ، بل يجوز التصدق بالجميع .

قسم V08/P306–V08/P308

هذا هو المذهب وبه قطع جماهير الأصحاب وهو مذهب عامة العلماء ، وحكى الماوردي عن أبي الطيب بن سلمة وجها أنه لا يجوز التصدق بالجميع ، بل يجب أكل شيء لظاهر قوله تعالى : فكلوا منها وأطعموا والصحيح الأول . قال أصحابنا : والأفضل أن يتصدق بأدنى جزء كفاه بلا خلاف ، لأن اسم الإطعام والتصدق يقع عليه . وفي القدر الذي يستحب أن لا ينقص التصدق عنه قولان القديم : يأكل النصف ويتصدق بالنصف والأصح : الجديد . قال الرافعي : واختلفوا في التعبير عن الجديد ، فنقل جماعة عنه أنه يأكل الثلث ويتصدق بالثلثين ونقل المصنف وآخرون عنه أنه يأكل الثالث ويتصدق بالثلث على المساكين ويهدي الثلث إلى الأغنياء أو غيرهم ، وممن حكى هذا الشيخ أبو حامد ، ثم قال أبو حامد : ولو تصدق بالثلثين كان أفضل قال الرافعي : ويشبه أن لا يكون اختلاف في الحقيقة ، بل من اقتصر على التصدق بالثلثين ذكر الأفضل أو توسع فعد الهدية صدقة ، قال : والمفهوم من كتاب الأصحاب أن الهدية لا تغني عن التصدق بشيء إذا أوجبناه ، وإنما لا تستحب من القدر الذي يستحب التصدق به . واتفق أصحابنا على أنه يجوز أن يصرف القدر الذي لا بد من التصدق به إلى مسكين واحد بخلاف سهم الصنف الواحد من الزكاة فإنه لا يجوز صرفه إلى أقل من ثلاثة ، والفرق أنه يجوز هنا الإقتصار على جزء يسير بحيث لا يمكن صرفه إلى أكثر من واحد . قال أصحابنا : وليس له أن يتلف من لحم المتطوع بها شيئا ، بل يأكل ويطعم ولا يجوز تمليك الأغنياء منها شيئا ، وإنما يجوز إطعامهم والهدية إليهم ، ويجوز تمليك الفقراء منها ليتصرفوا فيه بالبيع وغيره ، فلو أصلح الطعام ودعا إليه الفقراء قال إمام الحرمين : الذي ينقدح عندي أنا إذا أوجبنا التصدق بشيء أنه لا بد من التمليك كما في الكفارة ، وكذا صرح به الروياني فقال : لا يجوز أن يدعو الفقراء ليأكلوه مطبوخا لأن حقهم في تملكه ، قال : وإن دفع مطبوخا لم يجزه بل يفرقه نيئا لأن المطبوخ كالخبز في الفطرة ، والله أعلم . وهل يشترط التصدق منها بشيء أم يجوز أكلها جميعا ، فيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أحدهما : يجوز أكل الجميع ، قاله ابن سريج وابن القاص والإصطخري وابن الوكيل ، وحكاه ابن القاص عن نص الشافعي ، قالوا : وإذا أكل الجميع ففائدة الأضحية حصول الثواب بإراقة الدم بنية القربة والقول الثاني : هو قول جمهور أصحابنا المتقدمين ، وهو الأصح عند جماهير المصنفين ، ومنهم المصنف في التنبيه يجب التصدق بشيء يطلق عليه الإسم ، لأن المقصود إرفاق المساكين ، فعلى هذا إن أكل الجميع لزمه الضمان ، وفي قدر الضمان خلاف المذهب : منه أن يضمن ما ينطلق عليه الإسم وفي قول : وبعضهم يحكيه وجها أنه يضمن القدر الذي يستحب أن لا ينقص في التصدق عنه ، وهو النصف والثلث فيه القولان السابقان ، ودليل الجميع في الكتاب . قال المصنف وغيره : وهذا الخلاف مبني على القولين فيمن دفع سهم صنف من أصناف الزكاة إلى اثنين مع وجود الثالث . وحكى ابن كج والماوردي والدارمي وجها شاذا أنه يضمن الجميع بإكثر الأمرين من قيمتها ومثلها ، لأنه عدل عن حكم الأضحية بأكله الجميع ، فكأنه أتلفها ، وهذا الوجه حكى عن أبي إسحاق المروزي وأبي علي ابن أبي هريرة ، وحكاه الدارمي عن ابن القطان . وعلى هذا يذبح البدل في وقت التضحية ، فإن أخره عن أيام التشريق ففي إجزائه وجهان أصحهما : يجزئه ، وفي جواز الأكل من البدل وجهان . وهذا الوجه المحكي عن ابن كج والماوردي وما تفرع عليه شاذ ضعيف ، والمعروف ما سبق من الخلاف .

