Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

قسم V03/P119

وقال إمام الحرمين : يشترط إسماع من عنده ، والمذهب الأول ونقله الشيخ أبو حامد في تعليقه عن أصحابنا ، وهل يستحب له رفع الصوت فيه خلاف وتفصيل سبق بيانه في فرع في أوائل الباب ، ومن يقول : لا يرفع المنفرد يحمل الأحاديث الصحيحة في فضل رفع الصوت على الأذان للجماعة والله أعلم .

قسم V03/P119–V03/P121

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجب أن يرتب الأذان لأنه إذا نكسه لا يعلم السامع أن ذلك أذان ، والمستحب أن لا يتكلم في أذانه فإن تكلم لم يبطل أذانه لأنه إذا لم تبطل الخطبة بالكلام فلأن لا يبطل الأذان أولى ، وإن أغمي عليه وهو في الأذان لم يجز لغيره أن يبني عليه لأن الأذان من اثنين لا يحصل به المقصود ، لأن السامع يظنه على وجه اللهو واللعب فإن أفاق في الحال وبنى عليه جاز لأن المقصود يحصل ، وإن ارتد في الأذان ثم رجع إلى الإسلام في الحال ففيه وجهان أحدهما : لا يجوز أن يبني عليه لأن ما فعله قد بطل بالردة والمذهب أنه يجوز لأن الردة إنما تبطل إذا اتصل بها الموت ، وههنا رجع قبل الموت فلم يبطل . + الشرح : اتفقوا على اشتراط الترتيب في الأذان لما ذكره فإن نكسه فما وقع في موضعه صحيح فله أن يبني عليه بأن أتى بالنصف الثاني من الأذان ثم بالنصف الأول ، فالنصف الثاني باطل ، والأول صحيح لوقوعه في موضعه فله أن يبني عليه ، فيأتي بالنصف الثاني ، ولو استأنف الأذان كان أولى ليقع متواليا ولو ترك بعض كلماته أتى بالمتروك وما بعده ، ولو إستأنف كان أولى ، وأما الكلام في الأذان فقال أصحابنا : الموالاة بين كلمات الأذان مأمور بها فإن سكت يسيرا لم يبطل أذانه بلا خلاف ، بل يبني ، وإن تكلم في أثنائه فمكروه بلا خلاف ، قال أصحابنا : فإن عطس حمد الله في نفسه وبنى ، وإن سلم عليه إنسان أو عطس لم يجبه ولم يشمته حتى يفرغ ، فإن أجابه أو شمته أو تكلم بغير ذلك لمصلحة لم يكره وكان تاركا للفضل . ولو رأى أعمى يخاف وقوعه في بئر أو حية تدب إلى غافل ، أو نحو ذلك وجب إنذاره ويبني على أذانه ، وإذا تكلم فيه لمصلحة أو لغير مصلحة لم يبطل أذانه إن كان يسيرا لأنه ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم في الخطبة ، فالأذان أولى أن لا يبطل فإنه يصح مع الحدث وكشف العورة وقاعدا وغير ذلك من وجوه التخفيف وهذا الذي ذكرناه من أنه لا يبطل أذانه باليسير هو المذهب وبه قطع الأصحاب إلا الشيخ أبا محمد فتردد فيه إذا رفع به الصوت والصحيح قول الأصحاب ، وإن طال الكلام أو سكت سكوتا طويلا أو نام أو أغمي عليه في الأذان ثم أفاق ففي بطلان أذانه طريقان أحدهما : لا يبطل قولا واحدا ، وبه قطع العراقيون وهو نص الشافعي رحمه الله في الأم والثاني : في بطلانه قولان ، وهو طريقة الخراسانيين قالوا : والنوم والإغماء أولى بالإبطال من الكلام ، والكلام أولى بالإبطال من السكوت ، قال الرافعي : الأشبه وجوب الاستئناف عند طول الفصل ، وحمل النص على الفصل اليسير . قال أصحابنا : والجنون هنا كالإغماء ، ممن صرح به القاضي أبو الطيب والماوردي و المحاملي والمتولي وغيرهم ثم في الإغماء والنوم إذا لم نوجب الإستئناف لقلة الفصل ، أو مع طوله على قولنا : لا يبطل الطويل : يستحب الاستئناف ، نص عليه في الأم ، واتفق الأصحاب عليه ، وكذا يستحب في السكوت والكلام الكثيرين إذا لم نوجبه ، فإن كان الكلام يسيرا لم يستحب الاستئناف على أصح الوجهين ، وبه قطع الأكثرون كما لا يستحب الإستئناف عند السكوت اليسير بلا خلاف . والوجه الثاني : يستحب ورجحه صاحب الشامل والتتمة لأنه مستغن عن الكلام بخلاف السكوت ، ثم إذا قلنا يبني مع الفصل الطويل فالمراد ما لم يفحش الطول بحيث لا يعد مع الأول أذانا ، وحيث قلنا لا يبطل بالفصل المتخلل فله أن يبني عليه بنفسه ولا يجوز لغيره على المذهب ، وهو المنصوص في الأم ، وبه قطع العراقيون لأنه لا يحصل به إعلام .

قسم V03/P121

وقال الخراسانيون : إن قلنا لا يجوز الإستخلاف في الصلاة فهنا أولى ، وإلا فقولان ، وأما إذا تكلم في الإقامة كلاما يسيرا فلا يضر ، هذا مذهبنا ، وبه قال الجمهور ، وحكى صاحب البيان عن الزهري أنه قال : تبطل إقامته دليلنا أنه إذا لم تبطل الخطبة وهي شرط لصحة الصلاة فالإقامة أولى . قال الشافعي في الأم : ما كرهت له من الكلام في الأذان كنت له في الإقامة أكره قال : فإن تكلم في الأذان والإقامة أو سكت فيهما سكوتا طويلا أحببت أن يستأنف ولم أوجبه . أما إذا ارتد بعد فراغ أذانه والعياذ بالله فلا يبطل أذانه لكن المستحب أن لا يعتد به ويؤذن غيره نص عليه في الأم ، واتفق الأصحاب عليه لأن ردته تورث شبهة فيه في حال الأذان فإن أسلم وأقام صح ، وإن ارتد في أثناء الأذان لم يصح بناؤه في حال الردة ، فإن أسلم وبنى فالمذهب أنه لم يطل الفصل جاز البناء وإلا فقولان الصحيح منعه وقيل في جوازه قولان مطلقا ، وقال البندنيجي وغيره : وجهان أصحهما الجواز ، وإذا جوزنا له البناء ففي جوازه لغيره الخلاف السابق ، والمذهب أنه لا يجوز ، كذا الحكم لو مات في خلال الأذان فالمذهب أنه يجوز البناء ، وبه قطع صاحب الحاوي والدارمي والله أعلم . فرع : قد ذكرنا أن مذهبنا الأذان لا يبطل بالكلام ، وبه قال جماهير العلماء ، قال الشيخ أبو حامد : وحكي عن الزهري أنه أبطله بالكلام قال : وهو ضعيف عنه ودليلنا القياس على الخطبة كما ذكره المصنف .

