Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن كانت إمرأة تغتسل من الجنابة كان غسلها كغسل الرجل . + الشرح : هذا الذي قاله متفق عليه . قال أصحابنا : فإن كانت بكرا لم يلزمها إيصال الماء إلى داخل فرجها ، وإن كانت ثيبا وجب إيصاله إلى ما يظهر في حال قعودها لقضاء الحاجة لأنه صار في حكم الظاهر ، هكذا نص عليه الشافعي وجمهور الأصحاب ، وحكى القاضي حسين والبغوي وجها ضعيفا أنه يجب على الثيب إيصاله إلى داخل فرجها بناء على نجاسته ، ووجها أنه يجب في غسل الحيض والنفاس لإزالة النجاسة ولا يجب في الجنابة ، وقطع إمام الحرمين بأنه لا يجب على الثيب إيصاله إلى ما وراء ملتقى الشفرين . قال : لأنا إذا لم نوجب إيصال الماء إلى داخل الفم فهذا أولى . والصواب ما سبق عن الشافعي والأصحاب ، وقد تقدمت المسألة في باب الإستطابة ، وهناك ذكرها الأكثرون ، والله أعلم . قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن كان لها ضغائر فإن كان يصل الماء إليها من غير نقض لم يلزمها نقضها ، لأن أم سلمة رضي الله عنها قالت : يا رسول الله إني امرأة أشد ضقر رأسي أفأنفضه للغسل من الجنابة فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا ، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء ثم تفيضي عليك الماء ، فإذا أنت قد طهرت وإن لم يصل الماء إليها إلا بنقضها لزمها نقضها ، لأن إيصال الماء إلى الشعر والبشرة واجب . + الشرح : حديث أم سلمة رواه مسلم بهذا اللفظ وتقدم بيان إسمها وحالها في الباب السابق وقولها : أشد ضفر رأسي هو بفتح الضاد وإسكان الفاء هكذا ضبطه الأئمة المحققون ، قال الخطابي وصاحب المطالع معناه أشد فتل شعري ، وأدخل بعضه في بعض وأضمه ضما شديدا يقال ضفرته إذا فعلت به ذلك وذكر الإمام ابن بري في جزء له في لحن الفقهاء أن هذا الضبط لحن وأن صوابه ، ضفر بضم الضاد والفاء جمع ضفيرة كسفينة وسفن ، وهذا الذي قاله خلاف ما قاله المحققون والمتقدمون ورأيت لابن بري في هذا الجزء أشياء كثيرة يعدها من لحن الفقهاء وتصحيفهم وليست كما قال ، وقد أوضحت كثيرا من ذلك في تهذيب الأسماء و اللغات . قال الأزهري : الضفائر والضمائر والغدائر بالغين المعجمة هي الذوائب ، إذا أدخل بعضها في بعض نسجا ، واحدتها ضفيرة وضميرة وغديرة ، فإذا لويت فهي عقائص واحدتها عقيصة . أما حكم المسألة : فهذا الذي ذكره المصنف من الفرق بين وصول الماء بغير نقض وعدم وصوله متفق عليه عندنا ، وبه قال جمهور العلماء وحملوا حديث أم سلمة على أنه كان يصل بغير نقض ، ودليله ما ذكره المصنف أن الواجب إيصال الماء فكان الإعتبار به ، وكذا المغتسلة من حيض ونفاس وللجمعة وغيرها من الأغسال المشروعة ، وحكى أصحابنا عن النخعي وجوب نقضها مطلقا ، وحكى ابن المنذر عن الحسن وطاوس أنه لا تنقضها في الجنابة وتنقض في الحيض ، وبه قال أحمد لكن اختلف أصحابه هل النقض واجب أم مستحب دليلنا ما سبق . قال الشافعي : وأستحب أن تغلغل الماء في أصول الشعر وأن تغمر ضفائرها . قال أصحابنا : ولو كان لرجل شعر مضفور فهو كالمرأة في هذا والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن كانت تغتسل من الحيض فالمستحب لها أن تأخذ فرصة من المسك فتتبع بها أثر الدم ، لما روت عائشة رضي الله عنها أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله عن الغسل من الحيض فقال : خذي فرصة من مسك فتطهري بها فقالت : كيف أتطهر بها فقال صلى الله عليه وسلم سبحان الله تطهري بها قالت عائشة رضي الله عنها : قلت تتبعي بها أثر الدم فإن لم تجد مسكا فطيبا غيره ، لأن القصد تطييب الموضع فإن لم تجد فالماء كاف . + الشرح : حديث عائشة هذا رواه البخاري ومسلم في رواية لمسلم ، أن المرأة السائلة أسماء بنت شكل بفتح الشين والكاف وقيل : بإسكان الكاف وذكر جماعة منهم الخطيب الحافظ أبو بكر البغدادي في كتابه المبهمات أنها أسماء بنت يزيد بن السكن خطيبة النساء ، والفرصة بكسر الفاء وإسكان الراء وبالصاد المهملة وهي القطعة ، والمسك بكسر الميم وهو الطيب المعروف ، وقيل : بفتح الميم وهي الجلد أي قطعة من جلد ، والصواب الأول ، ويوضحه أنه ثبت في رواية في الصحيحين فرصة ممسكة بفتح السين المشددة أي قطعة صوف أو قطن أو نحوهما مطيبة بالمسك ، وهذا التطييب متفق على استحبابه . قال البغوي وآخرون : تأخذ مسكا في خرقة أو صوفة أو قطنة ونحوها وتدخلها فرجها . والنفساء كالحائض في هذا . نص عليه الشافعي والأصحاب . قال المحاملي في المقنع : يستحب للمغتسلة من حيض أو نفاس أو تطيب بالمسك أو غيره المواضع التي أصابها الدم من بدنها وتعميمه البدن غريب قال أصحابنا : فإن لم تجد مسكا فطيبا غيره فإن لم تجد شيئا من الطيب استحب طين أو نحوه لقطع الرائحة الكريهة وممن ذكر الطين بعد فقد الطيب البندنيجي وابن الصابغ والمتولي والروياني في الحلية والرافعي ثم الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور من أصحابنا وغيرهم من العلماء أن المقصود بالمسك تطييب المحل ودفع الرائحة الكريهة ، وحكى صاحب الحاوي فيه وجهين أحدهما : تطييب المحل ليكمل إستمتاع الزوج بإثارة الشهوة وكمال اللذة والثاني : لكونه أسرع إلى علوق الولد قال : فإن فقدت المسك وقلنا بالأول أتت بما يقوم مقامه في دفع الرائحة ، وإن قلنا بالثاني فيما يسرع إلى العلوق كالقسط والأظفار ونحوهما قال : واختلف الأصحاب في وقت إستعماله فمن قال بالأول قال بعد الغسل ومن قال بالثاني فقبله هذا كلام صاحب الحاوي وهذا الوجه الثاني ليس بشيء ، وما تفرع عليه أيضا ليس بشيء ، وهو خلاف الصواب وما عليه الجمهور ، والصواب أن المقصود به تطييب المحل ، وأنها تستعمله بعد الغسل لحديث عائشة أن أسماء بنت شكل سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسل المحيض : فقال تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها فتطهر فتحسن الطهور ثم تصب على رأسها فتدلكه ثم تصب عليها الماء ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها رواه مسلم بهذا اللفظ وقد اتفقوا على إستحبابه للمزوجة وغيرها والبكر والثيب والله أعلم . وأما قول المصنف : فإن لم تجد فالماء كاف فكذا عبارة إمام الحرمين وجماعة ، وقد يقال الماء كاف وجدت الطيب أم لا وعبارة الشافعي في الأم و المختصر أحسن من هذه قال : فإن لم تفعل فالماء كاف وكذا قاله البندنيجي وغيره وعبارة المصنف وموافقية أيضا صحيحية ومرادهم أن هذه سنة متأكدة يكره تركها بلا عذر ، فإذا عدمت الطيب فهي معذورة في تركها ولا كراهة في حقها ولا عتب ، وهذا كما قال الأصحاب : يعذر المريض وشبهه في ترك الجماعة وإن قلنا : هي سنة لأنها سنة متأكدة يكره تركها كما سنوضحه في بابه إن شاء الله تعالى .