قسم V08/P308–V08/P309

ثم ما ضمنه على الخلاف السابق لا يتصدق به دراهم ، بل فيما يلزمه وجهان أحدهما : صرفه إلى شقص أضحية والثاني : وهو الأصح يكفي أن يشتري به لحما ويتصدق به . هذا هو المشهور . وحكى صاحب البيان وجها ثالثا أنه يتصدق به دراهم ، وادعى أنه الأصح المنصوص ، وعلى الوجهين الأولين يجوز تأخير الذبح والتفرقة عن أيام التشريق لأن الشقص واللحم ليس بأضحية ولا يشترط فيه وقتها ، ولا يجوز أن يأكل منه ، والله تعالى أعلم . الحال الثاني : أن يكون الهدى أو الأضحية منذورا ، قال الأصحاب : كل هدى وجب ابتداء من غير التزام كدم التمتع والقران وجبرانات الحج لا يجوز الأكل منه بلا خلاف ، فلو أكل منه غرم ولا يجب إراقة الدم ثانيا ، وفيما يغرمه أوجه أصحها : وهو نصه في القديم يغرم قيمة اللحم ، كما لو أتلفه غيره . والثاني : يلزمه مثل ذلك اللحم فيتصدق به والثالث : يلزمه شقص من حيوان مثله ، ويشارك في ذبيحة ، لأن ما أكله بطل حكم إراقة الدم فيه فصار كما لو ذبحه وأكل الجميع فإنه يلزمه دم آخر . وأما الملتزم بالنذر من الهدايا ، فإن عينه بالنذر عما في ذمته من دم حلق أو تطيب ولباس وغير ذلك لم يجز له الأكل منه ، كما لو ذبح شاة بهذه النية بغير نذر وكالزكاة ، وإن نذر نذر مجازاة ، كتعليقه التزام الهدى أو الأضحية بشفاء المريض ونحوه لم يجز الأكل منه أيضا كجزاء الصيد ، ومقتضى كلام الأصحاب أنه لا فرق بين كون الملتزم معينا أو مرسلا في الذمة ثم يذبح عنه ، فإن أطلق الإلتزام فلم يعلقه بشىء وقلنا بالمذهب أنه يصح نذره ويلزمه الوفاء نظر فإن كان الملتزم معينا بأن قال لله علي أن أضحي بهذه أو أهدى هذه ففي جواز الأكل منها قولان ، ووجه أو ثلاثة أوجه أصحها : لا يجوز الأكل من الهدي ولا الأضحية والثاني : يجوز والثالث : يجوز من الأضحية دون الهدى وأدلة الثلاثة في الكتاب . ومن هذا القبيل ما المرسل المنع سواء عين عينه ثم ذبح أو ذبح بلا تعيين لأنه عن دين في الذمة فأشبه الجبرانات . وبهذا قال الماوردي . وهو مقتضى سياق الشيخ أبي علي . وحيث منعنا الأكل في المنذورة فأكل فعليه الغرم . وفيما يغرمه الأوجه الثلاثة السابقة في الجبرانات . وحيث جوزنا الأكل ففي قدر ما يأكله القولان في أضحية التطوع . كذا قاله البغوي . قال الرافعي : ولك أن تقول ذلك الخلاف في قدر المستحب أكله . ولا يبعد أن يقال لا يستحب الأكل ، وأقل ما في تركه الخروج من الخلاف ، والله أعلم . فرع : يجوز أن يدخر من لحم الأضحية ، وكان إخارها فوق ثلاثة أيام منهيا عنه ثم أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ، وذلك ثابت في الأحاديث الصحيحة المشهورة . قال جمهور الأصحابنا : كان النهي نهي تحرم . وقال أبو علي الطبري : يحتمل التنزيه . وذكر الأصحاب على التحريم وجهين في أن النهي كان عاما ثم نسخ أم كان مخصوصا بحالة الضيق الواقع تلك السنة ، فلما زالت انتهى التحريم وجهين على الثاني في أنه لو حدث مثل ذلك في زماننا هل يحكم به والصواب المعروف أنه لا يحرم الإدخار اليوم بحال ، وإذا أراد الإدخار فالمستحب أن يكون من نصيب الأكل لا من نصيب الصدقة والهدية .

