Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

قسم V08/P346–V08/P348

فرع : سئل الغزالي رحمه الله في فتاويه عما لو قال البائع للمشتري : إن خرج المبيع مستحقا فلله علي أن أهبك مائة دينار ، هل يصح هذا النذر وإن حكم حاكم بصحته هل يلزمه فأجاب بأن المباحات لا تلزم بالنذر ، وهذا مباح ولا يؤثر فيه قضاء القاضي إلا إذا نقل مذهب معتبر في لزوم ذلك النذر . فرع : نقل القاضي أبو القاسم بن كج وجهين فيمن قال : إن شفي الله مريضي فلله علي أن أذبح عن ابني ، هل يلزمه الذبح عن ولده لكون الذبح عن الأولاد قربة ووجهين فيمن قال : إن شفى الله مريضي فلله على أن أعجل زكاة مالي هل يصح نذره ووجهين فيمن قال : إن شفي الله مريضي فلله علي أن أذبح ابني ، فإن لم يجز فشاة مكانه هل يلزمه ذبح شاة ووجهين فيما إذا نذر النصراني أن يصوم أو يصلي ثم أسلم هل يلزمه أن يصلي ويصوم صلاة شرعنا وصومه هذا نقل ابن كج والأصح صحة النذر في الصورة الأولى ، وبطلانه في الصور الثلاث الباقية ، والله تعالى أعلم . فرع لو نذر أن يكسو يتيما قال الرافعي : قال بعضهم : لا يخرج عن نذره باليتيم الذمى ، لأن مطلقه في الشرع يقع للمسلم ، هذا نقل الرافعي ، وينبغي أن يكون فيه خلاف مبني على أنه يسلك بالنذر مسلك واجب الشرع أو مسلك جائزه ، كما لو نذر إعتاق رقبة إن قلنا مسلك جائزه جاز صرفه إلى الذمى ، وإلا فلا . فرع : في مذاهب العلماء فيمن نذر شرب الخمر أو الزنا أو نحو ذلك من المعاصي . قد ذكرنا أن مذهبنا أن نذره باطل ، ولو خالفه فلا كفارة ، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وداود . وقال أحمد : ينعقد ولا يجوز فعله ، بل يجب كفارة يمين ، وقد ذكر المصنف دليل المذهبين . واحتج أحمد أيضا بحديث عن عائشة مرفوعا لا نذر في معصية ، وكفارته كفارة يمين ونحوه من رواية عمران بن الحصين رواهما البيهقي وغيره وضعفهما واتفق الحفاظ على تضعيف هذا الحديث بهذا اللفظ ، فلا حجة فيه . فرع : إذا نذر صوم يوم الفطر أو الأضحى أو التشريق ، وقلنا بالمذهب إنه لا يجوز صوم التشريق لم ينعقد نذره ولم يلزمه بهذا النذر شيء . هذا مذهبنا وبه قال مالك وأحمد وجماهير العلماء . وخالفهم أبو حنيفة فقال : ينعقد نذره ولا يصوم ذلك ، بل يصوم غيره . قال : فإن صامه أجزأه وسقط عنه به فرض نذره . دليلنا الحديث الصحيح السابق ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه . فرع : إذا نذر ذبح ابنه أو بنته أو نفسه أو أجنبي لم ينعقد نذره ولا شيء عليه . وبهذا قال داود وأحمد في إحدى الروايتين عنه . وقال مالك : إذا نذر ذبح ابنه في يمين أو على وجه القربة لزمه الهدي . وقال أبو حنيفة وأحمد في أصح الروايتين عنه : ينعقد نذره ويلزمه ذبح شاة للمساكين قال أبو حنيفة : ولو نذر ذبح عبده لا يلزمه شىء . وقال أبو يوسف : لا يلزمه شيء في المسألتين . دليلنا قوله صلى الله عليه وسلم لا نذر في معصية وهو حديث صحيح كما سبق بيانه ، وأما إيجاب الشاة فتحكم لا أصل له . فرع : إذا نذر مباحا كلبس وركوب لم ينعقد عندنا ، وبه قال مالك وأبو حنيفة وداود والجمهور . وقال أحمد : ينعقد ويلزمه كفارة يمين . دليلنا أنه ليس بقربة والوفاء به لا يجب بالإجماع فلم ينعقد والله أعلم .

قسم V08/P348–V08/P349

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن نذر طاعة نظرت فإن علق ذلك على إصابة خير أو دفع سوء ، فأصاب الخير أو دفع السوء عنه ، لزمه الوفاء بالنذر ، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة ركبت في البحر فنذرت إن نجاها الله أن تصوم شهرا فماتت قبل أن تصوم ، فأتت أختها أو أمها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تصوم عنها فإن لم يعلقه على شيء بأن قال : لله علي أن أصوم أو أصلي ففيه وجهان أحدهما : أنه يلزمه ، وهو الأظهر ، لقوله صلى الله عليه وسلم من نذر أن يطيع الله فليطعه والثاني : لا يلزمه وهو قول أبي إسحاق وأبي بكر الصيرفي لأنه التزام من غير عوض فلم يلزمه بالقول ، كالوصية والهبة ، وإن نذر طاعة في لجاج وغضب بأن قال : إن كلمت فلانا فعلي كذا فكلمه فهو بالخيار بين الوفاء بما نذر وبين كفارة يمين ، لما روى عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كفارة النذر كفارة يمين ولأنه يشبه اليمين من حيث إنه قصد المنع ، والتصديق يشبه النذر من حيث إنه التزم قربة في ذمته فخير بين موجبهما ، ومن أصحابنا من قال : إن كانت القربة حجا أو عمرة لزمه الوفاء به ، لأن ذلك يلزمه بالدخول فيه ، بخلاف غيره ، والمذهب الأول ، لأن العتق أيضا يلزم إتمامه بالتقويم ثم لا يلزمه . + الشرح : حديث ابن عباس رواه أبو داود والنسائي بإسنادين صحيحين على شرط البخاري ومسلم ، لكن وقع في المهذب أمها أو أختها ، وفي كتب الحديث أختها أو بنتها . أما حديث من نذر أن يطيع الله فليطعه فصحيح سبق بيانه أول الكتاب وأما حديث عقبة فغريب بهذا اللفظ ، وقد رواه ابن ماجه في سننه بلفظ آخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من نذر نذرا ولم يسمه فكفارته كفارة يمين وإسناده ضعيف ، وقول المصنف : لأنه التزام من غير عوض احتراز من نذر المجازاة ، ومن العوض في عقود المعاوضات وقوله : فلم يلزمه بالقول احتراز من الإتلاف والغصب والله أعلم . أما الأحكام : فقال أصحابنا : النذر ضربان أحدهما : نذر تبرر والثاني : نذر لجاج وغضب الأول : التبرر وهو نوعان أحدهما : نذر المجازاة ، وهو أن يلتزم قربة في مقابلة حدوث نعمة أو اندفاع بلية ، كقوله : إن شفى الله مريضي ، أو رزقني ولدا ، أو نجانا من الغرق أو من العدو ، أو من الظالم ، أو أغاثنا عند القحط ، ونحو ذلك فلله علي إعتاق أو صوم أو صلاة أو نحو ذلك ، فإذا حصل المعلق عليه لزمه الوفاء بما التزم ، وهذا لا خلاف فيه لعموم الحديث الصحيح السابق من نذر أن يطيع الله فليطعه النوع الثاني : أن يلتزمه ابتداء من غير تعليق على شيء ، فيقول ابتداء : لله علي أن أصلي أو أصوم أو أعتق أو أتصدق ، ففيه خلاف حكاه المصنف وغيره وجهين ، وحكاهما غيرهم قولين أحدهما : لا يصح نذره ولا يلزمه به شيء وأصحهما : عند الأصحاب يصح نذره ، لما ذكره المصنف ، والله أعلم .

