Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

قسم V05/P109–V05/P111

فرع : لم أر لأصحابنا كلاما فيما يقال حال إغماض الميت ، ويستحسن ما رواه البيهقي بإسناد صحيح في السنن الكبرى عن بكر بن عبد الله المزني التابعي الجليل رحمه الله قال : إذا اغمضت الميت فقل باسم الله وعلى ملة رسول الله ، وإذا حملته فقل باسم الله ، ثم تسبح ما دمت تحمله . فرع : يستحب للناس أن يقولوا عند الميت خيرا وأن يدعوا له ، لحديث أم سلمة رضي الله عنها قالت : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال : إن الروح إذا قبض تبعه البصر ، فضج ناس من أهله فقال : لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون . ثم قال : اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه في الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين ، وأفسح له في قبره ونور له فيه رواه مسلم . قولها : شق بصره هو بفتح الشين ، وبصره برفع الراء ، هكذا الرواية فيه باتفاق الحفاظ وأهل الضبط . قال صاحب الأفعال : يقال : شق بصر الميت وشق الميت بصره إذا شخص . فرع فيما يقال عند الميت وما يقوله من مات له قريب أو صاحب عن أم سلمة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيرا فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون قالت فلما مات أبو سلمة أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله إن أبا سلمة قد مات . قال : قولي اللهم اغفر لي وله وأعقبني منه عقبى حسنة فقلت ، فأعقبني الله من هو لي خير منه محمدا صلى الله عليه وسلم رواه مسلم . هكذا : المريض أو الميت على الشك ، وهو في سنن أبي داود وغيره الميت من غير شك . وعنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول : إنا لله وإنا إليه راجعون ، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيرا منها . قالت : فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخلف الله تعالى لي خيرا منه ، رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه مسلم . وعن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته : قبضتم ولد عبدي فيقولون : نعم ، فيقول قبضتم مثمرة فؤاده فيقولون : نعم ، فيقول : فماذا قال عبدي فيقولون : حمدك واسترجع ، فيقول الله تعالى : ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد رواه الترمذي وقال : حديث حسن . وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يقول الله تعالى : ما لعبدي المؤمن جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة رواه البخاري . فرع : يجوز لأهل الميت وأصدقائه تقبيل وجهه ، ثبتت فيه الأحاديث ، وصرح به الدارمي في الاستذكار والسرخسي في الأمالي . فرع : قد ذكرنا فيما سبق أنه يستحب للمريض الصبر . قال أصحابنا : ويكره له كثرة الشكوى ، فلو سأله طبيب أو قريب له أو صديق أو نحوهم عن حاله فأخبره بالشدة التي هو فيها ، لا على صورة الجزع فلا بأس . قال المتولي : ويكره له التأوه والأنين ، وكذا قال 112 القاضي أبو الطيب وصاحب الشامل وغيرهما من أصحابنا أنه يكره له الأنين ، لأن طاوسا رحمه الله كرهه .

قسم V05/P111–V05/P112

وهذا الذي قالوه من الكراهة ضعيف أو باطل فإن المكروه هو الذي ثبت فيه نهي مقصود ولم يثبت في هذا نهي ، بل في صحيح البخاري عن القاسم قال : قالت عائشة : وارأساه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : بل أنا وارأساه فالصواب أنه لا كراهة فيه ، ولكن الاشتغال بالتسبيح ونحوه أولى ، فلعلهم أرادوا بالمكروه هذا & باب غسل الميت &

قسم V05/P112

قال المصنف رحمه الله تعالى : وغسله فرض على الكفاية لقوله صلى الله عليه وسلم في الذي سقط عن بعيره : اغسلوه بماء وسدر . + الشرح : هذا الحديث رواه البخاري ومسلم في رواية ابن عباس رضي الله عنهما ، وغسل الميت فرض كفاية بإجماع المسلمين ، ومعنى فرض الكفاية أنه إذا فعله من فيه كفاية سقط الحرج عن الباقين ، وإن تركوه كلهم أثموا كلهم . واعلم أن غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه فروض كفاية بلا خلاف .

قسم V05/P112–V05/P114

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن كان الميت رجلا لا زوجة له فأولى الناس بغسله الأب ثم الجد ثم الابن ثم ابن الابن من الأخ ثم ابن الأخ ثم العم ثم ابن العم لأنهم أحق بالصلاة عليه ، فكانوا أحق بغسله ، فإن كان له زوجة جاز لها غسله ، لما روت عائشة رضي الله عنها : أن أبا بكر رضي الله عنه أوصى أسماء بنت عميس لتغسله وهل يقدم على العصبات ، فيه وجهان أحدهما : أنها تقدم لأنها تنظر منه إلى ما لا ينظر العصبات وهو ما بين السرة والركبة والثاني : يقدم العصبات لأنهم أحق بالصلاة عليه . + الشرح : حديث عائشة هذا ضعيف ، ورواه البيهقي من رواية محمد ابن عمر الواقدي وهو ضعيف باتفاقهم . قال البيهقي : ورواية الواقدي وإن كان ضعيفا فله شواهد مراسيل . قلت : ورواه مالك في الموطأ عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أسماء بنت عميس : أنها غسلت أبا بكر حين توفي ، فسألت من حضرها من المهاجرين ، إني صائمة وإن هذا يوم شديد البرد فهل علي من غسل ، فقالوا : لا وهذا الإسناد منقطع . وعميس بعين مهملة مضمومة ثم ميم مفتوحة ثم مثناة من تحت ساكنة ثم سين مهملة ، وكانت أسماء من السابقات إلى الإسلام ، أسلمت قديما بمكة قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم . قال أصحابنا : الأصل في غسل الميت أن يغسل الرجال الرجال والنساء النساء فإن كان الميت رجلا فأولى الناس به أولاهم بالصلاة عليه ، وزوجته ، فإن لم يكن زوجة فأولاهم الأب ثم الجد ثم الابن ثم ابن الابن ثم الأخ ثم العم ثم ابن العم ثم عم الأب ثم ابنه ثم عم الجد ثم ابنه ثم عم أبي الجد ثم ابنه وعلى هذا الترتيب . وإن كان له زوجة جاز لها غسله بلا خلاف عندنا ، وبه قالت الأئمة كلها إلا رواية عن أحمد ، وهل تقدم على رجال العصبات فيه الوجهان اللذان ذكرهما المصنف وهما مشهوران أصحهما : عند الأكثرين لا تقدم ، بل يقدم رجال العصبات ثم الرجال الأقارب ثم الأجانب ثم الزوجة ثم النساء المحارم . وبهذا قطع المصنف في التنبيه والجرجاني في التحرير . والثاني : تقدم الزوجة عليهم ، وصححه البندنيجي ، وفي المسألة وجه ثالث ذكره السرخسي في الأمالي وغيره من الأصحاب إنه يقدم الرجال الأقارب ، ثم الزوجة ثم الرجال الأجانب ثم النساء المحارم ، وإلى متى تغسل زوجها فيه ثلاثة أوجه حكاها القاضي أو الطيب والبغوي والمتولي وآخرون . أصحها : تغسله أبدا وإن انقضت عدتها بوضع الحمل في الحال وتزوجت ، لأنه حق ثبت لها فلا يسقط بشيء من ذلك كالميراث ، وبهذا قطع الغزالي في كتاب العدة وغيره من الأصحاب ، وهو مقتضى إطلاق المصنف والأكثرين ، وصححه الرافعي وغيره والثاني : لها غسله ما لم تتزوج ، وإن انقضت عدتها ، لأنها بالزواج صارت صالحة لغسل الثاني لو مات ، ولا يجوز أن تكون غاسلة لزوجين في وقت واحد والثالث : لها غسله ما لم تنقض العدة ، لأن بانقضاء العدة تنقطع علائق النكاح ، ولو كان له زوجتان فأكثر وتنازعن في غسله أقرع بينهن بلا خلاف ، وكذا لو مات له زوجات في وقت بهدم أو غرق أو غيره أقرع بينهن فمن خرجت قرعتها غسلها أولا ذكره صاحبا التتمة والعدة وغيرهما . فرع : لم يذكر المصنف النساء المحارم ، وقد ذكرهن المصنف في التنبيه ، وسائر الأصحاب فقالوا : يجوز للنساء المحارم غسله ، وهن مؤخرات عن الرجال الأقارب والأجانب والزوج ، لأنهن في حقه كالرجال .

