Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

قسم V02/P129–V02/P131

قال الأصحاب : لأن موضع الثيابة والبكارة في أسفل الفرج والبول يخرج من ثقب في أعلى الفجر فلا تعلق لأحدهما بالآخر ، فاستوت البكر والثيب إلا أن الثيب إذا جلست انفرج أسفل فرجها ، فربما نزل البول إلى موضع الثيابة والبكارة وهو مدخل الذكر ومخرج الحيض والمني والولد ، فإن تحققت نزول البول إليه وجب غسله بالماء ، وإن لم تتحقق استحب غسله ولا يجب . نص الشافعي على استحبابه إذا لم تتحقق واتفق الأصحاب عليه ، واتفقوا على وجوب غسله إذا تحققت نزوله ، قال صاحب البيان وغيره : يستحب للبكر أن تدخل أصبعها في الثقب الذي في الفرج فتغسله ولا يلزمها ذلك بالإتفاق . قال الشافعي والأصحاب : ويلزم الثيب أن توصل الحجر إلى الموضع الذي يجب إيصال الماء إليه في غسل الجنابة ويجب إيصال الماء إلى ما يظهر عند جلوسها على قدميها ، وإن لم يظهر في حال قيامها ، نص عليه الشافعي والأصحاب وشبهه الشافعي بما بين الأصابع ولا يبطل صومها بهذا قال الروياني : قال أصحابنا : ما وراء هذا فهو في حكم الباطن ، فلا تكلف إيصال الماء والحجر إليه ، ويبطل الصوم بالواصل إليه ، ولنا وجه ضعيف ، أنه لا يجب إيصال الماء إلى داخل فرج الثيب . وأما الخنثى المشكل فقطع الأكثرون بأنه يتعين الماء في قبليه ، ممن قطع به الماوردي والقاضي حسين والفوراني والغزالي في البسيط ، والبغوي والروياني وصاحب العدة وقال المتولي والشاشي وصاحب البيان : هل يتعين الماء في قبليه أم يجزىء الحجر فيه وجهان كمن انفتح له مخرج دون المعدة مع انفتاح الأصلي . وقلنا ينقض الخارج منه ، الأصح يتعين الماء وهذه الطريقة أصح ، ولعل مراد الأكثرين التفريع على الأصح ، فإن قلنا : يجزئه الحجر وجب لكل فرج ثلاثة أحجار والله أعلم . الخامسة : السنة أن يدلك يده بالأرض بعد غسل الدبر ، ذكره البغوي والروياني وآخرون لحديث ميمونة رضي الله عنها قالت : وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم وضوءا للجنابة فأكفأ بيمينه على شماله مرتين أو ثلاثا ، ثم غسل فرجه ثم ضرب بيده الأرض أو الحائط مرتين أو ثلاثا رواه البخاري ومسلم وهذا لفظ البخاري وفي رواية مسلم : ثم أفرغ على فرجه وغسله بشماله ، ثم ضرب بشماله الأرض فدلكها دلكا شديدا وعن أبي هريرة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى الخلاء أتيته بماء فاستنجى ثم مسح يده على الأرض ثم أتيته بإناء آخر فتوضأ رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وغيرهم وهو حديث حسن وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم : دخل الغيضة فقضي حاجته ، ثم استنجي من اداوة ومسح يده بالتراب رواه النسائي وابن ماجه بإسناد جيد . السادسة : يستحب أن يأخذ حفنة من ماء فينضح بها فرجه وداخل سراويله أو إزاره بعد الإستنجاء دفعا للوسواس ذكره الروياني وغيره . وجاء به الحديث الصحيح في خصال الفطرة وهو الإتتضاح ، والله أعلم .

قسم V02/P131–V02/P133

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجوز الإستنجاء بالحجر وما يقوم مقامه ، قال أصحابنا : ويقوم مقامه كل جامد طاهر ، مزيل للعين وليس له حرمة ، ولا هو جزء من حيوان . + الشرح : اتفق أصحابنا على جواز الإستنجاء بالحجر وما يقوم مقامه ، وضبطوه بما ضبطه به المصنف قالوا : وسواء في ذلك الأحجار والأخشاب والخرق والخزف والآجر الذي لا سرجين فيه وما أشبه هذا . ولا يشترط اتحاد جنسه بل يجوز في القبل جنس وفي الدبر جنس آخر ، ويجوز أن يكون الثلاثة حجرا ، وخشبة ، وخرقة . نص عليه الشافعي واتفق الأصحاب عليه ، هذا مذهبنا . قال الشيخ أبو حامد : وبه قال العلماء كافة إلا داود فلم يجوز غير الحجر ، وكذا نقل أكثر أصحابنا عن داود ، قال القاضي أبو الطيب : هذا ليس بصحيح عن داود بل مذهبه الجواز . واحتج الأصحاب بحديث أبي هريرة قال : اتبعت النبي صلى الله عليه وسلم وخرج لحاجته فقال : ابغني أحجارا أستنقض بها ، أو نحوه ولا تأتني بعظم ولا روث رواه البخاري ، وبقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة الآخر : ليستنج بثلاثة أحجار ، ونهي عن الروث والرمة . قال أصحابنا : فنهيه صلى الله عليه وسلم عن الروث والعظم دليل على أن غير الحجر يقوم مقامه وإلا لم يكن لتخصيصهما بالنهي معنى . وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : أتي النبي صلى الله عليه وسلم الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار ، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده ، فأخذت روثة فأتيته بها ، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال : هذا ركس رواه البخاري قال أصحابنا : موضع الدلالة أنه صلى الله عليه وسلم علل منع الإستنجاء بها بكونها ركسا ولم يعلل بكونها غير حجر . واحتج الأصحاب أيضا بحديث رووه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الإستنجاء بثلاثة أحجار أو ثلاثة أعواد . قيل فإن لم يجد قال : ثلاث حفنات من تراب وهذا ليس بصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم . قال البيهقي : الصحيح إنه من كلام طاوس . وروى من حديث سراقة بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ضعيف أيضا . قال البيهقي : وأصح ما روى في هذا ما رواه يسار بن نمير قال : كان عمر رضي الله عنه إذا بال قال : ناولني شيئا أستنجي به ، فأناوله العود والحجر ، أو يأتي حائطا يتمسح به أو يمسه الأرض ، ولم يكن يغسله . وأما قوله صلى الله عليه وسلم : وليستنج بثلاثة أحجار وشبهه . فإنما نص على الأحجار لكونها غالب الموجود للسمتنجي بالفضاء ، مع أنه لا مشقة فيها ولا كلفة في تحصيلها . وهذا نحو قول الله تعالى : ولا تقتلوا أولادكم من إملاق وقوله تعالى فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم النساء : 101 ونظائر ذلك ، فكل هذا مما ليس له مفهوم يعمل به لخروجه على الغالب ، والله أعلم . فرع : ورد الشرع بإستعمال الحجر في الإستنجاء ورمي جمار الحج وبإستعمال الماء في طهارة الحدث والنجس ، وبإستعمال التراب في التيمم وغسل ولوغ الكلب ، وبإستعمال القرظ في الدباغ .

قسم V02/P133

فأما الحجر فمتعين في الرمي دون الإستنجاء ، لأن الرمي لا يعقل معناه بخلاف الإستنجاء ، وأما الماء في الطهارة والتراب في التيمم فمتعينان ، وفي التراب في الولوغ قولان ، وفي الدباع طريقان تقدما ، المذهب أنه لا يتعين القرظ ، والثاني : قولان كالولوغ ، والفرق أن الولوغ دخله التعبد والفرق بين الدباغ والإستنجاء أن الإستنجاء مما تعم به البلوى ويضطر كل أحد إليه في كل وقت وكل مكان ولا يمكن تأخيره ، فلو كلف نوعا معينا شق ، وتعذر في كثير من الأوقات ووقع الحرج ، وقد قال الله تعالى : وما جعل عليكم في الدين من حرج والدباغ بخلافه في كل هذا ، والله أعلم .

