Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

قسم V04/P168–V04/P170

قال المصنف رحمه الله تعالى : وفعلها للرجال في المساجد أفضل لأنه أكثر جمعا ، وفي المساجد التي يكثر فيها الناس أفضل لما روى أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده . وصلاة الرجل مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل ، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله تعالى فإن كان في جواره مسجد مختل ففعلها في مسجد الجوار أفضل من فعلها في المسجد الذي يكثر الناس فيه لأنه إذا صلى في مسجد الجوار حصلت الجماعة في موضعين ، وأما النساء فجماعتهن في البيوت أفضل ، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن فإن أرادت المرأة حضور المساجد مع الرجل فإن كانت شابة أو كبيرة تشتهى كره لها الحضور وإن كانت عجوزا لا تشتهى لم يكره ، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى النساء عن الخروج إلا عجوزا في منقليها . + الشرح : حديث أبي رواه أبو داود بإسناد فيه رجل لم يبينوا حاله ولم يضعفه أبو داود ، وأشار علي بن المديني والبيهقي وغيرهما إلى صحته ، وحديث ابن عمر صحيح رواه أبو داود بلفظه هذا بإسناد صحيح على شرط البخاري ، وحديث العجوز في منقليها غريب ، ورواه البيهقي بإسناد ضعيف موقوفا على ابن مسعود قال : ما صلت امرأة صلاة أفضل من صلاة في بيتها إلا مسجدي مكة والمدينة إلا عجوزا في منقليها والمنقلان الخفان ، هذا هو الصحيح المعروف عند أهل اللغة وذكر إمام الحرمين أنهما الخفان الخلقان ، وهما بفتح الميم وكسرها ، لغتان والفتح أشهر ، وقد أوضحتها في التهذيب . أما الأحكام : ففيه مسائل إحداها : قال الشافعي في المختصر والأصحاب : فعل الجماعة للرجل في المسجد أفضل من فعلها في البيت والسوق وغيرهما لما ذكرناه من الأحاديث في فضل المشي إلى المسجد ، ولأنه أشرف ولأن فيه إظهار شعار الجماعة فإن كان هناك مساجد فذهابه إلى أكثرها جماعة أفضل للحديث المذكور ، فلو كان بجواره مسجد قليل الجمع وبالبعد منه مسجد أكثر جمعا فالمسجد البعيد أولى إلا في حالتين أحدهما : أن تتعطل جماعة القريب لعدوله عنه لكونه إماما ، أو يحضر الناس بحضوره . فحينئذ يكون القريب أفضل الثاني : أن يكون إمام البعيد مبتدعا كالمعتزلي وغيره . أو فاسقا أو لا يعتقد وجوب بعض الأركان فالقريب أفضل . وحكى الخراسانيون وجها أن مسجد الجوار أفضل بكل حال ، والصحيح الذي قطع به الجمهور هو الأول ، فإن كان مسجد الجوار لا جماعة فيه ولو حضر هذا الإنسان فيه لم يحصل جماعة ولم يحضر غيره فالذهاب إلى مسجد الجماعة أفضل بالاتفاق . المسألة الثانية : يسن الجماعة للنساء بلا خلاف عندنا ، لكن هل تتأكد في حقهن كتأكدها في حق الرجال فيه الوجهان السابقان أصحهما : المنع ، وإمامة الرجل بهن أفضل من إمامة امرأة لأنه أعرف بالصلاة ، ويجهر بالقراءة بكل حال ، لكن لا يجوز أن يخلو وحده بامرأة إن لم يكن محرما كما سنوضحه مبسوطا بدليله في باب صفة الأئمة حيث ذكره المصنف إن شاء الله تعالى . المسألة الثالثة : جماعة النساء في البيوت أفضل من حضورهن المساجد للحديث المذكور . قال أصحابنا : وصلاتها فيما كان من بيتها أستر أفضل لها لحديث عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها ، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم . وإن أرادت المرأة حضور المسجد للصلاة قال أصحابنا : إن كانت شابة أو كبيرة تشتهى كره لها وكره لزوجها ووليها تمكينها منه . وإن كانت عجوزا لا تشتهى لم يكره ، وقد جاءت أحاديث صحيحة تقتضي هذا التفصيل .

قسم V04/P170–V04/P172

منها ما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا استأذنت أحدكم أمرأته إلى المسجد فلا يمنعها رواه البخاري ومسلم ولفظه لمسلم ، وفي رواية لهما : إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن وعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تمنعوا إماء الله مساجد الله رواه مسلم . وعن عائشة قالت : لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ما أحدث النساء لمنعهن المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل رواه البخاري ومسلم . فرع : يستحب للزوج أن يأذن لها إذا استأذنته إلى المسجد للصلاة إذا كانت عجوزا لا تشتهى وأمن المفسدة عليها وعلى غيرها للأحاديث المذكورة ، فإن منعها لم يحرم عليه ، هذا مذهبنا . قال البيهقي : وبه قال عامة العلماء ، ويجاب عن حديث لا تمنعوا إماء الله مساجد الله بأنه نهي تنزيه لأن حق الزوج في ملازمة المسكن واجب فلا تتركه للفضيلة . فرع : إذا أرادت المرأة حضور المسجد كره لها أن تمس طيبا ، وكره أيضا الثياب الفاخرة لحديث زينب الثقفية امرأة ابن مسعود رضي الله عنه وعنها قالت : قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا رواه مسلم وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ، ولكن ليخرجن وهن تفلات رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم ، وتفلات بفتح التاء المثناة فوق وكسر الفاء أي تاركات الطيب . فرع في مذاهب العلماء في الجماعة للنساء قد ذكرنا أن مذهبنا استحبابها لهن . قال الشيخ أبو حامد . كل صلاة استحب للرجل الجماعة فيها استحب الجماعة فيها للنساء فريضة كانت أو نافلة ، وحكاه ابن المنذر عن عائشة وأم سلمة وعطاء والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور ، قال : وقال سليمان بن يسار والحسن البصري ومالك : لا تؤم المرأة أحدا في فرض ولا نفل قال : وقال أصحاب الرأي ، يكره ويجزيهن ، قال : وقال الشعبي والنخعي وقتادة : تؤمهن في النفل دون الفرض واحتج أصحابنا بحديث أم ورقة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تؤم أهل دارها رواه أبو داود ولم يضعفه وعن ربطة الحنفية قالت : أمتنا عائشة فقامت بينهن في الصلاة المكتوبة وعن حجيرة قالت : أمتنا أم سلمة في صلاة العصر فقامت بيننا رواهما الدارقطني والبيهقي بإسنادين صحيحين . فرع : في مذاهبهم في حضور العجوز التي لا تشتهى المسجد للصلاة . قد ذكرنا أن مذهبنا أنه لا يكره ذلك في شيء من الصلاة ، قال العبدري : وبه قال أكثر الفقهاء . وقال أبو حنيفة : يكره إلا في الفجر والعشاء والعيد ، دليلنا عموم الأحاديث الصحيحة في النهي عن منعهن المساجد .

قسم V04/P172–V04/P173

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا تصح الجماعة حتى ينوي المأموم الجماعة لأنه يريد أن يتبع غيره فلا بد من نية الاتباع ، فإن رأى رجلين يصليان على الانفراد فنوى الائتمام بهما لم تصح صلاته لأنه لا يمكنه أن يقتدي بهما في وقت واحد ، وإن نوى الاقتداء بأحدهما بغير عينه لم تصح صلاته . لأنه إذا لم يعين لا يمكنه الاقتداء ، وإن كان أحدهما يصلي بالآخر فنوى الاقتداء بالمأموم لم تصح صلاته لأنه تابع لغيره فلا يجوز أن يتبعه غيره ، وإن صلى رجلان فنوى كل واحد منهما أنه هو الإمام لم تبطل صلاته لأن كل واحد منهما يصلي لنفسه ، وإن نوى كل واحد منهما أنه مؤتم بالآخر لم تصح صلاته لأن كل واحد منهما ائتم بمن ليس بإمام . + الشرح : اتفق نص الشافعي والأصحاب على أنه يشترط لصحة الجماعة أن ينوي المأموم الجماعة والاقتداء والائتمام ، قالوا : وتكون هذه النية مقرونة بتكبيرة الاحرام كسائر ما ينويه ، فإن لم ينو في الابتداء وأحرم منفردا ثم نوى الاقتداء في أثناء صلاته ففيه خلاف ذكره المصنف بعد هذا ، وإذا ترك نية الاقتداء والانفراد وأحرم مطلقا انعقدت صلاته منفردا فإن تابع الإمام في أفعاله من غير تجديد نية فوجهان حكاهما القاضي حسين في تعليقه والمتولى وآخرون أصحهما : وأشهرهما تبطل صلاته لأنه ارتبط بمن ليس بإمام له فأشبه الارتباط بغير المصلي ، وبهذا قطع البغوي وآخرون . والثاني : لا تبطل لأنه أتى بالأركان على وجهها وبهذا قطع الأكثرون ، فإن قلنا : لا تبطل صلاته كان منفردا ولا يحصل له فضيلة الجماعة بلا خلاف ، صرح به المتولي وغيره . وإن قلنا تبطل صلاته فإنما تبطل إذا انتظر ركوعه وسجوده وغيرهما ليركع ويسجد معه وطال انتظاره ، فأما إذا اتفق انقضاء فعله مع انقضاء فعله أو انتظره يسيرا جدا فلا تبطل بلا خلاف ، ولو شك في أثناء صلاته في نية الاقتداء لم تجز له متابعته إلا أن ينوي الآن المتابعة ، وحيث قلنا بجواز الاقتداء في أثناء الصلاة لأن الأصل عدم النية ، فإن تذكر أنه كان نوى قال القاضي حسين والمتولي وغيرهما حكمه حكم من شك في نية أصل الصلاة فإن تذكر قبل أن يفعل فعلا على خلاف متابعة الإمام وهو شاك لم يضره . وإن تذكر بعد أن فعل فعلا على متابعته في الشك بطلت صلاته إذا قلنا بالأصح أن المنفرد تبطل صلاته بالمتابعة ، لأنه في حال شكه له حكم المنفرد ، وليس له المتابعة حتى قال أصحابنا : لو عرض له هذا الشك في التشهد الأخير لا يجوز أن يقف سلامه على سلام الإمام . أما إذا اقتدى بإمام فسلم من صلاته ثم شك هل كان نوى الاقتداء فلا شيء عليه ، وصلاته ماضية على الصحة هذا هو المذهب ، وذكر القاضي حسين في تعليقه أن فيه الخلاف السابق فيمن شك بعد فراغه من الصلاة ، هل ترك ركنا من صلاته أم لا ، وهذا ضعيف والله أعلم . أما إذا نوى الاقتداء بمأموم أو نوى الاقتداء باثنين منفردين أو بأحدهما لا بعينه فصلاته باطلة لما ذكره المصنف . ولو صلى رجلان كل واحد منهما نوى أنه مأموم فصلاتهما باطلة . وإن نوى كل واحد منهما أنه إمام صحت صلاتهما لما ذكره المصنف ولو شك كل واحد منهما في أثناء الصلاة أو بعد فراغهما في أنه إمام أم مأموم ، فصلاتاهما باطلتان بالاتفاق ذكره البندنيجي والقاضي حسين وصاحب البيان وغيرهم لاحتمال أن كل واحد نوى الاقتداء بالآخر ، ولو شك أحدهما أنه إمام أو مأموم ، وعلم الآخر أنه إمام أو منفرد فصلاة الأول باطلة ، وصلاة الثاني صحيحة ، وإن ظن الثاني أنه مقتد بالأول فصلاته باطلة أيضا ، والله أعلم .