قسم V05/P114

فرع : ذكر المصنف أن دليل غسل الزوجة زوجها قصة أسماء ، وذكرنا أنه حديث ضعيف فالصواب الاحتجاح بالإجماع ، فقد نقل ابن المنذر في كتابيه الإشراف وكتاب الإجماع أن الأمة أجمعت أن للمرأة غسل زوجها ، وكذا نقل الإجماع غيره : وأما الرواية التي نقلها صاحب الشامل وغيره عن أحمد أنها ليس لها غسله ، فإن ثبتت عنه فهو محجوج بالإجماع قبله .

قسم V05/P114–V05/P115

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن ماتت امرأة ولم يكن لها زوج غسلها النساء ، وأولاهن ذات رحم محرم ، ثم ذات رحم غير محرم ، ثم الأجنبية ، فإن لم يكن نساء غسلها الأقرب فالأقرب من الرجال على ما ذكرنا ، فإن كان لها زوج جاز له غسلها ، لما روت عائشة فقالت : رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من البقيع فوجدني وأنا أجد صداعا وأقول : وارأساه فقال : بل أنا يا عائشة وارأساه ، ثم قال : وما ضرك لو مت قبلي لغسلتك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك وهل يقدم على النساء فيه وجهان أحدهما : يقدم لأنه ينظر إلى ما لا ينظر النساء منها والثاني : يقدم النساء على الترتيب الذي ذكرناه ، فإن لم يكن نساء فأولى الأقرباء بالصلاة فإن لم يكن فالزوج ، وأن طلق زوجته طلقة رجعية ثم مات أحدهما قبل الرجعة لم يكن للآخر غسله لأنها محرمة عليه تحريم المبتوتة . + الشرح : حديث عائشة رواه أحمد بن حنبل والدارمي وابن ماجه والدارقطني والبيهقي وغيرهم بإسناد ضعيف ، فيه محمد بن إسحاق صاحب المغازي ، عن يعقوب بن عتبة . ومحمد بن إسحاق مدلس ، وإذا قال المدلس عن لا يحتج به ، ووقع في المهذب : لو مت قبلي لغسلتك باللام ، والذي رأيته في كتب الحديث فغسلتك بالفاء ويقال : مت بضم الميم وكسرها لغتان مشهورتان والبقيع بالباء في أوله وهو بقيع الغرقد مدفن أهل المدينة . أما الأحكام : ففي الفصل مسائل : إحداها : إذا ماتت امرأة ليس لها زوج غسلها النساء ذوات الأرحام المحارم كالأم والبنت وبنت الإبن وبنت البنت والأخت والعمة والخالة وأشباههن ، ثم ذوات الأرحام غير المحارم كبنت العم وبنت العمة وبنت الخال وبنت الخالة يقدم أقربهن فأقربهن ، قال الشيخ أبو حامد وغيره : وبعد هؤلاء يقدم ذوات الولاء ، فإن لم يكن فالأجنبيات ، ويرد على المصنف إهماله ذوات الولاء ، قال البغوي وغيره : فإن اجتمع امرأتان كل واحدة ذات رحم محرم فأولاهما من هي في محل العصوبة ، لو كانت ذكرا فتقدم العمة على الخالة ، فإن لم يكن نساء أصلا غسلها الأقرب فالأقرب من رجال المحارم على ما سبق فيما إذا مات رجل فيقدم الأب ثم الجد ثم الابن على الترتيب السابق . وفي كلام المصنف إشكال ، فإنه يوهم أنه يقدم في غسلها كل من يقدم في غسل الرجل من الرجال . فيدخل في ذلك ابن العم ولا خلاف أنه لا حق له في غسلها فإنه ليس محرما ، وإن كان له حق في الصلاة فمراده الأقرب فالأقرب من الرجال المحارم ، ولقد أحسن صاحب العدة وصاحب البيان في مشكلات المهذب وغيرهما ، فرتبه على أن ابن العم لا يجوز له غسلها بل هو كالأجنبي ، وإن كان الأكثرون قد أهملوا بيانه والله أعلم . الثانية : يجوز للزوج غسل زوجته بلا خلاف عندنا ، وسنوضح دليله في فرع مذاهب العلماء إن شاء الله تعالى ، وهل يقدم على النساء فيه الوجهان اللذان ذكرهما المصنف وهما مشهوران أصحهما : عند الأصحاب أن النساء يقدمن عليه ، ونقله الرافعي . والثاني : يقدم عليهن ، وصححه البندنيجي ودليله في الكتاب ، وهل يقدم الزوج على الرجال المحارم فيه وجهان مشهوران ، أصحهما بالاتفاق يقدم الزوج عليهم صححه المحاملي والبندنيجي والسرخسي والرافعي وآخرون ، ونقله صاحب الحاوي عن أكثر أصحابنا ، وقطع المصنف في التنبيه والشيخ أبو محمد الجويني وغيره من أصحاب القفال بتقديم الزوج على الرجال المحارم وتأخيره عن النساء ، فيحصل في المسألتين ثلاثة أوجه : أحدها : يقدم الزوج على الرجال والنساء والثاني : يقدم النساء والمحارم من الرجال عليه والثالث : وهو الأصح يقدم على الرجال ويؤخر عن النساء كما قطع به المصنف في التنبيه وموافقوه .

قسم V05/P115–V05/P117

المسألة الثالثة : إذا طلق زوجته بائنا أو رجعيا أو فسخ نكاحها ثم مات أحدهما في العدة لم يجز للآخر غسله ، لما ذكره المصنف ، وإنما قاسه على البائن لأن أبا حنيفة خالف في الرجعية ووافق في البائن ، ووافقه أحمد ، وعن مالك روايتان كالمذهبين ، واتفقوا على أنه لا يغسل البائن . فرع : له غسل زوجته مسلمة كانت أو كتابية فرع : لو ماتت امرأته فتزوج أختها أو أربعا سواها جاز له غسلها على المذهب ، وهو مقتضى إطلاق المصنف والجمهور . وذكر الرافعي فيه وجهين أصحهما : جوازه والثاني : منعه لأن أختها أو الأربع لو متن في الحال لغسلهن فلو جوزنا غسل هذه لزم منه جواز غسل امرأة وأختها في وقت واحد بالزوجية . فرع : ظاهر كلام الغزالي وبعضهم أن الرجال المحارم لهم الغسل مع وجود النساء ، قال الرافعي : ولكن لم أر لعامة الأصحاب تصريحا بذلك ، وإنما يتكلمون في الترتيب ويقولون : المحارم بعد النساء . فرع : قال أصحابنا : للسيد غسل أمته ، ومدبرته ، وأم ولده ، ومكاتبته ولا خلاف في هذا لأنها مملوكة له فأشبهت الزوجة ، بل هذه أولى ، فإنه يملك الرقبة والبضع جميعا فإن قيل : فالمكاتبة لا يملك بضعها قلنا : بالموت تنفسخ الكتابة فيعود البضع كما كان قبل الكتابة ، وأما من كانت من هؤلاء المذكورات مزوجة أو معتدة أو مستبرأة فلا يجوز له غسلها بالاتفاق لأنه لا يستبيح بضعها ، وهل يجوز للأمة والمدبرة والمستولدة غسل السيد فيه وجهان مشهوران وقد ذكرهما المصنف بعد هذا أصحهما : لا يجوز ، لأنها بالموت صارت لغيره أو حرة والثاني : جوازه كعكسه ، وأما المكاتبة والمزوجة والمعتدة والمستبرأة فلا يجوز لهن غسله بلا خلاف كعكسه ، صرح به البغوي وغيره . فرع : إذا غسل أحد الزوجين الآخر فينبغي أن يلف على يده خرقة لئلا يمس بشرته فإن لم يلف ، قال القاضي حسين ومتابعوه : يصح الغسل بلا خلاف ولا يبنى على الخلاف في انتقاض طهر الملموس ، لأن الشرع أذن له مع مسيس الحاجة إليه ، وأما اللامس فقطع القاضي بانتقاضه ، وفيه وجه ضعيف سبق في باب ما ينقض الوضوء . فرع : قال أصحابنا : يشترط فيمن نقدمه في الغسل شرطان أحدهما : كونه مسلما ، إن كان المغسول مسلما ، فلو كان المحكوم بتقديم درجته كافرا فهو كالمعدوم ونقدم من بعده حتى يقدم المسلم الأجنبي على القريب الكافر الثاني : أن لا يكون قاتلا ، قال المتولي وآخرون : إذا قتل قريبه فليس له حق مني غسله ولا الصلاة عليه ولا مني دفنه لأنه غير وارث ، ولأنه لم يرع حق القرابة ، بل بالغ في قطع الرحم ، هذا إذا قتله ظلما فإن قتله بحق ، قال المتولي وآخرون : فيه وجهان بناء على إرثه إن ورثناه ثبت له حق الغسل وغيره وإلا فلا . فرع : لو ترك المقدم في الغسل حقه وسلمه لمن بعده ، فللذي بعده تعاطيه بشرط اتحاد الجنس فليس للرجال أن يتركوه كلهم ويفوضوه إلى النساء إذا كان الميت رجلا وكان ليس لهن تفويضه إلى الرجال إذا كانت الميتة امرأة ، هكذا ذكره الشيخ أبو محمد الجويني ، ونقله عنه إمام الحرمين في النهاية ، وجزم به الرافعي وآخرون . وقال إمام الحرمين : عندي في جواز تفويض المقدم إلى غيره احتمالان . فرع : قال الشيخ أبو حامد في تعليقه : مذهبنا أن المرأة إذا ماتت كان حكم نظر الزوج إليها بغير شهوة باقيا ، وزال حكم نظره بشهوة ، ثم قال بعده ، فإن قيل : قلتم فرقة الطلاق ينقطع بها حكم النظر ، ولا ينقطع بفرقة الموت فما الفرق قلنا : من وجهين أحدهما : أن فرقة الطلاق برضاهما أو برضاه ، وفرقة الموت بغير اختيارهما .

