Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

قسم V09/P354–V09/P355

فرع : لو اشترى زرعا وشرط على بائعه أن يحصده فالمذهب بطلان البيع ، وبه قطع جمهور المصنفين ، ونقله الماوردي وغيره عن جمهور أصحابنا المتقدمين ، وقال أبو علي بن أبي هريرة : فيه القولان فيمن جمع في عقد بين بيع وإجارة ، وقيل : شرط الحصاد باطل ، وفي البيع قولا تفريق الصفقة ، وسواء قال : بعتكه بألف على أن تحصده ، وقال الشيخ أبو حامد : لا يصح الأول قطعا ، وفي الثاني الطريقان . ولو قال : اشتريت منك هذا الزرع واستأجرتك على حصاده بعشرة . فقال : بعتك وأجرتك فطريقان أحدهما : أنه على القولين في الجمع بين مختلفي الحكم وأصحهما : بطلان الإجارة ، وفي البيع قولا تفريق الصفقة . ولو قال : اشتريت هذا الزرع بعشرة واستأجرتك على حصده بدرهم فقال : بعت وأجرت ، قال البغوي وغيره : صح الشراء ، لأنه لا شرط فيه ، ولم تصح الإجارة ، لأنه استئجار على العمل فيما لم يتم ملكه فيه ، لأن أحد شقي الإجارة وجد قبل تمام البيع ، فصار كما لو قال : استأجرتك لتخيط لي هذا الثوب ، والثوب غير مملوك له في الحال ، فلو أفرد الشراء بعوض والاستئجار بعوض بعقد ، فقال : اشتريته بعشرة على أن تحصده بدرهم أو اشترى ثوبا وشرط عليه خياطته وصبغه أو لبنا وشرط عليه جعله آجرا ، أو نعلا وشرط عليه أن ينعل به دابته ، أو جلدة وشرط عليه خرزها خفا ، أو عبدا رضيعا وشرط عليه إتمام رضاعته ، أو متاعا على أن يحمله إلى بيته ، وهما يعلمان البيت ، فالمذهب بطلان العقد في كل هذه الصور ونظائرها ، فلو لم يعرف أحدهما البيت في مسألة المتاع بطل العقد بلا خلاف ، وممن صرح بهذه المسائل مجموعة البغوي وتابعه الرافعي . ولو اشترى حطبا على ظهر بهيمة ، وشرط عليه حمله إلى بيته بطل على المذهب ، كما ذكرنا ، فلو شرط وضعه موضعه صح قطعا ، فلو أطلق فوجهان أصحهما : يصح ، ويسلمه إليه موضعه ، لأنه مقتضى الإطلاق والثاني : لا يصح العقد حتى يصرح باشتراط تسليمه في موضعه ، لأن العادة تقتضي حمله إلى داره ، فيصير ذلك كالمشروط ، وهذا الخلاف له تعلق بمسألة السر والعلانية في الصداق ونظائرها . فرع : الشرط المقارن للعقد يلحقه ، فإن كان شرطا صحيحا لزم الوفاء به ، وإن كان فاسدا أفسد العقد وأما الشرط السابق فلا يلحق العقد ، ولا يؤثر فيه ، فلا يلزم الوفاء به ، ولا يفسد العقد به إن كان شرطا فاسدا ، لأن ما قبل العقد لغو ، هكذا نص عليه وقطع به الأصحاب وأما الشرط الذي يشترط بعد تمام العقد فإن كان بعد لزوم العقد بانقضاء الخيار فهو لغو قطعا ، وإن كان قبله في مدة خيار المجلس أو الشرط فثلاثة أوجه أحدها : لا يلحق وصححه المتولي والثاني : يلحق في خيار المجلس دون خيار الشرط . قاله الشيخ أبو زيد والقفال والثالث : وهو الصحيح عند الجمهور ، وبه قطع أكثر العراقيين ، يلحق في مدة الخيارين جميعا ، وهو ظاهر نص الشافعي . فعلى هذا في محل صحة الإلحاق وجهان أحدهما : قاله أبو علي الطبري ، وصححه الشيخ أبو علي السنجي والبغوي وغيرهما أنه مفرع على قولنا : الملك في زمن الخيار للبائع ، أو موقوف وفسخ العقد فأما إن قلنا : للمشتري أو موقوف وأمضى العقد فلا يلحق كما يلحق بعد انقضاء الخيار والوجه الثاني : أن جواز الإلحاق مطرد على الأقوال كلها وهذا هو الصحيح صححه العراقيون .

قسم V09/P355–V09/P357

ولو ألحقا بالعقد زيادة في الثمن أو المثمن أو ازدادا بباب الخيار أو الأجل أو قدرهما أو فعلا ذلك في المسلم فيه أو في رأس مال السلم أو الصداق أو في الإجارة أو غيرها من العقدو ، فحكمه حكم إلحاق الصحيح الفاسد كما سبق ، فإن كان بعد لزوم العقد فهو لغو ، وإن كان قبله ففيه الخلاف . فإن قلنا : يلحق فالزيادة تلحق الشفيع ، كما تلزم المشتري ، ولو حط من الثمن شيء فحكمه كذلك ، فإن كان بعد لزوم العقد فلغو فلا يسقط شيء من الثمن ، ويأخذ الشفيع بجميع ما سمى في العقد ، ويختص المشتري بفائدة الحط ، وإن كان قبل لزوم العقد ففيه الخلاف ، فإن ألحقناه بالعقد انحط عن الشفيع ولو حط جميع الثمن فهو كالبيع بلا ثمن ، وسبق حكمه في أول البيوع ، وحيث فسد العقد لشرط فاسد ثم أسقطا الشرط لم ينقلب العقد صحيحا ، سواء كان الإسقاط في المجلس أو بعده ، وحكى الرافعي وجها أنه ينقلب صحيحا بالإسقاط في المجلس ، وهو شاذ ضعيف . والله سبحانه أعلم . فرع : لو قال : بع عبدك لزيد بألف على أن على خمسمائة ، فباعه على هذا الشرط فوجهان أصحهما : فساد البيع ، لأنه ينافي مقتضى البيع ، فإن مقتضاه أن جميع الثمن على المشتري ، ولا يلزم غيره شيء والثاني : يصح ويجب على زيد ألف وعلى الآمر خمسمائة بالتزامه ، وقد يكون له غرض صحيح في ذلك ، فهو كما لو قال : ألق متاعك في البحر وعلي كذا عند إشراف السفينة على الغرق بسبب ذلك المتاع ، وكما لو خالع الأجنبي بمال في ذمته أما إذا قال : بع عبدك لزيد بألف في ذمتي ، فباعه كذلك ، فالبيع باطل قطعا . فرع : قد ذكرنا أنه يصح البيع بشرط الرهن والكفيل والإشهاد ، فيصح البيع بشرط أن يرهن المشتري بالثمن ، أو يقيم كفيلا به ، أو يشهد عليه سواء كان الثمن حالا أو مؤجلا ، ويجوز أيضا أن يشرط المشتري على البائع كفيلا بالعهدة ، ويشترط تعيين الرهن والكفيل ، والمعتبر في الرهن المشاهدة أو الوصف بصفة المسلم فيه وفي الكفيل المشاهدة أو المعرفة بالاسم والنسب ، ولا يكفي الوصف ، كقوله : رجل موسر ثقة ، هكذا ذكره الأصحاب ونص عليه ونقله الرافعي عنهم ثم قال : ولو قال قائل : الاكتفاء بالوصف أولى من الاكتفاء بمشاهدة من لا يعرف لم يكن مبعدا ، وقال ابن كج : لا يشترط تعيين الكفيل ، فإذا أطلق أقام من شاء كفيلا وهذا شاذ مردود لأن الغرض يختلف به اختلافا ظاهرا ، ولا يشترط تعيين الشهود على أصح الوجهين ، وادعى إمام الحرمين أنه لا يشترط قطعا ، وجعل الخلاف في أنه لو عين شهودا هل يتعينون . ولا يشترط كون المرهون عند المرتهن ، أو عند عدل على أصح الوجهين بل إن اتفقا على يد المرتهن ، أو عدل ، وإلا جعله الحاكم في يد عدل والثاني : يشترط ليقطع النزاع ، فلو لم يرهن المشتري ما شرطه ، أو لم يشهد ، أو لم يقم كفيلا أو لم يتكفل الذي عينه لم يجبر على شيء من ذلك بل للبائع الخيار في فسخ البيع ولا يقوم رهن آخر ولا كفيل آخر مقام المعين ، فإن فسخ فذاك ، وإن أجاز لزم البيع ، ولا خيار للمشتري ، ولو عين شاهدين فامتنعا من التحمل فإن قلنا : يشترط تعيينهما فللبائع الخيار وإلا فلا . فرع : في مذاهب العلماء فيمن باع شيئا بشرط ينافي مقتضاه ، بأن شرط أن لا يبيعه أو لا يبيعه لغيره أو لا يطأها أولا يزوجها أو يخرجها من البلد .

