Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

قسم V03/P356–V03/P358

وعن أبي قلابة أنه رأى مالك بن الحويرث إذا صلى كبر ثم رفع يديه فإذا أراد أن يركع رفع يديه ، وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه ، وحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل هكذا وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر ورفع يديه حذو منكبيه ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته وأراد أن يركع ، ويصنعه إذا رفع من الركوع ولا يرفع يديه في شيء من صلاته وهو قاعد ، وإذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك وكبر رواه أبو داود بهذا اللفظ والترمذي وقال : حديث حسن صحيح . وقوله ( وإذا قام من السجدتين ) يعني به الركعتين ، والمراد إذا قام من التشهد الأول ، كذا فسره الترمذي وغيره وهو ظاهر . وعن وائل بن حجر رضي الله حين دخل في الصلاة وكبر . ووصف همام وهو أحد الرواة : حيال أذنيه ، ثم التحف بثوبه ثم وضع يده اليمنى على اليسرى ، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب ثم رفعهما ثم كبر فركع ، فلما قال سمع الله لمن حمده رفع يديه ، فلما سجد سجد بين كفيه رواه مسلم في صحيحه وعن محمد بن عمرو بن عطاء أنه سمع أبا حميد في عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهم أبو قتادة يقول : أنا أعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : فاعرض ، فقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائما ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ، فإذا أراد أن يركع رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ، ثم قال : الله أكبر وركع ثم اعتدل فاعتدل فلم يصوب رأسه ولم يقنع ووضع يديه على ركبتيه ثم قال : سمع الله لمن حمده ورفع يديه واعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه وذكر الحديث إلى أن قال : ثم صنع في الركعة الثانية مثل ذلك حتى قام من السجدتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما صنع حين افتتح الصلاة رواه أبو داود والترمذي وقال : حديث حسن صحيح ، قال وقوله قام من السجدتين يعني الركعتين . وفي رواية لأبي داود والترمذي أيضا قالوا في آخره صدقت هكذا صلى النبي صلى الله عليه وسلم رواه البخاري في كتاب رفع اليدين من طرق . وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه عند الركوع رواه البخاري في كتاب رفع اليدين . وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله رواه البخاري في رفع اليدين ، والأحاديث الصحيحة في الباب كثيرة غير منحصرة ، وفيما ذكرناه كفاية . قال القاضي أبو الطيب : قال أبو علي : روى الرفع عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثون من الصحابة رضي الله عنهم . وأما الجواب عن احتجاجهم بحديث البراء رضي الله عنه فمن أوجه أحدها : وهو جواب أئمة الحديث وحفاظهم أنه حديث ضعيف باتفاقهم ممن نص على تضعيفه سفيان بن عيينة والشافعي وعبد الله بن الزبير الحميدي شيخ البخاري وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي والبخاري وغيرهم من المتقدمين ، وهؤلاء أركان الحديث وأئمة الإسلام فيه .

قسم V03/P358–V03/P359

وأما الحفاظ والمتأخرون الذين ضعفوا فأكثروا من ( نقد ) الخبر : وسبب تضعيفه أنه من رواية سفيان بن عيينة عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء رضي الله عنه ، واتفق هؤلاء الأئمة المذكورون وغيرهم على أن يزيد بن أبي زياد غلط فيه ، وأنه رواه أولا إذا افتتح الصلاة رفع يديه قال سفيان : فقدمت الكوفة فسمعته يحدث به ويزيد فيه ثم لا يعود ، فظننت أنهم لقنوه ، قال سفيان : وقال لي أصحابنا : إن حفظه قد تغير أو قد ساء ، قال الشافعي : ذهب سفيان إلى تغليط يزيد بن أبي زياد في هذا الحديث . وقال الحميدي : هذا الحديث رواه يزيد ، ويزيد يزيد . وقال أبو سعيد الدارمي : الحديث فقال لا يصح وسمعت يحيى بن معين يضعف يزيد بن أبي زياد . قال الدارمي : ومما يحقق قول سفيان أنهم لقنوه هذه اللفظة أن سفيان الثوري وزهير بن معاوية وهشاما وغيرهم من أهل العلم لم ينكروها إنما جاء بها من سمع منه بأخرة . قال البيهقي : ومما يؤيد ما ذهب إليه هؤلاء أبو عبد الله وذكر إسناده إلى سفيان بن عيينة . قال حدثنا يزيد بن أبي زياد بمكة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء رضي الله عنه قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه ، وإذا أراد أن يركع وإذا رفع رأسه من الركوع قال سفيان : فلما قدمت الكوفة سمعته يقول : يرفع يديه إذا استفتح الصلاة ثم لا يعود فظننت أنهم لقنوه . قال البيهقي : وروى هذا الحديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أخيه عيسى عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن البراء قال فيه ثم لا يعود ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى لا يحتج بحديثه وهو أسوأ حالا عند أهل المعرفة بالحديث من يزيد بن أبي زياد . ثم روى البيهقي بإسناد عن عثمان بن سعيد الدارمي أنه ذكر فصلا في تضعيف حديث يزيد بن أبي زياد هذا ، قال ولم يرو هذا الحديث عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أقوى من يزيد ، وذكر البخاري في تضعيفه نحو ما سبق . والجواب الثاني : ذكره أصحابنا معناه لا يعود إلى الرفع في ابتداء استفتاحه ولا في أوائل باقي ركعات الصلاة الواحدة ، ويتعين تأويله جمعا بين الأحاديث . الجواب الثالث : أن أحاديث الرفع أولى لأنها أثبات وهذا نفي فيقدم الإثبات لزيادة العلم . الجواب الرابع : أن أحاديث الرفع أكثر فوجب تقديمها . وأما حديث ابن مسعود رضي الله عنه فجوابه من هذه الأوجه الأربعة فأما الأوجه الثلاثة الأخيرة فظاهرة وأما تضعيفه فقد روى البيهقي بإسناده عن ابن المبارك أنه قال : لم يثبت عندي حديث ابن مسعود . وروى البخاري في كتاب رفع اليدين تضعيفه عن أحمد بن حنبل وعن يحيى بن آدم وتابعهما البخاري على تضعيفه ، وضعفه من المتأخرين الدارقطني والبيهقي وغيرهما وأما حديث علي رضي الله عنه فجوابه من أوجه أيضا أحدها : تضعيفه ، ممن ضعفه البخاري ثم روى البخاري تضعيفه عن سفيان الثوري . وروى البيهقي عن عثمان الدارمي أنه قال : روي هذا الحديث عن علي من هذا الطريق الواهي . وقد ثبت عن علي رضي الله الركوع والرفع منه والقيام من الركعتين كما سبق فكيف يظن به أنه يختار لنفسه خلاف ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم يفعله قال البيهقي : قال الزعفراني : قال الشافعي : ولا يثبت عن علي وابن مسعود يعني ما روي عنهما أنهما كانا لا يرفعان أيديهما في غير تكبيرة الافتتاح .

قسم V03/P359–V03/P360

قال الشافعي : ولو كان ثابتا عنهما لأشبه أن يكون رآهما الراوي مرة أغفلا ذلك ، قال : ولو قال قائل : ذهب عنهما حفظ ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وحفظه ابن عمر لكانت له الحجة وأما حديث جابر بن سمرة فاحتجاجهم به من أعجب الأشياء وأقبح أنواع الجهالة بالسنة ، لأن الحديث لم يرد في رفع الأيدي في الركوع والرفع منه ولكنهم كانوا يرفعون أيديهم في حال السلام من الصلاة ويشيرون بها إلى الجانبين يريدون بذلك السلام على من عن الجانبين ، وهذا لا خلاف فيه بين أهل الحديث ومن له أدنى اختلاط بأهل الحديث ويبينه أن مسلم بن الحجاج رواه في صحيحه من طريقين أحدهما : الطريق السابق والثاني : عن جابر بن سمرة قال : كنا إذا صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا : السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله وأشار بيده إلى الجانبين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم علام تومئون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس إنما يكفي أحدكم أن يضع يديه على فخذيه ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله هذا لفظه بحروفه في صحيح مسلم ، وكذا رواه غير مسلم من أصحاب السنن وغيرهم وفي رواية أخرى في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة قال : صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنا إذا سلمنا قلنا بأيدينا السلام عليكم السلام عليكم . فنظر إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما شأنكم تشيرون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس إذا سلم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه ولا يومىء بيده هذا لفظ صحيح مسلم . قال البخاري : وأما احتجاج بعض من لا يعلم بحديث جابر بن سمرة فإنما كان في الرفع عند السلام لا في القيام قال : ولا يحتج بمثل هذا من له حظ من العلم لأنه معروف مشهور لا اختلاف فيه ، ولو كان كما توهمه هذا المحتج لكان رفع الأيدي في الافتتاح وفي تكبيرات العيد أيضا منهيا عنه لأنه لم يبين رفعا ، وقد بينه حديث أبي نعيم ثم ذكر بإسناده رواية مسلم التي نقلتها الآن ، ثم قال البخاري : فليحذر امرؤ أن يتأول أو يتقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل ، قال الله عز وجل : فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم النور : 36 . وأما قوله : عن ابن عباس لا فجوابه من أوجه أحدها : أنه ضعيف مرسل وهذا جواب البخاري وقد بين ذلك وأوضحه الثاني : أن هذا نفي وغيره إثبات وهو مقدم الثالث : أنه لو ثبت عنه لم يجز لأحد ترك السنن ، والأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن بعدهم به ، ويؤيد هذا أن الرفع ثابت في مواطن كثيرة غير هذه السبعة قد بينها البخاري بأسانيده ، وسأفرع بها بفرع مستقل في آخر هذا الباب إن شاء الله تعالى ، فهذا تنقيح ما يتعلق بالمسألة ودلائلها من الجانبين وأختمها بما ختم به البيهقي رحمه الله تعالى فإنه روى عن الإمام أبي بكر بن إسحاق الفقيه قال : قد صح رفع اليدين يعني في هذه المواضع عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم عن الخلفاء الراشدين ثم عن الصحابة والتابعين وليس في نسيان عبد الله بن مسعود رفع اليدين ما يوجب أن هؤلاء الصحابة لم يرووا عن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه ، وقد نسي ابن مسعود كيفية قيام الاثنين خلف الإمام ونسي نسخ التطبيق في الركوع ، وغير ذلك ، فإذا نسي هذا كيف لا ينسى رفع اليدين ثم روى البيهقي عن الربيع قال : قلت للشافعي : ما معنى رفع اليدين عند الركوع فقال : مثل معنى رفعهما عند الافتتاح تعظيما لله تعالى وسنة متبعة نرجو فيها ثواب الله تعالى ، ومثل رفع اليدين على الصفا والروة وغيرهما .