قسم V04/P173–V04/P174

ولو اقتدى بمأموم وظنه إماما بأن رأى رجلين يصليان وقد خالفا سنة الوقف فوقف المأموم عن يسار الإمام فطريقان المشهور : منهما الجزم ببطلان صلاته ، وبهذا قطع البندنيجي وصاحب البيان وآخرون والثاني : قاله القاضي حسين يخرج على الوجهين فيما لو تابع من لم ينو الاقتداء به لأنه وقف أفعاله على أفعاله . قال : وهو مشكل لأن من صلى خلف محدث لم يعلم حدثه صحت صلاته ، وإن كان قد وقف فعله على فعله قلت : الأصح هنا أنه يلزمه الاعادة لأنه مفرط بخلاف من صلى خلف المحدث . فرع : قد ذكرنا أنه لا يصح الاقتداء بالمأموم ، وهذا مجمع عليه نقل الأصحاب فيه الإجماع وحكى صاحب البيان عن أصحابنا أنهم نقلوا الاجماع على أنه لا يصح قال أصحابنا : وأما ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مرضه وكان أبو بكر يقتدي بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم والناس يقتدون بصلاة أبي بكر ، فمعناه الجميع كانوا مقتدين بالنبي صلى الله عليه وسلم ولكن أبا بكر يسمعهم التكبير . وقد جاء هذا اللفظ مصرحا به في روايتين في صحيح مسلم . قال وأبو بكر يسمعهم التكبير فرع : في اشتراط نية الاقتداء في صلاة الجمعة وجهان حكاهما الرافعي الصحيح : المشهور الاشتراط كغيرها والثاني : لا يشترط لأنها لا تصح إلا في جماعة فلم يحتج إلى نيتها . فرع : لا يجب على المأموم تعيين الإمام في نيته ، بل يكفيه نية الاقتداء بالإمام الحاضر ، أو إمام هذه الجماعة ، فلو عين وأخطأ نظر إن لم يشر إلى الإمام بأن نوى الاقتداء بزيد وهو يظن الإمام زيدا فبان عمرا لم تصح صلاته لأنه اقتدى بغائب ، وهو كمن عين الميت في صلاة الجنازة وأخطأ لا تصح صلاته ، وكمن نوى العتق عن كفارة ظهاره فكان الذي عليه كفارة قتل لا تجزئه . وإن نوى الاقتداء بزيد هذا الإمام فكان عمرا ففي صحة اقتدائه به وجهان لتعارض إشارته وتسميته والأصح صحة الاقتداء ، ونظيره لو قال بعتك هذه الفرس فكان بغلا وفيه خلاف مشهور والله أعلم . فرع : ينبغي للإمام أن ينوي الإمامة فإن لم ينوها صحت صلاته وصلاة المأمومين . وفي وجه غريب حكاه الرافعي عن حكاية أبي الحسن العبادي عن أبي حفص البابشامي والقفال أنهما قالا : يجب على الإمام نية الإمامة وأشعر كلام العبادي بأنهما يشترطانها في صحة الاقتداء ، والصواب أن نية الإمامة لا تجب ولا تشترط لصحة الاقتداء وبه قطع جماهير أصحابنا ، وسواء اقتدى به رجال أم نساء ، لكن يحصل فضيلة الجماعة للمأمومين ، وفي حصولها للإمام ثلاثة أوجه أصحها : وأشهرها لا تحصل ، وبه قطع الشيخ أبو محمد الجويني والفوراني وآخرون ، لأن الأعمال بالنيات والثاني : تحصل لأنها حاصلة لمتابعيه فوجب أن تحصل له والثالث : قاله القاضي حسين أن علمهم ولم ينو الإمامة لم تحصل ، وإن كان منفردا ثم اقتدوا به ولم يعلم اقتداءهم حصل له ثواب الجماعة قال الرافعي : ومن فوائد الخلاف أنه إذا لم ينو الإمامة في صلاة الجمعة هل تصح جمعته فالأصح أنها لا تصح ولو نوى الإمامة وعين المقتدي فبان خلافه لم يضر ، لأن غلطه لا يزيد على ترك النية ولأنه لا يربط صلاته بصلاته والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في نية الإمامة . ذكرنا أن المشهور من مذهبنا أنه لا يشترط لصحة الجماعة ، وبه قال مالك وآخرون ، وقال الأوزاعي والثوري وإسحاق : تجب ، وعن أحمد روايتان كالمذهبين ، وقال أبو حنيفة وصاحباه : إن صلى برجل لم تجب وإن صلى بامرأة أو نساء وجبت .

قسم V04/P174–V04/P176

قال المصنف رحمه الله تعالى : وتسقط الجماعة بالعذر ، وهو أشياء منها المطر والوحل والريح الشديدة في الليلة المظلمة ، والدليل عليه ما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وكانت ليلة مظلمة أو مطيرة نادى مناديه أن صلوا في رحالكم . + الشرح : حديث ابن عمر رواه البخاري ومسلم ، ولفظ رواية البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر مؤذنا يؤذن ثم يقول على إثره : ألا صلوا في الرحال في الليلة الباردة أو المطيرة في السفر وفي رواية لمسلم يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة ذات مطر يقول : ألا صلوا في الرحال قال الأزهري وغيره : الرحال المنازل سواء كانت من مدر أو شعر ووبر أو غير ذلك ، وتقدم في باب الأذان أن هذا الكلام يقال في أثناء الأذان أم بعده ، والوحل ، بفتح الحاء على اللغة المشهورة قال الجوهري : ويقال بإسكانها في لغة رديئة . أما حكم المسألة : فقال أصحابنا : تسقط الجماعة بالأعذار سواء قلنا : أنها سنة أم فرض كفاية أم فرض عين ، لأنا وإن قلنا أنها سنة فهي سنة متأكدة ويكره تركها كما سبق بيانه ، فإذا تركها لعذر زالت الكراهة وليس معناه أنه إذا ترك الجماعة لعذر تحصل له فضيلتها ، بل لا تحصل له فضيلتها بلا شك ، وإنما معناه سقط الإثم والكراهة . واتفق أصحابنا على أن المطر وحده عذر ، سواء كان ليلا أو نهارا . وفي الوحل وجهان الصحيح : الذي قطع به المصنف والجمهور أنه عذر وحده ، سواء كان بالليل أو النهار والثاني : ليس بعذر ، حكاه جماعة من الخراسانيين . فرع : البرد الشديد عذر في الليل والنهار ، وشدة الحر عذر في الظهر ، والثلج عذران بل الثوب ، والريح الباردة عذر في الليل دون النهار . قال الرافعي : ويقول بعض الأصحاب : الريح الباردة في الليلة المظلمة . قال : وليس ذلك على سبيل اشتراط الظلمة . قال المصنف رحمه الله تعالى : ومنها أن يحضر الطعام ونفسه تتوقه أو يدافع الأخبثين لما روت عائشة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا صلاة بحضرة الطعام ولا هو يدافعه الأخبثان . + الشرح : حديث عائشة رواه مسلم بهذا اللفظ ، والأخبثان البول والغائط . ويقال حضرة فلان بفتح الحاء وضمها وكسرها ثلاث لغات مشهورات ، وهذان الأمران عذران يسقط كل واحد منهما الجماعة بالاتفاق ، وكذا ما كان في معناهما ، قال أصحابنا : يكره أن يصلي في هذه الأحوال ، وقد سبقت المسألة في آخر باب ما يفسد الصلاة مبسوطة ، وحضور الشراب الذي يتوق إليه من ماء وغيره كحضور الطعام ، ومدافعة الريح كمدافعة البول والغائط .