قسم V08/P349–V08/P351

الضرب الثاني : نذر اللجاج والغضب ، وهو أن يمنع نفسه من فعل أو يحثها عليه بتعليق التزام قربة بالفعل أو بالترك ، ويقال فيه يمين اللجاج والغضب ، ويقال له أيضا يمين الغلق ، ويقال أيضا نذر الغلق ، بفتح الغين المعجمة واللام ، فإذا قال : إن كلمت فلانا أو إن دخلت الدار أو إن لم أخرج م البلد فلله على صوم شهر أو حج أو عتق أو صلاة ونحو ذلك ثم كلمه أو دخل أو لم يخرج ففيما يلزمه خمسة طرق جمعها الرافعي قال : أشهرها : على ثلاثة أقوال أحدها : يلزمه الوفاء بما التزم والثاني : يلزمه كفارة يمين والثالث : يتخير بينهما . قال : وهذا الثالث هو الأظهر عند العراقيين ، قال : لكن الأظهر على ما ذكره البغوي والروياني وإبراهيم المروروذي والموفق بن طاهر وغيرهم وجوب الكفارة والطريق الثاني : القطع بالتخيير والثالث : ففي التخيير والاقتصار على القولين الأولين والرابع : الاقتصار على قول التخيير وعلى وجوب الكفارة والخامس : الاقتصار على التخيير ولزوم الوفاء بما التزم ونفي وجوب الكفارة . قلت : والأصح التخيير بين ما التزم وكفارة اليمين ، كما رجحه المصنف وسائر العراقيين . قال الرافعي : فإن قلنا بوجوب الكفارة فوفى بما التزم لم تسقط الكفارة على الأصح ، فإن كان الملتزم من جنس ما تتأدى به الكفارة فالزيادة على قدر الكفارة تقع تطوعا . وإن قلنا بالتخيير فلا فرق بين الحج والعمرة وسائر العبادات على المذهب ، وبه قال الجمهور ، وفيه قول مخرج وحكاه المصنف وغيره وجها أنه إن كان حجا أو عمرة لزمه الوفاء به ، لما ذكره المصنف ، والله أعلم . فرع : إذا التزم على وجه اللجاج اعتاق عبد بعينه فإن قلنا واجبه الوفاء بما التزم لزمه إعتاقه كيف كان . وإن قلنا : عليه كفارة يمين فإن كان بحيث يجزىء في الكفارة فله أن يعتقه أو يعتق غيره ، أو يطعم أو يكسو ، وإن كان بحيث لا يجزىء واختار الإعتاق أعتق غيره . وإن قلنا : يتخير فإن اختار الوفاء أعتق كيف كان . وإن اختار التكفير اعتبر في إعتاقه صفات الإجزاء ، وإن التزم إعتاق عبيده فإن أوجبنا الوفاء أعتقهم ، وإن أوجبنا الكفارة أعتق واحدا أو أطعم أو كسا ، وإن قال : إن فعلت كذا فعبدي حر ، وقع العتق بلا خلاف إذا فعله ، وإنما التفصيل السابق فيمن التزم العتق في العبد التزاما . فرع : لو قال : إن فعلت كذا فعلى نذر أو فلله علي نذر ، فنص الشافعي رحمه الله أنه يلزمه كفارة يمين ، وبه قطع البغوي وإبراهيم المروروذي ، قال القاضي حسين وغيره : هذا تفريع على قولنا : تجب الكفارة ، فأما إذا أوجبنا الوفاء بالملتزم فيلزمه قربة من القرب والتعيين إليه ، ويشترط أن يكون ما يعينه مما يصح التزامه بالنذر وعلى قول التخيير يتخير بين ما ذكرنا وبين الكفارة ، ولو قال : إن فعلت كذا فعلى كفارة يمين ، فعليه كفارة يمين على الأقوال كلها ، ولو قال : فعلي يمين أو فلله علي يمين فوجهان الصحيح : أنه لغو ، وبه قطع الأكثرون لأنه لم يأت بنذر ولا صيغة يمين ، وليست اليمين مما ثبت في الذمة والثاني : يلزمه كفارة يمين إذا فعله . حكاه إمام الحرمين وغيره ، قال الإمام : وعلى هذا فالوجه أن يجعل كناية ويرجع إلى نيته . ولو قال : نذرت لله لأفعلن كذا ، فإن نوى اليمين فهو يمين ، وإن أطلق فوجهان ، ولو عدد أجناس قرب فقال : إن دخلت فعلى حج وعتق وصدقة فإن أوجبنا الوفاء لزمه ما التزمه ، وإن أوجبنا الكفارة لزمه كفارة واحدة على المذهب وبه قطع الجمهور .

قسم V08/P351–V08/P352

وحكى الإمام عن والده الشيخ أبي محمد احتمالا في تعددها ، فلو قال ابتداء : على أن أدخل الدار اليوم ، قال البغوي : المذهب أنه يمين ، وعليه كفارة إن لم يدخل ، وكذا لو قال لامرأته : إن دخلت الدار فلله علي أن أطلقك فهو كقوله : إن دخلت الدار فوالله لأطلقنك حتى إذا مات أحدهما قبل التطليق لزمه كفارة يمين . ولو قال : إن دخلت الدار فلله على أن آكل الخبز فدخلها فوجهان الصحيح : يلزمه كفارة يمين والثاني : هو لغو فلا شيء عليه . فرع : لو قال ابتداء : مالي صدقة أو في سبيل الله ففيه أوجه أحدها : وهو الأصح عند الغزالي ، وبه قطع القاضي حسين أنه لغو ، لأنه لم يأت بصيغة التزام والثاني : يلزمه التصدق به ، كما لو قال على أن أتصدق بمالي . والثالث : يصير ماله بهذا اللفظ صدقة كما لو قال : جعلت هذه الشاة أضحية وقال المتولي : إن كان المفهوم من هذا اللفظ في عرفهم معنى النذر أو نواه فهو كما لو قال : لله على أن أتصدق بمالي أو أنفقه في سبيل الله وألا فلغو أما : إذا قال : إن كلمت فلانا أو فعلت كذا فمالي صدقة ، فالمذهب والذي نص عليه الشافعي وقطع به الجمهور أنه بمنزلة قوله : فلله علي أن أتصدق بمالي ، أو بجميع مالي ، وطريق الوفاء أن يتصدق بجميع أمواله ، وإذا قال : في سبيل الله يتصدق بجميع أمواله على الغزاة ، وقال إمام الحرمين والغزالي : يخرج هذا على الأوجه الثلاثة في الصورة الأولى قال الرافعي : والمعتمد ما نص عليه الشافعي وقاله الجمهور ، والله تعالى أعلم . فرع : قال الرافعي : الصيغة قد تتردد فتحتمل نذر التبرر ، وتحتمل اللجاج فيرجع فيها إلى قصد الشخص وإرادته ، قال : وفرقوا بينهما بأنه في نذر التبرر يرغب في السبب وهو شفاء المريض مثلا بالتزام المسبب ، وهو القربة المسماة ، وفي نذر اللجاج يرغب عن السبب لكراهته الملتزم قال : وذكر الأصحاب في ضبطه أن الفعل طاعة أو معصية أو مباح والالتزام في كل واحدة منها تارة يعلق بالإثبات وتارة بالنفي أما : الطاعة ففي طرف الإثبات يتصور نذر التبرر وبأن يقول : إن صليت فلله علي صوم يوم معناه إن وفقني الله للصلاة صمت ، فإذا وفق لها لزمه الصوم ، ويتصور اللجاج بأن يقول له : صل فيقول لا أصلي وإن صليت فعلي صوم أو عتق ، فإذا صلى ففيما يلزمه الأقوال والطرق السابقة . وأما : في طرف النفي فلا يتصور نذر التبرر ، لأنه لا بر في ترك الطاعة ، ويتصور في اللجاج بأن يمنع من الصلاة فيقول : إن لم أصل فلله علي كذا ، فإذا لم يصل ففيما يلزمه الأقوال . وأما : المعصية ففي طرف النفي يتصور نذر التبرر بأن يقول : إن لم أشرب الخمر فلله علي كذا ، وقصد إن عصمني الله من الشرب ، ويتصور نذر اللجاج بأن يمنع من شربها فيقول : إن لم أشربها فلله علي صوم أو صلاة ، وفي طرف الإثبات لا يتصور إلا اللجاج بأن يؤمر بالشرب فيقول : إن شربت فلله علي كذا . وأما : المباح فيتصور في طرفي النفي والإثبات فيه النوعان معا فالتبرر في الإثبات : إن أكلت كذا فلله على صوم ، يريد إن يسره الله لي ، واللجاج أن يؤمر بأكله فيقول : إن أكلت فلله علي كذا ، والتبرر في النفي إن لم آكل كذا فعلي صوم ، يريد إن أعانني الله على كسر شهوتي فتركته واللجاج أن يمنع من أكله فيقول : إن لم آكله فيقول : إن لم آكله فلله علي كذا .

قسم V08/P352

أما : إذا قال : إن رأيت فلانا فعلي صوم أو غيره فإن أراد : إن رزقني الله رؤيته فهو نذر تبرر ، وإن ذكره لكراهة رؤيته فنذر لجاج وحكى الغزالي وجها في الوسيط في منع التبرر في المباح والمذهب ما سبق . فرع : نص الشافعي رحمه الله في نذر اللجاج أنه لو قال : إن فعلت كذا فلله علي نذر حج إن شاء فلان ، فشاء فلان لم يلزم القائل شيء ، قال المتولي : هذا إذا غلبنا في اللجاج معنى النذر أما : إذا قلنا : هو يمين فهو كمن قال : والله لا أفعل كذا إن شاء زيد ، وسيأتي في كتاب الأيمان إن شاء الله تعالى أن من قال : والله لا أدخلها إن شاء فلان أن لا أدخلها فإن شاء فلان انعقدت يمينه عند المشيئة وإلا فلا . فرع : إذا قال : أيمان البيعة لازمة لي ، فقد ذكره الأصحاب في هذا الموضع وذكره المصنف في التنبيه وجماعات في باب الأيمان ، قال أصحابنا : كانت في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمصافحة للرجال ، فلما ولي الحجاج بن يوسف رتبها أيمانا تشتمل على ذلك اسم الله تعالى ، وعلى الطلاق والإعتاق والحج وصدقة المال ، قال أصحابنا فإذا قال : أيمان البيعة لازمة لي ، فإن لم يرد الأيمان التي رتبها الحجاج لم يلزمه شيء ، وإن أرادها نظر إن قال فطلاقها وعتاقها لازم لي انعقدت يمينه بهما ، ولا حاجة إلى النية ، وإن لم يصرح بذكرهما لكن نواهما انعقدت يمينه أيضا بهما لأنهما ينعقدان بالكناية مع النية ، وإن نوى اليمين بالله تعالى أو لم ينو شيئا لم ينعقد يمينه ولا شيء عليه ، والله أعلم .