قسم V09/P357–V09/P359

قد ذكرنا أن مذهبنا المشهور بطلان هذا البيع وسواء شرطا واحدا أم شرطين ، وبه قال ابن عمر وعكرمة والأوزاعي ومالك وأبو حنيفة وجماهير العلماء ، قال الماوردي : هو مذهب جميع الفقهاء ، وقال ابن سيرين وعبد الله بن شبرمة التابعيان وحماد بن أبي سليمان : البيع صحيح والشرط صحيح وقال الحسن البصري والنخعي وابن أبي ليلى وأبو ثور وابن المنذر : البيع صحيح والشرط باطل لاغ . وقال أحمد وإسحاق : إن شرطا شرطا واحدا من هذه الشرائط ونحوها صح البيع ولزم الشرط ، وإن شرطا شرطين فأكثر بطل البيع وإلا فلا ، فإذا باع ثوبا بشرط أن يخيطه البائع ويقصره فهما شرطان ، فيبطل العقد ، فإن شرط أحدهما فقط صح ولزم . واحتج من صحح البيع وأبطل الشرط بقصة بريرة في قوله صلى الله عليه وسلم : واشترطي لهم الولاء رواه البخاري ومسلم قالوا : فصحح النبي صلى الله عليه وسلم البيع وأبطل الشرط . واحتج من صححهما بحديث جابر رضي الله عنه أنه قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فاشترى مني جملا واستثنيت حملانه يعني ركوبه إلى أهلي رواه البخاري ومسلم . وبحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : المسلمون على شروطهم رواه أبو داود بإسناد حسن أو صحيح . واحتج أحمد بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يحل سلف وبيع ، ولا شرطان في بيع ، ولا ربح ما لم يضمن ، ولا بيع ما ليس عندك حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم بأسانيد صحيحة قال الترمذي : حديث حسن صحيح . واحتج أصحابنا بحديث عائشة في قصة بريرة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب فقال : ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ، وإن كان مائة شرط فهو باطل ، قضاء الله أحق ، وشرط الله أوثق وإنما الولاء لمن أعتق رواه البخاري ومسلم وبحديث النهي عن بيع وشرط ، وبالأثرين المذكورين في الكتاب عن عمر رضي الله عنه وهما صحيحان كما سبق لأنه شرط يمنع كمال التصرف فأبطل البيع كما لو شرط أن يسلم بعض المبيع دون بعض . والجواب : عن قصة بريرة بجوابين أحدهما أن الشرط لم يكن في العقد بل كان سابقا أو متأخرا . والثاني أن معنى اشترطي لهم أي عليهم وهذا منقول عن الشافعي رضي الله عنه والمزني وغيرهما . والجواب : عن قصة جابر من وجهين أحدهما : أنه لم يكن بيعا مقصودا وإنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم بره والإحسان إليه بالثمن على وجه لا يستحي من أخذه وفي طرق الحديث دلالة على هذا والثاني : أن الشرط لم يكن في نفس العقد ، ولأنها قضية عين يتطرق إليها احتمالات ولا عموم لها ، فلا دلالة فيها مع أن الحديث فيه اضطراب . والجواب : عن حديث : المسلمون على شروطهم أنه عام مخصوص والمراد به الشروط الجائزة وليس هذا منها . والجواب : عن حديث عمرو بن شعيب أن هذا مفهوم اللقب والصحيح الذي عليه الأكثرون أنه لا يدل على نفي الحكم عما عداه فلا يلزم النهي عن بيع وشرطين جواز شرط واحد فهذا هو الجواب المعتمد ، وأما الخطابي وغيره فمعناه أن يقول بعتك هذا بدينار نقدا وبدينارين نسيئة فيكون بمعنى بيعتين في بيعة وحملهم على هذا التأويل أن العلة في النهي عن شرطي موجودة في شرط وهي الغرر . فرع : في مذاهبهم فيمن اشترى شرار فاسدا .

قسم V09/P359–V09/P360

قد ذكرنا أن مذهبنا أنه لا يملكه ولا يصح تصرفه فيه ، ويلزمه رده ، فإن تلف لزمه بدله وبه قال أكثر العلماء ، وقال أبو حنيفة : يملكه بالقبض ملكا ضعيفا خب ويصح تصرفه ، ويلزم كل واحد منهما فسخ الملك ورد العوض على صاحبه ، وحقيقة مذهبه أنه لا يملكه بالعقد ، ولا يجب الإقباض ، فإن أقبضه ملكه ملكا ضعيفا ، ومعناه أن للبائع انتزاعه عن المشتري لكن لو تصرف فيه المشتري قبل ذلك ببيع أو عتق أو غيرهما نفذ تصرفه ، فإن تلف عنده ضمنه بالقيمة ، هذا إذا اشتراه بشرط فاسد أو بخمر أو خنزير ، قال فإن اشتراه بميتة أو دم أو عذرة أو نح ذلك مما ليس هو مالا عند أحد من الناس لم يملكه أصلاا ، ولم يصح تصرفه ، فوافقنا في الدم ونحوه وشبهه ، واحتج له بقصة بريرة ، فإن عائشة رضي الله عنها شرطت لهم الولاء وهو شرط فاسد بالاتفاق ، ثم أعتقها ونفذ عتقها ، وأقر النبي صلى الله عليه وسلم كل ذلك . وقياسا على النكاح فإن الوطء في فاسده يترتب عليه أحكام الوطء في صحيحه وقياسا على الكتابة فإن فاسدها كصحيحها في حصول العتق إذا وجدت الصفة . واحتج أصحابنا بقوله تعالى : الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس البقرة : 275 فلو كان المقبوض بعقد فاسد يملكه ، لما نوعده . وقياسا على ما إذا اشتراه بميتة أو دم . ولأن كل قبض أوجب ضمان القيمة لم يحصل به شرط الخيار عند تمنع حصول الملك في الصحيح والفاسد . والجواب : عن قصة بريرة من أوجه أحدها : أن الشرط لم يكن في نفس العقد والثاني : أن لهم بمعنى عليهم والثالث : هو اختيار الشيخ أبي حامد والمحققين أن هذا الشرط والعقد كانا خاصة في قصة عائشة لمصلحة قطع عادتهم ، كما جعل فسخ الحج إلى العمرة خاصا بالصحابة في حجة الوداع لمصلحة بيان جواز العمرة في أشهر الحج . والجواب : عن قياسهم على النكاح أنا لا نسلم ما ادعوه وأن الأحكام في النكاح تتعلق بمجرد العقد لا بالوطء ، ولهذا يملك به الطلاق والظهار والخلع بخلاف الفاسد ، وقد أجمعنا على أنه لا يملك البضع بالوطء في النكاح الفاسد وأما ما تعلق به من وجوب المهر ولحوق النسب والعدة وسقوط الحد ، فلم يمكن ذلك بسبب العقد ، بل لكونه وطء شبهة ، ولهذا تترتب هذه الأحكام على وطء الشبهة من غير عقد . والجواب عن قياسهم على الكتابة أن العتق حصل بوجود الصفة لا بالعقد ، ولهذا لو مات السيد بطلت الصفة ولم يعتق بالأداء إلى الوارث . فرع : في مذاهبهم فيمن باع دارا أو عبدا أو بهيمة واستثنى منفعة مدة معلومة ، قد ذكرنا أن الصحيح المشهور في مذهبنا بطلان البيع ، وبه قال أبو حنيفة وفقهاء العراق ، وقال الأوزاعي وأحمد وإسحاق : يصح البيع ويثبت الشرط ، وبه قال أربعة من أئمة أصحابنا الفقهاء المحدثين ، أبو ثور ، ومحمد بن نصر ، وأبو بكر بن خزيمة وابن المنذر ، ونقله ابن المنذر ع أصحاب الحديث ، وروى نحوه عن عثمان وصهيب رضي الله عنهما ، وقال مالك : إن شرط مدة قريبة كالشهر والشهرين ، أو ركوب الدابة إلى مكان قريب جاز ، وإن كانت مدة طويلة أو مكانا بعيدا فمكروه . واحتج المجوزون بحديث جابر السابق وبالقياس على من باع نخلا عليها ثمرة غير مؤبرة ، واستثنى البائع الثمرة له ، فإنه يصح البيع وتبقى الثمرة على النخل إلى أوان الجذاذ ، وهذا ا البيع ، واحتج أصحابنا بما سبق ، وأجابوا عن حديث جابر بما سبق وعن الإجارة بأنه ليس باستثناء ، بل المنافع كانت مستحقة قبل البيع ، وعن النخل أنها ليس باستثناء منفعة ، بل هو استثناء جزء معلوم من عين المبيع .

قسم V09/P360–V09/P361

فرع : في مذاهبهم فيمن باع سلعة ، وقال في العقد للمشتري : إن لم تأت بالثمن في الوقت الفلاني فلا بيع بيننا ، فمذهبنا بطلان هذا البيع ، وحكى ابن المنذر الثوري وأحمد وإسحاق أنه يصح البيع والشرط ، قال : وبه قال أبو ثور إذا كان الشرط ثلاثة أيام ، وروى مثله عن ابن عمر ، وبه قال أبو حنيفة : إن كان الوقت ثلاثة أيام صح البيع وبطل الشرط ، وإن كان أكثر فسد البيع ، فإن نقده في ثلاثة أيام صح البيع ولزم ، وق محمد : يجوز نحو عشرة أيام ، قال : وقال مالك : إن كان الوقت نحو يومين وثلاثة جاز ، دليلنا أنه في معنى تعليق البيع فلم يصح . & باب تفريق الصفقة & الصفقة هي عقد البيع ، لأنه كان عادتهم أن يضرب كل واحد من المتعاقدين يده على يد صاحبه عند تمام العقد .