قسم V05/P117

والثاني : أن زوال الملك بالموت يبقى من آثاره ما لا يبقى إذا زال في الحياة ولهذا لو قال : إذا بعت عبدي فقد أوصيت به لفلان فباعه لم تصح الوصية ، ولو قال : إذا مت فعبدي موصى به لفلان صحت الوصية ويؤيده أن فرقة الطلاق تمنع الإرث بخلاف فرقة الموت . هذا آخر كلام أبي حامد ، وكأن حقيقة الفرق الأول أن الحاجة تدعو إلى النظر بعد الموت للغسل ونحوه . ولا يعد واحد منهما مقصرا في هذه الفرقة بخلاف الفرقة في الحياة .

قسم V05/P117–V05/P119

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن مات رجل وليس هناك إلا امرأة أجنبية أو ماتت امرأة وليس هناك إلا رجل أجنبي ، ففيه وجهان أحدهما : تيمم والثاني : يستر بثوب ويجعل الغاسل على يده خرقة ثم يغسله . وإن مات كافر فأقاربه الكفار أحق بغسله من أقاربه المسلمين ، لأن للكافر عليه ولاية ، فإن لم يكن له أقارب من الكفار جاز لأقاربه من المسلمين غسله : لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليا رضي الله عنه أن يغسل أباه وإن ماتت ذمية ولها زوج مسلم كان له غسلها ، لأن النكاح كالنسب في الغسل وإن مات الزوج قال في الأم : كرهت لها أن تغسله ، فإن غسلته أجزأ لأن القصد منه التنظيف وذلك يحصل بغسلها ، وإن ماتت أم ولد كان للسيد غسلها ، لأنه يجوز له غسلها في حال الحياة فجاز له غسلها بعد الموت كالزوجة . وإن مات السيد فهل يجوز لها غسله فيه وجهان . قال أبو علي الطبري : لا يجوز لأنها عتقت بموته فصارت أجنبية والثاني : يجوز لأنه لما جاز له غسلها جاز لها غسله كالزوجة . + الشرح : فيه مسائل : أحداها : إذا مات رجل وليس هناك إلا امرأة أجنبية أو امرأة وليس هناك إلا رجل أجنبي ، ففيه ثلاثة أوجه أصحها : عند الجمهور ييمم ولا يغسل ، وبهذا قطع المصنف في التنبيه والمحاملي في المقنع والبغوي في شرح السنة وغيرهم ، وصححه الروياني والرافعي وآخرون ، ونقله الشيخ أبو حامد والمحاملي والبندنيجي وصاحب العدة وآخرون عن أكثر أصحابنا أصحاب الوجوه ونقله الدارمي عن نص الشافعي ، واختاره ابن المنذر ، لأنه تعذر غسله شرعا بسبب اللمس والنظر ، فييمم كما لو تعذر حسا . والثاني : يجب غسله من فوق ثوب ، ويلف الغاسل على يده خرقة ويغض طرفه ما أمكنه ، فإن اضطر إلى النظر نظر قدر الضرورة ، صرح به البغوي والرافعي ، كما يجوز النظر إلى عورتها للمداواة ، وبهذا قال القفال ، ونقله السرخسي عن أبي طاهر الزيادي من أصحابنا ، ونقله صاحب الحاوي عن نص الشافعي ، وصححه صاحب الحاوي والدارمي وإمام الحرمين والغزالي ، لأن الغسل واجب وهو ممكن بما ذكرناه فلا يترك . والثالث : لا يغسل ولا ييمم ، بل يدفن بحاله ، حكاه صاحب البيان وغيره وهو ضعيف جدا بل باطل . الثانية : لا يجب على المسلمين ولا غيرهم غسل الكافر بلا خلاف ، سواء كان ذميا أم غيره ، لأنه ليس من أهل العبادة ولا من أهل التطهير ، ويجوز للمسلمين وغيرهم غسله ، وأقاربه الكفار أحق به من أقاربه المسلمين . وأما تكفينه ودفنه فإن كان ذميا ففي وجوبهما على المسلمين إذا لم يكن له مال وجهان حكاهما إمام الحرمين ومتابعوه والبغوي وآخرون أصحهما : الوجوب وفاء بذمته ، كما يجب إطعامه وكسوته في حياته ، وهذا الوجه قول الشيخ أبي محمد الجويني ، واختاره القاضي حسين والثاني : وهو الذي نقله القاضي حسين عن الأصحاب : لا يجبان بل يندبان وإن كان حربيا أو مرتدا لم يجب تكفينه بلا خلاف ولا يجب دفنه على المذهب وبه قطع الأكثرون ، بل يجوز إغراء الكلاب عليه ، هكذا صرح به البغوي والرافعي وغيرهما لكن يجوز دفنه لئلا يتأذى الناس برائحته وقيل في وجوبه وجهان . وأما قول المصنف : فإن لم يكن له أقارب من الكفار جاز لأقاربه من المسلمين غسله ، فيوهم أنه لا يجوز للمسلمين غسله مع وجود أقاربه الكفار ، وليس هذا مراده وإنما مراده ما صرح به الشيخ أبو حامد والمحاملي في كتابيه ، والبندنيجي والقاضي حسين وخلائق من الأصحاب أن الكافر إذا مات وتنازع في غسله أقاربه الكفار وأقاربه المسلمون فالكفار أحق ، فإن لم يكن قرابة من الكفار أو كانوا وتركوا حقهم من غسله ، جاز لقريبه المسلم ، ولغير قريبه من المسلمين غسله وتكفينه ودفنه .