قسم V08/P352–V08/P354

قال المصنف رحمه الله تعالى : إذا نذر أن يتصدق بماله لزمه أن يتصدق بالجميع ، لقوله صلى الله عليه وسلم : من نذر أن يطيع الله فليطعه وإن نذر أن يعتق رقبة ففيه وجهان أحدهما : يجزئه ما يقع عليه الاسم اعتبارا بلفظه والثاني : لا يجزئه إلا ما يجزىء في الكفارة ، لأن الرقبة التي يجب عتقها بالشرع ما يجب بالكفارة فحمل النذر عليه وإن نذر أن يعتق رقبة بعينها لزمه أن يعتقها ، ولا يزول ملكه عنها حتى يعتقها ، فإن أراد بيعها أو إبدالها بغيرها لم يجز لأنه تعين للقربة فلا يملك بيعه كالوقف ، وإن تلف أو أتلفه لم يلزمه بدله لأن الحق للعبد فسقط بموته ، وإن أتلفه أجنبي وجبت القيمة للمولى ولا يلزمه صرفها في عبد آخر لما ذكرناه . + الشرح : الحديث المذكور صحيح سبق بيانه أول الكتاب ، ثم في الفصل مسائل : إحداها : إذا نذر أن يتصدق بماله لزمه الصدقة بجميع ماله لما ذكره المصنف . وقال أحمد في إحدى الروايتين عنه : يكفيه أن يتصدق بثلثه . دليلنا أن اسم المال يقع على الجميع . أما إذا قال مالي صدقة فقد سبق بيانه مع ما يتعلق به قريبا . ولو قال : إن شفي الله مريضي فلله علي أن أتصدق بشيء صح نذره ويجزئه التصدق بما شاء من قليل وكثير . ونقل الرافعي أنه لو قال : لله علي ألف ولم يعين شيئا باللفظ ولا بالنية لم يلزمه شيء . الثانية : إذا نذر إعتاق رقبة فوجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : يجزئه إعتاق ما يسمى رقبة ، وإن كانت معيبة وكافرة ، وهو ظاهر نص الشافعي ، فإنه قال : أعتق رقبة أية رقبة كانت والثاني : لا يجزئه إلا ما يجزىء في الكفارة وهي المؤمنة السليمة . وبنى أصحابنا هذا الخلاف على أصل مفهوم من معاني كلام الشافعي رحمه الله ، وهو أن الناذر إذا التزم عبادة بالنذر وأطلقها فلم يصفها فعلى أي شيء يحمل نذره وفيه قولان مفهومان من معاني كلام الشافعي أحدهما : ينزل على أقل واجب من جنسه يجب بأصل الشرع ، لأن المنذور واجب فجعل كواجب الشرع ابتداء والثاني : ينزل على أقل ما يصح من جنسه وقد يقولون : على أقل جائز الشرع ، لأن لفظ الناذر لا يقتضي زيادة عليه ، والأصل براءته . قال الرافعي : وهذا الثاني أصح عند إمام الحرمين والغزالي ، قال : والأول هو الصحيح عند العراقيين والروياني وغيرهم . قلت : الصواب أن يقال : إن الصحيح يختلف باختلاف المسائل ، ففي بعضها يصححون القول الأول وفي بعضها الثاني ، وهذا ظاهر يعلم من استقراء كلام الأصحاب في المسائل المخرجة على هذا الأصل فمن ذلك من نذر صوما ، الأصح وجوب تبييت النية ترجيحا للقول الأول ، وقطع به كثيرون ، ولو نذر صلاة لزمه ركعتان على الصحيح باتفاقهم ، ترجيحا للقول الأول أيضا ، وكذا لا يجوز الجمع بين صلاتين منذورتين بتيمم واحد على الصحيح باتفاقهم ترجيحا للقول الأول وغير ذلك من المسائل التي رجح فيها القول الأول ، ومما رجح فيه القول الثاني ما لو نذر إعتاق رقبة فإن الأصح أنه يجزىء المعيبة والكافرة ترجيحا للقول الثاني فحصل أن الصحيح يختلف باختلاف الصور . ويجوز أن يقال : مراد الجمهور بتصحيح القول الأول أنه الأصح مطلقا إلا في مسألة الاعتكاف ، وإنما اختلف الأصح في هذه المسألة وسائر المسائل لأن الإعتاق ليس له عرف مطرد أو غالب يحمل عليه بل وقوع عتق التطوع في العادة أكثر من العتق الواجب ، فحمل العتق المطلق بالنذر على مسمى الرقبة .

قسم V08/P354–V08/P355

وأما الصوم فيصح فيه عموم قوله صلى الله عليه وسلم لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل فخرج النفل بدليل ، وبقي النذر داخلا في العموم ، وهكذا الأصل صح فيها قوله صلى الله عليه وسلم صلاة الليل والنهار مثنى مثنى فخرج جواز التنفل بركعة بدليل ، وبقي النذر داخلا في العموم ، وكذا يقال في التيمم وغيره ، والله أعلم . فالحاصل أن الصحيح عند الجمهور أنه ينزل النذر في صفاته على صفات واجب الشرع إلا في الإعتاق ، وهذا الخلاف في صفاته . وأما أصل فعله والوفاء به فواجب بلا خلاف . قال أصحابنا : ويبني على القولين في تنزيل النذر مسائل منها : لو نذر أن يصلي وأطلق إن قلنا بالقول الأول وهو التنزيل على واجب الشرع لزمه ركعتان وهو المنصوص وإلا فركعة ومنها : جواز صلاته قاعدا مع القدرة على القيام فيها وجهان بناء عليها . ولو نذر أن يصلي قاعدا جاز القعود قطعا ، كما لو صرح بنذر ركعة فإنها تجزئه بلا خلاف ، فإن صلى قائما فهو أفضل . ولو نذر أن يصلي قائما لزمه القيام قطعا ولو نذر أن يصلي ركعتين فصلى أربعا بتسليمة واحدة بتشهد أو تشهدين فطريقان أصحهما : وبه قطع البغوي جوازه والثاني : فيه وجهان ، وهو الذي ذكره المتولي . قال الرافعي : ويمكن بناؤه على الأصل ، فإن نزلنا النذر على جائز الشرع أجزأه وإلا فلا ، كما لو صلى الصبح أربعا . وإن نذر أربع ركعات ، فإن نزلنا على واجب الشرع أمرناه بتشهدين ، فإن ترك الأول يسجد للسهو ، ولا يجوز أداؤها بتسليمتين ، وإن نزلنا على الجائز فهو بالخيار إن شاء أداها بتشهد ، وإن شاء أداها بتشهدين ، ويجوز بتسليمة وبتسليمتين ، وهو أفضل كما هو في النوافل ، هكذا نقلوه والأصح : أنه يجوز بتسليمتين على القولين ، والفرق بين هذه المسألة وباقي المسائل المخرجة على هذا الأصل ظاهر لأنه يسمى مصليا أربع ركعات كيف صلاها ، ولو نذر صلاتين لم تجزئه أربع ركعات بتسليمة واحدة ، ولو نذر أن يصلي ركعتين على الأرض مستقبل القبلة لم يجز فعلهما على الراحلة ، ولو نذر فعلهما على الراحلة فله فعلهما على الأرض مستقبلا ، وإن أطلق فعلى أيهما يحمل فيه خلاف مبني على هذا الأصل ، والله أعلم . أما إذا نذر أن يتصدق فإنه لا يحمل على خمسة دراهم أو نصف دينار بلا خلاف بل يجزئه أن يتصدق بدانق ودونه مما يتمول ، لأن الصدقة الواجبة في الزكاة غير منحصرة في نصاب الذهب والفضة ، بل تكون في صدقة الفطر وفي الخلطة ، ويتصور إيجاب دانق ودونه من الذهب والفضة أيضا في الزكاة إذا تلف معظم النصاب بعد الحول وقبل التمكن ، وقلنا : التمكن شرط في الضمان ، وهو الصحيح كما سبق في بابه ، والله أعلم . ومنها : إذا نذر إعتاق رقبة ، فإن نزلنا على واجب الشرع وجبت رقبة مؤمنة سليمة وهو الأصح عند الداركي ، وإلا أجزأه كافرة معيبة ، وهو الصحيح عند الأكثرين ، منهم المحاملي والمصنف في التنبيه والشاشي وآخرون وهو الراجح في الدليل كما سبق ، فلو قيد فقال : لله على إعتاق رقبة مؤمنة سليمة لم يجزه الكافرة ولا المعيبة بلا خلاف ، ولو قال كافرة أو معيبة أجزأته بلا خلاف ، فلو أعتق مؤمنة سليمة فقيل لا تجزئه لأنها غير ما التزمه والصحيح : الذي عليه الجمهور أنها تجزئه لأنها أكمل ، وذكر الكفر والعيب ليس للتقرب ، بل لجواز الإقتصار على الناقص ، فصار كمن نذر التصدق بحنطة رديئة يجوز له التصدق بالجيدة . ولو قال : على أن أعتق هذا الكافر أو المعيب ، لم يجزه غيره لتعلق النذر بعينه .

قسم V08/P355

أما إذا نذر أن يعتكف فليس من جنس الإعتكاف واجب بالشرع ، وقد سبق في بابه وجهان في أنه هل يشترط اللبث أم يكفي المرور في المسجد مع النية والأول أصح ، فعلى هذا يشترط لبث ويخرج عن النذر بلبث ساعة ، ويستحب أن يمكث يوما ، وإن اكتفينا بالمرور في أصل الإعتكاف فلإمام الحرمين احتمالان أحدهما : يشترط لبث لأن لفظ الإعتكاف يشعر به والثاني : لا ، حملا له على حقيقته شرعا ، والله أعلم . المسألة الثالثة : إذا نذر أن يعتق رقبة بعينها لزمه إعتاقها ، ولا يزول ملكه عنها بمجرد النذر ، فإن أراد بيعها أو هبتها أو الوصية بها أو إبدالها بغيرها لم يجز وإن تلفت أو أتلفها لم يلزمه بدلها ، وإن أتلفها أجنبي لزمه القيمة للمولى ويتصرف فيها المولى بما شاء ولا يلزمه أن يشتري بها رقبة يعتقها ، ودليل جميع هذه الصور في الكتاب ، وفيه الفرق بينه وبين الهدى والأضحية المنذورتين ، وقد سبقت المسألة بفروعها وإيضاح الفرق في باب الهدى ، والله أعلم .