قسم V03/P121–V03/P123

قال المصنف رحمه الله تعالى : والمستحب لمن سمع المؤذن أن يقول مثل ما يقول إلا في الحيعلتين فإنه يقول : لا حول ولا قوة إلا بالله لما روي عن عمر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال المؤذن : الله أكبر الله أكبر ، فقال أحدكم : الله أكبر الله أكبر ثم قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، فقال : أشهد أن لا إله إلا الله ، ثم قال : اشهد أن محمدا رسول الله ، فقال : أشهد أن محمدا رسول الله ، ثم قال : حي على الصلاة ، فقال : لا حول ولا قوة إلا بالله ، ثم قال : حي على الفلاح ، فقال : لا حول ولا قوة إلا بالله ، ثم قال : الله أكبر الله أكبر ، فقال الله أكبر الله أكبر ، ثم قال : لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة . فإن سمع ذلك وهو في الصلاة لم يأت بها في الصلاة فإذا فرغ أتي بها ، فإن كان في قراءة أتي بها ، ثم رجع إلى القراءة لأنها تفوت ، والقراءة لا تفوت ، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ، ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ثم يسأل الله تعالى الوسيلة فيقول : اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت ( سيدنا ) محمدا الوسيلة والفضيلة وأبعثه مقاما محمودا الذي وعدته ، لما روى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من قال حين يسمع النداء ذلك حلت له شفاعتي يوم القيامة وإن كان الأذان للمغرب قال اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعاتك اغفر لي لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أم سلمة رضي الله عنها أن تقول ذلك ، ويدعو الله تعالى بين الأذان والإقامة لما روى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة . + الشرح : حديثا عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم رواهما مسلم باللفظ الذي ذكره ، وحديث جابر رواه البخاري بلفظه هذا . وحديث أم سلمة رواه أبو داود والترمذي ، وفي إسناده مجهول ، وحديث أنس رواه أبو داود والترمذي ، وقال حديث حسن . وفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من قال حين يسمع المؤذن : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ، رضيت بالله ربا وبمحمد رسولا وبالإسلام دينا غفر له ذنبه وقوله الوسيلة هي منزلة في الجنة ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ، ثم صلوا علي ، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله ، وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة .

قسم V03/P123–V03/P124

وقوله : الدعوة التامة هي بفتح الدال وهي دعوة الأذان سميت دعوة تامة لكمالها وعظم موقعها وسلامتها من نقص يتطرق إلى غيرها ، وقوله الصلاة القائمة أي التي ستقوم أي تقام وتحضر ، قوله مقاما محمودا هكذا هو في المهذب مقاما محمودا بالتنكير ، وكذا هو في صحيح البخاري وجميع كتب الحديث ، وهو صحيح ويكون قوله : الذي وعدته بدلا منه ، أو منصوبا بفعل محذوف تقديره أعني الذي وعدته ، أو مرفوعا خبر مبتدأ محذوف ، أي هو الذي وعدته . وأما ما وقع في التنبيه وكثير من كتب الفقه المقام المحمود فليس بصحيح في الرواية وإنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم التأدب مع القرآن ، وحكاية لفظه في قول الله عز وجل : عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا فينبغي أن يحافظ على هذا وقوله صلى الله عليه وسلم حلت له شفاعتي أي غشيته ونالته ونزلت به وقيل حقت له . أما أحكام الفصل : فقال أصحابنا يستحب للمؤذن أن يقول بعد فراغ أذانه هذه الأذكار المذكورة من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وسؤال الوسيلة والدعاء بين الأذان والإقامة ، والدعاء عند أذان المغرب ، ويستحب لسامعه أن يتابعه في ألفاظ الأذان ويقول عند الحيعلتين لا حول ولا قوة إلا بالله فإذا فرغ من متابعته استحب له أيضا أن يقول هذه الأذكار المذكورة كلها ، ويقول إذا سمع قول المؤذن الصلاة خير من النوم صدقت وبررت هذا هو المشهور . وحكى الرافعي وجها أنه يقول : صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة خير من النوم . ويستحب أن يتابعه في ألفاظ الإقامة ، إلا أنه يقول في كلمة الإقامة أقامها الله وأدامها . هكذا قطع به الأصحاب ، إلا الغزالي فحكى في البسيط عن صاحب التقريب وجها أنه لا يستحب متابعته إلا في كلمة الإقامة . وهذا شاذ ضعيف . قال أصحابنا : ويستحب أن يتابع المؤذن في كل كلمة عقب فراغ المؤذن منها ولا يقارنه ولا يؤخر عن فراغه من الكلمة ، ويدل عليه حديث عمر رضي الله عنه ، ويقول : لا حول ولا قوة إلا بالله أربع مرات في الأذان ، ومرتين في الإقامة فيقولها عقب كل مرة من قول المؤذن حي على الصلاة ، حي على الفلاح ويقول في التثويب صدقت وبررت مرتين ، ذكره الروياني في الحلية وغيره . وتستحب الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفراغ ، ثم سؤال الوسيلة بعدها للمؤذن والسامع ، وكذا الدعاء بين الأذان والإقامة يستحب لهما ولغيرهما . قال أصحابنا : وإنما استحب للمتابع أن يقول مثل المؤذن في غير الحيعلتين ليدل على رضاه به وموافقته في ذلك ، وأما الحيعلة فدعاء إلى الصلاة ، وهذا لا يليق بغير المؤذن فاستحب للمتابع ذكر آخر ، فكان لا حول ولا قوة إلا بالله لأنه تفويض محض إلى الله تعالى . وثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة . قال أصحابنا : ويستحب متابعته لكل سامع من طاهر ومحدث وجنب وحائض وكبير وصغير لأنه ذكر . وكل هؤلاء من أهل الذكر ، ويستثنى من هذا المصلي ومن هو على الخلاء والجماع ، فإذا فرغ من الخلاء والجماع تابعه ، صرح به صاحب الحاوي وغيره ، فإذا سمعه وهو في قراءة أو ذكر أو درس علم أو نحو ذلك قطعه وتابع المؤذن ، ثم عاد إلى ما كان عليه إن شاء ، وإن كان في صلاة فرض أو نقل قال الشافعي والأصحاب : لا يتابعه في الصلاة فإذا فرغ منها قاله . وحكى الخراسانيون في استحباب متابعته في حال الصلاة قولا . وهو شاذ ضعيف ، فإذا قلنا بالمذهب إنه لا يتابعه فتابعه فقولان ، أصحهما : يكره ، والثاني : أنه خلاف الأولى .

