Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

قسم V02/P268–V02/P269

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجوز التيمم للمكتوبة إلا بعد دخول وقتها ، لأنه قبل دخول الوقت مستغن عن التيمم ، كما لو تيمم مع وجود الماء فإن تيمم قبل دخول الوقت لفائتة فلم يصلها حتى دخل الوقت ففيه وجهان قال أبو بكر بن الحداد : يجوز أن يصلي به الحاضرة لأنه تيمم وهو غير مستغن عن التيمم فأشبه إذا تيمم للحاضرة بعد دخول وقتها ، ومن أصحابنا من قال : لا يجوز لأنها فريضة تقدم التيمم على وقتها فأشبه إذا تيمم لها قبل دخول الوقت . + الشرح : شروط صحة التيمم أربعة : إحداها : كون المتيمم أهلا للطهارة وقد سبق بيانه في باب نية الوضوء الثاني : كون التراب مطلقا وقد سبق بيانه الثالث : أن يكون المتيمم معذورا بفقد الماء أو العجز عن إستعماله وسيأتي بيانه في الفصول بعده الرابع : أن يكون التيمم بعد دخول الوقت واتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على أن التيمم للمكتوبة لا يصح إلا بعد دخول وقتها . قال أصحابنا : سواء كان التيمم للعجز عن إستعمال الماء بسبب عدمه أو لمرض أو جراحة وغير ذلك . ولو أخذ التراب على يديه قبل الوقت ومسح بهما وجهه في الوقت لم يصح ، بل يشترط الأخذ في الوقت كما يشترط المسح فيه لأنه أحد أركان التيمم فأشبه المسح . صرح به البغوي وغيره . قال أصحابنا : فلو خالف وتيمم لفريضة قبل وقتها لم يصح لها بلا خلاف ولا يصح أيضا للنافلة على الصحيح المشهور المنصوص في البويطي ، وقال صاحب التتمة وغيره في صحة تيممه للنفل وجهان بناء على القولين فيمن أحرم بالظهر قبل الزوال هل تنعقد صلاته نفلا ونقل الشاشي هذا الخلاف عن بعض الأصحاب ، ثم قال : هذا خلاف نصه في البويطي ويخالف الصلاة فإنه أحرم بها معتقدا دخول وقتها فانعقدت نفلا ، وهنا تيمم عالما بعدم دخول الوقت فلم يصح . وأعلم أن قولهم : لا يصح التيمم قبل الوقت معناه قبل الوقت الذي تصح فيه تلك الصلاة ، فلو جمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر وتيمم للعصر بعد سلامه من الظهر صح . لأن هذا وقت فعلها . هذا إذا قلنا بالمذهب الصحيح المشهور أنه يجوز الجمع بين الصلاتين للمتيمم ، ولا يضر الفصل بالتيمم . وفيه وجه لأبي إسحاق المروزي أنه لا يصح الجمع بسبب الفصل ، وليس بشيء . ولو تيمم وصلى الظهر ثم تيمم ليضم إليها العصر فدخل وقت العصر قبل أن يشرع فيها فقد حكى صاحب البحر عن والده أنه قال إجتهادا لنفسه : يبطل الجمع ولا يصح هذا التيمم للعصر ، لوقوعه قبل وقتها مع بطلان الجمع ، وقطع الرافعي بهذا وفيه إحتمال ظاهر ، ويجوز أن يخرج جواز فعلها بهذا التيمم على الوجهين في التيمم لفائتة قبل وقت الحاضرة هل تباح به الحاضرة ويمكن الفرق بأنه في مسألة الفائتة صح تيممه لما نوى وإستباحه فاستباح غيره بدلا ، وهنا لم يستبح ما نوى على الصفة التي نوى فلم يستبح غيره ، أما إذا أراد الجمع في وقت العصر ، فتيمم للظهر في وقت الظهر ، فإنه يصح لأنه وقتها . ولو تيمم فيه للعصر لم يصح لأنه لم يدخل وقتها . ذكره الروياني ، وهو ظاهر ، قال أصحابنا : والفائتة وقتها بتذكرها فلا يصح التيمم لها ، إلا إذا تذكرها ، فلو شك هل عليه فائتة فتيمم لها ، ثم بان أن عليه فائتة فقد سبق في آخر فصل نية التيمم أن المشهور أنه لا يصح تيممه ، والله أعلم .

قسم V02/P269–V02/P270

أما إذا تيمم لمكتوبة في أول وقتها ، وأخر الصلاة إلى أواخر الوقت فصلاها بذلك التيمم ، فإنه يصح على المذهب الصحيح المشهور الذي نص عليه الشافعي ، وقطع به جمهور الأصحاب في الطرق كلها ، قالوا : وكذا يجوز أن يصليها بذلك التيمم بعد خروج الوقت ، وهذا بشرط ألا يفارق موضعه ، ولا يتجدد ما يتوهم بسببه حصول ماء . وحكى الماوردي والروياني والشاشي فيه وجهين ، الأصح المنصوص هذا . والثاني : قول ابن سريج والأصطخري أنه يلزمه تعجيل الصلاة عقب التيمم ، ولا يؤخر إلا قدر الأذان والإقامة والتنفل بما هو من مسنونات فرضه . فإن أخر عن هذا بطل تيممه لأنها طهارة ضرورة فلزم تعجيلها كطهارة المستحاضة ، والمذهب الأول ، لأن حدث المستحاضة يتجدد بعد الطهارة ، بخلاف المتيمم . أما إذا تيمم شاكا في دخول الوقت فبان أنه كان قد دخل فلا يصح تيممه لعدم شرطه وهو العلم بالوقت حال التيمم ، صرح به الماوردي وآخرون وقد سبقت هذه القاعدة وأمثلتها في باب مسح الخف . أما إذا تيمم لفائتة فلم يصلها حتى دخل وقت فريضة حاضرة ، فهل له أن يصلي بذلك التيمم تلك الحاضرة فيه وجهان مشهوران في الطريقتين ، وقد ذكر المصنف دليلهما ، قال ابن الحداد : يجوز وهو الصحيح عند الأصحاب . والثاني : لا يجوز قاله الشيخ أبو زيد المروزي ، وأبو عبد الله الخضري بكسر الخاء وإسكان الضاد المعجمتين ولو تيمم للظهر في وقتها ، ثم تذكر فائتة ، فهل له أن يصلي به الفائتة فيه طريقان مشهوران . أحدهما : أنه على الوجهين والثاني : القطع بالجواز ، والفرق أن الفائتة واجبة في نفس الأمر حال التيمم ، بخلاف الحاضرة في المسألة الأولى . ووافق أبو زيد والخضري على الجواز هنا ، ونقل القاضي أبو الطيب في شرح الفروع إتفاق الأصحاب على الجواز هنا ، ولو تيمم لفائتة ثم تذكر قبل قضائها فائتة أخرى ، فقال القفال في شرح التلخيص : اتفق الأصحاب على أن له أن يصلي بهذا التيمم الفائتة التي تذكرها ، ونقل البغوي فيه الخلاف فقال : يجوز على ظاهر المذهب ، وعلى الوجه الآخر لا يجوز . وهذا الذي نقله البغوي متعين . ولو تيمم لفريضة في وقتها ثم نذر صلاة فهل له أن يصلي بهذا التيمم المنذورة بدل المكتوبة فيه الوجهان حكاهما الروياني وغيره . هذا كله تفريع على المذهب ، وهو أن تعيين الفريضة لا يشترط في صحة التيمم ، فإن شرطناه لم يصح التيمم لغير ما عينه . هذا كله في التيمم للمكتوبة . أما النافلة فضربان ، مؤقتة وغيرها ، فغيرها يتيمم لها متى شاء إلا في الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها ، فإنه لا يتيمم فيها لنافلة لا سبب لها ، فإن خالف وتيمم لها فقد نص الشافعي رحمه الله في البويطي أنه لا يصح تيممه ولا يستبيح به النافلة بعد خروج وقت النهي . وبهذا قطع أكثر الأصحاب لأنه تيمم قبل الوقت . وقال القاضي حسين والمتولي : في صحة تيممه وجهان بناء على إنعقاد هذه الصلاة في وقت النهي . وحكى هذا الخلاف الروياني والشاشي وضعفاه ، ولو تيمم قبل وقت الكراهة ثم دخل لم يبطل تيممه بلا خلاف . فإذا زال وقت الكراهة صلي به . وأما النافلة المؤقتة فعبارة المصنف هنا وفي التنبيه تشعر بأنه لا يشترط في التيمم لها دخول الوقت ، وصرح جمهور الخراسانيين بأنه لا يصح التيمم لها إلا بعد دخول وقتها . قال الرافعي : وهذا هو المشهور في المذهب .