قسم V08/P355–V08/P357

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن نذر هديا نظرت فإن سماه كالثوب والعبد والدار لزمه ما سماه ، وإن أطلق الهدي ففيه قولان ، قال في الإملاء والقديم : يهدي ما شاء ، لأن اسم الهدي يقع عليه ، ولهذا يقال : أهديت له دارا وأهدى لي ثوبا ، ولأن الجميع يسمى قربانا ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في الجمعة من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا ، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا سمي قربانا وجب أن يسمى هديا ، وقال في الجديد : لا يجزئه إلا الجذعة من الضأن والثنية من المعز والإبل والبقر ، لأن الهدي المعهود في الشرع ما ذكرناه فحمل مطلق النذر عليه . وإن نذر بدنة أو بقرة أو شاة ، فإن قلنا بالقول الأول أجزأه من ذلك ما يقع عليه الإسم ، وإن قلنا بالقول الثاني لم يجزه إلا ما يجزىء في الأضحية ، وإن نذر شاة فأهدى بدنة أجزأه ، لأن البدنة بسبع من الغنم ، وهل يجب الجميع فيه وجهان أحدهما : أن الجميع واجب ، لأنه مخير بين الشاة والبدنة فأيهما فعل كان واجبا ، كما نقول في العتق والإطعام في كفارة اليمين والثاني : أن الواجب هو السبع ، لأن كل سبع منها بشاة ، فكان الواجب هو السبع . وإن نذر بدنة وهو واجد البدنة ففيه وجهان أحدهما : أنه مخير بين البدنة والبقرة والسبع من الغنم ، لأن كل واحد من الثلاثة قائم مقام الآخر والثاني : أنه لا يجزئه غير البدنة لأنه عينها بالنذر ، وإن كان عادما للبدنة انتقل إلى البقرة ، فإن لم يجد بقرة انتقل إلى سبع من الغنم . ومن أصحابنا من قال : لا يجزئه غير البدنة فإن لم يجد ثبتت في ذمته إلى أن يجد ، لأنه التزم ذلك بالنذر ، والمذهب الأول ، لأنه فرض له بدل فانتقل عند العجز إلى بدله كالوضوء . وإن نذر الهدي للحرم لزمه في الحرم ، وإن نذر لبلد آخر لزمه في البلد الذي سماه ، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إني نذرت أن أذبح بمكان كذا وكذا ، مكان كان يذبح فيه أهل الجاهلية ، قال : لصنم قالت : لا قال : لوثن قالت : لا قال : أوفي بنذرك فإن نذر لأفضل بلد لزمه بمكة لأنها أفضل البلاد ، والدليل عليه ما روى جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته أي بلد أعظم حرمة قالوا : بلدنا هذا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم ، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ولأن مسجدها أفضل المساجد فدل على أنها أفضل البلاد . وإن أطلق النذر ففيه وجهان أحدهما : يجوز حيث شاء ، لأن الاسم يقع عليه والثاني : لا يجوز إلا في الحرم ، لأن الهدي المعهود في الشرع هو الهدي في الحرم ، والدليل قوله تعالى : هديا بالغ الكعبة وقال تعالى : ثم محلها إلى البيت العتيق فحمل مطلق النذر عليه ، فإن كان قد نذر الهدي لرتاج الكعبة أو عمارة مسجد ، لزمه صرفه فيما نذر ، فإن أطلق ففيه وجهان . أحدهما : أنه له أن يصرفه فيما شاء من وجوه القرب ، في ذلك البلد الذي نذر الهدي فيه ، لأن الإسم يقع عليه والثاني : أنه يفرقه على مساكين البلد الذي نذر أن يهدي إليه لأن الهدي المعهود في الشرع ما يفرق على المساكين فحمل مطلق النذر عليه .

قسم V08/P357–V08/P358

وإن كان ما نذره مما لا يمكن نقله كالدار ، باعه ونقل ثمنه إلى حيث نذر ، وإن نذر النحر في الحرم ففيه وجهان أحدهما : يلزمه النحر دون التفرقة لأنه نذر أحد مقصودي الهدي ، فلم يلزمه الآخر ، كما لو نذر التفرقة والثاني : يلزمه النحر والتفرقة ، وهو الصحيح ، لأن نحر الهدي في الحرم في عرف الشرع ما يتبعه التفرقة فحمل مطلق النذر عليه ، وإن نذر النحر في بلد غير الحرم ففيه وجهان أحدهما : لا يصح ، لأن النحر في غير الحرم ليس بقربة فلم يلزمه بالنذر والثاني : يلزم النحر والتفرقة ، لأن النحر على وجه القربة لا يكون إلا التفرقة فإذا نذر النحر تضمن التفرقة . + الشرح : حديث من راح في الساعة الأولى رواه البخاري ومسلم من رواية أبي هريرة وسبق بيان طرقه وشرحه في صلاة الجمعة ، وحديث عمرو بن شعيب غريب ، ولكن معناه مشهور من رواية ثابت ( بن ) الضحاك الأنصاري رضي الله عنه قال : نذر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينحر إبلا ببوانة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد قالوا : لا ، قال : فهل كان فيها عيد من أعيادهم قالوا : لا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أوف بنذرك ، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ، ولا فيما لا يملك ابن آدم رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم . وأما : حديث جابر بهذا اللفظ فغريب عنه ، ورواه البخاري بهذا اللفظ في صحيحه في أول كتاب الحدود في باب ظهر المؤمن حمى من رواية ابن عمر رضي الله عنهما ويستدل معه أيضا بحديث عدي بن الحمراء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف في مكة وأشار إليها وقال : والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت رواه الترمذي وغيره ، قال الترمذي : هو حديث حسن صحيح ، وسبق بيانه وبيان ما يتعلق به وما يعارضه في آخر باب ما يجب بمحظورات الإحرام ، والله أعلم . أما ألفاظ الفصل : ففيه لغتان مشهورتان أشهرهما : وأفصحهما هدي بإسكان الدال وتخفيف الياء وبهذه جاء القرآن والثانية : هدي بكسر الدال وتشديد الياء سمي هديا ، لأنه يهدى إلى الحرم ، فعلى الأولى هو فعل بمعنى مفعول كالخلق بمعنى المخلوق ، وعلى الثانية فعيل بمعنى مفعول ، كقتيل وجريح بمعنى مقتول ومجروح . وأما حديث من راح في الساعة الأولى فسبق شرحه في باب الجمعة وقوله : وقال في الجديد ، أي في معظم كتبه الجديدة ، وإلا فالإملاء من الكتب الجديدة وأما : الضأن والمعز والإبل والبقر فسبق بيان لغاتها في كتاب الزكاة قوله : لأنه فرض له بدل ، احتراز من الصلاة ومن زكاة الفطر . وذكر في الجديد الصنم والوثن ، فقيل هما بمعنى ، والأصح أنهما متغايران ، فعلى هذا قيل : الصنم ما كان مصورا من حجر أو نحاس أو غيرهما ، والوثن ما كان غير مصور ، وقيل : الوثن ما كان له جثة من خشب أو حجر أو جوهر أو ذهب وفضة ونحو ذلك ، سواء كان مصورا أو غير مصور ، والصنم الصورة بلا جثة ، والله أعلم . قوله : رتاج الكعبة هو بكسر الراء وتخفيف التاء المثناة فوق وبالجيم وأصله الباب ، وقد يراد به الكعبة نفسها ويقال فيه الرتج أيضا بفتح الراء والتاء والله أعلم .

قسم V08/P358–V08/P360

أما الأحكام : ففيها مسائل : إحداها : إذا نذر أن يهدي شيئا معينا من ثوب أو طعام أو دراهم أو عبيد أو دار أو شجر أو غير ذلك لزمه ما سماه ولا يجوز العدول عنه ولا إبداله ، فإن كان نذر أن يهديه إلى مكان معين واحتاج إلى مؤنة لنقله لزمه تلك المؤنة من ماله لا من المنذور ، وإن كان مما لا يمكن نقله كالدار والشجر والأرض وحجر الرحى ونحوها ، لزمه بيعه ونقل ثمنه لقوله صلى الله عليه وسلم من نذر أن يطيع الله فليطعه قال البغوي وغيره : ويتولى الناذر البيع والنقل بنفسه ، ولا يشترط إذن الحاكم ، ولا غيره ، ويتصدق بثمنه . قال أصحابنا : وإن كان ذلك المعين بالنذر من الحيوان كالعبد والبدنة والشاة وجب حمله إلى ذلك الموضع المعين ، فإن لم يكن شرط موضعا معينا لزمه صرفه إلى مساكين الحرم ، وسواء المقيمون فيه والواردون إليه ، هذا هو المذهب ، وبه قطع الجمهور ، وفيه وجه حكاه الرافعي وغيره أن مساكين الحرم لا يتعينون بل يجوز صرفه في غير الحرم ، والمشهور الأول ، فإن كان المنذور بدنة أو شاة أو بقرة وجب التصدق بها بعد ذبحها ، ولا يجوز التصدق بها قبله ، لأن في ذبحها قربة . قال أصحابنا : ويجب الذبح في الحرم ، فإن ذبح في غيره لم يجزه ، هذا هو المذهب ، وفيه وجه آخر مشهور أنه يجوز ذبحه خارج الحرم ، بشرط أن ينقل اللحم إلى الحرم قبل أن يتغير ، وقد سبق مثل هذا الخلاف في آخر باب محظورات الإحرام ، وإن كان من غير الإبل والبقر والغنم فما يمكن نقله كالظبية والحمار والطائر والثوب ، وجب حمله إلى الحرم ، وعليه مؤنة نقله كما ذكرنا ، فإن لم يكن له مال بيع بعضه لنقل الباقي ، هكذا جزم به المصنف في التنبيه وجمهور الأصحاب قال الرافعي : وأستحسن ما حكى عن القفال أنه قال : إن قال : أهدى هذا فالمؤنة عليه ، وإن قال : جعلته هديا فالمؤنة فيه يباع بعضه ، قال : ولكن مقتضى جعله هديا أن يوصل كله إلى الحرم فيلتزم مؤنته كما لو قال : أهدى . ثم إذا بلغ الحرم فالصحيح أنه يجب صرفه إلى مساكين الحرم . لكن لو نوى صرفه إلى تطييب الكعبة أو جعل الثوب سترا لها أو قربة أخرى هناك صرفه إلى ما نوى ، وفيه وجه ضعيف أنه وإن أطلق فله صرفه إلى ما نوى ، ووجه ثالث أضعف منه أن الثواب الصالح للستر يحمل عليه عند الإطلاق ، قال إمام الحرمين : قياس المذهب والذي صرح به الأئمة أن ذلك المال المعين يمتنع بيعه وتفرقة ثمنه ، بل يتصدق بعينه وينزل تعيينه منزلة تعيين الأضحية والشاة في الزكاة ، فيتصدق بالظبية والطائر وما في معناهما حيا ، ولا يذبحه إذ لا قربة في ذبحه ، فلو ذبحه فنقصت القيمة تصدق اللحم وغرم ما نقص ، هذا هو المذهب ، وحكى المتولي وجها ضعيفا أنه يذبح وطرد المتولي الخلاف فيما إذا أطلق ذكر الحيوان وقلنا : لا يشترط أن يهدي ما يجزىء في الأضحية والله أعلم . أما إذا نذر إهداء بعير معيب فهل يذبحه فيه وجهان أحدهما : نعم نظرا إلى جنسه وأصحهما : لا ، لأنه لا يصلح للتضحية كالظبية والله أعلم . المسألة الثانية : في الصفات المعتبرة في الحيوان المنذور إذا أطلق النذر ، قال أصحابنا : إذا قال : لله علي أن أهدي بعيرا أو بقرة أو شاة فهل يشترط فيه السن المجزىء في الأضحية والسلامة من العيوب فيه القولان اللذان ذكرهما المصنف بدليلهما ، وهما مبنيان على القاعدة السابقة أن النذر هل يحمل على أقل واجب الشرع من ذلك النوع أو أقل جائزة وما يتقرب به أصحهما : على واجبه فيشترط سن الأضحية والسلامة .