قسم V04/P176–V04/P177

قال المصنف رحمه الله تعالى : ومنها أن يخاف ضررا في نفسه أو ماله أو يكون به مرض يشق معه القصد والدليل عليه ما روى ( عن ) ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر ، قالوا : يا رسول الله وما العذر قال : خوف أو مرض ومنها أن يكون قيما لمريض يخاف ضياعه ، لأن حفظ الآدمي أفضل من حفظ الجماعة ، ومنها أن يكون له قريب مريض يخاف موته لأنه يتألم بذلك أكثر مما يتألم بذهاب المال . + الشرح : حديث ابن عباس رواه أبو داود وغيره وفي إسناده رجل ضعيف مدلس ، ولم يضعفه أبو داود ، قال أصحابنا : ومن الأعذار في ترك الجماعة أن يكون به مرض يشق معه القصد وإن كان يمكن لأن عليه ضررا في ذلك وحرجا وقد قال الله تعالى : وما جعل عليكم في الدين من حرج فإن كان مرض يسير لا يشق معه القصد كوجع ضرس ، وصداع يسير ، وحمى خفيفة ، فليس بعذر وضبطوه بأن تلحقه مشقة كمشقة المشي في المطر ، ومنها أن يكون ممرضا لمريض يخاف ضياعه ، فإن كان له غيره يتعهده لكنه يتعلق قلبه به فوجهان ، حكاهما جماعة منهم صاحب البيان أصحهما : أنه عذر لأن مشقة تركه أعظم من مشقة المطر ، ولأنه يذهب خشوعه . والثاني : ليس بعذر لأنه لا يخاف عليه ، وسواء كان هذا المريض قريبا أو صديقا ، وكذلك إن كان غريبا لا معرفة له به وخاف ضياعه ، ومنها أن يكون له قريب أو صديق يخاف موته ، ودليله ما ذكره المصنف ، ومنها أن يخاف على نفسه أو ماله أو على من يلزمه الذب عنه من سلطان أو غيره ممن يظلمه أو يخاف من غريم له يحبسه أو يلازمه وهو معسر . فيعذر بذلك ، ولا عبرة بالخوف ممن يطالبه بحق هو ظالم في منعه ، بل عليه توفية الحق والحضور ، قال أصحابنا : ويدخل في الخوف على المال ما إذا كان خبزه في التنور ، وقدره على النار وليس هناك من يتعهدهما ، وكذا لو كان له عبد فأبق ، أو دابة فشردت أو زوجة نشزت أو نحو ذلك ، ويرجو تحصيله بالتأخر له . قال الشافعي والأصحاب : ومن الأعذار أن يكون عليه قصاص ولو ظفر به المستحق لقلته ويرجو أنه لو غيب وجهه أياما لذهب جزع المستحق ، وعفا عنه مجانا أو على مال فله التخلف بذلك ، وفي معناه حد القذف ، قال الشافعي والشيخ أبو حامد والبندنيجي وسائر الأصحاب : فإن لم يرج العفو لو تغيب لم يجز التغيب ولم يكن عذرا . واتفقوا على أنه لا يعذر من عليه حد شرب أو سرقة أو حد زنا بلغ الإمام وكذا كل ما لا يسقط بالتوبة ، واستشكل إمام الحرمين جواز التغيب لمن عليه قصاص ، وأجاب عنه بأن العفو مندوب إليه ، وهذا التغيب طريق إلى العفو ، ومنها أن يكون عاريا لا لباس له فيعذر في التخلف ، سواء وجد ساتر العورة أم لا ، لأن عليه مشقة في تبدله بالمشي بغير ثوب يليق به ، ومنها أن يريد سفرا وترتحل الرفقة ، ومنها أن يكون ناشد ضالة يرجوها إن ترك الجماعة ، أو وجد من غصب ماله وأراد استرداده ، ومنها أن يكون أكل ثوما أو بصلا وكراثا ونحوها ، ولم يمكنه إزالة الرائحة بغسل ومعالجة . فإن أمكنته أو كان مطبوخا لا ريح له فلا عذر . ومنها غلبة النوم والنعاس إن انتظر الجماعة فهو عذر ، قال صاحب الحاوي : والزلزلة عذر .

قسم V04/P177–V04/P178

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويستحب لمن قصد الجماعة أن يمشي إليها وعليه السكينة والوقار وقال أبو إسحاق : أن خاف فوت التكبيرة الأولى اسرع لما روي أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : اشتد إلى الصلاة وقال : بادروا حد الصلاة يعني التكبيرة الأولى ، والأول أصح لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ، ولكن ائتوها وأنتم تمشون ، وعليكم السكينة ، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا . + الشرح : حديث أبي هريرة رواه البخاري ومسلم ، وروى في الصحيحين : وما فاتكم فأتموا وفي رواية فاقضوا وروايات فأتموا أكثر قال أصحابنا : السنة لقاصد الجماعة أن يمشي إليها بسكينة ووقار سواء خاف فوت تكبيرة الإحرام وغيرها أم لا ، وفيه هذا الوجه لأبي إسحاق وهو ضعيف جدا ، منابذ للسنة الصحيحة ، والسنة أن لا يعبث في مشيه إلى الصلاة ولا يتكلم بمستهجن ولا يتعاطى ما يكره في الصلاة لقوله صلى الله عليه وسلم فإن أحدكم في صلاة ما دام يعمد إلى الصلاة رواه مسلم في بعض طرق هذا الحديث السابق . فرع : يستحب المحافظة على إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام بأن يتقدم إلى المسجد قبل وقت الإقامة ، وجاء في فضيلة إدراكها أشياء كثيرة عن السلف منها هذا المذكور عن ابن مسعود وأشياء عن غيره ويحتج له بقوله صلى الله عليه وسلم إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا رواه البخاري ومسلم ومن رواية أنس وأبي هريرة ، وموضع الدلالة أن الفاء عند أهل العربية للتعقيب ، فالحديث صريح في الأمر بتعقيب تكبيرته بتكبيرة الإمام ، واختلف أصحابنا فيما يدرك به فضيلة تكبيرة الإحرام على خمسة أوجه أصحها : بأن يحضر تكبيرة الإمام ويشتغل عقبها بعقد صلاته من غير وسوسة ظاهرة ، فإن أخر لم يدركها والثاني : يدركها ما لم يشرع الإمام في الفاتحة فقط والثالث : بأن يدرك الركوع في الركعة الأولى والرابع : بأن يدرك شيئا من القيام والخامس : إن شغله أمر دنيوي لم يدرك بالركوع وإن منعه عذر أو سبب للصلاة كالطهارة أدرك به . قال الغزالي في البسيط في الوجه الثالث والرابع : هما فيمن لم يحضر إحرام الإمام ، فأما من حضر فقد فاته فضيلة التكبيرة ، وإن أدرك الركعة والله أعلم . فرع : قد ذكرنا أن مذهبنا أن السنة لقاصد الجماعة أن يمشي بسكينة سواء خاف فوت تكبيرة الإحرام أم لا ، وحكاه ابن المنذر عن زيد بن ثابت وأنس وأحمد وأبي ثور واختاره ابن المنذر وحكاه العبدري عن أكثر العلماء ، وعن ابن مسعود وابن عمر والأسود بن يزيد وعبد الرحمن بن يزيد وهما تابعيان وإسحاق بن راهويه أنهم قالوا : إذا خاف فوت تكبيرة الإحرام أسرع . دليلنا الحديث السابق .

قسم V04/P178–V04/P179

قال المصنف رحمه الله تعالى : فأن حضر الإمام لم يحضر فإن كان للمسجد إمام راتب قريب فالمستحب أن ينفذ إليه ليحضر ، لأن في تفويت الجماعة عليه افتياتا عليه ، وافسادا للقلوب . وإن خشي فوات أول الوقت لم ينتظر ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب ليصلح بين بني عمرو بن عوف فقدم الناس أبا بكر رضي الله عنه ، وحضر النبي صلى الله عليه وسلم وهم في الصلاة فلم ينكر عليهم . + الشرح : حديث قصة بني عمرو بن عوف رواه البخاري ومسلم من رواية سهل بن سعد الساعدي ، قال الشافعي والأصحاب : إذا حضرت الجماعة ولم يحضر إمام فإن لم يكن للمسجد إمام راتب قدموا واحدا وصلى بهم ، وإن كان له إمام راتب ، فإن كان قريبا بعثوا إليه من سيعلم خبره ليحضر أو يأذن لمن يصلي بهم ، وإن كان بعيدا أو لم يوجد في موضعه فإن عرفوا من حسن خلقه أن لا يتأذى بتقدم غيره ، ولا يحصل بسببه فتنة استحب أن يتقدم أحدهم ويصلي بهم ، للحديث المذكور ، ولحفظ أول الوقت ، والأولى أن يتقدم أولاهم بالإمامة وأحبهم إلى الإمام ، وإن خافوا أذاه أو فتنة انتظروه . فإن طال الانتظار وخافوا فوات الوقت كله صلوا جماعة ، هكذا ذكر هذه الجملة الشافعي والأصحاب . فرع : قال الشافعي والأصحاب : وإن حضر الإمام وبعض المأمومين صلى بهم الإمام ولا ينتظر اجتماع الباقين ، لأن الصلاة في أول الوقت مع جماعة قليلة أفضل من فعلها آخر الوقت في الجماعة كثيرة . فرع : لو جرت عادة الإمام بتأخير الصلاة عن أول الوقت وفعلها في أثنائه أو آخره فهل الأفضل أن ينتظره ليصلي معه أم يصلي في أول الوقت منفردا فيه خلاف سبق إيضاحه في باب التيمم في مسألة تعجيل التيمم . قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن دخل في صلاة نافلة ثم أقيمت الجماعة فإن لم يخش فوات الجماعة أتم النافلة ثم دخل في الجماعة ، وإن خشي فوات الجماعة قطع النافلة لأن الجماعة أفضل . + الشرح : هذه المسألة مشهورة عند الأصحاب على التفصيل الذي ذكره المصنف ومراده بقوله : خشي فوات الجماعة أن تفوت كلها بأن يسلم من صلاته ، هكذا صرح به الشيخ أبو حامد ، والشيخ نصر وآخرون والله أعلم .

