Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

قسم V02/P468–V02/P469

هذا كله إذا كان التمييز تمييزا معتبرا كما مثلناه ، فأما إن فقد شرط من شروط التمييز فرأت يوما وليلة دما أسود ويوما وليلة أحمر ، واستمر هكذا يوما ويوما إلى آخر الشهر ، فهذه وإن كانت صورة مميزة فليست مميزة في الحكم لفقد أحد شروط التمييز وهو ألا يجاوز الدم القوي خمسة عشر . وقد نقل إمام الحرمين وغيره إتفاق الأصحاب على أنها غير مميزة ، قال إمام الحرمين والأصحاب : فإذا علم أنها غير مميزة نظر إن كانت معتادة ردت إلى العادة وصار كأن الدماء على لون واحد ، وإن لم تكن معتادة فهي مبتدأة فترد إلى مرد المبتدأة من يوم وليلة أو ست أو سبع ولا التفات إلى اختلاف ألوان الدماء . الحال الثاني : أن تكون ذات التقطع معتادة غير مميزة وهي حافظة لعادتها وكانت عادتها أيامها متصلة لا تقطع فيها فترد إلى عادتها ، فعلى قول السحب كل دم يقع في أيام العادة مع النقاء المتخلل بين الدمين يكون جميعه حيضا ، فإن كان آخر أيام العادة نقاء لم يكن حيضا لكونه لم يقع بين دمي حيض وأما على قول التلفيق فأيام النقاء طهر ويلتقط لها قدر عادتها وفيما يلتقط منه خلاف مشهور ، حكاه المصنف والجمهور وجهين : وحكاه الشيخ أبو حامد والماوردي والجرجاني قولين : أصحهما : يلتقط ذلك من مدة الإمكان وهي خمسة عشر ولا يبالي بمجاوزة الملقوط منه قدر العادة ، والثاني : يلتقط ما أمكن من زمان عادتها ولا يتجاوز ذلك ولا يبالي بنقص قدر الحيض عن العادة ، وهذه أمثلة ما ذكرناه : كان عادتها من أول كل شهر خمسة أيام فتقطع دمها يوما ويوما وجاوز خمسة عشر ، فإن قلنا بالسحب فحيضها الخمسة الأولى دما ونقاء ، وإن قلنا بالتلفيق فإن قلنا : يلقط من أيام العادة فحيضها اليوم الأول والثالث والخامس ونقص من عادتها يومان ، وما سوى ذلك طهر ، وإن قلنا : يلقط من مدة الإمكان فحيضها الأول والثالث والخامس والسابع والتاسع وما سواها طهر ، ولو كانت عادتها ستة فإن قلنا بالسحب فحيضها الخمسة الأولى ، ويكون السادس وما بعده طهرا ، لأنه ليس بين دمي حيض ، ويكون قد نقص من عادتها يوم . وإن قلنا : تلفق من عادتها فحيضها الأول والثالث والخامس ، وإن قلنا : من مدة الإمكان فحيضها هذه الثلاثة والسابع والتاسع والحادي عشر ، وإن كانت عادتها سبعة فإن سحبنا فحيضها السبعة الأولى ، وإن لقطنا من العادة فحيضها الأول والثالث والخامس والسابع ، وإن لقطنا من الإمكان فحيضها هذه الأربعة والتاسع والحادي عشر والثالث عشر . وإن كانت عادتها ثمانية فإن سحبنا فحيضها السبعة الأولى ، وإن لقطنا من العادة فحيضها أفراد السبعة وإن لقطنا من الامكان فحيضها الأفراد الثمانية من الخمسة عشر ، وإن كانت عادتها تسعة فإن سحبنا فحيضها التسعة الأولى ، وإن لقطنا من العادة فحيضها أفراد التسعة ، وهي خمسة .

قسم V02/P469–V02/P471

وإن لقطنا من الإمكان فحيضها أفراد الخمسة عشر وهي ثمانية ، ونقص من العادة يوم لأنه لا يمكن التقاط السابع عشر لمجاوزته الخمسة عشر ، ولو كانت عادتها عشرة فإن سحبنا فحيضها التسعة الأولى ، وإن لقطنا من العادة فحيضها أفراد التسعة وهي خمسة وإلا فالأفراد الثمانية وإن كانت عادتها أحد عشر فإن سحبنا فهي حيضها ، وإن لقطنا من العادة فأفرادها وإلا فأفراد الخمسة عشر ، وإن كانت عادتها اثنى عشر فإن سحبنا فأحد عشر ، وإن لقطنا من العادة فأفرادها وإلا فأفراد الخمسة عشر ، وإن كانت عادتها ثلاثة عشر فإن سحبنا فهي حيضها ، وإن لقطنا من العادة فأفرادها وإلا فأفراد الخمسة عشر ، وإن كانت عادتها أربعة عشر فإن سحبنا فحيضها الثلاثة عشر وإن لقطنا من العادة فأفرادها وإلا فأفراد الخمسة عشر وإن كانت عادتها خمسة عشر فإن سحبنا فهي حيضها وإن لقطنا من العادة أو الإمكان بأفرادها الثمانية ، وقال الغزالي والأصحاب : وعلى الوجهين جميعا نأمرها في الدور الأول أن تحيض أيام الدماء لاحتمال الانقطاع على خمسة عشر فلا تكون مستحاضة والله أعلم . الحال الثالث : أن تكون مبتدأة لا تمييز لها . وفيها القولان المعروفان أحدهما : ترد إلى يوم وليلة . والثاني : إلى ست أو سبع ، فإن رددناها إلى يوم وليلة فحيضها يوم وليلة ، سواء سحبنا أو لقطنا من العادة أو من الإمكان ، ثم إن هذه المبتدأة إذا صلت وصامت في أيام النقاء حتى جاوز خمسة عشر وتركت الصوم والصلاة في أيام الدم كما أمرناها فيجب عليها قضاء صيام أيام الدم وصلواتها بعد المرد بلا خلاف ، لأنا تبينا أنهما واجبان ، وأما صلوات أيام النقاء وصيامها فلا تقضيهما على قول التلفيق ، وأما على قول السحب فلا تقضي الصلاة لأنها إن كانت حائضا فلا صلاة عليها ، وإن كانت طاهرا فقد صلت . وفي وجوب قضاء الصوم قولان أصحهما : لا يجب كالصلاة ، والثاني : يجب لأنها صامت مترددة في صحته فلا يجزئها بخلاف الصلاة فإنها إن لم تصح لم يجب قضاؤها ، وأعلم أن هذا الحكم مطرد في جميع شهورها . قال الرافعي بعد أن ذكر هذه الجملة : فخرج مما ذكرناه أنا إن حكمنا باللقط لم تقض من الخمسة إلا عشر صلوات سبعة أيام وصيامها إن رددنا المبتدأة إلى يوم وليلة وهي أيام الدم سوى اليوم الأول ، وإن رددناها إلى ست أو سبع فإن لم تجاوز اللقط أيام العادة ، وكان الرد إلى ست قضتها من خمسة أيام ، وهي أيام الدم بعد المرد ، وإن ردت إلى سبع فمن أربعة ، وهي أيام الدم بعد المرد ، وإن جاوزناها وردت إلى ست قضتها من يومين . الحال الرابع : الناسية وهي ضربان : أحدهما : من نسيت قدر عادتها ووقتها وهي المتحيرة وفيها القولان أحدهما أنها كالمبتدأة وقد سبق حكمها ، والصحيح أنه يلزمها الاحتياط ، فعلى هذا ، فإن قلنا بالسحب احتاطت في أزمنة الدم بالأمور السابقة في حال إطباق الدم بلا فرق لاحتمال الطهر والحيض والانقطاع ، وتحتاط في أزمنة النقاء أيضا إذ ما زمان إلا ويحتمل أن يكون حيضا لكن لا يلزمها الغسل في وقت لأن الغسل إنما تؤمر به المتحيرة المطبقة لاحتمال انقطاع الدم وهذا غير محتمل هنا ، ولا يلزمها تجديد الوضوء أيضا لكل فريضة ، لأن ذلك إنما يجب لتجدد خروج الحدث ولا تجدد في النقاء فيكفيها لزمان النقاء الغسل عند انقضاء كل نوبة من نوب الدماء . وأما إذا قلنا باللقط فعليها الإحتياط في جميع أزمنة الدم وعند كل انقطاع ، وأما أزمنة النقاء فهي فيها طاهرة في الوطء وجميع الأحكام . الضرب الثاني : من نسيت قدر عادتها وذكرت وقتها أو نسيت الوقت وذكرت القدر فتحتاط أيضا على قول التلفيق والسحب مع رعاية ما نذكره .