قسم V05/P119–V05/P120

وأما الصلاة على الكافر والدعاء له بالمغفرة فحرام بنص القرآن والإجماع ، وقد ذكر المصنف مسألة الصلاة في آخر باب الصلاة على الميت . قال الشافعي في مختصر المزني والأصحاب : ويجوز للمسلم إتباع جنازة قريبه الكافر ، وأما زيارة قبره فالصواب جوازها وبه قطع الأكثرون . وقال صاحب الحاوي : لا يجوز ، وهذا غلط ، لحديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي رواه مسلم ، وزاد في رواية له : فزوروا القبور فإنها تذكر الموت . وأما حديث علي المذكور في الكتاب في غسله أباه فرواه أبو داود والبيهقي وغيرهما وهو ضعيف ضعفه البيهقي . المسألة الثالثة : إذا ماتت ذمية جاز لزوجها المسلم غسلها ، وكذا لسيدها إن لم تكن مزوجة ولا معتدة ولا مستبرأة ، فإن مات زوجها المسلم فغسلته فهو مكروه كما نص عليه الشافعي ، وفي صحته طريقان المذهب : والمنصوص وبه قطع المصنف وجمهور العراقيين ، صحته . والثاني : في صحته قولان : المنصوص جوازه وصحته ، والمخرج بطلانه حكاه الخراسانيون بناء على اشتراط نية الغاسل ، قالوا : نص الشافعي أن غسل الكافر للمسلم صحيح ، ولا يجب على المسلمين إعادته ، ونص في الغريق أنه يحب إعادة غسله ، ولا يكفي انغساله بالغرق ، وممن نقل النص من العراقيين في الغرق صاحب الشامل ، فجعل الخراسانيون المسألة على طريقين . أحدهما : أن في الاكتفاء بغسل الكافر وانغسال الغريق قولين بالنقل والتخريج والثاني : وهو المذهب عندهم ، وبه قطع العراقيون يكفي غسل الكافر دون الغرق ، والفرق بأنه لا بد في الغسل من فعل آدمي ، وقد وجد في الكافر دون الغرق هذا هو الفرق المعتمد ، وبه فرق الماوردي والقاضي أبو الطيب وصاحب الشامل وسائر الأصحاب . وأما قول المصنف : لأن القصد منه التنظيف فضعيف لأنه ينتقض بالغرق قال الدارمي : قال الشافعي : ولو مات رجل وهناك نساء مسلمات ورجال كفار أمرن الكفار بغسله ، وصلين عليه ، وهذا تفريع على المذهب في صحة غسل الكافر . الرابعة : إذا ماتت أم الولد فلسيدها غسلها بلا خلاف ، لما ذكره المصنف وسواء كانت مسلمة أو كافرة ، لكن بشرط أن لا تكون مزوجة ولا معتدة ، وقد سبق بيان هذا ، وهل لها غسل سيدها فيه وجهان ذكرهما المصنف وسبقا أصحهما : لا يجوز ، وبه قال أبو علي الطبري ، وبه قطع صاحب الحاوي والدارمي ، وصححه البغوي والرافعي والأكثرون ، وفرقوا بينها وبين الزوجة بأنها بالموت صارت حرة . والثاني : يجوز ، وصححه القاضي أبو الطيب في تعليقه وأبو محمد الجويني ونصر المقدسي وقطع به الجرجاني في التحرير ، والوجهان جاريان في غسل الأمة القينة والمدبرة سيدها ، لكن الصحيح هنا عند جميع الأصحاب أنه لا يجوز لها غسله ، لأنها صارت للوارث ، وبه قطع أبو محمد الجويني ، وصاحب الحاوي وآخرون إلا القفال ، فشذ عن الأصحاب ، فقال في شرح التلخيص : الصحيح عندي أن لها غسله . فرع : إذا مات الخنثى المشكل فإن كان هناك محرم له من الرجال أو النساء غسله بالاتفاق ، وإن لم يكن له محرم منهما فإن كان الخنثى صغيرا جاز للرجال والنساء جميعا غسله بالاتفاق ، كما سنذكره في الصغير الواضح وإن كان كبيرا ففيه طريقان أصحهما : وبه قطع صاحب الشامل والجمهور وصححه المتولي والشاشي وآخرون أنه على الوجهين فيما إذا مات رجل وليس عنده إلا امرأة أجنبية . أحدهما : ييمم ، قال صاحب الحاوي : وهو قول أبي عبد الله الزبيري وأصحهما هنا باتفاق الأصحاب يغسل فوق ثوب .

قسم V05/P120–V05/P122

والطريق الثاني : وهو الذي اختاره الماوردي ، أنه يغسله أوثق من يحضره من الرجال أو النساء ، فإذا قلنا بالمذهب أنه يغسل ففيمن يغسله أوجه : أصحها وبه قال أبو زيد المروزي وغيره ، وصححه إمام الحرمين والمتولي والبغوي والشاشي وآخرون ، وقطع به صاحب الشامل وآخرون أنه يجوز للرجال والنساء جميعا غسله فوق ثوب ، ويحتاط الغاسل في غض البصر والمس ، واستدلوا له بأنه موضع ضرورة وبأنه يستحب له حكم ما كان في الصغر والثاني : أنه في حق الرجال كالمرأة وفي حق النساء كالرجل أخذا بالأحوط . والثالث : وهو مشهور يشتري من تركته جارية لتغسله ، فإن لم يكن له تركة اشتريت من بيت المال واتفقوا على تضعيف هذا الوجه قالوا : لأن إثبات الملك ابتداء بعد الموت مستبعد . قال أبو زيد : هو باطل لا أصل له ، ولو ثبت فالأصح أن الأمة لا يجوز لها غسل سيدها فلا فائدة في شرائها ، قال الشافعي وغيره وليس المراد بالكبير البالغ ولا بالصغير من دونه بل المراد بالصغير من لم يبلغ حدا يشتهي مثله وبالكبير من بلغه . فرع : قال المتولي وصاحب البيان وخلائق من الأصحاب : بل كلهم إذا مات صبي أو صبية لم يبلغا حدا يشتهيان جاز للرجال والنساء جميعا غسله ، فإن بلغت الصبية حدا تشتهي فيه لم يغسلها إلا النساء ، وكذا الغلام إذا بلغ حدا يجامع ألحق بالرجال . فرع في مذاهب العلماء في غسل أحد الزوجين صاحبه نقل ابن المنذر في كتابيه الإجماع والإشراف ، والعبدري وآخرون إجماع المسلمين أن للمرأة غسل زوجها ، وقد قدمنا رواية عن أحمد بمنعه ، وأما غسله زوجته فجائز عندنا ، وعند جمهور العلماء ، حكاه ابن المنذر عن علقمة وجابر بن زيد وعبد الرحمن بن الأسود وسليمان بن يسار وأبي سلمة ابن عبد الرحمن وقتادة وحماد بن أبي سليمان ومالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق ، وهو مذهب عطاء وداود وابن المنذر وقال أبو حنيفة والثوري : ليس له غسلها ، وهو رواية عن الأوزاعي واحتج لهم بأن الزوجية زالت فأشبه المطلقة البائن . واحتج أصحابنا بحديث عائشة وهو ضعيف كما سبق ، والمعتمد على القياس على غسلها له فإن قيل : الفرق أن علائق النكاح فيها باقية وهي العدة بخلاف الزوج قلنا : لا اعتبار بالعدة ، فإنا أجمعنا على أنه لو طلقها طلاقا بائنا ثم مات وهي في العدة لا يجوز لها غسله مع بقاء العلائق ، هكذا فرق الشافعي في الأم والأصحاب قال إمام الحرمين في الأساليب : تعلقهم بأنها لا تغسله تبعا للعدة لا يتحصل منه شيء لأن هذه العدة واقعة بعد النكاح قطعا فاعتبارها خطأ صريح . فرع في مذاهبهم في غسل الرجل أمه وبنته وغيرهما من محارمه ذكرنا أن مذهبنا جوازه بشرطه السابق ، وبه قال أبو قلابة والأوزاعي ومالك ومنعه أبو حنيفة وأحمد . دليلنا أنها كالرجل بالنسبة إليه في العورة والخلوة . فرع : في مذاهبهم في الأجنبي لا يحضره إلا أجنبية والأجنبية لا يحضرها إلا أجنبي . قد ذكرنا أن الأصح عندنا أنه ييمم وحكاه ابن المنذر عن ابن مسعود وابن المسيب والنخعي وحماد بن أبي سليمان ومالك وأبي حنيفة وسائر أصحاب الرأي وأحمد . وروى فيه البيهقي حديثا مرسلا مرفوعا من رواية مكحول ، وعن الحسن البصري و الزهري وقتادة وإسحاق ورواية عن النخعي يغسل في ثوب ويلف الغاسل خرقة . وعن الأوزاعي تدفن كما هي بلا تيمم ولا غسل ، ورواه ابن المنذر عن ابن عمر ونافع . فرع : في مذاهبهم في غسل المرأة الصبي وغسل الرجل الصبية ، وقدر سنه . قال ابن المنذر : أجمع العلماء على أن للمرأة أن تغسل الصبي الصغير . ثم قال الحسن تغسله إذا كان فطيما أو فوقه بقليل . وقال مالك وأحمد : ابن سبع سنين . وقال الأوزاعي ابن أربع أو خمس . وقال إسحاق ثلاث إلى خمس .