قسم V04/P179–V04/P180

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأن دخل في فرض الوقت ثم أقيمت الجماعة فالأفضل أن يقطع ويدخل في الجماعة فإن نوى الدخول في الجماعة من غير أن يقطع صلاته ففيه قولان قال في الاملاء : لا يجوز ، وتبطل صلاته لأن تحريمته سبقت تحريمة الإمام فلم يجز ، كما لو حضر معه في أول الصلاة فكبر قبله ، وقال في القديم والجديد : يجوز وهو الأصح لأنه لما جاز أن يصلي بعض صلاته منفردا ، ثم يصلي إماما بأن يجيء من يأتم به ، جاز أن يصلي بعض صلاته منفردا ، ثم يصير مأموما ، ومن أصحابنا من قال : إن كان قد ركع في حال الإنفراد لم يجز قولا واحدا ، لأنه يتغير ترتيب صلاته بالمتابعة ، والصحيح أنه لا فرق لأن الشافعي لم يفرق ويجوز أن يتغير ترتيب صلاته بالمتابعة كالمسبوق بركعة . + الشرح : قال أصحابنا : إذا دخل في فرض الوقت منفردا ثم أراد الدخول في جماعة استحب أن يتمها ركعتين ويسلم منها فتكون نافلة ثم يدخل في الجماعة فإن لم يفعل استحب أن يقطعها ثم يستأنفها في الجماعة هكذا نص عليه الشافعي في المختصر واتفق الأصحاب عليه في الطريقين ، وينكر على المصنف كونه قال : يقطع الصلاة ولم يقل يسلم من ركعتين كما قال الشافعي والأصحاب ، ويتأول كلامه على أنه أراد إذا خشي فوت الجماعة لو تمم ركعتين ، فإنه حينئذ يستحب قطعها فلو لم يقطعها ولم يسلم بل نوى الدخول في الجماعة واستمر في الصلاة فقد نص الشافعي في مختصر الزنى على أنه يكره ، واتفق الأصحاب على كراهته كما نص عليه ، وفي صحتها طريقان : أحدهما : القطع ببطلانها ، حكاه الفوراني وغيره عن أبي بكر الفارسي ، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة . والثاني : وهو الصواب المشهور الذي أطبق عليه الأصحاب وفيه قولان مشهوران أصحهما باتفاق الأصحاب : يصح ، وهو نصه في معظم كتبه الجديدة . والثاني : لا يصح ، نص عليه في الاملاء من كتبه الجديدة ، ودليلها ما ذكره المصنف ، ويستدل للصحة أيضا بحديث سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب ليصلح بين بني عمرو بن عوف فحضرت الصلاة قبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم فقدموا أبا بكر ليصلي ، ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم وهم في الصلاة فتقدم فصلى بهم واقتدى به أبو بكر والجماعة . فصار أبو بكر مقتديا في أثناء صلاته . واختلف أصحابنا في موضع القولين على أربع طرق مشهورة أحدها : القولان فيمن دخل في الجماعة بعد ركوعه منفردا فإن دخل قبل ركوعه صحت قولا واحدا والثاني : القولان فيمن دخل فيها قبل ركوعه فإن دخل فيها بعده بطلت قولا واحدا والثالث : القولان إذا اتفقا في الركعة كأولى أو ثانية ، فإن اختلفا وكان الإمام في ركعة والمأموم في أخرى متقدمة أو متأخرة بطلت قولا واحدا . والرابع : وهو الصحيح أن القولين في الأحوال كلها لوجود علتها في كل الأحوال ، والمذهب صحتها بكل حال ، وسواء اقتدى بإمام أحرم بعده أم بإمام كان محرما قبل احرام هذا المقتدى . قال أصحابنا : ولو نوى الاقتداء في صلاة رباعية بمن يصلي ركعتين فسلم الإمام بعد فراغه فقام المقتدي واقتدى في ركعتيه الباقيتين بآخر ففيه القولان ، ومثله هذا الذي يعتاده كثير من الناس يدرك الإمام في صلاة التراويح فيحرم خلفه بالعشاء ، فإذا سلم الإمام قام المقتدي لإتمام صلاته ثم يحرم الإمام بركعتين أخريين في التراويح فيقتدي به فيهما ، ففي صحته القولان أصحهما الصحة . وهكذا لو اقتدى في كل ركعة ففيه الخلاف بالترتيب وأولى بالبطلان ، فإذا قلنا بالصحة .

قسم V04/P180–V04/P182

فاختلفا في الركعة لزم المأموم متابعة الإمام فيقعد في موضع قعوده ويقوم في موضع قيامه ، فإن تمت صلاة الإمام أولا قام المأموم بعد سلامه لتتمة صلاته لأنه مسبوق ، وإن تمت صلاة المأموم أولا لم يجز له متابعة الإمام في الزيادة ، بل إن شاء فارقه عند تمامها وتشهد وسلم ، وتصح صلاته بلا خلاف لأنه فارقه بعذر يتعلق بالصلاة وإن شاء انتظره في التشهد وطول الدعاء حتى يلحقه الإمام ثم يسلم عقبه . ولو سها المأموم قبل الاقتداء لم يتحمل عنه الإمام ، بل إذا سلم الإمام سجد هو لسهوه إن كانت تمت صلاته وإلا سجد عند تمامها ، وإن سها بعد الاقتداء حمل عنه الإمام ، وإن سها الإمام قبل الاقتداء أو بعده لحق المأموم سهوه ويسجد معه ويعيده في آخر صلاته على الأظهر كالمسبوق والله أعلم . فرع : ذكر المصنف هنا أن القول القديم صحة صلاة هذا المقتدي ، كما نص عليه في الجديد وتابعه على هذا صاحبا المعتمد والبيان تقليدا له ، والذي نقله أصحابنا عن القديم بطلان صلاته ، وممن نقل ذلك صريحا الشيخ أبو حامد وصاحب الحاوي والقاضي أبو الطيب والمحاملي في التجريد والفوراني والمتولى وآخرون . وهذا هو الصواب لأن نصه في القديم قال قائل : يدخل مع الإمام ويعتد بما مضى ، ولسنا نقول بهذا . فرع : هذا الذي ذكره الشافعي هنا من قوله : يسلم من ركعتين وتكون نافلة هو الصحيح في المذهب ، وقد تقدم في صفة الصلاة في فصل النية مسائل من هذا القبيل فيها خلاف . وهي مختلفة في الترجيح كما سبق هناك . وفي هذا النص واتفاق الأصحاب عليه دليل على اتفاقهم على جواز الخروج من فريضة دخل فيها في أول وقتها للعذر ، وأما إذا خرج منها بلا عذر فإنه يحرم عليه ذلك على المذهب الصحيح المشهور الذي نص عليه الشافعي وقطع به الجمهور ، وقد سبق بيان المسألة مستقصى في باب التيمم في مسألة رؤية الماء في أثناء الصلاة . وقال المتولي : إذا قلنا : إن قلب فرضه نفلا لا ينقلب بل تبطل صلاته حرم عليه هنا أن يسلم من ركعتين ليدخل في الجماعة . لأن فيه ابطال فرض ، وهذا الذي قاله المتولي غلط ظاهر مخالف لنص الشافعي ، والأصحاب جميعهم على استحباب ذلك ، ووجهه ما ذكرناه أنه يجوز قطع الفرض لعذر وتحصيل الجماعة عذر مهم ، لأنه إذا جاز قطعه لعذر دنيوي وحظ نفسه فجوازه لمصلحة الصلاة ولسبب تكميلها أولى ، ثم تعليله بأنه ابطال فرض تعليل فاسد ، لأن ابطال الفرض حاصل سواء قلنا ينقلب نفلا أم تبطل ، والله أعلم . فرع : قد ذكرنا أن نص الشافعي والأصحاب أنه يستحب أن يسلم من ركعتين ثم يدخل الجماعة ، وهذا فيما إذا كان قد بقي من صلاته أكثر من ركعتين ، فإن كان الباقي دون ذلك استحب أن يتمها ثم يعيدها مع الجماعة . وممن صرح بهذا الرافعي . فرع : هذا الذي سبق هو فيما إذا دخل في فرض الوقت ثم أراد جماعة ، فأما إذا دخل في فائتة ثم أراد الدخول في جماعة فإن كانت الجماعة تصلي تلك الفائتة فالجماعة مسنونة لها . فهي كفرض الوقت فيما ذكرناه ، وإن كانت الجماعة غير تلك الفائتة لم يجب التسليم من ركعتين ولا قطعها لتحصيل تلك الفائتة جماعة ، لأن الجماعة لا تشرع حينئذ كما سبق بيانه في أول الباب . وممن صرح بذلك صاحب التتمة قال : لأن الجماعة ليست من مصلحة هذه الصلاة ولا يجوز قطع فريضة لمراعاة مصلحة فريضة أخرى ، وهذا بخلاف ما لو شرع في فائتة في يوم غيم ، ثم انكشف وخاف فوت الحاضرة فإنه يسلم من ركعتين ويشتغل بالحاضرة .