قسم V02/P471–V02/P472

مثاله قالت : أضللت خمسة في العشرة الأولى وتقطع دمها يوما يوما وجاوز الخمسة عشر فإن قلنا بالسحب فاليوم العاشر طهر لأنه نقاء ليس بين دمي حيض ولا غسل عليها في الخمسة الأولى لتعذر الانقطاع وتغتسل عقب الخامس والسابع والتاسع لجواز الانقطاع في هذه الأزمان . وهل يلزمها الغسل في أثناء السابع والتاسع وجهان أحدهما : نعم لاحتمال الانقطاع في الوسط . والثاني : وهو الصحيح بل الصواب وقول جماهير الأصحاب : لا يلزمها لأن الانقطاع لو فرض في الوسط هنا لزم منه الابتداء في أثناء الثاني أو الرابع وهي نقية وأما إذا قلنا باللقط فإن لم يجاوز أيام العادة ، فالحكم كما ذكرنا على قول السحب إلا أنها طاهر في أيام النقاء في كل حكم وأنها تغتسل عقب كل نوبة من نوب الدم في جميع المدة لأن المتقطع حيض وإن جاوزنا أيام العادة فحيضها خمسة أيام وهي الأول والثالث والخامس والسابع والتاسع على تقدير انطباق الحيض على الخمسة الأولى . وعلى تقدير تأخره إلى الخمسة الثانية ليس لها إلا يومان دما وهما السابع والتاسع فتضم إليها الحادي عشر والخامس عشر فهي إذا حائض في السابع والتاسع بيقين لدخولهما في كل تقدير والله أعلم . فرع : هذا الذي قدمناه هو فيما إذا انقطع الدم يوما وليلة دما ومثله نقاء ، أما إذا انقطع نصف يوم دما ونصفه نقاء وجاوز خمسة عشر فإن كانت مميزة ردت إلى التمييز ، فإن كانت ترى نصف يوم دما أسود ونصفه نقاء ثم الثاني والثالث والرابع والخامس كذلك ثم ترى نصف السادس دما أحمر ونصفه نقاء ثم كذلك السابع وما بعده وجاوز الخمسة عشر كانت أنصاف السواد حيضا وفيما بينهما من النقاء القولان ، وما بعد ذلك من الحمرة والنقاء طهر وهذا تفريع على المذهب ، أنه لا يشترط في الأول ولا في غيره أن يتصل الدم يوما وليلة ، وإن كانت معتادة غير مميزة ردت إلى العادة فإن كانت عادتها خمسة أيام فرأت نصف يوم دما ، ونصفه نقاء ثم هكذا حتى جاوز خمسة عشر فإن سحبنا فحيضها أربعة أيام ونصف من الأول ، وإن لقطنا من العادة فحيضها يومان ونصف وهي أنصاف الدم في الخمسة ، وإن لقطنا من الإمكان فحيضها خمسة أيام من العشرة الأولى وهي أنصاف الدم وإن كانت مبتدأة غير مميزة . قال أصحابنا : إن قلنا ترد إلى ست أو سبع فهي كمن عادتها ست أو سبع ، وإن قلنا : ترد إلى يوم وليلة فإن سحبنا أو لقطنا من العادة فلا حيض لها لأنه لا يحصل لها أقل الحيض ، فإن لقطنا من الإمكان لقطنا لها يوما وليلة فإن كانت ترى نصف يوم دما ونصفه الآخر مع الليلة نقاء لفقنا اليوم والليلة من أربعة أيام ، وإن كانت ترى نصف يوم وليلة دما ونصفهما نقاء لفقنا من يومين . هكذا قطع به جماهير الأصحاب وحكى صاحب الحاوي على قول السحب وجهين أحدهما : لا حيض كما قاله الجمهور . والثاني : وهو قول أبي العباس بن سريج نحيضها يوما وليلة وإن لم تر الدم في جميعه ، وهذا غريب ضعيف ، والله أعلم .

قسم V02/P472–V02/P473

فرع : إذا رأت ثلاثة أيام دما ثم اثنى عشر نقاء ثم ثلاثة دما ثم انقطع فالثلاثة الأولى حيض لأنه في زمان الامكان ، والثلاثة الأخيرة دم فساد ولا يجوز أن تجعل حيضا مع الثلاثة الأولى وما بينهما لمجاوزته خمسة عشر يوما ، ولا يجوز أن تجعل حيضا ثانيا لأنه لم يتقدمه أقل طهر ، وهكذا لو رأت يوما وليلة دما أو يومين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو غير ذلك ثم رأت النقاء تمام خمسة عشر ، ثم رأت يوما وليلة فأكثر دما فالأول حيض والآخر دم فساد ولا خلاف في شيء من هذا ، ولو رأت دما دون يوم وليلة ثم رأت النقاء تمام خمسة عشر ثم رأت الدم يوما وليلة أو ثلاثة أيام أو خمسة أو نحو ذلك : فالأول دم فساد ، والثاني : حيض لوقوعه في زمن الإمكان ، ولا يضم الأول إليه لمجاوزة الخمسة عشر ولا يستقل بنفسه ولو رأت نصف يوم دما ثم تمام خمسة عشر نقاء ثم نصف يوم دما فالدمان جميعا دم فساد ولا حيض لها بلا خلاف ، لأن كل دم لا يستقل ولا يمكن ضمه إلى الآخر لمجاوزة خمسة عشر . ولو رأت المبتدأة يوما بلا ليلة دما ثم ثلاثة عشر نقاء ثم ثلاثة أيام دما ، فقد رأت في الخمسة عشر يومين دما ، في أولها يوما ، وفي آخرها يوما فإن قلنا : لا تلفق فحيضها الدم الثاني وأما الأول فدم فساد ، وإن لفقنا من العادة فحيضها أيضا الثاني ، وأما الأول فدم فساد لأن المبتدأة ترد إلى يوم وليلة أو ست أو سبع وليس في هذا الزمان ما يمكن جعله حيضا وإن لفقنا في مدة الإمكان وهي الخمسة عشر فإن قلنا : المبتدأة ترد إلى يوم وليلة حيضناها اليوم الأول ومن الخامس عشر مقدار ليلة فيتم لها يوم وليلة وإن قلنا : ترد إلى ست أو سبع فحيضها الأول من الخامس عشر بليلته لأنه الممكن ويكون الدم بعد الخمسة عشر دم فساد . فرع : إذا كانت عادتها أن تحيض في الشهر عشرة أيام من أوله فرأت في شهر يومين دما ثم ستة نقاء ثم يومين دما وانقطع واستمر الطهر فإن سحبنا فالعشرة حيض ، وإن لفقنا فحيضها أربعة أيام وهي أيام الدم . ولو كان عادتها خمسة فرأت ثلاثة دما ثم أربعة نقاء ثم ثلاثة دما فإن سحبنا فالعشرة حيض وإن لفقنا فحيضها ستة الدم ، ولو كان عادتها خمسة من أول الشهر فرأت في أوله أربعة دما ثم خمسة نقاء ثم العاشر دما فإن سحبنا فالعشرة حيض ، وإن لفقنا فحيضها خمسة الدم . ولو رأت يوما وليلة دما وسبعة نقاء ويومين دما فإن سحبنا فالعشرة حيض وإلا فثلاثة الدم ، وسواء في هذا كله لفقنا من العادة أو من الإمكان وإنما الخلاف فيما إذا جاوز التقطع الخمسة عشر ، وهذا وإن كان ظاهرا فلا يضر التنبيه عليه لبعض المبتدئين ، والله أعلم . فرع : ذكر المحاملي وصاحب الشامل وآخرون ونقلوه عن ابن سريج قالوا : لو كان عادتها خمسة أيام من الشهر وباقيه طهر فرأت في شهر اليوم الأول نقاء والثاني دما والثالث نقاء والرابع دما ثم لم تزل هكذا حتى رأت السادس عشر دما وانقطع فإن قلنا لا تلفق فحيضها خمسة عشر أولها الثاني وآخرها السادس عشر وإن لفقنا ، فحيضها ثمانية الدم . هذا إذا وقف على السادس عشر فإن جاوزه فقد صارت مستحاضة على المذهب خلافا لابن بنت الشافعي رضي الله عنهم . فإن لفقنا من العادة فحيضها يومان الثاني والرابع إذ ليس في أيام العادة دم سواهما ، وإن لفقنا من مدة الإمكان فحيضها الثاني والرابع والسادس والثامن والعاشر ، وإن سحبنا فهل الإعتبار بعدد العادة أم بزمنها ، فيه وجهان ، ذكرهما ابن سريج والأصحاب .

قسم V02/P473–V02/P474

أحدهما : الإعتبار بزمانها فيكون حيضها الثاني والثالث والرابع ولا يمكن ضم الأول والخامس إليها لأنهما نقاء ليس بين دمي حيض . والثاني : الإعتبار بعددها ولا تبالي بمجاوزة الزمان ، فيكون حيضها خمسة ، وهي الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس فحصل في حيضها ثلاثة أوجه أحدها : يومان والثاني : ثلاثة ، والثالث : خمسة وفي زمنه أربعة أوجه ، أحدها : أنه الثاني والرابع ، والوجه الثاني : أنه الثاني والثالث والرابع ، والوجه الثالث : أنه الثاني والرابع والسادس والثامن والعاشر والوجه الرابع : أنه الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس . قال ابن سريج : فلو كانت المسألة فحاضت قبل عادتها بيوم ورأت النقاء في اليوم الأول من الشهر والدم في اليوم الثاني والنقاء في الثالث والدم في الرابع وهكذا حتى جاوز خمسة عشر ، فإن لفقنا من العادة فحيضها اليوم الثاني والرابع فقط إذ ليس في زمن العادة دم سواهما ، وإن لفقنا من الإمكان قال ابن سريج : احتمل وجهين ، أحدهما : أن يكون أول الحيض اليوم الذي سبق العادة ، والوجه الثاني : أن يكون أوله اليوم الثاني من الشهر . قال : والأول أظهر لأنه دم في زمن الإمكان ، فعلى هذا يلفق لها خمسة ، وهي أيام الدماء آخرها الثامن ، وإن قلنا بالوجه الثاني لفقنا لها خمسة آخرها العاشر ، وإن سحبنا بني على الوجهين ، فإن قلنا الإعتبار بزمن العادة حيضناها ثلاثة أيام ، وهي الثاني والثالث والرابع ، وإن قلنا : الإعتبار بعدد أيام العادة حيضها خمسة ، أولها الذي بدأ فيه الدم وآخرها الرابع فحصل في قدر حيضها ثلاثة أوجه أحدها : يومان والثاني : ثلاثة والثالث : خمسة ، وفي زمنه خمسة أوجه أحدها : يومان الثاني والرابع ، والوجه الثاني : ثلاثة أيام الثاني والثالث والرابع . والوجه الثالث : خمسة أيام الدماء ، أولها الذي سبق عادتها وآخرها الثامن . والوجه الرابع : خمسة أيام أولها الثاني وآخرها العاشر . والوجه الخامس : خمسة أيام متوالية أولها الدم الذي تقدم له وآخرها الرابع ، وهذه المسألة في نهاية من الحسن ، والله أعلم . فرع : إذا انتقلت عادتها بتقدم أو تأخر ثم استحيضت وتقطع دمها ففيها الخلاف السابق بين أبي إسحاق والأصحاب في مراعاة الأولية كما ذكرناه في حال إطباق الدم ، ويعود الخلاف في ثبوت العادة بمرة ، مثال التقدم كان عادتها خمسة من ثلاثين ، فرأت في بعض الأدوار يوم الثلاثين دما واليوم الذي بعده نقاء وتقطع دمها هكذا وجاوز خمسة عشر . قال أبو إسحاق : حيضها أيامها القديمة وما قبلها استحاضة فإن سحبنا فحيضها اليوم الثاني والثالث والرابع وإن لفقنا فالثاني والرابع . وقال الجمهور وهو المذهب : تنتقل العادة بمرة فإن سحبنا فحيضها خمسة متوالية أولها يوم الثلاثين ، وإن لفقنا من العادة فحيضها يوم الثلاثين والثاني والرابع ، وإن لفقنا من الخمسة عشر ضممنا إليها السادس والثامن ، مثال التأخر أن ترى في بعض الأدوار اليوم الأول نقاء والثاني دما والثالث نقاء والرابع دما ، واستمر هكذا متقطعا ، فعند أبي إسحاق الحكم كما سبق في صورة التقدم ، وعلى المذهب إن سحبنا فحيضها خمسة متوالية أولها الثاني ، وإن لفقنا من العادة فالثاني والرابع والسادس لأن السادس وإن خرج عن العادة القديمة فبالتأخر انتقلت عادتها وصار الثاني أولها والسادس وإن لفقنا من الخمسة عشر ضممنا إليها الثامن والعاشر ، وقد صار طهرها السابق على الاستحاضة في هذه الصورة ستة وعشرين ، وفي صورة التقدم أربعة وعشرين .