قسم V02/P133–V02/P134

قال المصنف رحمه الله تعالى : فأما غير الماء من المائعات فلا يجوز الإستنجاء به لأنه ينجس بملاقاة النجاسة فيزيد في النجاسة ، وما ليس بطاهر كالروث والحجر النجس لا يجوز الإستنجاء به ( لنهيه صلى الله عليه وسلم عن الإستنجاء بالروث ) ولأنه نجس فلا يجوز الإستنجاء به كالماء النجس ، فإن استنجي بذلك لزمه بعد ذلك أن يستنجي بالماء لأن الموضع قد صار نجسا بنجاسة نادرة فوجب غسله بالماء . ومن أصحابنا من قال : يجزئه الحجر لأنها نجاسة على نجاسة فلم تؤثر . + الشرح : إذا استنجي بمائع غير الماء لم يصح ، ويتعين بعده الإستنجاء بالماء ولا يجزئه الأحجار بلا خلاف ، لما ذكر المصنف . وأما قول صاحب البيان : إذا استنجي بمائع فهل يجزئه بعده الحجر فيه وجهان فغلط بلا شك ، كأنه اشتبه عليه كلام صاحب المهذب فتوهم أن قوله : ومن أصحابنا من قال : يجزئه الحجر ، عائد إلى المسألتين وهما الإستنجاء بالماء وبالنجس كالروث ، وهذا وهم باطل ، لأن مراد صاحب المهذب الخلاف في المسألة الثانية وحدها ، وأما مسألة المائع فمتفق فيها على أن الماء يتعين ، لأن المائع ينشر النجاسة ، وقد أشار المصنف إلى هذا بقوله : فيزيد في النجاسة . والله أعلم . أما النجس وهو الروث والحجر النجس وجلد الميتة والثوب النجس وغيرها فلا يجوز الإستنجاء به ، فإن خالف واستنجي به لم يصح بلا خلاف ، وهل يتعين بعده الإستنجاء بالماء أم يجوز بالأحجار فيه الوجهان اللذان ذكرهما المصنف بدليلهما : الصحيح عند الجمهور يتعين الماء ، وبه قطع إمام الحرمين والغزالي في البسيط والبغوي وغيرهم ، وصححه الجمهور وخالفهم المحاملي فقال في التجريد ، قال أصحابنا : إذا استنجي بنجس لزمه أن يستنجي بثلاثة أحجار طاهرة . قال : حتى لو استنجي بجلد كلب أجزأه الحجر بعد ذلك ، لأن النجاسة الطارئة تابعة لنجاسة النجو . قال : وقال الشيخ أبو حامد : الذي يجىء على المذهب أنه لا يجزئه إلا الماء ، هذا كلام المحاملي ، ورأيت أنا في تعليق الشيخ أبي حامد خلاف ما نقله عنه فقطع بأنه إذا استنجي بجامد نجس كفاه بعده الأحجار . قال : فلو استنجي بكلب فالذي يجىء على تعليل الأصحاب أنه يجزئه الحجر ، ولا يحتاج إلى سبع مرات إحداهن بالتراب ، هذا كلامه ، ولكن نسخ التعليق تختلف وقد قدمت نظائر هذا ، والصواب في مسألة الإستنجاء بجلد كلب أنه يجب سبع غسلات إحداهن بتراب ، والصحيح في سائر النجاسات أنه يتعين الماء . فرع : قد ذكرنا أنه لا يجوز الإستنجاء بنجس ، هذا مذهبنا ومذهب جمهور العلماء ، وجوزه أبو حنيفة بالروث . دليلنا حديث أبي هريرة المتقدم في الفصل قبله . وقوله صلى الله عليه وسلم : ولا تأتني بعظم ولا روث وحديثه الآخر : ونهى عن الروث والرمة وحديث ابن مسعود : فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال : إنها ركس وهذه أحاديث صحاح تقدمت قريبا . وعن سلمان : نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروث والعظام رواه مسلم . وعن جابر : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتمسح بعظم أو بعر رواه مسلم . وعن أبي هريرة نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستنجي بعظم أو روث وقال : إنهما لا يطهران رواه الدارقطني وقال إسناد صحيح . وعن رويفع ابن ثابت قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رويفع لعل الحياة ستطول بك بعدي فأخبر الناس أن من عقد لحيته أو تقلد وترا أو استنجي برجيع دابة أو عظم ، فإن محمدا منه برىء رواه أبو داود والنسائي بإسناد جيد ، والله أعلم .

قسم V02/P134–V02/P136

قال المصنف رحمه الله تعالى : وما لا يزيل العين ولا يجوز الإستنجاء به كالزجاج والحممة ، لما روى ابن مسعود رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الإستنجاء بالحممة ولأن ذلك لا يزيل النجو . + الشرح : هذا الحديث ضعيف ولفظه : قدم وفد الجن على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد أنه أمتك أن يستنجوا بعظم أو روثة أو حممة ، فإن الله عز وجل جعل لنا رزقا ، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود والدارقطني والبيهقي ولم يضعفه أبو داود ، وضعفه الدارقطني والبيهقي . والحممة بضم الحاء وفتح الميمين مخففتين وهي الفحم ، كذا قاله أصحابنا في كتب الفقه ، وكذا قاله أهل اللغة وغريب الحديث . وقال الخطابي : الحمم الفحم وما أحرق من الخشب والعظام ونحوهما ، قال : والإستنجاء به منهي عنه لأنه جعل رزقا للجن فلا يجوز إفساده عليهم ، قال البغوي : قيل : المراد بالحممة الفحم الرخو الذي يتناثر إذا غمز فلا يقلع النجاسة . والزجاج معروف وهو بضم الزاي وفتحها وكسرها ثلاث لغات ، حكاهن ابن السكيت والجوهري وغيرهما . وأما راوي الحديث فهو أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود بن غافل بالغين المعجمة والفاء ابن حبيب الهذلي ، وهو من كبار الصحابة وساداتهم وكبار فقهائهم وملازمي رسول الله صلى الله عليه وسلم وخدامه ، ومناقبه كثيرة مشهورة ، أسلم في أول الإسلام سادس سنة ، وأسلمت أمه ، وسكن الكوفة ثم عاد إلى المدينة وتوفي بها سنة ثنتين وثلاثين ، وهو ابن بضع وستين سنة وقد ذكرت قطعة من أحواله في التهذيب رضي الله عنه . وأما حكم المسألة : فاتفق الأصحاب على أن شرط المستنجي به كونه قالعا لعين النجاسة ، واتفقوا على أن الزجاج والقصب الأملس وشبههما لا يجزىء ، وأما الفحم فقطع العراقيون بأنه لا يجزىء ، وقال الخراسانيون : اختلف نص الشافعي فيه . قالوا : وفيه طريقان الصحيح منهما أنه على حالتين ، فإن كان صلبا لا يتفتت أجزأ الإستنجاء به . وإن كان رخوا يتفتت لم يجزىء . وقيل : فيه قولان مطلقا ، حكاهما القفال والقاضي حسين والمتولي وغيره من الخراسانيين ، وحكاهما الدارمي من العراقيين . قال إمام الحرمين : هذا الطريق غلط والصواب التفصيل ، فإنه لم يصح الحديث بالنهي ، فتعين التفصيل بين الرخو والصلب . قال أصحابنا : فإذا استنجي بزجاج ونحوه لزمه الإستنجاء ثانيا ، فإن كان حين استنجي بالزجاج بسط النجاسة بحيث تعدت محلها تعين الماء ، وإلا فتكفيه الأحجار . هكذا صرح به الفوراني وإمام الحرمين والغزالي والمتولي وصاحب العدة وآخرون . وقال القفال والقاضي حسين والبغوي : يتعين الماء لأنه يبسط النجاسة ، ومرادهم إذا بسط ، وقد قال الغزالي في البسيط : لا خلاف أنه إذا لم يبسط النجاسة يكفيه الأحجار ، والله أعلم .