قسم V02/P270–V02/P271

وحكى إمام الحرمين والغزالي وجهين ، أحدهما : هذا ، والثاني : يجوز قبل وقتها لأن أمرها أوسع من الفرائض ولهذا أجيز نوافل بتيمم واحد ، فإذا قلنا بالمشهور احتجنا إلى بيان أوقات النوافل ، فوقت سنن المكتوبات والوتر والضحى والعيد معروف في مواضعها ووقت الكسوف بحصول الكسوف ، والإستسقاء بإجتماع الناس لها في الصحراء ، وتحية المسجد بدخوله ، والخلاف جار في جميع النوافل المؤقتة من الرواتب وغيرها وفي عبارة الغزالي إيهام اختصاصه بالرواتب فلا يغتر به ، والله أعلم . وفي وقت التيمم لصلاة الجنازة وجهان مشهوران أصحهما وأشهرهما أنه يدخل بغسل الميت لأنها ذلك الوقت تباح وتجزىء ، وبهذا قطع إمام الحرمين والغزالي في كتبه والبغوي وصاحب العدة . والثاني بالموت لأنه السبب ، وبهذا قطع الغزالي في الفتاوي وصححه الشاشي قال القاضي حسين : والمستحب أن يتيمم بعد التكفين لأن الصلاة قبل تكره وإن كانت جائزة ، ولو لم يجد ماء يغسل به الميت وقلنا بالأصح إنه لا يصح التيمم لها إلا بعد غسله وجب أن ييمم الميت أولا ثم يتيمم هو للصلاة عليه ، وهذا مما يسألة عنه فيقال شخص لا يصح تيممه حتى ييمم غيره ، والله أعلم . فرع : إذا تيمم لنافلة في وقتها إستباحها وما شاء من النوافل ولا يستبيح به الفرض على المذهب ، والمنصوص في الأم ، وفيه القول الضعيف الذي سبق أن الفرض يباح بنية النفل ، فعلى هذا الضعيف يصلي به الفريضة إن تيمم في وقتها ، وإن كان قبله فعلى الوجهين فيمن تيمم لفائتة ثم دخل وقت حاضرة فأرادها به . هكذا نقله إمام الحرمين عن حكاية الشيخ أبي علي السنجي . قال الإمام : وهذا بعيد جدا فإن تيممه للفائتة استعقب جواز فعل الفائتة به ثم دام إمكان أداء فرض به حتى دخل وقت الفريضة ، وهنا لم يستعقب تيممه إمكان أداء فرض ، أما إذا تيمم لنفل قبل الزوال وهو ذاكر فائتة فتيممه يصلح للفائتة على القول الضعيف ، فلو زالت الشمس فأراد الظهر به بدلا عن الفائتة ففيه الوجهان . فرع : هذا الذي ذكرناه من أن التيمم لمكتوبة لا يصح إلا بعد دخول وقتها هو مذهبنا ومذهب مالك وأحمد وداود وجمهور العلماء . وقال أبو حنيفة : يجوز قبل الوقت ، واحتجوا بالقياس على الوضوء ومسح الخف وإزالة النجاسة ، ولأنه وقت يصلح للمبدل فصلح للبدل ، كما بعد دخول الوقت ، واحتج أصحابنا بقول الله تعالى : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا إلى قوله تعالى : فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون المائدة : 6 فاقتضت الآية أنه يتوضأ ويتيمم عند القيام ، خرج جواز تقديم الوضوء بفعل النبي صلى الله عليه وسلم والإجماع ، بقي التيمم على مقتضاه لأنه تيمم وهو مستغن عن التيمم ، فلم يصح ، كما لو تيمم ومعه ماء . فإن قالوا ينتقض بالتيمم في أول الوقت فإنه مستغن ، وإنما يحتاج في أواخر الوقت قلنا : بل هو محتاج إلى براءة ذمته من الصلاة وإحراز فضيلة أول الوقت ، ولأنها طهارة ضرورة فلم تصح قبل الوقت كطهارة المستحاضة فقد وافقوا عليها . قال إمام الحرمين في الأساليب : ثبت جواز التيمم بعد الوقت ، فمن جوزه قبله فقد حاول إثبات التيمم المستثنى عن القاعدة بالقياس ، وليس ما قبل الوقت في معنى ما بعده . والجواب عن قياسهم على الوضوء أنه قربة مقصودة في نفسها ترفع الحدث بخلاف التيمم فإنه ضرورة فاختص بحال الضرورة كأكل الميتة ، ولأن التيمم لإباحة الصلاة ولا تباح الصلاة قبل الوقت . والجواب عن مسح الخف أنه رخصة وتخفيف فلا يضيق بإشتراط الوقت ، يدل على أنه رخصة للتخفيف جوازه مع القدرة على غسل الرجل ، والتيمم ضرورة ولهذا لا يجوز مع القدرة على إستعمال الماء .

قسم V02/P271–V02/P272

والجواب عن إزالة النجاسة أنها طهارة رفاهية فالتحقت بالوضوء بخلاف التيمم . وقولهم : ( يصلح للمبدل فصلح للبدل ) ينتقض بالليل فإنه يصلح لعتق الكفارة دون بدلها وهو الصوم ، وينتقض بيوم العيد ، فإنه يصلح لنحر هدي التمتع دون بدله وهو الصوم ، قال الدارمي : قال أبو سعيد الأصطخري : لا نناظر الحنفية في هذه المسألة لأنهم خرقوا الإجماع فيها ، والله أعلم . فرع : ذكر المصنف أبا بكر ابن الحداد ، وهذا أول موضع ذكره ، وهو محمد بن أحمد القاضي صاحب الفروع من نظار أصحابنا ومتقدميهم في العصر والمرتبة والتدقيق ، تفقه على أبي إسحاق المروزي وكان عارفا بالعربية والمذهب وانتهت إليه إمامة أهل مصر في زمنة ، توفي سنة خمس وأربعين ثلاثمائة رحمه الله .

قسم V02/P272–V02/P273

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجوز التيمم بعد دخول الوقت إلا لعادم الماء أو الخائف من إستعماله ، فأما الواجد فلا يجوز له التيمم ، لقوله صلى الله عليه وسلم : الصعيد الطيب وضوء المسلم ما لم يجد الماء فإن وجد الماء وهو محتاج إليه للعطش فهو كالعادم لأنه ممنوع من إستعماله ، فأشبه إذا وجد ماء و ( حال ) بينهما سبع . + الشرح : هذا الحديث صحيح سبق بيانه في أول الباب من رواية أبي ذر رضي الله عنه ، ومذهبنا ومذهب مالك والجمهور أنه لا يجوز التيمم مع وجود ماء يقدر على إستعماله ولا يحتاج إليه لعطش ونحوه ، سواء خاف خروج الوقت لو توضأ أم لا وسواء صلاة العيد والجنازة وغيرهما ، وحكى البغوي وجها أنه إذا كان معه ماء وخاف فوات وقت الصلاة لو اشتغل بالوضوء صلى بالتيمم لحرمة الوقت ثم يتوضأ ويعيد الصلاة ، وهذا الوجه شاذ ليس بشيء ، وحكى العبدري مثله عن الأوزاعي والثوري ورواية عن مالك ، وقال أبو حنيفة : يجوز التيمم لصلاة العيد والجنازة مع وجود الماء إذا خاف فوتهما ، وحكى هذا عن الزهري والأوزاعي والثوري وإسحاق ورواية عن أحمد ، واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل من نحو بئر جمل فسلم عليه رجل فلم يرد عليه السلام حتى تيمم بالجدار ثم رد عليه وهو صحيح سبق بيانه . وروى البيهقي وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه تيمم وصلى على جنازة وعن ابن عباس رضي الله عنهما في رجل تفجؤه جنازة ، قال : يتيمم ويصلي عليها ، قالوا : ولأنها يخاف فوتها فأشبه العادم ، واحتج أصحابنا بقوله الله تعالى : فلم تجدوا ماء فتيمموا وبالحديث المذكور في الكتاب وبأحاديث كثيرة مصرحة بأن التيمم لا يجوز مع وجود الماء ، وبالقياس على غيرهما من الصلوات ، وبالقياس على الجمعة إذا خاف فوتها ، وهذا قياس الشافعي . فإن قالوا : الجمعة تنتقل إلى بدل فلا تفوت من أصلها ، قلنا : لا نسلم بل تفوت الجمعة بخروج وقتها ، وقد نقل الشيخ أبو حامد وغيره الإجماع على أنها تفوت بخروجه ، والجنازة لا تفوت بل يصليها على القبر إلى ثلاثة أيام بالإجماع ، ويجوز بعدها عندنا ، وبالقياس على من هو عار وفي بيته ثوب لو ذهب إليه فاتته ، وبالقياس على إزالة النجاسة . والجواب عن الحديث من وجهين أحدهما : أنه يحتمل أنه تيمم لعدم الماء والثاني : جواب القاضي أبي الطيب وصاحب الحاوي والشيخ نصر وغيرهم أن الطهارة للسلام ليست بشرط فخف أمرها بخلاف الصلاة ، وأما الأثران عن ابن عمر وابن عباس فضعيفان ، وقولهم : يخاف فوتهما ينتقض بالجمعة والله أعلم . هذا حكم واجد الماء الذي لا يخاف من إستعماله ولا يحتاج إليه لعطش ، فأما الخائف فسيأتي حكمه إن شاء الله تعالى ، وأما من يحتاج إليه للعطش فهو كالعادم فيتيمم مع وجوده ، وهذا لا خلاف فيه ، نقل ابن المنذر وغيره الإجماع عليه ، واتفق أصحابنا على أنه إذا احتاج إليه لعطش نفسه أو رفيقه أو حيوان محترم من مسلم أو ذمي أو مستأمن أو بهيمة جاز التيمم بلا إعادة . قال أصحابنا : ويحرم عليه الوضوء في هذه الحالة ، وقد نبه المصنف على هذا بقوله : لأنه ممنوع من إستعماله يعني أنه ممنوع من إستعماله شرعا منع تحريم ولا فرق بين أن يدفعه إلى المحتاج هبة أو بعوض ، صرح به الغزالي في الخلاصة وصاحبا التتمة و التهذيب وآخرون ، ولو كان محتاجا إليه لعطشه فآثر به محتاجا لعطشه وتيمم جاز ولا إعادة ، بخلاف ما لو آثره لوضوئه ، فإنه يعصي ويعيد على تفصيل سنذكره إن شاء الله تعالى .