قسم V03/P124–V03/P126

وقيل إنه مباح لا يستحب فعله ولا تركه ولا يكره ، وهذا اختيار الشيخ أبي على السنجي وإمام الحرمين ، والمذهب كراهته . فإذا تابعه في ألفاظ الأذكار وقال في الحيعلتين : لا حول ولا قوة إلا بالله لم تبطل صلاته لأنها أذكار والصلاة لا يبطلها الأذكار . وإن قال في الحيعلة حي على الصلاة حي على الفلاح ، فهذا كلام آدمي ، فإن كان عالما بأنه في الصلاة وأن هذا كلام آدمي بطلت صلاته ، وإن كان ناسيا للصلاة لم تبطل ، وإن كان عالما بالصلاة جاهلا بأن ذلك كلام آدمي وأنه ممنوع منه ، ففي بطلان صلاته وجهان حكاهما القاضي حسين في تعليقه وغيره ، أصحهما لا تبطل ، وبه قطع الأكثرون ، منهم الشيخ أبو حامد وصاحب الحاوي والمحاملي وصاحب الشامل والإبانة والمتولي وصاحب العدة . قالوا ويسجد للسهو الناسي وكذا الجاهل إذا لم تبطلها لأنه تكلم في صلاته ناسيا . قال القاضي حسين : ولو قال في متابعته في التثويب صدقت وبررت فهو كقوله : حي على الصلاة لأنه كلام آدمي ، قال وكذا لو قال مثله : الصلاة خير من النوم ، قال : صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تبطل صلاته . ولو قال : قد قامت الصلاة بطلت صلاته ، كما لو قال حضرت الصلاة ، ولو قال أقامها الله أو اللهم أقمها وأدمها لم تبطل صلاته . هذا كلام القاضي وهو كما قال . واتفقوا على أنه لا يتابعه إذا كان في أثناء قراءة الفاتحة ، فإن ذلك مكروه ، وممن نقل الإتفاق عليه إمام الحرمين . قالوا : فلو تابع فيها وجب إستئناف القراءة بلا خلاف ، لأنه غير مستحب بخلاف ما لو آمن فيها لتأمين الإمام فإنه لا يوجب الإستئناف على الأصح لأن التأمين مستحب قال صاحب الشامل : قال أبو إسحاق : وليس التأكيد في متابعة المؤذن بعد فراغ المصلي كالتأكيد في متابعة من ليس هو في صلاة . قال صاحب الحاوي ولو سمعه وهو في الطواف تابعه وهو على طوافه ، لأن الطواف لا يمنع الكلام . فرع : إذا سمع مؤذنا بعد مؤذن ، هل يختص إستحباب المتابعة بالأول أم يستحب متابعة كل مؤذن فيه خلاف للسلف حكاه القاضي عياض في شرح صحيح مسلم ، ولم أر فيه شيئا لأصحابنا ، والمسألة محتملة ، والمختار أن يقال : المتابعة سنة متأكدة يكره تركها لصريح الأحاديث الصحيحة بالأمر بها ، وهذا يختص بالأول لأن الأمر لا يقتضي التكرار ، وأما أصل الفضيلة والثواب في المتابعة فلا يختص والله أعلم . فرع : مذهبنا أن المتابعة سنة ليست بواجبة ، وبه قال جمهور العلماء ، وحكى الطحاوي خلافا لبعض السلف في إيجابها وحكاه القاضي عياض . فرع : مذهبنا ومذهب الجمهور أنه يتابع المؤذن في جميع الكلمات . وعن مالك روايتان أحداهما كالجمهور ، والثانية يتابعه إلى آخر الشهادتين فقط ، لأنه ذكر لله تعالى وما بعده بعضه ليس بذكر وبعضه تكرار لما سبق ، وحجة الجمهور حديث عمر رضي الله عنه . فرع : لم أر لأصحابنا كلاما في أنه هل يستحب متابعة المؤذن في الترجيع أم لا ويحتمل أن يقال لا يستحب لأنه لا يسمعه ، ويحتمل أن يقال يستحب لقوله صلى الله عليه وسلم : إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول والترجيع مما يقول ، ولم يقل فقولوا مثل ما تسمعون ، وهذا الاحتمال أظهر وأحوط . فرع : من رأى المؤذن وعلم أنه يؤذن ولم يسمعه لبعد أو صمم الظاهر أنه لا تشرع له المتابعة معلقة بالسماع ، والحديث مصرح باشتراطه ، وقياسا على تشميت العاطس فإنه لا يشرع إلا لمن يسمع تحميده .

قسم V03/P126

فرع : لمن سمع المؤذن ولم يتابعه حتى فرغ ، لم أر لأصحابنا تعرضا له لأنه هل يستحب تدارك المتابعة والظاهر أنه يتدارك على القرب ولا يتدارك بعد طول الفصل ، وقد قال إمام الحرمين : لو سمعه وهو في الصلاة فلم يتابعه ينبغي أن يأتي بالأذكار بمجرد السلام . فلو طال الفصل فهو كترك سجود السهو ، فيه تفصيل في موضعه . فرع : قد ذكرنا أن مذهبنا المشهور أنه يكره للمصلي متابعته في الصلاة ، وسواء صلاة الفرض والنفل ، وبه قال جماعة من السلف . وعن مالك ثلاث روايات إحداها يتابعه ، والثانية في النافلة دون الفرض .

قسم V03/P126–V03/P128

قال المصنف رحمه الله تعالى : والمستحب أن يقعد بين الأذان والإقامة قعدة ينتظر فيها الجماعة ، لأن الذي رآه عبد الله بن زيد رضي الله عنه في المنام أذن وقعد قعدة ، ولأنه إذا وصل الأذان بالإقامة فات الناس الجماعة فلم يحصل المقصود بالأذان ويستحب أن يتحول من الأذان إلى غيره للإقامة لما روي في حديث عبد الله بن زيد : ثم استأخر غير كثير ثم قال مثل ما قال وجعلها وترا . + الشرح : حديث عبد الله بن زيد هذا رواه أبو داود بإسناد صحيح وروى الترمذي بعضه بطريق إلى أبي داود وقال : حسن صحيح كما تقدم في أول الباب . أما حكم المسألة : فاتفق أصحابنا على استجباب هذه القعدة قدر ما تجتمع الجماعة إلا في صلاة المغرب فإنه لا يؤخرها لضيق وقتها ، ولأن الناس في العادة يجتمعون لها قبل وقتها ، ومن تأخر عن التقدم لا يتأخر عن أول الصلاة ، ولكن يستحب أن يفصل بين أذانها وإقامتها فصلا يسيرا بقعدة أو سكوت أو نحوهما ، هذا مذهبنا لا خلاف فيه عندنا ، وبه قال أحمد وأبو يوسف ومحمد ، وهو رواية عن أبي حنيفة وقال مالك وأبو حنيفة في المشهور عنه : لا يقعد بينهما وأما استحباب التحول للإقامة إلى غير موضع الأذان فمتفق عليه للحديث . قال المصنف رحمه الله تعالى : والمستحب أن يكون المقيم هو المؤذن لأن زياد بن الحارث الصدائي أذن فجاء بلال ليقيم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن أخا صداء أذن ، ومن أذن فهو يقيم فإن أذن واحد وأقام غيره جاز لأن بلالا أذن وأقام عبد الله ابن زيد . + الشرح : حديث زياد بن الحارث رواه أبو داود والترمذي وغيرهما ، قال الترمذي والبغوي : في إسناده ضعف ، وعلق البيهقي القول فيه فقال : إن ثبت كان أولى مما روى في حديث عبد الله بن زيد أن بلالا أذن فقال عبد الله : يا رسول الله إنى أرى الرؤيا ويؤذن بلال . قال : فأقم أنت لما في إسناده ومتنه من الإختلاف ، وأنه كان في أول ما شرع الأذان وحديث الصدائي كان بعده . وأما حديث عبد الله بن زيد فرواه أبو داود وغيره ، وقد ذكرنا قول البيهقي فيه . وقال الإمام أبو بكر الحازمي في كتابه الناسخ والمنسوخ : في إسناده مقال ، قال : واتفق أهل العلم في الرجل يؤذن ويقيم غيره أن ذلك جائز ، واختلفوا في الأولوية فقال أكثرهم : لا فرق والأمر متسع . وممن رأى ذلك مالك وأكثر أهل الحجاز وأبو حنيفة وأكثر أهل الكوفة وأبو ثور . وقال بعض العلماء الأولى أن من أذن فهو يقيم . وقال الشافعي : إذا أذن الرجل أحببت أن يتولى الإقامة لشيء يروى : أن من أذن فهو يقيم ، قال الحازمي : وحجة هذا المذهب حديث الصدائي لأنه أقوم إسنادا من حديث عبد الله بن زيد ، ثم حديث ابن زيد كان في أول ما شرع الأذان في السنة الأولى ، وحديث الصدائي بعده بلا شك والأخذ بآخر الأمرين أولى . قال : وطريق الإنصاف أن يقال الأمر في هذا الباب على التوسعة ، وإدعاء النسخ مع إمكان الجمع بين الحديثين على خلاف الأصل . أما الصدائي فبضم الصاد وتخفيف الدال المهملتين وبالمد ، منسوب إلى صداء تصرف ولا تصرف ، وهو أبو هذه القبيلة واسمه يزيد بن حرب . قال البخاري في تاريخه : صداء حي من اليمن ، وكان أذان زياد الصدائي في صلاة الصبح في السفر ، ولم يكن بلال حاضرا حينئذ . أما حكم المسألة : فإن أذن واحد فقط فهو الذي يقيم ، وإن أذن جماعة دفعة واحدة واتفقوا على من يقيم منهم أقام ، وإن تشاحوا أقرع ، وإن أذنوا واحدا بعد واحد فإن كان الأول هو المؤذن الراتب أو لم يكن هناك مؤذن راتب فالذي يقيم هو الأول . وإن كان الذي أذن أولا أجنبيا وأذن بعده الراتب فمن أولى بالإقامة فيه وجهان حكاهما الخراسانيون أصحهما : الراتب لأنه صاحب ولاية الأذان والإقامة وقد أذن والثاني : الأجنبي لأن بأذان الأول حصلت سنة الأذان أو فرضه ، ولو أقام في هذه الصور غير من له ولاية الإقامة ممن أذن أو أجنبي اعتد بإقامته على المذهب ، وبه قطع المصنف والجمهور . وحكى الخراسانيون وجها أنه لا يعتد به ، تخريجا من قول الشافعي إنه لا يجوز أن يخطب واحد ويصلي آخر . وهذا ليس بشيء . ويستحب أن لا يقيم في المسجد الواحد إلا واحد إلا إذا لم تحصل به الكفاية ، وفيه وجه أنه لا بأس بأن يقيموا جميعا إذا لم يؤد إلى تهويش ، وفيه قطع البغوي ، وإذا أقام غير من أذن فهو خلاف الأولى ، ولا يقال مكروه . وقيل إنه مكروه ، وبه جزم العبدري ونقل مثله عن أحمد قال : وقال مالك و أبو حنيفة : لا يكره .