قسم V02/P136–V02/P137

قال المصنف رحمه الله تعالى : وما له حرمة من المطعومات كالخبز والعظم لا يجوز الإستنجاء به . لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الإستنجاء بالعظم ، وقال : هو زاد إخوانكم من الجن فإن خالف واستنجي به لم يجزئه ، ولأن الإستنجاء بغير الماء رخصة ، والرخص لا تتعلق بالمعاصي . + الشرح : أما حديث النهي عن الإستنجاء بالعظم فصحيح ، رواه جماعة من الصحابة ، منهم سلمان وجابر وأبو هريرة ورويفع ، وأحاديثهم صحيحة تقدمت قريبا في الفرع . وأما قوله : وقال : هو زاد إخوانكم من الجن فقد رواه مسلم في صحيحه بإسناده عن الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث طويل ، قال في آخره وقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تستنجوا بالعظم والبعرة فإنهما طعام إحوانكم يعني الجن ، ورواه مسلم من طريق آخر ولم يذكر هذه الزيادة فيه ، ورواه من طريق ثالث عن داود بن أبي هند عن الشعبي ولم يذكر هذه الزيادة ، ثم قال : قال الشعبي : قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تستنجوا بالعظم والبعر قال الترمذي : كأن هذه الرواية أصح . يعني فيكون مرسلا قلت : لا يوافق الترمذي ، بل المختار أن هذه الزيادة متصلة . وأما حكم المسألة : فلا يجوز الإستنجاء بعظم ولا خبز ولا غيرهما من المطعوم لما سبق فإن خالف واستنجي به عصى ولا يجزئه . هكذا نص عليه الشافعي وقطع به الجمهور ، وفيه وجه أنه يجزئه إن كان العظم طاهرا لا زهومة عليه ، حكاه الخراسانيون لحصول المقصود ، والصحيح الأول لأنه رخصة فلا تحصل بحرام ، وقد اتفقوا على تحريمه ، وإذا لم يجزئه المطعوم كفاه بعده الحجر بلا خلاف ، إن لم ينشر النجاسة ولم يكن على العظم زهومة . قال الماوردي : ولو أحرق عظم طاهر بالنار وخرج عن حال العظم فوجهان أحدهما : يجوز الإستنجاء به لأن النار أحالته ، والثاني : لا يجوز لعموم الحديث في النهي عن الرمة وهي العظم البالي ، ولا فرق بين البالي بنار أو مرور الزمان ، وهذا الثاني أصح والله أعلم . فرع : اتفق أصحابنا على تحريم الإستنجاء بجميع المطعومات كالخبز واللحم والعظم وغيرها ، وأما الثمار والفواكه فقسمها الماوردي تقسيما حسنا فقال : منها ما يؤكل رطبا لا يابسا ، كاليقطين فلا يجوز الإستنجاء به رطبا ويجوز يابسا إذا كان مزيلا ومنها ما يؤكل رطبا ويابسا وهو أقسام . أحدها : مأكول الظاهر والباطن كالتين والتفاح والسفرجل وغيرها ، فلا يجوز الإستنجاء بشىء منه رطبا ولا يابسا . والثاني : ما يؤكل ظاهره دون باطنه كالخوح والمشمش وكل ذي نوى فلا يجوز بظاهره ، ويجوز بنواه المنفصل . والثالث : ما له قشر ومأكوله في جوفه كالرمان ، فلا يجوز الإستنجاء بلبه ، وأما قشره فله أحوال : أحدها : لا يؤكل رطبا ولا يابسا كالرمان فيجوز الإستنجاء بالقشر ، وكذا لو استنجى برمانة فيها حبها جاز إذا كانت مزيلة . والثاني : يؤكل قشره رطبا ويابسا كالبطيخ فلا يجوز رطبا ولا يابسا . والثالث : يؤكل رطبا ولا يابسا كاللوز والباقلاء ، فيجوز بقشره يابسا لا رطبا وأما ما يأكله الآدميون والبهائم ، فإن كان أكل البهائم له أكثر جاز ، وإن كان أكل الآدميين له أكثر لم يجز ، وإن استويا فوجهان ، من اختلاف أصحابنا في ثبوت الربا فيه ، هذا كلام الماوردي ، وذكر الروياني نحوه ، قال البغوي : إن استنجي بما مأكوله في جوفه كالجوز واللوز اليابس كره وأجزأه ، فإن انفصل القشر جاز الإستنجاء به بلا كراهة . والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : ومن الأشياء المحتمة التي يحرم الإستنجاء بها الكتب التي فيها شيء من علوم الشرع ، فإن استنجي بشيء عالما أثم .

قسم V02/P137–V02/P138

وفي سقوط الفرض الوجهان : الصحيح لا يجزئه ، فعلى هذا تجزئه الأحجار بعده ، ولو استنجي بشيء من أوراق المصحف ، والعياذ بالله عالما صار كافرا مرتدا ، نقله القاضي حسين والروياني وغيرهما ، والله أعلم . فرع : لو استنجي بقطعة ذهب أو فضة ، ففي سقوط الفرض به وجهان ، حكاهما الماوردي وآخرون ، قال الماوردي والرافعي : الصحيح سقوطه ولو استنجي بقطعة ديباج سقط الفرض على المشهور ، وطرد الماوردي فيه الوجهين ، وطردهما أيضا في الإستنجاء بحجارة الحرم ، قال : وظاهر المذهب سقوط الفرض بكل ذلك ، لأن لماء زمزم حرمة تمنع الإستنجاء به ، ثم لو استنجي به أجزأه بالإجماع . فرع : قال الشافعي في البويطي : ولا يستنجي بعظم ذكي ولا ميت للنهي عن العظم مطلقا ، وقال في الأم : ولا يستنجي بعظم للخبر ، فإنه وإن كان غير نجس فليس هو بنظيف ، وإنما الطهارة بنظيف طاهر ، ولا أعلم شيئا في معنى عظم إلا جلد ذكي غير مدبوغ ، فإنه ليس نيظيف ، وإن كان طاهرا ، وأما الجلد المدبوغ ، فينظف طاهر ، هذا نصه في الأم وقال في مختصر المزني : والفرق بين أن يستطيب بيمينه فيجزئه ، وبالعظم فلا يجزىء أن اليمين أداة ، والنهي عنها أدب ، والإستطابة طهارة ، والعظم ليس بطاهر . هذا نصه في المختصر ، واعترض على قوله : والعظم ليس بطاهر ، فإن العظم لا يصح الإستنجاء به طاهرا كان أو نجسا ، واختلف أصحابنا في هذا الكلام على ثلاثة أوجه . أحدها : أن هذا غلط من المزني ، وإنما قال الشافعي : والعظم ليس بنظيف ، كما سبق عن الأم ، وأراد بقوله : ليس بنظيف أن عليه سهوكة ، قال الماوردي : وهذا قول أبي إسحاق المروزي ، وبه قطع القاضي أبو الطيب . والثاني : أن نقل المزني صحيح ، وقوله : ليس بطاهر ، أي ليس بمطهر ، قال الماوردي : وهذا تأويل أبي علي بن أبي هريرة . والثالث : أنه ذكر إحدى العلتين في العظم النجس ، لأن العظم النجس يمتنع الإستنجاء به لعلتين . أحدهما : كونه نجسا ، والأخرى كونه مطعوما والعظم الطاهر يمتنع لكونه مطعوما فقط ، قال الماوردي هذا تأويل أبي حامد الأسفرايني ، واختار الأزهري الوجه الأول ، وهو تغليط المزني وبسط الكلام فيه ، وفي الفرق بين النظيف والطاهر ، قال : فما فيه زهومة أو رائحة كريهة فهو طاهر ليس بنظيف ، وذلك كالعظم وجلد المذكي قبل الدباغ ، هذا تفصيل مذهبنا وقال أبو حنيفة ومالك : يصح الإستنجاء بالعظم ، وممن قال : لا يجوز ، أحمد وداود .

قسم V02/P138–V02/P139

قال المصنف رحمه الله تعالى : وما هو جزء من حيوان كذنب حمار لا يجوز الإستنجاء به ، ومن أصحابنا من قال : يجوز ، والأول أصح لأنه جزء من حيوان فلم يجز الإستنجاء به كما لو استنجي بيده ولأن له حرمة فهو كالطعام . + الشرح : الصحيح عند الأصحاب تحريم الإستنجاء بأجزاء الحيوان في حال إتصاله كالذنب والأذن والعقب والصوف والوبر والشعر وغيرها ، وخالفهم الماوردي والشاشي فقالا : الأصح صحة الإستنجاء لأن حرمة الحيوان في منع إيلامه لا منع إبتذاله بخلاف المطعوم ، والصواب ما صححه الجمهور ، وهو التحريم وعدم إجزائه ، وقيل : يحرم ويجزىء ، فإذا قلنا بالصحيح وهو أنه لا يجزىء كفاه الأحجار بعده . وأما الإستنجاء بيد آدمي ففيه كلام منتشر حاصلة أربعة أوجه : الصحيح : لا يجزئه لا بيده ولا بيد غيره ، وبه قطع المتولي وآحرون ، لأنه محترم والثاني : يجزئه بيده ويد غيره ، حكاه الماوردي عن ابن خيران وليس بشيء والثالث : يجوز بيده ولا يجوز بيد غيره ، وبه قطع إمام الحرمين وغيره والرابع : يجزئه بيد غيره دون يده ، كما يسجد على يد غيره دون يده ، وهذا اختيار الماوردي ، وحكاه الفوراني عن الشيخ أبي حامد وهو ضعيف أو غلط ، والله أعلم .