قسم V02/P273–V02/P274

والفرق أن الحق في الطهارة متمحض لله تعالى ، فلا يجوز تفويته ، وأما الشرب فمعظم المطلوب منه حق نفسه ، والإيثار في حظوظ النفوس من عادة الصالحين ، وقد صرح الأصحاب بالمسألة في كتاب الأطعمة ، وسنزيدها إيضاحا هناك إن شاء الله تعالى ، وممن ذكرها هنا الشيخ أبو محمد والغزالي في البسيط أما إذا كان الحيوان غير محترم كالحربي والمترد والخنزير والكلب ، وسائر الفواسق الخمس المذكورة في الحديث وما في معناها ، فلا يجوز صرف الماء إلى سقيها بالإتفاق ، بل يجب الوضوء به ، فإن سقاها وتيمم أثم ولزمه الإعادة إن تيمم مع بقاء الماء ، وإن كان بعد السقي فهو كإراقة الماء سفها وسيأتي حكمها حيث ذكره المصنف إن شاء الله تعالى ، وأما العطش المبيح للتيمم فقال إمام الحرمين والغزالي في البسيط : القول فيه كالقول في الخوف المعتبر في المرض ، وسيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى . ثم اتفق أصحابنا على أنه لا فرق بين عطشه في الحال ، وثاني الحال فله تزود الماء إذا احتاج إليه للعطش قدمه بلا خلاف قال الجمهور : وكذا لو خشي عطش رفيقه أو حيوان محترم فليتزود ويتيمم ولا إعادة عليه ، وحكى إمام الحرمين عن والده أنه كان يقول يتزود لعطش رفيقه كما ذكرنا قال الإمام : وفي هذا نظر . قال الرافعي : الظاهر الذي اتفق عليه الجمهور أنه يتزود لرفيقه كنفسه فلا فرق بين الروحين قال المتولي : لو كان يرجو وجود الماء في غده ولا يتحققه فهل له التزود فيه وجهان قلت : الأصح الجواز لحرمة الروح ، قال المتولي : ولا نأمر العطشان أن يتوضأ بالماء ثم يجمعه ويشربه لأن النفس تعافه . قال الرافعي : كان والدي يقول : ينبغي أن يلزمه ذلك إذا أمكن ولا يجوز التيمم ، قال : ما ذكره والدي يجيء وجها في المذهب ، لأن أبا علي الزجاجي والماوردي وآخرين ذكروا في كتبهم أن من معه ماء طاهر وآخر نجس وهو عطشان يشرب النجس ويتوضأ بالطاهر ، فإذا أمر بشرب النجس ليتوضأ بالطاهر فأولى أن يؤمر بالوضوء ويشرب المستعمل . قلت : هذا الذي حكاه الرافعي عن هؤلاء مشكل ، وقد حكاه الشاشي في كتابيه عن الماوردي ثم ضعفه ، واختار أنه يشرب الطاهر ويتيمم ، وهذا هو الصواب ، فيشرب الطاهر ويكون وجود النجس كالعدم فإنه لا يحل شربه إلا إذا عدم الطاهر ، وقولهم : إنه بدخول الوقت صار مستحقا للطهارة لا يسلم ، فإنما يستحق للطهارة إذا لم يحتج إليه وهذه المسألة مفروضة فيما إذا عطش بعد دخول الوقت ، أما إذا عطش قبله فيشرب الطاهر ، ويحرم شرب النجس بلا خلاف ، صرح به الماوردي وهو واضح . فرع : قال أصحابنا لو كان معه ماء لا يحتاج إليه للعطش ، لكن يحتاج إلى ثمنه في نفقته ومؤنة سفره جاز التيمم ، صرح به القاضي حسين والمحاملي في اللباب والمتولي والروياني . فرع : إذا إزدحم جمع على بئر لا يمكن الإستقاء منها إلا بالمناوبة لضيق الموقف أو لإتحاد آلة الإستقاء ونحو ذلك فإن كان يتوقع وصول النوبة إليه قبل خروج الوقت لم يجز التيمم ، وإن علم أنها لا تصل إليه إلا بعد خروج الوقت ، فقد حكى جمهور الخراسانيين عن الشافعي رحمه الله أنه نص على أنه يصبر ليتوضأ بعد الوقت وأنه نص فيما لو حضر جمع من العراة وليس معهم إلا ثوب يتناوبونه وعلم أن النوبة لا تصل إليه إلا بعد الوقت أنه يصبر ولا يصلي عاريا ، ولو اجتمعوا في سفينة أو بيت ضيق ، وهناك موضع يسع قائما فقط ، نص أنه يصلي في الحال قاعدا ، واختلفوا في هذه النصوص على طريقين أظهرهما : : وهي التي قال بها الشيخ أبو زيد المروزي وقطع بها صاحب الإبانة ونقلها عن الأصحاب مطلقا ، أن المسائل كلها على قولين .

قسم V02/P274–V02/P276

أظهرهما : يصلي في الوقت بالتيمم وعاريا وقاعدا لأنه عاجز في الحال ، والقدرة بعد الوقت لا تؤثر كما لو كان مريضا عاجزا عن القيام وإستعمال الماء في الوقت ويغلب على ظنه القدرة بعده ، فإنه يصلي في الوقت قاعدا وبالتيمم ، فعلى هذا القول لا إعادة عليه في المسائل كلها كالمريض . وذكر إمام الحرمين إحتمالا في وجوب الإعادة على المصلي قاعدا لندوره ، وذكر البغوي في وجوب الإعادة عليهم كلهم قولين ، وقال : أصحهما تجب كالعاجز الذي معه ماء لا يجد من يوضئه ، فإنه يتيمم ويصلي ويعيد ، والمذهب الصحيح المشهور ما قدمته أنه لا إعادة عليهم لأنهم عاجزون في الحال وجنس عذرهم غير نادر بخلاف ما قاس عليه البغوي . والقول الثاني من أصل المسألة : يصبر إلى ما بعد الوقت ، لأنه ليس عاجزا مطلقا ، والطريق الثاني : تقرير النصوص ، والفرق بأن أمر القيام أسهل من الوضوء والستر ، ولهذا جاز تركه في النافلة مع القدرة ولم يجز فيها العري والتيمم مع القدرة على الستر والماء ، وهذا الفرق مشهور قاله القفال والأصحاب وضعفه إمام الحرمين بأن القيام ركن في الفريضة فلا ينفع تخفيف أمره في النفل . قال الرافعي : وللفارق أن يقول : ما كان واجبا في الفرض والنفل ، أهم مما وجب في أحدهما ، هذا هو المشهور في حكاية النصوص ، وقال جماعة كثيرة من الأصحاب : لا نص للشافعي في مسألة البئر ، ونص في الأخريين على ما سبق ، فمنهم من نقل وخرج قولين في المسألتين ومنهم من قرر النصين وفرق بوجهين أحدهما : ما سبق والثاني : أن للقيام بدلا وهو القعود بخلاف الستر ، وبهذا الطريق قطع المصنف في آخر باب ستر العورة ، والشيخ أبو حامد والشيخ أبو محمد في الفروق والقاضي حسين والبغوي . قال الرافعي : وهؤلاء ألحقوا مسألة البئر بمسألة السفينة ، وقالوا يتيمم في الحال ، وأعلم أن إمام الحرمين والغزالي رحمهما الله أجريا الخلاف الذي في هذه المسألة فيما إذا لاح للمسافر الماء ولا عائق عنه ، لكن ضاق الوقت ، وعلم أنه لو اشتغل به لخرج الوقت والله أعلم . ونقل القاضي أبو الطيب إتفاق الأصحاب على أنه لو كان معه ثوب نجس ، ومعه ماء يغسله به ، ولكن لو اشتغل بغسله لخرج الوقت لزمه غسله وإن خرج الوقت ولا يصلي عاريا كما لو كان معه ماء يتوضأ به أو يعترفه من بئر ولا مزاحم له لكن ضاق الوقت بحيث لو اشتغل بالوضوء خرج الوقت ، وصارت صلاته قضاء فإنه لا يصلي بالتيمم بل يشتغل بالوضوء . فرع : قال الشافعي في الأم والأصحاب رحمهم الله : لو كان في سفينة في البحر ، ولا يقدر على الماء ، ولا على الإستقاء تيمم وصلى ، ولا إعادة عليه لأنه عادم . فرع : قال أصحابنا : لو عدم الماء ووجد بئرا فيها ماء لا يمكنه النزول إليه إلا بمشقة شديدة وليس معه ما يدليه إلا ثوبه أو عمامته لزمه إدلاؤه ثم يعصره إن لم تنقض قيمة الثوب أكثر من ثمن الماء ، فإن زاد النقص على ثمن الماء تيمم ولا إعادة وإن قدر على إستئجار من ينزل إليها بأجرة المثل لزمه ولم يجز التيمم والإجاز بلا إعادة ، ولو كان معه ثوب إن شقه نصفين وصل الماء وإلا لم يصل فإن كان نقصه بالشق لا يزيد على الإكثر من ثمن الماء ، وثمن آلة الإستقاء لزمه شقه ، ولم يجز التيمم وإلا جاز بلا إعادة . فرع : قال الماوردي : لو عدم الماء وعلم أنه لو حفر موضعه وصل الماء فإن كان يحصل بحفر قريب لا مشقة فيه وجب الحفر ولم يجز التيمم وإلا جاز بلا إعادة .