قسم V08/P309–V08/P310

وأما قول الغزالي في الوجيز : يتصدق بالثلث ويأكل الثلث ويدخر الثلث ، فغلط ظاهر من حيث النقل والمعنى ، قال الرافعي : هذا غلط لا يكاد يوجد في كتاب متقدم ولا متأخر ، والصواب المعروف ما قدمناه ، وقد قال الشافعي في المبسوط : أحب أن لا يتجاوز بالأكل والإدخار الثلث ، وأن يهدي الثلث ويتصدق بالثلث ، هذا نصه بحروفه ، وقد نقله أيضا القاضي أبو حامد في جامع ولم يذكر غيره ، وهذا تصريح بالصواب ورد لقول الغزالي ، والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في الأكل من الضحية والهدى الواجبين . قد ذكرنا أن مذهبنا أنه لا يجوز الأكل منهما ، سواء كان جبرانا أو منذورا وكذا قال الأوزاعي وداود الظاهري : لا يجوز الأكل من الواجب ، وقال أبو حنيفة : يجوز الأكل من دم القران والتمتع ، وبناه على مذهبه في أن دم القران والتمتع دم نسك لا جبران . وكذا قال أحمد لا يأكل من شيء من الهدايا إلا من دم التمتع والقران ودم التطوع . وقال مالك : يأكل من الهدايا كلها إلا جزاء الصيد ونسك الأذى والمنذور وهدى التطوع إذا عطب قبل محله . وحكى ابن المنذر عن الحسن البصري أنه لا بأس أن يأكل من جزاء الصيد وغيره . والله أعلم . فرع : الأكل من أضحية التطوع وهديه سنة ليس بواجب . هذا مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة والجمهور ، وأوجبه بعض السلف ، وهو وجه لنا سبق وممن استحب أن يأكل ثلثا ويتصدق بثلث ويهدي ثلثا ابن مسعود وعطاء وأحمد وإسحاق . فرع : قال ابن المرزبان : من أكل بعض الأضحية وتصدق ببعضها هل يثاب على جميعها أم على ما تصدق به فقط فيه وجهان كالوجهين فيمن نوى صوم التطوع ضحوة هل يثاب من أول النهار أم من وقت النية فقط قال الرافعي : ينبغي أن يقال : له ثواب التضحية بالجميع وثواب التصدق بالبعض ، وهذا الذي قاله الرافعي هو الصواب الذي تشهد به الأحاديث والقواعد ، وممن جزم به تصريحا الشيخ الصالح إبراهيم المروروذي والله أعلم .