قسم V04/P182–V04/P183

قال المتولي : ولو شرع في فريضة في آخر وقتها منفردا وأمكنه إتماما في الوقت منفردا وحضر قوم يصلونها جماعة وعلم أنه لو سلم من ركعتين ودخل معهم وقع بعضها خارج الوقت أو شك في ذلك حرم عليه السلام من ركعتين ، لأن مراعاة الوقت فرض ، والجماعة سنة ، فلا يجوز له ترك الفرض لمراعاة سنة والله أعلم . فرع : قال صاحب البيان : إذا افتتح جماعة ثم نقلها إلى جماعة أخرى بأن أحرم خلف جنب أو محدث لم يعلم حاله ، ثم علم الإمام فخرج فتطهر ، ثم رجع فأحرم بالصلاة فألحق المأموم صلاته بصلاته ثانيا أو جاء آخر فألحق المأموم صلاته بصلاته بعد علمه بحدث الأول ، قال أصحابنا : يجوز ذلك قولا واحدا ، وتكون صلاة المأموم انعقدت جماعة ثم صارت بعد ذلك جماعة ، وهذا لا خلاف فيه ، بخلاف من أحرم منفردا ، وكذلك إذا أحدث الإمام واستخلف وجوزنا الاستخلاف فإن المأمومين نقلوا صلاتهم من جماعة إلى جماعة ، هذا كلام صاحب البيان ، وذكر الشيخ أبو حامد في التعليق والمحاملي وآخرون نحوه . فرع : قال الشيخ أبو حامد والماوردي والقاضي أبو الطيب والمحملي وغيرهم قلب الفرض إلى غيره أربعة أنواع . أحدها : أن يحرم بالظهر ظانا دخول الوقت فيتبين عدمه فيقع نافلة هكذا جزموا به وهو المذهب وفيه خلاف سبق في أول صفة الصلاة . الثاني : يحرم بفريضة ثم ينوي قلبها فريضة أخرى أو منذورة فتبطل صلاته على المذهب ، وقيل في انقلابها نفلا قولان سبقا . الثالث : يحرم بفريضة ثم ينوي قلبها نافلة فتبطل على المذهب وهو المنصوص وحكى هؤلاء المذكورون وغيرهم وجها أنه يقع نفلا . الرابع : مسألة الكتاب وهي أن يحرم بفرض منفردا ثم يريد دخول جماعة فيقتصر على ركعتين نص الشافعي والجمهور على وقوعها نافلة ، وطرد جماعة فيها الخلاف ، والمذهب وقوعها نافلة ، والفرق أنه هنا معذور لتحصيل الجماعة . قال الماوردي : نقل الصلاة إلى صلاة أقسام أحدها : نقل فرض إلى فرض فلا يحصل واحد منهما الثاني : نقل نفل راتب إلى نفل راتب كوتر إلى سنة الفجر فلا يحصل واحد منهما الثالث : نقل نفل إلى فرض فلا يحصل واحد منهما الرابع : نقل فرض إلى نفل فهذا نوعان نقل حكم كمن أحرم بالظهر قبل الزوال جاهلا فتقع نفلا والثاني : نقل نية بأن ينوي قلبه نفلا عامدا فيبطل فرضه ، والصحيح المنصوص أنه لا ينقلب نفلا والله أعلم . فرع : لو دخل في جماعة ثم حضرت جماعة أخرى فنوى قطع الاقتداء بالإمام الأول ثم نوى متابعة الثاني ففي بطلان صلاته بقطع الاقتداء الخلاف المشهور ، وسنوضحه قريبا إن شاء الله تعالى ، والمذهب أنها لا تبطل سواء كان لعذر أو لغيره ، فعلى هذا في صحة الاقتداء الثاني القولان في المسألة التي نحن فيها ذكره المتولي وغيره وهو ظاهر والله أعلم .

قسم V04/P183–V04/P184

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن حضر وقد أقيمت الصلاة لم يشتغل عنها بنافلة لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة . + الشرح : هذا الحديث رواه مسلم من رواية أبي هريرة ، وينكر على المصنف قوله : روي بصيغة تمريض مع أنه صحيح . قال الشافعي والأصحاب : إذا أقيمت الصلاة كره لكل من أراد الفريضة افتتاح نافلة . سواء كانت سنة راتبة لتلك الصلاة أو تحية مسجد أو غيرها لعموم هذا الحديث . وسواء فرغ المؤذن من إقامة الصلاة أم كان في أثنائها ، وسواء علم أنه يفرغ من النافلة ويدرك احرام الإمام أم لا . لعموم الحديث ، هذا مذهبنا ، وبه قال عمر بن الخطاب وابنه وأبو هريرة وسعيد بن جبير وابن سيرين وعروة بن الزبير وأحمد وإسحاق وأبو ثور وحكى ابن المنذر عن ابن مسعود أنه صلى ركعتي الفجر والإمام في المكتوبة . وقالت طائفة : إذا وجده في الفجر ولم يكن صلى سنتها يخرج إلى خارج المسجد فيصليها ثم يدخل فيصلي معه الفريضة ، حكاه ابن المنذر عن مسروق ومكحول والحسن ومجاهد وحماد بن أبي سليمان ، وقال مالك مثله إن لم يخف فوت الركعة فإن خافه صلى مع الإمام . وقال الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وأبو حنيفة : إن طمع أن يدرك صلاة الإمام صلاهما في جانب المسجد وإلا فليحرم معه . قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن أدركه في القيام وخشي أن تفوته القراءة ترك دعاء الاستفتاح واشتغل بالقراءة لأنها فرض فلا يشتغل عنه بالنفل ، فإن قرأ بعض الفاتحة فركع الإمام ففيه وجهان أحدهما : يركع ويترك القراءة ، لأن متابعة الإمام آكد ، ولهذا لو أدركه راكعا سقط عنه فرض القراءة والثاني : يلزمه أن يتم الفاتحة لأنه لزمه بعض القراءة فلزمه اتمامها . + الشرح : قال أصحابنا : إذا حضر مسبوق فوجد الإمام في القراءة وخاف ركوعه قبل فراغه من الفاتحة فينبغي أن لا يقول دعاء الافتتاح والتعوذ ، بل يبادر إلى الفاتحة لما ذكره المصنف ، وإن غلب على ظنه أنه إذا قال الدعاء والتعوذ أدرك تمام الفاتحة استحب الإتيان بهما فلو ركع الإمام وهو في أثناء الفاتحة فثلاثة أوجه أحدها : يتم الفاتحة والثاني : يركع ويسقط عنه قراءتها ، ودليلهما ما ذكره المصنف ، قال البندنيجي : هذا الثاني هو نصه في الاملاء ، قال : وهو المذهب والثالث : وهو الأصح ، وهو قول الشيخ أبي زيد المروزي وصححه القفال والمعتبر أنه إن لم يقل شيئا من دعاء الافتتاح والتعوذ ركع وسقط عنه بقية الفاتحة ، وإن قال شيئا من ذلك لزمه أن يقرأ من الفاتحة بقدره لتقصيره بالتشاغل فإن قلنا : عليه اتمام الفاتحة فتخلف ليقرأ كان متخلفا بعذر فيسعى خلف الإمام على نظم صلاة نفسه فيتم القراءة ثم يركع ثم يعتدل ثم يسجد حتى يلحق الإمام ويعذر في التخلف بثلاثة أركان مقصودة وتحسب له ركعته ، فإن زاد على ثلاثة ففيه خلاف سنذكره إن شاء الله تعالى في فصل متابعة الإمام . فإن خالف ولم يتم الفاتحة بل ركع عمدا عالما بطلت صلاته لتركه القراءة عامدا ، وإن قلنا : يركع ركع مع الإمام وسقطت عنه القراءة وحسبت له الركعة . فلو اشتغل باتمام الفاتحة كان متخلفا بلا عذر ، فإن سبقه الإمام بالركوع وقرأ هذا المسبوق الفاتحة ثم لحقه في الاعتدال لم يكن مدركا للركعة لأنه لم يتابعه في معظمها ، صرح به إمام الحرمين والأصحاب وهل تبطل صلاته إذا قلنا بالمذهب إن التخلف بركن واحد لا يبطل الصلاة فيه وجهان حكاهما إمام الحرمين وآخرون أصحهما : لا تبطل كما في غير المسبوق والثاني : تبطل لأنه ترك متابعة الإمام فيما فاتت به ركعة فكان كالتخلف بركعة . فإن قلنا : تبطل وجب استئنافها وحرم الاستمرار فيها مع العلم ببطلانها ، وإن قلنا : لا تبطل قال الإمام : ينبغي أن لا يركع لأن الركوع غير محسوب له ، ولكن يتابع الإمام في الهوي إلى السجود ويصير كأنه أدركه الآن والركعة غير محسوبة له ، ثم صورة المسألة إذا لم يدرك مع الإمام ما يمكنه فيه اتمام الفاتحة ، فأما إذا أتى بدعاء الافتتاح وتعوذ ثم سبح أو سكت طويلا فإنه مقصر بلا خلاف ، ولا تسقط عنه الفاتحة صرح به الإمام .