قسم V02/P276–V02/P277

فرع : لو وجد المسافر خابية ماء مسبل على الطريق لم يجز أن يتوضأ منه ، بل يتيمم ويصلي ولا إعادة ، لأن المالك وضعه للشرب لا للوضوء ذكره أبو عاصم العبادي ثم صاحب التتمة ، ونقله صاحب البحر عن الأصحاب قال أبو عاصم وغيره : ويجوز الشرب منه للغني والفقير ، والله أعلم . فرع : في مسائل ذكرها القاضي حسين هنا في تعليقه ولها تعلق بمسألة خوف العطش قال : إذا كان معه دابة من حمار وغيره ، لزمه أن يحصل لها الماء لعطشها وكذا إذا كان معه كلب محترم ، ككلب صيد وغيره فإن وجد من يبيعه الماء له بثمن مثله لزمه شراؤه وإن لم يبعه إلا بأكثر من ثمن مثله لزمه أيضا شراؤه ، وهل تلزمه الزيادة على ثمن المثل فيه وجهان . أحدهما : تلزمه لأنه عقد صدر من أهله فهو كما لو باعه غير الماء بأضعاف ثمنه . والثاني : لا تلزمه لأنه كالمكره على هذه الزيادة لوجوب الشراء عليه ، فإن لم يبعه صاحبه ولم يكن محتاجا إليه جاز لصاحب الكلب أن يكابره عليه ، ويأخذه منه قهرا لكلبه ودابته كما يأخذه لنفسه فإن كابره فأتى الدفع على نفس صاحب الماء كان دمه هدرا ، وإن أتى على صاحب الكلب كان مضمونا . قال : ولو احتاج كلبه إلى طعام ، ومع غيره شاة فهل له أن يكابره عليها لكلبه ، فيه وجهان ، أحدهما : نعم كالماء . والثاني : لا ، لأن للشاة حرمة أيضا ، لأنها ذات روح ، ومتى كان صاحبه محتاجا إليه لا يجوز مكابرته بحال ، فلو كان صاحبه يحتاج إليه في المنزل الثاني ، وهناك من يحتاج إليه في المنزل الأول فوجهان أحدهما : صاحبه أولى لأنه مالكه والثاني : المحتاج أولى لتحقق حاجته في الحال ، ولو كان معه ثوب لا يحتاج إليه ، وغيره محتاج ، فهو كالماء على ما سبق . فإن كان الأجنبي يحتاج إليه لستر العورة للصلاة ، لزمه شراؤه بثمن المثل ، ولا يلزمه بالزيادة ، وإن كان يحتاج إليه للبرد فباعه بأكثر من ثمن المثل ففي لزوم الزيادة الوجهان ، وإن لم يبعه فحكم مكابرته حكم الماء . هذا كلام القاضي .

قسم V02/P277–V02/P278

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجوز لعادم الماء أن يتيمم إلا بعد الطلب ، لقوله تعالى : فلم تجدوا ماء فتيمموا ولا يقال لم يجد إلا بعد الطلب ، ولأنه بدل أجيز عند عدم المبدل فلا يجوز فعله إلا بعد ثبوت العدم كالصوم في الكفارة لا يفعله حتى يطلب الرقبة ، ولا يصح الطلب إلا بعد دخول الوقت ، لأنه إنما يطلب ليثبت شرط التيمم وهو عدم الماء ، فلم يجز في وقت لا يجوز فيه فعل التيمم والطلب أن ينظر عن يمينه وشماله ، وأمامه ووراءه ، فإن كان بين يديه حائل من جبل أو غيره صعده ونظر حواليه ، وإن كان معه رفيق سأله عن الماء . + الشرح : في الفصل مسائل إحداها : لا يجوز لعادم الماء التيمم إلا بعد طلبه ، هذا مذهبنا وبه قال مالك وداود وهو رواية عن أحمد . قال أبو حنيفة : إن ظن بقربه ماء لزمه طلبه وإلا فلا . واحتج له بأنه عادم للأصل فانتقل إلى بدله ، كما لو عدم الرقبة في الكفارة ، ينتقل إلى الصوم ، واحتج أصحابنا بقوله تعالى : فلم تجدوا قال الشافعي والأصحاب لا يقال : لم يجد إلا لمن طلب فلم يصب . فأما من لم يطلب فلا يقال : لم يجد . ونقلوا هذا عن أهل اللغة قالوا : ولهذا لو قال لوكيله : اشتر لي رطبا فإن لم تجد فعنبا لا يجوز أن يشتري العنب قبل طلب الرطب ، وبالقياس على الرقبة في الكفارة والهدي في التمتع فإنه لا ينتقل إلى بدلهما إلا بعد طلبهما في مظانهما . وبالقياس على الحاكم فإنه لا ينتقل إلى القياس إلا بعد طلب النص في مظانه ، ولأنه شرط من شروط الصلاة قد يصادف بالطلب ، فوجب طلبه كالقبلة . وأما قياسهم على الرقبة فرده أصحابنا وقالوا : لا ينتقل إلى الصوم إلا بعد طلب الرقبة في مظانها ، والله أعلم . المسألة الثانية : هذا الذي أطلقه المصنف من القطع بوجوب الطلب بكل حال هو الذي أطلقه العراقيون وبعض الخراسانيين ، وقال جماعات من الخراسانيين : إن تحقق عدم الماء حواليه لم يلزمه الطلب ، وبهذا قطع إمام الحرمين والغزالي وغيرهما واختاره الروياني . ومنهم من ذكر فيه وجهين ، قال الرافعي : أصح الوجهين في هذه الصورة أنه لا يجب الطلب . قال إمام الحرمين : إنما يجب الطلب إذا توقع وجود الماء توقعا قريبا أو مستبعدا ، فإن قطع بأن لا ماء هناك بأن يكون في بعض رمال البوادي فيعلم بالضرورة إستحالة وجود ماء لم نكلفه التردد لطلبه لأن طلب ما يعلم إستحالة وجوده محال ، ثم هذا الذي ذكره هؤلاء هو فيما إذا تيقن أن لا ماء هناك ، فأما إذا ظن العدم ولم يتيقنه فيجب الطلب بلا خلاف عند جميعهم ، وصرحوا كلهم به إلا صاحب الإبانة فإنه حكى فيه وجهين وأنكرهما إمام الحرمين عليه وقال : لست أثق بهذا النقل وإنما الوجهان في التيمم الثاني ، كما سنذكره إن شاء الله تعالى . الثالثة : قال أصحابنا : لا يصح الطلب إلا بعد دخول الوقت ودليله ما ذكره المصنف ، فإن طلب وهو شاك في دخول الوقت ثم بان أنه وافق الوقت لم يصح طلبه ، صرح به الماوردي وآخرون كما قلنا في التيمم نفسه ، وكما لو صلى شاكا في الوقت أو إلى جهة بغير إجتهاد فوافق ، فإنه لا يصح . وقد سبق هذه القاعدة في فرع في باب مسح الخف فإن قيل : إذا طلب قبل الوقت فدخل الوقت ولم يفارق موضعه ، ولا تجدد ما يحتمل وجود ماء ، كان طلبه ثانيا عبثا . فالجواب ما أجاب به صاحب الشامل وغيره أنه إنما يتحقق عدم وجود ماء إذا كان ناظرا إلى مواضع الطلب ولم يتجدد فيها شيء ، وهذا يكفيه في الطلب بعد دخول الوقت والله أعلم .

قسم V02/P278–V02/P279

فرع : لو طلب في أول الوقت وأخر التيمم فتيمم في آخر الوقت جاز ما لم يحدث ما يوجب تجديد الطلب ، صرح به البغوي والروياني والشاشي وصاحب البيان وآخرون . الرابعة : في صفة الطلب ، قال أصحابنا : أول الطلب أن يفتش رحله ثم ينظر حواليه يمينا وشمالا وقداما وخلفا ، ولا يلزمه المشي أصلا بل يكفيه نظره في هذه الجهات وهو في مكانه هذا إن كان الذي حواليه لا يستتر عنه ، فإن كان بقربه جبل صغير ونحوه صعده ونظر حواليه ، إن لم يخف ضررا على نفسه أو ماله الذي معه أو المخلف في رحله فإن خاف لم يلزمه المشي إليه قال الشافعي في البويطي : وليس عليه أن يدور في الطلب ، لأن ذلك أكثر ضررا عليه من إتيان الماء في الموضع البعيد وليس ذلك عليه عند أحد هذا نصه بحروفه وهكذا ذكر الطلب الأصحاب في الطريقتين ، كما ذكرته . وحكى إمام الحرمين هذا عن صاحب التقريب ، ثم حكى عن شيخه أنه يتردد قليلا ، قال الإمام : وليس بينهما اختلاف عندي ، بل ذلك يختلف باختلاف الأرض فنضبطه ونقول : لا يلزمه أن يبعد عن منزل الرفقة نصف فرسخ ، ولا نقول : لا يفارق الخيام بل يطلب من موضع لو انتهى إليه واستغاث بالرفقة لم يبعد عنه غوثهم مع ما هم عليه من تشاغلهم بأقوالهم وأفعالهم . ويختلف باختلاف الأرض واستوائها فإن وصله نظره كفى وإلا تردد قليلا ، وتابع الغزالي وغيره الإمام في هذا الضبط . قال الرافعي بعد حكايته كلام الإمام : هذا الضبط لا يوجد لغير الإمام لكن الأئمة بعده تابعوه عليه وليس في الطريق ما يخالف قلت : بل قد خالفه الأصحاب فإن ضبطهم الذي حكيته أولا يخالف ضبطه والله أعلم . هذا كله إذا لم يكن معه رفقة ، فإن كان وجب سؤالهم إلى أن يستوعبهم أو يضيق الوقت فلا يبقى إلا ما يسع تلك الصلاة ، هذا هو المذهب الصحيح المشهور وبه قطع البغوي وغيره ، وفي وجه إلى أن يبقى من الوقت ما يسع ركعة ، حكاه صاحبا التتمة و البحر ، وفي وجه ثالت : يستوعبهم وإن خرج الوقت ، حكاه الرافعي وهو والذي قبله ضعيفان . قال أصحابنا : وله أن يطلب بنفسه ، وله أن ويوكل ثقة عنده يطلب له ، سواء فيه الطلب بالنظر في الأرض والطلب من الرفقة قال أصحابنا : ولا يجب أن يطلب من كل واحد بعينه بل ينادي فيهم : من معه ماء من يجود بالماء . أو نحو هذه العبارة . قال البغوي وغيره : لو قلت الرفقة لم يلزم الطلب من كل واحد بعينه ، قال أصحابنا : ولو بعث النازلون واحدا يطلب لهم أجزأ عنهم كلهم ولا فرق في جواز التوكيل في الطلب بين المعذور وغيره ، هذا هو المذهب الصحيح المشهور . وحكى الخراسانيون وجها ، أنه لا يجوز التوكيل في الطلب إلا لمعذور ، قال المتولي : هذا الوجه مبني على الوجه السابق أنه إذا يممه غيره بلا عذر لم يصح ، وهذا الوجه شاذ ضعيف ، وكذا المبني عليه . ولو طلب له غيره بغير إذنه لم يجزه بلا خلاف . قال صاحب الحاوي : والطلب من الرفقة معتبر المنزل الذي فيه رفقته ، وليس عليه طلبه في غير المنزل المنسوب إلى منزله ، فيسأله من فيه من أهله وغير أهله بنفسه أو بمن يصدقه عن الماء معهم أو في منزلهم ، فمن أخبره عن الماء بالمنزل لم يعتمده إلا أن يكون ثقة ، ومن أخبره أن لا ماء بيده عمل بقوله وإن كان فاسقا ، لأنه إن لم يكن صادقا فهو مانع .