قسم V02/P474–V02/P475

ولو لم يتقدم الدم في المثال المذكور ولا تأخر لكن تقطع هو والنقاء يومين يومين لم يعد خلاف أبي إسحاق ، بل يبنى على القولين ، فإن سحبنا فحيضها خمسة متوالية والسادسة كالدماء بعده ، وإن لفقنا من العادة فحيضها الأول والثاني والخامس ، وإن لفقنا من الخمسة عشر ضممنا إليها السادس والتاسع وحكى الرافعي وجها شاذا أن الخامس لا يجعل حيضا إذا لفقنا من العادة ، ولا التاسع إذا لفقنا من الخمسة عشر ، لأنهما ضعفا بإتصالهما بدم الاستحاضة ، وطردوا الوجه في كل نوبة دم يخرج بعضها عن العادة إن اقتصرنا عليها أو عن الخمسة عشر إن اعتبرناها . هذا بيان حيضها ، أما قدر طهرها إلى استئناف حيضة أخرى فينظر إن كان التقطع بحيث ينطبق الدم على أول الدور فهو ابتداء الحيضة الأخرى ، وإن لم ينطبق فإبتداؤها أقرب نوب الدماء إلى الدور ، تقدمت أو تأخرت ، فإن استويا في التقدم والتأخر فابتداء حيضها النوبة المتأخرة ، ثم قد يتفق التقدم والتأخر في بعض أدوار الاستحاضة دون بعض . وطريق معرفة ذلك أن تأخذ نوبة دم ونوبة نقاء وتطلب عددا صحيحا يحصل من مضروب مجموع النوبتين فيه مقدار دورها ، فإن وجدته فاعلم انطباق الدم على أول الدور وإلا فاضربه في عدد يكون الحاصل منه أقرب إلى دورها زائدا كان أو ناقصا ، واجعل حيضها الثاني أقرب الدماء إلى الدور ، فإن استوى طرفا الزيادة والنقص فالاعتبار بالزائد . مثاله : عادتها خمسة من ثلاثين وتقطع يوما ويوما ، وجاوز خمسة عشر فنوبة الدم يوم ، ونوبة النقاء مثله ، وتجد عددا إذا ضربت الإثنين فيه يبلغ ثلاثين ، وهو خمسة عشر ، فتعلم إنطباق الدم على أول دورها أبدا ما دام التقطع بهذه الصفة ، ولو كانت المسألة بحالها وتقطع يومين فلا تجد عددا يحصل من ضرب أربعة فيه من ثلاثين ، فاطلب ما يقرب الحاصل من الضرب فيه من ثلاثين وهنا عددان سبعة وثمانية ، أحدهما يحصل منه ثمانية وعشرون والآخر اثنان وثلاثون فاستوى طرفا الزيادة والنقص ، فخذ بالزيادة واجعل أول الحيضة الثانية الثالث والثلاثين ، وحينئذ يعود خلاف أبي إسحاق لتأخر الحيض عن أول الدور فحيضها عنده في الدور الثاني هو اليوم الثالث والرابع فقط على قول السحب والتلفيق جميعا . وأما على المذهب فإن سحبنا فحيضها خمسة متوالية أولها الثالث ، وإن لفقنا من العادة فحيضها الثالث والرابع والسابع ، وإن لفقنا من الخمسة عشر فحيضها هذه الثلاثة مع الثامن والحادي عشر ، ثم في الدور الثالث ينطبق الدم على أول الدور فلا يبقى خلاف أبي إسحاق ويكون الحكم كما ذكرناه في الدور الأول ثم في الدور الرابع يتأخر الدم ويعود الخلاف ، وعلى هذا أبدا . قال الرافعي : ولم نر أحدا يقول إذا تأخر الدم في الدور الثاني يومين فقد صار أول الأدوار المجاوزة اثنين وثلاثين ، فيجعل هذا القدر دورا لهما تفريعا على ثبوت العادة بمرة ، وحينئذ ينطبق الدم على أول الدور أبدا ، لأنا نجد عددا يحصل من ضرب الأربعة فيه هذا القدر وهو ثمانية . قال : ولو قال قائل بهذا لم يكن به بأس .

قسم V02/P475–V02/P476

فإن قيل : هذا الدور حدث في زمن الاستحاضة فلا عبرة به ، قلنا : لا نسلم فقد أثبتنا عادة المستحاضة مع دوام الاستحاضة ، ألا ترى أن المستحاضة المميزة يثبت لها بالتمييز عادة معمول بها ولو كانت المسألة بحالها ورأت ثلاثة دما وأربعة نقاء فمجموع النوبتين سبعة ، ولا نجد عددا إذا ضربت السبعة فيه بلغ ثلاثين ، فاضربها في أربعة لتبلغ ثمانية وعشرين ، واجعل أول الحيضة الثالثة التاسع والعشرين ولا تضربها في خمسة فإنه يبلغ خمسة وثلاثين وهي أبعد من الدور ، ثم إذا صار أول الحيضة التاسع والعشرين فقد تقدم الحيض على أول الدور ، فعلى قياس إبي إسحاق ما قبل الدور إستحاضة ، وحيضها اليوم الأول على قول التلفيق والسحب وقياس المذهب لا يخفى . ولو كانت عادتها ستة من ثلاثين وتقطع دمها ستة ستة وجاوز ، ففي الدور الأول حيضها الستة الأولى بلا خلاف ، وأما الدور الثاني فإنها ترى ستة من أوله نقاء وهي أيام عادتها ، فعند أبي إسحاق لا حيض لها في هذا الدور أصلا ، وعلى المذهب وجهان حكاهما إمام الحرمين وغيره . أصحهما : حيضها الستة الثانية على قولي السحب والتلفيق جميعا ، والثاني : حيضها الستة الأخيرة من الدور الأول ، لأن الحيضة إذا فارقت محلها فقد يتقدم وقد يتأخر ، والستة الأخيرة صادفت زمن الإمكان لأنه مضى قبلها طهر كامل ، فوجب جعلها حيضا ويجىء هذا الوجه حيث خلت جميع أيام العادة عن الدم . هذا كله إذا لم ينقص الدم الموجود في زمن العادة عن أقل الحيض ، فلو نقص بأن كانت عادتها يوما وليلة فرأت في بعض الأدوار يوما دما وليلة نقاء واستحيضت فثلاثة أوجه على قول السحب ، أصحها : وبه قال أبو إسحاق المروزي : لا حيض لها في هذه الصورة والثاني : تعود إلى قول التلفيق ، وبه قال أبو بكر المحمودي ، والثالث : حيضها الأول والثاني والليلة بينهما ، وبه قال الشيخ أبو محمد : وأما على قول التلفيق فإن لفقنا من الخمسة عشر حيضناها الأول والثاني وجعلنا الليلة بينهما طهرا ، وإن لفقنا من العادة فوجهان حكاهما الإمام والغزالي في البسيط الأصح قول أبي إسحاق : لا حيض لها ، وبه قطع الرافعي . والثاني : ترجع إلى الوجه الآخر وهو التلفيق من الخمسة عشر ، وادعى الغزالي في الوسيط أنه لا طريق غيره وليس كما قال . هذا كله فيمن كان لها قبل الاستحاضة عادة غير متقطعة ، أما من كانت لها عادة متقطعة ثم استحيضت مع التقطع فينظر إن كان التقطع بعد الاستحاضة كالتقطع قبلها فمردها قدر حيضها على اختلاف القولين ، مثاله كانت ترى ثلاثة دما وأربعة نقاء ثم ثلاثة دما وتطهر عشرين ثم استحيضت والتقطع على هذه الصفة فإن سحبنا كان حيضها قبل الاستحاضة عشرة وكذا بعدها ، وإن لفقنا كان حيضها ستة يتوسط بين نصفيهما أربعة وكذا الآن ، وإن اختلف التقطع بأن تقطع في المثال المذكور يوما يوما ثم استحيضت فإن سحبنا فحيضها الآن تسعة أيام لأنها جملة الدماء الموجود في زمن العادة مع النقاء المتخلل ، وإن لفقنا من العادة فحيضها الأول والثالث والتاسع ، إذ ليس في أيام حيضها القديم على هذا القول دم لها في هذه الثلاثة وإن لفقنا من الخمسة عشر ضممنا إلى هذه الثلاثة الخامس والسابع والحادي عشر تكميلا لقدر حيضها والله أعلم . فرع : قوله في التنبيه ( وإن رأت يوما طهرا ويوما دما ففيه قولان ) ينكر عليه في ثلاثة أشياء أحدها : تسميته طهرا مع أنه حيض في الأصح ، والثاني : تقديم الطهر في اللفظ ، فإن الإبتداء إنما هو من الدم بلا خلاف ، والثالث إهماله بيان صورة المسألة ، وهي مصورة فيمن تقطع دمها ولم يجاوز خمسة عشر ، فإن جاوز فهي مستحاضة كما سبق .