قسم V03/P360–V03/P362

وروى البيهقي عن سفيان بن عيينة قال اجتمع الأوزاعي والثوري عشاء فقال الأوزاعي للثوري : لم لا ترفع يديك في خفض الركوع ورفعه فقال : حدثنا يزيد بن أبي زياد فقال الأوزاعي أروي لك عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم تعارضني بيزيد بن أبي زياد ويزيد رجل ضعيف ، وحديثه ضعيف ، مخالف للسنة . فاحمر وجه الثوري فقال الأوزاعي : كأنك كرهت ما قلت قال : نعم فقال الأوزاعي : قم بنا إلى المقام نلتعن أينا على الحق ، فتبسم الثوري لما رأى الأوزاعي قد احتد . وروى البخاري في كتاب رفع اليدين بإسناده الصحيح عن نافع أن ابن عمر كان إذا رأى رجلا لا يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رماه بالحصى وروى البخاري عن أم الدرداء رضي الله عنها أنها كانت ترفع يديها في الصلاة حذو منكبيها وحين تفتتح الصلاة وحين تركع ، وإذا قالت : سمع الله لمن حمده رفعت يديها وقالت ، ربنا ولك الحمد قال البخاري : ونساء بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أعلم من هؤلاء . وبإسناده الصحيح عن سعيد بن جبير أنه قال : رفع اليدين في الصلاة شيء تزيد به صلاتك . قال البخاري : ولم يثبت عند الحجاز وأهل العراق ، منهم الحميدي ومحمد بن المثنى ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم وهؤلاء أهل العلم من أبناء أهل زمانهم لم يثبت عند أحد منهم علمه في ترك رفع الأيدي عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يرفع يديه قال : وكان ابن المبارك يرفع يديه ، وهو أكثر أهل زمانه علما فيما يعرف ، فلو لم يكن عند من لم يعلم عن السلف علم فاقتدى بابن المبارك فيما اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين لكان أولى به من أن يقتدي بقول من لا يعلم . وقال معمر : قال ابن المبارك : فقال ما حسبت أن تطير ، قلت : إن لم أطر في الأولى لم أطر في الثانية ثم روى البخاري رفع الأيدي في هذه المواضع عن أعلام أئمة الإسلام من الصحابة والتابعين وتابعيهم ثم قال : فهؤلاء أهل مكة والمدينة واليمن والعراق قد اتفقوا على رفع الأيدي . ثم رواه عن جماعات آخرين ، ثم قال فمن زعم أن رفع اليدين بدعة فقد طعن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف ومن بعدهم ، وأهل الحجاز وأهل المدينة وأهل مكة وعدة من أهل العراق وأهل الشام واليمن وعلماء خراسان منهم ابن المبارك حتى شيوخنا ، ولم يثبت عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم ترك الرفع وليس أسانيده أصح من أسانيد الرفع . قال البخاري : وأما رواية الذين رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم الرفع عند الافتتاح وعند الركوع والرفع منه ورواية الذين رووا أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع في هذه المواضع وفي القيام من الركعتين فالجميع صحيح لأنهم لم يحكوا صلاة واحدة ، واختلفوا فيها بعينها مع أنه لا اختلاف في ذلك ، وإنما زاد بعضهم على بعض ، والزيادة مقبولة من أهل العلم ، والله تعالى أعلم .

قسم V03/P362–V03/P363

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجب أن ينحني إلى حد يبلغ راحتاه ركبتيه لأنه لا يسمى بما دونه راكعا ويستحب أن يضع يديه على ركبتيه ويفرق أصابعه ، لما روى أبو حميد الساعدي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمسك راحتيه على ركبتيه كالقابض عليهما وفرج بين أصابعه ولا يطبق لما روي عن مصعب بن سعد رضي الله عنه قال : صليت إلى جنب سعد بن مالك فجعلت يدي بين ركبتي وبين فخذي وطبقتهما فضرب بيدي وقال : اضرب بكفيك على ركبتيك ، وقال : يا بني إنا قد كنا نفعل هذا فأمرنا أن نضرب بالأكف على الركب والمستحب أن يمد ظهره وعنقه ولا يقنع رأسه ولا يصوبه لما روي أن أبا حميد الساعدي رضي الله عنه وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : فركع واعتدل ولم يصوب رأسه ولم يقنعه والمستحب أن يجافي مرفقيه عن جنبيه ، لما روى أبو حميد الساعدي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك فإن كانت إمرأة لم تجاف بل تضم المرفقين إلى الجنبين لأن ذلك أستر لها ، ويجب أن يضمئن في الركوع لقوله صلى الله عليه وسلم للمسيىء صلاته ثم اركع حتى تطمئن راكعا . + الشرح : حديث أبي حميد الأول داود والترمذي وهما من جملة الحديث الطويل في صفة الصلاة بكمالها ، رواه أبو داود والترمذي وغيرهما بهذه الألفاظ إلا قوله ( ويفرج أصابعه ) فلم يذكرها الترمذي ، وروى البخاري حديث أبي حميد هذا لكنه لم يقع فيه هاتان اللفظتان كما وقعتا هنا ، وأما لفظ البخاري فعن محمد بن عمرو ابن عطاء : أنه كان جالسا مع نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو حميد الساعدي : أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه ثم هصر ظهره فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقاره مكانها ، فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضها واستقبل أصابع رجليه موجهة للقبلة ، فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى فإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى على مقعدته هذا لفظ رواية البخاري . وأما رواية الترمذي فعن محمد بن عمرو بن عطاء عن أبي حميد قال : سمعته وهو في عشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقول : أنا أعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : فاعرض قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائما ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه فإذا أراد أن يركع رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثم قال : الله أكبر ورفع ، ثم اعتدل فلم يصوب رأسه ، ولم يقنع ووضع يديه على ركبتيه ثم قال : سمع الله لمن حمده ، ورفع يديه واعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه معتدلا ، ثم هوى إلى الأرض ساجدا ثم قال : الله أكبر ثم جافى عضديه عن ابطيه وفتح أصابع رجليه ، ثم ثنى رجله اليسرى وقعد عليها ، ثم اعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه معتدلا ، ثم هوى ساجدا ثم قال : الله أكبر ثم ثنى رجله وقعد واعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه ثم نهض ، ثم صنع في الركعة الثانية مثل ذلك حتى إذا قام من السجدتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما صنع حين افتتح الصلاة ثم صنع كذلك حتى كانت الركعة التي تنقضي فيها صلاته أخر رجله اليسرى وقعد على شقه متوركا ، ثم سلم ، قالوا : صدقت هكذا صلى صلى الله عليه وسلم هذا لفظ رواية الترمذي قال : هذا حديث حسن صحيح .