قسم V02/P279–V02/P280

قال أصحابنا : فإذا علم أن مع أحد الرفقة ماء وجب استيهابه ، فإن وهب له وجب قبوله ، هذا هو الصحيح المشهور الذي قطع به الجمهور ، ونقله المحاملي والبغوي وغيرهما ، عن نص الشافعي ، وفيه وجه أنه لا يلزمه قبول الهبة حكاه المتولي وآخرون من الخراسانيين وصاحب البيان وهو شاذ مردود إذ لا منة فيه . ووجه ثالث : أنه يجب قبول الهبة لكن لا يجب الإستيهاب . حكاه الشيخ أبو حامد والمحاملي وإمام الحرمين والغزالي والمتولي والبغوي وغيرهم لصعوبة السؤال على أهل المروءة ، كما لا يجب إستيهاب ثمن الرقبة في الكفارة ، والمذهب الأول لأنه لا منة بالماء في العادة بخلاف الرقبة ، ولهذا لو وهبت الرقبة إبتداء لم يجب قبولها بخلاف الماء ، هذا كله فيمن أراد التيمم ولم يسبق له طلب ، فإن كان سبق له طلب وتيمم ، وأراد تيمما آخر لبطلان الأول بحدث أو غيره أو لفريضة أخرى أو لغير ذلك ، فهل يحتاج إلى إعادة الطلب ينظر فإن احتمل ولو على ندور حصول الماء بأن انتقل من موضع التيمم أو طلع ركب أو سحابة أو نحو ذلك وجب الطلب بلا خلاف على حسب ما تقدم ، فكل موضع تيقن بالطلب الأول أن لا ماء فيه ولم يحتمل حدوث ماء فيه لهذا السبب لا يجب الطلب منه على أصح الوجهين عند الخراسانيين ، والذي ظن أن لا ماء فيه يجب الطلب منه بلا خلاف على الوجه الشاذ الذي قدمناه عن صاحب الإبانة . وأما إذا لم يحتمل حدوث ماء ولم يفارق موضعه فإن كان تيقن بالطلب الأول أن لا ماء فحكمه ما سبق أنه لا يلزمه الطلب على الأصح عند الخراسانيين ، وإن لم يتيقنه ، بل ظن العدم فإنه يكفي ذلك في الأول ، فهل يحتاج في الثاني إلى إعادة الطلب فيه وجهان مشهوران للخراسانيين . أصحهما عند إمام الحرمين وغيره : يحتاج ، وبه قطع البغوي ، وهو مقتضى إطلاق العراقيين ، بل صرح به جماعة منهم كالشيخ أبي حامد والماوردي لأنه قد يحصل ماء من بئر خفيت أو بدلالة شخص . فعلى هذا قال إمام الحرمين والبغوي وغيرهما : يكون الطلب الثاني أخف من الأول ولا يجب أن يطلب ثانيا من رحله لأنه علم أن لا ماء فيه علم إحاطة ، قال الشيخ أبو حامد : وإذا طلب ثانيا وصلى ثم حضرت صلاة أخرى وجب الطلب لها ثالثا وهكذا كلما حضرت صلاة ، قال : ولو كان عليه فوائت تيمم للأولى ، ولا يجوز التيمم للثانية إلا بعد طلب ثان ، وكذا يجب أن يطلب للثالثة وما بعدها قال : وكذا إذا أراد الجمع بين الصلاتين طلب للثانية وهذا الذي قاله فيه نظر . فرع : يجوز الجمع بين الصلاتين للمتيمم ، وإذا أوجبنا الطلب ثانيا لا يضر التفريق به بين الصلاتين لأنه خفيف وفيه وجه مشهور عن أبي إسحاق المروزي : أنه لا يجوز الجمع للمتيمم لحصول الفصل بالطلب وهو ضعيف في المذهب والدليل قال القاضي أبو الطيب وغيره : لأنه إذا جاز الفصل بينهما بالإقامة وليست بشرط فالتيمم الذي هو شرط أولى ، قالوا : ولأنا لا نكلفه في الطلب إلا أن يقف موضعه ويلتفت عن جوانبه ، وهذا لا يؤثر في الجمع والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في طلب الماء ، قد ذكرنا أن مذهبنا وجوب الطلب إذا عدم الماء سواء رجاه أو توهمه ، وبه قال مالك وداود وهو رواية عن أحمد وقال أبو حنيفة : إن ظن وجوده بقربه لزمه وإلا فلا .

قسم V02/P280–V02/P281

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن بذله له لزمه قبوله لأنه لا منة عليه في قبوله ، وإن باعه منه بثمن المثل وهو واجد للثمن غير محتاج إليه لزمه شراؤه ، كما يلزمه شراء الرقبة في الكفارة والطعام للمجاعة ، فإن لم يبذله له وهو غير محتاج إليه لنفسه لم يجز أن يكابره على أخذه كما يكابره على طعام يحتاج إليه للمجاعة وصاحبه غير محتاج إليه ، لأن الطعام ليس له بدل وللماء بدل . + الشرح : قوله : باعه منه صحيح ، وقد عده بعض الناس في لحن الفقهاء وقال : لا يقال : باع منه إنما يقال : باعه وليس كما قال بل هما جائزان ، وقد أوضحته في تهذيب الأسماء بدلائله وشواهده والشري والشراء : لغتان مقصور بالياء وممدود بالألف والمجاعة بفتح الميم هي المخمصة ، وهي شدة الجوع ، وهذه القطعة تشتمل على ثلاث مسائل : إحداها : إذا وهب له الماء لزمه قبوله ، هذا هو الصحيح المنصوص ، وبه قطع الأصحاب في الطرق ، وحكى صاحب التتمة و البيان وغيرهما وجها أنه لا يلزمه ، كما لا يلزمه قبول الرقبة للكفارة ، وهذا ليس بشيء لأن الماء لا يمن به في العادة بخلاف الرقبة ، ولو وهب له ثمن الماء لم يلزمه قبوله بالإتفاق ، ونقل إمام الحرمين الإجماع فيه ، ثم الصحيح المشهور أنه لا فرق بين هبة الأجنبي والقريب وذكر الدارمي وجماعة أن هبة الأب لابنه ثمن الماء وعكسه في وجوب قبولها وجهان كقبول المال ليحج به . وأما هبة آلة الإستقاء فكهبة ثمن الماء ، ذكره القاضي حسين وإمام الحرمين والغزالي والمتولي والبغوي وآخرون ، وأما إعارتها فقطع الجمهور بوجوب قبولها مطلقا وهو الصحيح فعلى هذا هل يلزمه طلب العارية فيه الوجهان السابقان في إستيهاب الماء ذكره الإمام والغزالي وغيرهما . أصحهما : يجب وانفرد الماوردي فقال : يلزمه الإستعارة إن كان ثمن الآلة قدر ثمن الماء فإن كان أكثر فوجهان أحدهما : لا يلزم لأنها قد تتلف فيضمنها والثاني : يلزم لأن الظاهر سلامتها والله أعلم . المسألة الثانية : إذا وجد الماء يباع بثمن مثله وهو واجد للثمن غير محتاج إليه لزمه شراؤه بلا خلاف ، ودليله ما ذكره المصنف ، وفي ثمن المثل ثلاثة أوجه مشهورة عند الخراسانيين . أحدها : أنه أجرة نقله إلى الموضع الذي هذا االمشتري فيه ، ويختلف ذلك ببعد المسافة وقربها ، وعلى هذا قال الرافعي : يجوز أن يعتبر الوسط المقتصد ، ويجوز أن يعتبر الحد الذي يسعى إليه المسافر عند تيقن الماء ، فإن ذلك الحد لو لم يقدر على السعي إليه بنفسه وقدر على بذل أجرة لمن ينقل له الماء منه لزمه . الوجه الثاني : يعتبر ثمن مثله في ذلك الموضع في غالب الأوقات فإن الشربة الواحدة في وقت عزة الماء يرغب فيها بدنانير ، فلو كلفناه شراه بقيمته في الحال لحقه المشقة والحرج ، وبهذا الوجه قطع الشيخ أبو حامد والبندنيجي والماوردي والقاضي أبو الطيب والمحاملي وصاحب الشامل وحكوه عن أبي إسحاق المروزي ، واختاره الروياني . والوجه الثالث : يعتبر ثمن مثله في ذلك الموضع في تلك الحالة فإن ثمن المثل يعتبر حالة التقويم ، وهذا الثالث هو الصحيح عند جمهور الأصحاب ، وبه قطع الدارمي وجماعة من العراقيين ، ونقله صاحب البيان عن الشيخ أبي حامد ، ونقله إمام الحرمين عن الأكثرين قال : والوجه الأول بناه قائلوه على أن الماء لا يملك ، وهو وجه سخيف قال : والوجه الثاني أيضا ليس بشيء .