قسم V02/P139–V02/P140

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن استنجي بجلد مدبوغ ففيه قولان ، قال في حرملة : لا يجوز لأنه كالرمة ، وقال في الأم : يجوز لأنه إن كان لينا فهو كالخرق ، وإن كان خشنا فهو كالخزف . وإن استنجي بجلد حيوان مأكول اللحم مذكي غير مدبوغ ففيه قولان ، قال في الأم وحرملة : لا يجوز ، لأنه لا يقلع النجو لزوجته ، وقال في البويطي : والأول هو الصحيح المشهور . + الشرح : حاصل ما ذكره ثلاثة أقوال . أصحها : عند الأصحاب يجوز بالمدبوغ دون غيره ، وهو نصه في الأم . والثاني : يجوز بهما قاله في البويطي . والثالث : لا يجوز بواحد منهما ، قاله في حرملة ، وحكى إمام الحرمين طريقا آخر وهو القطع بنصه في الأم ، وتأويل الآخرين ، ودليل الجمع ذكره المصنف ، ثم لا فرق في المدبوغ بين المذكي والميتة لأنهما طاهران قالعان ، هذا هو الصحيح المشهور الذي قطع به الجمهور ، وفيه وجه أنه لا يجوز بجلد الميتة المدبوغ وإن جاز بالمدبوغ المذكى تفريعا على قولنا : لا يجوز بيعه ، حكاه جماعة منهم الماوردي عن أبي علي بن أبي هريرة وليس بشيء ، هذه طريقة الأصحاب كلهم إلا المتولي ، فإنه انفرد بطريقة غريبة فقال : إن كان جلد مذكى واستنجي بالجانب الذي يلي اللحم فهو كما لو استنجي بمطعوم ، لأنه مما يؤكل في الجملة ، وإن استنجي بالجانب الذي عليه الشعر وشعره كثير جاز ، وإن كان الجلد مدبوغا ، وهو جلد مذكى جاز ، وإن كان جلد ميتة فقولان بناء على أن الدباغ هل يطهر باطن الجلد أم لا ، والله أعلم . فإن قيل : الجلد مأكول ، فكيف جوزتم الإستنجاء به فالجواب ما أجاب به الأصحاب أنه غير مأكول عادة ولا مقصود بالأكل ، ولهذا جاز بيع جلدين بجلد ، والله أعلم . وقول المصنف : كالرمة هي بكسر الراء وتشديد الميم وهو العظم البالي كذا قاله الشافعي في الأم وأصحابنا وغيرهم ، قال الخطابي : سميت العظام رمة ، لأن الإبل ترمها أي تأكلها ، وإنما قاس المصنف عليها لأن النص ثبت فيها ، كما سبق في الأحاديث ، والله أعلم . فرع في مسائل تتعلق بالفصل إحداها : قال الشافعي رحمه الله في الأم و المختصر : ولا يستنجي بحجر قد استنجي به مرة إلا أن يكون طهر بالماء واتفق الأصحاب على أنه إذا استنجي بحجر ثم غسل ويبس جاز الإستنجاء به ثانية ، فإن غسل ويبس جاز ثالثة ، وهكذا أبدا ، ولا يكره ذلك كسا لا يكره أن يصلي في الثوب مرات ، بخلاف رمي الجمار في الحج ، فإنه يكره أن يرمي بحصاة قد رمي بها هو أو غيره ، لأنه جاء أن ما تقبل منها رفع ، وما لم يتقبل ترك ، ولأن المطلوب تعدد المرمي به ، ولو غسله ثم استنجي به والماء باق عليه لم يصح ، فإن انبسطت النجاسة تعين الإستنجاء بالماء وإلا فقد قال إمام الحرمين : كان شيخي يقول : يتعين الماء أيضا لأن ذلك البلل ينجس بملاقاة النجاسة فيصير في حكم نجاسة أجنبية فيتعين الماء . قال إمام الحرمين : ولي في هذا نظر ، لأن عين الماء لا تنقلب نجسا ، وإنما تجاور النجاسة أو تخالطها ، هذا كلام الإمام ، والمختار قول شيخه ، وهو مقتضي كلام غيره ، وإن غسله ولم يبق عليه ماء وبقيت رطوبة فوجهان حكاهما ابن كج والدارمي وصاحب الحاوي و البحر وغيرهم . أصحهما : لا يصح الإستنجاء به ، وبه قطع القاضي أبو الطيب والشيخ أبو محمد والقاضي حسين وصاحبا التتمة و التهذيب وآخرون ، وحكى صاحب البيان عن الصيمري وجها ثالثا : إن كانت الرطوبة يسيرة صح وإلا فلا .

قسم V02/P140–V02/P141

فرع : إذا استنجي بحجر فحصل به الإنقاء ثم استعمل حجرا ثانيا وثالثا ولم يتلوثا ففي جواز استعمالهما مرة أخرى من غير غسلهما وجهان ، حكاهما القاضي حسين وصاحب التتمة : و البحر ، أصحهما : يجوز لأنهما طاهران ، صححه الشاشي والرافعي ، وقطع به البغوي ، والثاني : لا يجوز لأنه تبعد سلامته من نجاسة حفيفة ، وقياسا على الماء المستعمل . فرع : لو رأى حجرا شك في استعماله جاز استعماله ، لأن الأصل طهارته ، والمستحب تركه أو غسله ، ولو علم أنه مستعمل ، وشك في غسله لم يجز استعماله لأن الأصل بقاء النجاسة عليه . فرع : قال الماوردي : إذا جف ورق الشجر ظاهره وباطنه أو ظاهره ، جاز الإستنجاء به إن كان مزيلا ، وإن كان ندى الظاهر ففيه الوجهان في الحجر الندى . المسألة الثانية : ورق الشجر الذي يكتب عليه والحشيش اليابسات . قال الماوردي وغيره : إن كان خشنا مزيلا جاز الإستنجاء به وإلا فلا . الثالثة : نص الشافعي رحمه الله في البويطي و مختصر الربيع على جواز الإستنجاء بالتراب . قال أصحابنا : أراد إذا كان مستحجرا تمكن الإزالة به ، فإن كان دقيقا لا تمكن الإزالة به لم يجزىء ، لأنه تعلق بالمحل . هكذا ذكره الجمهور منهم الماوردي والفوراني وإمام الحرمين ، ونقله الروياني عن أصحابنا ، وذكر المتولي والروياني وجها أنه يجوز بالتراب ، وإن كان رخوا ، الحديث السابق في الإستنجاء بثلاث حثيات من تراب ، وهذا الوجه غلط والحديث باطل ، فقد قدمنا أنه ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وقد أمر بالحجر فلا يجزىء إلا الحجر وما في معناه ، وليس التراب الرخو في معناه ، قال القاضي حسين : فعلى هذا الوجه الضعيف يجب أربع مسحات ويستحب خامسة للإيتار ، وهذا كله ليس بشيء . الرابعة : قال المحاملي وصاحب البحر و البيان وغيرهم : قال الشافعي رحمه الله في حرملة : إذا نتف الصوف من الغنم واستنجي به كرهته وأجزأه . قالوا : وإنما كرهه لأن فيه تعذيب الحيوان ، فأما الإستنجاء بالصوف فليس بمكروه ، فإن أخذه من شاة بعد ذكاتها أو جزه في حياتها فلا كراهة . الخامسة : نص الشافعي رحمه الله على جواز الإستنجاء بالآخر . قال أصحابنا : قاله على عادة أهل عصره بالحجاز ومصر ، أنهم لا يخلطون بترابه السرجين ، فأما ما خلط به فلا يجوز ، وقيل : بل علم بخلطه بالسرجين وجوزه ، لأن النار تحرق السرجين ، فإذا غسل طهر ظاهره ، وهذا الوجه ضعيف ، وسنذكر المسألة مبسوطة في آخر باب إزالة النجاسة حيث ذكرها المصنف إن شاء الله تعالى .