قسم V08/P310–V08/P311

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجوز بيع شيء من الهدى والأضحية نذرا كان أو تطوعا ، لما روى عن علي رضي الله عنه قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنة فأقسم جلالها وجلودها ، وأمرني أن لا أعطي الجازر منها شيئا ، وقال : نحن نعطيه من عندنا ولو جاز أخذ العوض منه لجاز أن يعطي الجازر منها : في أجرته ، ولأنه إنما أخرج ذلك قربة فلا يجوز أن يرجع إليه إلا ما رخص فيه وهو الأكل . + الشرح : حديث علي رضي الله عنه رواه البخاري ومسلم بلفظه ، وجلالها بكسر الجيم جمع جل . واتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على أنه لا يجوز بيع شيء من الهدى والأضحية نذرا كان أو تطوعا ، سواء في ذلك اللحم والشحم والجلد والقرن والصوف وغيره ، ولا يجوز جعل الجلد وغيره أجرة للجزار ، بل يتصدق به المضحي والمهدي أو يتخذ منه ما ينتفع بعينه كسقاء أو دلو أو خف وغيره ذلك . وحكى إمام الحرمين أن صاحب التقريب حكى قولا غريبا أنه يجوز بيع الجلد والتصدق بثمنه ويصرف مصرف الأضحية ، فيجب التشريك فيه كالإنتفاع باللحم . والصحيح المشهور الذي تظاهرت عليه نصوص الشافعي وقطع به الجمهور أنه لا يجوز هذا البيع ، كما لا يجوز بيعه لأخذ ثمنه لنفسه وكما لا يجوز بيع اللحم والشحم . قال أصحابنا : ولا فرق في بطلان البيع بين بيعه بشيء ينتفع به في البيت وغيره والله أعلم ، ويستحب أن يتصدق بجلالها ونعالها التي قلدتها ، ولا يلزمه ذلك ، صرح به البندنيجي وغيره ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : لا يكفي التصدق بالجلد إذا قلنا بالمذهب إنه يجب التصدق بشيء من اللحم ، لأن المقصود هو اللحم ، قالوا : والقرن كالجلد . فرع : ذكرنا أن مذهبنا أنه ألا يجوز بيع جلد الأضحية ولا غيره من أجزائها لا بما ينتفع به في البيت ولا بغيره ، وبه قال عطاء والنخعي ومالك وأحمد وإسحاق هكذا حكاه عنهم ابن المنذر ، ثم حكى عن ابن عمر وأحمد وإسحاق أنه لا بأس أن يبيع جلد هديه وتصدق بثمنه ، قال : ورخص في بيعه أبو ثور ، وقال النخعي والأوزاعي : لا بأس أن يشتري به الغربال والمنخل والفأس والميزان ونحوها ، قال : وكان الحسن وعبد الله ابن عمير لا يريان بأسا أن يعطي الجزار جلدها ، وهذا غلط منابذ للسنة ، وحكى أصحابنا عن أبي حنيفة أنه يجوز بيع الأضحية قبل ذبحها وبيع ما شاء منها بعد ذبحها ويتصدق بثمنه ، قالوا : وإن باع جلدها بآلة البيت جاز الإنتفاع بها ، دليلنا حديث علي رضي الله عنه ، والله أعلم .

قسم V08/P311–V08/P312

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجوز أن ينتفع بجلدها فيصنع منه النعال والخفاف والفراء ، لما روت عائشة رضي الله عنها قالت : دف ناس من أهل البادية حضرة الأضحى في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ادخروا الثلت وتصدقوا بما بقي ، فلما كان بعد ذلك قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله لقد كان الناس ينتفعون من ضحاياهم ويحملون منها الودك ويتخذون منها الأسقية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وما ذلك قالوا : يا رسول الله نهيت عن إمساك لحوم الأضاحي بعد ثلاث ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما نهيتكم من أجل الدافة فكلوا وتصدقوا وادخروا فدل على أنه يجوز اتخاذ الأسقية منها . + الشرح : حديث عائشة رواه مسلم بحروفه ، والفراء معروفة ، وهي بالمد جمع فرو ، ويقال : فروة بالهاء لغتان الفصيح بلا هاء وقوله : دف بالفاء أي جاء قال أهل اللغة : الدافة قوم يسيرون جماعة سيرا ليس بالشديد ، يقال : هم يدفون دفيفا ( والبادية ) والبدو بمعنى ، وهو مأخوذ من البدو ، وهو الظهور قولها : حضرة هو بنصب التاء أي في وقت حضور الأضحى ، ويجوز فتح الحاء وكسرها وضمها ثلاث لغات ، ويجوز بفتح الحاء وحذف الهاء وقوله : ويجملون الودك هو بالجيم ويجوز فتح الياء وضمها والفتح أفصح قال أهل اللغة يقال : جملت اللحم أجمله بضم الميم جملا ، وأجملته واجتملته إذا أذبته ، والأول أفصح وأشهر . أما حكم المسألة : فقال الشافعي والأصحاب : يجوز أن ينتفع بجلد الأضحية بجميع وجوه الإنتفاع بعينه فيتخذ منه خفا أو نعلا أو دلوا أو فروا أو سقاء أو غربالا أو نحو ذلك ، وله أن يعيره ، وليس له أن يؤجره وأعلم : أن هذا الذي ذكرناه من جواز الإنتفاع بالجلد هو في جلد أضحية ، يجوز الأكل من لحمها وهي الأضحية والهدى المتطوع بهما ، وكذا الواجب إذا جوزنا الأكل منه ، وإذا لم نجوزه وجب التصدق به كاللحم ، وممن نبه عليه الشيخ أبو حامد في تعليقه وصاحب البيان وغيرهما . فرع : قال الشيخ أبو حامد والبندنيجي والأصحاب : إذا أعطى المضحي الجازر شيئا من لحم الأضحية أو جلدها ، فإن أعطاه لجزارته لم يجز ، وإن أعطاه أجرته ثم أعطاه اللحم لكونه فقيرا جاز ، كما يدفع إلى غيره من الفقراء ، والله تعالى أعلم .