قسم V03/P363–V03/P365

قال : وقوله ( إذا قام من السجدتين رفع يديه ) يعني إذا قام من الركعتين من التشهد الأول ورواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم مثل رواية الترمذي وزاد بعده بتكبيرة الإحرام يقرأ وقال فيها ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه وقال : ( ثم إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ) ورواه أبو داود من رواية أخرى وقال : إذا ركع أمكن كفيه من ركبتيه وفرج بين أصابعه لكنه من رواية ابن لهيعة وهو ضعيف . وفي رواية له في السجود واستقبل بأطراف أصابعه القبلة فهذه طرق من حديث التطبيق رواها البخاري ومسلم بإسنادهما عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال : صليت إلى جنب أبي فطبقت بين كفي ووضعتهما بين فخذي فنهاني أبي وقال : كنا نفعله فنهينا عنه وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب . وأما حديث المسيىء صلاته فرواه البخاري ومسلم من رواية أبي هريرة . أما ألفاظ الفصل : فالتطبيق هو أن ويجعلهما بين ركبتيه وفخذيه . وقوله : ولا يقنع رأسه أي لا يرفعه ولا يصوبه وهو بضم الياء وفتح الصاد وبالباء الموحدة ، أي لا يبالغ في خفضه وتنكيسه ، وقوله : يجافي هو مقصور ومعناه يباعد ومنه ، الجفوة والجفاء بالمد ، وأبو حميد اسمه عبد الرحمن وقيل المنذر بن عمرو الأنصاري الساعدي من بني ساعدة ، بطن من الأنصار المدني رضي الله عنه توفي في آخر خلافة معاوية رضي الله عنه ، ومصعب بن سعد بن أبي وقاص ، اسم أبي وقاص مالك بن وهيب ويقال : أهيب فسعد بن مالك هو سعد بن أبي وقاص وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ومصعب ابنه وقوله في حديث أبي حميد ثم هصر ظهره وهو بفتح الهاء والصاد المهملة المخففة أي ثناه وعطفه ، والفقار عظام الظهر بفتح الفاء . وقوله : فتح أصابع رجليه وهو بالحاء المهملة أي لينها وثناها إلى القبلة ، وقوله : وركع ثم اعتدل أي استوى في ركوعه . أما أحكام الفصل : قال أصحابنا : ركبتيه لو أراد وضعهما عليهما ، ولا يجزيه دون هذا بلا خلاف عندنا . وهذا عند اعتدال الخلقة وسلامة اليدين والركبتين ، ولو انخنس وأخرج ركبتيه ، وهو مائل منتصب وصار بحيث لو مد يديه بلغت راحتاه ركبتيه لم يكن ذلك ركوعا لأن بلوغهما لم يحصل بالإنحناء . قال إمام الحرمين : ولو مزج وضع الراحتين على الركبتين جميعا لم يكن ركوعا أيضا ، ثم إن لم يقدر على الإنحناء إلى الحد المذكور إلا بمعين أو باعتماد على شيء أو بأن ينحني على جانبه لزمه ذلك بلا خلاف لأن ذلك يؤدي إلى تحصيل الركوع فوجب ، فإن لم يقدر انحنى القدر الممكن فإن عجز أومأ بطرفه من قيام ، هذا بيان ركوع القائم . أما ركوع المصلي قاعدا فأقله أن ينحني بحيث يحاذي وجهه ما وراء ركبتيه من الأرض ، وأكمله أن ينحني تحاذي جبهته موضع سجوده ، فإن عجز عن هذا القدر لعلة بظهره ونحوها فعل الممكن من الإنحناء ، وفي ركوع العاجز وسجوده فروع كثيرة سنذكرها إن شاء الله تعالى حيث ذكر ( المصنف المسألة ) في باب صلاة المريض قال أصحابنا : ويشترط أن لا يقصد بهويه غير الركوع فلو قرأ في قيامه آية سجدة فهوى ليسجد ثم بدا له بعد بلوغه حد الراكعين أن يركع لم يعتد بذلك عن الركوع ، بل يجب أن يعود إلى القيام ثم يركع ، وهذا لا خلاف فيه .

قسم V03/P365–V03/P366

ولو سقط من قيامه بعد فراغ القراءة فارتفع من الأرض إلى حد الراكعين لم يجزه بلا خلاف ، وقد ذكره المصنف في باب سجود التلاوة ، بل عليه أن ينتصب قائما ثم يركع ، ولو انحنى للركوع فسقط قبل حصول أقل الركوع لزمه أن يعود إلى الموضع الذي سقط منه ويبني على ركوعه ، صرح به صاحب الحاوي والأصحاب ، ولو ركع واطمأن ثم سقط لزمه أن يعتدل قائما ولا يجوز أن يعود إلى الركوع لئلا يزيد ركوعا نص عليه الشافعي في الأم ، وقطع به الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والأصحاب ، وتجب الطمأنينة في الركوع بلا خلاف لحديث المسيىء صلاته وأقلها أن يمكث في هيئة الركوع حتى تستقر أعضاؤه وتنفصل حركة هويه عن ارتفاعه من الركوع ، ولو جاوز حد أقل الركوع بلا خلاف لحديث المسيىء صلاته ولو زاد في الهوى ثم ارتفع والحركات متصلة ولم يلبث لم تحصل الطمأنينة ، ولا يقوم زيادة الهوي مقام الطمأنينة بلا خلاف . وأما أكمل الركوع في الهيئة فأن ويمدهما كالصفيحة ، وينصب ساقيه ولا يثني ركبتيه قال الشافعي في الأم : ويمد ظهره وعنقه ولا يخفض ظهره عن عنقه ولا يرفعه ، ويجتهد أن يكون مستويا ، فإن رفع رأسه عن ظهره أو ظهره عن رأسه أو جافى ظهره حتى يكون كالمحدودب كرهته ولا إعادة عليه ويضع يديه على ركبتيه ويأخذهما بهما ويفرق أصابعه حينئذ ويوجهها نحو القبلة . قال الشيخ أبو محمد في التبصرة : ويوجههما نحو القبلة غير منحرفة يمينا وشمالا وهذا الذي ذكرناه من استحباب تفريقها هو الصواب الذي نص عليه الشافعي في المختصر وغيره وقطع به الأصحاب في جميع الطرق . وأما قول إمام الحرمين والغزالي في الوسيط يتركها على حالها فشاذ مردود ، قال الشافعي في الأم وأصحابنا : فإن كانت إحدى يديه مقطوعة أو عليلة فعل بالأخرى ما ذكرنا وفعل بالعليلة الممكن ، فإن لم يمكنه وضع اليدين على الركبتين أرسلهما . قال أصحابنا : ولو كان أقطع من الرفع يرفع زنديه حذو منكبيه ، والفرق أن في تبليغهما إلى الركبتين في الركوع مفارقة لهيئته من استواء الظهر بخلاف الرفع ، ولو لم يضع يديه على ركبتيه ولكن بلغ ذلك القدر أجزأه ويكره تطبيق اليدين بين الركبتين لحديث سعد رضي الله عنه فقد صرح فيه بالنهي ، ويسن للرجل أن يجافي مرفقيه عن جنبيه ، ويسن للمرأة ضم بعضها إلى بعض وترك المجافاة ، وقد ذكر المصنف دليل هذا كله مع ما ذكرناه من حديث أبي حميد وأما الخنثى فالصحيح أنه كالمرأة يستحب له ضم بعضه إلى بعض . وقال صاحب البيان : قال القاضي أبو الفتوح : لا يستحب له المجافاة ولا الضم لأنه ليس أحدهما أولى من الآخر ، والمذهب الأول ، وبه قطع الرافعي لأنه أحوط ، قال الشافعي في الأم : أحب للمرأة في السجود أن تضم بعضها إلى بعض وتلصق بطنها بفخذيها كأستر ما يكون لها ، قال : وهكذا أحب لها في الركوع وجميع الصلاة ، والمعتمد في استحباب ضم المرأة بعضها إلى بعض كونه أستر لها كما ذكره المصنف . وذكر البيهقي بابا ذكر فيه أحاديث مرسل في سنن أبي داود . قال العلماء : والحكمة في استحباب مجافاة الرجل مرفقيه عن جنبيه في الركوع والسجود أنها أكمل في هيئة الصلاة وصورتها ، ولا أعلم في استحبابها خلافا لأحد من العلماء . وقد نقل الترمذي استحبابها في الركوع والسجود عن أهل العلم مطلقا ، وقد ذكرت حكم تفريق الأصابع والمواضع التي يضم فيها أو يفرق في فصل رفع اليدين في تكبيرة الإحرام . فرع : قال الشافعي في الأم والشيخ أبو حامد وصاحب التتمة : لو ركع ولم يضع يديه على ركبتيه ورفع ثم شك هل انحنى قدرا تصل به راحتاه إلى ركبتيه أم لا لزمه إعادة الركوع لأن الأصل عدمه . فرع : في مذاهب العلماء في حد الركوع .