قسم V03/P128

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويستحب لمن سمع الإقامة أن يقول مثل ما يقول إلا في الحيعلة فإنه يقول : لا حول ولا قوة إلا بالله ، وفي لفظ الإقامة يقول : أقامها الله وأدامها ( ما دامت السموات والأرض ) لما روى أبو أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك . + الشرح : هذا الحديث رواه أبو داود بإسناده عن محمد بن ثابت العبدي عن رجل من أهل الشام عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة أو بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو حديث ضعيف لأن الرجل مجهول ، ومحمد بن ثابت العبدي ضعيف بالإتفاق وشهر مختلف في عدالته وعلى المصنف إنكار في جزمه بروايته عن أبي أمامة وإنما هو على الشك كما ذكرنا لكن الشك في أعيان الصحابة لا يضر لأنهم كلهم عدول لكن لا يجوز الجزم به عن أبي أمامة مع الشك ، وكيف كان فهو حديث ضعيف لكن الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال باتفاق العلماء ، وهذا من ذاك ، وإسم أبي أمامة صدى بن عجلان سبق في باب التيمم ، واتفق أصحابنا على استحباب متابعته في الإقامة كما قال المصنف إلا الوجه الشاذ الذي قدمناه عن البسيط .

قسم V03/P128–V03/P130

قال المصنف رحمه الله تعالى : والمستحب أن يكون المؤذن للجماعة اثنين لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان له مؤذنان بلال وابن أم مكتوم رضي الله عنهما ، فإن احتاج إلى الزيادة جعلهم أربعة لأنه كان لعثمان رضي الله عنه أربعة ، والمستحب أن يؤذن واحد بعد واحد كما فعل بلال وابن أم مكتوم ، ولأن ذلك أبلغ في الإعلام . + الشرح : حديثا بلال وابن مكتوم صحيحان كما سبق رواهما البخاري ومسلم ، قال الشافعي والأصحاب : يجوز الاقتصار على مؤذن واحد للمسجد ، والأفضل أن يكون مؤذنان للحديث فإن احتاج إلى أكثر من ذلك ، قال أبو علي الطبري : تجوز الزيادة إلى أربعة كما فعل عثمان رضي الله عنه ، ولا يزاد على أربعة . وتابع أبو علي الطبري على هذا المصنف والشيخ أبو حامد والمحاملي والسرخسي والبغوي وصاحب العدة ورجحه الروياني وكثيرون ، ونقله صاحب البيان عن الأكثرين ، وأنكر المحققون هذا على أبي علي ، وقالوا : إنما الضبط بالحاجة ورؤية المصلحة فإن رأى الإمام المصلحة في الزيادة على أربعة فعله ، وإن رأى الإقتصار على اثنين لم يزد ، وهذا هو الصحيح لأنه إذا جازت الزيادة على ما كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم للحاجة فالزيادة على ما كان في زمن عثمان للحاجة أولى . قال القاضي أبو الطيب : قال الشافعي في الأم : لا تضييق أن يكون المؤذنون أكثر من اثنين ، قال أبو علي الطبري : لا يزاد على أربعة ، قال القاضي : قال أصحابنا . هذا لا يعرف ، والصحيح أنه يجوز أن يزيد ما شاء لأن الشافعي لم يحدد شيئا ، وقال صاحب الشامل : هذا التقدير الذي قاله أبو علي لم يذكره أحد من أصحابنا غيره ، وظاهر كلام الشافعي جواز الزيادة . وقال صاحب التتمة : هذا الذي قاله أبو علي ليس بصحيح ، وقال صاحب الحاوي : يكون له مؤذنان فإن لم يكف إثنان لكثرة الناس جعلهم أربعة ، فإن لم يكفوا جعلهم ستة فإن زاد فثمانية ليكونوا شفعا ولا وترا ، وأقوال أصحابنا بنحو ما ذكره هؤلاء مشهورة ، فالصواب أن الضبط بالحاجة والمصلحة ، وإن بلغوا ما بلغوا ، وقد قال أبو علي البندنيجي : قد نص الشافعي في القديم على جواز الزيادة على أربعة . قلت : وهذا قديم لم يعارضه جديد ، فهو مذهب الشافعي كما سبق بيانه في مقدمة هذا الشرح ، قال صاحب الحاوي : ومراد الشافعي والأصحاب بهذا المؤذنون الذين يرتبهم الإمام له على الدوام ، وإلا فلو أذن أهل المسجد كلهم لم يمنعوا يعني أذن واحد بعد واحد ولم يؤد إلى تهويش واختلاط . فرع : إذا كان للمسجد مؤذنان فأكثر أذنوا واحدا بعد واحد كما صح عن بلال وابن أم مكتوم ، ولأنه أبلغ في الإعلام ، فإن تنازعوا في الإبتداء أقرع فإن ضاق الوقت والمسجد كبير أذنوا في أقطاره كل واحد في قطر ليسمع أهل تلك الناحية ، وإن كان صغيرا أذنوا معا إذا لم يؤد إلى تهويش . قال صاحب الحاوي وغيره : ويقفون جميعا عليه كلمة كلمة ، فإن أدى إلى تهويش أذن واحد فقط فإن تنازعوا أقرع ، قال الشيخ أبو حامد والقاضي حسين وغيره : فإن أذنوا جميعا واختلفت أصواتهم لم يجز لأن فيه تهويشا على الناس ، ومتى أذن واحد بعد واحد لم يتأخر بعضهم عن بعض لئلا يذهب أول الوقت ، ولئلا يظن من سمع الأخير أن هذا أول الوقت ، قال الشافعي في الأم ولا أحب للإمام إذا أذن المؤذن الأول أن يبطىء بالصلاة ليفرغ من بعده ، بل يخرج ويقطع من بعده الأذان بخروج الإمام .