قسم V05/P122

قال : وضبطه أصحاب الرأي بالكلام فقالوا : تغسله ما لم يتكلم ويغسلها ما لم تتكلم قلت : ومذهبنا يغسلان ما لم يبلغا حدا يشتهيان كما سبق . فرع : مذهبنا أن الجنب والحائض إذا ماتا غسلا غسلا واحدا ، وبه قال العلماء كافة إلا الحسن البصري فقال : يغسلان غسلين . قال ابن المنذر : لم يقل به غيره . فرع في غسل الكافر ذكرنا أن مذهبنا أن للمسلم غسله ودفنه وإتباع جنازته ، ونقل ابن المنذر عن أصحاب الرأي وأبي ثور . وقال مالك وأحمد : ليس للمسلم غسله ولا دفنه ، لكن قالمالك له : مواراته . فرع : ذكرنا أن مذهبنا أن له غسل أمته وأم ولده ، وبه قال مالك وأحمد وقال أبو حنيفة : لا يجوز ، والأصح عندنا أن أم الولد لا يجوز لها غسل سيدها وبه قال أبو حنيفة وجوزه مالك وأحمد .

قسم V05/P122–V05/P124

قال المصنف رحمه الله تعالى : ينبغي أن يكون الغاسل أمينا لما روي عن ابن عمر أنه قال : لا يغسل موتاكم إلا المأمونون ولأنه إذا لم يكن أمينا لم نأمن أن لا يستوفي الغسل ، وربما ستر ما يظهر من جميل أو يظهر ما يرى من قبيح ، ويستحب أن يستر الميت من العيون ، لأنه قد يكون في بدنه عيب كان يكتمه ، وربما اجتمع في موضع من بدنه دم فيراه من لا يعرف ذلك فيظنه عقوبة وسوء عاقبة ، ويستحب أن لا يستعين بغيره إن كان فيه كفاية فإن احتاج إلى معين استعان بمن لا بد له منه ، ويستحب أن يكون بقربه مجمرة حتى إن كانت له رائحة لم تظهر ، والأولى أن يغسل في قميص ، لما روت عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : غسلوه وعليه قميص يصبون عليه الماء ويدلكونه من فوقه ولأن ذلك أستر فكان أولى ، والماء البارد أولى من المسخن ، لأن البارد يقويه والمسخن يرخيه ، وإن كان به وسخ لا يزيله إلا المسخن أو البرد شديد ويخاف الغاسل من استعمال البارد غسله بالمسخن ، وهل يجب نية الغسل فيه وجهان أحدهما : لا يجب لأن القصد منه التنظيف فلم يجب فيه النية كإزالة النجاسة والثاني : يجب لأنه تطهير لا يتعلق بإزالة عين فوجب فيه النية كغسل الجناية ، ولا يجوز للغاسل أن ينظر إلى عورته ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه : لا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت ويستحب أن لا ينظر إلى سائر بدنه إلا فيما لا بد له منه ، ولا يجوز أن يمس عورته لأنه إذا لم يجز النظر فالمس أولى ، والمستحب أن لا يمس سائر بدنه ، لما روى أن عليا رضي الله عنه : غسل النبي صلى الله عليه وسلم وبيديه خرقة يتتبع بها تحت القميص . + الشرح : الأثر المذكور عن ابن عمر رواه ابن ماجه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم : ليغسل موتاكم المأمونون إلا أن إسناده ضعيف ، وحديث عائشة رواه أبو داود بإسناد صحيح ، إلا أن فيه محمد ابن إسحاق صاحب المغازي ، قال : حدثني يحيى ابن عباد ، وقد اختلفوا في الاحتجاج به ، فمنهم من احتج به ، ومنهم من جرحه ، والذي يقتضيه كلام كثير منهم أو أكثرهم أن حديثه حسن إذا قال : حدثني وروى عن ثقة ، فحديثه هذا حسن والله أعلم . وأما حديث علي رضي الله عنه : لا تنظر فخذ حي ولا ميت فسبق في باب ستر العورة إن أبا داود وغيره رووه وإنه ضعيف . وأما حديثه الآخر فرواه البيهقي ، والمجمرة بكسر الميم الأولى وقوله تطهير لا يتعلق بإزالة عين احتراز من إزالة النجاسة . والفخذ بفتح الفاء وكسر الخاء ويجوز إسكان الخاء مع فتح الفاء وكسرها ويجوز كسرهما جميعا ، فهذه أربعة أوجه في الفخذ وما كان على وزنه مما ثانيه وثالثه حرف حلق . أما الأحكام : فينبغي أن يكون الغاسل أمينا ، فإن غسل الفاسق وقع الموقغ ولا يجب إعادته ، ويستحب نقله إلى موضع خال وستره عن العيون ، وهذا لا خلاف فيه ، وهل يستحب غسله تحت السماء أم تحت سقف فيه وجهان حكاهما صاحب الحاوي وغيره الصحيح : منهما تحت سقف ، وليس للغسل تحت السماء معنى ، وأن كان قد احتج له بما لا حجة فيه ، وقطع الشيخ أبو حامد والبندنيجي والقاضي أبو الطيب والجرجاني في التحرير وصاحب العدة وغيرهم بأن الأفضل تحت سقف ، وهو المنصوص في الأم .

قسم V05/P124–V05/P125

قال أصحابنا : ويستحب أن لا يحضره الغاسل ، ومن لا بد له من معونته عند الغسل ، قال أصحابنا : وللولي أن يدخل ، وإن لم يغسل ولم يعن ، ويستحب أن يكون عنده مجمرة فيها بخور تتوقد من حين يشرع في الغسل إلى آخره . قال صاحب البيان : قال بعض أصحابنا : ويستحب أن يبخر عند الميت من حين يموت ، لأنه ربما ظهر منه شيء ، فيغلبه رائحة البخور ، ويستحب أن يغسل في قميص يلبسه عند إرادة غسله ، هذا هو الصحيح ، الذي نص عليه الشافعي ، وقطع به الأصحاب في كل طرقهم . وحكى الرافعي وجها عن حكاية ابن كج أن الأفضل أن يجرد ويغسل بلا قميص ، وهو مذهب أبي حنيفة ، والصواب الأول ، قال الشافعي والأصحاب : وليكن القميص رقيقا سخيفا ، قال أصحابنا ويدخل الغاسل يده في كميه ويصب الماء من فوق القميص ، ويغسل من تحته ، قالوا : فإن لم تكن أكمام القميص واسعة فتق فوق الدخاريص موضعا ، وأدخل يده فيه وغسله ، فإن لم يكن القميص واسعا يمكن تقليبه فيه نزع عنه وطرح عليه مئزر يغطي ما بين سرته وركبته ، وذكر جماعة أنه إذا لم يكن قميص طرح عليه ثوب يستر جميع البدن ، فإن لم يكن طرح عليه ما يستر ما بين سرته وركبته ، واتفقوا على وجوب تغطية ما بين سرته وركبته . فإن قيل : معتمد الشافعي والأصحاب في استحباب الغسل في قميص ، حديث عائشة المذكور ، وهو مخصوص بالنبي صلى الله عليه وسلم ، ودليله أن في سنن أبي داود في هذا قالوا : نجرده كما نجرد موتانا . فهذا إشارة إلى أن عادتهم تجريد موتاهم . فالجواب : ما أجاب به الأصحاب أن ما ثبت كونه سنة في حقه صلى الله عليه وسلم فهو سنة أيضا في حق غيره حتى يثبت التخصيص والذي فعل به صلى الله عليه وسلم هو الأكمل والله أعلم . قال أصحابنا : وغسله بالماء البارد أفضل من المسخن إلا أن يحتاج إلى المسخن لخوف الغاسل من البرد أو الوسخ على الميت ونحوه أو ما أشبه ذلك ، فيغسل بالمسخن . قال السرخسي وغيره ولا يبالغ فيه لئلا يسرع إليه الفساد . قال الشافعي والأصحاب : ويحضر الغاسل أو غيره قبل الشروع في الغسل ثلاثة آنية فيجعل الماء في إناء كبير ، ويبعده عن المغتسل بحيث لا يصيبه رشاش الماء عند الغسل ويكون معه إناءان آخران صغير ومتوسط يغرف بالصغير من الكبير ويصبه في المتوسط ثم يغسله بالتوسط وفي وجوب نية الغسل وجهان مشهوران ذكر المصنف دليلهما . والمراد بهما أنه هلا يشترط في صحة غسله أن ينوي الغاسل غسله واختلف في أصحهما فالأصح عند الأكثرين أنها لا تشترط ولا تجب وهو المنصوص للشافعي في آخر غسل الذمية زوجها المسلم وممن صححه البندنيجي والماوردي هنا والروياني والسرخسي والرافعي وآخرون . وصحح جماعة الاشتراط منهم المارودي والفوراني والمتولي ، ذكروه في باب نية الوضوء وقطع به المحاملي في المقنع والمصنف في التنبيه والصحيح تصحيح الأول . قال الشيخ نصر المقدسي وصاحب البيان : صفة النية أن ينوي بقلبه عند إفاضة الماء القراح أنه غسل واجب قال القاضي أبو الطيب في كتابه المجرد : ينوي الغسل الواجب أو الفرض أو غسل الميت . فرع : قال المصنف والأصحاب : لا يجوز للغاسل أو لغيره مس شيء من عورة المغسول ، ولا النظر إليها بل يلف على يده خرقة ، ويغسل فرجه وسائر بدنه ، ويستحب أن لا ينظر إلى غير العورة إلا إلى ما لا بد له منه في تمكنه من غسله ، وكذا يستحب أن لا يمسه بيده ، فإن نظر إليه أو مسه بلا شهوة لم يحرم بل هو تارك للأولى .