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ويستحب أن لا ينقض في الغسل من صاع ولا في الوضوء من مد لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد فإن أسبغ بما دونه أجزأه لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ بما لا يبل الثري قال الشافعي رحمه الله : وقد يرفق بالقليل فيكفي ويخرق بالكثير فلا يكفي . + الشرح : الثري مقصور وهو ما تحت وجه الأرض من التراب الندى ، والصاع أربعة أمداد بلا خلاف والصحيح أن الصاع هنا خمسة أرطال وثلث بالبغدادي كما هو في زكاة الفطر خمسة وثلث بالإتفاق ، وذكر الماوردي والقاضي حسين والروياني فيه وجهين : أحدهما : هذا والثاني : : أنه ثمانية أرطال بالبغدادي ، والمشهور الأول . وقد سبق بيان رطل بغدادي في مسألة القلتين وقوله : وأسبغ أي عمم الأعضاء ومنه ثوب سابغ أي كامل . أما حكم المسألة : فأجمعت الأمة على أن ماء الوضوء والغسل لا يشترط فيه قدر معين ، بل إذا استوعب الأعضاء كفاه بأي قدر كان ، وممن نقل الإجماع فيه أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ، وقد سبق في باب صفة الوضوء أن شرط غسل العضو جريان الماء عليه قال الشافعي والأصحاب : ويستحب أن لا ينقص في الغسل من صاع ولا في الوضوء من مد . قال الرافعي : والصاع والمد تقريب لا تحديد ، وفي صحيح مسلم عن سفينة رضي الله عنه كان النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد وفي مسلم أيضا عن أنس بالصاع إلى خمسة أمداد وفي البخاري اغتساله صلى الله عليه وسلم وبالصاع من رواية جابر وعائشة ، ويدل على جواز النقصان عن صاع ومد مع الإجماع حديث عائشة : كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم في إناء واحد يسع ثلاثة أمداد وقريب من ذلك رواه مسلم . ويدل على أن ماء الطهارة غير مقدر بقدر للوجوب حديث عائشة كنت أغتسل أنا ورسوله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد تختلف أيدينا فيه من الجنابة رواه البخاري ومسلم وعن أنس كان النبي صلى الله عليه وسلم والمرأة من نسائه يغتسلان من إناء واحد وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد رواهما البخاري وفي صحيح مسلم نحوه عن أم سلمة وميمونة ، وفي سنن أبي داود والنسائي بإسناد حسن عن أم عمارة الأنصارية أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ بإناء فيه قدر ثلثي مد وأما الحديث الذي ذكره المصنف : توضأ بما لا يبل الثري فلا أعلم له أصلا والله أعلم . فرع : اتفق أصحابنا وغيرهم على ذم الإسراف في الماء في الوضوء والغسل ، وقال البخاري في صحيحه : كره أهل العلم الإسراف فيه . والمشهور أنه مكروه كراهة تنزيه ، وقال البغوي والمتولي : حرام ومما يدل على ذمه حديث عبد الله بن مغفل بالغين المعجمة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء رواه أبو داود بإسناد صحيح .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجوز أن يتوضأ الرجل والمرأة من إناء واحد ، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال : كان الرجال والنساء يتوضأون في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد : ويجوز أن يتوضأ أحدهما بفضل وضوء الآخر ، لما روت ميمونة رضي الله عنها قالت : أجنبت فاغتسلت من جفنه ففضلت فيها فضلة ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل منه فقلت إني ( قد ) اغتسلت منه فقال النبي صلى الله عليه وسلم الماء ليس عليه جنابة واغتسل منه . + الشرح : حديث ابن عمر رواه البخاري قال : كان الرجال والنساء يتوضأون في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعا وحديث ميمونة صحيح أيضا رواه الدارقطني بلفظه هنا ، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم بمعناه عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسموا ميمونة . قال الترمذي : حديث حسن صحيح ، والجفنة بفتح الجيم وهي القصعة بفتح القاف ، وقوله : ففضلت هو بفتح الضاد وكسرها لغتان مشهورتان أي بقيت ، واتفق العلماء على جواز وضوء الرجل والمرأة واغتسالهما جميعا من إناء واحد لهذه الأحاديث السابقة واتفقوا على جواز وضوء الرجل والمرأة بفضل الرجل . وأما فضل المرأة فيجوز عندنا الوضوء به أيضا للرجل سواء خلت به أم لا قال البغوي وغيره : ولا كراهة فيه للأحاديث الصحيحة فيه ، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة ، وجمهور العلماء ، وقال أحمد وداود : لا يجوز إذا خلت به ، وروى هذا عن عبد الله ابن سرجس والحسن البصري ، وروى عن أحمد كمذهبنا ، وعن ابن المسيب والحسن كراهة فضلها مطلقا . واحتج لهم بحديث الحكم بن عمرو رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة رواه أبو داود والترمذي والنسائي وروى مثله عن عبد الله بن سرجس ، قال الترمذي : حديث الحكم حسن . واحتج أصحابنا بحديث ميمونة المذكور في الكتاب ، وهو صحيح صريح في الدلالة على الطائفتين ، وقد سبق في الفصل الماضي أحاديث كثيرة صحيحة يستدل بها للمسألة ، وإذا ثبت إغتسالهما معا ، فكل واحد مستعمل فضل الآخر ، ولا تأثير للخلوة . وأما حديث الحكم بن عمرو ، فأجاب أصحابنا عنه بأجوبة أحدها : جواب البيهقي وغيره أنه ضعيف ، قال البيهقي ، قال الترمذي : سألت البخاري عنه فقال ليس هو بصحيح ، قال البخاري : وحديث ابن سرجس الصحيح أنه موقوف عليه ومن رفعه فقد أخطأ ، وكذا قال الدارقطني : وقفه أولى بالصواب من رفعه وروى حديث الحكم أيضا موقوفا عليه ، قال البيهقي في كتاب المعرفة : الأحاديث السابقة في الرخصة أصح فالمصير إليها أولى . الجواب الثاني : جواب الخطابي وأصحابنا أن النهي عن فضل أعضائها وهو ما سال عنها ، ويؤيد هذا أن رواية داود بن عبد الله الأودي عن حميد ابن عبد الرحمن الحميري عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن تغتسل المرأة بفضل الرجل ، أو يغتسل الرجل بفضل المرأة رواه أبو داود والنسائي والبيهقي بإسناد صحيح وداود وثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في رواية ، وضعفه يحيى في رواية ، قال البيهقي : هذا الحديث رواته ثقات إلا أن حميدا لم يسم الصحابي فهو كالمرسل إلا أنه مرسل جيد ، لولا مخالفته للأحاديث الثابتة الموصولة ، وداود لم يحتج به البخاري ومسلم .