قسم V02/P476–V02/P478

قال المصنف رحمه الله تعالى : دم النفاس يحرم ما يحرمه الحيض ويسقط ما يسقطه الحيض لأنه حيض مجتمع احتبس لأجل الحمل ، فكان حكمه حكم الحيض . فإن خرج قبل الولادة شيء لم يكن نفاسا ، وإن خرج بعد الولادة كان نفاسا ، وإن خرج مع الولد ففيه وجهان أحدهما : أنه ليس بنفاس لأنه ما لم ينفصل جميع الولد فهي في حكم الحامل ، ولهذا يجوز للزوج رجعتها ، فصار كالدم الذي تراه في حال الحمل . وقال أبو إسحاق وأبو العباس بن أبي أحمد بن القاص : هو نفاس لأنه دم انفصل بخروج الولد ، فصار كالدم الخارج بعد الولادة ، وإن رأت الدم قبل الولادة خمسة أيام ثم ولدت ورأت الدم ، فإن الخارج بعد الولادة نفاس ، وأما الخارج قبله ففيه وجهان من أصحابنا من قال : هو استحاضة لأنه لا يجوز أن يتوالى حيض ونفاس من غير طهر كما لا يجوز أن يتوالى حيضتان من غير طهر ، ومنهم من قال : إذا قلنا : إن الحامل تحيض فهو حيض لأن الولد يقوم مقام الطهر في الفصل . + الشرح : في هذه القطعة مسائل : إحداها : في ألفاظها ( النفاس ) بكسر النون ، وهو عند الفقهاء الدم الخارج بعد الولد وعلى قول من يجعل الخارج معه نفاسا يقول هو الخارج مع الولد أو بعده ، وأما أهل اللغة فقالوا : النفاس الولادة ويقال في فعله : نفست المرأة بضم النون وفتحها والفاء مكسورة فيهما وهاتان اللغتان مشهورتان حكاهما ابن الإنباري والجوهري والهروي في الغريبين وآخرون أفصحهما : الضم ولم يذكر صاحب العين والمجمل غيره . وأما إذا حاضت فيقال نفست بفتح النون وكسر الفاء لا غير ، كذا قال ابن الأنباري والهروي وآخرون ويقال في الولادة : إمرأة نفساء بضم النون وفتح الفاء وبالمد ونسوة نفاس بكسر النون . قالوا : وليس في كلام العرب فعلاء يجمع على فعال إلا نفساء وعشراء للحامل جمعها عشار ، ويجمع النفساء أيضا نفساوات بضم النون ، قال صاحب المطالع : وبالفتح أيضا قال : ويجمع على نفس أيضا بضم النون والفاء قال ويقال في الواحدة نفسي مثل كبري ونفسي بفتح النون ، ويقال إمرأتان نفساوان والولد منفوس وقوله : ( لأجل الحيض ) هو بفتح الهمزة وحكى الجوهري وغيره كسرها أيضا والمشهور في اللغة تعديته بمن ، فيقال من أجل الحيض ومن أجل كذا ، قال تعالى : من أجل ذلك كتبنا المائدة : 32 . وقوله : ( للزوج رجعتها ) هي بفتح الراء وكسرها لغتان مشهورتان وسبق في أول الباب بيان اللغتين في الحامل والحاملة ، وسبق بيان حال أبي إسحاق وأبي العباس في أبواب المياه . وقوله : أبو العباس ابن أبي أحمد ابن القاص كذا وقع هنا وهو صحيح ، وقوله ابن القاص يكتب بالألف وهو مرفوع هنا صفة لأبي العباس ولا يجوز جره على أنه صفة لأبي أحمد لأنه يفسد المعنى فإن القاص هو أبو أحمد ، وعادتهم أن يصفوا أبا العباس بأحد أوصاف ثلاثة فتارة يقال : أبو العباس ابن أبي أحمد ، وتارة أبو العباس صاحب التلخيص ، أو صاحب التلخيص بلا كنية كما يفعله الغزالي وغيره ، وتاره يجمعون بين الوصفين الأولين كما فعله المصنف هنا والله أعلم . المسألة الثانية : إذا نفست المرأة فلها حكم الحائض في الأحكام كلها إلا أربعة أشياء مختلفا في بعضها . أحدها : أن النفاس لا يكون بلوغا ، فإن البلوغ يحصل بالحمل قبله والحيض قد يكون بلوغا والثاني : لا يكون النفاس استبراء الثالث : لا يحسب النفاس من عدة الإيلاء على أحد الوجهين ، إذا طرأ عليها قطعها بخلاف الحيض فإنه يحسب ولا يقطع .

قسم V02/P478–V02/P479

والرابع : لا ينقطع تتابع صوم الكفارة بالحيض ، وفي انقطاعه بالنفاس وجهان ، وما سوى هذه الأربعة يستوي فيه الحائض والنفساء ، فيحرم عليها ما حرم على الحائض كالصلاة والصوم والوطء وغيرها مما سبق ، ويسقط عنها ما يسقط عن الحائض من الصلاة وتمكين الزوج وطواف الوداع وغيرها مما سبق ، ويحرم على الزوج وطؤها وطلاقها ، ويكره عبورها في المسجد والاستمتاع بما بين سرتها وركبتها إذا لم نحرمهما ، ويلزمها الغسل وقضاء الصوم وتمنع صحة الصلاة والصوم والطواف والإعتكاف والغسل . وأما قول المصنف : ( النفاس يحرم ما يحرم الحيض ، ويسقط ما يسقطه الحيض ) فكلام صحيح ولكنه ناقص لأن باقي الأحكام التي ذكرتها لم يتعرض لها ، وكان ينبغي أن يعبر بالعبارة التي ذكرتها أولا لسهولتها ، وكأنه اقتصر على ما ذكره تنبيها به على الباقي ، ولهذا قال : ( فكان حكمه حكم الحيض ) وهذا الذي ذكرناه من أن النفساء لها حكم الحائض لا خلاف فيه ونقل ابن جرير إجماع المسلمين عليه ، ونقل المحاملي إتفاق أصحابنا على أن حكمها حكم الحائض في كل شيء ، ولا بد من استثناء ما ذكرته أولا ، والله أعلم . فرع : ذكرنا أن النفساء يسقط عنها فرض الصلاة وهذا جار في كل نفساء وحكى البغوي والمتولي وغيرهما وجها أنها لو شربت دواء ليسقط الجنين ميتا فأسقطته ميتا وجب عليها قضاء صلوات أيام النفاس لأنها عاصية ، والأصح الأشهر أنه لا يجب . وسنوضح المسألة في أول كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى . المسألة الثالثة : في حقيقة النفاس وحكم الدم قبل الولادة وبعدها ، فأما الدم الخارج بعد الولادة فنفاس بلا خلاف ، وفي الخارج مع الولد ثلاثة أوجه . الصحيح : عند جمهور المصنفين وبه قطع جمهور أصحابنا المتقدمين أنه ليس بنفاس ، بل له حكم الدم الخارج قبل الولادة وسنذكر حكمه إن شاء الله تعالى ، واحتج له الأصحاب بما ذكره المصنف ، قال الروياني : ولأنه لا خلاف أن ابتداء الستين يكون عقب إنفصال الولد فلو جعلناه نفاسا لزادت مدة النفاس على ستين يوما . والوجه الثاني : أنه نفاس وصححه ابن الصباغ . والثالث : له حكم الدم الخارج بين التوأمين . حكاه البغوي وهو شاذ ضعيف وإذا قلنا : هو نفاس فله فوائد منها وجوب الغسل إذا لم تر دما بعده وقلنا : لا يجب الغسل بخروج الولد ومنها بطلان الصوم إذا لم تر دما بعده أصلا أو ولدت مع آخر جزء من النهار وكان الدم المتعقب للولد بعد غروب الشمس ، ومنها منع وجوب الصلاة إذا كانت الولادة مستوعبة لجميع الوقت أو كانت الحامل مجنونة وأفاقت في آخر الوقت واتصلت الولادة بالجنون بحيث لو لم توجد الولادة لوجبت الصلاة والله أعلم . وأما الدم الخارج قبل الولادة فقد أطلق المصنف وجمهور الأصحاب في الطرق كلها أنه ليس بنفاس بل له حكم دم الحامل . وقال صاحب الحاوي : إن انفصل عما بعد الولادة فليس بنفاس بلا خلاف ، وإن اتصل به فوجهان أحدهما : أنه نفاس وهو قول أبي الطيب بن سلمة وقال : وأول نفاسها من حين بدأ بها الدم المتصل بالولادة . والثاني : ليس بنفاس ومراده بما قبل الولادة ما قاربها ، وقد أوضح الرافعي المسألة فقال : لو رأت الحامل الدم على عادتها واتصلت الولادة بآخره ولم يتخلل طهر أصلا فوجهان أصحهما : أنه حيض والثاني : أنه دم فساد . قال : ولا خلاف أنه ليس بنفاس لأن النفاس لا يسبق الولادة ولهذا قطع الجمهور بأن ما يبدو عند الطلق ليس بنفاس وقالوا : ابتداء النفاس من انفصال الولد .