قسم V05/P125–V05/P126

وقال بعض أصحابنا : يكره له ذلك ، وأما غير الغاسل من المعين وغيره فيكره لهم النظر إلى ما سوى العورة إلا لضرورة ، لأنه لا يؤمن أن ينكشف من العورة في حال نظره ، أو يرى في بدنه شيئا كان يكرهه ، أو يرى سوادا أو دما مجتمعا ونحو ذلك فيظنه عقوبة ، قال الشيخ أبو حامد : لأنه يستحب أن لا ينظر إلى بدن الحي فالميت أولى ، هذا تلخيص أحكام الفصل ودلائله تعرف مما ذكره المصنف مع ما أشرت إليه ، وبالله التوفيق . فرع : قال ابن المنذر : اختلفوا في تغطية وجه الميت ، يعني حال غسله فاستحب ابن سيرين وسليمان بن يسار وأيوب السخستاني تغطيته بخرقة ، وقال مالك و الثوري والشافعي : يغطى فرجه ولم يذكروا وجهه . فرع في مذاهب العلماء في الغسل في قميص مذهبنا استحبابه ، وبه قال أحمد ، وقال أبو حنيفة ومالك : المستحب غسله مجردا ، وقال داود : هما سواء ، ومذهبنا استحباب غسله بالماء البارد إلا لحاجة إلى المسخن وبه قال أحمد ، وقال أبو حنيفة : المسخن أفضل ، وليس عن مالك تفضيل ، دليلنا ما ذكره المصنف .

قسم V05/P126–V05/P127

قال المصنف رحمه الله تعالى : والمستحب أن يجلسه إجلاسا رفيقا ، ويمسح بطنه مسحا بليغا ، لما روى القاسم بن محمد قال : توفي عبد الله بن عبد الرحمن فغسله ابن عمر فنفضه نفضا شديدا ، وعصره عصرا شديدا ، ثم غسلهولأنه ربما كان في جوفه شيء . فإذا لم يعصره قبل الغسل خرج بعده ، وربما خرج بعدما كفن فيفسد الكفن ، وكلما أمر اليد على البطن صب عليه ماء كثيرا ، حتى إن خرج شيء لم تظهر رائحته ، ثم يبدأ فيغسل أسافله كما يفعل الحي إذا أراد الغسل ، ثم يوضأ كما يتوضأ الحي لما روت أم عطية قالت : لما غسلنا ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا : أبدأوا بميامنها ومواضع الوضوء ولأن الحي يتوضأ إذا أراد الغسل ، ويدخل أصبعه في فيه ، ويسوك بها أسنانه ، ولا يفغر فاه ، ويتتبع ما تحت أظفاره إن لم يكن قد قلم أظفاره ويكون ذلك بعود لين لا يجرحه ، ثم يغسله ، ويكون كالمنحدر قليلا حتى لا يجتمع الماء تحته فيستنقع فيه ويفسد بدنه ويغسله ثلاثا كما يفعل الحي في وضوئه وغسله فيبدأ برأسه ولحيته كما يفعل الحي ، فإن كانت اللحية متلبدة سرحها حتى يصل الماء إلى الجميع ، ويكون بمشط منفرج الأسنان ويمشطه برفق حتى لا ينتف شعره ، ثم يغسل شقه الأيمن حتى ينتهي إلى رجله ، ثم شقه الأيسر حتى ينتهي إلى رجله ، ثم يحرفه على حنبه الأيسر ، فيغسل جانب ظهره كذلك لحديث أم عطية . والمستحب أن تكون الغسلة الأولى بالماء والسدر ، لما روى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال في المحرم الذي خر من بعيره : اغسلوه بماء وسدر ولأن السدر ينظف الجسم ثم يغسل بالماء القراح ويجعل في الغسلة الأخيرة شيئا من الكافور ، لما روت أم سليم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا كان في آخر غسلة من الثلاث أو غيرها فاجعلي فيه شيئا من الكافور ولأن الكافور يقويه ، وهل يحتسب الغسل بالسدر من الثلاث أم لا فيه وجهان . قال أبو إسحاق : يعتد به لأنه غسل بما لم يخالطه شيء ، ومن أصحابنا من قال : لا يعتد به لأنه ربما غلب عليه السدر ، فعلى هذا يغسل ثلاث مرات أخر بالماء القراح والواجب منها مرة واحدة كما قلنا في الوضوء . ويستحب أن يتعاهد إمرار اليد على البطن في كل مرة ، فإن غسل الثلاث ولم يتنظف زاد حتى يتنظف ، والسنة أن يجعله وترا خمسا أو سبعا ، لما روت أم عطية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أغسلنها وترا ، ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن والفرض مما ذكرناه النية ، وغسل مرة واحدة ، وإذا فرغ من غسله أعيد تليين أعضائه ، وينشف بثوب لأنه إذا كفن وهو رطب ابتل الكفن وفسد ، وإن غسل ثم خرج منه شيء ففيه ثلاثة أوجه أحدها : يكفيه غسل الموضع كما لو غسل ثم أصابته نجاسة من غيره والثاني : يجب منه الوضوء لأنه حدث فأوجب الوضوء ، كحدث الحي والثالث : يجب الغسل منه ، لأنه خاتمة أمره ، فكان بطهارة كاملة ، وإن تعذر غسله لعدم الماء أو غيره يمم لأنه تطهير لا يتعلق بإزالة عين ، فانتقل فيه عند العجز إلى التيمم كالوضوء وغسل الجنابة .