قلت : جهالة عين الصحابي لا تضر لأنهم كلهم عدول ، وليس هو مخالفا للأحاديث الصحيحة ، بل يحمل على أن المراد ما سقط من أعضائهما ، ويؤيده أنا لا نعلم أحدا من العلماء منعها فضل الرجل فينبغي تأويله على ما ذكرته ، إلا أن في رواية صحيحة لأبي داود والبيهقي : وليغترفا جميعا وهذه الرواية تضعف هذا التأويل ، ويمكن تتميمه مع صحتها ويحملنا على ذلك أن الحديث لم يقل أحد بظاهره ومحال أن يصح وتعمل الأمة كلها بخلاف المراد منه . الجواب الثالث : ذكره الخطابي وأصحابنا أن النهي للتنزيه جميعا بين الأحاديث والله أعلم . فرع : قال الغزالي في الوسيط : وفضل ماء الجنب طاهر وهو الذي مسه الجنب والحائض والمحدث خلافا لأحمد ، فأنكر عليه في هذا أربعة أشياء أحدها قوله خلافا لأحمد ، فمقتضاه أن أحمد يقول بنجاسته وهو عند أحمد طاهر قطعا ، لكن إذا خلت به المرأة لا يجوز للرجل أن يتوضأ به على رواية عنه . الثاني : أنه فسر فضل الجنب بفضل الجنب والحائض والمحدث . الثالث : قوله فضل الجنب طاهر فيه نقص والأجود مطهر . الرابع : قوله : ( وهو الذي مسه ) فيه نقص وصوابه وهو الذي فضل من طهارته ، أما ما مسه في شربه أو أدخل يده فيه بلا نية فليس هو فضل جنب . وما أفضله من طهارته وإن لم يمسه فهو فضل جنب ، فأوهم إدخال ما لا يدخل ، وإخراج ما هو داخل ، ويمكن أن يجاب عن الأول بأنه أراد فضل الجنب مطهر مطلقا ، وخالفنا أحمد في بعض الصور ، وعن الثاني بجوابين أحدهما : أن المراد بالجنب الممنوع من الصلاة ثم فسره بالثلاثة . والثاني : أنه أراد فضل الجنب وغيره فحذف قوله ( وغيره ) لدلالة التفسير عليه واقتصر على الجنب اقتداء بالشافعي والمزني والأصحاب فإنهم ترجموا هذا بباب فضل الجنب ثم ذكروا فيه الجنب وغيره . ويجاب عن الثالث : بأنه لم ينف كونه مطهرا ، وقد علم أن الماء الطاهر مطهر إلا أن يتغير أو يستعمل ، وهذا لم يثبت فيه تغير ولا إستعمال ، وعن الرابع : أن المراد مسه في الطهارة واكتفي بقرينة الحال والمراد مسه في إستعماله والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن أحد وأجنب ففيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه يجب الغسل ويدخل فيه الوضوء وهو المنصوص في الأم لأنهما طهارتان فتداخلتا كغسل الجنابة وغسل الحيض . والثاني : إنه يجب عليه الوضوء والغسل لأنهما حقان مختلفان ، يجبان بسببين مختلفين ، فلم يدخل أحدهما في الآخر كحد الزنا والسرقة . والثالث : أنه يجب أن يتوضأ مرتبا ويغسل سائر البدن لأنهما متفقان في الغسل ، ومختلفان في الترتيب ، فما اتفقا فيه تداخلا ، وما اختلفا فيه لم يتداخلا ( قال الشيخ الإمام رحمه الله وأحسن توفيقه : ) وسمعت شيخنا أبا حاتم القزويني يحكي فيه وجها رابعا : أنه يقتصر على الغسل إلا أنه يحتاج أن ينويهما ، ووجهه لأنهما عبادتان متجانستان صغرى وكبرى فدخلت الصغرى في الكبرى في الأفعال دون النية كالحج والعمرة . + الشرح : للجنب ثلاثة أحوال . حال يكون جنبا لم يحدث الحدث الأصغر وحال يحدث ثم يجنب ، وحال يجنب ثم يحدث . فالحال الأول يجنب بلا حدث فيكفيه غسل البدن ولا يلزمه الوضوء بلا خلاف عندنا كما سبق بيانه ودليله وله أن يصلي بذلك الغسل من غير وضوء ، ويكون الوضوء سنة في الغسل كما سبق . قال أصحابنا : ويتصور أن يكون جبنا غير محدث في صور ، أشهرها أن ينزل المتطهر المني من غير مباشرة تنقض الوضوء بنظر أو إستمناء أو مباشرة فوق حائل أو في النوم قاعدا ، فهذا جنب بلا خلاف وليس محدثا على المذهب الصحيح المشهور الذي قطع به الجمهور ، وأطبقوا على تصوير إنفراد الجنابة عن الحدث به ، وفيه وجه للقاضي أبي الطيب أنه جنب محدث ، وقد سبقت المسألة في باب ما ينقض الوضوء . الصورة الثانية : أن يلف على ذكره خرقة ويولجه في امرأة فلا وضوء عليه ، ويجب الغسل على المذهب ، وفيه خلاف سبق في الباب قبله . الصورة الثالثة : أن يولج في فرج بهيمة أو دبر رجل فيكون جنبا ولا يكون محدثا لأنه لم يمس فرج آدمي بباطن كفه ، وهذه الصورة ذكرها أبو الفرج الدارمي وإمام الحرمين والرافعي وغيرهم وهي أوضح من غيرها ، هذه الصور الثلاث هي المشهورة قال الرافعي : وألحق بها المسعودي الجماع مطلقا ، وقال : إنه يوجب الجنابة لا غير قال : واللمس الذي يتقدمه يصير مغمورا به كما أن خروج الخارج بالإنزال ينغمر ، ولأنه لو جامع المحرم بالحج لزمه بدنة ، وإن كان يتضمن اللمس ، ومجرد اللمس يوجب شاة قال الرافعي : وعند الإكثرين يحصل بالجماع الحدثان ولا يندفع أثر اللمس بخلاف إندفاع أثر خروج الخارج لأن اللمس يسبق حقيقة الجماع ، فيجب ترتيب حكمه عليه ، فإذا تمت حقيقة الجماع وجب أيضا حكمها وفي الإنزال لا يسبق خروج الخارج الإنزال ، بل إذا أنزل حصل خروج الخارج وخروج المني معا ، وخروج المني أعظم الحدثين ، فيدفع حلوله حلول الأصغر مقترنا به . وأما مسألة المحرم فممنوعة على وجه وإن سلمنا ففي الفدية معنى الزجر والمؤاخذة ، وسبيل الجنايات إندراج المقدمات في المقاصد ولهذا لو انفردت مقدمات الزنا أوجب تعزيزا فإذا انضمت إليه لم يجب التعزير مع الحد ، وأما هنا فالحكم منوط بصورة اللمس ولهذا استوى عمده وسهوه والله أعلم .
الحال الثاني : أن يحدث ثم يجنب ، كما هو الغالب ، ففيه الأوجه الأربعة التي ذكرها المصنف ، الصحيح عند الأصحاب وهو المنصوص في الأم أنه يكفيه إفاضة الماء على البدن ويصلي به بلا وضوء والثاني : يجب الوضوء مرتبا ، وغسل جميع البدن ، فتكون أعضاء الوضوء مغسولة مرتين ، وعلى هذا له أن يقدم الوضوء وله أن يؤخره إلى ما بعد فراغه من الغسل وله أن يواسطه في أثناء الغسل ، والأفضل تقديمه والثالث : يجب الوضوء مرتبا وغسل باقي البدن ولا يجب إعادة غسل أعضاء الوضوء وله تقديم الوضوء وتأخيره كما ذكرناه والرابع : يكفيه غسل جميع البدن بلا وضوء بشرط أن ينوي الوضوء والغسل ، فإن اقتصر على نية الغسل لزمه الوضوء أيضا ، وقد ذكر المصنف أدلة الأوجه . الحال الثالث : أن يجنب من غير حدث ثم يحدث فهل يؤثر الحدث فيه وجهان أحدهما : لا يؤثر فيكون جنبا غير محدث ، حكاه الدارمي عن ابن القطان ، وحكاه الماوردي عن جمهور الأصحاب ، فعلى هذا يجزيه الغسل بلا وضوء قطعا . والثاني : يؤثر فيكون جنبا محدثا وتجري فيه الأوجه الأربعة ، وبه قطع القاضي أبو الطيب والمحاملي وابن الصباغ والشيخ نصر في كتابيه الإنتخاب و التهذيب والبغوي وآخرون ، وفيه وجه ثالث حكاه القاضي حسين أنه لا يدخل هنا الوضوء في الغسل قطعا بل لا بد منهما ، وفرق بينه وبين ما إذا تقدم الحدث فإن فيه الأوجه الأربعة بأن هناك وردت الجنابة على أضعف منها فرفعته ، وهنا عكسه فأشبه الحج والعمرة يدخل الأقوى على الأضعف ولا ينعكس على المذهب ، وهذا الوجه غلط وخيال عجيب الأصح أنه كتقدم الحدث فتجيء فيه الأوجه الأربعة ، وحيث أوجبنا الوضوء فقد ذكرنا أنه يجوز تقديمه وتأخيره ، والأفضل تقديمه وإذا قدمه فهل يقدم غسل الرجلين معه أم يؤخرهما فيه الخلاف السابق في أول الباب ، وكذا الكلام في نية هذا الوضوء تقدم في أول الباب . وعلى الأوجه كلها لا يشرع وضوءان في جميع الأحوال بلا خلاف . وقد نقل الرافعي وآخرون الإتفاق على أنه لا يشرع وضوءان ، ولعله مجمع عليه ويحتج له بحديث عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتوضأ بعد الغسل من الجنابة رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه قال الترمذي : حديث حسن صحيح . وأما قول المصنف : لأنهما حقا مختلفان فاحتراز من غسل الحيض والجنابة . وقوله يجبان بسببين احتراز من الحج والعمرة . وقوله مختلفين احتراز ممن زنى وهو بكر فلم يحد حتى زنى وهو محصن ، فإنه يقتصر