قسم V02/P281–V02/P283

قال : وعلى طريقة الأكثرين الأقرب أن يقال : لا يعتبر ثمن الماء عند الحاجة إلى سد الرمق فإن ذلك لا ينضبط ، وربما رغب في الشربة حينئذ بدنانير ، ويبعد في الرخص والتخفيفات أن توجب ذلك على المسافر ، ولكن يعتبر الزمان والمكان من غير إنتهاء الأمر إلى سد الرمق ، وأما الغزالي رحمه الله فانفرد عن الأصحاب ، فاختار الوجه الأول قال الرافعي : ولم نر أحدا اختاره غيره وغير من تابعه والله أعلم . أما إذا لم يبع الماء إلا بأكثر من ثمن المثل فلا يلزمه شراه بلا خلاف لكن الأفضل أن يشتريه ، صرح به جماعة منهم أبو عبد الله الزبيري في كتابه الكافي ، قال أصحابنا : وسواء كثرت الزيادة على ثمن المثل أو قلت لا يلزمه الشراء ، هذا هو الصحيح المشهور وبه قطع الجمهور في كل الطرق ونص عليه الشافعي رحمه الله في الأم ، وفيه وجه أنه يجب شراه بزيادة يتغابن الناس بها ، وبه قطع البغوي ، وحكاه المتولي عن القاضي حسين بعد حكايته عن الأصحاب أنه لا فرق ، والمذهب ما سبق عن الجمهور لأن هذا القدر من المال محترم ولهذا لو خاف تلف شيء يسير من ماله لو ذهب إلى الماء لم يلزمه الذهاب ، وبهذا الذي ذكرناه عن جمهور أصحابنا ، قال جماهير علماء السلف والخلف وقال الثوري وأبو حنيفة : يلزمه شراؤه بالغبن اليسير ، وقال الحسن البصري يلزمه شراه بكل ماله والله أعلم . هذا إذا وجد ثمن الماء وهو غير محتاج إليه ، فإن وجده ولكنه يحتاج إليه لدين مستغرق أو نفقته ، أو نفقة من تلزمه نفقته من عياله أو مملوكه أو حيوانه المحترم أو غير ذلك من مؤن السفر في ذهابه ورجوعه من مأكوله ومشروبه ، وملبوسه ومركوبه لم يجب صرفه في الماء ، فإن فضل عن هذه الحاجات لزمه صرفه في الماء من أي نوع كان ماله ولو لم يكن معه ماء ولا ثمنه ووجد من يقرضه الماء وجب قبوله على المذهب ، وفيه وجه أنه لا يجب حكاه البغوي . ولو أقرضه ثمن الماء فإن لم يكن له مال غائب لم يلزمه قبوله بلا خلاف وإن كان فوجهان مشهوران ، قطع إمام الحرمين والغزالي بالوجوب ، والأصح أنه لا يجب ، صححه الرافعي وغيره ، لأنه لا يؤمن أن يطالبه قبل وصوله إلى ماله ، ولو وجد من يبيعه الماء بثمن مؤجل فإن لم يكن له مال غائب لم يلزمه شراؤه بلا خلاف ، وإن كان فوجهان ، الصحيح يلزمه شراه ، وهو المنصوص في البويطي وبه قطع الجمهور . ممن قطع به القاضي أبو الطيب والبندنيجي والمحاملي في المجموع والفوراني وابن الصباغ والمتولي والشيخ نصر والبغوي وآخرون ، لأن الأجل لازم فلا مطالبة قبل حلوله بخلاف القرض . وشذ الماوردي فقطع بأنه لا يلزمه الشراء بمؤجل وإن كان مالكا للثمن في بلده ، لأنه يجوز أن يتلف ماله فيبقى الدين عليه وفي ذلك ضرر ، واختاره الشاشي ، والمختار الأول . وصورة المسألة أن يكون الأجل ممتدا إلى أن يصل بلد ماله ، ولا فرق بين أن يزاد في الثمن بسبب الأجل ما يليق به أو لا يزاد ، هذا هو الصحيح المشهور وفيه وجه أنه لا يلزمه إذا زاد على ثمن النقد وبه قطع القاضي حسين وهو شاذ ضعيف ، فإن قيل : لم قطعتم هنا بأنه لا يلزمه الشراء بمؤجل إذا لم يكن له مال غائب وقلتم فيمن لا يجد طول حرة ، ووجد حرة ترضى بمهر مؤجل لا يباح له نكاح الأمة في وجه ، فالجواب ما أجاب به المتولي وغيره أنه في النكاح تعلق به حق ثالث وهو الولد ، فإن ولد الأمة يكون رقيقا فراعينا حقه ، وهنا الحق لله تعالى ، وهو مبني على المسامحة مع أنه أتى ببدل .

قسم V02/P283

ولو وجد آلة الإستقاء بالثمن أو الأجرة لزمه تحصيلها بثمن المثل أو أجرة المثل ، فإن زاد لم يجب ، كذا قاله الأصحاب . قال الرافعي : ولو قيل : يجب ما لم تجاوز الزيادة ثمن مثل الماء لكان حسنا ، وكذا العريان إذا وجد ثوبا يباع أو يؤجر يلزمه تحصيله بثمن المثل أو أجرة المثل إذا وجد . قال أصحابنا : وإذا لم يفعل ما أوجبناه عليه في هذه الصور كلها وصلى بالتيمم أثم ولزمه الإعادة إلا إذا وهب له الماء فلم يقبله فإنه يأثم ، وفي الإعادة تفصيل ، فإن كان الماء حال التيمم باقيا في يد الواهب وهو باق على هبته لم يصح تيممه ، وإن لم يكن الماء باقيا أو رجع عن هبته ففي الإعادة الوجهان فيمن أراق الماء سفها ، وسيأتي إيضاحهما حيث ذكرهما المصنف إن شاء الله تعالى . ولو وجد العريان ماء وثوبا يباعان ومعه ثمن أحدهما فقط لزمه شراء الثوب لأنه لا بدل له . قال البغوي : ولهذا يلزمه أن يشتري لعبده ساتر عورته ، ولا يلزمه شراء الماء لطهارته في السفر ، والله أعلم . المسألة الثالثة : إذا احتاج إلى ماء الطهارة دون العطش ووجد الماء مع من لا يحتاج إليه فطلبه منه بيعا أو هبة أو قرضا فامتنع من ذلك لم يجز أن يقهره على أخذه بلا خلاف ، بخلاف ما لو احتاج إليه لشدة العطش وصاحبه غير محتاج إليه فإنه يقهره على أخذه ، لأن لماء الطهارة بدلا فيتيمم ويصلي ولا إعادة . قال أصحابنا : ولا يجب على صاحب الماء بذله لطهارة هذا المحتاج ، هذا هو الصحيح المشهور . وحكى صاحب البيان عن أبي عبيد بن حربويه من أصحابنا أنه قال : يلزمه . وحكى الدارمي عن أبي عبيد أنه حكاه عن بعض المتقدمين والمذهب الأول ، ولا يجوز للعاري أن يقهر صاحب الثوب على أخذه لستر العورة للصلاة فإن خاف من حر أو برد فله قهره إذا لم يضطر صاحبه إليه هكذا ذكره البغوي وغيره ، وهو كما ذكره . قال أصحابنا : وحيث قلنا يجوز أن يقهره ويكابره ، فإن قهره فأدى إلى هلاك المالك كان هدرا لأنه ظالم بمنعه ، وإن أدى إلى هلاك المضطر كان مضمونا لأنه مظلوم . قال أصحابنا : ولو كان مع المحتاج إلى ماء الطهارة ماء مغصوب أو مرهون أو وديعة تيمم وصلى ولا إعادة عليه ، ويحرم عليه أن يتوضأ به ، وهذا وإن كان ظاهرا فذكرته لأن بعض الناس قد يتساهل فيه ، فإن خالف وتوضأ به صح وإن كان عاصيا وأجزأته صلاته والله أعلم . وأما قول المصنف رحمه الله : ( لا يجوز أن يكابره على الماء للطهارة كما يكابره على طعام يحتاج إليه للمجاعة لأن الطعام لا بدل له وللماء بدل ) فهذا التعليل ينتقض بالعاري فإنه لا يجوز أن يكابر صاحب الثوب ، وإن كان لا بدل للثوب وإنما التعليل الصحيح أن المكابرة في الطعام جازت لحرمة الروح ، ولهذا حلت الميتة للمضطر وأما الطهارة بالماء فإنما تجب على من وجده ، وهذا لم يجده والله أعلم .