قسم V05/P127–V05/P129

+ الشرح : فيه مسائل : إحداها : في أحاديث الفصل ، ثبت في صحيح البخاري ومسلم عن أم عطية الصحابية رضي الله عنها واسمها نسيبه بضم النون وفتحها قالت : دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نغسل ابنته فقال اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك ، إن رأيتن ذلك ، بماء وسدر واجعلن في الآخرة كافورا أو شيئا من كافور ، فإذا فرغتن فآذنني ، فلما فرغنا آذناه فألقى إلينا حقوه وقال : أشعرنها إياه وفي رواية لهما : ابدأن بميامنها ، ومواضع الوضوء منها وفي رواية : فضفرنا شعرها ثلاثة أثلاث ، قرنيها وناصيتها وفي رواية للبخاري : فألقيناها خلفها وفي رواية له اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعا ، أو أكثر من ذلك وفي رواية لمسلم : أن اسم هذه البنت زينب رضي الله تعالى عنهاوعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : بينما رجل واقف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة ، إذ وقع عن راحلته فأوقصته أو قال : فوقصته ، أو قال فأقصعته قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اغسلوه بماء وسدر ، وكفنوه في ثوبين ، ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه ، فإن الله تعالى يبعثه يوم القيامة ملبيا وفي رواية : ولا تمسوه طيبا ، فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيا رواه البخاري ومسلم . ( وأما قول المصنف ) لما روت أم سليم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : فإذا كان في آخر غسلة من الثلاث أو غيرها فاجعلي فيه شيئا من كافور فهكذا وقع في المهذب أم سليم : والمشهور المعروف في الصحيحين وغيرهما من كتب الحديث وغيرها أن هذا الحديث من رواية أم عطية ، كما سبق ، لا أم سليم ، وقد كررها المصنف على الصواب إلا في هذا الموضع ، وقد بحثت عنه فلم أجده عن أم سليم ، فلعله جاء في رواية غريبة عن أم سليم أيضا ، وليس هذا بعيدا ، فإن أم سليم أشد قربا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أم عطية ، ومعلوم أن أم عطية لم تنفرد بالغسل ، ومما يوضح هذا قوله صلى الله عليه وسلم : واجعلن أن رايتن اغسلنها وابدأن وقولها فضفرنا وغير ذلك من ضمائر الجمع الموجودة في الصحيحين . فلعل أم سليم كانت من الغاسلات ، فخاطبها النبي صلى الله عليه وسلم تارة وخاطب أم عطية تارة . المسألة الثانية : في ألفاظ الفصل قوله : لما روى القاسم بن محمد : توفي عبد الله بن عبد الرحمن أما : القاسم فهو أبو محمد ، وقيل أبو عبد الرحمن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم القرشي التيمي المدني التابعي الجليل أحد فقهاء المدينة السبعة ، أجمعوا على جلالته . وأما عبد الله بن عبد الرحمن فهو ابن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم ، فهو ابن عم القاسم بن محمد ، واتفقوا على توثيقه . قال البخاري في تاريخه : ورث عبد الله هذا عمته عائشة رضي الله عنها . قوله : قال لنا : أبدأوا بميامنها كذا في نسخ المهذب ابدأوا بميامنها ، وكذا هو في بعض روايات البخاري ، وهو في روايات مسلم وباقي روايات البخاري : ابدأن خطابا للنسوة ، وهو ظاهر ، والأول مؤول عليه ، قوله : ويسوك بها أسنانه هو بفتح الياء وضم السين ، قوله : ويدخل أصبعه في فمه ويسوك بها أسنانه معنى إدخالها فمه أن يجعلها بين شفتيه على أسنانه هكذا قاله الأصحاب ، وهو مفهوم من كلام المصنف . قوله : ولا يفغر فاه هو بمثناة مفتوحة ثم فاء ساكنة ثم غين معجمة مفتوحة أي لا يفتحه ولا يرفع أسنانه بعضها عن بعض ، بل يمضمضه فوقها .

قسم V05/P129–V05/P130

المشط معروف بضم الميم وإسكان الشين وبضمهما وبكسر الميم وإسكان الشين ويقال : له ممشط بكسر الميم الأولى ومشقاء مقصور مهموز وغير مهموز وممدود أيضا ومكبد وقبلم ومرجل حكاهن أبو عمر الزاهد في أول شرح الفصيح قوله : خر من بعيره أي سقط . قوله : فاجعلي فيه شيئا من كافور ، هكذا هو في المهذب : فاجعلي ، خطابا لأم عطية وحدها ، والمشهور في روايات الحديث واجعلن بالنون ، خطابا للنسوة والماء القارح بفتح القاف وتخفيف الراء وهو الخالص الذي لم يخالطه سدر ولا غيره . قوله : لأنه تظهير لا يتعلق بإزالة عين احتراز من إزالة النجاسة . المسألة الثالثة : في صفة الغسل قال الشافعي والأصحاب رحمهم الله : يستحب أن يعد قبل الغسل خرقتين نظيفتين ، وأول ما يبدأ به إذا وضعه على المغتسل أن يجلسه إجلاسا رفيقا ، بحيث يكون مائلا إلى ورائه ، لا معتدلا . قال الشافعي في الأم والشيخ أبو حامد والمحاملي والبندنيجي والأصحاب إن احتاج إلى دهن ليلين ، دهنه ثم يشرع في غسله ، قال أصحابنا : ويضع يده اليمنى على كتفه وإبهامه في نقرة قفاه ، لئلا يميل رأسه ، ويسند ظهره إلى ركبته اليمنى ويمر يده اليسرى على بطنه إمرارا بليغا ليخرج الفضلات ويكون عنده مجمرة كما سبق ، ويصب عليه المعين ماء كثيرا لئلا يظهر رائحة ما يخرج ، ثم يرده إلى هيئة الاستلقاء ، ويلقيه على ظهره ورجلاه إلى القبلة ويكون الموضع منحدرا بحيث يكون رأسه أعلى ، لينحدر الماء عنه ، ولا يقف تحته ثم يغسل بيساره وهي ملفوفة بأحدى الخرقتين دبره ومذاكيره ، وما حولها ، وينجيه كما يستنجى الحي ثم يلقي تلك الخرقة ويغسل يده بماء وأشنان ، هكذا قال الجمهور : إنه يغسل الفرجين بخرقة واحدة ، وفي النهاية والوسيط أنه يغسل كل فرج بخرقة أخرى ، فتكون الخرقى ثلاثا ، والمشهور خرقتان ، خرقة للفرجين ، وخرقة لباقي البدن وكذا نص عليه الشافعي في الأم ومختصر المزني والقديم ، وقال الشافعي في الجنائز الصغير يغسل باحداهما أعلى بدنه ووجهه وصدره ثم يغسل بها مذاكيره وما بين رجليه ، ثم يأخذ الأخرى فيصنع بها مثل ذلك . قال البندنيجي : وللأصحاب طريقان : أحدهما : قاله أبو إسحق في المسألة قولان أحدهما : يغسل بكل واحد منهما كل بدنه والثاني : يغسل بإحداهما فرجيه ، وبالأخرى كل بدنه . والطريق الثاني : يغسل بكل واحدة منهما كل بدنه ، قال : وهذا هو المذهب . وليس كما ادعى ، بل المذهب ما قدمناه عن الأصحاب ، ومعظم نصوص الشافعي قال أصحابنا : ثم يتعهد ما على بدنه من قذر وغيره ، فإذا فرغ مما ذكرناه لف الخرقة الأخرى على يده ، وأدخل أصبعه في فيه ، وأمرها على أسنانه بماء ، ولا يفتح أسنانه باتفاق الأصحاب مع نص الشافعي في الأم بل يمرها فوق الأسنان وينشقه بأن يدخل الماء في أنفه ولا يبالغ ، هذا مذهبنا . وقال أبو حنيفة و الثوري : لا يمضمض الميت ولا ينشق ، لأن المضمضة إدارة الماء في الفم والاستنشاق جذبه بالنفس ، ولا يتأتى واحد منهما من الميت ، واستدل أصحابنا بقوله صلى الله عليه وسلم : ومواضع الوضوء منها وهذا منها ، وبالقياس على وضوء الحي . وأما : دليلهم فممنوع بل المضمضة جعل الماء في فيه فقط وكذا الاستنشاق قال القاضي أبو الطيب ولهذا لو تمضمض ثم بلع الماء جاز وحصلت المضمضة وإنما الإدارة من كمال المضمضة لا شرط لصحتها وقد سبق بيان حقيقة المضمضة في صفة الوضوء ، قال أصحابنا : ويدخل أصبعه بشيء من الماء في منخريه ليخرج ما فيهما من أذى ثم يوضئه كوضوء الحي ثلاثا ثلاثا مع المضمضة والاستنشاق ، قال الرافعي : ولا يكفي ما سبق من إدخال الإصبعين عن المضمضة والاستنشاق ، بل ذاك كالسواك قال : هذا مقتضى كلام الجمهور .