على رجمه على أحد القولين ، وكذا المحرم إذا لبس ثم لبس في مجالس قبل أن يكفر عن الأول ، فإنه تجب كفارة واحدة في أحد القولين . وقوله في تعليل الوجه الرابع : عبادتان احتراز عن حقين لآدمي وقوله متجانسان احتراز من كفارة ظهار وكفارة يمين . وقوله صغرى وكبرى ، احتراز ممن دخل في الجمعة فخرج الوقت في أثنائها ، فإنه يتمها ظهرا على المذهب ولا يلزمه تجديد نية الظهر ، ويحتمل أنه احتراز عن الصبح والظهر ، فإن إحداهما لا تدخل في الأخرى ، لا في الأفعال ولا في النية . وقد يفرق بين مسألة الغسل ومسألة الحج والعمرة بأن الحج يشل كل أفعال العمرة فدخلت فيه ، والغسل لا يشمل ترتيب الوضوء . والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن توضأ من الحدث ثم ذكر أنه كان جنبا أو اغتسل من الحدث ثم ذكر أنه كان جنبا أجزأه ما غسل من الحدث عن الجنابة ، لأن فرض الغسل في أعضاء الوضوء من الجنابة والحدث واحد . + الشرح : هنا مسألتان إحداهما : توضأ بنية الحدث ثم ذكر أنه كان جنبا فيجزيه المغسول ، وهو وجهه ويداه ورجلاه ودليله ما ذكره المصنف . الثاني : غسل جميع بدنه بنية رفع الحدث الأصغر غالطا ، فقطع المصنف بإرتفاع الحدث عن أعضاء الوضوء دون غيرها ، وظاهر كلامه إرتفاعه عن جميع أعضاء الوضوء والرأس وغيره ، وكذا أطلقه جماعة بإرتفاعه عن الرأس ، وأخرون بأنه لا يرتفع عنه وهذا هو الأصح لأن فرض الرأس في الوضوء المسح ، فالذي نواه إنما هو المسح فلا يجزيه عن غسل الجنابة . ولنا وجه أنه لا يجزئه ما غسله بنية الحدث عن شيء من الجنابة ، حكاه الرافعي ، وقد سبق المسألة واضحة في باب نية الوضوء والله أعلم . فرع في مسائل تتعلق بالباب إحداها : قال الشافعي رحمه الله في البويطي : أكره للجنب أن يغتسل في البئر ، معينة كانت أو دائمة ، وفي الماء الراكد الذي لا يجري . قال وسواء قليل الماء وكثيره أكره الإغتسال فيه والبول فيه . هذا نصه بحروفه . واتفق أصحابنا على كراهته كما ذكر . قال في البيان : والوضوء فيه كالغسل ويحتج للمسألة بحديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب فقيل كيف يفعل يا أبا هريرة قال يتناوله تناولا رواه مسلم . الثانية : يجوز الغسل من إنزال المني قبل البول وبعده ، والأولى أن تكون بعد البول خوفا من خروج مني بعد الغسل . حكى الدرامي عن قوم أنه لا يجوز قبل االبول . الثالثة : السنة إذا غسل ما على فرجه من أذى يدلك يده بالأرض ثم يغسلها ثبت ذلك في الصحيحين عن ميمونة عن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسبق بيانه في باب الإستطابة . الرابعة : لا يجوز الغسل بحضرة الناس إلا مستور العورة ، فإن كان خاليا جاز الغسل مكشوف العورة ، والستر أفضل . واحتج البخاري والبيهقي لجواز الغسل عريانا في الخلوة بحديثي أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن موسى اغتسل عريانا فذهب الحجر بثوبه وأن أيوب كان يغتسل عريانا فخر عليه جراد من ذهب رواهما البخاري . وروى مسلم أيضا قصة موسى صلى الله عليه وسلم والإحتجاج به تفريع على الإحتجاج بشرع من قبلنا . واحتجوا لفضل الستر بحديث بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة عن أبيه عن جده قال : قلت يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر قال : احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك قلت أرأيت إذا كان أحدنا خاليا قال الله أحق أن يستحيا من الناس رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه . قال الترمذي : حديث حسن هذا مذهبنا ، ونقل القاضي عياض جواز الإغتسال عريانا في الخلوة عن جماهير العلماء . قال : ونهى عنه ابن أبي ليلى لأن للماء ساكنا . واحتج فيه بحديث ضعفه العلماء . الخامسة : الوضوء والمضمضة والإستنشاق سنن في الغسل ، فإن ترك الثلاثة صح غسله . قال الشافعي في المختصر : فإن ترك الوضوء والمضمضة والإستنشاق فقد أساء ويستأنف المضمضة والإستنشاق . قال القاضي حسين وغيره : سماه مسيئا لترك هذه السنن ، فإنها مؤكدة فتاركها مسيء لا محالة . قالوا : وهذه إساءة بمعنى الكراهة لا بمعنى التحريم .
قال القاضي والمتولي والروياني وآخرون : وأمره بإستئناف المضمضة والإستنشاق دون الوضوء لمعنيين : أحدهما : أن الخلاف فيه المضمضة والإستنشاق كان موجودا في زمانه ، فإن أبا حنيفة وغيره ممن تقدم يوجبونهما ، فأحب الخروج من الخلاف والوضوء لم يكن أوجبه أحد ، وإنما حديث خلاف أبي ثور وداود بعده . والثاني : أن الماء قد وصل إلى موضع الوضوء دون موضعهما فأمره بإيصاله إليهما . قال أصحابنا : ويستحب إستئناف الوضوء ، لكن إستحباب المضمضة والإستنشاق آكد وقد تقدمت مذاهب العلماء في حكم المضمضة والإستنشاق في الغسل ، والوضوء في باب صفة الوضوء بدلائلها . ومذهبنا ومذهب الجمهور أنهما سنتان في الوضوء والغسل . السادسة : لا يجب الترتيب في أعضاء المغتسل لكن تستحب البداءة بالرأس ثم بأعالي البدن وبالشق الأيمن . السابعة : يجب إيصال الماء إلى غضون البدن من الرجل والمرأة وداخل السرة وباطن الأذنين والإبطين وما بين الأليين وأصابع الرجلين وغيرها مما له حكم الظاهر وحمرة الشفة . وهذا كله متفق عليه . ولو التصقت الأصابع والتحمت لم يجب شقها ، وقد سبق إيضاح هذا وبسطه في صفة الوضوء ، ومما قد يغفل عنه باطن الأليين والإبط والعكن والسرة فليتعهد كل ذلك ويتعهد إزالة الوسخ الذي يكون في الصماخ ، قال الشافعي في الأم والأصحاب : يجب غسل ما ظهر من صماخ الأذن دون ما بطن ، ولو كان تحت أظفاره وسخ لا يمنع وصول الماء إلى البشرة لم يضر وإن منع ففي صحة غسله خلاف سبق بيانه في بابي السواك وصفة الوضوء . الثامنة : إذا كان ما على بعض أعضائه أو شعره حناء أو عجين أو طيب أو شمع أو نحوه فمنع وصول الماء إلى البشرة أو إلى نفس الشعر لم يصح غسله ، وقد تقدم بيان هذا مع فروع حسنة تتعلق به في آخر صفة الوضوء ، ولو كان شعره متلبدا بحيث لا يصل الماء إلى باطن الشعر لم يصح غسله إلا بنفشه حتى يصل الماء إلى جميع أجزائه هكذا نص عليه الشافعي في الأم وقطع به الأصحاب . ولو انعقدت في رأسه شعرة أو شعرات فهل يعفي عنها ويصح الغسل وهي معقودة وإن كان الماء لا يصل باطن محل العقد ، وفيه وجهان حكاهما الروياني والرافعي وغيرهما ، أحدهما : يعفي عنه وهو قول الشيخ أبي محمد الجويني وصححه الروياني والرافعي لأنها في معنى الأصبع الملتحمة ، ولأن الماء يبل محلها ، والثاني : لا يعفي عنه كالملبد ، وقطع هذه الشعرات ممكن بلا ضرر بخلاف الأصبع الملتحمة . التاسعة : لو ترك من رأسه شعرة لم يصبها الماء لم يصح غسله . وعن أبي حنيفة أنه يصح : فلو نتف تلك الشعرة ، قال الماوردي : إن كان الماء وصل أصلها أجزأه وإلا لزمه إيصاله أصلها ، قال : وكذا لو أوصل الماء إلى أصول شعره دون الشعر ثم حلقه أجزأه ، وذكر صاحب البيان فيه وجهين : أحدهما : هذا ، والثاني : يلزمه غسل مقطع الشعرة والشعرات ، وبه قطع ابن الصباغ في الفتاوي المنقولة عنه . العاشرة : إذا انشق جلده بجراحة وانفتح فمها وانقطع دمها وأمكن إيصال الماء إلى باطنها الذي يشاهد بلا ضرر وجب إيصاله في الغسل والوضوء ، قطع به الأصحاب ، وقد سبق بيانه في صفة الوضوء ، قال الشيخ أبو محمد الجويني : والفرق بينه وبين الفم والأنف أنهما باقيان على الإستبطان ، وإنما يفتح فمه لحاجة ومحل الجراحة صار ظاهرا فأشبه مكان الإفتضاض من المرأة الثيب ، وقد سبق نص الشافعي على أنه يلزمها إيصال الماء إلى ما برز بالإفتضاض . قال أبو محمد : فإن كان للجراحة غور في اللحم لم يلزمه مجاورة ما ظهر منها ، كما لا يلزم المرأة مجاوزة ما ظهر بالإفتضاض .