قسم V09/P361–V09/P362

قال المصنف رحمه الله تعالى : إذا جمع في البيع بين ما يجوز بيعه كالحر والعبد وعبده وعبد غيره ، ففيه قولان : أحدهما : تفرق الصفقة فيبطل البيع فيما لا يجوز ، ويصح فيما يجوز ، لأنه ليس إبطاله فيهما لبطلانه في أحدهما بأولى من تصحيحه فيهما لصحته في أحدهما ، فبطل حمل أحدهما على الآخر وبقيا على حكمهما ، فصح فيما يجوز وبطل فيما لا يجوز . والقول الثاني : أن الصفقة لا تفرق فيبطل العقد فيهما ، واختلف أصحابنا في علته فمنهم من قال : يبطل لأن العقد جمع حلالا وحراما فغلب التحريم كما لو جمع بين أختين في النكاح أو باع درهما بدرهمين ، ومنهم من قال : يبطل لجهالة الثمن ، وذلك أنه إذا باع حرا وعبدا بألف ، سقط ما يخص الحر من الثمن فيصير العبد مبيعا بما بقي ، وذلك مجهول في حال العقد ، فبطل ، كما لو قال : بعتك هذا العبد بحصته من ألف درهم فإن قلنا : بالتعليل الأول بطل البيع فيما ينقسم الثمن فيه على القيمة ، كالعبدين ، وفيما ينقسم الثمن فيه على الأجزاء كالعبد الواحد نصفه له ونصفه لغيره ، أو كرين من طعام أحدهما له والآخر لغيره ، وكذلك لو جمع بين ما يجوز وبين ما لا يجوز في الرهن أو الهبة أو النكاح ، بطل في الجميع ، لأنه جمع بين الحلال والحرام . وإن قلنا : إن العلة جهالة العوض لم يبطل البيع ، فيما ينقسم الثمن فيه على الأجزاء لأن العوض غير مجهول ، ولا يبطل الرهن والهبة لأنه لا عوض فيه ، ولا يبطل النكاح لأن الجهل بالعوض لا يبطله فإن قلنا : إن العقد يبطل فيهما ، رد المبيع واسترجع الثمن . وإن قلنا : إنه يصح في أحدهما فله الخيار بين فسخ البيع وبين إمضائه ، لأنه يلحقه ضرر بتفريق الصفقة فثبت له الخيار ، فإن اختار الإمساك فبكم يمسك فيه قولان أحدهما : يمسك بجميع الثمن ، أو يرد ، لأن ما لا يقابل العقد لا ثمن له ، فيصير الثمن كله في مقابلة الآخر والثاني : أنه يمسكه بقسطه ، لأنه لم يبذل جميع العوض إلا في مقابلتهما ، فلا يؤخذ منه جميعه في مقابلة أحدهما ، واختلف أصحابنا في موضع القولين فمنهم من قال : القولان فيما يتقسط العوض عليه بالقيمة ، فأما ما يتقسط العوض عليه بالأجزاء فإنه يمسك الباقي بقسطه من الثمن ، قولا واحدا ، لأن فيما يتقسط الثمن عليه بالقيمة ما يخص الجائز مجهول ، فدعت الضرورة إلى أن يجعل جميع الثمن في مقابلته ليصير معلوما ، وفيما يتقسط الثمن عليه بالأجزاء ما يخص الجائز معلوم ، فلا حاجة بنا إلى أن نجعل جميع الثمن في مقابلته ومنهم من قال : القولان في الجميع ، وهو الصحيح ، لأنه نص على القولين في بيع الثمرة قبل أن تخرج الزكاة والثمار مما يتقسط الثمن عليها بالأجزاء . فإن قلنا : يمسك بجميع الثمن لم يكن للبائع الخيار ، لأنه لا ضرر عليه وإن قلنا : يمسك بحصته ، فهل للبائع الخيار فيه وجهان . أحدهما : أن له الخيار ، لأنه تبعضت عليه الصفقة فيثبت له الخيار ، كما يثبت للمشتري . والثاني : لا خيار له ، لأنه دخل على بصيرة ، لأن الحر لا يؤخذ منه بثمن وإن باع مجهولا ومعلوما فإن قلنا : لا تفرق الصفقة بطل العقد فيهما وإن قلنا : تفرق ، وقلنا : إنه يمسك الجائز بحصته ، بطل البيع فيه ، لأن الذي يخصه مجهول وإن قلنا : يمسكه بجميع الثمن صح العقد فيه . وإن جمع بين حلالين ثم تلف أحدهما قبل القبض بطل البيع فيه ، وهل يبطل في الباقي فيه طريقان .

قسم V09/P362–V09/P363

أحدهما : أنه على القولين في تفريق الصفقة ، لأن ما يحدث من الهلاك قبل القبض كالموجود في قال العقد في إبطال العقد فوجب أن يكون كالموجود في حال العقد فيما ذكرناه . والثاني : لا يبطل إلا فيما تلف لأن في الجمع بين الحلال والحرام إنما بطل للجهل بالعوض ، أو للجمع بين الحلال والحرام في العقد ، ولا يوجد ههنا واحد منهما ، فعلى هذا يصح العقد في الباقي وللمشتري الخيار في فسخ العقد لأنه تفرقت عليه الصفقة ، فإن امضاه أخذ الباقي بقسطه من الثمن قولا واحدا لأن العوض ههنا قابل المبيعين فانقسم عليهما فلا يتغير بالهلاك . + الشرح : تفريق الصفقة باب مهم يكثر تكرره والحاجة إليه ، والفتاوى فيه ، فأنا ألخص مقاصده وأوضحه إن شاء الله تعالى ، فإذا جمعت الصفقة شيئين فهو ضربان : أحدهما : أن تجمعهما في عقدين مختلفين الحكم ، وهذا هو الذي ذكره المصنف في الفصل الذي بعد هذا والثاني : أن تجمعهما في عقد واحد ، وهذا الضرب له حالان : أحدهما : يقع التفريق في الابتداء والثاني : في الانتهاء ، فالحال الأول ينظر فيه إن جمع فيه شيئين يمتنع الجمع بينهما من حيث هو جمع ، كجمع أختين أو خمس نسوة في عقد نكاح ، فالعقد باطل في الجميع بلا خلاف ، وإن جمع بين ما لا يمتنع جمعهما ، فإن كان كل واحد منهما قابلا للعقد ، بأن جمع عينين له كعبد وثوب ، أو من جنس لكنهما مختلفا القيمة كعبدين ، وزع الثمن عليهما باعتبار القيمة ، وإن كانا من جنس متفقى القيمة ، كقفيزي حنطة واحدة وزع الثمن عليهما باعتبار الأجزاء . وإن كان أحدهما قابلا للبيع دون الآخر ، فهذه مسألة الكتاب ، فالذي ليس قابلا للبيع قسمان : أحدهما : أن يكون متقوما ، كمن باع عبده وعبد غيره صفقة واحدة ، فلا يصح البيع في عبد غيره ، وفي صحته في عبده قولان مشهوران أحدهما : لا يصح وأصحهما : يصح فإن قلنا : لا يصح ففي علته وجهان ، وقيل : قولان أصحهما : الجمع بين حلال وحرام ، فصار كمن باع درهما بدرهمين ، أو جمع في عقد النكاح بني أختين أو خمس نسوة والثانية : جهالة العوض القابل للحلال ، فيصير كما لو قال : بعتك هذا العبد بما يخصه من الألف إذا وزع عليه وعلى عبد فلان ، فإنه لا يصح قطعا ، قال إمام الحرمين : لا يصح بالإجماع . وإن قلنا : يصح فوجهه أنه يصح العقد عليه لو أفرده ، فلا يتغير حكمه بضم غير ماله ، كما لو باع شقصا وسيفا ، فإنه تثبت الشفعة في الشقص بلا خلاف ، كما لو أفرده ، ولأنه ليس له إلحاق ما يقبل البيع بالآخر بأولى من عكسه والجواب : عن العلة الأولى بأنها منكرة بمن باع شقصا وسيفا ، ولأنه ليس أحد الدرهمين وإحدى الأختين أو الخمس بأولى من مشاركه ، فبطل في الجميع بخلاف مسألتنا والجواب : عن الثانية أن المسمى وقع في العقد معلوما ، وسقط بعضه لمعنى في العقد ، فلم يفسد العقد ، كما إذا رجع بأرش العيب . القسم الثاني : أن لا يكون متقوما ، وهو نوعان أحدهما : يتأتي تقدير التقويم فيه من غير تقدير تغير الخلقة كمن باع حرا وعبدا فالحر غير متقوم لكن يمكن تقويمه رقيقا ، وفي هذا النوع طريقان أصحهما : وبه قطع المصنف وسائر العراقيين وجماعة من غيرهم أنه على القولين أصحهما : الصحة والطريق الثاني : القطع بالفساد ، لأن الحر ونحوه غير قابل للبيع بحال .