قسم V02/P283–V02/P285

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن دل على ماء ولم يخف فوت الوقت ولا إنقطاعا عن رفق ولا ضررا في نفسه وماله لزمه طلبه . + الشرح : الرفقة بضم الراء وكسرها لغتان مشهورتان وقوله رفق هو بالتنكير من غير تاء بعد القاف ، وهو يتناول رفقة كان معهم ورفقة يصادفهم الآن . وهذا الذي ذكره المصنف هو المذهب الصحيح المشهور ، وبه قطع العراقيون وكثير من الخراسانيين أو أكثرهم ، وعبروا بعبارة المصنف . وسلك إمام الحرمين والغزالي ومن تابعهما طريقة أخرى اختصرها الرافعي وهذبها فقال : إذا تيقن وجود الماء حواليه فله ثلاث مراتب . إحداها : أن يكون على مسافة ينتشر إليها النازلون في الإحتطاب والإحتشاش والبهائم في الرعي فيجب السعي إليه ، وهذا فوق حد الغوث الذي يسعى إليه عند التوهم ، قال الإمام محمد بن يحيى : ولعله يقرب من نصف فرسخ . المرتبة الثانية : أن يكون بعيدا بحيث لو سعى إليه لفاته وقت الصلاة فيتيمم ولا يسعى إليه لأنه فاقد في الحال ولو وجب انتظار الماء بعد الوقت لما جاز التيمم أصلا بخلاف واجد الماء فإنه لا يتيمم وإن خرج الوقت . قال الرافعي : والأشبه بكلام الأئمة أن الإعتبار من أول وقت الصلاة لو كان نازلا في ذلك المنزل ، ولا بأس باختلاف المواقيت والمسافات ، وعلى هذا لو انتهى إلى المنزل في آخر الوقت والماء في حد القرب وجب السعي إليه وإن فات الوقت كما لو كان الماء في رحله ، والأشبه أن يجعل وقت الحاضرة معيارا للفوائت والنوافل فإنها الأصل والمقصود بالتيمم غالبا . قلت : هذا الذي نقله الرافعي عن الأشبه بكلام الأئمة ليس بمقبول ، بل ظاهر عباراتهم أن الإعتبار بوقت طلب الماء . هذا هو الموجود في كتبهم وهو ظاهر نص الشافعي في الأم وغيره ، فإن عبارة الشافعي وعبارة الأصحاب كلهم كعبارة المصنف وهي صريحة فيما قلته ، والله أعلم . المرتبة الثالثة : أن يكون بين المرتبتين ، فيزيد على ما يتردد إليه للحاجات . ولا ينتهي إلى حد خروج وقت الصلاة ، فنص الشافعي فيما إذا كان الماء عن يمين المنزل أو يساره أنه يلزمه تحصيله ولا يجوز التيمم ، ونص فيما إذا كان في صوب مقصده أنه لا يجب السعي إليه ، واختلف الأصحاب فيه على طريقين أحدهما : تقرير النصين ، والفرق بأن المسافر قد يتيامن ويتياسر في حوائجه ، ولا يمضي في صوب مقصده ثم يرجع قهقرى ، وجوانب المنزل منسوبة إليه دون ما بين يديه والطريق الثاني : فيهما قولان بالنقل والتخريج ، وهو أظهر ، لأن المسافر ما دام سائرا لا يعتاد المضي يمينا وشمالا كما لا يرجع قهقرى ، وإذا كان نازلا ينتشر من الجوانب كلها ويعود ودليل الجواز أنه فاقد والمنع أنه قادر على تحصيله . قال الرافعي : وما ذكرناه من الطريقين هو نقل إمام الحرمين والغزالي في آخرين وقال صاحب التهذيب : إن كان الماء في طريقه وتيقن وصوله إليه قبل خروج الوقت ، وصلى في الوقت بالتيمم جاز على المذهب . وقال في الإملاء : لا يجوز بل يؤخر حتى يصل إلى الماء ، وإن كان الماء على يمينه أو يساره أو وراءه لم يلزمه إتيانه وأن أمكن في الوقت ، لأن في زيادة الطريق مشقة عليه ، كما لو وجد الماء يباع بأكثر من ثمن المثل . وقيل : لا فرق ، بل متى أمكنه أن يأتي الماء في الوقت من غير خوف فلا فرق بين أن يكون عن يمينه أو يساره أو أمامه ففي جواز التيمم قولان .

قسم V02/P285

قال الرافعي : وبين هذا المذكور في التهذيب وبين الأول بعض المخالفة توجيها وحكما ، أما التوجيه فظاهر ، وأما الحكم فلأن هذا الكلام إنما يستمر في حق السائر ، ومقتضاه نفي الفرق بين الجوانب في حق النازل في المنزل لأنه يحتاج إلى الرجوع إلى المنزل من أي جانب مضى إليه ، وفي زيادة الطريق مشقة . وأما الكلام الأول فمقتضاه الفرق بين الجوانب في حق النازل أيضا إلا أن ذلك الفرق ممنوع كما سبق . وأيضا فإن مقتضى الأول أن السعي إلى ما عن اليمين واليسار أولى بالإيجاب ، ومقتضى كلام التهذيب أن الإيجاب فيما على صوب المقصد أولى . قال الرافعي : واعلم أن المذهب جواز التيمم وإن علم وصوله إلى الماء في آخر الوقت . وإذا جاز التيمم لمن يعلم الوصول إلى الماء في صوب مقصده فأولى أن يجوز للنازل في بعض المراحل إذا كان الماء عن يمينه أو يساره لزيادة مشقة السعي إليه ، وإذا جاز للنازل فالسائر أولى بالجواز . هذا كله في حق المسافر . وأما المقيم فذمته مشغولة بالقضاء لو صلى بالتيمم فليس له أن يصلي بالتيمم وإن خاف فوت الوقت لو سعى إلى الماء . هذا آخر كلام الرافعي والله أعلم . قال أصحابنا : والإعتبار في الدلالة على الماء بدلالة ثقة ، وهو من يقبل خبره من رجل أو امرأة أو عبد أو أعمى ، ولا أثر لقول فاسق ومغفل وغيرهما ممن لا يقبل خبره والله أعلم . وأما قول المصنف ( ولم يخف ضررا في نفسه وماله ) فكذا قاله أصحابنا ، قالوا : إذا كان بقربه ماء يخاف لو سعى إليه ضررا على نفسه من سبع أو عدو أو غيرهما ، أو على ماله الذي معه أو الذي في منزله من غاصب أو سارق أو غيرهما فله التيمم ، وهذا الماء كالمعدوم . قال أصحابنا : وهكذا لو كان في سفينة ولا ماء معه وخاف الضرر لو استقى من البحر فله التيمم ولا إعادة عليه . قال أصحابنا : والخوف على بعض أعضائه كالخوف على نفسه . قالوا : ولا فرق في المال الذي يخاف عليه بين الكثير والقليل ، إلا أن يكون قدرا يجب إحتماله في تحصيل الماء ثمنا أو أجرة ، وأما إذا خاف الإنقطاع عن رفقة ، فقد أطلق المصنف أنه لا يلزمه الذهاب إلى الماء ، وهكذا أطلقه الجمهور . وقال جماعة : إن كان عليه ضرر في الإنقطاع عن الرفقة فله التيمم ، وإلا فوجهان أصحهما له التيمم أيضا ، وهما قريبان من الوجهين في نفقة الرجوع في الحج لمن لا أهل له هل تشترط أم لا مأخذهما في الموضعين أنه ضرر عليه ولكنه تفوته الألفة والمؤانسة والله أعلم .

قسم V02/P285–V02/P286

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن طلب فلم يجد فتيمم ثم طلع عليه ركب قبل أن يدخل في الصلاة لزمه أن يسألهم عن الماء فإن لم يجد معهم الماء أعاد التيمم لأنه لما توجه الطلب بطل التيمم . + الشرح : قال أهل اللغة : الركب هم ركبان الإبل العشرة ونحوهم ، وهو مختص بركبان الإبل ، هذا أصله . ومراد أصحابنا بالركب جماعة يجوز أن يكون معهم ماء ، سواء كانوا على دواب أو رجالة . قال أصحابنا : فإذا تيمم بعد الطلب ثم حدث ما يحتمل القدرة على الماء بسببه بطل تيممه ، وإن بان أنه لا قدرة له على الماء ، وذلك بأن رأى جماعة أقبلت أو سحابة أظلت بقربه أو سرابا ظنه ماء أو ماء توهمه طاهرا فكان نجسا ، أو بئرا توهم أن فيها ماء فلم يكن ، أو أنه يمكن نزولها فلم يمكن وما أشبه هذا لأن التيمم يراد لإباحة الصلاة ، فإذا رأى هذه الأشياء توجه الطلب ، وإذا توجه بطل التيمم لأنه خرج عن الإباحة . هذا إذا لم يكن هناك مانع يمنع وجوب الوضوء على تقدير كونه ماء ، فإن كان لم يبطل تيممه ، لأن التيمم يجوز في هذه الحالة إبتداء قال إمام الحرمين وغيره : ضابط المذهب أن التمكن من استعمال الماء أو توهم التمكن يبطل تيممه فلو رأى بئرا فيها ماء ولا يمكنه النزول فيها ولا دلو أو لا حبل معه فإن علم أول ما رآها أنه لا يقدر عليها لم يبطل تيممه وإلا بطل ، ولو طلع عليه جماعة عراة لم يبطل تيممه ، ولو رأى ماء وسبعا أو عدوا يمنعه منه فإن رأى الماء أولا ثم رأى المانع بطل تيممه وإن رأى المانع أولا أو رآهما معا لم يبطل . قال أصحابنا : ولو سمع بعد التيمم رجلا يقول : معي ماء ، بطل تيممه وإن بان كاذبا ، ولو سمعه يقول : أودعني فلان ماء أو غصبت من فلان ماء لم يبطل تيممه إن كان فلان غائبا ، فإن كان حاضرا بطل لإمكان طلبه منه ، ولو قال : معي ماء أودعنيه فلان أو غصبته من فلان بطل تيممه على المذهب ، وبه قطع الجمهور ، ونقله المتولي عن الأصحاب لأنه أطمعه في الماء بتقديم ذكره ، وفيه احتمال للقاضي حسين أنه لا يبطل على قولنا : لا يتبعض الإقرار وضعفه البغوي والشاشي وغيرهما . قال الشاشي في المعتمد : لأنه لا فرق في الإقرار بين قوله : له علي ألف من ثمن خمر ، وقوله : له علي من ثمن خمر ألف ، في أن الجميع على قولين لأنه وصل إقراره بما يبطله ، سواء تقدم ذكر الخمر أو تأخر . وهنا المؤثر في التيمم توجه الطلب ، ثم إن جاز أن يخرج قولا إلى التيمم من الإقرار لم لا يجوز أن يخرج في قوله : عندي ماء أودعنيه فلان قولا أنه لا يبطل لأنه لما وصله بآخر كلامه بان أنه لا يقدر عليه ، وقد وافق القاضي في بطلان تيممه في هذه الصورة والله أعلم . وأما قول المصنف : فإن لم يجد معهم الماء أعاد الطلب فقد سبق بيان الخلاف فيه ، وأنه إذا قلنا بوجوب الطلب كان أخف من الطلب الأول والله أعلم .