ولو اندملت الجراحة والتأمت سقط الفرض في ذلك الموضع ، كما لو عادت البكارة بعد الإفتضاض فإنه يسقط غسل ما كان ظهر بالإفتضاض وكما لو التحمت أصابع رجليه فإنه لا يجوز له شقها ، بل يكفيه غسل ما ظهر ، وقد سبق هذا في صفة الوضوء . قال أبو محمد : ولو كان في باطن الجراحة دم وتعذرت إزالته وخشي زيادة سرايتها إلى العضو لم يلزمه إيصال الماء إلى باطنها ولزمه قضاء الصلوات عند الشافعي إذا اندملت . ولا يلزمه القضاء عند المزني رضي الله عنهما . الحادية عشرة : لو قطعت شفته أو أنفه فهل يلزمه غسل ما ظهر بالقطع في الوضوء والغسل فيه وجهان سبق إيضاحهما في صفة الوضوء . أصحهما يجب لأنه صار ظاهرا ، ولو كان غير مختون فهل يلزمه في غسل الجنابة غسل ما تحت الجلدة التي تقطع في الختان ، فيها وجهان حكاهما المتولي والروياني وآخرون أصحهما : يجب صححه الروياني والرافعي ، لأن تلك الجلدة مستحقة الإزالة ، ولهذا لو أزالها إنسان لم يضمن ، وإذا كانت مستحقة الإزالة فما تحتها كالظاهر . والثاني : لا يجب ، وبه جزم الشيخ أبو عاصم العبادي في الفتاوي ، لأنه يجب غسل تلك الجلدة ولا يكفي غسل ما تحتها ، فلو كانت كالمعدومة لم يجب غسلها ، فبقي ما تحتها باطنا . الثانية عشرة : لا يجب غسل داخل عينيه ، وحكم إستحبابه كما سبق في صفة الوضوء ، ولو نبت في عينه شعر لم يلزمه غسله . الثالثة عشرة : لو كان على بعض بدن الجنب نجاسة فغسل ذلك الموضع غسلة واحدة بنية الجنابة ارتفعت النجاسة ، وهل يجزئه عن الجنابة فيه وجهان سبقا في مواضع بسطتها في باب نية الوضوء ، أصحهما يجزئه ، ولو صب الجنب على رأسه الماء وكان على ظهره نجاسة فنزل عليها فأزالها فإن قلنا الماء المستعمل في الحدث يصلح لإزالة النجاسة طهر المحل عن النجاسة وهل يطهر عن الجنابة قال الروياني فيه الوجهان . وإن قلنا : المستعمل في الحدث لا يصلح للنجس . قال الروياني : ففي طهارته عن النجس هنا وجهان : أحدهما : يطهر لأن الماء قائم على المحل وإنما يصير مستعملا بالإنفصال . والثاني : لا يطهر لأنا لا نجعل الماء في حالة تردده على العضو مستعملا للحاجة إلى ذلك في الطهارة الواحدة ، وهذه طهارة أخرى ، فعلى هذا يجب تطهير هذا المحل عن النجاسة ، وهل يكفيه الغسلة الواحدة فيه عن النجس والجنابة إذا نواها فيه الوجهان . الرابعة عشرة : لو أحدث المغتسل في أثناء غسله لم يؤثر ذلك في غسله بل يتمه ويجزيه ، فإن أراد الصلاة لزمه الوضوء ، نص على هذا كله الشافعي في الأم والأصحاب ولا خلاف فيه عندنا ، وحكاه ابن المنذر عن عطاء وعمرو بن دينار وسفيان الثوري واختاره ابن المنذر ، وعن الحسن البصري أنه يستأنف الغسل ، دليلنا أن الحدث لا يبطل الغسل بعد فراغه فلا يبطله في أثنائه كالأكل والشراب . الخامسة عشرة : هل يجب على السيد أن يشتري لمملوكه ماء الوضوء والغسل من الحيض والجنابة فيه وجهان حكاهما المتولي والروياني هنا وآخرون في النفقات أحدهما : يجب كزكاة فطره ، والثاني : لا ، لأن للطهارة بدلا وهو التيمم فينتقل إليه كما لو أذن لعبده في الحج متمتعا ، فإنه لا يلزم السيد الهدي ، بل ينتقل العبد إلى الصوم ، ويخالف الفطرة فلا بدل لها ، ولم يرجحها واحدا من الوجهين ، والأول عندي أصح لأنه من مؤن العبد وهي على سيده ، وهل يلزم الزوج شراء ماء الطهارة لزوجته فيه خلاف ذكره المصنف في باب ما يجب بمحظورات الإحرام ، وذكره المتولي والروياني وآخرون هنا .
وذكره البغوي وآخرون في النفقات والأظهر تفصيل ذكره البغوي وتابعه عليه الرافعي ، قال : إن كان الغسل لإحتلامها لم يلزمه ، وإن كان لجماعه أو نفاس لزمه في أصح الوجهين لأنه بسببه ، وإن كان حيض لم يلزمه في أصح الوجهين لأنه من مؤن التمكين وهو واجب عليها . قال الرافعي وينظر على هذا القياس في ماء الوضوء إلى أن السبب منه كاللمس أم لا وفي أجرة الحمام وجهان مشهوران في كتاب النفقات أحدهما : : لا يجب إلا إذا عسر الغسل إلا في الحمام لشدة برد وغيره ، واختاره الغزالي وأصحهما : وبه قطع المصنف والبغوي والروياني وآخرون في كتاب النفقات الوجوب إلا أن يكون من قوم لا يعتادون دخوله فإن أوجبناها قال الماوردي إنما تجب في كل شهر مرة . السادسة عشرة : قال أبو الليث الحنفي في نوازله : لو كان في الإنسان قرحة فبرأت ، وارتفع قشرها ، وأطراف القرحة متصلة بالجلد إلا الطرف الذي كان يخرج منه القيح فإنه مرتفع ، ولا يصل الماء إلى ما تحت القشرة أجزأه وضوءه وفي معناه الغسل .