قسم V09/P363–V09/P365

ولو باع عبده ومكاتبه أو أم ولده ، وقلنا لا يصح بيعهما ، فهو كما لو باع عبده وعبد غيره ، فيكون على قولين ، لأن المكاتب وأم الولد متقومان بدليل وجوب قيمتهما على متلفهما النوع الثاني : أن لا يتأتي تقدير تقويمه من غير تقدير تغير الخلقة ، كمن باع خلا وخمرا ، أو مذكاة وميتة ، أو شاة وخنزيرا ، ففي صحة البيع في الخل والمذكاة والشاة طريقان أصحهما : طرد الطريقين السابقين فيما إذا جمع حرا وعبدا والثاني : القطع بالفساد لأنه لا بد في التقويم من التقدير بغيره ، فلا يكون المقوم هو المذكور في العقد ، والمذهب الصحة . ولو باع شيئا يتوزع الثمن على أجزائه ، بعضه له وبعضه لغيره ، كعبد أو صاع حنطة ، له نصفهما ، أو صاعي حنطه له أحدهما صفقة واحدة ، ففيه خلاف مرتب على ما إذا باع عبدين له أحدهما فإن قلنا : يصح هناك في ملكه فهنا أولى ، وإلا فقولان إن عللنا بالجمع بين حلال وحرام لم يصح ، وإن عللنا بالجهالة صح ، لأن حصة المملوك معدومة لا تتوقف على التقويم الذي لا يفيد إلا ظنا . ولو باع الثمار التي وجبت فيها الزكاة ، ففي صحة البيع في قدر الزكاة خلاف سبق في كتاب الزكاة الأصح : لا يصح ، فعلى هذا الترتيب في الباقي كما ذكرنا فيمن باع عبدا له نصفه ولو باع أربعين شاة وجبت فيها الزكاة وقلنا بالأصح : إنه لا يصح البيع في قدر الزكاة ، والترتيب في الثاني كما سبق ، فيمن باع عبده وعبد غيره . فرع : المذهب في صحة البيع فيما نقلناه من جميع هذه الصور السابقة ، هكذا صححه الجمهور ، سواء كان ذلك مما يتوزع الثمن على أجزائه كعبد له نصفه ، وكذا صاع حنطة وثوب ، وصاعي حنطة من صبرة مستوية له أحدهما ، أو كان مما يتوزع عليه بالقيمة كعبده وعبد غيره . أو عبده وحر ، أو كخل وخمر ، وميتة ومذكاة ، وخنزير وشاة ، وغير ذلك فالصحيح : صحة البيع في جميع هذه الصور عند الجمهور ، قال الرافعي : توسطت طائفة من الأصحاب بين قولي تفريق الصفقة فقالوا : الأصح : الصحة في المملوك إذا كان المبيع مما يتوزع الثمن على أجزائه ، والفساد فيما يتوزع على قيمته ، قال : وقال الأكثرون الأصح الصحة في القسمين . فرع : لا فرق في جريان الخلاف في المسائل السابقة بين أن يكون العاقدان عالمين بالحال أو جاهلين ، هذا هو المذهب الذي صرح به كثيرون واقتضاه كلام الباقي ، وقال الشيخ أبو محمد في مسألة الجمع بين حر وعبد : الخلاف مخصوص بما إذا كان المشتري جاهلا بحقيقة الحال فأما إذا كان عالما فالوجه القطع بالبطلان ، كما قول قال : بعتك عبدي هذا بما يخصه من الألف لو وزع عليه وعلى عبد فلان ، قال إمام الحرمين : هذا الذي قاله شيخي أبو محمد غير سديد ، بل الوجه طرد القولين ، واختار الغزالي قول أبي محمد ، وهو شاذ . فرع : لو رهن عبده وعبد غيره ، أو عبده وحرا ، أو وهبهما ، أو زوج موليته وغيرها ، أو مسلمة ومجوسية ، أو حرة وأمة ، لمن لا تحل له الأمة ، فإن صححنا البيع في الذي يملكه ، فهنا أولى ، وإلا فقولان بناء على العلتين إن عللنا العوض صح إذ لا عوض هنا ، وإن عللنا بالجمع بين حلال وغيره فلا ، وإن شئت قلت : فيه طريقان المذهب : الصحة . والثاني : فيه قولان ، ولو جمع في شهادته بين مقبول وغيره كشهادته لابنه وأجنبي ففي قبولها في حق الأجنبي هذا الخلاف المذهب : القبول .

قسم V09/P365–V09/P366

فرع : إذا باع ماله وغيره ، وصححنا العقد في ماله ، فإن كان المشتري جاهلا بالحال فله الخيار في فسخ البيع ، فإن فسخ فذاك ، وإن أجاز فكم يلزمه من الثمن فيه قولان مشهوران أصحهما : صحة حصة المملوك فقط إذا وزع على القيمتين ، لأنه لم يبذل جميع العوض إلا في مقابلتهما فلا يؤخذ منه جميعه في مقابلة أحدهما والثاني : يلزمه جميع الثمن ، لأن ما لا يقبل العقد لا ثمن له ، فيصير العوض في مقابلة الآخر . ثم في موضع القولين طريقان مشهوران ذكرهما المصنف والأصحاب أصحهما : أنهما مخصوصان بما إذا كان المبيع مما يتقسط الثمن عليه بالقيمة فإن كان مما يتقسط على أجزائه فالواجب القسط قطعا ، لأن حصته معلومة من غير تقويم وأصحهما : طرد القولين في الحال ، ورجح المصنف والأصحاب هذا الطريق ، لأن الشافعي نص في كتاب الأم وغيره على القولين في بيع الثمرة قبل إخراج الزكاة ، والثمرة بتقسط الثمن عليها بالأجزاء ، فإن المصنف والأصحاب : فإن قلنا : الواجب جميع الثمن فلا خيار للبائع ، لأنه لا ضرر عليه فإن قلنا : بالقسط فوجهان ، قال الشيخ أبو حامد في تعليقه : وقيل : هما قولاه أحدهما : له الخيار لتبعيض الثمن وأصحهما : لا خيار له ، لأنه لم يلحقه نقص فيما يخص ملكه . هذا كله إذا كان المشتري جاهلا ، فإن كان عالما بالحال فلا خيار له قطعا كما لو اشترى معيبا عالما بعيبه ، وفيما يلزمه من الثمن طريقان المذهب : أنه على القولين أصحهما : القسط والثاني : جميعه والطريق الثاني : القطع بجميع الثمن ، لأنه التزمه عالما ، وهذا فاسد ، فإنه إنما التزمه في مقابلة العبدين فلم يلزمه في مقابلة الحلال إلا حصته . ولو اشترى عبدا وحرا ، أو خلا وخمرا ، أو مذكاة وميتة ، أو شاة وخنزيرا ، وصححنا العقد فيما يقبله ، وكان المشتري جاهلا بالحال فأجاز ، أو عالما ، ففيما يلزمه الطريقان المذهب : طرد القولين أصحهما : القسط والثاني : الجميع والطريق الثاني : الجميع ، وهذا الطريق وإن كان فيه احتمال في صورة العلم فهو غلط في صورة الجهل ، وهذا الطريق قول صاحب التلخيص وابن أبي هريرة والمارودي ، وممن حكاه الدارمي وأبو علي الطبري في الإفصاح والبغوي ، وإن أوجبنا القسط في هذه الصورة ففي كيفية توزيع الثمن على هذه الأشياء أوجه أشهرها : وبه قطع الدارمي والبغوي وآخرون ، ونقله إمام الحرمين عن طوائف من أصحاب القفال ، أنه يقدر الحر عبدا والميتة مذكاة والخنزير شاة ، ويوزع الثمن عليهما باعتبار الأجزاء والثاني : يقدر الخمر خلا والخنزير بقرة الثالث : ينظر إلى قيمتها عند من يرى لها قيمة ، وصحح الغزالي هذا الوجه ، وهو احتمال لإمام الحرمين ، وضعفه الإمام فقال : وكل هذا خبط ، والله سبحانه أعلم . ولو نكح مسلمة ومجوسية ، حرة وأمة في عقد ، وصححنا نكاح المسلمة الحرة فطريقان ، المذهب وبه قطع الجماهير أنه لا يلزمه جميع المسمى ، وله الخيار في رد المسمى والرجوع إلى مهر المثل ، حكاه إمام الحرمين عن الشيخ أبي علي السنجي ، وضعفه جدا ، وقال : هذا لم أره لغيره وهو ضعيف جدا لأن فيه إجحافا بالزوج ، لأنه لا خيار له في النكاح .