قسم V08/P312–V08/P313

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجوز أن يشترك السبعة في بدنة وفي بقرة ، لما روى جابر رضي الله عنه قال : نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية البدنة عن سبعة ، والبقرة عن سبعة فإن اشترك جماعة في بدنة أو بقرة ، وبعضهم يريد اللحم ، وبعضهم يريد القربة جاز ، لأن كل سبع منها قائم مقام شاة ، فإن أرادوا القسمة وقلنا : إن القسمة إفراز النصيبين قسم بينهم وإن قلنا : إن القسمة بيع لم تجز القسمة فيملك من أراد القسمة نصيبه لثلاثة من الفقراء ، فيصيرون شركاء لمن يريد اللحم ، ثم إن شاءوا باعوا نصيبهم ممن يريد اللحم ، وإن شاءوا باعوا من أجنبي وقسموا الثمن . وقال أبو العباس ابن القاص : تجوز القسمة قولا واحدا . لأنه موضع ضرورة . لأن بيعه لا يمكن وهذا خطأ لأنا بينا أنه يمكن البيع فلا ضرورة لهم إلى القسمة . + الشرح : حديث جابر رضي الله عنه رواه مسلم في صحيحه ، وقد سبق بيانه في أول هذا الباب ، وذكرنا هناك أن البدنة تجزىء عن سبعة ، وكذلك البقرة سواء كانوا مضحين وبعضهم مضحيا وبعضهم يريد اللحم ، وسواء كانوا أهل بيت أو أبيات ، وسواء كانت أضحية تطوع أو منذوره . وذكرنا هناك مذاهب العلماء والدليل عليهم . قال أصحابنا : وإذا اشترك جماعة في بدنة أو بقرة وأرادوا القسمة فطريقان أحدهما : القطع بجواز القسمة للضرورة وهذا قول ابن القاص صاحب التخليص والثاني : وهو المذهب وبه قال جماهير الأصحاب إنه يبني على القسمة بيع أو فرز النصيبين وفيها قولان مشهوران الأصح : في قسمة الأجزاء كاللحم وغيره أنها فرز النصيبين والثاني : أنها بيع فإن قلنا : إفراز جازت وإن قلنا : بيع . فبيع اللحم الرطب بمثله لا يجوز . فالطريق أن يدفع المتقربون نصيبهم إلى الفقراء مشاعا ثم يشتريها منهم من أراد اللحم ، ولهم بيع نصيبهم بعد قبضه سواء باعوه للشريك المريد اللحم أو لغيره أو يبيع مريد اللحم نصيبه للفقراء بدراهم أو غيرها . وإن شاءوا جعلوا اللحم أجزاء باسم كل واحد جزء فإذا كانوا سبعة قسم سبعة أجزاء فيأخذ كل واحد جزءا إلى يده ثم يشتري كل واحد من كل واحد من أصحابه سبع ذلك الجزء الذي في يده بدرهم مثلا . ويبيع لكل واحد من أصحابه سبع الذي في يده درهم . ثم يتقاصون في الدرهم والله أعلم .