قسم V08/P360–V08/P361

ولو قال : أضحي ببعير أو ببقرة ففيه مثل هذا الخلاف ، قال إمام الحرمين : وبالإتفاق لا يجزىء الفصيل لأنه لا يسمى بعيرا ولا العجل إذا ذكر البقرة ، ولا السخلة إذا ذكر الشاة . ولو قال : أضحي ببدنة أو أهدي بدنة جرى الخلاف ، ورأى إمام الحرمين هذه الصورة أولى باشتراط السن والسلامة ، وهو كما رأى ، وإن أهدى ولم يسم شيئا ففيه القولان ( إن نزلناه ) على ما يتقرب به من جنسه خرج عن نذره بكل ما يتصدق به ، حتى الدجاجة أو البيضة أو غيرهما من كل ما يتمول لوقوع الإسم عليه ، وعلى هذا فالصحيح من الوجهين أنه لا يجب إيصاله مكة وصرفه إلى فقرائها بل يجوز التصدق به على غيرهم ، وهذا نصه في الإملاء و القديم كما ذكره المصنف والأصحاب . ( وإن نزلناه ) على أقل واجب الشرع من جنسه ، وجب أقل ما يجزىء في الأضحية وهذا هو المنصوص في الجديد ، وهو الصحيح ، فعلى هذا يجب إيصاله مكة لأن محل الهدي الحرم ، وقد حملناه على مقتضى الهدي وفيه وجه ضعيف أنه لا يجب حمله إلا أن يصرح به والمذهب الأول . أما إذا قال : لله علي أن أهدي الهدي بالألف واللام ، فيجب حمله على الهدي المعهود شرعا ، وهو ما يجزىء في الأضحية ، وهذا لا خلاف فيه لأنه عرفه بالألف واللام ، فوجب صرفه إلى المعهود والله أعلم . الثالثة : إذا نذر ذبح حيوان ولم يتعرض لهدي ولا أضحية بأن قال : لله علي أن أذبح هذه البقرة ، أو أنحر هذه البدنة ، فإن قال مع ذلك : وأتصدق بلحمها أو نواه ، لزمه الذبح والتصدق ، وإن لم يقله ولا نواه فوجهان أحدهما : ينعقد نذره ويلزمه الذبح والتصدق وأصحهما : لا ينعقد ، لأنه لم يلتزم التصدق ، وإنما التزم الذبح وحده ، وليس فيه قربة إذا لم يكن للصدقة ، ولو نذر أن يهدي بدنة أو بقرة أو شاة إلى مكة أو أن يتقرب بسوقها ويذبحها ويفرق لحمها على فقرائها لزمه الوفاء ، ولو لم يتعرض للذبح وتفرقة اللحم لزمه الذبح بها أيضا . وفي تفرقة اللحم وجهان : أحدهما : لا يجب تفرقته بها إلا أن ينوي . بل له التفرقة في موضع آخر وأصحهما : الوجوب . وبه قطع الأكثرون . ولو نذر الذبح في موضع آخر خارج الحرم وتفريق اللحم في الحرم على أهله قال المتولي : الذبح خارج الحرم لا قربة فيه فيذبح حيث شاء ، ويلزمه تفرقة اللحم في الحرم ، وكأنه نذر أن يهدي إلى مكة لحما . ولو نذر أن يذبح بمكة ويفرق اللحم على فقراء بلد آخر لزمه الوفاء بما التزم . ولو قال : لله علي أن أنحر أو أذبح بمكة ولم يتعرض للفظ القربة والتضحية ولا التصدق ففي انعقاد نذره وجهان أصحهما : ينعقد ، وبه قطع الجمهور ، وعلى هذا في وجوب التصدق باللحم على فقرائها الوجهان السابقان . ولو نذر الذبح بأفضل بلد صح نذره ولزمه الوفاء ، وحكمه حكم من نذر الذبح بمكة لأنها أفضل البلاد عندنا وقد سبق إيضاح المسألة في آخر باب محظورات الإحرام ، ولو نذر الذبح أو النحر ببلدة أخرى ولم يقل مع ذلك : وأتصدق على فقرائها ولا نواه ، فوجهان مشهوران حكاهما المصنف بدليلهما وحكاهما جماعة قولين أصحهما وهو نصه في الأم لا ينعقد نذره لأنه لم يلتزم إلا الذبح والذبح في غير الحرم لا قربة فيه والثاني : ينعقد ويلزمه الذبح وتفرقة اللحم على الفقراء فإن قلنا : ينعقد ، أو تلفظ مع ذلك بالتصدق أو نواه ، فهل يتعين التصدق باللحم أم لا يجوز نقله إلى غيرهم فيه طريقان المذهب : أنهم يتعينون والثاني : فيه وجهان مأخوذان من نقل الصدقة .

قسم V08/P361–V08/P362

فإن قلنا : لا يتعينون لم يجب الذبح بتلك البلدة بخلاف مكة فإنها محل ذبح الهدايا وإن قلنا : يتعينون فوجهان أحدهما : لا يجب الذبح بها ، بل لو ذبح خارجها ونقل اللحم إليها طريا جاز ، وبه قطع البغوي وجماعة والثاني : يتعين إراقة الدم فيها كمكة ، وبهذا قطع العراقيون ، وحكوه عن نصه في الأم . أما إذا قال : لله علي أن أضحي ببلدة كذا وأفرق اللحم على أهلها فينعقد نذره ويغني ذكر التضحي عن ذكر التصدق ونيته ، وجعل إمام الحرمين وجوب التفرقة على أهلها ووجوب الذبح بها على الخلاف السابق ، قال : ولو اقتصر على قوله : أضحي بها فهل يتضمن ذلك تخصيص التفرقة عليهم فيه وجهان ، الصحيح الذي جرى عليه الأئمة وجوب الذبح والتفرقة بها . وفي فتاوي القفال أنه لو قال : إن شفى الله مريضي فلله علي أن أتصدق بعشرة دراهم على فلان فشفاه الله تعالى ، لزمه التصدق عليه ، فإن لم يقبل لم يلزمه شيء . وهل لفلان مطالبته بالتصدق بعد الشفاء قال : يحتمل أن يقال : نعم ، كما لو نذر إعتاق عبد معين إن شفي فشفى ، فإن له المطالبة بالإعتاق ، وكما لو وجبت الزكاة والمستحقون في البلد محصورون ، فإن لهم المطالبة ، والله أعلم . الرابعة : إذا قال : لله علي أن أضحي ببدنة أو أهدي بدنة ، قال إمام الحرمين : البدنة في اللغة مختصة بالواحد من الإبل ، ثم الشرع قد يقيم مقامها بقرة أو سبعا من الغنم ، وقال الشيخ أبو حامد وجماعة : اسم البدنة على الإبل والبقر والغنم جميعا وهذا هو الصحيح ، وقد نقله الأزهري وخلافه من أهل اللغة ، وصرحوا بأنه يطلق على الإبل والبقر والغنم الذكر والأنثى . ولكن اشتهر في اصطلاح الفقهاء اختصاص البدنة بالإبل . قال أصحابنا : فإذا نذر بدنة فله حالان : أحدهما : أن يطلق التزام البدنة فله إخراجها من الإبل ، وهل له العدول إلى بقرة أو سبع من الغنم فيه ثلاثة أوجه أحدها : لا والثاني : نعم والثالث : وهو الصحيح المنصوص أنه إن وجد الإبل لم يجز العدول وإلا جاز . وقد ذكر المصنف دليل الأوجه الثلاثة ، ويشترط في البدنة والبقرة وكل شاة أن تكون مجزئة في الأضحية . الحال الثاني : أن يقيد فيقول : لله علي أن أضحي ببدنة من الإبل أو ينويها فلا يجزئه غير الإبل إذا وجدت بلا خلاف ، فإن عدمت فوجهان مشهوران أحدهما : يصبر إلى أن يجدها ولا يجزئه غيرها والثاني : وهو الصحيح المنصوص أن البقرة تجزئه بالقيمة . فإن كانت قيمة البقرة دون قيمة البدنة من الإبل لزمه إخراج الفاضل . هذا هو المذهب ، وفيه وجه آخر أنه لا تتعين القيمة كما في حال الإطلاق والصحيح الأول . واختلفوا في كيفية إخراج الفاضل فذكر الروياني في كتابه الكافي أنه يشتري بقرة أخرى إن أمكن وإلا فهل يشتري به شقصا أو يتصدق على المساكين بدراهم فيه وجهان . وفي تعليق الشيخ أبي حامد أنه يتصدق به . وقال المتولي : يشارك إنسانا في بدنة أو بقرة أو يشتري به شاة ، والله أعلم . وإذا عدل إلى الغنم في هذه الحالة اعتبرت القيمة أيضا . ثم نقل الروياني في كتابه جامع الجوامع أنه إذا لم يجد الإبل في حال التقييد يتخير بين البقرة والسبع من الغنم ، لأن الاعتبار بالقيمة والذي ذكره ابن كج والمتولي وغيرهما أنه لا يعدل إلى الغنم مع القدرة على البقر لأنها أقرب . ولو وجد ثلاث شياه بقيمة البدنة فوجهان أصحهما : لا تجزئه . بل عليه أن يتم السبع من ماله والثاني : تجزئه لوفائهن بالقيمة . قاله أبو الحسين النسوى من أصحابنا المتقدمين في زمن ابن خيران وأبي إسحاق المروزي . فرع : لو نذر شاة فجعل بدلها بدنة جاز بلا خلاف .