قسم V04/P184–V04/P185

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن أدركه وهو راكع كبر للإحرام وهو قائم ثم يكبر للركوع ويركع ، فإن كبر تكبيرة ( واحدة ) نوى بها الإحرام وتكبيرة الركوع لم تجزئه عن الفرض لأنه اشرك في النية بين الفرض والنفل ، وهل تنعقد ( له ) صلاة نفل فيه وجهان أحدهما : تنعقد ، كما لو أخرج خمسة دراهم ونوى بها الزكاة وصدقة التطوع والثاني : لا تنعقد لأنه اشرك في النية بين تكبيرة هي شرط ، وتكبيرة ليست بشرط . + الشرح : إذا أدرك الإمام راكعا كبر للإحرام قائما ثم يكبر للركوع ويهوي إليه ، فإن وقع بعض تكبيرة الإحرام في غير القيام لم تنعقد صلاته فرضا بلا خلاف ، ولا تنعقد نفلا أيضا على الصحيح ، وفيه وجه سبق بيانه في أول صفة الصلاة وسبق هناك ، أن الأشهر من مذهب مالك أن المسبوق إذا أدرك الإمام راكعا ووقعت تكبيرة احرامه في حد الركوع انعقدت صلاته فرضا ، دليلنا القياس على غير المسبوق ، وإذا كبر للإحرام فليس له أن يشتغل بالفاتحة بل يهوي للركوع مكبرا له ، وكذا لو أدركه قائما فكبر فركع الإمام بمجرد تكبيره . فلو اقتصر في الحالين على تكبيرة واحدة وأتى بها بكمالها في حال القيام فله أربعة أحوال أحدها : أن ينوي تكبيرة الإحرام فقط فتصح صلاته فريضة الثاني : أن ينوي تكبيرة الركوع فلا تنعقد صلاته الثالث : ينويهما جميعا فلا تنعقد فرضا بلا خلاف ، وفي انعقادها نفلا ثلاثة أوجه ، الصحيح باتفاق الأصحاب : لا تنعقد . والثاني : تنعقد . والثالث حكاه القاضي أبو الطيب : إن كانت التي أحرم بها نافلة انعقدت نافلة . وإن كانت فريضة فلا الحال الرابع : أن لا ينوي واحدة منهما ، بل يطلق التكبير ، فالصحيح المنصوص في الأم وقطع به الجمهور لا تنعقد . والثاني : تنعقد فرضا لقرينة الافتتاح ، ومال إليه إمام الحرمين . وأما قياس المصنف على من أخرج دراهم ونوى بها الزكاة وصدقة التطوع . فمراده أنه يقع صدقة تطوع بلا خلاف ، ولكنه قياس ضعيف أو باطل ، وليس بينهما جامع وعلة معتبرة ، ولو كان فالفرق أن الدراهم لم تجزه عن الزكاة ، فبقيت تبرعا ، وهذا معناه صدقة التطوع . وأما تكبيرة الإحرام فهي ركن لصلاة الفرض ولصلاة النفل ، ولم تتمحض هذه التكبيرة للإحرام ولم تنعقد فرضا ، وكذا النفل إذ لا فرق بينهما في اعتبار تكبيرة الإحرام والله أعلم .

قسم V04/P185–V04/P187

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن أدرك معه مقدار الركوع الجائز فقد أدرك الركعة ، وإن لم يدرك ذلك لم يدرك الركعة لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أدرك الركوع من الركعة الأخيرة يوم الجمعة فليضف إليها أخرى ، ومن لم يدرك الركوع فليتم الظهر أربعا . + الشرح : هذا الحديث بهذا اللفظ غريب ، ورواه الدارقطني بإسناد ضعيف ولفظه من أدرك من الجمعة ركعة فليصل إليها أخرى ، فإن أدركهم جلوسا صلى الظهر أربعا قال الشافعي والأصحاب : إذا أدرك مسبوق الإمام راكعا وكبر وهو قائم ثم ركع فإن وصل المأموم إلى حد الركوع المجزىء وهو أن تبلغ راحتاه ركبتيه قبل أن يرفع الإمام عن حد الركوع المجزىء ، فقد أدرك الركعة وحسبت له . قال صاحب البيان : ويشترط أن يطمئن المأموم في الركوع قبل ارتفاع الإمام عن حد الركوع المجزىء . وأطلق جمهور الأصحاب المسألة ولم يتعرضوا للطمأنينة ، ولا بد من اشتراطها كما ذكره صاحب البيان ، قال الرافعي : قال أصحابنا : ولا يضر ارتفاع الإمام عن أكمل الركوع إذا لم يرتفع عن القدر المجزىء . وهذا الذي ذكرناه من أدراك الركوع هو الصواب الذي نص عليه الشافعي ، وقاله جماهير الأصحاب وجماهير العلماء ، وتظاهرت به الأحاديث وأطبق عليه الناس ، وفيه وجه ضعيف مزيف أنه لا يدرك الركعة بذلك ، حكاه صاحب التتمة عن إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة من أكبر أصحابنا الفقهاء المحدثين ، وحكاه الرافعي عنه . وعن أبي بكر الصبغي من أصحابنا وهو بكسر الصاد المهملة وإسكان الباء الموحدة وبالغين المعجمة ، قال صاحب التتمة : هذا ليس بصحيح لأن أهل الأعصار اتفقوا على الإدراك به فخلاف من بعدهم لا يعتد به ، فإذا قلنا بالمذهب وهو أنه يدركها فشك هل بلغ حد الركوع المجزىء واطمأن قبل ارتفاع الإمام عنه أم بعده فطريقان أحدهما : وهو المذهب وبه قطع الجمهور في الطريقين ، ونص عليه الشافعي في الأم : لا يكون مدركا للركعة لأن الأصل عدم الإدراك ولأن الحكم بالاعتداد بالركعة بإدراك الركوع رخصة فلا يصار إليه إلا بيقين والثاني : فيه وجهان حكاه إمام الحرمين وجعلهما الغزالي قولين ، والصواب وجهان أصحهما : هذا والثاني : يكون مدركا لأن الأصل عدم ارتفاع الإمام والله أعلم . وهذا الذي ذكره من إدراك المأموم للركعة بادراك ركوع الإمام هو فيما إذا كان الركوع محسوبا له فإن لم يكن محسوبا له بأن كان الإمام محدثا ، أو قد سها وقام إلى الخامسة فأدركه المسبوق في ركوعها ، أو نسي تسبيح الركوع واعتدل ، ثم عاد إليه ظانا جوازه فأدركه فيه لم يكن مدركا للركعة على المذهب الصحيح الذي قطع به الجمهور ، لأن القيام والقراءة إنما يسقطان عن المسبوق ، لأن الإمام يحملهما عنه ، وهذا الإمام غير حامل فإن الركوع في الصورة المذكورة غير محسوب له ، وفيه وجه أنه يكون مدركا وهو ضعيف ، وسنوضحه إن شاء الله تعالى في باب صفة الأئمة في مسألة الصلاة خلف المحدث . فرع : إذا أدرك المسبوق الإمام بعد فوات الحد المجزىء من الركوع فلا خلاف أنه لا يكون مدركا للركعة ، لكن يجب عليه متابعة الإمام فيما أدرك ، وإن لم يحسب له فإن أدركه في التشهد الأخير لزمه أن يجلس معه وهل يسن له التشهد معه فيه وجهان مشهوران حكاهما الخراسانيون والشيخ أبو حامد وابن الصباغ وصاحب البيان وآخرون من العراقيين الصحيح : المنصوص أنه يسن متابعة الإمام والثاني : لا يسن لأنه ليس موضعه في حقه .

قسم V04/P187

قال أصحابنا : ولا يجب التشهد على هذا المسبوق بلا خلاف بخلاف القعود فيه ، فإنه وجب عليه بلا خلاف ، لأن متابعة الإمام إنما تجب في الأفعال ، وكذا في الأقوال المحسوبة للإمام ، ولا يجب في الأقوال التي لا تحسب له ، لأنه لا يحل تركها بصورة المتابعة بخلاف الأفعال ، ومتى أدركه في ركوع أو بعده لا يأتي بدعاء الافتتاح لا في الحال ولا فيما بعده حتى لو أدركه في آخر التشهد فأحرم وجلس فسلم الإمام عقب جلوسه فقام إلى تدارك ما عليه لم يأت بدعاء الافتتاح لفوات محله وإن سلم قبل جلوسه أتى به ، وقد سبقت المسألة موضحة في أوائل صفة الصلاة . فرع : ذكرنا ( أنه ) إذا لم يدرك المسبوق الركوع لا تحسب له الركعة عندنا وبه قال جمهور العلماء ، وقال زفر : تحسب إن أدركه في الاعتدال .