قسم V09/P366–V09/P367

وأما : تخييره في رد المسمى والرجوع إلى مهر المثل فلا يزول به الإجحاف ، لأن مهر المثل قد يكون بقدر المسمى أو أكثر فإنا قلنا : بالمذهب : إنه لا يلزمه جميع المسمى ، ففيما يلزمه قولان أصحهما : مهر المثل والثاني : قسطها من المسمى ، إذا وزع على مهر مثلها ، ومهر مثل المجوسية أو الأمة ، وإذا اختصرت الخلاف جاء ثلاثة أقوال كما حكاه الشيخ أبو علي وإمام الحرمين أصحها : الواجب مهر المثل والثاني : قسطها من المسمى والثالث : جميع المسمى ، وهو شاذ ضعيف . فرع : لو باع ربويا بجنسه خرج بعض أحد العوضين مستحقا ، وصححنا العقد في الباقي ، فأجاز المشتري فالواجب قسطه من الثمن بلا خلاف لأن المفاضلة بينها حرام ، كذا نقله البغوي وغيره . فرع : لو باع معلوما ومجهولا بثمن واحد ، كقوله : بعتك هذا العبد وعبدا آخر ، والجميع له ، لم يصح في المجهول قطعا وأما المعلوم فقال المصنف والأصحاب يبنى على ما لو كانا معلومين ، وأحدهما ليس له فإن قلنا : هناك لا يصح فيما هو له لم يصح هنا في المعلوم وإن قلنا : هناك يصح ، فهنا قولان بناء على أنه كم يلزمه من الثمن إن قلنا : جميعه ، صح ولزمه هنا أيضا جميع الثمن وإن قلنا : القسط وهو الأصح لم يصح هنا في المعلوم ، لتعذر التقسيط ، وحكى البغوي والرافعي وغيرهما هذا قولا شاذا أنه يصح في المعلوم ، ويثبت للمتشري الخيار ، فإن أجاز لزمه جميع الثمن قطعا ، والمذهب فساد البيع في المعلوم . فرع : محل الفرعين في مسائل الكتاب إذا اتحدت الصفقة دون ما إذا تعددت ، حتى لو باع ماله في صفقة ، ومال غيره في صفقة أخرى ، فيصح في ماله بلا خلاف ، وطريق بيان تعددها واتحادها أن يقول إذا سمى لكل واحد من الشيئين ثمنا مفصلا فقال : بعتك هذا بألف ، وهذا بمائة ، فهما عقدان متعددان ، فيصح في ماله بلا خلاف ، ويجب ما سمى له بلا خلاف ، فلو جمع المشتري في القبول فقال : قبلتهما أو قبلت ، فطريقان حكاهما البغوي وغيره أحدهما : الصفقة متحدة فيكون فيه القولان وأصحهما : وبه قطع الأكثرون أنها متعددة ، فيصح في ماله بما سمى له ، لأن القبول يترتب على الإيجاب ، إذا وقع مفرقا وكذلك القبول . وتعدد الصفقة أيضا بتعدد البائع ، فإن اتحد المشتري والمعقود عليه ، كما إذا باع رجلان عبدا لرجل صفقة واحدة ، وهل تتعدد بتعدد المشتري مثل أن يشتري رجلان من رجل عبدا فيه قولان أصحهما : تتعدد كالبائع والثاني : لا ، لأن المشتري يبنى على الإيجاب السابق بالنظر إلى ما وجب وهو واحد . وللتعدد والاتحاد فوائد غير ما ذكرنا . منها : إذا حكمنا بالتعدد فوزن أحد المشتريين نصيبه من الثمن ، لزم البائع تسليم نصيبه إليه من المبيع تسليم المشاع وإن قلنا : بالاتحاد لم يجب تسليم شيء إلى أحدهما ، وإن وزن جميع ما عليه حتى يزن الآخر لثبوت حق الحبس كما لو اتحد المشتري وسلم بعض الثمن لا يجب تسليم قسطه من المبيع ، وفيه وجه ضعيف حكاه إمام احرمين والغزالي أنه يجب أن يلسم إليه القسط في المقيس عليه ، إذا كان قابلا للقسمة ، وهذا شاذ . ومنها : إذا قلنا بالتعدد ، فخاطب رجل رجلين فقال : بعتكما هذا العبد بألف ، فقيل أحدهما نصفه بخمسمائة ، أو قال مالكا عبد لرجل : بعناك هذا العبد بألف ، فقبل نصيب أحدهما بعينه بخمسمائة فوجهان حكاهما : البغوي وغيره أصحهما : بطلان العقد لعدم مطابقة القبول للإيجاب والثاني : صحته ، كما يجوز لأحد المشترين رد نصيبه من المعيب .

قسم V09/P367–V09/P368

ولو قال لرجلين : بعتكما هذين العبدين بألف ، فقال أحدهما : قبلت هذا بخمسمائة ، لم يصح قطعا ، كما لو قال : بعتك هذا بألف ، فقيل نصفه بخمسمائة ، أو بعتك هذين العبدين ، فقبل أحدهما بخمسمائة أو بما يخصه من الألف ، لم يصح ، قال الشيخ أبو علي وإمام الحرمين والغزالي والبغوي : وهذا بخلاف ا لو قال ولي المرأتين : زوجتكما بألف ، فقبل إحداهما بعينها فإنه يصح النكاح فيهما . ولو وكل رجلان رجلا في البيع أو الشراء ، وقلنا : الصفقة تتعدد بتعدد المشتري ، أو وكل الرجل رجلين في البيع أو الشراء ، فهل الاعتبار في تعدد العقد واتحاده بالعاقد أم المعقود له فيه أربعة أوجه أصحها : وبه قال بن الحداد ، ونقل الرافعي تصحيحه عن الأكثرين أن الاعتبار بالعاقد لأن أحكام العقد تتعلق به ألا ترى أن المعتبر رؤيته دون رؤية الموكل وكذا خيار المجلس يتعلق به دون الموكل والثاني : الاعتبار بالمعقود له قاله الشيخ أبو زيد وأبو عبد الله الخضري وصححه الغزالي في الوجيز لأن الملك له . والثالث : الاعتبار في طرف البيع بالمعقود له وفي الشراء بالعاقد وهو قول أبي إسحاق المروزي والفرق أن العقد يتم في الشراء بالمباشر دون المعقود له ، ولهذا لو أنكر المعقود له الإذن في المباشرة وقع العقد للمباشر بخلاف طرف البيع ، قال إمام الحرمين رحمه الله : وهذا الفرق هو فيما إذا كان التوكيل بالشراء في الذمة فإن وكله في شراء عبد بثوب معين فهو كالتوكيل بالبيع . والرابع : الاعتبار في جانب الشراء بالموكل وفي البيع بهما جميعا فإنهما إن تعدد تعدد العقد اعتبارا بالشقص المشفوع فإن العقد يتعدد بتعدد الموكل في حق الشفيع لا بتعدد الوكيل ويتفرع على هذه الأوجه مسائل : منها : لو اشترى شيئا بوكالة رجلين فخرج معيبا ، فإن اعتبرنا العاقد فليس لأحد الموكلين إفراد نصيبه بالرد وهل لأحد الموكلين وأحد الابنين طلب الأرش ينظر أن وقع الناس بمن رد الآخر بأن رضي به أو تلف فله وإلا فوجهان أصحهما : له أيضا . ومنها : لو وكل رجلان رجلا ليبيع عبدا لهما أو وكل أحد الشريكين صاحبه فباع الجميع ، فخرج معيبا فعلى الوجه الأول لا يجوز للمشتري رد نصيب أحدهما فقط وعلى الأوجه الأخرى يجوز . ولو وكل رجل رجلين في بيع عبده فباعاه لرجل فعلى الوجه الأول يجوز للمشتري رد نصيب أحدهما وعلى الأوجه الأخرى لا يجوز ، ولو وكل رجلان رجلا في شراء عبد له ولنفسه ففعل وخرج العبد معيبا فعلى الوجه الأول والثالث ليس لأحد الموكلين إفراد نصيبه بالرد ، وعلى الثاني والرابع يجوز ، وقال القفال : إن علم البائع أنه يشتري لهما فلأحدهما رد نصيبه لرضا البائع بالتشقيص ، وإن جهله فلا . ومنها : لو وكل رجلان رجلا في بيع عبد ، ورجلان رجلا في شرائه فتبايعه الوكيلان فخرج معيبا ، فعلى الوجه الأول لا يجوز التفريق ، وعلى الوجه الآخر يجوز ، ولو وكل رجل رجلين في بيع عبد ، ووكل آخر آخرين في شرائه فتبايعه الوكلاء ، فعلى الوجه الأول يجوز التفريق وعلى الوجه الآخر لا يجوز ، والله تعالى أعلم . الحال الثاني : أن يقع التفريق في الانتهاء وهو صنفان اختياري وغيره فالاختياري هو فيما إذا اشترى شيئين صفقة فوجد بأحدهما عيبا ، وقد ذكره المصنف في باب المصراة والرد بالعيب ، وسنشرحه بفروعه هناك إن شاء الله تعالى .