قسم V08/P362–V08/P363

وهل يكون جميعها فرضا فيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما وسبق ذكرهما في آخر باب صفة الوضوء ، وفي صفة الصلاة وفي الزكاة وفي الحج أصحهما : يقع سبعها واجبا والباقي تطوعا والثاني : يقع الجميع واجبا . فإن قلنا : كلها واجبة لم يجز الأكل منها إذا قلنا بالمذهب : إنه لا يجوز الأكل من الهدي والأضحية الواجبين وإن قلنا : الواجب السبع جاز الأكل من الزائد وقال الشيخ أبو حامد : يجوز أكل الزائد كله . والله أعلم . فرع : إذا نذر أن يهدي شاة بعينها لزمه ذبحها ، فإن أراد أن يذبح عنها بدنة لم يجزئه لأن الشاة تعينت فلا يجوز غيرها كما لو نذر إعتاق عبد معين والله أعلم . فرع : قال الشافعي في الأم : لو قال : إذا أهدى هذه الشاة نذرا لزمه أن يهديها إلا أن تكون نيته أني سأحدث نذرا أو سأهديها فلا يلزمه . قال : فلو نذر أن يهدي هديا ونوى بهيمة أو جديا أو رضيعا أجزأه . هكذا نص عليه . قال أصحابنا : والقولان السابقان فيما إذا أطلق نذر الهدي ولم ينو شيئا قال الشافعي ولو نذر أن يهدي شاة لا تجزىء في الأضحية أجزأته . قال : ولو أهدى كاملة كان أفضل . والله أعلم . فرع : يجزىء الذكر والأنثى والخصي والفحل في جميع ذلك سواء كان الواجب من الإبل أو البقر أو الغنم بلا خلاف لوقوع الاسم عليه . الخامسة : إذا نذر الإهداء لرتاج الكعبة لزم صرفه في كسوتها . وإن قصد صرفه في طيبها أو غير ذلك مما يصح نذره صرف إليه . وإن نذر الإهداء إلى بلد آخر فإن صرح بصرفه في عمارة مسجد ذلك البلد أو نواه أو صرح بصرفه في قرية أخرى مثلها أو نواه صرفه في ذلك ، وإن أطلق فوجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أحدهما : يصرفه فيما شاء من وجوه القربات في ذلك البلد وأصحهما : يتعين صرفه إلى مساكين ذلك البلد المقيمين فيه والواردين ، وهما مبنيان على الوجهين السابقين أن النذر المطلق هل يحمل على المعهود أم على ما يقع عليه الاسم إن قلنا : بالأصح وهو الحمل على المعهود تعين للمساكين وإلا فلا ، والله تعالى أعلم . فرع : قال أصحابنا : تطييب الكعبة وسترها من القريات ، سواء سترها بالحرير وغيره ، ولو نذر سترها أو تطييبها صح نذره بلا خلاف . أما إذا نذر هديا لرتاج الكعبة وطيبها فقال الشيخ إبراهيم المرورودي وغيره : ينقله ويسلمه إلى القيم ليصرفه في الجهة المذكورة إلا أن يكون قد نوى ، أو نص في نذره أن يتولى ذلك بنفسه فيلزمه . أما إذا نذر تطييب مسجد المدينة أو الأقصى أو غيرهما ففي انعقاد نذره تردد لإمام الحرمين ، ومال الإمام إلى تخصيص الإنعقاد بالمسجد الحرام ، والمختار الصحة في كل مسجد ، لأن تطييبها سنة مقصودة ، فلزمت بالنذر كسائر الطاعات . فرع : قد ذكرنا أن من نذر هديا مطلقا لزمه في أصح القولين ما يجزئه في الأضحية ، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد . وقال داود : ما يقع عليه اسم هدي ، وهو قولنا الآخر ، والله أعلم .

قسم V08/P363–V08/P365

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن نذر صلاة لزمه ركعتان في أظهر القولين ، لأن أقل صلاة واجبة في الشرع ركعتان ، فحمل النذر عليه ، وتلزمه ركعة في القول الآخر ، لأن الركعة صلاة في الشرع وهي الوتر فلزمه ذلك ، وإن نذر الصلاة في مسجد غير المساجد الثلاثة ، وهي المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى ، جاز له أن يصلي في غيره ، لأن ما سوى المساجد الثلاثة في الحرمة والفضيلة واحد ، فلم يتعين بالنذر ، وإن نذر الصلاة في المسجد الحرام لزمه فعلها فيه ، لأنه يختص بالنذر ، والصلاة فيه أفضل من الصلاة في غيره ، والدليل عليه ما روى عبد الله بن الزبير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام ، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي هذا فلا يجوز أن يسقط ما نذره بالصلاة في غيره . وإن نذر الصلاة في مسجد المدينة أو المسجد الأقصى ففيه قولان : أحدهما : يلزمه لأنه ورد الشرع فيه بشد الرحال إليه فأشبه المسجد الحرام والثاني : لا يلزمه لأنه لا يجب قصده بالنسك فلا تتعين الصلاة فيه بالنذر كسائر المساجد . فإن قلنا يلزمه فصلى في المسجد الحرام أجزأه عن النذر ، لأن الصلاة في المسجد الحرام أفضل فسقط به فرض النذر ، وإن نذر أن يصلي في المسجد الأقصى فصلى في مسجد المدينة أجزأه ، لما روى جابر رضي الله عنه أن رجلا قال : يا رسول الله إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس ركعتين ، فقال : صل ههنا ، فأعاد عليه فقال : صل ههنا ثم أعاد عليه فقال : شأنك ولأن الصلاة فيه أفضل من الصلاة في بيت المقدس ، فسقط به فرض النذر . + الشرح : أما حديث عبد الله بن الزبير فرواه أحمد بن حنبل في مسنده والبيهقي بإسناد حسن ، وسبق بيانه في أواخر باب صفة الحج في مسألة استحباب دخول البيت . وأما حديث جابر فصحيح رواه أبو داود في سننه بلفظه بإسناد صحيح . وقوله صلى الله عليه وسلم : شأنك هو منصوب أي الزم شأنك ، فإن شئت أن تفعله فافعله . وقوله : وورد الشرع بشد الرحال إليه احتراز من غير المساجد الثلاثة ، وفي بيت المقدس لغتان مشهورتان إحداهما : فتح الميم وإسكان القاف وكسر الدال والثانية : ضم الميم وفتح القاف والدال المشددة . أما الأحكام : فإن نذر صلاة مطلقة ففيما يلزمه قولان مشهوران أصحهما : ركعتان والثاني : ركعة ، وذكر المصنف دليلهما ، وهما مبنيان على القاعدة السابقة أن النذر هل يسلك به في صفاته مسلك واجب الشرع أو مسلك جائزه . أما إذا قال : لله علي ( أن ) أمشي إلى بيت الله الحرام أو آتيه أو أمشي إلى البيت الحرام لزمه إتيانه . هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور لقوله صلى الله عليه وسلم من نذر أن يطيع الله فليطعه وهو صحيح سبق بيانه . وقيل في لزومه قولان حكاهما الرافعي ، وليس بشيء . ولو قال : لله علي أن أمشي إلى بيت الله أو آتيه ولم يقل الحرام ، ففيه خلاف منهم من حكاه وجهين ، ومنهم من حكاه قولين أحدهما : يحمل على البيت الحرام وهو بيت مكة وأصحهما : لا ينعقد نذره إلا أن ينوي البيت الحرام ، لأن جميع المساجد بيوت الله تعالى ، وقد ذكر المصنف المسألة في آخر الباب ، وسنزيدها إيضاحا هناك إن شاء الله تعالى .