قسم V03/P366–V03/P368

مذهبنا أنه يجب أن ينحني بحيث تنال راحتاه ركبتيه ، ولا يجب وضعهما على الركبتين وتجب الطمأنينة في الركوع والسجود والاعتدال من الركوع والجلوس بين السجدتين ، وبهذا كله قال مالك وأحمد وداود . وقال أبو حنيفة : يكفيه في الركوع أدنى إنحناء ، ولا تجب الطمأنينة في شيء من هذه الأركان ، واحتج بقوله تعالى : اركعوا واسجدوا الحج : 77 والإنخفاض والإنحناء قد أتى به . واحتج أصحابنا والجمهور بحديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة المسيىء صلاته أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : اركع حتى تطمئن راكعا ، ثم ارفع حتى تعتدل قائما ، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ، ثم افعل ذلك في صلاته كلها رواه البخاري ومسلم وهذا الحديث لبيان أقل الواجبات كما سبق التنبيه عليه ، ولهذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم ارجع فصل فإنك لم تصل فإن قيل : لم يأمره بالإعادة ، قلنا : هذا غلط وغفلة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له في آخر مرة ارجع فصل فإنك لم تصل فقال له : علمني فعلمه ، وقد سبق أمره له بالإعادة فلا حاجة إلى تكراره . وعن زيد بن وهب عن حذيفة الركوع والسجود فقال : ما صليت ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدا صلى الله عليه وسلم رواه البخاري . وعن رفاعة بن رافع حديثه في قصة المسيىء صلاته بمعنى حديث أبي هريرة ، وهو صحيح كما سبق بيانه في فصل قراءة الفاتحة وعن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم لا تجزىء صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود رواه أبو داود والترمذي وقال : حديث حسن صحيح والنسائي وغيرهم وهذا لفظ أبي داود ولفظ الترمذي لا تجزىء صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود قال الترمذي : والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم ، والصلب الظهر . وفي الباب أحاديث كثيرة مشهورة وفيما ذكرناه كفاية ، وأما احتجاجهم بالآية الكريمة فجوابه أنها مطلقة بينت السنة المراد بها فوجب اتباعه . فرع في الركوع ومن بعدهم على كراهة التطبيق في الركوع إلا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فإنه كان يقول : التطبيق سنة ويخبر أنه قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم يفعله ، ثبت ذلك عنه في صحيح مسلم ، وحجة الجمهور حديث سعد ، وهو صريح في النسخ كما سبق بيانه ، وحديث أبي حميد الساعدي وغيرهما . وعن ابن عبد الرحمن السلمي قال : قال لنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن الركب قد سنت لكم فخذوا بالركب رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح والنسائي .

قسم V03/P368–V03/P369

قال المصنف رحمه الله تعالى : والمستحب أن يقول : سبحان ربي العظيم ثلاثا ، وذلك أدنى الكمال ، لما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا ركع أحدكم فقال سبحان ربي العظيم ثلاثا فقد تم ركوعه ، وذلك أدناه والأفضل أن يضيف : اللهم لك ركعت ، ولك خشعت ، وبك آمنت ولك أسلمت ، خشع لك سمعي وبصري وعظمي ومخي وعصبي لما روى على رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم : كان إذا ركع قال ذلك فإن ترك التسبيح لم تبطل صلاته لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسيىء صلاته ثم اركع حتى تطمئن راكعا ولم يذكر التسبيح . + الشرح : حديث ابن مسعود رضي الله عنه رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم عن عون بن عبد الله بن عتبة عن ابن مسعود ، قال أبو داود والترمذي وغيرهما : هو منقطع لأن عونا لم يلق ابن مسعود ، ولهذا قال الشافعي في الأم : وإن كان هذا الحديث ثابتا فإنما يعني بقوله : تم ركوعه وذلك أدناه ، أي أدنى ما ينسب إلى كمال الفرض والاختيار معا ، لإكمال الفرض وحده . قال البيهقي : إنما قال : إن كان ثابتا ، لأنه منقطع . وأما حديث علي رضي الله عنه فرواه مسلم ، وفيه مغايرة في بعض الألفاظ سأذكرها إن شاء الله تعالى ، وحديث : المسيىء صلاته رواه البخاري ومسلم وسبق بيانه مرات . وأما حكم المسألة : فقال الشافعي رحمه الله في المختصر : يقول سبحان ربي العظيم ثلاثا . وذلك أدنى الكمال . وقال في الأم : أحب أن يبدأ الراكع فيقول سبحان ربي العظيم ثلاثا ، ويقول ما حكيته عن النبي صلى الله عليه وسلم يعني حديث علي رضي الله عنه قال أصحابنا : ( يستحب التسبيح في الركوع ، ويحصل أصل السبحة بقوله : سبحان الله أو سبحان ربي و أدنى الكمال أن يقول : سبحان ربي العظيم ثلاث مرات ، فهذا أدنى مراتب الكمال ) قال القاضي حسين : قول الشافعي يقول سبحان ربي العظيم ثلاثا وذلك أدنى الكمال ، لم يرد أنه لا يجزيه أقل من الثلاث ، لأنه لو سبح مرة واحدة كان آتيا بسنة التسبيح ، وإنما أراد أن أول الكمال الثلاث ، قال : ولو سبح خمسا أو سبعا أو تسعا أو إحدى عشرة كان أفضل وأكمل ، لكنه إذا كان إماما يستحب أن لا يزيد على ثلاث . وكذا قال صاحب الحاوي أدنى الكمال ثلاث وأعلى الكمال إحدى عشرة أو تسع وأوسطه خمس ، ولو سبح مرة حصل التسبيح . قال أصحابنا : ويستحب أن يقول سبحان ربي العظيم وبحمده ، وممن نص على استحباب قوله : وبحمده القاضي أبو الطيب والقاضي حسين وصاحب الشامل والغزالي وآخرون وينكر على الرافعي لأنه قال : وبعضهم يضيف إليه وبحمده فأوهم أنه وجه شاذ مع أنه مشهور لهؤلاء الأئمة . قال أصحابنا ويستحب أن يقول : اللهم لك ركعت إلى آخر ما في الحديث علي رضي الله عنه ، وهذا أتم الكمال . واتفق الأصحاب على أنه يأتي بالتسبيح أولا ، وهو ظاهر نص الشافعي في الأم الذي قدمته . قال أصحابنا : فإذا أراد الاقتصار على أحد الذكرين فالتسبيح أفضل لأنه أكثر في الأحاديث . وممن صرح بهذا القاضي حسين وإمام الحرمين وصاحب العدة وآخرون قال القاضي أبو الطيب ( والاتيان بقوله : اللهم لك ركعت إلى آخره مع ثلاث تسبيحات أفضل من حذفه وزيادة التسبيح على ثلاث ، وهذا الذي قاله واضح لا يجيء فيه خلاف ) .

قسم V03/P369–V03/P371

قال أصحابنا : والزيادة على ثلاث تسبيحات تستحب للمنفرد ، وأما الإمام فلا يزيد على ثلاث تسبيحات ، وقيل خمس إلا أن يرضى المأمومون بالتطويل ويكونوا محصورين لا يزيدون ، هكذا قاله الأصحاب ، وقد قال الشافعي في الأم : أحب أن يبدأ الراكع فيقول : سبحان ربي العظيم ثلاثا ، ويقول ما حكيت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوله ، يعني حديث علي رضي الله عنه ، قال وكل ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركوع أو سجود أحببت أن لا يقصر عنه إماما كان أو منفردا ، وهو تخفيف لا تثقيل ، هذا لفظ نصه ، وظاهره استحباب الجميع للإمام ، لكن الأقوى ما ذكره الأصحاب فيتأول نصه على ما إذا رضي المأمومون أو على غيره والله أعلم . فرع : في بيان الأحاديث الواردة في أذكار الركوع والسجود . عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده : سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ، اللهم اغفر لي رواه البخاري ومسلم ، وعنها أن النبي صلى الله عليه وسلم : كان يقول في ركوعه وسجوده : سبوح قدوس رب الملائكة والروح رواه البخاري ومسلم ، وسبوح قدوس بضم أولهما وفتحه لغتان ، وعنها قالت : افتقدت النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فتحسست ثم رجعت فإذا هو راكع وساجد يقول : سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت رواه مسلم . وعن حذيفة رضي الله عنه قال : البقرة ، فقلت يركع عند المائة ثم مضى فقلت : يصلي بها في ركعة فمضى فقلت يركع بها . ثم افتتح آل عمران فقرأها ، ثم افتتح النساء فقرأها يقرأ مترسلا إذا مر بآية فيها تسبيح سبح ، وإذا مر بسؤال سأل ، وإذا مر بتعوذ تعوذ ، ثم ركع فجعل يقول : سبحان ربي العظيم فكان ركوعه نحوا من قيامه ، ثم قال : سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد ، ثم قام قياما طويلا قريبا مما ركع ثم سجد فقال : سبحان ربي الأعلى . وكان سجوده قريبا من قيامه رواه مسلم . وعن علي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت ، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي . وإذا رفع قال : اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات ( وملء ) الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد . وإذا سجد قال : اللهم لك سجدت ، وبك آمنت ولك أسلمت ، سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره ، تبارك الله أحسن الخالقين رواه مسلم . وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال : لما نزلت فسبح باسم ربك العظيم الواقعة : 69 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اجعلوها في ركوعكم ، فلما نزلت سبح اسم ربك الأعلى الأعلى : 1 قال : اجعلوها في سجودكم رواه أبو داود وابن ماجه بإسناد حسن ، زاد أبو داود في رواية أخرى قال : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ركع قال : سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاثا . وإذا سجد قال : سبحان ربي الأعلى وبحمده ثلاثا قال أبو داود : ونخاف أن لا تكون هذه الزيادة محفوظة ، وفي رواتها مجهول . وعن حذيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم : كان يقول في ركوعه : سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاثا وفي سجوده سبحان ربي الأعلى وبحمده ثلاثا رواه الدارقطني بإسناد فيه محمد بن أبي ليلى وهو ضعيف .