فصل في الأغسال المسنونة
لم يذكر لها المصنف رحمه الله بابا مستقلا ، بل ذكرها مفرقة في أبوابها وقد ذكرها هو في التنبيه والأصحاب مجموعة في باب إقتداء بالمزني رحمه الله ، فأجبت موافقة الجمهور في ذكرها مجموعة في موضع فإنه أحسن وأحوط وأنفع وأضبط فأذكرها إن شاء الله تعالى في هذا الفصل في غاية الإختصار بالنسبة إلى عادة هذا الشرح ، لكوني أبسطها إن شاء الله تعالى بفروعها وأداتها وما يتعلق بها في مواضعها . فمنها غسل الجمعة وهو سنة عندنا وعند الجمهور وأوجبه بعض السلف ، وفيمن يستحب له أربعة أوجه : الصحيح : أنه يستحب لكل من حضر الجمعة سواء الرجل والمرأة ومن تجب عليه ، ومن لا تجب ، ولا يستحب لغيره . والثاني : يستحب لكل من تجب عليه ، سواء حضر أم إنقطع لعذر ، حكاه الماوردي والروياني ، ورجحه الروياني وادعى أنه قول جمهور أصحابنا ، وليس كما قال . والثالث : يستحب لمن حضر ممن تلزمه الجمعة دون من لا تلزمه حكاه الشاشي وغيره ، وهذا ضعيف أو غلط . الرابع : يستحب لكل أحد سواء حضر أو لم يحضر ، ومن تلزمه ومن لا تلزمه ، ومن إنقطع عنها لعذر ، أو لغيره كغسل العيد . حكاه المتولي وغيره . قال الشافعي ، والأصحاب : ويدخل وقت غسل الجمعة بطلوع الفجر ، ويبقى إلى صلاة الجمعة ، والأفضل أن يكون عند الرواح إليها . فلو اغتسل قبل الفجر لم يحسب . هكذا قطع به الأصحاب في جميع الطرق إلا أمام الحرمين فحكي وجها أنه يحسب ، وليس بشيء ، ولو اغتسل بعد الفجر ، ثم أجنب لم يبطل غسل الجمعة عندنا ، قال الماوردي : وبه قال العلماء كافة إلا الأوزاعي فإنه أبطله . دليلنا أن غسل الجمعة يراد للتنظيف فإذا تعقبه غسل الجنابة لم يبطلة ، بل هو أبلغ في النظافة . قال الروياني وغيره : ويستحب أن يستأنف غسل الجمعة ليخرج من الخلاف ، قال القفال وصاحبه الصيدلاني والأصحاب : إن لم يجد الماء تيمم ، قالوا : ويتصور ذلك في قوم توضأوا وفرع ماؤهم ، وفي الجريح في غير أعضاء الوضوء ، واستبعد الغزالي وغيره التيمم لأن المراد قطع الرائحة ، والصواب الأول لأنها طهارة شرعية فناب عنها التيمم كغيرها . ولغسل الجمعة فروع ، وتتمات ، نبسطها في بابها إن شاء الله تعالى . ومن الغسل المسنون غسل العيدين وهو سنة لكل أحد بالإتفاق ، سواء الرجال والنساء والصبيان ، لأنه يراد للزينة وكلهم من أهلها بخلاف الجمعة ، فإنه لقطع الرائحة ، فاختص بحاضرها على الصحيح . ويجوز بعد الفجر وهل يجوز قبله قولان أحدهما : لا ، كالجمعة . وأصحهما : نعم لأن العيد يفعل أول النهار فيبقى أثره ولأن الحاجة تدعو إلى تقديمه لأن الناس يقصدونه من بعيد فعلى هذا فيه أوجه أحدها : يجوز في جميع الليل والثاني : لا يجوز إلا عند السحر ، وأصحها : يجوز في النصف الثاني لا قبله ، هذا مختصر ما يتعلق بغسل العيد ، وسيأتي إيضاحه مبسوطا بأدلته حيث ذكره المصنف في صلاة العيد إن شاء الله تعالى . ومن المسنون غسل الكسوفين وغسل الإستسقاء . ومنه غسل الكافر إذا أسلم ولم يكن أجنب ، وقد سبق إيضاحه في باب ما يوجب الغسل . ومنه غسل المجنون والمغمى عليه إذا أفاق وقد سبق بيانهما في باب ما ينقض الوضوء . ومنه أغسال الحج ، وهي الغسل للإحرام ولدخول مكة ، وللوقوف بعرفة وللوقوف بالمشعر الحرام ، وثلاثة أغسال لرمي الجمار في أيام التشريق الثلاثة ، نص الشافعي على هذه السبعة في الأم قال : ولا يغتسل لجمرة العقبة .
قال أصحابنا : إنما لم يغتسل لها لأن وقتها يدخل من نصف الليل ، ويبقى إلى آخر النهار ، فلا يجتمع لها الناس ، ولأنه اغتسل للوقوف بالمشعر الحرام ، وهو يرمي جمرة العقبة بعده بساعة ، فأثر الغسل باق فلا حاجة إلى إعادته ، وأضاف الشافعي في القديم إلى هذه السبعة الغسل لطوافي الزيارة والوداع . قال القاضي أبو الطيب : وللحلق . قال البغوي وغيره : ويسن للحائض والنفساء جميع أغسال الحج إلا غسل الطواف ، لكونها لا تطوف . ومن المستحب الغسل من غسل الميت ، وللشافعي قول إنه يجب إن صح الحديث فيه . ولم يصح فيه حديث ، ولا فرق في هذا بين غسل الميت المسلم والكافر ، فيسن الغسل من غسلهما ، ويسن الوضوء من مس الميت . نص عليه الشافعي في مختصر المزني رحمهما الله وقاله الأصحاب ، ونقله إمام الحرمين عن أحصابنا المراوزة وسنبسط الكلام فيه في الجنائز إن شاء الله تعالى حيث ذكره المصنف . ومن المستحب الغسل من الحجامة ودخول الحمام ، نص عليهما الشافعي في القديم وحكاه عن القديم ابن القاص والقفال وقطعا به ، وكذا قطع به المحاملي في اللباب والغزالي في الخلاصة والبغوي وآخرون ، ونقله الغزالي في الوسيط عن ابن القاص ثم قال : وأنكر معظم الأصحاب إستحبابهما ، قال البغوي : أما الحجامة فورد فيها أثر ، وأما الحمام فقيل : أراد به إذا تنور يغتسل وإلا فلا . وقيل : استحبه لاختلاف الأيدي في ماء الحمام . قال : وعندي أن معنى الغسل أنه إذا دخله فعرق استحب إلا يخرج حتى يغتسل . هذا كلام البغوي وروى البيهقي بإسناد ضعفه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الغسل من خمسة من الجنابة ، والحجامة ، وغسل يوم الجمعة ، والغسل من ماء الحمام وبإسناده عن ابن عمرو بن العاص قال : كنا نغتسل من خمس من الحجامة ، والحمام ، ونتف الأبط ، ومن الجنابة ، ويوم الجمعة والله أعلم . ومن المستحب الغسل لمن أراد حضور مجمع الناس صرح به أصحابنا ونقله الروياني في البحر عن نص الشافعي ، ورأيت في الأم ما يدل عليه صريحا أو إشارة ظاهرة ، قال أبو عبد الله الزبيري في الكافي : يستحب في كل أمر اجتمع الناس له أن يغتسل المرء له ، ويقطع الرائحة المغيرة من جسده ويمس من طيب أهله ، هذه هي السنة . وقال البغوي : يستحب لمن أراد الإجتماع بالناس أن يغتسل ويتنظف ويتطيب . قال المحاملي في اللباب : يستحب الغسل عند كل حال تغير فيه البدن قال أصحابنا : وآكد هذه الأغسال غسل الجمعة والغسل من غسل الميت وأيهما آكد فيه قولان مشهوران ذكرهما المصنف في الجنائز ، أصحهما عند المصنف وسائر العراقيين الغسل من غسل الميت وهو نصه في الجديد . والثاني : غسل الجمعة وهو قوله القديم وصححه البغوي والروياني وغيرهما . قال الرافعي : وصححه الأكثرون . وهذا هو الصحيح أو الصواب لأن أحاديث غسل الجمعة صحيحة ، وليس في الغسل من غسل الميت شيء صحيح . وفائدة القولين فيما لو أوصي بماء لأولى الناس أو وكل من يدفعه إلى أولاهم أو آكدهم حاجة فوجد رجلان ، أحدهما : قد غسل ميتا ، والآخر : يريد حضور الجمعة فأيهما أولى به فيه القولان ، وستأتي دلائل كل ما ذكرته في مواضعه إن شاء الله تعالى ، وبالله التوفيق .