قسم V09/P368–V09/P370

وأما غير الاختياري فمن صوره إذا اشترى عبدين أو ثوبين ونحوهما ، أو ثوبا وعبدا ، فتلف أحدهما قبل القبض دون الآخر فيفسخ العقد في التالف بلا خلاف ، وفي الباقي طريقان مشهوران ذكرهما المصنف والأصحاب أحدهما : أنه على القولين فيمن باع عبده وعبد غيره ، لأن ما يحدث قبل القبض كالموجود في حال العقد في إبطال العقد وأصحهما : القطع بأنه لا ينفسخ لعدم علتي الفساد المذكروتين هناك . فإن قلنا : لا ينفسخ فللمشتري الخيار في الفسخ فيه لتبعض الصفقة عليه ، فإن أجاز فبكم يجيز فيه طريقان أصحهما : وبه قطع المصنف والجمهور : لا يلزمه إلا قسط الباقي قولا واحدا ، لأن العوض هنا قابل المبيعين ماقبلة صحيحة حال العقد ، وانقسم العوض عليهما ، فلا يتغير بهلاك بعضه والثاني : فيه القولان فيمن جمع بين عبده وعبد غيره أصحهما : التقسيط والثاني : يلزمه جميع الثمن ، وهذا الطريق مشهور في كتب الخراسانيين ، وذكره جماعات من العراقيين ، منهم القاضي أبو حامد والقاضي أبو الطيب والدارمي والماوردي وابن الصباغ وآخرون منهم ، وهو قول أبي إسحاق المروزي إلحاقا للطارىء بالمقارن . قال القاضي أبو الطيب وصاحب البيان وآخرون : فإن قلنا : يلزمه جميع الثمن فلا خيار للبائع وإن قلنا : بالقسط ففي ثبوت الخيار له الوجهان السابقان أصحهما : لا خيار له ولو اشترى عصيرا فصار بعضه خمرا قبل القبض ، فهو كتلف أحد العبدين والحكم ما سبق . ولو تفرقا في السلم وقد قبض بعض رأس المال دون بعض ، أو في الصرف وقد قبض البعض فهل ينفسخ في الباقي فيه الطريقان المذهب : لا ينفسخ . ولو قبض أحد العبدين ثم تلف الآخر في يد البائع ففي الانفساخ في المقبوض خلاف مرتب على الصور السابقة ، وهي إذا تلف أحدهما ، قبل قبض الآخر ، وهذا أولى بعدم الانفساخ لتأكد العقد فيه بانتقال ضمانه إلى المشتري ، هذا إذا كان المقبوض باقيا في يد المشتري ، فإن تلف في يده ثم تلف الآخر في يد البائع ففي الانفساخ في المقبوض خلاف مرتب على الصورة التي قبلها ، وأولى بعدم الانفساخ لتلفه من ضمان المشتري . وإذا قلنا : في هذه الصورة بعدم الانفساخ ، فهل له الفسخ فيه وجهان أحدهما : نعم ، ويرد قيمته ويسترد الثمن إن كان سلمه وأصحهما : لا ، بل عليه حصته من الثمن . ولو اكتوى دارا وسكنها بعض المدة ثم انهدمت ، انفسخ العقد في المستقبل ، وفي الماضي الخلاف الذي ذكرناه في المقبوض التالف المذهب : أنه لا ينفسخ ، فعلى هذا هل له الفسخ فيه الوجهان فإن قلنا : لا فسخ ، وهو الأصح فعليه من المسمى حصة الماضي من المدة وإن قلنا : بالإنفساخ أو قلنا له الفسخ ففسخ ، فعليه أجرة المثل للماضي ، ويسترد المسمى إن كان دفعه . ولو انقطع بعض المسلم فيه عند المحل ، وكان الباقي مقبوضا أو غير مقبوض ، وقلنا لو انقطع الجميع انفسخ العقد فيفسخ هنا في المنقطع وفي الباقي الخلاف فيما إذا تلف أحد الشيئين قبل قبضهما . فإن قلنا لا ينفسخ فله الفسخ ، فإن أجاز فيلزمه حضته من رأس المال فقط وإن قلنا : لو انقطع الجميع لم ينفسخ العقد كان المسلم بالخيار إن شاء فسخ العقد في الجميع ، وإن شاء أجازه في الجميع ، وهل له الفسخ في القدر المنقطع والإجازة في الباقي فيه قولان أصحهما : ليس له ، بناء على القولين فيمن اشترى عبدين فوجد بأحدهما عيبا هل له إفراده بالرد الأصح : ليس له . فرع : لو اشترى عبدين فأبق أحدهما قبل القبض لم يبطل البيع في الثاني ، لأن البيع في الآبق . فرع : في مذاهب العلماء فيمن باع ما يملكه وغيره صفقة واحدة .

قسم V09/P370

ذكرنا مذهبنا وممن قال ببطلان العقد فيهما مالك وأبو ثور وداود وابن المنذر قال أبو حنيفة : إن جمعت الصفقة مالا وغيره كخل وخمر ، وعبد ، حر ، وشاة وخنزير ، ومذكاة وميتة ، بطل العقد في الجميع ، وإن جمعت مالا وماله حكم المال كعبده وأم ولده بطل في أم الولد وصح في عبده لأن أم الولد في حكم المال ، فإنها لو تلفت وجبت قيمتها لسيدها ، وقد يحكم حاكم بصحة بيعها ، قال : وإن جمعت ماله ومال غيره صح البيع في ماله ، ووقف في مال غيره على إجازته إن أجاز نفذ ، وإن رد بطل العقد فيه ، بناء على قاعدته ، وفي مذهب أحمد ثلاث روايات ، البطلان مطلقا ، والصحة مطلقا ، والأصح عندهم صحته فيما ينقسم الثمن على أجزائه وبطلانه في غيره .

قسم V09/P370–V09/P372

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن جمع بين بيع وإجارة أو بين بيع وصرف ، أو بين عبدين بشرط الخيار في أحدهما دون الآخر بعوض واحد ، ففيه قولان أحدهما : أنه يبطل العقدان ، لأن أحكام العقدين متضادة ، وليس أحدهما بأولى من الآخر فبطل الجميع والثاني : أنه يصح العقدان وينقسم العوض عليهما ، على قدر قيمتها ، لأنه ليس فيه أكثر من اختلاف حكم العقدين ، وهذا لا يمنع صحة العقد ، كما لو جمع في البيع بين ما فيه شفعة وبين ما لا شفعة فيه ، وإن جمع بين البيع النكاح بعوض واحد فالنكاح لا يبدل ، لأنه لا يبطل بفساد العوض ، وفي البيع قولان ، ووجههما ما ذكرناه . وإن جمع بين البيع والكتابة فإن قلنا : في البيع والإجارة : إنهما يبطلان بطل البيع والكتابة وإن قلنا : إن البيع والإجارة يصحان بطل البيع ههنا ، لأنه لا يجوز أن يبيع السيد من عبده ، وهل تبطل الكتابة يبنى على تفريق الصفقة فإن قلنا : لا تفرق بطل وإن قلنا : تفرق ، بطل البيع وصحت الكتابة . + الشرح : فيه ثلاث مسائل : إحداها : إذا جمع في العقد مبيعين مختلفي الحكم كثوبين شرط الخيار في أحدهما دون الآخر ، أو بين بيع وإجارة ، أو بيع وسلم ، أو إجارة وسلم ، أو صرف وغيره فقولان مشهوران أصحهما : صحة العقدفيهما ، ويقسط العوض عليهما بالقيمة والثاني : يبطل فيهما ، وصورة البيع والإجارة : بعتك عبدي وأجرتك داري سنة بألف . وصورة البيع والسلم بعتك ثوبي ومائة صاع حنطة سلما بدينار ، وصورة الإجارة والسلم : أجرتك داري سنة وبعتك مائة صاع سلما بمائة درهم . ولو باع حنطة وثوبا بشعير ففي صحة البيع القولان لأن التقابض في الحنطة وما يقابلها من الشعير واجب ، ولا يجب في الباقي ، فهو كبيع وصرف . والثانية : إذا جمع بيعا ونكاحا وقال : زوجتك جاريتي هذه وبعتك عبدي هذا بمائة ، وهو ممن تحل له الأمة ، أو قال : زوجتك بنتي وبعتك عبدها ، وهي في حجره ، أو رشيدة وكلته على قيمة المبيع ومهر المثل وإلا وجب في النكاح مهر المثل وإذا قلنا : بالتوزيع فهو إذا كانت حصة النكاح في صورة تزويج ابنته م المثل فأكثر فإن كانت أقل وجب مهر المثل بلا خلاف ، فهذه صورة الجمع بين البيع والنكاح وهي أن يكون العوضان لشخص كما ذكرنا ، فلو كانا لاثنين بأن قال : بعتك عبدي وزوجتك بنتي بألف فقد قطع الشيخ أبو حامد ببطلان البيع ، ولعله فرعه على الصحيح وإلا فتحقيقه أن يبنى على أنهما لو كانا لشخص فإن قلنا : لا يصح البيع فهنا أولى وإلا ففيه القولان فيما لو كان لرجلين عبدان واحد عبد ، فباعهما بثمن واحد ، والأصح البطلان . الثالثة : لو جمع بيعا وكتابة فقال لعبده : كاتبتك على نجمين إلى كذا وكذا ، وبعتك ثوبي هذا جميعا بألف فإن قلنا : في المسألتين السابقتين بالبطلان فيهما ، فهنا أولى ، وإلا فالبيع باطل ، وفي الكتابة القولان أصحهما : الصحة وهذا الذي ذكروه من القطع ببطلان البيع تفريع على المذهب المشهور أن البيع يفسد بالشرط الفاسد ، وفيه القول الشاذ السابق . فرع : في شيء من مسائل الدور يتعلق بتفريق الصفقة .