قسم V03/P371–V03/P372

وعن عوف بن مالك رضي الله عنه قال : قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقام يقرأ بسورة البقرة ، لا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل ، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوذ ، ثم ركع بقدر قيامه يقول في ركوعه : سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة ، ثم سجد بقدر قيامه ثم قال في سجوده مثل ذلك ثم قام فقرأ بآل عمران ، ثم قرأ سورة سورة رواه أبو داود بإسناد صحيح . وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم رواه مسلم ، وفي الباب أحاديث كثيرة ستأتي بقية منها في السجود إن شاء الله تعالى . فرع : قال الشافعي والأصحاب وسائر العلماء : قراءة القرآن في الركوع والسجود والتشهد وغير حالة القيام من أحوال الصلاة لحديث علي رضي الله عنه قال : نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قراءة القرآن وأنا راكع أو ساجد رواه مسلم . وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا ، فأما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم رواه مسلم . فإن قرأ غير الفاتحة في الركوع والسجود لم تبطل صلاته ، وإن قرأ الفاتحة أيضا لم تبطل على الأصح وبه قطع جمهور العراقيين ، وفي وجه حكاه الخراسانيون وصاحب الحاوي أنه تبطل صلاته لأنه نقل ركنا إلى غير موضعه ، كما لو ركع أو سجد في غير موضعه ، وستأتي فروع هذه المسألة ونبسطها في سجود السهود إن شاء الله تعالى . فرع : في التسبيح وسائر الأذكار في الركوع والسجود ، وقول : سمع الله لمن حمده ، وربنا لك الحمد ، والتكبيرات غير تكبيرة الإحرام كل ذلك سنة ليس بواجب ، فلو تركه لم يأثم وصلاته صحيحة ، سواء تركه عمدا أو سهوا ، لكن يكره تركه عمدا هذا مذهبنا ، وبه قال مالك وأبو حنيفة وجمهور العلماء ، قال الشيخ أبو حامد : وهو قول عامة الفقهاء ، قال صاحب الحاوي : وهو مذهب الفقهاء كافة . وقال إسحاق بن راهويه : التسبيح واجب إن تركه عمدا بطلت صلاته ، وإن نسيه لم تبطل ، وقال داود : واجب مطلقا ، وأشار الخطابي في معالم السنن إلى اختياره ، وقال أحمد : التسبيح في الركوع والسجود وقول : سمع الله لمن حمده ، وربنا ولك الحمد ، وإن نسيه بين السجدتين وجميع التكبيرات واجبة ، فإن ترك شيئا منه عمدا بطلت صلاته وإن نسي لم تبطل ، ويسجد للسهو عنه ، وعنه رواية أنه سنة كقول الجمهور . واحتج من أوجبه بحديث عقبة بن عامر المذكور في فرع أذكار الركوع ، وبأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله ، وقال صلى الله عليه وسلم : صلوا كما رأيتموني أصلي وبالقياس على القراءة . واحتج الشافعي والجمهور بحديث واجبات الصلاة ، ولم يعلمه هذه الأذكار مع أنه علمه تكبيرة الإحرام والقراءة فلو كانت هذه الأذكار واجبة لعلمه إياها ، بل هذه أولى بالتعليم لو كانت واجبة لأنها تقال سرا وتخفى ، فإذا كان الركوع والسجود مع ظهورهما لا يعلمها فهذه أولى ، وأما الأحاديث الواردة بهذه الأذكار فمحمولة على الاستحباب جمعا بين الأدلة ، وأما القياس على القراءة ففرق أصحابنا بأن الأفعال في الصلاة ضربان : أحدهما : معتاد للناس في غير تتميز العبادة فيه عن العادة فوجب فيه الذكر ليتميز . والثاني : غير معتاد ، وهو الركوع لصورته عن أفعال العادة فلم يفتقر إلى مميز والله أعلم .

قسم V03/P372–V03/P373

فرع : التسبيح في اللغة معناه وأهل المعاني على أن معنى تسبيح الله تعالى تنزيهه وتبرئته في السؤ قال : واصله في اللغة التبعيد من قولك سبحت في الأرض إذا بعدت فيها ، وسبحان الله منصوب على المصدر عند الخليل والفراء ، كأنك قلت : سبحانا وتسبيحا فجعل السبحان موضع التسبيح ، قال سيبويه : سبحت الله سبحانا بمعنى واحد ، فالمصدر التسبيح وسبحان اسم يقوم مقام المصدر ، وبحمده سبحته فحذف سبحته اختصارا ، ويكون قوله : وبحمده حالا أي حامدا سبحته ، وقيل معناه وبحمده أبتدىء .

قسم V03/P373–V03/P374

قال المصنف رحمه الله تعالى : ثم الله لمن حمده لما ذكرناه من حديث أبي هريرة في الركوع ، ويستحب أن يرفع يديه حذو منكبيه في الرفع ، لما ذكرناه من حديث ابن عمر في تكبيرة الإحرام فإن قال من حمد الله سمع الله له أجزأه لأنه أتى باللفظ والمعنى فإذا استوى قائما استحب أن يقول : ربنا لك الحمد ملء السموات ، وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد ، أهل الثناء والمجد حق ما قال العبد ، كلنا لك عبد ، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ، لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم : كان إذا رفع رأسه من الركوع قال ذلك ويجب أن يطمئن قائما ، لما روى رفاعة بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا قام أحدكم إلى الصلاة فليتوضأ كما أمره الله تعالى إلى أن قال ثم ليركع حتى يطمئن راكعا ثم ليقم حتى يطمئن قائما ثم ليسجد حتى يطمئن ساجدا . + الشرح : أما حديث أبي سعيد قال : ( أحق ما قال العبد ، وكلنا لك عبد ) بإثبات الألف في أحق وواو في ( وكلنا ) هكذا رواه أبو داود وسائر المحدثين ، ووقع في المهذب وكتب الفقه ( حق ما قال العبد كلنا ) بحذف الألف والواو ، وهذا وإن كان منتظم المعنى لكن الصواب ما ثبت في كتب الحديث . قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله : معناه ( أحق ما قال العبد ) قوله : ( لا مانع لما أعطيت ) إلى آخره ، وقوله : وكلنا لك عبد اعتراض بين المبتدأ والخبر ، قال أبو داود : أو يكون قوله : أحق ما قال خبرا لما قبله أي قوله : ربنا لك الحمد إلى آخره أحق ما قال العبد والأول أولى وهذا الذي رجحه هو الراجح الذي يحسن أن يقال إنه أحق ما قال العبد لما فيه من كمال التفويض إلى الله تعالى والاعتراف بكمال قدرته وعظمته وقهره وسلطانه وانفراده بالوحدانية وتدبير مخلوقاته . وأما حديث ابن عمر فصحيح رواه البخاري ومسلم ، وحديث رفاعة صحيح تقدم بيانه بطوله في فصل القراءة لكن وقع هنا حتى تطمئن قائما والذي في الحديث حتى تعتدل قائما . أما ألفاظ الفصل : فقوله : لأنه أتى باللفظ والمعنى . احتراز من قوله : في التكبير أكبر الله ، فإنه لا يجزيه ، لأنه أتى باللفظ دون المعنى ، وقوله : سمع الله لمن حمده أي تقبل الله منه حمده وجازاه به ، وقوله : ملء السموات وملء الأرض هو بكسر الميم ويجوز نصب آخره ورفعه ممن ذكرهما جميعا ابن خالويه وآخرون وحكي عن الزجاج أنه لا يجوز إلا الرفع ، ورجح ابن خالويه والأكثرون النصب وهو المعروف في روايات الحديث ، وهو منصوب على الحال أي مالئا وتقديره لو كان جسما لملأ ذلك وقد بسطت الكلام في هذه اللفظة في تهذيب اللغات ، وذكرت قول الزجاج وابن خالويه وغيرهما وقوله ( أهل ) منصوب على النداء ، وقيل ويجوز رفعه على تقدير أنت أهل والمشهور الأول ، والثناء : المجد ، والمجد العظمة ، وقوله : ( لا ينفع ذا الجد منك الجد ) هو بفتح الجيم على المشهور ، وقيل بكسرها والصحيح الأول والجد : الحظ والمعنى لا ينفع ذا المال والحظ والغنى غناه ولا يمنعه من عقابك ، وإنما ينفعه ويمنعه من عقابك العمل الصالح ، وعلى رواية الكسر يكون معناه لا ينفع ذا الإسراع في الهرب إسراعه وهربه ، وقد أوضحته في تهذيب الأسماء واللغات : وقوله : رفاعة بن مالك كذا هو في المهذب ، والذي في رواية الشافعي والترمذي وغيرهما رفاعة بن رافع وكذا ذكره المصنف قبل هذا في فصل قراءة الفاتحة ، وقد بيناه هناك .