فصل في دخول الحمام
روى عن عائشة رضي الله عنها قالت : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن دخول الحمامات ، ثم رخص للرجال أن يدخلوها في الميازر رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم . قال الترمذي : ليس إسناده بذاك القائم . وعن أبي المليح بفتح الميم قال : دخل نسوة من أهل الشام على عائشة فقالت : من أنتن فقلن : من أهل الشام فقالت : لعلكن من الكورة التي يدخل نساؤها الحمامات قلن : نعم ، قالت : أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما من امرأة تخلع ثيابها في غير بيتها إلا هتكت ما بينها وبين الله تعالى رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه ، قال الترمذي : حديث حسن . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إنها ستفتح عليكم أرض العجم وستجدون فيها بيوتا يقال لها : الحمامات ، فلا يدخلنها الرجال إلا بالأزر وامنعوها النساء إلا مريضة أو نفساء رواه أبو داود وابن ماجه . وفي إسناده من يضعف ، وجاء في دخول الحمام ، وعن السلف آثار متعارضة في الإباحة والكراهة . فعن أبي الدرداء رضي الله عنه : نعم البيت الحمام يذهب الدرن ويذكر النار . . وعن علي وابن عمر رضي الله عنهم : بئس البيت الحمام يبدي العورة ويذهب الحياء . وأما أصحابنا فكلامهم فيه قليل ، وممن تكلم فيه من أصحابنا الإمام الفقيه الحافظ أبو بكر السمعاني المروزي رحمه الله ، فقال : جملة القول في دخول الحمام أنه مباح للرجال بشرط التستر وغض البصر ، ومكروه للنساء إلا لعذر من نفاس أو مرض قال : وإنما كره للنساء لأن أمرهن مبني على المبالغة في التستر ، ولما في وضع ثيابهن في غير بيوتهن من الهتك ولما في خروجهن واجتماعهن من الفتنة والشر وأنشد : دهتك بعلة الحمام نعم مال بها الطريق إلى يزيد قال : وللداخل آداب منها أن يتذكر بحره حر النار ، ويستعيذ بالله تعالى من حرها ويسأله الجنة ، وأن يكون قصده التنظيف والتطهر دون التنعيم والترفه ، وألا يدخله إذا رأى فيه عاريا ، بل يرجع ، وألا يصلي فيه ، ولا يقرأ القرآن ولا يسلم ، ويستغفر الله تعالى إذا خرج ويصلي ركعتين ، فقد كانوا يقولون : يوم الحمام يوم أثم وروي لكل أدب منها خبرا أو أثرا وذكر آدابا أخر . وذكر الإمام الغزالي رحمه الله في الإحياء فيه كلاما حسنا طويلا مختصره أنه لا بأس بدخول الحمام ، دخل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حمامات الشام ، قال : وعلى داخله واجبات وسنن ، فعليه واجبان في عورته : صونها عن نظر غيره ومسه ، فلا يتعاطى أمرها ، وإزالة وسخها إلا بيده ، وواجبان في عورة غيره أن يغض بصره عنها ، وأن ينهاه عن كشفها لأن النهي عن المنكر واجب ، فعليه ذلك وليس عليه القبول . قال : ولا يسقط الإنكار إلا لخوف ضرر أو شتم أو نحوه ، ولا يسقط عنه بظنه أنه لا يفيد قال : ولهذا صار الحزم في هذه الأزمان ترك دخول الحمام ، إذ لا يخلو عن عورات مكشوفة ، لا سيما ما فوق العانة وتحت السرة ولهذا استحب إخلاء الحمام . قال : والسنن عشر ، النية بأن لا يدخل عبثا ولا لغرض الدنيا ، بل يقصد التنظيف المحبوب ، وأن يعطي الحمامي الأجرة قبل دخوله ، ويقدم رجله اليسرى في دخوله قائلا : بسم الله الرحمن الرحيم ، أعوذ بالله من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم .
وأن يدخل وقت الخلوة أو يتكلف إخلاء الحمام فإنه وإن لم يكن في الحمام إلا أهل الدين والمحتاطون في العورات فالنظر إلى الأبدان مكشوفة فيه شوب من قلة الحياء ، وهو مذكر للفكر في العورات ، ثم لا يخلو الناس في الحركات عن انكشاف العورات فيقع عليها البصر . وأن لا يعجل بدخول البيت الحار حتى يعرق في الأول ، وألا يكثر صب الماء بل يقتصر على قدر الحاجة فهو المأذون فيه ، وأن يذكر بحرارته حرارة نار جهنم لتسبهه بها ، وألا يكثر الكلام ، ويكره دخوله بين المغرب والعشاء وقريبا من الغروب ، وأن يشكر الله تعالى إذا فرغ على هذه النعمة وهي النظافة ، ويكره من جهة الطب صب الماء البارد على الرأس عند الخروج من الحمام وشربه . ولا بأس بقوله لغيره عافاك الله ولا بالمصافحة ولا بأن يدلكه غيره يعني في غير العورة . هذا كلام الغزالي ، ثم ذكر في النساء كلاما حذفته لكون كلام السمعاني أصوب منه ، قال : وإذا دخلت المرأة لضرورة فلا تدخل إلا بمئزر سابغ ، قال ولا يقرأ القرآن إلا سرا ولا يسلم إذا دخل ، فقد اتفق هو والسمعاني على ترك القراءة والسلام ، فأما القراءة فتقدم في آخر باب ما يوجب الغسل أنها لا تكره ولعل مرادهما الأول تركها لا أنها مكروهة . وأما ترك السلام فقد وافقهما عليه صاحب التتمة ، فقال : لا يستحب السلام لداخله على من فيه لأنه بيت الشيطان ، ولأن الناس يكونون مشتغلين بالتنظف ، وكذا قاله غيرهم . والحمام مذكر لا مؤنث ، كذا نقله الأزهري في تهذيب اللغة عن العرب ونقله غيره وجمعه حمامات ، مشتق من الحميم وهو الماء الحار . والله أعلم وبه التوفيق . & باب التيمم & قال أبو منصور الأزهري رحمه الله : التيمم في كلام العرب القصد ، يقال : تيممت فلانا ويممته وتأممته وأممته ، أي قصدته ، والتيمم ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة ، وهو رخصة وفضيلة اختصت بها هذه الأمة ، زادها الله شرفا لم يشاركها فيها غيرها من الأمم ، كما صرحت به الأحاديث الصحيحة المشهورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأجمعوا على أن التيمم مختص بالوجه واليدين ، سواء تيمم عن الحدث الأصغر أو الأكبر ، سواء تيمم عن كل الأعضاء أو بعضها .
قال المصنف رحمه الله تعالى : يجوز التيمم عن الحدث الأصغر لقوله تعالى : وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا النساء : 43 ويجوز عن الحدث الأكبر وهو الجنابة والحيض ، لما روى عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما قال : ( أجنبت فتمعكت في التراب فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال صلى الله عليه وسلم : إنما كان يكفيك هكذا ، وضرب يديه على الأرض ومسح وجهه وكفيه ) ولأنه طهارة عن حدث فناب عنها التيمم كالوضوء ، ولا يجوز ذلك عن إزالة النجاسة لأنها طهارة فلا يؤمر بها للنجاسة في غير محل النجاسة كالغسل . + الشرح : أما الآية الكريمة فتقدم تفسيرها في باب ما ينقض الوضوء ، وقوله تعالى : صعيدا طيبا قيل : حلالا ، وقيل : طاهرا ، وهو الأظهر الأشهر ، وهو مذهب أصحابنا . وأما حديث عمرا فمتفق على صحته رواه البخاري ومسلم ، وقوله : ( تمعكت ) أي تدلكت وفي رواية في الصحيح تمرغت وهو بمعنى تدلكت . وراوي الحديث عمار تقدم بيان حاله في آخر السواك . وينكر على المصنف قوله : روى بصيغة التمريض الموضوعة للعبارة عن حديث ضعيف ، مع أن هذا الحديث متفق على صحته ، وقد نبهت على مثله مرات وذكرته في مقدمة الكتاب ، وقوله : ( ولأنه طهارة عن حدث ) احتراز من طهارة النجس . أما الأحكام : فيجوز التيمم عن الحدث الأصغر بالكتاب والسنة والإجماع ، ويجوز عن الحدث الأكبر ، وهو الجنابة والحيض والنفاس ، وكذا الولادة إذا قلنا توجب الغسل ، ولا خلاف في هذا عندنا ، ولا يجوز في إزالة النجاسة ، ودليله ما ذكره المصنف وأما قول المصنف هنا : يجوز التيمم ، وقوله في التنبيه : يجب فكلاهما صحيح فهو واجب في حال جائز في حال . فإذا لم يجد الماء وضاق الوقت وجب ، وإذا وجد الماء بأكثر من ثمن المثل جاز التيمم ولا يجب ، بل لو اشتراه وتوضأ كان أفضل وكذا إذا لم يجد الماء وأراد نافلة أو فريضة في أول الوقت جاز التيمم ولم يجب . فرع : قد ذكرنا أن التيمم عن الحدث الأكبر جائز ، هذا مذهبنا وبه قال العلماء كافة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، إلا عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وإبراهيم النخعي التابعي فإنهم منعوه ، قال ابن الصباغ وغيره : وقيل : إن عمر وعبد الله رجعا ، واحتج لمن منعه بأن الآية فيها إباحته للمحدث فقط ، واحتج أصحابنا والجمهور بقوله الله تعالى : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم المائدة : 6 إلى قوله تعالى : وإن كنتم جنبا فاطهروا ثم قال تعالى : فلم تجدوا ماء فتيمموا وهو عائد إلى المحدث والجنب جميعا . وقد ثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال : قال عبد الله بن مسعود : لو أن جنبا لم يجد الماء شهرا لا يتيمم ، قال أبو موسى له : كيف يصنع بهذه الآية فلم تجدوا ماء فتيمموا فقال عبد الله : لو رخص لهم لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا فهذا دليل على أنهم كانوا متفقين على أن الآية تدل على جواز التيمم للجنب . واحتجوا من السنة بحديث عمار السابق وهو في الصحيحين ، وبحديث عمران بن الحصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ثم رأى رجلا معتزلا لم يصل مع القوم فقال : يا فلان ما منعك أن تصلي مع القوم فقال يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء ، فقال : عليك بالصعيد فإنه يكفيك ، فلما حضر الماء أعطي النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرجل إناء من ماء فقال اغتسل به رواه البخاري ومسلم .