قسم V09/P372–V09/P373

فإذا باع مريض عبدا لا مال له غيره بعشرة ، وهو يساوي ثلاثين ، بطل البيع ، في بعض المبيع ، وفي الباقي طريقان أصحها : عند الجمهور أنه على قولي تفريق الصفقة والثاني : القطع بالصحة ، وصححه البغوي لأن المحاباة هنا وصية ، وهي تقبل من الغرر ما لا يقبل غيرها ، فإن صححنا بيع الباقي ففي كيفيته قولان ، وقيل وجهان أحدهما : يصح البيع في القدر الذي يحتمله الثلث ، والقدر الذي يوازي الثمن بجميع الثمن ، ويبطل في الباقي فيصح في ثلثي العبد بالعشرة ، ويبقى مع الورثة ثلث العبد ، وقيمته عشرة ، والثمن وهو عشرة ، وذلك مثلا المحاباة وهي عشرة ولا تدور المسألة على هذا القول . والثاني : أنه إذا أزيد البيع في بعض المبيع وجب أن يزيد إلى الشراء ما يقابله من الثمن ، فتدور المسألة لأن ما ينفذ فيه البيع يخرج وما يقابله من الثمن يدخل فيها ، ومعلوم أن ما ينفذ فيه البيع يزد بزيادة ا وينقص بنقصها ، ويتوصل إلى معرفة المقصود بطرق منها أن ينسب ثلث المال إلى قدر المحاباة ، ويصح البيع في المبيع بمثل نسبة الثلث من المحاباة ، فنقول في هذه الصورة ثلث المال عشرة ، والمحاباة عشرون ، والعشرة نصف العشرين ، فيصح البيع في نصف العبد وقيمته خمسة عشر بنصف الثمن ، وهو خمسة ، كأنه اشترى سدسه بخمسه ، ووصى له بثلثه ، ويبقى مع الورثة نصف العبد ، وهو خمسة عشر ، والثمن وهو خمسة فالمبلغ عشرون وذلك مثل المحاباة . واختلفوا في الأصح من هذين القولين أو الوجهين في الكيفية ، فرجح كثيرون الأول وبه قال ابن الحداد قال القفال والأستاذ أبو منصور وغيرهما : هو المنصوص للشافعي رحمه الله قالوا : والثاني خرجه ابن سريج ورجح آخرون الثاني واختاره أكثر الحساب وبه قال ابن القاص وابن اللبان وإمام الحرمين قال الرافعي : وهو في المعنى والله سبحانه أعلم . & باب الربا & الربا مقصور وهو من ربا يربو فيكتب بالألف ، وتثنيته ربوان ، واختار الكوفيون كتبه وتثنيته بالباء بسبب الكسرة في أوله ، وغلطهم البصريون ، قال الثعلبي : كتبوه في المصحف بالواو ، وقال الفراء : إنما كتبوه بالواو لأن أهل الحجاز تعلموا الخط من أهل الحيرة ، ولغتهم الربوا ، فعلموهم صورة الخط على لغتهم ، قال : وكذلك قرأها أبو سماك العدوي بالواو ، وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة بسبب كسرة الراء ، وأقر الباقون بالتفخيم لفتحة الباء قال : وأنت بالخيار في كتبه بالألف والواو والياء والرماء بالميم والمد والربية بالضم والتخفيف لغة في الربا ، وأصله الزيادة ، وأربى الرجل وأرمى عامل بالربا .

قسم V09/P373–V09/P374

قال المصنف رحمه الله تعالى : الربا محرم ، والأصل فيه قوله تعالى : الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس البقرة : 275 وقوله تعالى : الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون البقرة : 275 روى في التفسير حين يقوم من قبره ، وروى ابن مسعود رضي الله عنه قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه . + الشرح : المس الجنون قال العلماء من المفسرين وغيرهم : قوله تعالى : الذين يأكلون الربا معناه يتعاملون به بيعا أو شراء ، وإنما خص الأكل بالذكر لأنه معظم المقصود ، كما قال تعالى : إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما النساء : 10 وقوله تعالى : لا يقومون أي يوم القيامة من قبورهم قال أهل التفسير واللغة : التخبط هو الضرب على غير الاستواء ، ويقال : خبط البعير إذا ضرب بأخفافه ، ويقال للرجل الذي يتصرف تصرفا رديئا ولا يهتدي فيه : هو يخبط خبط عشواء ، وهي الناقة الضعيفة البصر . قالوا : فمعنى الآية أن الشيطان يصيبه بالجنون حين يقوم من قبره فيبعث مجنونا ، فيعرف أهل الموقف أنه من أكلة الربا . وأما : حديث ابن مسعود المذكور في الكتاب فصحيح رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وآخرون بأسانيد صحيحة ، قال الترمذي : هو حديث حسن صحيح ، وهو من رواية عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه ، وقد قال يحيى بن معين : إنه لم يسمع أباه ، ولكن قال علي بن المديني والأكثرون المحققون : سمعه ، وهي زيادة علم ورواه مسلم في صحيحه من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، ووقع في المهذب و سنن أبي داود وشاهده بالإفراد وفي الترمذي وشاهديه بالتثنية . أما الأحكام : فقد أجمع المسلمون على تحريم الربا ، وعلى أنه من الكبائر ، وقيل : إنه كان محرما في جميع الشرائع ، وممن حكاه الماوردي والله سبحانه وتعالى أعلم . فرع : قال الماوردي : اختلف أصحابنا فيما جاء به القرآن من تحريم الربا على وجهين أحدهما : أنه مجمل فسرته السنة ، وكل ما جاءت به السنة من أحكام الربا فهو بيان لمجمل القرآن . نقدا كان أو نسيئة والثاني : أن التحريم الذي في القرآن إنما تناول ما كان معهودا للجاهلية من ربا النساء ، وطلب الزيادة في المال بزيادة الأجل ، وكان أحدهم إذا حل أجل دينه ولم يوفه الغريم أضعف له المال وأضعف الأجل ، ثم يفعل كذلك عند الأجل الآخر ، وهو معنى قوله تعالى : لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة قال : ثم وردت السنة بزيادة الربا في النقد مضافا إلى ما جاء به القرآن ، قال : وهذا قول أبي حامد المروذي . فرع : يستوى في تحريم الرجل والمرأة ، والعبد والمكاتب بالإجماع ، ولا فرق في تحريمه بين دار الإسلام ودار الحرب ، فما كان حراما في دار الإسلام كان حراما في دار الحرب ، سواء جرى بين مسلمين أو مسلم وحربي ، سواء دخلها المسلم بأمان أم بغيره هذا مذهبنا ، وبه قال مالك وأحمد وأبو يوسف والجمهور .

قسم V09/P374–V09/P375

وقال أبو حنيفة : لا يحرم الربا في دارالحرب بين المسلم وأهل الحرب ، ولا بين مسلمين لم يهاجرا منها ، وإذا باع مسلم لحربي في دار الحرب درهما بدرهمين أو أسلم رجلان فيها ولم يهاجرا فتبايعا درهما بدرهمين جاز ، واحتج له بما روى عن مكحول عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا ربا بين مسلم وحربي في دار الحرب ولأن أموال أهل الحرب مباحة بغير عقد ، فالعقد الفاسد أولى . واحتج أصحابنا بعموم القرآن والسنة في تحريم الربا من غير فرق ، ولأن ما كان ربا في دار الإسلام كان ربا محرما في دار الحرب ، كما لو تبايعه مسلمان مهاجران ، وكما لو تبايعه مسلم وحربي في دار الإسلام ، ولأن ما حرم في دار الإسلام حرم هناك ، كالخمر وسائر المعاصي ، ولأنه عقد على ما لا يجوز في دار الإسلام ، فلم يصح كالنكاح الفاسد هناك والجواب : عن حديث مكحول أنه مرسل ضعيف فلا حجة فيه ، ولو صح لتأولنا على أن معناه لا يباح الربا في دار الحرب جمعا بين الأدلة . وأما : قولهم : إن أموال الحربي مباحة بلا عقد ، فلا نسلم هذه الدعوى إن دخلها المسلم بأمان ، فإن دخلها بغير أمان فالعلة منتقضة كما إذا دخل الحربي دار الإسلام فبايعه المسلم فيها درهما بدرهمين ، وأنه لا يلزم من كون أموالهم تباع بالاغتنام استباحتها بالعقد الفاسد ولهذا تباح أيضا على نسائهم بالسبي دون العقد الفاسد .