قسم V03/P374–V03/P376

أما حكم الفصل : فالاعتدال من الركوع فرض وركن من أركان الصلاة لا تصح إلا به بلا خلاف عندنا ، وقد يتعجب من المصنف حيث لم يصرح به كما صرح به في التكبير والقراءة والركوع كأنه تركه لاستغنائه بقوله بعده : ويجب أن يطمئن قائما . قال أصحابنا : والاعتدال الواجب هو أن يعود بعد ركوعه إلى الهيئة التي كان عليها قبل الركوع سواء صلى قائما أو قاعدا فلو ركع عن قيام فسقط في ركوعه نظر إن لم يطمئن من ركوعه لزمه أن يعود إلى الركوع ويطمئن ثم يعتدل منه وإن اطمأن لزمه أن ينتصب قائما فيعتدل ثم يسجد ولا يجوز أن يعود إلى الركوع فإن عاد عالما بتحريمه بطلت صلاته ، لأنه زاد ركوعا ، ولو رفع الراكع رأسه ثم سجد وشك هل تم اعتداله لزمه أن يعود إلى الاعتدال ثم يسجد ، لأن الأصل عدم الاعتدال . ويجب أن لا يقصد بارتفاعه من الركوع شيئا غير الاعتدال ، فلو رأى في ركوعه حية ونحوها فرفع فزعا منها لم يعتد به ، وينبغي أن لا يطول الاعتدال زيادة على القدر المشروع لأذكاره ، فإن طول زيادة عليه ففي بطلان صلاته خلاف ، وتفصيل فذكر إن شاء الله تعالى في باب سجود السهود . قال أصحابنا : ولو أتى بالركوع الانتصاب سجد من ركوعه وسقط عنه الاعتدال لتعذره ، فلو زالت العلة قبل بلوغ جبهته من الأرض وجب أن يرتفع وينتصب قائما ويعتدل ثم يسجد ، وإن زالت بعد وضع جبهته على الأرض لم يرجع إلى الاعتدال بل سقط عنه ، فإن خالف وعاد إليه قبل تمام سجوده عالما بتحريمه بطلت صلاته ، وإن كان جاهلا لم تبطل ، ويعود إلى السجود ، وتجب الطمأنينة في الاعتدال بلا خلاف عندنا . وقال إمام الحرمين : في قلبي من إيجابها شيء ، وسببه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث المسيء صلاته حتى تعتدل قائما وقال في باقي الأركان حتى تطمئن ، والصواب الأول ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطمئن وقال : صلوا كما رأيتموني أصلي هذا ما يتعلق بواجب الاعتدال وأما أكمله ومندوباته ، فمنها أن يرفع يديه حذو منكبيه كما سبق بيانه في صفة الرفع في تكبيرة الإحرام ، ويكون ابتداء رفعهما مع ابتداء الرفع ، ودليل الرفع حديث ابن عمر الذي ذكره المصنف مع غيره مما سبق في فصل الركوع ، وسبق هناك بيان مذاهب العلماء ، فإذا اعتدل قائما حط يديه ، والسنة أن يقول في حال ارتفاعه : سمع الله لمن حمده . قال الشافعي في الأم سمع له ) أجزأه في تحصيل هذه السنة ، لأنه أتى باللفظ والمعنى ، بخلاف ما لو قال في التكبيرة أكبر الله ، فإنه لا يجزيه على الصحيح لأنه يحيل معناه بالتنكيس . قال الشافعي والأصحاب لكن قول سمع الله لمن حمده أولى ، لأنه الذي وردت به الأحاديث ، فإذا استوى قائما استحب أن يقول ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد ، أهل الثناء والمجد ، أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد : لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد . وقال الشافعي والأصحاب : كلها الإمام والمأموم والمنفرد ، فيجمع كل واحد منهم بين قوله سمع الله لمن حمده وربنا لك الحمد إلى آخره ) وهذا لا خلاف فيه عندنا . لكن قال الأصحاب : إنما يأتي الإمام بهذا كله إذا رضي المأمومون بالتطويل وكانوا محصورين ، فإن لم يكن كذلك اقتصر على قوله : سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد ، وقد قدمنا أن الذي في رواية المحدثين أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد والذي في كتب الفقه حق ما قال العبد كلنا بخلاف الألف والواو ، وكلاهما صحيح المعنى ، لكن المختار ما وردت به السنة الصحيحة ، وهو إثبات الألف والواو .

قسم V03/P376–V03/P377

وثبت في الأحاديث الصحيحة من روايات كثيرة ربنا لك الحمد وفي روايات كثيرة ربنا ولك الحمد بالواو . وفي روايات اللهم ربنا ولك الحمد وفي روايات اللهم ربنا لك الحمد وكله في الصحيح . قال الشافعي والأصحاب : كله جائز . قال الأصمعي : سألت أبا عمرو عن الواو في قوله : ربنا ولك الحمد فقال : هي زائدة ، تقول العرب : بعني هذا الثوب : فيقول المخاطب : نعم وهو لك بدرهم فالواو زائدة ( قلت ) ويحتمل أن تكون عاطفة على محذوف ، أي ربنا أطعناك وحمدناك ولك الحمد . قال الشافعي والأصحاب : ولو قال ولك الحمد ربنا أجزأه لأنه أتى باللفظ والمعنى ، وقد سبق الآن الفرق بينه وبين قوله : أكبر الله قالوا : ولك الأفضل قوله ربنا لك الحمد على الترتيب الذي وردت به السنة . قال صاحب الحاوي وغيره : الله لمن حمده ليسمع المأمومون ويعلموا انتقاله ، كما يجهر بالتكبير ويسر بقوله : ربنا لك الحمد لأنه يفعله في الاعتدال فأسر به كالتسبيح في الركوع والسجود كما يبلغ التكبير جهر بقوله سمع الله لمن حمده ، لأنه المشروع في حال الارتفاع ولا يجهر بقوله : ربنا لك الحمد لأنه إنما يشرع في حال الاعتدال والله أعلم . فرع : ذكر صاحب التتمة في اشتراط الاعتدال في صلاة النفل وجهين ، بناء على أن النفل هل يصح مضطجعا مع القدرة على القيام قال : ووجه السنة أنه اقتصر على الإيماء مع القدرة على إكمال الأركان . فرع في مذاهب العلماء في الاعتدال قد ذكرنا أن مذهبنا أنه ركن في قال أحمد وداود وأكثر العلماء . وقال أبو حنيفة : لا يجب ، بل لو انحط من الركوع إلى السجود أجزأه . وعن مالك روايتان كالمذهبين ، واحتج لهم بقوله تعالى : اركعوا واسجدوا الحج : 77 واحتج أصحابنا بحديث المسيىء صلاته ، والآية الكريمة لا تعارضه ، وبقوله صلى الله عليه وسلم : صلوا كما رأيتموني أصلي . فرع في مذاهب العلماء فيما يقال في الاعتدال قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يقول في حال ارتفاعه : سمع الله لمن حمده ، فإذا استوى قائما قال : ربنا لك الحمد إلى آخره ، وأنه يستحب الجمع بين هذين الذكرين للإمام والمأموم والمنفرد ، وبهذا قال عطاء وأبو بردة ومحمد بن سيرين و إسحاق وداود ، وقال أبو حنيفة : يقول الإمام والمنفرد : سمع الله لمن حمده فقط ، والمأموم ربنا لك الحمد فقط . حكاه ابن المنذر عن ابن مسعود وأبي هريرة والشعبي ومالك وأحمد ، قال : وبه أقول . وقال الثوري والأوزاعي وأبو يوسف ومحمد وأحمد يجمع الإمام الذكرين ويقتصر المأموم على ربنا لك الحمد واحتج لهم بحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا قال الإمام : سمع الله حمده فقولوا : ربنا لك الحمد رواه البخاري ومسلم . وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله رواه البخاري ومسلم ورواه مسلم أيضا من رواية أبي موسى . واحتج أصحابنا بحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قال : سمع الله لمن حمده قال : اللهم ربنا ولك الحمد رواه البخاري ومسلم وعن حذيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حين رفع رأسه : سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد رواه مسلم ، وقد سبق بطوله في فصل الركوع ، ومثله في صحيح البخاري من رواية ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ، وفي صحيح مسلم من رواية عبد الله بن أبي أوفى وغيره .