قسم V03/P130

فرع : اختلف أصحابنا في الأذان للجمعة ، فقال المحاملي في المجموع : قال الشافعي رحمه الله : أحب أن يكون للجمعة أذان واحد عند المنبر ، ويستحب أن يكون المؤذن واحدا لأنه لم يكن يؤذن يوم الجمعة للنبي صلى الله عليه وسلم إلا بلال هذا كلام المحاملي ، وقال البندنيجي : قال الشافعي : أحب أن يكون مؤذن الجمعة واحدا بين يدي الإمام إذا كان على المنبر لا جماعة مؤذنين وصرح أيضا القاضي أبو الطيب وآخرون بأنه يؤذن الجمعة مؤذن واحد . وقال الشافعي رحمه الله في البويطي : النداء يوم الجمعة هو الذي يكون والإمام على المنبر يكون المؤذنون يستفتحون الأذان فوق المنارة جملة حين يجلس الإمام على المنبر ليسمع الناس فيأتون إلى المسجد فإذا فرغوا خطب الإمام بهم ومنع الناس البيع والشراء تلك الساعة هذا نصه بحروفه . وفي صحيح البخاري في باب رجم الحبلى من الزنا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال جلس عمر رضي الله عنه على المنبر يوم الجمعة فلما سكت المؤذنون قام فأثنى على الله تعالى . وذكر الحديث .

قسم V03/P130–V03/P131

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجوز استدعاء الأمراء إلى الصلاة لما روت عائشة رضي الله عنها أن بلالا رضي الله عنه جاء فقال : السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته الصلاة رحمك الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم : مري أبا بكر فليصل بالناس قال ابن قسيط : وكان بلال يسلم على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما كما كان يسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم . + الشرح : ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت : لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بلال يؤذن بالصلاة فقال : مروا أبا بكر فليصل بالناس وأما هذه الزيادة التي ذكرها المصنف فليست في الصحيحين ، وقوله : مري ، هكذا وقع في المهذب ، والذي في الصحيحين مروا كما ذكرناه ، وفي الصحيحين : مروا من غير رواية عائشة ، وأما ابن قسيط فبضم القاف وفتح السين وهو منسوب إلى جده وهو يزيد بن عبد الله بن قسيط بن أسامة بن عمير الليثي المدني أبو عبد الله سمع ابن عمر وأبا هريرة وغيرهما توفي سنة اثنتين وعشرين ومائة بالمدينة ، وهو ثقة ، وقوله إن بلال كان يسلم على أبي بكر وعمر يعني عند استدعائهما إلى الصلاة . وهذا النقل بعيد أو غلط فإن المشهور المعروف عند أهل العلم بهذا الفن أن بلالا لم يؤذن لأبي بكر ولا عمر ، وقيل : أذن لأبي بكر رضي الله عنهم ، ورواية ابن قسيط هذه منقطعة فإنه لم يدرك أبا بكر ولا عمر ولا بلالا رضي الله عنهم . وهذا الذي ذكره المصنف من جواز الإستدعاء هو كما قال ، وقال القاضي أبو الطيب في تعليقه : سلام المؤذن بعد الأذان على الأمراء وقوله : حي على الصلاة حي على الفلاح مكروه وقال صاحب العدة الشيخ نصر المقدسي : يكره أن يخرج بعد الأذان إلى باب الأمير وغيره ، ويقول : حي على الصلاة أيها الأمير فإن أتي بابه ، وقال : الصلاة أيها الأمير فلا بأس .

قسم V03/P131–V03/P133

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن وجد من يتطوع بالأذان لم يرزق المؤذن من بيت المال لأن ( مال بيت ) المال جعل للمصلحة ولا مصلحة في ذلك ، وإن لم يوجد من يتطوع رزق ( من يؤذن ) من خمس الخمس لأن ذلك من المصالح ، وهل يجوز أن يستأجر فيه وجهان أحدهما : لا يجوز ، وهو اختيار الشيخ أبي حامد ، لأنه قربة في حقه فلم يجز أن يستأجر عليه كالإمامة في الصلاة والثاني : يجوز لأنه عمل معلوم يجوز أن يأخذ الرزق عليه فجاز أخذ الأجرة عليه كسائر الأعمال . + الشرح : قوله : قربة في حقه احتراز من الحج وقوله : عمل معلوم احتراز من القضاء ، وقوله : يجوز أخذ الرزق عليه احتراز من عمل المعصية ، وقيل : احتراز من صلاته منفردا . قال الشافعي رحمه الله في الأم : أحب أن يكون المؤذنون متطوعين قال : وليس للإمام أن يرزقهم وهو يجد من يؤذن متطوعا ممن له أمانة إلا أن يرزقهم من ماله . قال ولا أحسب أحدا ببلد كثير الأهل يعوزه أن يجد مؤذنا أمينا لازما يؤذن متطوعا ، فإن لم يجده فلا بأس أن يرزق مؤذنا ، ولا يرزقه إلا من خمس الخمس سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يجوز أن يرزقه من غيره من الفيء لأن لكله مالكا موصوفا ، ولا يجوز أن يرزقه من الصدقات شيئا ، ويجوز للمؤذن أخذ الرزق إذا رزق من حيث وصفت أن يرزق ولا يجوز له أخذه من غيره بأن يرزق ، هذا نصه بحرفه وتابعه الأصحاب كلهم عليه ، واتفقوا عليه . وعن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه قال : آخر ما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا ، رواه الترمذي وقال حديث حسن ، قال أصحابنا : ولا يجوز أن يرزق مؤذنا وهو يجد متبرعا عدلا ، كما نص عليه ، قال القاضي حسين : لأن الإمام في بيت المال كالوصي في مال اليتيم ثم الوصي لو وجد من يعمل في مال اليتيم متبرعا لم يجز أن يستأجر عليه من مال اليتيم فكذا الإمام فلو وجد فاسقا متبرعا ، وعدلا لا يؤذن إلا برزق فالمذهب أنه يرزق العدل وبهذا قطع الشيخ أبو حامد والمحاملي والبندنيجي وصاحبا الشامل والمعتمد والجمهور ، وهو ظاهر النص الذي ذكرناه ، وذكر صاحب التتمة وجهين أحدهما : يرزق العدل ، والثاني الفاسق أولى ، وهذا ليس بشيء ولو وجد متطوعا غير حسن الصوت وغيره رفيعه فهل له أن يرزق حسن الصوت فيه وجهان حكاه القاضي وصاحباه المتولي والبغوي غيرهم ، قال ابن سريج يرزقه وقال القفال والشيخ أبو محمد لا والأصح أنه يرزقه أن رآه مصلحة لظهور تفاوتهما ، وتعلق المصلحة به . قال القاضي والمتولي : هما مبنيان على القولين في الأم إذا طلبت أجرة الرضاع ووجد الأب متبرعة ، قال أصحابنا والزرق يكون من خمس خمس الفيء والغنيمة ، وكذا من أربعة أخماس الفيء إذا قلنا : إنه للمصالح ، وينبغي أن لا يختص بذلك بل يرزقه من كل مال هو لمصالح المسلمين كالأموال التي يرثها بيت المال ، والمال الضائع الذي أيسنا من صاحبه وغير ذلك .