قسم V02/P286–V02/P288

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن طلب ولم يجد جاز له التيمم لقوله تعالى : فلم تجدوا ماء فتيمموا وهل الأفضل أن يقدم التيمم أو الصلاة أم لا ينظر فإن كان على ثقة من وجود الماء في آخر الوقت فالأفضل أن يؤخر التيمم فإن الصلاة في أول الوقت فضيلة ، والطهارة بالماء فريضة فكان انتظار الفريضة أولى ، وإن كان على إياس من وجوده فالأفضل أن يتيمم ويصلي لأن الظاهر أنه لا يجد الماء ، فلا يضيع فضيلة أول الوقت لأمر لا يرجوه ، وإن كان يشك في وجوده ففيه قولان أحدهما : إن تأخيرها أفضل لأن الطهارة بالماء فريضة والصلاة في أول الوقت فضيلة فكان تقديم الفريضة أولى . والثاني : أن تقديم الصلاة بالتيمم أفضل وهو الأصح لأن فعلها في أول الوقت فضيلة متيقنة والطهارة بالماء مشكوك فيها فكان تقديم الفضيلة المتيقنة أولى . + الشرح : إذا عدم الماء بعد طلبه المعتبر جاز له التيمم للآية والأحاديث الصحيحة والإجماع ، ولا فرق في الجواز بين أن يتيقن وجود الماء في آخر الوقت أو لا يتيقنه هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة . ونقل المحاملي في المجموع الإجماع عليه ، وكذا نقل الشيخ أبو حامد وغيره أنه لا خلاف فيه ، وحكى صاحبا التتمة و التهذيب قولا للشافعي نص عليه في الإملاء : أنه لا يجوز التيمم إذا علم وصوله إلى الماء قبل خروج الوقت وهو شاذ ضعيف لا تفريع عليه ، وإنما التفريع على المذهب وهو الجواز ثم إن الجمهور أطلقوا الجواز ، وقال الماوردي : هذا إذا تيقن وجود الماء في غير منزله ، أما إذا تيقن أنه يجده في آخر الوقت في منزله الذي هو فيه أول الوقت فيجب التأخير ، قال : ولا وجه لقول من أطلق من أصحابنا إستحباب التأخير ، فإذا قلنا بالمذهب فللعادم ثلاثة أحوال : أحدها : أن يتيقن وجود الماء في آخر الوقت ، بحيث يمكنه الطهارة والصلاة في الوقت فالأفضل أن يؤخر الصلاة ليأتي بها بالوضوء لأنه الأصل والأكمل هذا هو المذهب الصحيح المقطوع به في جميع الطرق وانفرد صاحب التتمة بحكاية وجه أن تقديم الصلاة في أول الوقت بالتيمم أفضل ، وحكاه الشيخ أبو محمد ، والصواب الأول . واحتج له الشيخ أبو حامد الاسفرايني والمحاملي وغيرهما بأن الوضوء أكمل من التيمم ، فكان راجحا على فضيلة أول الوقت ، ويؤيد هذا أن التيمم لا يجوز مع القدرة على الماء ، ويجوز تأخير الصلاة إلى آخر الوقت ، مع القدرة على الصلاة في أوله ، ولأن الوضوء هو الأصل ولهذا يصلي به صلوات . وأما تعليل المصنف بأن الوضوء فريضة فمشكل ، لأن التيمم إذا فعله وقع أيضا فريضة فالصحيح ما سبق من التعليل ، ونضم إليه أن فيه خروجا من الخلاف فإن نصه في الإملاء : أن هذا التيمم باطل . وهو أيضا مذهب الزهري ، فإنه لا يجوز التيمم حتى يخاف فوت الوقت . الحال الثاني : أن يكون على يأس من وجود الماء في آخر الوقت ، فالأفضل تقديم التيمم والصلاة في أول الوقت بلا خلاف ، لحيازة فضيلة أول الوقت ، وليس هنا ما يعارضها . الحال الثالث : أن لا يتيقن وجود الماء ، ولا عدمه وله صورتان . إحداهما : أن يكون راجيا ، ظانا الوجود ففيه قولان مشهوران في كتب الأصحاب ونص عليهما في مختصر المزني أصحهما باتفاق الأصحاب أن تقديم الصلاة بالتيمم في أول الوقت أفضل ، وهو نصه في الأم والثاني : : التأخير أفضل وهو نصه في الإملاء ، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد وأكثر العلماء . ودليلهما يعرف مما سبق . الصورة الثانية : أن يشك ، فلا يترجح الوجود على العدم ولا عكسه ، فطريقان ، قطع جمهور العراقيين بأنه على القولين ، كما في الرجاء والظن . ممن صرح بذلك المصنف هنا ، والشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والماوردي والمحاملي وآخرون .

قسم V02/P288–V02/P289

والطريق الثاني : الجزم بأن التقديم أفضل صرح به القاضي حسين وصاحب العدة وغيرهما من الخراسانيين وأشار إليه البغوي وغيره . وعبارة إمام الحرمين والغزالي والمتولي وآخرين : إن كان يظن ، وبعضهم يقول : يرجو ففيه قولان . ولم يتعرضوا للشك ، وأما الرافعي فجزم في صورة الشك بالتقديم قولا واحدا ، قال : وإنما القولان إذا كان يظن ، قال : وربما وقع في كلام بعضهم ذكر القولين فيما إذا لم يظن الوجود ولا العدم ولا وثوق به . ولعل ذاك القائل أراد بالظن اليقين ، وهذا الذي أنكره الرافعي من نقل القولين في حال الشك المستوي الطرفين مردود ، فقد صرح بالقولين في حالة الشك الشيخ أبو حامد والماوردي والمحاملي في التجريد ، فقالوا : لو كان لا يعلم وجود الماء في آخر الوقت ولا عدمه ، ولم يكن أحد الإحتمالين في وجوده وعدمه أقوى من الآخر ، ففيه القولان . هذا لفظ هؤلاء الثلاثة وهم شيوخ المذهب وصرح به غيرهم وهو مقتضى عبارة المصنف وآخرين في قولهم : وإن كان يشك ففيه قولان والله أعلم . قال إمام الحرمين وغيره : هذا الخلاف فيمن أراد أن يقتصر على صلاة واحدة فأما من تيمم وصلى في أول الوقت ، ثم صلى بالوضوء عند وجود الماء في آخره فهو النهاية في تحصيل الفضيلة والله أعلم . فرع : اختلف كلام الأصحاب في تأخير الصلاة عن أول الوقت إلى أثنائه لانتظار الجماعة ، فقطع أبو القاسم الداركي ، وأبو علي الطبري ، وصاحب الحاوي وآخرون من كبار العراقيين باستحباب التأخير وتفضيله على فضيلة أول الوقت ، وقطع أكثر الخراسانيين بأن تقديم الصلاة منفردا أفضل ، ونقل إمام الحرمين والغزالي في البسيط أنه لا خلاف فيه ، ونقل جماعات من الأصحاب أنه إن رجا الجماعة في آخر الوقت ولم يتحققها ففي إستحباب التأخير وجهان بناء على القولين في التيمم ، وحكى صاحب الشامل و البيان هذا عن الأصحاب مطلقا ، ونقل الروياني عن القاضي أبي علي البندنيجي أنه قال : قال الشافعي في الأم : التقديم أول الوقت منفردا أفضل ، وقال في الإملاء : التأخير للجماعة أفضل . وقال القاضي أبو الطيب : حكم الجماعة حكم التيمم ، إن تيقن الجماعة آخر الوقت فالتأخير أفضل ، وإن تيقن عدمها فالتقديم أفضل ، وإن رجا الأمرين فعلى القولين . وهذا الذي حكاه عن القاضي أبي الطيب هو الذي ذكره أبو علي البندنيجي في جامعه ، كذا رأيته في نسخة معتمدة منه ، فهذا كلام الأصحاب في المسألة . وقد ثبت في صحيح مسلم : أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه سيجىء أئمة يؤخرون الصلاة عن أول وقتها ، قال : فصلوا الصلاة لوقتها واجعلوا صلاتكم معهم نافلة فالذي نختاره أنه يفعل ما أمره به النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي مرتين مرة في أول الوقت منفردا لتحصيل فضيلة أول الوقت ، ومرة في آخره مع الجماعة لتحصيل فضيلتها ، وقد صرح أصحابنا باستحباب الصلاة مرتين على ما ذكرناه في باب صلاة الجماعة وسنبسطه هناك إن شاء الله تعالى . فإن أراد الإقتصار على صلاة واحدة فإن تيقن حصول الجماعة آخر الوقت فالتأخير أفضل لتحصيل شعارها الظاهر ، ولأنها فرض كفاية على الصحيح في مذهبنا وفرض عين على وجه لنا ، وهو قول ابن خزيمة من أصحابنا : وهو مذهب أحمد بن حنبل وطائفة ففي تحصيلها خروج من الخلاف ، ولم يقل أحد : يأثم بتأخيرها ، ويحتمل أن يقال : إن فحش التأخير فالتقديم أفضل وإن خف فالإنتظار أفضل والله أعلم .

قسم V02/P289–V02/P290

فرع : قال صاحب البيان : هذان القولان فيمن ظن وجود الماء في آخر الوقت يجريان في المريض العاجز عن القيام إذا رجا القدرة على القيام في آخر الوقت ، وفي العاري إذا رجا السترة في آخر الوقت ، والمنفرد إذا رجا الجماعة في آخر الوقت هل الأفضل لهم تقديم الصلاة في أول الوقت على حالهم أم تأخيرها لما يرجونه قال : ولا يترك الترخص بالقصر في السفر ، وإن علم إقامته في آخر الوقت بلا خلاف ، وقال : قال صاحب الفروع : إن خاف فوت الجماعة لو أسبغ الوضوء وأكمله فإدراك الجماعة أولى من الإنحباس على إكمال الوضوء وفي هذا نظر . فرع : لو دخل المسجد والإمام في الصلاة وعلم أنه إن مشى إلى الصف الأول فاتته ركعة وإن صلى في أواخر الصفوف لم تفته فهذا لم أر فيه لأصحابنا ولا لغيرهم شيئا ، والظاهر أنه إن خاف فوت الركعة الأخيرة حافظ عليها ، وإن خاف فوت غيرها مشى إلى الصف الأول ، للأحاديث الصحيحة في الأمر بإتمام الصف الأول وفي فضله والإزدحام عليه والإستهام ، وخير صفوف الرجال أولها والله أعلم .