قسم V03/P377–V03/P378

وثبت في صحيح البخاري من حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : صلوا كما رأيتموني أصلي فيقتضي هذا مع ما قبله أن كل مصل يجمع بينهما ، ولأنه ذكر يستحب للإمام فيستحب لغيره كالتسبيح في الركوع وغيره ، ولأن الصلاة مبنية على أن لا يفتر عن الذكر في شيء منها ، فإن لم يقل بالذكرين في الرفع والاعتدال بقي أحد الحالين خاليا عن الذكر . وأما الجواب عن قوله صلى الله عليه وسلم وإذا لك الحمد فقال أصحابنا : فمعناه قولوا : ربنا لك الحمد مع ما قد علمتموه من قول : سمع الله لمن حمده ، وإنما خص هذا بالذكر لأنهم كانوا يسمعون جهر النبي صلى الله عليه وسلم بسمع الله لمن حمده ، فإن السنة فيه الجهر ، ولا يسمعون قوله : ربنا لك الحمد لأنه يأتي به سرا كما سبق بيانه وكانوا يعلمون قوله صلى الله عليه وسلم : صلوا كما رأيتموني أصلي مع قاعدة التأسي به صلى الله عليه وسلم مطلقا ، وكانوا يوافقون في سمع الله لمن حمده فلم يحتج إلى الأمر به ، ولا يعرفون ربنا لك الحمد فأمروا به ، والله أعلم . فرع : ثبت عن رفاعة بن رافع النبي صلى الله عليه وسلم فلما رفع رأسه من الركعة قال : سمع الله لمن حمده ، فقال رجل وراءه : ربنا لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ، فلما انصرف قال : من المتكلم قال : رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول رواه البخاري ، فيستحب أن يجمع بين هذه الأذكار فيقول في ارتفاعه سمع الله لمن حمده ، فإذا انتصب قال : اللهم ربنا لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ملء السموات وملء الأرض إلى قوله : منك الجد .

قسم V03/P378–V03/P381

قال المصنف رحمه الله تعالى : ثم يسجد وهو فرض لقوله تعالى : اركعوا واسجدوا الحج : 77 ويستحب أن يبتدىء عند الهوي إلى السجود بالتكبيرات لما ذكرناه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في الركوع . + الشرح : قال الأزهري : أصل الواحدي : أصله الخضوع والتذلل ، وكل من تذلل وخضع فقد سجد ، وسجود كل موات في القرآن طاعته لما سجد له ، هذا أصله في اللغة ، وقيل لمن وضع جبهته في الأرض سجد لأنه غاية الخضوع . والسجود فرض بنص الكتاب والسنة والإجماع ، ويستحب له التكبير للأحاديث السابقة في فصل الركوع ، وذكرنا هناك اختلاف العلماء ، وأن أحمد أوجب تكبيرات الانتقالات على أصح الروايتين عنه ، وجماعة من السلف لا يشرع ، وذكرنا الدليل على الجميع ، ويستحب مد التكبير من حين يشرع في الهوي حتى يضع جبهته على الأرض ، هذا هو المذهب وفيه قول ضعيف حكاه الخراسانيون أنه يستحب أن لا يمده ، وقد سبق بيانه في فصل الركوع . قال المصنف رحمه الله تعالى : والمستحب أن يضع ركبتيه ثم يديه ثم جبهته وأنفه ، لما روى وائل بن حجر رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه ، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه فإن وضع يديه قبل ركبتيه أجزأ إلا أنه ترك هيئة . + الشرح : مذهبنا أنه يستحب أن يقدم في السجود الركبتين ثم اليدين ، ثم الجبهة والأنف ، قال الترمذي و الخطابي : وبهذا قال أكثر العلماء وحكاه أيضا القاضي أبو الطيب عن عامة الفقهاء . وحكاه ابن المنذر عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه ، والنخعي ومسلم بن بشار وسفيان الثوري و أحمد وإسحاق وأصحاب الرأي قال : وبه أقول ، وقال الأوزاعي و مالك : يقدم يديه على ركبتيه ، وهي رواية عن أحمد ، وروي عن مالك أنه يقدم أيهما شاء ولا ترجيح . واحتج لمن قال بتقديم اليدين بأحاديث ولمن قال بعكسه بأحاديث ولا يظهر ترجيح أحد المذهبين من حيث السنة ، ولكني أذكر الأحاديث الواردة من الجانبين وما قيل عن وائل بن حجر رضي الله عنه قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم قال الترمذي : هو حديث حسن ، وقال الخطابي : هو أثبت من حديث تقديم اليدين ، وهو ارفق بالمصلي وأحسن في الشكل ورأي العين . وقال الدارقطني : قال ابن أبي به شريك القاضي عن ابن كليب وشريك ليس هو منفردا به ، وقال البيهقي : هذا الحديث يعد من إفراد شريك ، هكذا ذكره البخاري وغيره من الحفاظ المتقدمين ، وزاد أبو داود في رواية له وإذا نهض نهض على ركبتيه واعتمد على فخذه وهي زيادة ضعيفة من رواية عبد الجبار بن وائل عن أبيه ولم يسمعه ، وقيل ولد بعده . وعن أنس رضي الله عنه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر وذكر الحديث وقال في السجود سبقت ركبتاه يديه رواه الدارقطني والبيهقي وأشار إلى تضعيفه . وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه رواه أبو داود والنسائي بإسناد جيد ولم يضعفه أبو داود عن عبد الله بن سعيد المقبري عن جده عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه ولا يبرك بروك الجمل رواه البيهقي وضعفه . وقال : عبد الله بن سعيد ضعيف . وعن سعد بن أبي وقاص الركبتين قبل اليدين رواه ابن خزيمة في صحيحه ، وادعى أنه ناسخ لتقديم اليدين ، وكذا اعتمده أصحابنا ولكن لا حجة فيه لأنه ضعيف ظاهر التضعيف بين البيهقي وغيره ضعفه وهو من رواية يحيى بن سلمة بن كهيل وهو ضعيف باتفاق الحفاظ ، قال أبو حاتم : هو منكر الحديث ، وقال البخاري : في حديثه مناكير والله أعلم . فرع : قال الشافعي في الأم : وكأنه ساجد ، ثم إنه يكون أول ما يضع على الأرض منه ركبتيه ثم يديه ثم وجهه فإن وضع وجهه قبل يديه أو يديه قبل ركبتيه كرهته ولا إعادة عليه ولا سجود سهو قال : وإن أخر التكبير عن ذلك يعني عن الإنحطاط وكبر معتدلا أو ترك التكبير كرهت ذلك ، قال الشيخ أبو حامد في تعليقه : والجبهة والأنف كعضو واحد يقدم أيهما شاء .

قسم V03/P381–V03/P382

قال المصنف رحمه الله تعالى : والركبتين والقدمين ، وأما السجود على الجبة فواجب لما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا سجدت فمكن جبهتك من الأرض ولا تنقره نقرأ . قال في الأم : فإن وضع بعض الجبهة كرهته وأجزأه لأنه سجد على الجبهة فإن سجد على حائل ( متصل به ) دون الجبهة لم يجزئه ، لما روى خباب بن الأرت رضي الله عنه قال : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا . وأما السجود على الأنف فهو سنة لما روى أبو حميد أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد وأمكن جبهته وأنفه من الأرض فإن تركه أجزأه لما روى جابر رضي الله عنه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد بأعلى جبهته على قصاص الشعر وإذا سجد بأعلى جبهته لم يسجد على الأنف . + الشرح : حديث ابن عمر وجابر حديث جابر بلفظه هنا لكنه ضعفه ، وأما حديث خباب فرواه البيهقي بلفظه هنا وإسناده جيد ، ورواه مسلم بغير هذا اللفظ فرواه عن زهير عن أبي إسحاق السبيعي عن سعيد بن وهب عن خباب قال : أتينا رسول الله فشكونا إليه حر الرمضاء فلم يشكنا . قال زهير : قلت لأبي إسحاق : أفي الظهر قال نعم ، قلت في تعجيلها قال : نعم هذا لفظ رواية مسلم ورواه البيهقي من طريق آخر ، وقال : فما أشكانا ، وقال : إذا زالت الشمس فصلوا وقد اعترض بعضهم على أصحابنا في احتجاجهم بهذا الحديث لوجوب كشف الجبهة وقال : هذا ورد في الإبراد وهذا الاعتراض ضعيف لأنهم شكوا حر الرمضاء في جباههم وأكفهم ، ولو كان الكشف غير واجب لقيل لهم استروها ، فلما لم يقل ذلك دل على أنه لا بد من كشفها . وقوله : فلم يشكنا ولم يجبنا إلى ما طلبناه ثم نسخ هذا ، وثبتت السنة بالابراد بالظهر ، وأما حديث أبي حميد فرواه أبو داود والترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح وقد ثبت السجود على الأنف في أحاديث كثيرة صحيحة ، وقوله : قصاص الشعر هو بضم القاف وفتحها وكسرها ثلاث لغات حكاهن ابن السكيت وغيره ، وهو أصل منبته من مقدم الرأس . وأما خباب بن الأرت فكنيته أبو وهو من كبار الصحابة والسابقين إلى الإسلام نزل الكوفة وتوفي بها سنة سبع وثلاثين وهو ابن ثلاث وسبعين سنة . أما حكم المسألة : فالسجود على والأولى أن يسجد عليها كلها ، فإن اقتصر على ما يقع عليه الإسم منها أجزأه مع أنه مكروه كراهة تنزيه ، هذا هو الصواب الذي نص عليه الشافعي في الأم ، وقطع به جمهور الأصحاب . وحكى ابن كج والدارمي وجها أنه يجب وضع جميعها وهو شاذ ضعيف ولو سجد على الجبين وهو الذي في جانب الجبهة أو على خده أو صدغه أو مقدم رأسه أو على أنفه ولم يضع شيئا من جبهته على الأرض لم يجزئه بلا خلاف ، ونص عليه في الأم . والصحيح من الوجهين أنه لا يكفي في وضع الجبهة إلا مساس ، بل يجب أن يتحامل على موضع سجوده بثقل رأسه وعنقه حتى تستقر جبهته ، فلو سجد على قطن أو حشيش أو شيء محشو بهما وجب أن يتحامل حتى ينكبس ويظهر أثره على يد لو فرضت تحت ذلك المحشو فإن لم يفعل لم يجزئه وقال إمام الحرمين : عندي أنه يكفي إرخاء رأسه ولا حاجة إلى التحامل كيف فرض محل السجود ، والمذهب الأول ، وبه قطع الشيخ أبو محمد الجويني وصاحب التتمة والتهذيب .