قسم V02/P141–V02/P142

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن جاوز الخارج الموضع المعتاد فإن كان غائطا فخرج إلى ظاهر الألية لم يجز فيه إلا الماء ، لأن ذلك نادر فهو كسائر النجاسات ، وإن خرج إلى باطن الألية ولم يخرج إلى ظاهرها ففيه قولان أحدهما : أنه لا يجزىء فيه إلا الماء لأنه نادر فهو كما لو خرج إلى ظاهرة الألية والثاني : يجزىء فيه الحجر ، لأن المهاجرين رضي الله عنهم هاجروا إلى المدينة فأكلوا التمر ، ولم يكن من عادتهم ، ولا شك أنه رقت بذلك أجوافهم ولم يؤمروا بالإستنجاء بالماء ، ولأن ما يزيد على المعتاد لا يمكن ضبطه فجعل الباطن كله حدا ، ووجب الماء فيما زاد ، وإن كان بولا ففيه طريقان . قال أبو إسحاق : إذا جاوز مخرجه حتى رجع على الذكر أعلاه أو أسفله لم يجز فيه إلا الماء ، لأن ما يخرج من البول لا ينتشر إلا نادرا بخلاف ما يخرج من الدبر ، فإنه لا بد من أن ينتشر . ومن أصحابنا من قال : فيه قولان أحدهما : لا يجوز فيه إلا الماء ، نص عليه في البويطي ، ووجهه ما قال أبو إسحاق والثاني : يجوز فيه الحجر ما لم يجاوز الحشفة ، نص عليه في الأم ، لأنه لما جاز الحجر في الغائط ما لم يجاوز باطن الألية لتعذر الضبط وجب أن يجوز في البول ما لم يجاوز الحشفة لتعذر الضبط . + الشرح : قال أصحابنا : إذا خرج الغائط فله أربعة أحوال : أحدها : أن لا يجاوز نفس المخرج فيجزئه الأحجار بلا خلاف . الثاني : أن يجاوزه ، ولا يجاوز القدر المعتاد من أكثر الناس ، فيجزئه الحجر أيضا ، لأنه يتعذر الإحتراز من هذا القدر ، ونقل المزني أنه إذا جاوز المخرج تعين الماء ، ونقل البويطي نحوه ، فمن الأصحاب من جعله قولا آخر ، وقطع الجمهور بأنه ليس على ظاهره ، بل يكفيه الحجر قولا واحدا ، ثم منهم من غلط المزني في النقل ، وهذا قول العراقيين وجماعة من الخراسانيين ونقل البندنيجي والمحاملي إتفاق الأصحاب على تغليطه ، ومنهم من تأوله على أنه سقط من الكلام شيء ، وصوابه إذا جاوز المخرج وما حوله ، وهذا وإن سموه تأويلا فهو بمعنى التغليط ، ثم إن جمهور الأصحاب قالوا : الإعتبار بعادة غالب الناس وذكر الدارمي وجهين في أن الإعتبار بعادة الناس أم بعادته . الحال الثالث : أن ينتشر ويخرج عن المعتاد ، ولا يجاوز باطن الآلية ، فهل يتعين الماء أم يجزئه الحجر فيه قولان أصحهما : يجزئه الحجر ، وهو نصه في الأم و حرملة و الإملاء ، كذا قاله النبدنيجي وغيره وصححه الأصحاب والثاني : يتعين الماء نص عليه في المختصر و القديم . وقد ذكر المصنف دليلهما . وهذا الذي استدل به من قصة المهاجرين صحيح مشهور ، واستدل به الشافعي في الأم والأصحاب . الرابع : أن ينتشر إلى ظاهر الأليين ، فإن كان متصلا تعين الماء في جميعه كسائر النجاسات لندوره ، وتعذر فصل بعضه عن بعض ، وإن انفصل بعضه عن بعض تعين الماء في الذي على ظاهر الألية ، وأما الذي لم يظهر ولم يتصل فهو على الخلاف والتفصيل السابق إن لم يجاوز العادة أجزأ الحجر ، وإن جاوزه فقولان أصحهما : يجزئه أيضا . هكذا ذكر هذا التفصيل الشيخ أبو محمد في الفروق والقاضي حسين والمتولي وآخرون . ونقله الروياني عن الأصحاب . وفي الحاوي وغيره وجه مخالف لهذا وليس بشيء . ولو انتشر الخارج انتشارا معتادا وترشش منه شيء إلى محل متصل قريب من الخارج بحيث يكفي فيه الحجر لو اتصل تعين الماء في المترشش . صرح به الصيدلاني ونقله عنه إمام الحرمين ولم يذكر غيره والله أعلم .

قسم V02/P142–V02/P143

وأما البول فإن انتشر وخرج عن الحشفة متصلا تعين فيه الماء ، وإن لم يخرج عنها فطريقان ذكرهما المصنف والأصحاب ، اختلف في الراجح منهما ، فقطع الشيخ أبو حامد والماوردي بأنه يتعين الماء لندوره وقال الجمهور : الصحيح أنه على القولين في انتشار الغائط إلى باطن الألية ، وقطع المحاملي في المقنع بإجزاء الحجر ما لم يجاوز الحشفة ، وصححه الرافعي . قال البندنيجي : وهو ظاهر نصه في حرملة وهذا هو الأصح لأن البول ينتشر أيضا في العادة ، ويشق ضبط ما تدعو الحاجة إليه ، فجعلت الحشفة فاصلا ، فعلى هذا حكمه حكم الغائط إذا لم يخرج عن باطن الألية على التفصيل والخلاف السابق والله أعلم . وقول المصنف : قال أبو إسحاق إذا جاوز مخرجه حتى رجع على الذكر أعلاه وأسفله ، كذا قاله أبو إسحاق ، وكذا نقله الأصحاب عنه . أما اللغات : وقوله : أعلاه وأسفله مجروران على البدل من الذكر تقديره حتى رجع على أعلا الذكر وأسفله ويقال الأليان والأليتان بحذف التاء وإثباتها ، وحذفها أفصح وأشهر ، والله أعلم . والمراد بباطن الألية ما يستتر في حال القيام وبظاهرها ما لا يستتر .

قسم V02/P143–V02/P144

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن كان الخارج نادرا كالدم والمذي والودي أو دودا أو حصاة وقلنا : يجب الإستنجاء منه فهل يجزي فيه الحجر ( أم لا ) فيه قولان أحدهما : أنه كالبول والغائط ، وقد بيناهما والثاني : لا يجزىء إلا بالماء ، لأنه نادر فهو كسائر النجاسات . + الشرح : إذا كان الخارج نادرا كالدم والقيح والودي والمذي وشبهها فهل يجزئه الحجر فيه طريقان الصحيح منهما وبه قطع العراقيون أنه على قولين ، أصحهما : يجزيه الحجر ، نص عليه في المختصر و حرملة ، لأن الحاجة تدعو إليه والإستنجاء رخصة والرخص تأتي لمعنى ثم لا يلزم وجود ذلك المعنى في جميع صورها كالقصر وأشباهه والقول الثاني : يتعين الماء ، قاله في الأم ، ويحتج له مع ما ذكره المصنف بالحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم : أمر بغسل الذكر من المذي وسنذكره واضحا في باب الغسل إن شاء الله تعالى . والجواب الصحيح عن هذا الحديث : أنه محمول على الندب ، والطريق الثاني : ذكره الخراسانيون أنه يجزيه الحجر قولا واحدا ، وتأولوا قوله في الأم على ما إذا كان الخارج لا من داخل الفرج بل من قرح أو باسور وشبهه خارج الدبر ، وهو تأويل بعيد ، والله أعلم . ثم المذهب الصحيح أن القولين جاريان ، سواء خرج النادر وحده أو مع المعتاد ، وحكى الفوراني وغيره عن القفال أن القولين فيما إذا خرج النادر مع المعتاد ، فإن تمحض النادر تعين الماء قطعا . والصحيح طرد القولين في الحالين . كذا صرح به المتولي وغيره ، وهو مقتضي إطلاق الجمهور . قال الماوردي : ودم الإستحاضة نادر فيكون على القولين ، قال هو وغيره : ودم الباسور الذي في داخل الدبر نادر . واتفقوا على أن المذي من النادر كما ذكره المصنف ، وفي كلام الغزالي ما يوهم خلافا في كونه نادرا ، ولا خلاف فيه ، فليحمل كلامه على موافقة الأصحاب . قال الماوردي : ودم الحيض معتاد فيكفي فيه الحجر قولا واحدا ، وهذا الذي قاله قد يستشكل من حيث إن الأصحاب في الطريقتين قالوا : لا يمكن الإستنجاء بالحجر من دم الحيض في حق المغتسلة ، لأنه يلزمها غسل محل الإستنجاء في غسل الحيض ، فيقال : صورته فيما إذا انقطع دم الحائض ولم تجد ما تغتسل به . أو كان بها مرض ونحوه مما يبيح لها التيمم فإنها تستنجي بالحجر عن الدم ، ثم تتيمم للصلاة بدلا عن غسل الحيض وتصلي ، ولا إعادة بخلاف المستحاضة . ومن خرج منه مذي أو دم أو غير ذلك من النادر فإنه إذا استنجي بالحجر وتيمم لعدم الماء وصلى تلزمه الإعادة على أحد القولين ، وهو قولنا : لا يصح استنجاؤه ، وأما قول أمام الحرمين والغزالي : قال العراقيون : لا يكفي الحجر في دم الحيض الموجب للغسل فمحمول على ما إذا وجدت الماء واستنجت بالحجر وغسلت باقي البدن ولم تغسل موضع الإستنجاء فهنا لا يصح استنجاؤها بلا خلاف ، لأنه يجب غسل ذلك الموضع عن غسل الحيض ، ولم يريدا بقولهما : قال العراقيون أن غيرهم يخالفهم بل أراد أنهم هم الذين ابتدأوا بذكر ذلك وشهروه في كتبهم فقد ذكره الخراسانيون أيضا ولكنهم أخذوه من كتب العراقيين والله أعلم . وأما قول المصنف في الدود أو الحصي إذا أوجبنا الإستنجاء منه فهل يجزأ الحجر فيه القولان كالنادر ، فكذا قاله الشيخ أبو حامد والبندنيجي والمحاملي وابن الصباغ والبغوي والجمهور ، قال القاضي أبو الطيب : وهذا غلط لأن الإستنجاء هنا إنما يجب لتلك البلة ، وهي معتادة ، فيكفي الحجر قولا واحدا ، وحكى الروياني عن القفال مثله ، وهذا هو الصحيح المعتمد .