قسم V02/P479

وحكى صاحب الإفصاح وجها أن ما يبدو عند الطلق نفاس ، لأنه من آثار الولادة ثم عند الجمهور كما لا يجعل نفاسا لا يجعل حيضا ، كذا حكاه القاضي أبو المكارم في العدة وكذا حكاه الحناطي ، وحكى معه وجها أنه حيض على قولنا : الحامل تحيض . وإذا كان الأصح في هذه الصورة أنه ليس بحيض وجب أن تستثنى هذه الصورة من قولنا : الحامل تحيض على أصح القولين ، لأنها حامل بعد في هذه الصورة قال الرافعي : فحصل في وقت إبتداء النفاس أوجه ، أحدها : يحسب من الدم البادىء عند الطلق . والثاني : من الدم الخارج مع ظهور الولد . والثالث : وهو الأصح : من وقت انفصال الولد وحكى إمام الحرمين وجها أنها لو ولدت ولم تر دما أياما ثم رأت الدم فإبتداء النفاس يحسب من خروج الولد ، لا من رؤية الدم وهذا وجه رابع ، وموضعه إذا كانت الأيام المتخللة دون أقل الطهر ، والله أعلم . السألة الرابعة : إذا رأت الحامل دما يمكن أن يكون حيضا وانقطع ، ثم ولدت قبل مضي خمسة عشر يوما من انقطاعه فوجهان أصحهما عند الأصحاب : أنه حيض إن قلنا : الحامل تحيض وإلا فهو دم فساد . والثاني : أنه دم فساد سواء قلنا : الحامل تحيض أم لا ، ودليلهما مذكور في الكتاب هكذا حكى الأصحاب هذا الخلاف وجهين ، وهو في المعنى طريقان ، أحدهما : أنه دم فساد والثاني : على القولين في دم الحامل ، ثم لا فرق في جريان هذا الخلاف ، بين أن ترى الدم في زمن عادتها أو غيره ولا فرق بين أن تتصل بالولادة أم لا على الصحيح ، كما سبق في المسألة الثالثة ، وقد تقدم في هذه المسألة زيادة في أول الباب . وأما قول المصنف : من أصحابنا من قال : هو استحاضة ، فهو تصريح بأن دم الاستحاضة يطلق على الجاري في غير أوانه وإن لم يتصل بحيض ، وقد أوضحت الخلاف فيه في أول الباب والله أعلم .

قسم V02/P479–V02/P481

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأكثر النفاس ستون يوما وقال المزني : أربعون يوما ، والدليل على ما قلناه ما روى عن الأوزاعي قال : عندنا إمرأة ترى النفاس شهرين وعن عطاء والشعبي وعبيد الله بن الحسن العنبري والحجاج بن أرطاة : أن النفاس ستون يوما وليس لأقله حد ، وقد تلد المرأة ولا ترى الدم وروى أن إمرأة ولدت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم تر نفاسا فسميت ذات الجفوف . + الشرح : هذا الحديث غريب والجفوف بضم الجيم معناه الجفاف وهما مصدران لجف الشيء يجف بكسر الجيم وبفتحها أيضا في لغية . أما حكمه فمذهبنا المشهور الذي تظاهرت عليه نصوص الشافعي رحمه الله وقطع به الأصحاب أن أكثر النفاس ستون ولا حد لأقله ومعناه لا يتقيد بساعة ولا بنصف ساعة مثلا ولا نحو ذلك بل قد يكون مجرد مجة أي دفعة كما قاله المصنف في التنبيه والأصحاب وحكى أبو عيسى الترمذي في جامعه عن الشافعي أنه قال : أكثره أربعون يوما . وهذا عجيب والمعروف في المذهب ما سبق وأما إطلاق جماعة من أصحابنا أقل النفاس ساعة ، فليس معناه الساعة التي هي جزء من اثنى عشر جزءا من النهار بل المراد مجة كما ذكره الجمهور . وانفرد صاحب الحاوي فقال : ليس للشافعي رحمه الله في كتبه نص في أقل النفاس ورى أو ثور عنه أن أقله ساعة . قال : واختلف أصحابنا هل الساعة حد لأقله أم لا على وجهين أحدهما : وهو قول أبي العباس وجميع البغداديين أنه محدود الأقل وبه قال محمد بن الحسن وأبو ثور . والثاني : وهو قول البصريين أنه لا حد لأقله ، وإنما ذكر الساعة تقليلا لا تحديدا وأقله مجة دم وبه قال مالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق . هذا كلام صاحب الحاوي . وقال صاحب الشامل : وقع في بعض نسخ المزني أقله ساعة وأشار ابن المنذر إلى أن للشافعي في ذلك قولين فإنه قال كان الشافعي يقول : إذا ولدت فهي نفساء فإذا أرادت الطهر وجب الغسل والصلاة قال : وحكى أبو ثور عن الشافعي أن أقل النفاس ساعة والصحيح المشهور ما قدمناه أن أقله مجة . وبنى صاحب الحاوي على ما ذكره من الخلاف في تحديده بساعة أنها لو ولدت ولم تر دما أصلا وقلنا : إن الولادة بلا دم توجب الغسل فهل يصح غسلها عقب الولادة أم لا بد من تأخيره ساعة فيه وجهان إن قلنا محدود لم يصح وإلا فيصح ، وهذا البناء ضعيف انبنى على ضعيف بل الصواب القطع بصحة غسلها وكيف تمنع صحته بسبب النفاس ولا دم هنا والله أعلم . قال الروياني في البحر : ولا خلاف أن اتبداء الستين يكون عقيب انفصال الولد سواء قلنا : الدم الخارج مع الولد نفاس أم لا ، ولم يذكر المصنف غالب النفاس وتركه عجب فقد ذكره هو في التنبيه والأصحاب ، ثم إنه قال بعد هذا : ترد المبتدأة إلى غالبه في أحد القولين ، وهذا يزيد التعجب من تركه ، وأنه استغنى بشهرته وفد اتفق أصحابنا على أن غالبه أربعون يوما ومأخذه العادة والوجود والله أعلم . فرع : ذكر المصنف في هذا الفصل أسماء جماعة منهم عطاء والأوزاعي ، وقد بينا حالهما في أول الباب ، وأما الشعبي فبفتح الشين وهو أبو عمرو عامر بن شراحيل بفتح الشين وقيل : عامر بن عبد الله بن شراحيل الكوفي التابعي الكبير المتفق على جلالته وإمامته وبراعته وشدة حفظه ، روينا عنه قال : أدركت خمسمائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . وروينا عنه قال : ( ما كتبت سوداء في بيضاء قط ، ولا حدثني رجل بحديث فأحببت أن يعيده على ولا حدثني رجل بحديث إلا حفظته ) وأحواله كثيرة ذكرت جملة منها في تهذيب الأسماء . ولد لست سنين خلت من خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وتوفي سنة أربع ومائة .

قسم V02/P481–V02/P483

وقيل سنة ثلاثة وقيل وقيل خمس وقيل ست ، وأما العنبري فهو عبيد الله بن الحسن ابن الحسين بن مالك العنبري القاضي البصري ، ولي قضاء البصرة بعد سوار بن عبد الله نسب إلى العنبر بن تميم جد من أجداده ، قال محمد بن سعد : كان محمودا ثقة عاقلا ، وهو من تابع التابعين . وأما الحجاج بن أرطاة فبفتح الهمزة وإسكان الراء وبالطاء المهملة ، وهو أبو أرطاة النخعي الكوفي من تابع التابعين وهو أحد المفتين بالكوفة استفتى وهو ابن ست عشرة سنة وولى قضاء البصرة رحمهم الله أجمعين . فرع : في مذاهب العلماء في أكثر النفاس وأقله ، قد ذكرنا أن مذهبنا المشهور أن أكثره ستون يوما ، وبه قال عطاء والشعبي والعنبري والحجاج بن أرطاه ومالك وأبو ثور وداود . وقال ابن المنذر : وزعم ابن القاسم أن مالكا رجع عن التحديد بستين يوما وقال يسأل النساء عن ذلك ، وذهب أكثر العلماء من الصحابة والتابعين من بعدهم إلى أن أكثره أربعون ، كذا حكاه عن الأكثرين الترمذي والخطابي وغيرهما قال الخطابي : قال أبو عبيد : على هذا جماعة الناس ، وحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب وابن عباس وأنس وعثمان بن أبي العاص وعائذ بن عمرو بالذال المعجمة وأم سلمة والثوري وأبي حنيفة وأصحابه وابن المبارك وأحمد وإسحاق وأبي عبيد رضي الله عنهم . وحكى الترمذي وابن المنذر وابن جرير وغيرهم عن الحسن البصري أنه خمسون ، وقال القاضي أبو الطيب : قال الطحاوي : قال الليث : قال بعض الناس : إنه سبعون يوما . قال ابن المنذر وذكر الأوزاعي عن أهل دمشق أن أكثر النفاس من الغلام ثلاثون يوما ومن الجارية أربعون . وعن الضحاك أكثره أربعة عشر يوما واحتج للقائلين بأربعين بحديث أم سلمة رضي الله عنها قالت : كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين يوما حديث حسن رواه أبو داود والترمذي وغيرهما . قال الخطابي : أثنى البخاري على هذا الحديث . واحتجوا بأحاديث بمعنى هذا من رواية أبي الدرداء وأنس ومعاذ وعثمان ابن أبي العاص ، وأبي هريرة رضي الله عنهم قالوا : ولأن هذا تقدير فلا يقبل إلا بتوقيف أو اتفاق ، وقد حصل الاتفاق على أربعين . واحتج أصحابنا بأن الإعتماد في هذا الباب على الوجود ، وقد ثبت الوجود في الستين بما ذكره المصنف في الكتاب عن هؤلاء الأئمة ، فتعين المصير إليه كما قلنا في أقل : الحيض والحمل وأكثرهما . قال أصحابنا ولأن غالبه أربعون فينبغي أن يكون أكثره زائدا كما في الحيض والحمل . ونقل أصحابنا عن ربيعة شيخ مالك ، وهو تابعي ، قال أدركت الناس يقولون أكثر النفاس ستون . وأما الجواب عن حديث أم سلمة فمن أوجه أحدها : أنه محمول على الغالب . والثاني : حمله على نسوة مخصوصات ، ففي رواية لأبي داود كانت المرأة من نساء النبي صلى الله عليه وسلم تقعد في النفاس أربعين ليلة الثالث : أنه لا دلالة فيه لنفي الزيادة ، وإنما فيه إثبات الأربعين ، واعتمد أكثر أصحابنا جوابا آخر وهو تضعيف الحديث ، وهذا الجواب مردود ، بل الحديث جيد كما سبق ، وإنما ذكرت هذا لئلا يغتر به . وأما الأحاديث الأخر فكلها ضعيفة ضعفها الحفاظ منهم البيهقي وبين أسباب ضعفها والله أعلم . وأما أقل النفاس فقد ذكرنا أن أقله عندنا مجة ، قال القاضي أبو الطيب : وبه قال جمهور العلماء ، وقد سبق أنه مذهب مالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق ، وعن أبي حنيفة ثلاث روايات أصحها مجة كمذهبنا ، والثانية : أحد عشر ، والثالثة : خمسة وعشرون ، ولم يذكر ابن المنذر وابن جرير والخطابي عنه غيرها .