قسم V04/P187–V04/P188

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأن كان الإمام قد ركع ونسي تسبيح للركوع فرجع إلى الركوع ليسبح فأدركه المأموم في هذا الركوع فقد قال أبو علي الطبري : يحتمل أن يكون مدركا للركعة كما لو قام إلى خامسة فأدركه مأموم فيها . والمنصوص في الأم أنه لا يكون مدركا ، لأن ذلك غير محسوب للإمام ، ويخالف الخامسة لأن هناك قد أتى بها المأموم وههنا لم يأت بما فاته مع الإمام . + الشرح : قال الشافعي والأصحاب رحمهم الله : إذا نسي الإمام تسبيح الركوع فاعتدل ثم تذكره لم يجز له أن يعود إلى الركوع ليسبح لأن التسبيح سنة فلا يجوز أن يرجع من الاعتدال الواجب إليه فإن عاد إليه عالما بتحريمه بطلت صلاته ، ولا يصح اقتداء أحد به ، وإن عاد إليه جاهلا بتحريمه لم تبطل صلاته لأنه معذور ولكن هذا الرجوع لغو غير محسوب من صلاته ، فإن اقتدى به مسبوق والحالة هذه وهو في الركوع الذي هو لغو والمسبوق جاهل بالحال صح اقتداؤه ، وهل تحسب له هذه الركعة بادراك هذا الركوع فيه وجهان الصحيح : باتفاق الأصحاب وهو المنصوص في الأم أنها لا تحسب لأن الركوع لغو في حق الإمام وكذا في حق المأموم ، ولأن الإمام ليس في الركوع ، وإنما هو في الاعتدال حكما والمدرك في الاعتدال لا تحسب له الركعة والثاني : تحسب . واحتجوا له بالقياس على من أدرك الإمام في خامسة قام إليها جاهلا وأدرك معه القيام وقرأ الفاتحة ، فإن هذه الركعة تحسب للمسبوق وإن كانت غير محسوبة للإمام ، وهذا الوجه غلط وقياسه على الخامسة باطل ، لأنه ليس نظير مسألتنا ، لأنه في الخامسة أدركها بكمالها ولم يحمل الإمام عنه شيئا وفي مسألتنا لم يدرك القيام والقراءة ولا الركوع المحسوب للإمام ، فلا يصح القياس ، وإنما نظيره أن يدركه في ركوع الخامسة وحينئذ لا يحسب له الركعة على المذهب الصحيح ، وبه قطع الجمهور في الطريقتين ، وحكى إمام الحرمين عن الشيخ أبي علي السنجي بكسر السين المهملة وإسكان النون وبالجيم ، وجها ضعيفا جدا : أنه يكون مدركا للركعة . وذكر وجها بعيدا مزيفا : أنه إذا أدرك مع الإمام جميع الخامسة وهما جاهلان بأنها الخامسة وقرأ الفاتحة لا يكون مدركا للركعة ، ولكن صلاته منعقدة وهو خلاف المذهب بل الصواب المشهور : أنه مدرك للركعة والحالة هذه ، ولو أدرك معه جميع ثالثة من الجمعة قام إليها ساهيا ، فإن قلنا في غير الجمعة لا تحسب له الركعة لم تحسب هنا ركعة من الجمعة ولا من الظهر . وإن قلنا : تحسب ، فهنا وجهان بناء على القولين فيما لو بان إمام الجمعة محدثا ، واختار ابن الحداد هنا أنه لا تحسب له الركعة ، أما إذا كان الإمام محدثا فحكم إدراك المسبوق له في ركوعه حكم إدراكه في ركوع الخامسة ، فالصحيح أنه لا تحسب له الركعة . أما إذا كان الإمام متطهرا فأدركه مسبوق في الركوع فاقتدى به ثم أحدث الإمام في السجود فإن المسبوق يكون مدركا لتلك الركعة بلا خلاف ، لأنه أدرك ركوعا محسبوبا للإمام . ذكره البغوي وغيره وهو ظاهر ، أما إذا قام الإمام إلى خامسة جاهلا فاقتدى به مسبوق عالما بأنها خامسة فالصحيح المشهور الذي قطع به الأصحاب في معظم الطرق أنه لا تنعقد صلاته لأنه دخل في الركعة يعلم أنها لغو . وحكى البغوي عن القفال أن صلاته تنعقد جماعة لأن الإمام في صلاة ، ولكن لا يتابعه في الأفعال ، بل بمجرد إحرامه يقعد ينتظر الإمام لأن التشهد محسوب للإمام ، قال البغوي : وعلى هذا لو نسي الإمام سجدة من الركعة الأولى فاقتدى به مسبوق في قيام الثانية مع علمه بحاله ففي انعقادها هذا الخلاف ، الصحيح لا تنعقد والله أعلم .

قسم V04/P188–V04/P190

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن أدركه ساجدا كبر للإحرام ثم يسجد من غير تكبير ، ومن أصحابنا من قال : يكبر كما يكبر للركوع ، والمذهب الأول لأنه لم يدرك محل التكبير من السجود ، ويخالف ما إذا أدركه راكعا فإن هذا موضع ركوعه ، ألا ترى أنه يجزئه عن فرضه فصار كالمنفرد . + الشرح : قال أصحابنا : إذا أدركه ساجدا أو في التشهد كبر للإحرام قائما ويجب أن يكمل حروف تكبيرة الإحرام قائما كما سبق بيانه قريبا في باب صفة الصلاة . فإذا كبر للإحرام لزمه أن ينتقل إلى الركن الذي فيه الإمام ، وهل يكبر للانتقال فيه الوجهان اللذان ذكرهما المصنف ، أصحهما باتفاق الأصحاب : لا يكبر لما ذكره المصنف ، ثم يكبر بعد ذلك إذا انتقل مع الإمام من السجود أو غيره موافقة للإمام وإن لم يكن محسوبا لهذا المسبوق ، وإذا قام المسبوق بعد سلام الإمام إلى تدارك ما عليه فإن كان الجلوس الذي قام منه موضع جلوس هذا المسبوق بأن أدركه في ثالثة رباعية ، أو ثانية المغرب قام مكبرا . وإن لم يكن موضع جلوسه بأن أدركه في الأخيرة أو ثانية رباعية ففيه ثلاثة أوجه الصحيح : المشهور المنصوص أنه يقوم بلا تكبير لأنه ليس موضع تكبير له وقد كبر في ارتفاعه عن السجود مع الإمام وهو الانتقال في حقه وليس هو الآن متابع للإمام فلا يكبر والثاني : يكبر لأنه انتقال وهذا الوجه حكاه إمام الحرمين والغزالي عن الشيخ أبي حامد ، والذي في تعليق أبي حامد أنه لا يكبر فلعلهم رووه عنه في غير تعليقه والثالث : ذكره القاضي أبو الطيب وجزم به أنه يقوم من أدرك التشهد الأخير فلا يكبر ، ويقوم من أدرك معه ركعة بتكبير ، لأن القيام من ركعة له تكبير ، وهذا ضعيف والله أعلم . وإذا لم يكن موضع جلوس المسبوق لم يجز له المكث بعد سلام الإمام فإن مكث بطلت صلاته ، لأنه زاد قياما ، وإن كان موضع جلوسه جاز المكث ولا تبطل صلاته . لأن تطويل التشهد الأول جائز ، وإن كان الأولى تخفيفه والسنة للمسبوق أن يقوم بعد تسليمتي الإمام لأن الثانية من الصلاة ، هكذا صرح به القاضي حسين والمتولي والبغوي وآخرون . ويجوز أن يقوم بعد تمام الأولى فإن قام قبل تمامها بطلت صلاته إن تعمد القيام ولم ينو المفارقة . وقد سبق بيان هذه المسألة مبسوطة في فصل صفة الصلاة في فصل السلام والله أعلم . فرع : لو أدرك المسبوق الإمام في السجدة الأولى من ركعة فسجدها معه ثم أحدث الإمام وانصرف ، فهل يسجد المسبوق السجدة الثانية فيه وجهان حكاهما القاضي أبو الطيب في تعليقه في آخر باب سجود السهو . أحدهما : يلزمه أن يسجد لأنه التزم ذلك بمتابعة الإمام ، وبهذا قال أبو علي بن أبي هريرة وأصحهما : وبه قال جمهور أصحابنا : لا يسجد لأن هذه السجدة غير محسوبة له . وإنما كان يأتي بها متابعة للإمام . وقد زالت المتابعة .

قسم V04/P190–V04/P192

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأن أدركه في آخر الصلاة كبر للإحرام وقعد وحصلت له فضيلة الجماعة . + الشرح : قد قدمنا قريبا أنه إذا أدركه في التشهد الأخير كبر للإحرام قائما وقعد وتشهد معه ، ولا يكبر للقعود على الصحيح ، والتشهد سنة وليس بواجب على هذا المسبوق بلا خلاف كما سبق بيانه قريبا ، وقد قدمنا هناك وجها أنه لا يسن وليس بشيء . ولا يقرأ دعاء الافتتاح في الحال ولا بعد القيام ، وسبق دليل الجميع ، وتحصل له فضيلة الجماعة لكن دون فضيلة من أدركها من أولها ، هذا هو المذهب الصحيح ، وبه قطع المصنف والجمهور من أصحابنا العراقيين والخراسانيين ، وجزم الغزالي بأنه لا يكون مدركا للجماعة إلا إذا أدرك ركوع الركعة الأخيرة والمشهور الأول ، لأنه لا خلاف بأن صلاته تنعقد ولو لم تحصل له الجماعة لكان ينبغي أن لا تنعقد ، فإن قيل : لم يدرك قدرا يحسب له قلنا : هذا غلط بل تكبيرة الإحرام أدركها معه وهي محسوبة له . والله أعلم . قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن أدرك معه الركعة الأخيرة كان ذلك أول صلاته لما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال : ما أدركت فهو أول صلاتك وعن ابن عمر أنه قال : يكبر فإذا سلم الإمام قام إلى ما بقي من صلاته ، فإن كان ذلك في صلاة فيها قنوت فقنت مع الإمام أعاد القنوت في آخر صلاته ، لأن ما فعله مع الإمام فعله للمتابعة فإذا بلغ إلى موضعه أعاده . كما إذا تشهد مع الإمام ثم قام إلى ما بقي فإنه يعيد التشهد . + الشرح : مذهبنا أن ما أدركه المسبوق فهو أول صلاته ، وما يتداركه بعد سلام الإمام آخر صلاته فيعيد فيه القنوت . قال الشافعي : ( فإن أدركه أول ركعتين من رباعية ثم قام للتدارك يقرأ السورة في الأخريين ) وقيل : هذا تفريع على قوله : ( تسن السورة في جميع الركعات ولا تختص بالأوليين ) أما إذا خصصنا فلا يقرأ السورة ، والأصح أنه تفريع على القولين جميعا لئلا تخلو صلاته من السورة ، وقد تقدمت هذه المسألة في صفة الصلاة ، وتقدم هناك أيضا أنه لو أدرك ركعتين من العشاء لا يسن الجهر فيما يتداركه على المذهب لأنه آخر صلاته ، وقيل في الجهر قولان لئلا تخلو صلاته من جهر وأوضحت المسألة هناك ، ولو أدرك ركعة من المغرب قام بعد سلام الإمام ويصلي ركعة ثم يتشهد ، ثم ثالثة ويتشهد . فرع : قد ذكرنا أن مذهبنا أن ما أدركه المسبوق أول صلاته ، وما يتداركه آخرها ، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن البصري وعطاء وعمر بن عبد العزيز و مكحول والزهري والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وإسحاق ، حكاه عنهم ابن المنذر قال : وبه أقول . قال : وروى عن عمر وعلي وأبي الدرداء ولا يثبت عنهم وهو رواية عن مالك وبه قال داود . وقال أبو حنيفة ومالك والثوري وأحمد : ما أدركه آخر صلاته وما يتداركه أول صلاته . وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر ومجاهد وابن سيرين ، واحتج لهم بقوله صلى الله عليه وسلم : ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا رواه البخاري ومسلم واحتج أصحابنا بقوله صلى الله عليه وسلم ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا رواه البخاري ومسلم من طرق كثيرة . قال البيهقي : الذين رووا فأتموا أكثر وأحفظ وألزم لأبي هريرة الذي هو راوي الحديث ، فهو أولى . قال الشيخ أبو حامد والماوردي : وإتمام الشيء لا يكون إلا بعد تقدم أوله وبقية آخره ، وروي مثل مذهبنا عن عمر بن الخطاب وعلي وأبي الدرداء وابن المسيب والحسن وعطاء وابن سيرين وأبي قلابة رضي الله عنهم . قال أصحابنا : ولأنه لو أدرك ركعة من المغرب فقام للتدارك يصلي ركعة ثم يجلس ويتشهد ، ثم يقوم إلى الثالثة وهذا متفق عليه عندنا وعن الحنفية . وممن نقل الاتفاق عليه الشيخ أبو حامد والبغوي ، وهو دليل ظاهر لنا لأنه لو كان الذي فاته أول صلاته لم يجلس عقب ركعة . قال أصحابنا : فأما رواية فاقضوا فجوابها من وجهين أحدهما : أن رواة فأتموا أكثر وأحفظ والثاني : أن القضاء محمول على الفعل لا القضاء المعروف في الاصطلاح ، لأن هذا اصطلاح متأخري الفقهاء ، والعرب تطلق القضاء بمعنى الفعل . قال الله تعالى : فإذا قضيتم مناسككم فإذا قضيت الصلاة قال الشيخ أبو حامد : والمراد وما فاتكم من صلاتكم أنتم لا من صلاة الإمام والذي فات المأموم من صلاة نفسه إنما هو آخرها ، والله أعلم .