قسم V02/P144–V02/P147

قال ابن الصباغ وغيره : والمني طاهر لا يجب الإستنجاء منه وهو محمول على من خرج منه مني ، ولم يخرج غيره وصلى بالتيمم لمرض ، أو فقد الماء ، فإنه تصح صلاته ولا إعادة ، كما ذكرنا في دم الحيض ، أما إذا اغتسل من الجنابة فلا بد من غسل رأس الذكر والله أعلم . فرع في مسائل تتعلق بالباب إحداها : قال أصحابنا : شرط جواز الإستنجاء بالحجر من الغائط أن لا يقوم من موضع قضاء الحاجة حتى يستنجي فإن قام تعين الماء ، لأن بالقيام تنطبق الأليان فتنتقل النجاسة من محلها إلى محل أجنبي ، فإن لم يكن معه أحجار وكانت بقربه ، ولم يجد من يناوله إياها فطريقة أن يزحف على رجليه من غير أن تنطبق ألياه حتى يصل إلى الحجر قال الشيخ أبو محمد : ولو قام متفاحجا بحيث لا تنطبق الأليان ، أو استيقن النجاسة لم يجاوز محلها أجزأه الحجر قال أصحابنا : ولو وقع الخارج منه على الأرض ثم ترشش منه بشيء فارتفع وعلق بالمحل أو تعلقت بالمحل نجاسة أجنبية تعين الماء ، فإن تميز المرتفع وأمكن غسله وحده غسله وكفاه الأحجار في نجاسة المحل . الثانية : لا يجب الإستنجاء على الفور ، بل يجوز تأخيره حتى يريد الطهارة أو الصلاة . الثالثة : الإستنجاء طهارة مستقلة ، ليست من الوضوء ، هذا هو الصحيح المشهور الذي قاله الجمهور ، وحكى المتولي وجها أنه من واجبات الوضوء ، واستنبطه من القول الشاذ الذي قدمناه أن الوضوء لا يصح الإستنجاء ، قال المتولي : وهذا ليس بصحيح . الرابعة : إذا استنجي بالأحجار فعرق محله وسال العرق منه وجاوزه وجب غسل ما سال إليه ، وإن لم يجاوزه فوجهان أحدهما : غسله والصحيح : لا يلزمه شيء لعموم البلوى بذلك ، ولو انغمس هذا المستجمر في مائع أو فيما دون قلتين نجسه بلا خلاف . الخامسة : قال الشافعي رحمه الله في الأم والأصحاب : إنما يجزىء الإستجمار المتوضىء والمتيمم أما المغتسل من جنابة وغيرها فلا يجزئه ، بل لا بد من تطهير محله بالماء ، وهذا متفق عليه وهو كما قلنا لا يكفي مسح الخف في حق المغتسل بخلاف المتوضىء ، والفرق أن الإستجمار ومسح الخف رخصتان دعت الحاجة إليهما لتكرار الوضوء ، وأما الغسل فنادر فلا تدعو الحاجة إليهما فيه ، والله أعلم . فرع : له تعلق بالباب ، روى أبو داود بإسناد فيه ضعف عن امرأة من بني غفار أن النبي صلى الله عليه وسلم أردفها على حقيبة فحاضت ، فأمرها أن تغسل الدم بماء وملح الحديث . قال الخطابي : الملح مطعوم فقياسه جواز غسل الثوب بالعسل ، كثوب الإبريسم الذي يفسده الصابون ، وبالخل إذا أصابه حبر ونحوه ، قال : ويجوز على هذا التدليك بالنخالة ، وغسل الأيدي بدقيق الباقلا والبطيخ ونحوه ، مما له قوة الجلاء . قال : وحدثونا عن يونس بن عبد الأعلى قال : دخلت الحمام بمصر فرأيت الشافعي يتدلك بالنخالة ، هذا كلام الخطابي . & باب ما يوجب الغسل & يقال : غسل الجنابة ، وغسل الحيض ، وغسل الجمعة ، وغسل الميت وما أشبهها بفتح الغين وضمها لغتان الفتح أفصح وأشهر عند أهل اللغة الضم هو الذي يستعمله الفقهاء أو أكثرهم ، وزعم بعض المتأخرين أن الفقهاء غلطوا في الضم وليس كما قال ، بل غلط هو في إنكاره ما لم يعرفه ، وقد أوضحته في تهذيب الأسماء و اللغات وأشرت إلى بعضه في آخر صفة الوضوء من هذا الشرح .

قسم V02/P147–V02/P148

قال المصنف رحمه الله تعالى : والذي يوجب الغسل إيلاج الحشفة في الفرج ، وخروج المني ، والحيض ، والنفاس ، فأما إيلاج الحشفة فإنه يوجب الغسل لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا التقى الختانان وجب الغسل والتقاء الختانين يحصل بتغييب الحشفة في الفرج ، وذلك إن ختان الرجل هو الجلد الذي يبقى بعد الختان ، وختان المرأة جلدة كعرف الديك فوق الفرج ، فتقطع منها في الختان ، فإذا غابت الحشفة في الفرج حاذى ختانه ختانها ، وإذا تحاذيا فقد التقيا ، ولهذا يقال : التقي الفارسان إذا تحاذيا وإن لم يتضاما . + الشرح : حديث عائشة صحيح رواه مسلم بمعناه ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان وجب الغسل هذا لفظ مسلم ، رواه الشافعي وغيره بلفظه في المهذب وإسناده أيضا صحيح ، وفي المسألة أحاديث كثيرة ، سأذكرها إن شاء الله تعالى في فرع مذاهب العلماء وأما قول المصنف : وإلتقاء الختانين يحصل بتغييب الحشفة إلى آخره ، فهو لفظ الشافعي رحمه الله ، وتابعه عليه الأصحاب ، وبين الشيخ أبو حامد فرج المرأة ، وإلتقاء الختانين بيانا شافيا فقال هو وغيره : ختان الرجل هو الموضع الذي يقطع منه في حال الختان وهو ما دون حزة الحشفة . وأما ختان المرأة فاعلم أن مدخل الذكر هو مخرج الحيض والولد والمني ، وفوق مدخل الذكر ثقب مثل احليل الرجل ، هو مخرج البول ، وبين هذا الثقب ومدخل الذكر جلدة رقيقة ، وفوق مخرج البول جلدة رقيقة مثل ورقة بين الشفرين ، والشفران تحيطان بالجميع ، فتلك الجلدة الرقيقة يقطع منها في الختان وهي ختان المرأة فحصل أن ختان المرأة مستعل ، وتحته مخرج البول ، وتحت مخرج البول مدخل الذكر . قال البندنيجي وغيره : ومخرج الحيض الذي هو مخرج الولد ومدخل الذكر هو خرق لطيف ، فإذا افتضت البكر اتسع ذلك الخرف فصارت ثيبا . قال أصحابنا : فالتقاء الختانين أن تغيب الحشفة في الفرج ، فإذا غابت فقد حاذى ختانه ختانها ، والمحاذاة هي التقاء الختانين ، وليس المراد بالتقاء الختانين إلتصاقهما وضم أحدهما إلى الآخر ، فإنه لو وضع موضع ختانه على موضع حتانها ، ولم يدخل في مدخل الذكر لم يجب غسل بإجماع الأمة ، هذا كلام الشيخ أبي حامد وغيره ، زيد بعضهم على بعض . قال صاحب الحاوي : وشبه العلماء الفرج بعقد الأصابع خمسة وثلاثين ، فعقد الثلاثين هو صورة الفرج وعقد الخمسة بعدها في أسفلها هي مدخل الذكر ومخرج المني والحيض والولد ، والله أعلم . أما حكم المسألة : فالذي يوجب اغتسال الحي أربعة متفق عليها وهي إيلاج حشفة الذكر في فرج ، وخروج المني والحيض والنفاس ، وفي خروج الولد والعلقة والمضغة خلاف نذكره إن شاء الله تعالى قريبا ، ولم يذكره المصنف هنا وسنذكره قريبا ، وإنما لم يذكره لأنه مندرج عنده في خروج المني ، لأنه مني منعقد . ويجب غسل الميت وله باب معروف ، وقد يجب غسل البدن بعارض بأن يصيبه كله نجاسة ، أو تقع في موضع منه ويخفي مكانها . أما إيلاج الحشفة فيوجب الغسل بلا خلاف عندنا ، والمراد بإيلاجها إدخالها بكمالها في فرج حيوان آدمي أو غيره ، قبله أو دبره ، ذكر أو أنثى ، حي أو ميت ، صغير أو كبير ، فيجب الغسل في كل ذلك ، والله أعلم .