قسم V08/P365–V08/P366

ولو قال : لله علي أن أمشي إلى الحرم أو المسجد الحرام أو مكة أو ذكر بقعة من بقاع الحرم ، كالصفا والمروة ومسجد الخيف ومنى ومزدلفة ومقام إبراهيم وغيرها فهو كما لو قال إلى بيت الله الحرام ، حتى لو قال : آتي دار جهل أو دار الخيزران كان الحكم كذلك باتفاق الأصحاب لشمول حرمة الحرم في تنفير الصيد وغيره . ولو نذر أن يأتي عرفات فإن أراد التزام الحج وعبر عنه بحضور عرفات أو نوى أن يأتيها محرما انعقد نذره بالحج ، فإن لم ينو ذلك لم ينعقد نذره لأن عرفات من الحل فهي كبلد آخر . وفيه وجه لأبي علي ابن أبي هريرة أنه لو نذر أن يأتي عرفات يوم عرفات لزمه أن يأتيها حاجا . وقيد المتولي هذا الوجه بما إذا قال ذلك يوم عرفات بعد الزوال . وقال القاضي حسين : يكفي في لزوم ذلك أن يحضر له حضورها يوم عرفة . وربما قال بهذا الجواب على الإطلاق . والمذهب ما قدمناه . وبه قطع جماهير الأصحاب . ولو قال : لله علي أن آتي مر الظهران أو بقعة أخرى قريبة من الحرم لم يلزمه شيء بلا خلاف قال أصحابنا : وإذا التزم الإتيان إلى الكعبة فسواء التزمه بلفظ المشي والإتيان والانتقال والذهاب والمضي والمصير والمسير ونحوها . ولو نذر أن يمس بثوبه خطيم الكعبة فهو كما لو نوى إتيانها والله أعلم . أما إذا نذر أن يأتي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو المسجد الأقصى ففي لزوم إتيانها قولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما . قال في البويطي : يلزم ، وقال في الإملاء : لا يلزم ويلغو النذر . وهذا هو الأصح عند أصحابنا العراقيين والروياني وغيرهم . قال أصحابنا : فإن قلنا بالمذهب : إنه يلزمه إتيان المسجد الحرام بالتزامه قال الصيدلاني وغيره : إن حملنا النذر على أقل واجب الشرع لزمه حج أو عمرة وهذا هو نص الشافعي رحمه الله في المسألة . وهو المذهب . وإن قلنا : لا يحمل على أقل واجب الشرع بني على أصل آخر ، وهو أن دخول مكة هل يوجب الإحرام بحج أو عمرة وفيه قولان سبقا أصحهما : لا يوجب فإن قلنا : يوجبه فإذا أتاه لزمه حج أو عمرة وإن قلنا : لا فهو كمسجد المدينة والأقصى ، ففيه القولان في أنه هل يلزمه إتيانه وإذا لزم فتفريعه كتفريع المسجدين ، كما سنوضحه إن شاء الله تعالى . أما إذا أوجبنا إتيان مسجد المدينة والأقصى فهل يلزمه مع الإتيان شيء آخر فيه وجهان أحدهما : لا ، إذا لم يلتزمه وأصحهما : نعم لأن الإتيان المجرد ليس بقربة ، وإنما يقصد لغيره ، فعلى هذا فيما يلزمه أوجه أحدها : يتعين أن يصلي في المسجد الذي أتاه . قال إمام الحرمين : الذي أراه أنه لا يلزمه ركعتان بل تكفيه ركعة قولا واحدا ، وذكر ابن الصباغ والأكثرون أنه يصلي ركعتين . قال ابن القطان : وهل يكفي أن يصلي فريضة أم لا بد من صلاة زائدة فيه وجهان أصحهما : لا تكفي الفريضة بناء على وجهين فيمن نذر أن يعتكف شهر الصوم هل يكفي أن يعتكف في رمضان أصحهما : لا يكفيه والوجه الثاني : من الأوجه أنه يتعين أن يعتكف فيه ولو ساعة لأن الاعتكاف أخص القربات بالمسجد والثالث : وهو الأصح يتخير بينهما ، وبه قطع البغوي وغيره . قال الشيخ أبو علي السنجي : يكفي في مسجد المدينة أن يزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم وحكاه عنه إمام الحرمين ، وتوقف فيه من جهة أن الزيارة لا تتعلق بالمسجد وتعظيمه ، قال وقياسه أنه لو تصدق في المسجد أو صام يوما كفاه ، قال : والظاهر الإكتفاء بالزيارة ، والله أعلم .

قسم V08/P366–V08/P368

وإذا نزلنا المسجد الحرام منزلة المسجدين وأوجبنا ضم قربة إلى الإتيان ففي تلك القربة أوجه أحدها : الصلاة والثاني : الحج أو العمرة والثالث : يتخير . قال إمام الحرمين : ولو قيل يكفي الطواف لم يبعد والله أعلم . قال أصحابنا ومتى قال : أمشي إلى بيت الله الحرام لم يكن له الركوب على أصح الوجهين ، بل يلزمه المشي كما سنذكره إن شاء الله تعالى فيما إذا قال : أحج ماشيا والوجه الآخر : يمشي من الميقات ويجوز الركوب قبله . وذكر القاضي أبو الطيب وكثير من العراقيين أنه لا خلاف بين الأصحاب أنه يمشي من دويرة أهله ، لكن هل يحرم من دويرة أهله . وقال أبو علي الطبري من الميقات وهو الأصح . ولو قال : أمشي إلى مسجد المدينة أو الأقصى وأوجبنا الإتيان ففي وجوب المشي وجهان أصحهما الوجوب . ولو كان لفظ الناذر الإتيان أو الذهاب أو غيرهما مما يساوي المشي فله الركوب بلا خلاف . والله أعلم . أما : إذا نذر إتيان مسجد آخر سوى الثلاثة فلا ينعقد نذره بلا خلاف ، لأنه ليس في قصدها قربة . وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، والأقصى ، ومسجدي قال إمام الحرمين : كان شيخي يفتي بالمنع من شد الرحال إلى غير هذه الثلاثة لهذا الحديث قال : وربما كان يقول : محرم . قال الإمام : والظاهر أنه ليس فيه تحريم ولا كراهة . وبه قال الشيخ أبو علي ومقصود الحديث بيان القربة بقصد المساجد الثلاثة . واعلم : أنه سبق في الاعتكاف أن من عين بنذره مسجد المدينة أو الأقصى للاعتكاف تعين على أصح القولين والفرق أن الاعتكاف عبادة في نفسه . وهو مخصوص بالمسجد ، فإذا كان للمسجد فضل فكأنه التزم فضيلة في العبادة الملتزمة والإتيان بخلافه ويوضحه أنه لا خلاف أنه لو نذر إتيان سائر المساجد لم يلزمه وفي مثله في الاعتكاف خلاف والله أعلم . فرع : إذا نذر الصلاة في موضع معين لزمه الصلاة ، ثم إن عين المسجد الحرام تعين للصلاة الملتزمة وإن عين مسجد المدينة أو الأقصى فطريقان . قال الأكثرون : في تعينه القولان في لزوم الإتيان . وقطع المراوزة بالتعيين ، والتعيين هنا أرجح كالاعتكاف . وإن عين سائر المساجد والمواضع لم تتعين . وإن عين مسجد المدينة أو الأقصى للصلاة وقلنا بالتعين فصلى في المسجد الحرام خرج عن نذره على الأصح بخلاف العكس وهل تقوم الصلاة في أحدهما مقام الصلاة في الآخر فيه ثلاثة أوجه : أحدها : تقوم والثاني : لا والثالث : وهو الأصح وهو المنصوص في البويطي : يقوم مسجد المدينة مقام المسجد الأقصى ، ولا يقوم الأقصى مقام مسجد المدينة ويؤيده الحديث السابق والله أعلم . وذكر إمام الحرمين أنه لو قال : أصلي في مسجد المدينة فصلى في غيره ألف صلاة لم يخرج عن نذره ، كما لو نذر ألف صلاة لم يخرج عن نذره بصلاة واحدة في مسجد المدينة ، قال : وكان شيخي يقول : لو نذر صلاة في الكعبة فصلى في أطراف المسجد خرج عن نذره ، لأن الجميع من المسجد الحرام والله أعلم . فرع : سبق أن المذهب في نذر المشي إلى بيت الله الحرام أنه يجب قصده بحج أو عمرة ، فلو قال في نذره : أمشي إلى بيت الله الحرام بلا حج ولا عمرة فوجهان أصحهما : ينعقد نذره ويلغو قوله بلا حج ولا عمرة والثاني : لا ينعقد . ثم إذا أتاه فإن أوجبنا إحراما لدخول مكة لزمه حج أو عمرة وإن قلنا : لا ، فعلى ما ذكرنا في مسجد المدينة والأقصى ، والصحيح هنا لزومه ، وقد ذكر المصنف هذه المسألة في آخر الباب وسنزيدها هناك إيضاحا إن شاء الله تعالى .

قسم V08/P368–V08/P369

فرع : لو قال : لله علي أن أصلي الفرائض في المسجد ، قال الغزالي : يلزمه إذا قلنا : صفات الفرائض تفرد بالالتزام . فرع : قال القاضي ابن كج : إذا نذر أن يزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم فعندي أنه يلزم الوفاء بذلك وجها واحدا ولو نذر أن يزور قبر غيره فوجهان . فرع : قال المتولي : لو قال : لله علي أن أمشي إلى مكة ونوى بقلبه حاجا أو معتمرا انعقد النذر على ما نوى ، وإن نوى إلى بيت الله الحرام حصل ما نواه كأنه تلفظ به ، والله أعلم . فرع : ذكر المصنف في أثناء كلامه ودليله هنا أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل منها في غيره ، وهذا مبني على أن مكة أفضل من المدينة ، وهو مذهنبا لا خلاف فيه عندنا . وبه قال جمهور العلماء ، وقال مالك وطائفة : المدينة أفضل وسبقت المسألة واضحة في آخر باب ما يجب بمحظورات الإحرام ، وفي أواخر باب صفة الحج في مسألة دخول الكعبة . واعلم : أنا حكينا هناك أن القاضي عياضا نقل الإجماع على أن موضع قبر النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الأرض ، وأن الخلاف إنما هو فيما سواه ، ولم أر لأصحابنا تعرضا لما نقله والله أعلم ، ثم إن مذهبنا أن تفضيل الصلاة في مسجدي مكة والمدينة لا يختص بصلاة الفرض ، بل يعم الفرض والنفل ، وقد صرح المصنف بمعنى هذا في باب استقبال القبلة ، وبه قال طائفة من أصحاب مالك ، وقال الطحاوي : يختص بالفروض وهو إطلاق الأحاديث الصحيحة . فرع : في مذاهب العلماء فيمن نذر صلاة مطلقة : الأصح : عندنا يلزمه ركعتان ، وبه قال مالك وأبو حنيفة ، ورواية عن أحمد ، وعنه رواية أخرى أنه يكفيه ركعة . فرع : لو نذر المشي إلى المسجد الحرام لزمه ذلك ، كما لو قال : إلى بيت الله الحرام ، هذا مذهبنا ، وبه قال مالك وأبو يوسف ومحمد وأحمد ، وقال أبو حنيفة : لا يلزمه شيء ، قال : وإنما يلزمه إذا قال : إلى بيت كداء أو إلى مكة أو إلى الكعبة استحسانا . فرع : إذا نذر أن يصلي في المسجد الحرام فصلى في غيره لم يجزه عندنا وبه قال مالك وأحمد وأبو يوسف وداود . وقال أبو حنيفة : يجزئه ، دليلنا أنه فضيلة فلزمه كالصوم والصلاة . فرع : إذا نذر المشي إلى مسجد المدينة أو الأقصى لم يلزمه ذلك في أصح القولين عندنا ، وبه قال أبو حنيفة ، وقال مالك وأحمد : يلزمه . فرع : إذا نذر المشي إلى مسجد غير المساجد الثلاثة ، وهي الحرام والمدينة والأقصى ، لم يلزمه ولا ينعقد نذره عندنا ، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد وجماهير العلماء . لكن قال أحمد : يلزمه كفارة يمين ، وقال الليث بن سعد : يلزمه المشي إلى ذلك المسجد . وقال محمد بن مسلمة المالكي : إذا نذر قصد مسجد قباء لزمه للحديث المشهور في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي قباء كل ست راكبا وماشيا . فرع : إذا نذر المشي إلى الصفا أو المروة أو منى فمذهبنا أنه يلزمه الحج والعمرة . وبه قال أحمد وأشهب المالكي . وقال أبو حنيفة وأصحابه وابن القاسم المالكي : لا يلزمه ، دليلنا أنه موضع من الحرم فأشبه الكعبة . فرع : إذا نذر صلاة في مسجد المدينة أو الأقصى ، فهل يتعين فيه قولان عندنا ، سبق بيانهما ، وممن قال بالتعين مالك وأحمد . وقال أبو حنيفة : لا يتعين ، والله أعلم .