قسم V04/P192–V04/P193

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن حضر وقد فرغ الإمام من الصلاة فإن كان المسجد له إمام راتب كره أن يستأنف فيه جماعة لأنه ربما اعتقد أنه قصد الكياد والإفساد ، وإن كان المسجد في سوق أو ممر الناس لم يكره أن يستأنف الجماعة لأنه لا يحتمل الأمر فيه على الكياد ، وإن حضر ولم يجد إلا من صلى استحب لبعض من حضر أن يصلي معه لتحصل له الجماعة والدليل عليه ما روى أبو سعيد الخدري أن رجلا جاء وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من يتصدق على هذا فقام رجل فصلى معه . + الشرح : هذا الحديث رواه أبو داود والترمذي ، وقال : حديث حسن ، وروينا في سنن البيهقي أن هذا الرجل الذي قام فصلى معه هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، وقوله صلى الله عليه وسلم من يتصدق على هذا فيه تسمية مثل هذا صدقة ، وهو موافق لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : كل معروف صدقة رواه البخاري من رواية جابر ، ومسلم من رواية حذيفة ، وفيه استحباب إعادة الصلاة في جماعة لمن صلاها في جماعة . وإن كانت الثانية أقل من الأولى وأنه تستحب الشفاعة إلى من يصلي مع الحاضر ، وأن المسجد المطروق لا يكره فيه جماعة بعد جماعة ، وأن الجماعة تحصل بإمام ومأموم . أما حكم المسألة : فقال أصحابنا : إن كان للمسجد إمام راتب وليس هو مطروقا كره لغيره إقامة الجماعة فيه ابتداء قبل فوات مجيء إمامه ، ولو صلى الإمام كره أيضا إقامة جماعة أخرى فيه بغير إذنه ، هذا هو الصحيح المشهور وبه قطع الجمهور وحكى الرافعي وجها أنه لا يكره ، ذكره في باب الأذان وهو شاذ ضعيف ، وإن كان المسجد مطروقا أو غير مطروق ، وليس له له إمام راتب لم تكره إقامة الجماعة الثانية فيه لما ذكره المصنف ، أما إذا حضر واحد بعد صلاة الجماعة فيستحب لبعض الحاضرين الذين صلوا أن يصلي معه لتحصل له الجماعة ، ويستحب أن يشفع له من له عذر في عدم الصلاة معه إلى غيره ليصلي معه للحديث ، والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في إقامة الجماعة في مسجد أقيمت فيه جماعة قبلها أما إذا لم يكن له إمام راتب فلا كراهة في الجماعة الثانية والثالثة وأكثر بالإجماع ، وأما إذا كان له إمام راتب وليس المسجد مطروقا فمذهبنا كراهة الجماعة الثانية بغير إذنه ، وبه قال عثمان البتي والأوزاعي ومالك والليث والثوري وأبو حنيفة ، وقال أحمد وإسحاق وداود وابن المنذر : لا يكره .

قسم V04/P193–V04/P194

قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن صلى منفردا ثم أدرك جماعة يصلون استحب له أن يصلي معهم ، وحكى أبو إسحاق عن بعض أصحابنا أنه قال : إن كان صبحا أو عصرا لم يستحب لأنه منهي عن الصلاة بعدهما ، والمذهب الأول لما روى يزيد بن الأسود العامري أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الغداة في مسجد الخيف فرأى في آخر القوم رجلين لم يصليا معه فقال : ما منعكما أن تصليا معنا قالا : يا رسول الله قد صلينا في رحالنا ، قال : فلا تفعلا ، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة فإن صلى في جماعة ثم أدرك جماعة أخرى ففيه وجهان أحدهما : يعيد للخبر والثاني : لا يعيد لأنه قد حاز فضيلة الجماعة ، وإذا صلى ثم أعاد مع الجماعة فالفرض هو الأول في قوله الجديد للخبر ، ولأنه اسقط الفرض بالأولى فوجب أن تكون الثانية نفلا . وقال في القديم : يحتسب الله أيتهما شاء وليس بشيء . + الشرح : حديث يزيد رواه أبو داود والترمذي وقال : حديث حسن صحيح وقوله : ( صلاة الغداة ) دليل على أنه لا بأس بتسيمة الصبح غداة وقد كثر ذلك من استعمال الصحابة في الصحيحين وغيرهما وقد أوضحت ذلك ونبهت عليه في مواضع من شرح صحيح مسلم ، وقد سبق في المهذب في باب مواقيت الصلاة بيان المسألة واضحا ، والرحال : المنازل من مدر أو وبر وشعر وغير ذلك . أما حكم المسألة : فإذا صلى الإنسان الفريضة منفردا ثم أدرك جماعة يصلونها في الوقت استحب له أن يعيدها معهم . وفي وجه شاذ يعيد الظهر والعشاء فقط ولا يعيد الصبح والعصر لأن الثانية نافلة ، والنافلة بعدهما مكروهة ، ولا المغرب لأنه لو أعادها لصارت شفعا . هكذا عللوه ، وينبغي أن تعلل بأنها يفوت وقتها تفريعا على الجديد وهذا الوجه غلط وإن كان مشهورا عنه الخراسانيين . وحكي وجه ثالث : يعيد الظهر والعصر والمغرب وهو ضعيف أيضا أما إذا صلى جماعة ثم أدرك جماعة أخرى ففيه أربعة أوجه الصحيح : منها عند جماهير الأصحاب يستحب اعادتها للحديث المذكور والحديث السابق في المسألة قبلها من يتصدق على هذا وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة . والثاني : لا يستحب لحصول الجماعة . قالوا : فعلى هذا تكره إعادة الصبح والعصر لما ذكرناه . ولا يكره غيرهما والثالث : يستحب إعادة ما سوى الصبح والعصر والرابع : إن كان في الجماعة الثانية زيادة فضيلة لكون الإمام أعلم أو أورع أو الجمع أكثر أو المكان أشرف استحب الإعادة وإلا فلا ، والمذهب استحباب الإعادة مطلقا ، وممن صرح بتصحيحه الشيخ أبو حامد ، ونقل أنه ظاهر نصه في الجديد والقديم وصححه أيضا القاضي أبو الطيب والبندنيجي والماوردي والمحاملي وابن الصباغ والبغوي وخلائق كثيرون لا يحصون ، ونقله الرافعي عن الجمهور . وإذا استحببنا الإعادة لمن صلى منفردا أو في جماعة فأعاد ففي فرضه قولان ووجهان الصحيح : من القولين وهو الجديد فرضه الأولى لسقوط الخطاب بها ، ولقوله صلى الله عليه وسلم فإنها لكما نافلة يعني الثانية ، وفي صحيح مسلم عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الأئمة الذين يؤخرون الصلاة قال : صلوا الصلاة لوقتها واجعلوا صلاتكم معهم نافلة رواه مسلم من طرق ، والقول الثاني وهو القديم أن فرضه إحداهما لا بعينها ، ويحتسب الله بما شاء منهما وعبر بعض أصحابنا عن هذا القول بأن الفرض أكملهما ، وأحد الوجهين كلاهما فرض ، حكاه الخراسانيون وهو مذهب الأوزاعي ، ووجهه أن كلا منهما مأمور بها والأولى مسقطة للحرج لا مانعة من وقوع الثانية فرضا ، وهذا كما قال أصحابنا في صلاة الجنازة فإذا صلتها طائفة سقط الحرج عن الباقين .