قسم V02/P148–V02/P150

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن أولج في فرج امرأة ميتة وجب عليه الغسل ، لأنه فرج آدمية ، فأشبه فرج الحية ، وإن أولج في دبر امرأة أو رجل أو بهيمة وجب ( عليه ) الغسل ، لأنه فرج حيوان ، فأشبه فرج المرأة ، وإن أولج في دبر خنثى مشكل وجب عليه الغسل ، وإن أولج في فرجه لم يجب ، لجواز أن يكون ذلك عضوا زائدا فلا يجب الغسل بالشك . + الشرح : هذا المسائل كلها متفق عليها عندنا ، كما ذكرها المصنف ، ودليلها ما ذكره . فرع في مسائل تتعلق بالفصل إحداها : قد ذكرنا أنه إذا أولج ذكره في قبل امرأة أو دبرها أو دبر رجل أو خنثى أو صبي أو في قبل بهيمة أو دبرها وجب الغسل بلا خلاف ، وسواء كان المولج فيه حيا ، أو ميتا ، أو مجنونا ، أو مكرها أو مباحا كالزوجة ، أو محرما ، ويجب على المولج فيه الملكفين وعلى الناسي والمكره . وأما الصبي إذا أولج في فرج امرأة أو دبر رجل ، أو أولج رجل في دبره فيجب الغسل على المرأة والرجل ، وكذا إذا استدخلت امرأة ذكر صبي فعليها الغسل ، ويصير الصبي في كل هذه الصور جنبا ، وكذا الصبية إذا أولج فيها رجل أو صبي ، وكذا لو أولج صبي في صبي ، وسواء في هذا الصبي المميز وغيره ، وإذا صار جنبا لا تصح صلاته ما لم يغتسل كما إذا بال لا تصح صلاته حتى يتوضأ ولا يقال : يجب عليه الغسل ، كما لا يقال يجب عليه الوضوء بل يقال : صار محدثا ، ويجب على الولي أن يأمره بالغسل إن كان مميزا ، كما يأمره بالوضوء . فإن لم يغتسل حتى بلغ لزمه الغسل ، كما إذا بال ثم بلغ يلزمه الوضوء ، وإن اغتسل وهو مميز صح غسله ، فإذا بلغ لا تلزمه إعادته ، كما لو توضأ ثم بلغ يصلي بذلك الوضوء ، وقد سبق في آخر باب نية الوضوء وجه شاذ أنه تجب إعادة طهارته إذا بلغ ، والصبية كالصبي فيما ذكرنا ، ولو أولج مجنون أو أولج فيه صار جنبا ، فإذا أفاق لزمه الغسل . الثانية : لو استدخلت امرأة ذكر رجل وجب الغسل عليه وعليها ، سواء أكان عالما بذلك ، مختارا أم نائما أم مكرها ، نص عليه الشافعي في الأم واتفق عليه الأصحاب ولو استدخلت ذكرا مقطوعا ففي وجوب الغسل عليها وجهان هما كالوجهين في إنتقاض الوضوء بمسه ، حكاهما الدارمي والمتولي والروياني وآخرون . قال الدارمي : ولا حد عليها بلا خلاف ، ولا مهر لها لو أولج المقطوع فيها رجل ، ولو استدخلت ذكر ميت لزمها الغسل ، كما لو أولج في ميت ، ولو استدخلت ذكر بهيمة لزمها الغسل ، كما لو أولج في بهيمة . صرح به الشيخ أو محمد الجويني والدارمي والمتولي وآخرون . ونقله الروياني عن الأصحاب قال إمام الحرمين : وفيه نظر من حيث إنه نادر ، قال : ثم في إعتبار قدر الحشفة فيه كلام يوكل إلى فكر الفقيه .

قسم V02/P150–V02/P151

الثالثة : وجوب الغسل وجميع الأحكام المتعلقة بالجماع يشترط فيها تغييب الحشفة بكمالها في الفرج ، ولا يشترط زيادة الحشفة ولا يتعلق ببعض الحشفة وحده شيء من الأحكام ، وهذا كله متفق عليه في جميع الطرق ، إلا وجها حكاه الدارمي وحكاه الرافعي عن حكاية ابن كج أن بعض الحشفة كجميعها ، وهذا في نهاية من الشذوذ والضعف ، ويكفي في بطلانه قوله صلى الله عليه وسلم إذا التقى الختانان وجب الغسل أما إذا قطع بعض الذكر فإن كان الباقي دون قدر الحشفة لم يتعلق به شيء من الأحكام بإتفاق الأصحاب وإن كان قدرها فقط تعلقت الأحكام بتغييبه كله دون بعضه ، وإن كان أكثر من قدر الحشفة فوجهان مشهوران ذكرهما المصنف في مواضع من المهذب ، منها باب الخيار في السماح في مسألة العنين ، ورجح المصنف منهما أنه لا يتعلق الحكم ببعضه ولا يتعلق إلا بتغييب جميع الباقي ، وكذا رجحه الشاشي ونقله الماوردي عن نص الشافعي ورجج الأكثرون تعلق الحكم بقدر الحشفة منه ، وقطع به الفوراني وإمام الحرمين والغزالي والبغوي وصاحب العدة وآخرون وصححه الرافعي وغيره . الرابعة : إذا كان غير مختون فأولج الحشفة لزمهما الغسل بلا خلاف ، ولا أثر لذلك . ولو لف على ذكره خرقة وأولجه بحيث غابت الحشفة ولم ينزل ففيه ثلاثة أوجه حكاها الماوردي والشاشي في كتابيه ، والروياني وصاحب البيان وغيرهم الصحيح : وجوب الغسل عليهما وبه قطع الجمهور لأن الأحكام متعلقة بالإيلاج وقد حصل والثاني : لا يجب الغسل ولا الوضوء لأنه أولج في خرقة ولم يلمس بشرة ، وصححه الروياني ، قال : وهو اختار الحناطي والثالث : إن كانت الخرقة غليظة تمنع اللذة لم يجب ، وإن كانت رقيقة لا تمنعها وجب ، وهذا قول أبي الفياض البصري والقاضي حسين وقال الرافعي في هذا الثالث : الغليظة هي التي تمنع وصول بلل الفرج إلى الذكر ، ووصول الحرارة من أحدهما إلى الآخر ، والرقيقة ما لا تمنع . قال الروياني : ويجري هذا الخلاف في إفساد الحج به ، وينبغي أن يجري في كل الأحكام . الخامسة : إذا أولج ذكر أشل وجب الغسل على المذهب ، وبه قطع الأكثرون . وحكى الدارمي فيه وجهين . السادسة : إذا انفتح له مخرج غير الأصلي وحكمنا بنقض الوضوء بالخارج فأولج فيه ففي وجوب الغسل وجهان سبقا في باب ما ينقض الوضوء ، الصحيح : لا يجب ، ولو أولج في الأصلي وجب بلا خلاف . السابعة : لو كان له ذكران ، قال الماوردي في مسائل لمس الخنثى : إن كان يبول منهما وجب الغسل بإيلاج أحدهما وإن كان يبول بأحدهما تعلق الحكم به دون الآخر ، وقد ذكرنا هذا في باب ما ينقض الوضوء . وذكرت هناك إيلاج الخنثى المشكل والإيلاج فيه مبسوطا . الثامنة : إذا أتت المرأة المرأة فلا غسل ما لم تنزل ، وهذا وإن كان ظاهرا فقد ذكره الدارمي وغيره ، وقد يخفي فنبهوا عليه ، وقد قال الشافعي في الأم والأصحاب : لو أولج ذكره في فم المرأة وأذنها وابطها وبين أليتها ولم ينزل فلا غسل ونقل فيه ابن جرير الإجماع . التاسعة : ذكر المتولي وغيره في الموجب للغسل ثلاثة أوجه أحدها : إيلاج الحشفة ، أو نزول المني لأنه حكم يتعلق بالجنابة فتعلق بسببه كقراءة القرآن ومس المصحف والصلاة وغيرها . والثاني : القيام إلى الصلاة لأنه لا يلزمه قبله والثالث : هو الصحيح : يجب بالإيلاج مع القيام إلى الصلاة أو بالإنزال مع القيام إلى الصلاة ، كما أن النكاح يوجب الميراث عند الموت ، والوطء يوجب العدة عند الطلاق ، وتقدم مثل هذه الأوجه في موجب الوضوء ، وبسطت الكلام في شرح هذا كله بسطا كاملا في آخر صفة الوضوء .