قسم V03/P133–V03/P134

قال أصحابنا : والرزق يكون بقدر الحاجة ، فإن كان في البلد مسجد واحد رزق ما تدعو الحاجة إليه من مؤذن أو جماعة كما سبق ، وإن كان فيه مساجد ولم يمكن جمع الناس في مسجد واحد رزق عددا من المؤذنين للمساجد بحيث تحصل بهم الكفاية ويتأدى الشعار ، وإن أمكن بلا مشقة فوجهان مشهوران في كتب الخراسانيين ، أحدهما : يجمعهم ويرزق واحدا فقط ، وأصحهما لا يجمعهم بل يرزق الجميع لئلا تتعطل المساجد ، قال القاضي حسين : ولأن تكثير الجماعات وفعلها في مساجد أكثر فضيلة من أدائها في مسجد واحد ، وإذا لم يكن في بيت المال سعة بدأ بالأهم وهو رزق مؤذن الجامع وأذان صلاة الجمعة أهم من غيره ، قال أصحابنا : ويجوز للإمام أن يرزق من مال نفسه ولآحاد الرعية من مال نفسه وحينئذ يجوز أن يرزق كم شاء وكيف شاء ومتى شاء فيرزق ما شاء من العدد ، ومع وجود المتبرع وفوق قدر الكفاية ، وصرح به في التهذيب وغيره . فرع : في جواز الإستئجار على الأذان ثلاثة أوجه أصحها : يجوز للإمام من مال بيت المال ومن مال نفسه ولآحاد الناس من أهل المحلة ومن غيرهم من مال نفسه ونقله القاضي أبو الطيب عن أبي علي الطبري وعام أصحابنا ، وكذا نقله المتولي وصاحب الذخائر والعبدري عن عامة أصحابنا وصححه القاضي أبو الطيب والفوراني وإمام الحرمين وابن الصباغ و المتولي والغزالي في البسيط والكيا الهراسي في كتابه الزوايا في الخلاف والشاشي في المعتمد والرافعي وآخرون ، وقطع به الغزالي في الخلاصة والروياني في الحلية ، وهو مذهب مالك و داود . والثاني : لا يجوز الإستئجار لأحد ، وبه قطع الشيخ أبو حامد وصاحب الحاوي والقفال وصححه المحاملي والبندنيجي والبغوي وغيرهم وبه قال الأوزاعي وأبو حنيفة وأحمد وابن المنذر والثالث : يجوز للإمام دون آحاد الناس ، ودليل الجميع ظاهر بما ذكره المصنف . قال أصحابنا : وإذا جوزنا للإمام الإستئجار من بيت المال فإنما يجوز حيث يجوز الرزق من بيت المال خلافا ووفاقا ، قال صاحب التهذيب وإن إستأجر من بيت المال لم يفتقر إلى بيان المدة ، بل يكفي أن يقول : إستأجرتك لتؤذن في هذا المسجد في أوقات الصلاة كل شهر بكذا ، ولو استأجر من مال نفسه أو استأجر آحاد الناس ففي اشتراط بيان المدة وجهان أصحهما : الاشتراط ، قال : والإقامة تدخل في الإستئجار للأذان ، ولا يجوز الإستئجار للإقامة وحدها إذ لا كلفة فيها بخلاف الأذان قال الرافعي : ولا تخلو هذه الصورة عن إشكال ، وكذا قال السرخسي في الأمالي : إن شرط له الإمام الجعل من بيت المال لم يشترط ذكر آخر المدة ، بل يكفيه كل شهر أو سنة بكذا كالجزية والخراج ، وإن شرط من مال نفسه فوجهان أحدهما : هذا . والثاني : يشترط كالإجارة على غيره من الأعمال ، قال صاحب الذخائر : الفرق بين الرزق والأجرة أن الرزق أن يعطيه كفايته هو وعياله ، والأجرة ما يقع به التراضي ، وأما حديث عثمان بن أبي العاص أنه قال : آخر ما عهد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا رواه الترمذي وقال هو حديث حسن محمول على الندب .

قسم V03/P134–V03/P135

فرع : في مسائل تتعلق بالباب إحداها : قال أصحابنا رحمهم الله : يستحب أن يكون الأذان بقرب المسجد الثانية : يكره أن يخرج من المسجد بعد الأذان قبل أن يصلي إلا لعذر ، وقد سبقت هذه المسألة بدليلها في آخر باب ما يوجب الغسل ، وذكرها في هذا الباب جماعة من أصحابنا الثالثة : يستحب أن لا يكتفي أهل المساجد المتقاربة بأذان بعضهم ، بل يؤذن في كل مسجد واحد ذكره صاحب العدة وغيره الرابعة : قال البندنيجي وصاحب البيان : يستحب أن يقف المؤذن على أواخر الكلمات في الأذان لأنه روى موقوفا ، قال الهروي : وعوام الناس يقولون : الله أكبر بضم الراء وكان أبو العباس المبرد يفتح الراء فيقول الله أكبر الله أكبر ، الأولى مفتوحة ، والثانية ساكنة ، قال : لأن الأذان سمع موقوفا كقوله : حي على الصلاة ، حي على الفلاح فكان الأصل أن يقول : الله أكبر الله أكبر بإسكان الراء فحركت فتحة الألف من اسم الله تعالى في اللفظة الثانية لسكون الراء ففتحت كقوله تعالى : الم الله لا إله إلا هو وقال صاحب التتمة يجمع كل تكبيرتين بصوت لأنه خفيف ، وأما باقي الكلمات فيفرد كل كلمة بصوت ، وفي الإقامة يجمع كل كلمتين بصوت . الخامسة : قال البغوي : لو زاد في الأذان ذكرا أو زاد في عدد كلماته لم يبطل أذانه ، وهذا الذي قاله محمول على ما إذا لم يؤد إلى اشتباهه بغير الأذان على السامعين . قال القاضي أبو الطيب وغيره : لو قال الله الأكبر بدل الله أكبر صح أذانه كما لو قاله في تكبيرة الإحرام تنعقد صلاته . السادسة : قال الشافعي في الأم : وواجب على الإمام أن يتفقد أحوال المؤذنين ليؤذنوا في أول الوقت ولا ينتظرهم بالإقامة ، وأن يأمرهم فيقيموا في الوقت ، هذا نصه قال أصحابنا : وقت الأذان منوط بنظر المؤذن لا يحتاج فيه إلى مراجعة الإمام ، ووقت الإقامة منوط بالإمام فلا يقيم المؤذن إلا بإشارته ، فلو أقام بغير اذنه فقد قال إمام الحرمين : في الإعتداد به تردد للأصحاب ولم يبين الراجح ، والظاهر ترجيح الإعتداد . السابعة : قال الشافعي في مختصر المزني : وترك الأذان في السفر أخف منه في الحضر . قال أصحابنا : وجه ذلك أن السفر مبني على التخفيف وفعل الرخص ، ولأن أصل الأذان للإعلام بالوقت ، والمسافرون لا يتفرقون غالبا . قال في الأم : ولو تركت المرأة الإقامة لصلاتها لم أكره لها من تركها ما أكره من تركها للرجال ، وإن كنت أحب أن تقيم . قال في الأم : ويصلي الرجل بأذان رجل لم يؤذن له ، يعني لم يقصد الأذان لهذا الرجل ، وهذا الذي نص عليه هو ما ذكره صاحب العدة وغيره . قالوا : لو اجتاز رجل بمسجد قد أذن فيه اكتفي بذلك الأذان وإن كان المؤذن لم يقصده . الثامنة : قال صاحب الحاوي : : لو أذن بالفارسية إن كان يؤذن لصلاة جماعة لم يجز ، سواء كان يحسن العربية أم لا ، لأن غيره قد يحسن ، وإن كان أذانه لنفسه فإن كان لم يحسن العربية لم يجزئه كأذكار الصلاة ، وإن كان لا يحسن أجزأه وعليه أن يتعلم . هذا كلامه وهذا الذي قاله من أن مؤذن الجماعة لا يجزئه بالفارسية وإن لم يحسن العربية ، محمول على ما إذا كان في الجماعة من يحسن العربية فإن لم يكن صح وقد أشار إليه في تعليقه . التاسعة : قال الدارمي : لو لقن الأذان أجزأه لحصول الإعلام . العاشرة : قال الشافعي رحمه الله تعالى في آخر أبواب الأذان : إذا كانت ليلة مطيرة أو ذات ريح وظلمة يستحب أن يقول المؤذن إذا فرغ من أذانه : ألا صلوا في رحالكم قال : فإن قاله في أثناء الأذان بعد الحيعلة فلا بأس . هذا نصه .