قسم V09/P375–V09/P377

قال المصنف رحمه الله تعالى : والأعيان التي نص على تحريم الربا فيها الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح ، والدليل عليه ما روى عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والتمر بالتمر والبر بالبر والشعير بالشعير والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى فأما الذهب والفضة فإنه يحرم فيهما الربا لعلة واحدة ، وهو أنهما من جنس الأثمان ، فيحرم الربا فيهما ، ولا يحرم فيما سواهما من الموزونات ، والدليل عليه أنه لا يجوز أن يكون تحريم الربا لمعنى يتعداهما إلى غيرهما من الأموال ، لأنه لو كان لمعنى يتعداهما إلى غيرهما لم يجز إسلامهما فيما سواهما من الأموال ، لأن كل شيئين جمعتهما علة واحدة في الربا لا يجوز إسلام أحدهما في الآخر ، كالذهب والفضة والحنطة والشعير فلما جاز إسلام الذهب والفضة في الموزونات والمكيلات وغيرهما من الأموال ، حل على أن العلة فيهما لمعنى لا يتعداهما ، وهو أنه من جنس الأثمان . + الشرح : حديث عبادة رضي الله عنه رواه مسلم ، وأجمع المسلمون على تحريم الربا في هذه الأعيان الستة المنصوص عليها ، واختلفوا فيما سواها فقال داود الظاهري وسائر أهل الظاهر والشيعة والكاساني وسائر ثقاة الناس لا تحريم في الربا في غيرها ، وحكاه صاحب الحاوي عن طاووس ومسروق والشعبي ، وقتادة وعثمان البتي ، وقال سائر العلماء : لا يتوقف تحريم الربا عليها بل يتعدى إلى ما في معناها ، وهو ما وجدت فيه العلة التي هي سبب تحريم الربا في السنة واختلفوا فيها . فأما : الذهب والفضة فالعلة عند الشافعي فيهما كونهما جنس الأثمان غالبا ، وهذه عنده علة قاصرة عليهما لا تتعداهما ، إذ لا توجد في غيرهما ، وقال أبو حنيفة : العلة فيهما الوزن في جنس واحد ، فألحق بهما كل موزون كالحديد والنحاس والرصاص والقطن والكتان والصوف ، وكل ما يوزن في العادة ، ووافق أنه لا يحرم الربا في معمول الحديد والنحاس ونحوهما ، وإنما يحرم في التبر ، وممن قال بمعنى قول أبي حنيفة والزهري والحكم وحماد والثوري والأوزاعي . واحتج لهم بحديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم أنهما حدثاه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أخا بني عدي الأنصاري فاستعمله على خيبر فقدم بتمر جنيب فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل ثمر خيبر هكذا قال : لا والله يا رسول الله . إنا لنشرتي الصاع بالصاعين من الجمع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تفعلوا ، ولكن مثلا بمثل . أو بيعوا هذا واشتروا قيمته من هذا ، وكذلك الميزان رواه البخاري ومسلم قالوا : يعني وكذلك الموزون ، فيدل على أن كل موزون لا يجوز التفاضل فيه قالوا : ولأن علتكم قاصرة فإنها لا تتعدى الذهب والفضة وهما الأصل الذي استنبطتم منه العلة ، وعندكم في العلة القاصرة وجهان لأصحاب الشافعي : أحدهما : أنها فاسدة لا يجوز التعليل بها لعدم الفائدة فيها ، فإن حكم الأصل قد عرفناه وإنما مقصود العلة أن يلحق بالأصل غيره . والوجه الثاني : أن القاصرة صحيحة ، ولكن المعتدية أولى ، قالوا : فعلتكم مردودة على الوجهين ، لأن حكم الذهب والفضة عرفناه بالنص . قالوا : ولأن علتكم قد توجد ولا حكم ، وقد يوجد الحكم ولا علة كالفلوس بخراسان وغيرها فإنها أثمان ولا ربا فيها عندكم والثاني : كأواني الذهب والفضة يحرم الربا فيها مع أنها ليست أثمانا .

قسم V09/P377–V09/P379

واحتج أصحابنا بما ذكره المصنف ، وهو أنه يجوز إسلام الذهب والفضة في غيرهما من الموزونات بالإجماع ، كالحديد وغيره فلو كان الوزن علة لم يجز كما لا يجوز إسلام الحنطة في الشعير ، والدراهم في الدنانير ، ولأن أبا حنيفة يجوز بيع المضروب من النحاس والحديد والرصاص ، بعضه ببعض متفاضلا ولو كانت العلة الوزن لم يجز فإن قالوا : خرجت بالضرب عن كونها موزونة قلنا : لا نسلم . وأجاب أصحابنا عن حديثهم بثلاثة أجوبة أحدها : جواب البيهقي قال : قد قيل إن قوله : وكذلك الميزان من كلام أبي سعيد الخدري موقوف عليه والثاني : جواب القاضي أبي الطيب وآخرين أن ظاهر الحديث غير مراد ، فإن الميزان نفسه لا ربا فيه وأضمرتم فيه الموزون ودعوى العموم في المضمرات لا يصح الثالث : أنه يحمل الموزون على الذهب والفضة جميعا بين الأدلة . وأجابوا عن قولهم : لا فائدة في العلة القاصرة بأن مذهبنا جواز التعليل بها ، فإن العلل أعلام نصبها الله تعالى للأحكام ، منها متعدية ، ومنها غير متعدية ، إنما يراد منها بيان حكمة النص لا الاستنابط ، وإلحاق فرع بالأصل كما أن لمتعدية عامة التعدي وخاصته . ثم لغير المتعدية فائدتان إحداهما : أن تعرف أن الحكم مقصور عليها ، فلا تطمع في القياس والثانية : أنه ربما حدث ما يشارك الأصل في العلة فيلحق به ، وأجابوا عن الفلوس بأن العلة عندنا كون الذهب والفضة جنس الأثمان غالبا ، وإن لم تكن أثمان ، والله سبحانه أعلم . فرع : وأما داود وموافقوه فاحتجوا بعموم قوله تعالى : وأحل الله البيع البقرة : 275 وبقوله تعالى : إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم النساء : 29 وبأن أصل الاستثناء الإباحة . واحتج أصحابنا بحديث معمر ابن عبد الله رضي الله عنه قال : كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الطعام بالطعام مثلا بمثل رواه مسلم ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة أن يبيع الرجل تمر حائطه إن كان نخلا بتمر كيلا ، وإن كان كرما أن يبيعه بزبيب كيلا ، وإن كان زرعا أن يبيعه بكيل طعام ، نهى عن ذلك كله رواه البخاري ومسلم . قال أصحابنا : الطعام المذكور في الحديث الأول عام يتناول جميع ما يسمى طعاما فإن قيل : فقد خصه بالأشياء الستة قلنا : ذكر بعض ما يتناوله العموم ليس تخصيصا على الصحيح فإن قيل : الطعام مخصوص بالحنطة قلنا : هذا غلط ، بل هو عام لكل ما يؤكل ، قال الله تعالى : كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه آل عمران : 93 وقال تعالى : فلينظر الإنسان إلى طعامه عبس : 24 إلى قوله تعالى : فأنبتنا فيها حبا 18 19 20 21 22 والتمر رواه والجواب عن الآيتين أنهما عام مخصوص بما ذكرنا وقولهم : أصل الأشياء الإباحة ليس كذلك ، بل مذهب داود أنها على الوقف ، والصحيح عندنا أنه لا حكم قبل ورود الشرع ، والله سبحانه أعلم .

قسم V09/P379

فرع : ذكرنا أن علة الربا في الذهب والفضة عندنا كونهما جنس الأثمان غالبا ، قال أصحابنا : وقولنا غالبا احتراز من الفلوس إذا راجت رواج النقود ، كما قدمناه ، ويدخل فيه الأواني والتبر ، وغير ذلك فهذه العبارة هي الصحيحة عند الأصحاب ، وهي التي نقلها الماوردي وغيره عن نص الشافعي ، قال الماوردي : ومن أصحابنا من يقول : العلة كونهما قيم المتلفات قال : ومن أصحابنا من جمعهما ، قال : و كله قريب ، وجزم المصنف في التنبيه بأنهما قيم الأشياء ، وأنكره القاضي أبو الطيب وغيره على ما قاله من أصحابنا ، قالوا : لأن الأواني والتبر والحلى يجري فيها الربا ، وليس مما يقوم بها ولنا وجه ضعيف غريب أن تحريم الربا فيهما بعينهما لا لعلة ، حكاه المتولي وغيره . فرع : إذا رجت الفلوس رواج النقود لم يحرم الربا فيها ، هذا هو الصحيح المنصوص ، وبه قطع المصنف والجمهور ، وفيه وجه شاذ أنه يحرم حكاه الخراسانيون وأما ما سواها من الموزونات كالحديد والنحاس والرصاص والقطن والكتان والصوف والغزل وغيرها فلا ربا فيها عندنا ، فيجوز بيع بعضها ببعض متفاضلا ومؤجلا ، ولا خلاف في شيء من هذا عندنا إلا وجها حكاه المتولي والرافعي عن أبي بكر الأودني من أصحابنا المتقدمين أنه قال : لا يجوز بيع مال بجنسه متفاضلا ، سواء كان مطعوما أو نقدا أو غيرهما ، وهذا شاذ ضعيف .

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) · 160 · Qur'an & Sunnah