قسم V02/P483–V02/P484

وحكى الماوردي عن الثوري أقله ثلاثة أيام ، وقال المزني : أقله أربعة أيام ، واحتج أصحابنا بأن الإعتماد على الوجود ، وقد حصل الوجود في القليل والكثير ، حتى وجد من لم تر نفاسا أصلا . قال صاحب الحاوي : وسبب اختلاف العلماء أن كلا منهم ذكر أقل ما بلغه فوجب الرجوع إلى أقل ما وجد . وأما قول المصنف : قال المزني : أكثر النفاس أربعون ، فغريب عن المزني والمشهور عنه أنه قال : أكثره ستون كما قاله الشافعي ، وإنما خالفه في أقله ، كذا نقله الفوراني والغزالي وصاحب العدة وآخرون ، فإن صح ما ذكره المصنف وذكروه كان عن المزني روايتان ، والله أعلم .

قسم V02/P484–V02/P485

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن ولدت توأمين بينهما زمان ففيه ثلاثة أوجه أحدها : يعتبر النفاس من الولد الأول لأنه دم يعقب الولادة فاعتبرت المدة منه كما لو كان وحده والثاني : يعتبر من الثاني لأنه ما دام معها حمل فالدم ليس بنفاس ، كالدم الذي تراه قبل الولادة والثالث : يعتبر ابتداء المدة من الأول ثم تستأنف المدة من الثاني ، لأن كل واحد منهما سبب للمدة ، فإذا وجدا اعتبر الابتداء من كل واحد منهما ، كما لو وطىء إمرأة بشبهة فدخلت في العدة ثم وطئها فإنها تستأنف العدة . + الشرح : يقال : زمان وزمن لغتان وقوله : ولدت توأمين ، وهو بفتح التاء وإسكان الواو وبعدها همزة مفتوحة ، ومعناه ولدان هما حمل واحد ، وشرط كونهما توأمين أن يكون بينهما دون ستة أشهر ، فإن كانت ستة أشهر فهما حملان ونفاسان بلا خلاف ، وسواء كان بينهما شهر أو شهران أو أكثر ما لم يبلغ ستة أشهر فهما توأمان وهذه الأوجه الثلاثة التي ذكرها المصنف مشهورة لمتقدمي أصحابنا ، وحكى ابن القاص في التلخيص أن بعض أصحابنا حكاها أقوالا ، والمشهور أنها أوجه أصحها عند الشيخ أبي حامد وأصحابنا العراقيين والبغوي والروياني وصاحب العدة وغيرهم من الخراسانيين أن النفاس معتبر من الولد الثاني : ، وهو مذهب محمد وزفر ، ورواية عن أحمد وداود وصحح ابن القاص وإمام الحرمين والغزالي كونه من الأول ، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأبي يوسف ، وأصح الروايتين عن أحمد ورواية عن داود ، وتوجيه الجميع مذكور في الكتاب . فإن قلنا : يعتبر من الثاني ففي حكم الدم الذي بينهما ثلاثة طرق أصحهما : وبه قطع القاضي حسين فيه القولان في دم الحامل ، أصحهما أنه حيض والثاني : دم فساد والطريق الثاني : القطع بأنه دم فساد كالذي تراه في مبادىء خروج الولد . وبهذا قطع الشيخ أبو حامد . والثالث : القطع بأنه حيض لأنه بخروج الأول انفتح باب الرحم ، فخرج الحيض بخلاف ما قبله فإنه منسد . وقال الرافعي : قال الأكثرون إن قلنا دم الحامل حيض ، فهذا أولى وإلا فقولان وأما إذا قلنا بالوجه الثالث : إن المدة تعتبر من الولد الأول ثم تستأنف فمعناه أنهما نفاسان يعتبر كل واحد منهما على حدته ، ولا يبالي بزيادة مجموعهما على ستين ، حتى لو رأت بعد الأول ستين يوما دما وبعد الثاني ستين كانا نفاسين كاملين قال إمام الحرمين : حتى لو ولدت أولادا في بطن ورأت على أثر كل واحد ستين فالجميع نفاس ولكل واحد حكم نفاس مستقل لا يتعلق حكم بعضها ببعض . وأما إذا قلنا : إن الاعتبار بالأول فمعناه أنهما نفاس واحد إتبداؤه من خروج الولد الأول فإن زاد مجموعهما على ستين يوما فهي مستحاضة ، وسيأتي حكمها إن شاء الله تعالى وإن وضعت الثاني بعد مضي ستين يوما من حين وضعت الأول . قال جماعة : كان ما رأته بعد الثاني دم فساد وليس بنفاس . وقال إمام الحرمين : قال الصيدلاني : اتفق أئمتنا في هذه الصورة أن الولد الثاني ينقطع عن الأول وتستأنف نفاسا ، فإن الذي تقدمه نفاس كامل ويستحيل أن تلد الثاني وترى الدم عقيبه ولا يكون نفاسا . قال الإمام : وسمعت شيخي يقول : الدم بعد الثاني دم فساد في هذه الصورة وهذا ولد تقدمه النفاس . قال الإمام : ويلزم على قياس هذا أن يقال : إذا ولدت ورأت ستين يوما دما ثم تمادى اجتنان الولد الثاني أشهرا ثم ولدته ورأت دما أنه دم فساد ، وهذا بعيد جدا ، وبهذا يتبين أن كل ولد يستعقب نفاسا . هذا آخر كلام الإمام . فرع : إذا أسقطت عضوا من الجنين وبقي الباقي مجتنا ورأت بعد العضو دما قال المتولي : هل يكون نفاسا فيه الوجهان في الدم بين التوأمين ، والله أعلم .

قسم V02/P485–V02/P486

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن رأت دم النفاس ساعة ثم طهرت خمسة عشر يوما ثم رأت الدم يوما وليلة ففيه وجهان أحدهما : أن الأول نفاس والثاني حيض وما بينهما طهر والوجه الثاني : أن الجميع نفاس وجد في مدة النفاس وفيما بينهما القولان في التلفيق . + الشرح : قال أصحابنا : إذا انقطع دم النفساء فتارة يتجاوز التقطع ستين يوما وتارة لا يتجاوزها : فإن لم يتجاوزها نظر فإن لم يبلغ مدة النقاء بين الدمين أقل الطهر ، وهو خمسة عشر يوما ، فأوقات الدم نفاس ، وفي النقاء المتخلل قولا التلفيق أصحهما : أنه نفاس ، والثاني : أنه دم فساد . مثل هذا : أن ترى ساعة دما وساعة نقاء ، أو يوما أو يومين ، أو خمسة أو عشرة أو أربعة عشر وأربعة ونحوهما من التقديرات ، أما إذا بلغت مدة النقاء أقل الطهر بأن رأت الدم ساعة أو يوما أو أياما عقب الولادة ، ثم رأت النقاء خمسة عشر يوما فصاعدا ثم رأت الدم يوما وليلة فصاعدا ففي الدم العائد الوجهان اللذان ذكرهما المصنف وهما مشهوران . قال الشيخ أبو حامد والأصحاب : أصحهما أن الأول نفاس والعائد حيض وما بينهما طهر ، لأنهما دمان تخللهما طهر كامل فلا يضم أحدهما إلى الآخر كدمي الحيض ، وهذا الوجه قول أبي إسحاق المروزي ، وهو مذهب أبي يوسف ومحمد وأبي ثور . والثاني : وهو قول أبي العباس بن سريج أن الدمين نفاس لوقوعه في زمن الإمكان كما لو تخلل بينهما دون خمسة عشر ، وفي النقاء المتخلل القولان أحدهما : أنه طهر ، والثاني : أنه نفاس ، هذا هو المشهور وبه قطع الجمهور . وحكى إمام الحرمين والغزالي وجها أن النقاء المتخلل طهر على القولين ، وأن هذه الصورة تستثنى على قول السحب ، إذ يبعد أن تجعل المدة الكاملة في الطهر نفاسا ، بخلاف ما إذا كانت المدة ناقصة فإنها لا تصلح طهرا وحدها ، فتبعت الدم . أما إذا كان الدم العائد بعد خمسة عشر النقاء دون يوم وليلة ، فإن قلنا في الصورة الأولى إنه نفاس فهنا أولى ، وإن قلنا هناك إنه حيض فهنا وجهان أصحهما أنه دم فساد لأن الطهر الكامل قطع حكم النفاس وبهذا قطع الجرجاني وهو مذهب زفر ومحمد . الثاني : أنه نفاس لأنه تعذر جعله حيضا وأمكن جعله نفاسا . وهذا مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف . أما إذا كان الدم العائد أكثر من خمسة عشر فإن قلنا في الصورة الأولى : إن العائد نفاس فكذا هنا ، وإن قلنا أنه حيض فهي مستحاضة في الحيض قد اختلط حيضها بالاستحاضة ، فينظر أمبتدأة هي أم معتادة أم مميزة وقد سبق بيانها . أما إذا ولدت ولم تر دما أصلا حتى مضى خمسة عشر يوما فصاعدا ثم رأت الدم فهل هو حيض أم نفاس فيه الوجهان . أصحهما أنه حيض . ذكره إمام الحرمين والغزالي وغيرهما ، فإن قلنا : إنه حيض فلا نفاس لهذه المدة أصلا . أما إذا ولدت ولم تر دما أصلا ثم رأته قبل خمسة عشر يوما من الولادة ، فهل يكون إبتداء النفاس من رؤية الدم أم من وقت الولادة فيه وجهان حكاهما إمام الحرمين أصحهما من رؤية الدم . وقد سبق بيان هذا في أول فصل النفاس والله أعلم .