قسم V03/P382–V03/P384

قال الشافعي والأصحاب : ويجب به موضع السجود ، وقد ذكر المصنف دليله ، فإن حال دون الجبهة حائل متصل به فإن سجد على كفه أو كور عمامته أو طرف كمه أو عمامته وهما يتحركان بحركته في القيام والقعود أو غيرهما لم تصح صلاته بلا خلاف عندنا لأنه منسوب إليه ، وإن سجد على ذيله أو كمه أو طرف عمامته وهو طويل جدا لا يتحرك بحركته فوجهان الصحيح : أنه تصح صلاته ، وبهذا قطع إمام الحرمين والغزالي والرافعي قال إمام الحرمين لأن هذا الطرف في معنى المنفصل والثاني : لا تصح وبه قطع القاضي حسين في تعليقه ، كما لو كان على ذلك الطرف نجاسة فإنه لا تصح صلاته ، وإن كان لا يتحرك بحركته ، وقد سبق الفرق بينهما في باب طهارن البدن . أما إذا سجد على ذيل غيره أو طرف عمامة غيره أو على ظهر رجل أو امرأة من غير أن تقع بشرته على بشرتها أو على ظهر غيرهما من الحيوانات الطاهرة كالحمار والشاة وغيرهما أو على ظهر كلب عليه ثوب طاهر بحيث لم يباشر شيئا من النجاسة فيصح سجوده وصلاته في كل هذه الصور بلا خلاف إذا وجدت هيئة السجود . قال صاحب التتمة : لكنه يكره على الظهر . هذا كله إذا لم يكن في ترك المباشرة بالجبهة عذر . فإن كان على جبهته جراحة وعصبها بعصابة وسجد على العصابة أجزأه ذلك وصحت صلاته ولا إعادة عليه ، لأنه إذا سقطت الإعادة مع الإيماء بالرأس للعذر فهنا أولى . قال صاحب الحاوي والمستظهري : وفيه وجه يخرج من مسح الجبيرة أن عليه الإعادة ، والمذهب أنه لا إعادة عليه ، وبه قطع الجمهور ، ونص عليه في الأم . قال الشيخ أبو محمد في التبصرة : وشرط جواز ذلك أن يكون عليه مشقة شديدة في إزالة العصابة ، ولو عصب على جبهته عصابة مشقوقة لحاجة أو لغير حاجة وسجد وماس ما بين شقيها شيئا من جبهته الأرض أجزأه ذلك القدر ، وكذا لو سجد وعلى جبهته ثوب مخرق فمس من جبهته الأرض أجزأه ، نص عليه في الأم واتفقوا عليه ، ويجيء فيه الوجه الذي حكاه ابن كج . فرع : إذا سجد على كور عمامته أو كمه ونحوهما فقد ذكرنا أن سجوده باطل ، فإن تعمده مع علمه بتحريمه بطلت صلاته وإن كان ساهيا لم تبطل ، لكن يجب إعادة السجود ، هكذا صرح به أصحابنا ، منهم أبو محمد في التبصرة . فرع : السنة أن يسجد على أنفه يستحب أن يضعهما على الأرض دفعة واحدة لا يقدم أحدهما ، فإن اقتصر على أنفه دون شيء من جبهته لم يجزئه بلا خلاف عندنا ، فإن اقتصر على الجبهة أجزأه . قال الشافعي في الأم : كرهت ذلك وأجزأه ، وهذا هو المشهور في المذهب وبه قطع الجمهور . وحكى صاحب البيان عن الشيخ أبي يزيد المروزي أنه حكى قولا للشافعي أنه يجب السجود على الجبهة والأنف جميعا . وهذا غريب في المذهب ، وإن كان قويا في الدليل . فرع : في مذاهب العلماء في وجوب وضع الجبهة والأنف على الأرض . أما الجبهة فجمهور العلماء على وجوبها وأن الأنف لا يجزي عنها ، وقال : أبو حنيفة : هو مخير بينها وبين الأنف ، وله الاقتصار على أحدهما ، قال ابن المنذر : لا يحفظ هذا عن أحد غير أبي حنيفة . وأما الأنف فمذهبنا أنه لا يجب السجود عليه لكنه يستحب ، وحكاه ابن المنذر عن طاوس وعطاء و عكرمة والحسن وابن سيرين والثوري وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وأبي ثور . وقال سعيد بن جبير والنخعي وإسحاق : يجب السجود على الأنف مع الجبهة .

قسم V03/P384–V03/P385

وعن مالك وأحمد روايتان كالمذهبين ، واحتج لأبي حنيفة بحديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ، على الجبهة وأشار بيده إلى أنفه واليدين والركبتين وأطراف القدمين رواه البخاري ومسلم ، وبالقياس على الجبهة . واحتج لمن أوجبها بحديث أبي حميد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد أمكن جبهته وأنفه من الأرض وهو صحيح كما سبق ، وبحديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أمرت أن أسجد على سبع : الجبهة والأنف واليدين والركبتين والقدمين رواه مسلم . وعن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى رجلا يصلي لا يصيب أنفه الأرض فقال : لا صلاة لمن لا يصيب أنفه من الأرض ما يصيب الجبين . واحتج أصحابنا في وجوب الجبهة وغيرهما من الأحاديث ، وبحديث خباب المذكور في الكتاب ، ولأن المقصود بالسجود التذلل والخضوع ولا يقوم الأنف مقام الجبهة في ذلك ، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الاقتصار على الأنف صريحا لا بفعل ولا بقول ، واحتجوا في أن الأنف لا يجب بالأحاديث الصحيحة المطلقة في الأمر بالجبهة من غير ذكر الأنف وفي هذا الاستدلال ضعف لأن روايات الأنف زيادة من ثقة ولا منافاة بينهما وأجاب الأصحاب عن أحاديث الأنف بأنها محمولة على الاستحباب . وأما حديث عكرمة عن ابن عباس فقال الترمذي ثم أبو بكر بن أبي داود ثم الدارقطني ثم البيهقي وغيرهم من الحفاظ : الصحيح أنه مرسل عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه الدارقطني من رواية عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه وضعفه من وجهين ، والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في السجود على كمه وذيله ويده وكور عمامته وغير ذلك مما هو متصل به وقد ذكرنا أن مذهبنا أنه لا يصح سجوده على شيء من ذلك وبه قال داود وأحمد في رواية . وقال مالك وأبو حنيفة والأوزاعي و إسحاق وأحمد في الرواية الأخرى يصح . قال صاحب التهذيب : وبه قال أكثر العلماء . واحتج لهم بحديث أنس رضي الله عنه قال : كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شدة الحر فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض يبسط ثوبه فيسجد عليه رواه البخاري ومسلم . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم مطير وهو يتقي الطين إذا سجد بكساء عليه يجعله دون يديه رواه ابن حنبل في مسنده ، وعن الحسن قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجدون وأيديهم في ثيابهم ويسجد الرجل على عمامته رواه البيهقي وبما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد على كور عمامته وقياسا على باقي الأعضاء . واحتج أصحابنا بحديث خباب وهو صحيح كما سبق ، وقد سبق بيانه ووجه الدلالة فيه ، وبحديث رفاعة بن رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسيىء صلاته إنه لا يتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء وذكر صفة الصلاة إلى أن قال فيمكن وجهه وربما قال جبهته من الأرض وذكر تمام صفة الصلاة ثم قال لا تتم صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك رواه أبو داود والبيهقي بإسنادين صحيحين . وفي رواية البيهقي قال : ( فيمكن جبهته ) بلا شك . وبحديث ابن عباس السابق في الفرع قبله .