قسم V05/P130–V05/P131

قال : وفي الشامل وغيره ما يقتضى الاكتفاء والأول أصح قال : ويميل رأسه في المضمضة والاستنشاق لئلا يصل الماء باطنه . قال : وهل يكفي وصول الماء إلى مقاديم الثغر والمنخرين أم يوصله الداخل . حكى إمام الحرمين فيه خلافا لخوف الفساد وجزم بأن أسنانه لو كانت متراصة لا تفتح قال المصنف والأصحاب : ويتبع ما تحت أظفاره إن لم يكن قلمها ويكون ذلك بعود لين لئلا يجرحه . وهكذا نص عليه الشافعي في الأم والمختصر . قال الشافعي والأصحاب : ويتبع بهذا العود ما تحت أظافر يديه ورجليه ، وظاهر أذنيه وصماخيهما ، فإذا فرغ من وضوئه جعله كالمنحدر قليلا ، حتى لا يجتمع الماء تحته ويغسل ثلاثا كما يفعل الحي في طهارته ، فيبدأ بغسل رأسه ثم لحيته بالسدر والخطمي ، واتفق أصحابنا على إنه يستحب تقديم الرأس في هذا على اللحية . وقال النخعي : عكسه . واحتج الأصحاب بأنه إذا غسل اللحية أولا ثم غسل الرأس نزل منه الماء والسدر إلى لحيته فيحتاج إلى غسلها ثانيا ، فعكسه أرفق . وأما قول المصنف : ويبدأ برأسه ولحيته فصحيح ومراده تقديم الرأس . ولو قال رأسه ثم لحيته كما قال الأصحاب لكان أحسن وأبين . قال أصحابنا : ويسرح رأسه ولحيته إن كانا متلبدين بمشط واسع الأسنان . وقال المصنف وجماعة : منفرج الأسنان ، وهو بمعناه ، قالوا ويرفق في ذلك لئلا ينتف شعره فإن انتتف رده إليه ودفنه معه . قال أصحابنا : فإذا فرغ من هذا كله غسل شقه الأيمن المقبل من عنقه وصدره وفخذه وساقه وقدمه ، ثم يغسل شقه الأيسر كذلك ، ثم يحوله إلى جنبه الأيسر فيغسل شقه الأيمن مما يلي القفا والظهر من الكفين إلى القدم ، ثم يحوله إلى جنبه الأيمن فيغسل شقه الأيسر كذلك ، هذا نص الشافعي في المختصر وبه قال جمهور الأصحاب . وحكي العراقيون وغيرهم قولا آخر أنه يغسل جانبه الأيمن من مقدمه ، ثم يحوله فيغسل جانبه الأيسر من مقدمه ، ثم يحوله فيغسل جانب ظهره الأيمن ثم يلقيه على ظهره فيغسل جانبه الأيسر من مقدمه ثم يحوله ليغسل جانب ظهره الأيسر قال الأصحاب : وكل واحد من هذين الطريقين سائغ ، والأول أفضل . وقال إمام الحرمين والغزالي وجماعة : يضجع أولا على جنبه الأيسر فيصب الماء على شقه الأيمن من رأسه إلى قدمه ثم يضجع على جنبه الأيمن فيصبه على شقه الأيسر والمذهب ما قدمناه ، وبه قطع الجمهور . قال الجمهور : ولا يعاد غسل الرأس ، بل يبدأ بصفحة العنق فما تحتها ، وقد حصل الرأس أولا ، قال أصحابنا ولا يكب على وجهه قالوا : وكل هذه الصفات المذكورة غسلة واحدة ، وهذه الغسلة يستحب أن تكون بالماء والسدر والخطمي ونحوهما ، ثم يصب عليه القراح ، من قرنه إلى قدمه ، ويستحب أن يغسل ثلاثا ، فإن لم تحصل النظافة زاد حتى تحصل ، فإن حصلت بوتر فلا زيادة وإن حصلت بشفع استحب الايتار ، ودليل المسألة حديث أم عطية السابق . وقوله صلى الله عليه وسلم : أو أكثر من ذلك إن رأيتن ومعناه أن احتجتن ، وهل يسقط الفرض بالغسلة المتغيرة بالسدر والخطمي ونحوهما فيه الوجهان المذكوران في الكتاب أصحهما : لا يسقط ، هذا مختصر القول في الغسلة المتغيرة بالسدر ، وقد اضطرب كلام الأصحاب فيها ، وقد أوضحها الشيخ أبو حامد في تعليقه فقال : قال الشافعي : إن كان عليه وسخ غسله بالأشنان والسدر ، فيطرح عليه الأشنان والسدر ، فيدلكه به ثم يغسل السدر عنه ، ثم يغسله بعد ذلك بالماء القراح ، فيكون هذا غسلا واحدا وما تقدمه تنظيف . هذا لفظ الشافعي . قال الشيخ أبو حامد : ( وهذا صحيح لأن الماء إذا صب على السدر والأشنان كانا غالبين للماء فلا يعتد به غسلة حتى يغسل بالماء القراح .

قسم V05/P131–V05/P133

هذا هو المذهب وقال أبو إسحاق : إذا غسل عنه السدر والأشنان فهذا غسل واحد . قال أبو حامد : هذا غلط ومخالف لنص الشافعي ) هذا آخر كلام أبي حامد . وهكذا قال القاضي أبو الطيب في تعليقه ، وابن الصباغ وآخرون : لا يعتد بالغسل بالماء والسدر من الثلاث بلا خلاف ، فإذا غسل بعد ذلك بالماء القراح وزال به أثر السدر والخطمي ففي الاعتداد بهذه الغسلة وجهان أحدهما : وهو قول أبي إسحاق المروزي تحسب من الثلاث لأنها بماء قراح فأشبهت ما بعدها . والثاني : وهو الصحيح عند جمهور المصنفين : لا يحسب منها . لأن الماء خالط السدر فهو كما قبلها . وجزم صاحب الحاوي والمحاملي في كتابه وصاحب البيان وغيرهم بأن هذه الغسلة تحسب بلا خلاف ، وأن خلاف أبي إسحاق إنما هو في الغسلة الأولى بالماء والسدر . قال القاضي حسين و البغوي : الغسل بالماء مع السدر أو الخطمي لا يحتسب من الثلاث ، قالا وكذا الذي يوزال به السدر ، وإنما المحسوب ما يصب عليه من الماء القراح فيغسله بعد زوال السدر ثلاثا . قال البغوي : وإذا لم يتغير الماء بالسدر حسب من الثلاث . قال : ولو كان على بدنه نجاسة غسله بعد زوالها ثلاثا . واختصر الرافعي كلام الأصحاب في المسألة فقال : هل يسقط الفرض بالغسلة التي فيها سدر فيه وجهان أحدهما : وهو قول أبي إسحاق : يسقط ، لأن المقصود من غسل الميت التنظيف فالاستعانة بما يزيد في النظافة لا يقدح وأصحهما : لا يسقط ، لأن التغير به فاحش فسلب الطهورية ، فعلى هذا في الاحتساب بالغسلة التي يعد هذه وجهان أصحهما : عند الروياني : تحسب لأنه غسله بما لم يخالطه شيء وأصحهما : عند الجمهور وبه قطع البغوي لا تحسب ، لأن الماء إذا أصاب المحل اختلط بالسدر وتغير به ، فعلى هذا المحسوب ما يصب من الماء القراح . هذا كلام الرافعي . فحاصل المسألة ثلاثة أوجه الصحيح : أن غسلة السدر والغسلة التي بعدها لا يحسبان من الثلاث والثاني : يحسبان والثالث : تحسب الثانية دون الأولى هذا حكم المسألة وأما : عبارة المصنف ففيها نوع إشكال لأنه قال : وهل يحسب الغسل بالسدر من الثلاث فيه وجهان قال : أبو إسحاق : يعتد به لأنه غسل بما لم يخالطه شيء . ومن أصحابنا من قال : لا يعتد به ، لأنه ربما غلب عليه السدر ، فعلى هذا يغسل ثلاثة مرات أخر بالماء القراح ، والواجب منها مرة ، هذا لفظ المصنف ، ووجه الإشكال أنه قال : لأنه غسل بما لم يخالطه شيء وهذا نوع تناقض لصورة المسألة ، وجوابه أن مراده أن الغسلة التي بعد السدر هل تحسب فيه الوجهان أحدهما : تحسب لأن الماء المصبوب قراح ، ولا أثر لما يصيبه حال تردده على البدن والثاني : لا يحسب لأنه قد يكثر السدر بحيث يغيره ، وهو مستغن عن هذا المغير والله أعلم . وإذا قلنا : لا تحسب غسله بعدها ثلاثا ، والواجب مرة واحدة ، والثانية والثالثة سنة كما قلنا في الوضوء والغسل . ولا خلاف هنا في استحباب الثانية والثالثة نص عليه الشافعي ، واتفق عليه الأصحاب وغيرهم ، وفي غسل الجنابة وجه أنه لا تستحب الثانية والثالثة ، وقد سبق ذكره في باب غسل الجنابة عن صاحب الحاوي ، ووافق صاحب الحاوي هنا على استحباب الثلاث ، لأنه خاتمة أمر الميت مع قوله صلى الله عليه وسلم : اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أكثر والله أعلم .