وعن أبي ذر رضي الله عنه أنه كان يعزب في الإبل وتصيبه الجنابة ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : الصعيد الطيب وضوء المسلم ، وإن لم يجد الماء عشر سنين ، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته رواه أبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وغيرهم ، قال الترمذي : حديث حسن صحيح ، وقال الحاكم : حديث صحيح . وفي المسألة أحاديث كثيرة غير ما ذكرته . ومن القياس ما ذكره المصنف ، ولأن ما كان طهورا في الحدث الأصغر كان في الأكبر كالماء . وأما الآية فليس فيها منع التيمم عن الجنابة ، بل فيها جوازه كما ذكرنا ، ولو لم يكن فيها بيانه فقد بينته السنة . فرع : إذا تيمم الجنب والتي انقطع حيضها ونفاسها ثم قدر على إستعمال الماء لزمه الغسل . هذا مذهبنا ، وبه قال العلماء كافة إلا أبا سلمة ابن عبد الرحمن التابعي فقال : لا يلزمه ، ودليلنا حديث عمران وحديث أبي ذر السابقان . فرع : قال الشافعي في الأم والأصحاب : يجوز للمسافر والمعزب في الإبل أن يجامع زوجته وإن كان عادما للماء ، ويغسل فرجه ويتيمم . واتفق أصحابنا على جواز الجماع من غير كراهة قالوا : فإن قدر على غسل فرجه فغسله وتيمم وصلى صحت صلاته ولا يلزمه إعادتها ، فإن لم يغسل فرجه لزمه إعادة الصلاة إن قلنا : رطوبة فرج المرأة نجسة وإلا فلا إعادة . هذا بيان مذهبنا . وحكى ابن المنذر جواز الجماع عن ابن عباس وجابر بن زيد والحسن البصري وقتادة والثوري والأوزاعي وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق ، واختاره ابن المنذر وحكى عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عمر والزهري أنهم قالوا : ليس له ذلك . وعن مالك قال : لا أحب أن يصيب امرأته إلا ومعه ماء . وعن عطاء قال : إن كان بينه وبين الماء ثلاث ليال لم يصبها ، وإن كان أكثر جاز ، وعن أحمد في كراهته روايتان . دليلنا على الجميع ما احتج به ابن المنذر أن الجماع مباح فلا نمنعه ولا نكرهه إلا بدليل ، فهذا هو المعتمد في الدلالة . وأما حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رجل : يا رسول الله الرجل يغيب لا يقدر على الماء أيجامع أهله قال نعم رواه أحمد في مسنده ، فلا يحتج به لأنه ضعيف ، فإنه من رواية الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف ، والله أعلم . فرع : قد ذكرنا أن مذهبنا أن التيمم عن النجاسة لا يجوز ، ومعناه إذا كان على بعض بدنه نجاسة فتيمم في وجهه ويديه لا يصح ، وبه قال جمهور العلماء وجوزه أحمد ، واختلف أصحابه في وجوب إعادة هذه الصلاة . قال ابن المنذر : كان الثوري والأوزاعي وأبو ثور يقولون : يمسح موضع النجاسة بتراب ويصلي . قال : وحكى أبو ثور هذا عن الشافعي ، قال : والمعروف من قول الشافعي بمصر أن التيمم لا يجزىء عن نجاسة ، واحتج أصحابنا بما ذكره المصنف ، وقول المصنف : فلا يؤمر بها للنجاسة ، احتراز من الحدث فإنه يؤمر بطهارته في غير محله . وقوله : كالغسل هو بفتح الغين ، معناه كما لو كان على بدنه نجاسة فلا يؤمر بالغسل في غير محلها ، ولأن التيمم رخصة ، فلا يجوز إلا فيما ورد الشرع به ، وهو الحدث والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : والتيمم مسح الوجه واليدين مع المرفقين بضربتين أو أكثر ، والدليل عليه ما روى أبو أمامة وابن عمر رضي الله عنهم : أن النبي صلى الله عليه وسلم : قال التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين . وحكى بعض أصحابنا عن الشافعي رحمه الله أنه قال في القديم : التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة للكفين ، ووجهه في حديث عمار ، وأنكر الشيخ أبو حامد ( الأسفرايني رحمه الله ) ذلك وقال : المنصوص في القديم والجديد هو الأول ، ووجهه أنه عضو في التيمم فوجب إستيعابه كالوجه ، وحديث عمار يتأول على أنه مسح كفيه إلى المرفقين بدليل حديث أبي أمامة وابن عمر . + الشرح : أما حديث ابن عمر فسيأتي بيانه إن شاء الله ، وأما حديث أبي أمامة فمنكر لا أصل له ، واسم أبي أمامة صدي بضم الصاد وفتح الدال المهملة وتشديد الياء ابن عجلان الباهلي من بني باهلة ، سكن حمص رضي الله عنه ، وابن عمر تقدم بيانه في الآنية ، والشيخ أبو حامد في مسح الخف والعضو بكسر العين وضمها ، وقوله : ولأنه عضو في اليتمم احترز ( بعضو ) عن مسح الخف و ( بالتيمم ) عن مسح الرأس في الوضوء . وأما حكم المسألة : فمذهبنا المشهور أن التيمم ضربتان ، ضربة للوجه وضربة لليدين مع المرفقين ، فإن حصل إستيعاب الوجه واليدين بالضربتين وإلا وجبت الزيادة حتى يحصل الإستيعاب . وحكى أبو ثور وغيره قولا للشافعي في القديم أنه يكفي مسح الوجه والكفين وأنكر أبو حامد والماوردي وغيرهما هذا القول وقالوا : لم يذكره الشافعي في القديم ، وهذا الإنكار فاسد ، فإن أبا ثور من خواص أصحاب الشافعي وثقاتهم وأئمتهم فنقله عنه مقبول ، وإذا لم يوجد في القديم حمل على أنه سمعه منه مشافهة وهذا القول وإن كان قديما مرجوحا عند الأصحاب فهو القوي في الدليل وهو الأقرب إلى ظاهر السنة الصحيحة . وقال كثيرون من الخراسانيين : لا يشترط صربتان ، بل الواجب إيصال التراب إلى الوجه واليدين ، سواء حصل بضربتين أو ضربة ، وسيأتي بيان هذا في واجبات التيمم إن شاء الله تعالى ، هذا تلخيص مذهبنا . وحكى ابن المنذر وجوب الضربتين عن علي بن أبي طالب وابن عمر والحسن البصري والشعبي وسالم بن عبد الله ومالك والليث والثوري وأصحاب الرأي ، وعبد العزيز بن أبي سلمة ، قال أصحابنا : وهو قول أكثر العلماء . وحكى الماوردي وغيره عن ابن سيرين أنه لا يجزئه إلا ثلاث ضربات : ضربة لوجهه ، وضربة لكفيه ، وضربة لذراعيه . وقال آخرون : الواجب ضربة للوجه والكفين ، حكاه ابن المنذر عن عطاء ومكحول والأوزاعي وأحمد وإسحاق . قال ابن المنذر : وبه أقول وبه قال داود ، وحكاه الخطابي عن عامة أصحاب الحديث . وأما قدر الواجب من اليدين فالمشهور من مذهبنا أنه إلى المرفقين كما سبق وبه قال مالك وأبو حنيفة وأكثر العلماء ، وقال عطاء ومن بعده ممن ذكرناه : إلى الكفين ، وحكى الماوردي وغيره عن الزهري أنه يجب مسحهما إلى الإبطين ، وما أظن هذا يصح عنه ، وقد قال الخطابي : لم يختلف العلماء في أنه لا يجب مسح ما وراء المرفقين . واحتج من قال : ضربة للوجه والكفين بحديث عمار قال : أجنبت فتمعكت في التراب وصليت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنما كان يكفيك هكذا ، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم بكفيه الأرض ، فنفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه رواه البخاري ومسلم . واحتج أصحابنا بأشياء كثيرة لا يظهر الإحتجاج بها فتركتها ، وأقربها أن الله تعالى أمر بغسل اليد إلى المرفق في الوضوء ، وقال في آخر الآية : فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم وظاهره أن المراد الموصوفة أولا وهي المرفق .