قسم V08/P313–V08/P314

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإذا نذر أضحية بعينها فالحكم فيها كالحكم في الهدى المنذور في ركوبها وولدها ولبنها وجز صوفها وتلفها وإتلافها ، وذبحها ونقصانها بالعيب ، وقد بينا ذلك في باب الهدي فأغنى عن الإعادة وبالله التوفيق . + الشرح : هذا كما قاله ، والله أعلم . فرع في مسائل تتعلق بالباب إحداها : في تعيين الأضحية وغيرها ، وقد جمعها الرافعي ملخصة فأحسن جمعها فقال : قد قدمنا أن النية شرط في التضحية ، وأن الشاة إذا جعلها ضحية هل يكفيه ذلك عن تجديد النية عن الذبح فيه وجهان الأصح : لا يكفيه ، فإن قلنا : يكفيه استحب التجديد ، ومتى كان في ملكه بدنة أو شاة فقال : جعلت هذه ضحية أو هذه ضحية أو على أن أضحي بها ، صارت ضحية معينة . وكذا لو قال : جعلت هذه هديا أو هذا هدي ، أو على أن أهدي هذا صار هديا ، وشرط بعض الأصحاب أن يقول مع ذلك : لله تعالى ، والمذهب أنه ليس بشرط ، وقد صرح الأصحاب بزوال الملك عن الهدي والأضحية المعينين ، كما سيأتي تفريعه إن شاء تعالى . وكذا لو نذر أن يتصدق بمال بعينه زال ملكه عنه ، بخلاف ما لو نذر إعتاق عبد بعينه لا يزول ملكه عنه ما لم يعتقه . لأن الملك في الهدي والأضحية والمال المعين ينتقل إلى المساكين وفي العقد لا ينتقل الملك إليه بل ينفك عن الملك بالكلية . أما إذا نوى جعل هذه الشاة هديا أو أضحية ولم يتلفظ بشيء فقولان الصحيح : الجديد أنها لا تصير ضحية . قال في القديم : تصير ، واختاره ابن سريج والإصطخري ، وعلى هذا فيما يصير به هديا وأضحية أوجه أحدها : بمجرد النية كما يدخل في الصوم بالنية ، وبهذا قال ابن سريج والثاني : بالنية والتقليد أو الإشعار لتنضم الدلالة الظاهرة إلى النية . الإصطخري والثالث : بالنية والذبح ، لأن المقصود كالقبض بالنية والرابع : بالنية والسوق إلى المذبح . ولو لزمه هدى أو ضحية بالنذر فقال : عينت هذه الشاة عن نذري أو جعلتها عن نذري أو قال : لله على أن أضحي بها عما في ذمتي ، ففي تعينها وجهان أصحهما : التعين ، وبه قطع الأكثرون . وحكى إمام الحرمين هذا الخلاف في صور رتب بعضها على بعض فلنوردها بزوائد . فلو قال إبتداء : على التضحية بهذه الشاة لزمه التضحية قطعا وتتعين تلك الشاة على الصحيح . ولو قال : علي أن أعتق هذا العبد لزمه العتق . وفي تعين هذا العبد وجهان مرتبان على الخلاف في مثل هذه الصورة من الأضحية . والعبد أولى بالتعين ، لأنه ذو حق في العتق بخلاف الأضحية . ولو كان نذر إعتاق عبد ثم عين عبدا عما التزمه ، فالخلاف مرتب على الخلاف في مثله في الأضحية . ولو قال : جعلت هذا العبد عتيقا لم يخف حكمه . ولو قال : جعلت هذا المال أو هذه الدراهم صدقة تعينت على الأصح كشاة الأضحية وعلى الثاني : لا ، إذ لا فائدة في تعيين الدراهم لتساويها بخلاف الشاة . ولو قال : عينت هذه الدراهم عما في ذمتي من زكاة أو نذر لغى التعيين باتفاق الأصحاب . كذا نقله إمام الحرمين ، لأن التعيين في الدراهم ضعيف ، وتعين ما في الذمة ضعيف ، فيجتمع سببا ضعف ، قال : وقد يفاد من تعيين الدراهم لديون الآدميين قال : ولا تخلو الصورة من احتمال ، والله أعلم . المسألة الثانية : في جواز الصرف من الأضحية إلى المكاتب وجهان حكاهما الدارمي والرافعي أحدهما : يجوز كالزكاة ، وهذا هو الصحيح ، ولا يجوز صرف شيء منها إلى عبد إلا أن يجعله رسولا به إلى سيده هدية ، ذكره الدارمي .

قسم V08/P314–V08/P315

الثالثة : قال الروياني : قال أبو إسحاق : من نذر الأضحية في عام فأخر عصى . ويلزمه القضاء كمن أخر الصلاة . الرابعة : من ضحى بعدد من الماشية استحب أن يفرقه على أيام الذبح ، فإن كان شاتين ذبح شاة في اليوم الأول وأخرى في آخر الأيام ، وهذا الذي قاله وإن كان أرفق بالمساكين فهو ضعيف مخالف للسنة الصحيحة ، فقد ثبتت الأحاديث الصحيحة : أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر مائة بدنة أهداها في يوم واحد وهو يوم النحر فنحر بيده بضعا وستين ، وأمر عليا رضي الله عنه ينحر تمام المائة فالسنة التعجيل والمسارعة إلى الخيرات والمبادرة بالصالحات إلا ما ثبت خلافه والله أعلم الخامسة محل التضحية موضع المضحي سواء كان بلده أو موضعه من السفر بخلاف الهدي فإنه يختص بالحرم وفي نقل الأضحية وجهان حكاهما الرافعي وغيره تخريجا من نقل الزكاة