قسم V03/P135–V03/P137

وهكذا نقله البندنيجي وقطع به ، وهكذا صرح به الصيدلاني وصاحب العدة والشاشي وآخرون وذكروه بحروفه التي تقلتها ، واحتجوا له بالحديث الذي سأذكره إن شاء الله تعالى . واستبعد إمام الحرمين قوله في أثناء الأذان ، وقال تغيير الأذان من غير سبب مستبعد . ذكره في كتاب صلاة الجماعة ، وهذا الذي استبعده ليس ببعيد ، بل هو الحق والسنة ، فقد ثبت ذلك في أحاديث كثيرة في الصحيحين بعد الأذان وفي أثنائه ، فروي نافع أن ابن عمر أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح ثم قال : ألا صلوا في الرحال ثم قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر يقول : ألا صلوا في الرحال رواه البخاري ومسلم . وفي رواية لمسلم أنه : كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر مؤذنه به في السفر . وعن عبد الله بن الحارث قال : خطبنا ابن عباس في يوم ذي ردغ فلما بلغ المؤذن حي على الصلاة أمره أن ينادي الصلاة في الرحال ، فنظر بعضهم إلى بعض فقال كأنكم أنكرتم هذا قد فعل هذا من هو خير مني وإنها عزمة رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية للبخاري ومسلم ، قال ابن عباس لمؤذنه في يوم مطير وهو يوم جمعة إذا قلت : أشهد أن محمدا رسول الله فلا تقل : حي على الصلاة ، قل : صلوا في بيوتكم ، فكأن الناس استنكروا ، فقال : فعله من هو خير مني ، إن الجمعة عزمة وإني كرهت أن أخرجكم فتمشوا في الطين والدحض وفي رواية لمسلم فعله من هو خير مني يعني النبي صلى الله عليه وسلم . وفي رواية له أذن مؤذن ابن عباس يوم جمعة في يوم مطير فذكره . & باب طهارة البدن وما يصلى فيه وعليه &

قسم V03/P137–V03/P138

قال المصنف رحمه الله تعالى : الطهارة ضربان ، طهارة عن حدث ، وطهارة عن نجس ، فأما الطهارة عن الحدث فهي شرط في صحة الصلاة لقوله صلى الله عليه وسلم : لا يقبل الله صلاة بغير طهور ، ولا صدقة من غلول وقد مضى حكمها في كتاب الطهارة . + الشرح : هذا الحديث رواه مسلم من رواية ابن عمر رضي الله عنهما والطهور بضم الطاء ويجوز فتحها ، والمراد فعل الطهارة ، والغلول بضم الغين لا غير وهو الخيانة ، يقال غل وأغل أي خان . وقوله هي شرط في صحة الصلاة هذا مجمع عليه ولا تصح صلاة بغير طهور ، إما بالماء وإما بالتيمم بشرطه ، سواء صلاة الفرض والنفل وصلاة الجنازة وسجود التلاوة والشكر ، هذا مذهبنا ، وبه قال العلماء كافة ونقل أصحابنا عن الشعبي ومحمد بن جرير جواز صلاة الجنازة للمحدث لأنها دعاء ، وهذا باطل ، فقد سماها الله تعالى ورسول صلى الله عليه وسلم صلاة ، ولا تقبل صلاة بغير طهور . قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما طهارة البدن عن النجاسة فهي شرط في صحة الصلاة ، والدليل عليها قوله صلى الله عليه وسلم : تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه . + الشرح : هذا الحديث سبق بيانه في باب إزالة النجاسة ، ومذهبنا أن إزالة النجاسة شرط في صحة الصلاة ، فإن علمها لم تصح صلاته بلا خلاف ، وإن نسيها أو جهلها فالمذهب أنه لا تصح صلاته ، وفيه خلاف نذكره حيث ذكره المصنف في أواخر الباب ، وسواء صلاة الفرض والنفل وصلاة الجنازة وسجود التلاوة والشكر ، فإزالة النجاسة شرط لجميعها ، هذا مذهبنا وبه قال أبو حنيفة وأحمد وجمهور العلماء من السلف والخلف ، وعن مالك في إزالة النجاسة ثلاث روايات أصحها وأشهرها أنه إن صلى عالما بها لم تصح صلاته ، وإن كان جاهلا أو ناسيا صحت ، وهو قول قديم عن الشافعي والثانية : لا تصح الصلاة علم أو جهل أو نسي . والثالثة : تصح الصلاة مع النجاسة ، وإن كان عالما متعمدا ، وإزالتها سنة ، ونقل أصحابنا عن ابن عباس وسعيد بن جبير نحوه ، واتفق الشيخ أبو حامد و القاضي أبو الطيب وعامة العلماء على أن إزالتها شرط إلا مالكا . واحتج لمالك بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره فلما رأى القوم ذلك ألقوا نعالهم ، فلما قضي رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قال : ما حملكم على إلقائكم نعالكم قالوا : رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن جبريل عليه السلام أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا رواه أبو داود بإسناد صحيح ، ورواه الحاكم في المستدرك وقال : هو صحيح على شرط مسلم ، وفي رواية لأبي داود خبثا بدل قذرا وفي رواية غيره قذرا أو أذى وفي رواية دم حلمة . واحتج الجمهور بقول الله تعالى : وثيابك فطهر والأظهر أن المراد ثيابك الملبوسة وأن معناه طهراها من النجاسة ، وقد قيل في الآية غير هذا ، لكن الأرجح ما ذكرناه ونقله صاحب الحاوي عن الفقهاء ، وهو الصحيح وبحديث تنزهوا من البول وهو حسن كما سبق ، وبقوله صلى الله عليه وسلم : إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة ، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي رواه البخاري ومسلم وسبق بيانه ، وبحديث ابن عباس قال : مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين فقال إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير ، أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله ، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة رواه البخاري ومسلم ، وبالقياس على طهارة الحدث والجواب عن حديث أبي سعيد من وجهين . أحدهما : أن القذر هو الشيء المستقذر . كالمخاط والبصاق والمني والبول وغيره فلا يلزم أن يكون نجسا . والثاني : لعله كان دما يسيرا ، أو شيئا يسيرا من طين الشوارع ، وذلك معفو عنه والله أعلم .

قسم V03/P138–V03/P139

قال المصنف رحمه الله تعالى : والنجاسة ضربان : دماء وغير دماء ، فأما غير الدماء فينظر فيه فإن كان قذرا يدركه الطرف لم يعف عنه لأنه لا يشق الاحتراز منه ، وإن كان قدرا لا يدركه الطرف ففيه ثلاث طرق أحدها : إنه يعفى عنه لأنه لا يدرك بالطرف فعفي عنه كغبار السرجين والثاني : لا يعفى عنه لأنه نجاسة لا يشق الاحتراز منها فلم يعف عنها كالذي يدركه الطرف والثالث : على قولين ، أحدهما : يعفى عنه والثاني : لا يعفى ووجه القولين ما ذكرنا . + الشرح : هاتان المسألتان كما ذكر ، وأصح الطرق أنه يعفى عنه ، وقد سبق في باب المياه أن في مسألة ما لا يدركه الطرف سبع طرق في الماء والثوب والأصح يعفى فيهما ، وهذه العبارة التي ذكرها المصنف يقتضي أن ونيم الذباب لا يعفى عنه بلا خلاف إذا أدركه الطرف ، وقد ذكر البغوي وغيره أن له حكم دم البراعيث لأنه تعم به البلوى ويشق الاحتراز منه ، والصحيح أنه كدم البراغيث .