قسم V02/P486

هذا كله إذا تقطع دمها ولا يجاوز ستين يوما ، فإن جاوزها نظر إن بلغ زمن النقاء في الستين خمسة عشر يوما ثم جاوز العائد فالعائد حيض بلا خلاف والنقاء قبله طهر ، وإن لم يبلغ النقاء خمسة عشر فهي مستحاضة ، فإن كانت مميزة ردت إلى التمييز وإن كانت مبتدأة فهل ترد إلى أقل النفاس أم غالبه فيه خلاف ، وإن كانت معتادة ردت إلى العادة ، وفي الأحوال كلها يراعي التلفيق ، فإن سحبنا فالدماء في أيام المرد مع النقاء المتخلل نفاس ، وإن لفقنا فلا يخفى حكمه ، وهل يلفق من العادة أم من مدة الإمكان وهي الستون فيه الوجهان السابقان في فصل التلفيق . فرع : قال المحاملي وغيره : إن أبا العباس بن سريج فرع على هذه المسألة فقال : إذا قال لإمرأته الحامل : إذا وضعت فأنت طالق ، طلقت بالوضع ، وكم القدر الذي يقبل قولها فيه إذا ادعت انقضاء العدة ، يبنى على الوجهين السابقين في الدم العائد بعد الطهر الكامل في الستين ، فإن جعلناه حيضا فأقل ما يمكن إنقضاء العدة فيه سبعة وأربعون يوما ولحظتان ، لأنه يمكن أن تضع قبل المغرب بلحظة وترى الدم في اللحظة ثم تطهر خمسة عشر ثم تحيض يوما وليلة ثم تطهر خمسة عشر ثم تحيض يوما وليلة ثم تطهر خمسة عشر ثم ترى الدم لحظة وقد انقضت عدتها ، قال المحاملي وغيره : وبنى ابن سريج هذا على ما إذا رأت النفاس ، قال لم تره أصلا انقضت عدتها بسبعة وأربعين يوما ولحظة واحدة هذا إذا قلنا الدم العائد حيض ، فإن قلنا هو نفاس فأقل مدة تنقضي فيها عدتها اثنان وتسعون يوما ولحظة ، لأن الستين لا يحصل فيها دم يحسب حيضا ، فلا يتصور فيها إلا طهر واحد ، ثم تحيض بعد الستين يوما وليلة ثم تطهر خمسة عشر ثم تحيض يوما وليلة ثم تطهر خمسة عشر ثم ترى الدم لحظة ، والله أعلم .

قسم V02/P486–V02/P488

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن نفست المرأة وعبر الدم الستين فحكمها حكم الحيض إذا عبر الخمسة عشر في الرد في التمييز والعادة والأقل والغالب لأنه بمنزلة الحيض في أحكامه فكذلك في الرد عند الإشكال . + الشرح : إذا عبر دم النفساء الستين ففيه طريقان ، أصحهما أنه كالحيض إذا عبر الخمسة عشر في الرد إلى التمييز إن كانت مميزة أو العادة إن كانت معتادة غير مميزة أو الأقل أو الغالب إن كانت مبتدأة غير مميزة ، ووجهه ما ذكره المصنف ، وبهذا الطريق قطع المصنف وشيخه القاضي أبو الطيب وإمام الحرمين والغزالي والأكثرون ، والطريق الثاني حكاه المحاملي وابن الصباغ والمتولي والبغوي والشيخ نصر وآخرون من العراقين والخراسانيين : أن في المسألة ثلاثة أوجه ، أصحها باتفاقهم أنه كالطريق الأول . والثاني : أن الستين كلها نفاس وما زاد عليه استحاضة ، وبه قطع ابن القاص في المفتاح واختاره المزني حكاه أصحابنا عنه ، قال الماوردي : قاله المزني في جامعه الكبير وفرقوا بينه وبين الحيض بأن الحيض محكوم به من حيث الظاهر وليس مقطوعا به فجاز أن ينتقل عنه إلى ظاهر آخر ، والنفاس مقطوع به فلا ينتقل عنه إلى غيره إلا بيقين وهو مجاوزة الأكثر . قال الرافعي : وهذا القائل يجعل الزائد استحاضة إلى تمام طهرها المعتاد إن كانت معتادة أو المردودة إليه إن كانت مبتدأة ثم ما بعده حيض على الاتصال به ، لأنهما دمان مختلفان ، فجاز أن يتصل أحدهما بالآخر ، وبهذا الوجه قال أبو الحسن بن المرزباني قال صاحب التتمة و العدة وغيرهما : فعلى هذا إن زاد الدم بعد الستين حكمنا بأنها مستحاضة في الحيض . قال أصحابنا : وهذا الوجه ضعيف جدا ، وهو أضعف من الذي قبله ، قال أصحابنا وأصل هذين الوجهين أنه هل يصح أن يتصل دم الحيض بدم النفاس أم لا بد من طهر فاصل بينهما وفيه وجهان مشهوران . قال صاحب الحاوي وغيره : حكاهما أبو إسحاق المروزي في كتابه المصنف في الحيض ، وقال صاحب الشامل وغيره : وهما مبنيان على الوجهين فيما لو رأت الحامل خمسة أيام دما ثم ولدت قبل مجاوزة خمسة عشر ، وقلنا الحامل تحيض ، فهل تكون الخمسة عشر حيضا أم لا وقد سبق بيانه ، فأحد الوجهين في المسألتين من يقول لا يتصل الحيض بالنفاس كما لا يتصل حيض بحيض ، والثاني : يتصل لاختلافهما . ثم إن هؤلاء الجماعة الذي حكوا الأوجه الثلاثة أطلقوها وخصص الشيخ أبو حامد وآخرون الأوجه بغير المميزة ، وقطعوا بأن المميزة ترد إلى التمييز . أما إذا قلنا بالمذهب ، وهو أنها كالحائض إذا عبر دمها خمسة عشر ، فقال أصحابنا : إن كانت معتادة غير مميزة وذكرت عادتها فقال : كنت أنفس أربعين يوما مثلا ردت إلى عادتها وكان نفاسها أربعين ، وهل يشترط تكرر العادة فيه الخلاف السابق في الحيض ، والأصح أنه لا يشترط بل تصير معتادة بمرة واحدة فإذا ردت إلى العدة في النفاس فلها في الحيض حالتان : إحداهما : أن تكون معتادة في الحيض أيضا فيحكم لها بالطهر بعد الأربعين على قدر عادتها في الطهر ، ثم تحيض على قدر عادتها في الحيض ثم تستمر كذلك . الحالة الثانية : أن تكون مبتدأة في الحيض فيجعل لها بعد الأربعين دور المبتدأة في الطهر والحيض ، وقد سبق بيان الخلاف في قدر دور المبتدأة ويكون الطهر متصلا بالأربعين والحيض بعده فلو كانت قد ولدت مرارا وهي ذات جفاف ثم ولدت مرة ونفست وجاوز دمها الستين .