قسم V08/P369–V08/P370

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن نذر الصوم لزمه صوم يوم لأن أقل الصوم يوم ، وإن نذر صوم سنة بعينها لزمه صومها متتابعا ، كما يلزمه صوم رمضان متتابعا ، فإذا جاء رمضان صام عن رمضان ، لأنه مستحق بالشرع ، ولا يجوز أن يصوم فيه عن النذر ، ولا يلزمه قضاؤه عن النذر ، لأنه لم يدخل في النذر ، ويفطر في العيدين وأيام التشريق ، لأنه مستحق للفطر ، ولا يلزمه قضاؤه لأنه لم يتناولها النذر ، وإن كانت امرأة فحاضت فهل يلزمها القضاء فيه قولان . أحدهما لا يلزمها ، لأنه مستحق للفطر ، فلا يلزمها قضاؤه كأيام العيد والثاني : يلزمها لأن الزمان محل للصوم وإنما تفطر هي وحدها ، فإن أفطر فيه لغير عذر نظرت فإن لم يشترط فيه التتابع أتم ما بقي لأن التتابع فيه يجب لأجل الوقت ، فهو كالصائم في رمضان إذا أفطر بغير عذر ، ويجب عليه قضاؤه كما يجب على الصائم في رمضان ، وإن شرط التتابع لزمه أن يستأنف ، لأن التتابع لزمه بالشرط ، فبطل بالفطر كصوم الظهار . وإن أفطر لمرض وقد شرط التتابع ففيه قولان أحدهما : ينقطع التتابع ، لأنه أفطر باختياره والثاني : لا ينقطع ، لأنه أفطر بعذر فأشبه الفطر بالحيض ، فإن قلنا : لا ينقطع التتابع فهل يجب القضاء فيه وجهان بناء على القولين في الحائض ، وقد بيناه ، وإن أفطر بالسفر ، فإن قلنا : إنه ينقطع التتابع بالمرض ، فالسفر أولى ، وإن قلنا : لا ينقطع بالمرض . ففي السفر وجهان : أحدهما : لا ينقطع لأنه أفطر بعذر فهو كالفطر بالمرض . والثاني : ينقطع ، لأن سببه باختياره بخلاف المرض . وإن نذر سنة غير معينة فإن لم يشترط التتابع جاز متتابعا ومتفرقا لأن الاسم يتناول الجميع فإن صام شهرا بالأهلة وهي ناقصة أجزأه ، لأن الشهور في الشرع بالأهلة ، وإن صام سنة متتابعة لزمه قضاء رمضان وأيام العيد ، لأن الفرض في الذمة فانتقل فيما لم يسلم منه إلى البدل ، كالمسلم فيه إذا رد بالعيب ، ويخالف السنة المعينة فإن الفرض فيها يتعلق بمعين فلم ينتقل فيما لم يسلم إلى البدل كالسلعة المعينة إذا ردها بالعيب ، وأما إذا اشترط فيها التتابع فإنه يلزمه صومها متتابعا على ما ذكرناه . + الشرح : قال أصحابنا رحمهم الله : إذا أطلق التزام الصوم فقال : لله علي صوم أو أن أصوم لزمه صوم يوم ، قال الرافعي : ويجيء فيه وجه ضعيف أنه يكفيه إمساك بعض يوم ، بناء على أن النذر ينزل على أقل ما يصح من جنسه ، وأن إمساك بعض اليوم صوم ، وسنذكرهما إن شاء الله تعالى . فلو نذر صوم أيام وبينها فذاك ، وإن أطلق الأيام لزمه ثلاثة . ولو قال : أصوم دهرا أو حينا كفاه صوم يوم ، وهل يجب تبييت النية في الصوم المنذور أو يكفي بنية قبل الزوال فيه طريقان ، قطع المصنف في كتاب الصيام وكثيرون أو الأكثرون باشتراط التبييت ، وذكر آخرون فيه قولين أو وجهين بناء على القاعدة السابقة أنه هل يسلك بالنذر مسلك الواجب أم الجائز إن قلنا مسلك الواجب اشترط التبييت وإلا فلا ، والله أعلم . وأما إذا لزمه صوم يوم بالنذر فيستحب المبادرة به ، ولا تجب المبادرة ، بل يخرج عن نذره بأي يوم صامه من الأيام التي تقبل الصوم غير رمضان . ولو نذر صوم يوم خميس ولم يعين صام أي خميس شاء ، فإذا مضى خميس ولم يصم مع التمكن استقر في ذمته حتى لو مات قبل الصوم فدى عنه .

قسم V08/P370–V08/P372

ولو عين في نذره يوما كأول خميس من الشهر ، أو خميس هذا الأسبوع تعين على المذهب ، وبه قطع الجمهور فلا يصح الصوم قبله ، فإن أخره عنه صام قضاء ، سواء أخره بعذر أم لا لكن إن أخره بغير عذر أثم ، وإن أخره بعذر سفر أو مرض لم يأثم . وقال الصيدلاني وغيره : في تعينه وجهان الصحيح : تعينه والثاني : لا ، كما لو عين مكانا ، فعلى هذا قالوا : يجوز الصوم قبله وبعده . قال أصحابنا : ولو عين يوما من أسبوع والتبس عليه فينبغي أن يصوم يوم الجمعة لأنه آخر الأسبوع . فإن لم يكن هو المعين في نفس الأمر أجزأه وكان قضاء ، ومما يدل على أن يوم الجمعة آخر الأسبوع ويوم السبت أوله ، حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال : خلق الله التربة يوم السبت ، وخلق فيها الجبال يوم الأحد ، وخلق الشجر يوم الاثنين ، وخلق المكروه يوم الثلاثاء ، وخلق النور يوم الأربعاء ، وبعث فيها الدواب يوم الخميس ، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق ، في آخر ساعة من النهار فيما بين العصر إلى الليل رواه مسلم في صحيحه ، قال أصحابنا : ولو نذر صوم يوم مطلق من أسبوع معين صام منه أي يوم شاء ، والله أعلم . فرع : اليوم المعين بالنذر لا يثبت له خواص رمضان ، سواء عيناه بالنذر أم جوزناه من الكفارة بالفطر بالجماع فيه ووجوب الإمساك لو أفطر وعدم قبول صوم آخر من قضاء أو كفارة أو غيرهما ، بل لو صامه من قضاء أو كفارة صح بلا خلاف ، كذا قاله إمام الحرمين . وحكى البغوي وجها ضعيفا أنه لا ينعقد كأيام رمضان ، والله أعلم . فرع : الخلاف السابق في أن اليوم المعين بالنذر هل يتعين يجري مثله في الصلاة إذا عين لها في نذرها وقتا وفي الحج إذا عين في نذره سنة ، وجزم البغوي بالتعين ، فقال : لو نذر صلاة في وقت عينه غير أوقات النهي تعين ، فلا يجوز قبله ولا يجوز التأخير عنه بلا عذر ، وإذا لم يصل فيه وجب القضاء ، ولو نذر أن يصلي ضحوة صلى في ضحوة أي يوم شاء . ولو صلى في غير الضحوة لم يجزه . ولو عين ضحوة فلم يصح فيها قضى أي وقت شاء من ضحوة أو غيرها . ولو عين للصدقة وقتا قال الصيدلاني : يجوز تقديمها على وقتها بلا خلاف . فرع : إذا نذر صوم أيام بأن قال : لله علي صوم عشرة أيام ، فالقول في المبادرة مستحبة وليست واجبة ، وفي أنه إذا عينها هل تتعين على ما ذكرناه في اليوم الواحد ، ويجري الخلاف في تعين الشهر والسنة المعينين في النذر ، والصحيح التعين في الجميع ، وحيث لا نذكره أو الأصحاب يكون اقتصارا على الصحيح ، ويجوز صوم هذه الأيام متفرقة ومتتابعة لحصول الوفاء بالمسمى . وإن عين النذر بالتتابع لزمه ، فلو أخل به فحكمه حكم صوم الشهرين المتتابعين . ولو قيد بالتفريق فوجهان أحدهما : لا يجب التفريق وأصحهما : يجب ، وبه قطع ابن كج والبغوي وغيرهما ، لأن التفريق معتبر في صوم التمتع ، فعلى هذا قالوا : لو صام عشرة أيام متتابعة حسبت له خمسة ، ويلغى بعد كل يوم يوم .