قسم V02/P151–V02/P153

العاشرة : إذا وطىء امرأة ميتة فقد ذكرنا أنه يلزمه الغسل ، وهل يجب إعادة غسل الميتة إن كانت غسلت فيه وجهان مشهوران ، أصحهما عند الجمهور لا يجب لعدم التكليف ، وإنما يجب غسل الميت تنظيفا وإكراما ، وشذ الروياني فصحح وجوب إعادته ، والصواب الأول . قال أصحابنا : ولا يجب بوطئها مهر . قال القاضي أبو الطيب وغيره : كما لا يجب بقطع يدها دية ، وفي وجوب الحد على الواطىء أوجه أحدها : يجب لأنه وطء محرم بلا شبهة . والثاني : لا لخروجها عن المظنة . والثالث : وقيل : إنه منصوص إن كانت ممن لا يحد بوطئها في الحياة وهي الزوجة ، والأمة ، والمشتركة ، وجارية الابن ونحوهن ، فلا حد وإلا فيحد ، والأصح أنه لا يجب مطلقا . قال أصحابنا : وتفسد العبادات بوطء الميتة ، وتجب الكفارة في الصوم والحج . الحادية عشرة : قال صاحبا الحاوي و البيان في كتاب الصداق : قال أصحابنا : الأحكام المتعلقة بالوطء في قبل المرأة تتعلق بالوطء في دبرها إلا خمسة أحكام : التحليل للزوج الأول ، والأحصان ، والخروج من التعنين ، ومن الإيلاء والخامس : لا يتغير به إذن البكر ، بل يبقى إذنها بالسكوت . هكذا ذكراه ، وذكره المحاملي في اللباب سادسا : وهو أن الوطء في الدبر لا يحل بحال بخلاف القبل وسابعا : وهو أن خروج مني الرجل بعد الإغتسال من دبرها لا يوجب غسلا ثانيا ، وخروجه من قبلها يوجبه على تفصيل سنذكره قريبا إن شاء الله تعالى قلت : وهذا الذي ذكروه ضابط نفيس يستفاد منه فوائد ، وقد يخرج من الضابط مسائل يسيرة في بعضها وجه ضعيف ، كالمصاهرة وتقرير المسمى في الصداق ونحو ذلك ، ولكنها وجوه ضعيفة شاذة لا تقدح في الضابط والله أعلم . الثانية عشرة : في مذاهب العلماء في الإيلاج . قد ذكرنا أن مذهبنا أن الإيلاج في فرج المرأة ودبرها ، ودبر الرجل ، ودبر البهيمة وفرجها ، يوجب الغسل وإن لم ينزل ، وبهذا قال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم . وقال داود : لا يجب ما لم ينزل ، وبه قال عثمان بن عفان وعلي وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وأبو سعيد الخدري رضي الله عنهم . ثم منهم من رجع عنه إلى موافقة الجمهور ، ومنهم من لم يرجع . وقال أبو حنيفة : لا يجب بالإيلاج في بهيمة ولا ميتة . واحتج لمن لم يوجب مطلقا بما روى البخاري في صحيحه عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه أنه سأل عثمان بن عفان عن الرجل يجامع امرأته ولم يمن . قال عثمان : يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره . وقال عثمان : سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال زيد : فسألت عن ذلك علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وأبي بن كعب فأمروه بذلك . وعن أبي أيوب الأنصاري أنه سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أبي بن كعب أنه قال : يا رسول الله إذا جامع الرجل المرأة فلم ينزل قال : يغسل ما مس المرأة منه ثم يتوضأ ويصلي . قال البخاري : الغسل أحوط وذاك الآخر . إنما بينا اختلافهم يعني أن الغسل آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقصدنا بيان اختلاف الصحابة ، مع أن آخر الأمرين الغسل ، هذا كله في صحيح البخاري ، وبعضه في مسلم وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على رجل من الأنصار فأرسل إليه فخرج ورأسه يقطر ، فقال : لعلنا أعجلناك قال : نعم يا رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أعجلت أو أقحطت فلا غسل عليك وعليك الوضوء رواه البخاري ومسلم .

قسم V02/P153–V02/P155

ومعنى أعجلت أو أقحطت ، أي جامعت ولم تنزل . وروى أقحطت بضم الهمزة وبفتحها وعن أبي سعيد أيضا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما الماء من الماء رواه مسلم . ومعناه لا يجب الغسل بالماء إلا من إنزال الماء الدافق ، وهو المني . واحتج أصحابنا والجمهور بحديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان وجب الغسل رواه مسلم ، وفي الرواية الأخرى : إذا التقى الختانان وجب الغسل وهو صحيح كما سبق وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا قعد بين شعبها الأربع وألزق الختان بالختان فقد وجب الغسل رواه البخاري ومسلم . وفي رواية لمسلم : وإن لم ينزل وفي رواية البيهقي : أنزل أو لم ينزل قيل : المراد بشعبها رجلاها وشفراها ، وقيل : يداها ورجلاها ، وقيل ساقاها وفخذاها . وعن عائشة أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم : الرجل يجامع أهله ثم يكسل هل عليها الغسل فقال النبي صلى الله عليه وسلم إني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل رواه مسلم في صحيحه ، وفي الباب أحاديث كثيرة صحيحة . واستدل الشافعي رحمه الله بقول الله تعالى : ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا قال : والعرب تسمى الجماع وإن لم يكن معه إنزال جنابة . واستدل أصحابنا من القياس بأنه حكم من أحكام الجماع فتعلق به وإن لم يكن معه إنزال كالحدود ، والجواب عن الأحاديث التي احتجوا بها أنها منسوخة . هكذا قاله الجمهور . وثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما جواب آخر ، وهو أن معنى الماء من الماء ، أي لا يجب الغسل بالرؤية في النوم إلا أن ينزل . وأما الآثار التي عن الصحابة رضي الله عنهم فقالوها قبل أن يبلغهم النسخ ، ودليل النسخ أنهم اختلفوا في ذلك ، فأرسلوا إلى عائشة رضي الله عنها فأخبرتهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا جلس بين شعبها الأربع وجهدها وجب الغسل فرجع إلى قولها من خالف . وعن سهل بن سعد الساعدي قال : حدثني أبي بن كعب أن الفتيا التي كانوا بفتون إنما الماء من الماء . كانت رخصة رخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدء الإسلام ، ثم أمر بالإغتسال بعد . وفي رواية : ثم أمرنا حديث صحيح رواه الدارمي وأبو داود والترمذي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم بأسانيد صحيحة . قال الترمذي : هو حديث حسن صحيح . وعن محمود بن لبيد قال : سألت زيد بن ثابت عن الرجل يصيب أهله ثم يكسل ولا ينزل قال : يغتسل ، فقلت إن أبيا كان لا يرى الغسل فقال زيد : إن أبيا نزع عن ذلك قبل أن يموت هذا صحيح رواه مالك في الموطأ بإسناده الصحيح ، قوله : نزع أي رجع ، ومقصودي بذكر هذه الأدلة بيان أحاديث المسألة والجمع بينها ، وإلا فالمسألة اليوم مجمع عليها ، ومخالفة داود لا تقدح في الإجماع عند الجمهور والله أعلم . واحتج أبو حنيفة في منع الغسل بإيلاجه في بهيمة وميتة بأنه لا يقصد به اللذة ، فلم يجب كإيلاج أصبعه . واحتج أصحابنا : بأنه أولج ذكره في فرج فأشبه قبل المرأة الحية . فإن قالوا : ينتقض هذا بالسمك فإن في البحر سمكة يولج فيها سفهاء الملاحين ببحر البصرة ، فالجواب ما أجاب به القاضي أبو الطيب ، ونقله الروياني عن الأصحاب ، أنه إن كان هذا هكذا وجب الغسل بالإيلاج فيها ، لأنه حيوان له فرج . والجواب عن دليلهم من وجهين . أحدهما : أنه منتقض بوطء العجوز الشوهاء المتناهية في القبح العمياء الجذماء البرصاء المقطعة الأطراف ، فإنه يوجب الغسل بالإتفاق مع أنه لا يقصد به لذة في العادة .

قسم V02/P155

والثاني : أن الأصبع ليست آلة للجماع ، ولهذا لو أولجها في امرأة حية لم يجب الغسل بخلاف الذكر والله أعلم .

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) · 20 · Qur'an & Sunnah