قسم V02/P488–V02/P489

قال أصحابنا : لا نقول عدم النفاس عادة لها بل هي مبتدأة في النفاس كالتي لم تلد قط ، أما المبتدأة في النفاس غير المميزة إذا جاوز دمها الستين وهي غير مميزة ففيها القولان السابقان في الحيض ، أصحهما : الرد إلى أقل النفاس ، وهو لحظة لطيفة نحو مجة والثاني : الرد إلى غالبه وهو أربعون يوما هكذا قاله الجمهور ، وزاد صاحب العدة قولا ثالثا وهو أنها ترد إلى أكثر النفاس وهو ستون يوما ، وهذا غريب عن الشافعي ، وإنما نقله الأصحاب عن المزني مذهبا للمزني وحكاه الشيخ أبو حامد وغيره وجها لبعض أصحابنا ، وحكى المحاملي في المجموع وغيره من أصحابنا طريقا آخر عن ابن سريج وأبي إسحاق وهي الرد إلى الأقل قولا واحدا فحصل ثلاثة طرق ، والصحيح المشهور ما سبق من القولين ، فإذا علم حالها في مردها في النفاس فلها في الحيض حالتان إحداهما أن تكون معتادة فيجعل لها بعد مرد النفاس قدر عادتها في الطهر طهرا ثم بعده قدر عادتها في الحيض حيضا ثم تستمر كذلك . الحالة الثالثة : أن تكون مبتدأة في الحيض أيضا فقدر مردها في الطهر والحيض كالمعتادة ، أما المبتدأة المميزة فترد إلى التمييز بشرط ألا يزيد القوي على أكثر النفاس ، وأما المعتادة المميزة فهل يقدم تمييزها أم العادة فيه الخلاف السابق في مثله في الحيض ، والأصح تقديم التمييز . وأما المعتادة الناسية لعادتها في النفاس ففيها الخلاف في المتحيرة في الحيض ففي قول هي كالمبتدأة فترد إلى اللحظة في قول ، وإلى أربعين يوما في قول ، وعلى المذهب تؤمر بالإحتياط ، رجح إمام الحرمين هنا الرد إلى مرد المبتدأة ، لأن أول النفاس معلوم ، وتعيين أول الهلال للحيض تحكم لا أصل له . قال الرافعي : إذا قلنا بالإحتياط فإن كانت مبتدأة في الحيض وجب الاحتياط أبدا لأن أول حيضها مجهول ، وقد سبق أن المبتدأة إذا جهلت إبتداء دمها كانت كالمتحيرة ، وإن كانت معتادة في الحيض ناسية لعادتها استمرت أيضا على الإحتياط أبدا ، وإن كانت ذاكرة لعادة الحيض فقد التبس عليها الدور لالبتاس آخر النفاس ، فهي كمن نسيت وقت الحيض دون قدره ، وقد سبق بيانها والله أعلم . فرع : قال الفوراني والبغوي وصاحب العدة وغيرهم : الصفرة والكدرة في زمن النفاس حكمهما حكمهما في زمن الحيض ، فإذا اتصلت صفرة أو كدرة بالولادة ولم تجاوز الستين فإن وافق عادتها فنفاس وإلا ففيه الخلاف كما في الحيض . والأصح أنه نفاس ، وقال صاحب الحاوي : هو نفاس بلا خلاف لأن الولادة شاهدة للنفاس فلم يشترط شاهد في الدم بخلاف الحيض قال : وسواء المبتدأة وغيرها والله أعلم .

قسم V02/P489–V02/P490

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن كانت عادتها إن تحيض خمسة أيام وتطهر خمسة عشر ، فإن شهرها عشرون يوما ، فإن ولدت في وقت حيضها ، ورأت عشرين يوما الدم ثم طهرت خمسة عشر يوما ، ثم رأت الدم بعد ذلك واتصل وعبر الخمسة عشر كان حيضها وطهرها على عادتها فتكون نفساء في مدة العشرين وطاهرا في مدة الخمسة عشر وحائضا في خمسة أيام بعدها ، وإن كانت عادتها أن تحيض عشرة أيام ، وتطهر عشرين فإن شهرها ثلاثون يوما فإن ولدت في وقت حيضها ورأت عشرين يوما دما وانقطع وطهرت شهرين ثم رأت الدم بعد ذلك وعبر الخمسة عشر فإن حيضها لم يتغير ، بل هي في الحيض على عادتها ، ولكن زاد طهرها فصار شهرين بعد ما كان عشرين يوما فتكون نفساء في العشرين الأولة وطاهرا في الشهرين بعدها وحائضا في العشرة التي بعدها . + الشرح : هاتان المسألتان مشهورتان في كتب العراقيين ، ونقلوهما عن أبي إسحاق ، كما ذكرهما المصنف بحروفهما ، قال : وهما مفرعتان على ثبوت العادة بمرة وهو المذهب . فرع : قال أصحابنا : لا يشترط في ثبوت حكم النفاس أن يكون الولد كامل الخلقة ولا حيا ، بل لو وضعت ميتا أو لحما تصور فيه صورة آدمي أو لم يتصور وقال القوابل إنه لحم آدمي ثبت حكم النفاس هكذا صرح به المتولي وآخرون ، وقال الماوردي : ضابطه أن تضع ما تنقضي به العدة وتصير به أم ولد . فرع : إذا انقطع دم النفساء واغتسلت جاز وطؤها ، كما تجوز الصلاة وغيرها ولا كراهة في وطئها ، هذا مذهبنا وبه قال الجمهور ، قال العبدري : هو قول أكثر الفقهاء قال : وقال أحمد : يكره وطؤها في ذلك الطهر ولا يحرم ، وحكى صاحب البيان عن علي بن أبي طالب وابن عباس وأحمد رضي الله عنهم أنه يكره وطؤها إذا انقطع دمها لدون أربعين . دليلنا أن لها حكم الطاهرات في كل شيء ، فكذا في الوطء وليس لهم دليل يعتمد ، وإنما احتج لهم بحديث ضعيف غريب وليس فيه دلالة لو صح ثم لا فرق عندنا بين أن ينقطع الدم عقب الولادة أو بعد أيام فللزوج الوطء قال صاحبا الشامل و البحر : إذا انقطع عقيب الولادة فعليها أن تغتسل ويباح الوطء عقيب الغسل ، قال : فإن خافت عود الدم استحب التوقف عن الوطء احتياطا والله أعلم .

قسم V02/P490–V02/P491

قال المصنف رحمه الله تعالى : يجب على المستحاضة أن تغسل الدم وتعصب الفرج وتستوثق بالشد وبالتلجم ، لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لحمنة بينت جحش رضي الله عنها : أنعت لك الكرسف ، فقال : أنه أكثر من ذلك ، فقال : تلجمي فإن استوثقت ثم خرج الدم من غير تفريط في الشد لم تبطل صلاتها ، لما روت عائشة رضي الله عنها أن فاطمة بنت أبي جيش رضي الله عنها استحيضت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة وتصلي حتى يجىء ذلك الوقت ، وإن قطر الدم على الحصير . + الشرح : حديث حمنة صحيح رواه أبو داود والترمذي وغيرهما بهذا اللفظ إلا قوله : ( تلجمي ) فإنه في الترمذي خاصة . وفي رواية أبي داود بدله فاتخذي ثوبا وهو بمعنى تلجمي . ثم هذا بعض حديث طويل مشهور . قال الترمذي : هو حديث حسن صحيح ، قال : وسألت محمدا ، يعني البخاري عنه فقال : حديث حسن . قال : وكذا قال أحمد بن حنبل : هو حديث حسن صحيح ، والكرسف بضم الكاف والسين القطن ، وأنعت أصف . وأما حديث بنت أبي حبيش فرواه أبو داود والدارقطني والبيهقي ، وليس في روايتهم : حتى يجىء ذلك الوقت ولا في رواية أبي داود : إن قطر الدم على الحصير وهو حديث ضعيف باتفاق الحفاظ ، ضعفه أبو داود في سننه وبين ضعفه وبين البيهقي ضعفه ، ونقل تضعيفه عن سفيان الثوري ويحيى بن سعيد القطان وعلي بن المديني ويحيى بن معين ، وهؤلاء حفاظ المسلمين ، ورواه أبو داود والبيهقي من طرق أخرى كلها ضعيفة . وإذا ثبت ضعف الحديث تعين الإحتجاج بما سأذكره إن شاء الله تعالى ، وقد سبق في أول الباب بيان حديث حمنة بنت أبي حبيش . أما حكم المسألة : فقال أصحابنا : إذا أرادت المستحاضة الصلاة ونعني بالمستحاضة التي يجري دمها مستمرا في غير أوانه لزمها الإحتياط في طهارتي الحدث والنجس ، فتغسل فرجها قبل الوضوء أو التيمم إن كانت تتيمم ، وتحشوه بقطنة وخرقة دفعا للنجاسة وتقليلا لها ، فإن كان دمها قليلا يندفع بذلك وحده فلا شيء عليها غيره . وإن لم يندفع بذلك وحده شدت مع ذلك على فرجها وتلجمت ، وهو أن تشد على وسطها خرقة أو خيطا أو نحو ذلك على صورة التكة ، وتأخذ خرقة أخرى مشقوقة الطرفين فتدخلها بين فخذيها وأليتها ، وتشد الطرفين في الخرقة التي في وسطها أحدهما قدامها عند سرتها والآخر خلفها ، وتحكم ذلك الشد وتلصق هذه الخرفة المشدودة بين الفخذين بالقطنة التي على الفرج الصاقا جيدا ، وهذا الفعل يسمى تلجما واستثفارا لمشابهته لجام الدابة . وثفرها بفتح الثاء المثلثة والفاء ، وسماه الشافعي رحمه الله التعصيب . قال أصحابنا : وهذا الذي ذكرناه من الحشو والشد والتلجم واجب . قال الرافعي إلا في موضعين : أحدهما : أن تتأذى بالشد ويحرقها إجتماع الدم فلا يلزمها لما فيه من الضرر . الثاني : أن تكون صائمة فتترك الحشو نهارا وتقتصر على الشد والتلجم . قالوا : ويجب تقديم الشد والتلجم على الوضوء وتتوضأ عقب الشد من غير إمهال ، فإن شدت وتلجمت وأخرت الوضوء وطال الزمان ثم توضأت ففي صحة وضوئها وجهان حكاهما صاحب الحاوي قال : وهما الوجهان فيمن تيمم وعلى بدنه نجاسة . قال أصحابنا : فإذا استوثقت بالشد على الصفة المذكور ثم خرج دمها بلا تفريط لم تبطل طهارتها ولا صلاتها ، ولها أن تصلي بعد فرضها ما شاءت من النوافل لعدم تفريطها ولتعذر الإحتراز عن ذلك . وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للمستحاضة : إذا أقبلت الحيضة فدعى الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي فهذا مع حديث حمنة دليل لجميع ما ذكرناه وينضم إليه المعنى الذي قدمناه .

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) · 34 · Qur'an & Sunnah