قسم V03/P139–V03/P140

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما الدماء فينظر فيها فإن كان دم القمل والبراغيث وما أشبههما فإنه يعفى عن قليله لأنه يشق الاحتراز منه ، فلو لم يعف عنه شق وضاق ، وقد قال الله تعالى : وما جعل عليكم في الدين من حرج وفي كثيره وجهان ، قال أبو سعيد الاصطخري : لا يعفى عنه لأنه نادر لا يشق غسله ، وقال غيره يعفى عنه وهو الأصح ، لأن هذا الجنس يشق الاحتراز منه في الغالب فألحق نادره بغالبه ، وإن كان دم غيرهما من الحيوانات ففيه ثلاثة أقوال ، قال في الأم : يعفى عن قليله ، وهو القدر الذي يتعافاه الناس في العادة ، لأن الإنسان لا يخلو من بثرة وحكة يخرج منها هذا القدر فعفي عنه ، وقال في الإملاء : لا يعفى عن قليله ولا عن كثيره ، لأنه نجاسة لا يشق الاحتراز منها فلم يعف عنها كالبول ، وقال في القديم : يعفى عما دون الكف ولا يعفى عن الكف والأول أصح . + الشرح : البثرة بإسكان الثاء ويقال بفتحها لغتان ، والإسكان أشهر ، وهي خراج صغير ، ويقال بثر وجهه بكسر الثاء وضمها وفتحها ، ثلاث لغات حكاهن الجوهري وغيره ، والحكة بكسر الحاء وهي الجرب ، ذكره الجوهري . أما دم القمل والبراغيث والبق والقردان وغيرهما مما لا نفس له سائلة فهو نجس عندنا كما سبق في باب إزالة النجاسة ، وذكرنا خلاف أبي حنيفة وأحمد فيه ، واتفق أصحابنا على أنه يعفى عن قليله ، وفي كثيره وجهان مشهوران أحدهما قال الاصطخري : لا يعفى عنه ، وأصحها باتفاق الأصحاب يعفى عنه قال القاضي أبو الطيب : هذا قول ابن سريج وأبي إسحاق المروزي . قال صاحب البيان هذا قول عامة أصحابنا . وقال المحاملي في المجموع هذا قول ابن سريج وأبي إسحاق وسائر أصحابنا قال الشيخ أبو حامد و المحاملي في التجريد : القليل هو ما تعافاه الناس أي عدوه عفوا وتساهلوا فيه ، والكثير ما غلب على الثوب وطبقه . وذكر الخراسانيون في ضبط القليل كلاما طويلا اختصره الرافعي ولخصه فقال في قول قديم : القليل قدر دينار . وفي قديم آخر : القليل ما دون الكف وعلى الجديد وجهان أحدهما : الكثير ما يظهر للناظر من غير تأمل وامعان طلب والقليل دونه ، وأصحهما : الرجوع إلى العادة ، فما يقع التلطخ به غالبا ويعسر الإحتراز منه فقليل ، وما لا فكثير ، فعلى الأول لا يختلف ذلك باختلاف البلاد والأوقات . وعلى الثاني وجهان : أحدهما : يعتبر الوسط المعتدل فلا يعتبر من البلاد والأوقات ما يندر ذلك فيه أو يتفاحش وأصحهما : يختلف باختلاف الأوقات والبلاد ، ويجتهد المصلي هل هو قليل أم كثير فلو شك ففيه احتمالان لإمام الحرمين ، أرجحهما : وبه قطع الغزالي : له حكم القليل والثاني : له حكم الكثير ، وسواء في كل ما ذكرناه ما كان من هذا الدم في الثوب والبدن بالاتفاق ، فلو كان قليلا فعرق وانتشر التلطخ بسببه ففيه الوجهان في الكثير ، حكاهما المتولي والبغوي . قال الشيخ أبو عاصم : يعفى عنه .

قسم V03/P140–V03/P141

وقال القاضي حسين لا يعفى عنه ولو أخذ قملة أو برغوثا وقتله في ثوبه أو بدنه أو بين أصبعيه فتلوثت به قال المتولي : إن كثر ذلك لم يعف عنه ، وإن كان قليلا فوجهان أصحهما يعفى عنه ، قال : ولو كان دم البراغيث في ثوب في كمه وصلى به أو بسطه وصلى عليه ، فإن كان كثيرا لم تصح صلاته ، وإن كان قليلا فوجهان أما دم ما له نفس سائلة من آدمي وسائر الحيوانات ففيه الأقوال الثلاثة التي ذكرها المصنف ، وهي مشهورة ، أصحها بالاتفاق قوله في الأم : إنه يعفى عن قليله ، وهو القدر الذي يتعافاه الناس في العادة ، يعني يعدونه عفوا ، قال الأزهري يعدونه عفوا قد عفي لهم عنه ، ولم يكلفوا إزالته للمشقة في التحفظ منه . قال صاحب الشامل : قدره بعض أصحابنا بلمعة ، وهذه الأقوال في دم غيره من آدمي وحيوان آخر ، وأما دم نفسه فضربان أحدهما ما يخرج من بثرة من دم وقيح وصديد فله حكم دم البراغيث بالاتفاق ، يعفى عن قليله قطعا ، وفي كثيره الوجهان أصحهما العفو ، فلو عصر بثرة فخرج منها دم قليل عفي عنه على أصح الوجهين . وهما كالوجهين السابقين في دم القملة ونحوها إذا عصره في ثوبه أو بدنه . الضرب الثاني : ما يخرج منه لا من البثرات بل من الدماميل والقروح وموضع الفصد والحجامة وغيرها . وفيه طريقان أحدهما : أنه كدم البراغيث والبثرات فيعفى عن قليله . وفي كثيره الوجهان قال الرافعي : هذا مقتضى كلام الأكثرين . والثاني : وهو الأصح ، واختاره ابن كج والشيخ أبو محمد وإمام الحرمين : وهو ظاهر كلام المصنف وسائر العراقيين أنه كدم الأجنبي . فأما دم الاستحاضة وما يدوم غالبا فسبق حكمه في باب الحيض . وأما ماء القروح فسبق في باب إزالة النجاسة أنه إن تغيرت رائحته فهو نجس وإلا فطريقان أصحهما : أنه طاهر . والثاني : على قولين . وحيث نجسناه فهو كالبثرات ، قال أصحابنا : وقيح الأجنبي وصديده وسائر الحيوان كدم ذلك الحيوان . ثم الجمهور أطلقوا الكلام في الدماء على ما سبق وقيد صاحب البيان الخلاف في العفو بغير دم الكلب والخنزير وما تولد من أحدهما وأشار إلى أنه لا يعفى عن شيء منه بلا خلاف قال البغوي : وحكم ونيم الذباب وبول الخفاش حكم الدم لتعذر الإحتراز . فرع : قال صاحب التتمة وغيره : لو كان في صلاة فأصابه شيء جرحه وخرج الدم يدفق ولم يلوث البشرة ، أو كان التلويث قليلا بأن خرج كخروج الفصد لم تبطل صلاته ، واحتجوا بحديث جابر رضي الله عنه في الرجلين اللذين حرسا للنبي صلى الله عليه وسلم فجرح أحدهما وهو يصلي فاستمر في صلاته ودماؤه تسيل وهو حديث سبق بيانه في باب ما ينقض الوضوء قالوا : ولأن المنفصل عن البشرة لا يضاف إليه وإن كان بعض الدم متصلا ببعض ، ولهذا لو صب الماء من إبريق على نجاسة واتصل طرف الماء بالنجاسة لم يحكم بنجاسة الماء الذي في الطريق ، وإن كان بعضه متصلا ببعض . فرع : في مذاهب العلماء في الدماء : فذكرنا مذهبنا ، وحكى الشيخ أبو حامد عن مالك أنه يعفى عما دون نصف الثوب ولا يعفى عن نصفه وعن أحمد يعفى عما دون شبر في شبر ، وعن أبي حنيفة أن النجاسة من الدم وغيره إن كانت قدر درهم بعلي عفي عنها ، ويعفى عن أكثر ، وعن النخعي والأوزاعي يعفى عن قدر دون درهم لا عن درهم .