Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

قسم V01/P373–V01/P375

واحتج لهؤلاء بقول الله تعالى : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم المائدة : 6 الآية وبقوله صلى الله عليه وسلم لأم سلمة رضي الله عنها : إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء ثم تفيضي عليك الماء فإذا أنت قد طهرت وبأحاديث كثيرة في الأمر بالغسل من غير ذكر للنية ولو وجبت لذكرت ، ولأنها طهارة بمائع فلم تجب لها نية كإزالة النجاسة ولأنه شرط للصلاة لا على طريق البدل فلم يجب له نية كستر العورة ، واحترزوا عن التيمم لأنه بدل ولأن الذمية التي انقطع حيضها يحل لزوجها المسلم وطؤها بالإجماع إذا اغتسلت ، ولو وجبت النية لم تحل لأنها لم تصح منها واحتج أصحابنا بقول الله تعالى : وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين البينة : 5 والإخلاص عمل القلب وهو النية والأمر به يقتضي الوجوب ، قال الشيخ أبو حامد واحتج أصحابنا بقول الله تعالى : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم لأن معناه فاغسلوا وجوهكم للصلاة ، وهذا معنى النية ، ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم : إنما الأعمال بالنيات لأن لفظة إنما للحصر ، وليس المراد صورة العمل فإنها توجد بلا نية ، وإنما المراد أن حكم العمل لا يثبت إلا بالنية . ودليل آخر وهو قوله صلى الله عليه وسلم : وإنما لكل امرىء ما نوى وهذا لم ينو الوضوء فلا يكون له ومن القياس أقيسة أحدها قياس الشافعي رحمه الله وهو أنها طهارة من حدث تستباح بها الصلاة فلم تصح بلا نية كالتيمم ، وقولنا : من حدث احتراز من إزالة النجاسة وقولنا : تستباح بها الصلاة احتراز من غسل الذمية من الحيض . فإن قالوا : التيمم لا يسمى طهارة ، فالجواب : أنه ثبت في الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم : جعلت لي الأرض مسجدا طهورا وفي رواية في صحيح مسلم : وتربتها طهورا وثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال : الصعيد الطيب وضوء المسلم وما كان وضوءا كان طهورا وحصلت به الطهارة . فإن قيل : التيمم فرع للوضوء ولا يجوز أن يؤخذ حكم الأصل من الفرع . فالجواب : أنه ليس فرعا له لأن الفرع ما كان مأخوذا من الشيء ، والتيمم ليس مأخوذا من الوضوء ، بل بدل عنه ، فلا يمتنع أخذ حكم المبدل من حكم بدله ، ولأنه إذا افتقر التيمم إلى النية مع أنه خفيف إذ هو في بعض أعضاء الوضوء فالوضوء أولى . فإن قيل : التيمم يكون تارة بسبب الحدث وتارة بسبب الجنابة فوجبت فيه النية ليتميز ، فالجواب من وجهين أحدهما : أن التمييز غير معتبر ولا مؤثر بدليل أنه لو كان جنبا فغلط وظن أنه محدث فتيمم عن الحدث أو كان محدثا فظن أنه جنب فتيمم للجنابة صح بالإجماع . الثاني : أن الوضوء أيضا يكون تارة عن البول وتارة عن النوم ، فإن قالوا : وإن اختلفت أسبابه فالواجب شيء واحد ، قلنا : وكذا التيمم وإن اختلفت أسبابه فالواجب مسح الوجه واليدين . فإن قيل : التيمم بدل وشأن البدل أن يكون أضعف من المبدل فافتقر إلى نية ككنايات الطلاق . فالجواب أن ما ذكروه منتقض بمسح الخف فإنه بدل ولا يفتقر عندهم إلى النية ، وإنما افتقرت كناية الطلاق إلى النية لأنها تحتمل الطلاق وغيره احتمالا واحدا والصريح ظاهر في الطلاق . وأما الوضوء والتيمم فمستويان ، بل التيمم أظهر في إرادة القربة ، لأنه لا يكون عادة بخلاف صورة الوضوء ، فإذا افتقر التيمم المختص بالعبادة إلى النية فالوضوء المشترك بينها وبين العادة أولى . فإن قيل : التيمم نص فيه على القصد وهو النية بخلاف الوضوء . فالجواب : أن المراد قصد الصعيد ، وذلك غير النية .

قسم V01/P375–V01/P377

قياس آخر : عبادة ذات أركان فوجبت فيها النية كالصلاة فإن قالوا : الوضوء ليس عبادة ، قلنا : لا نسمع هذا ، لأن العبادة الطاعة ، أو ما ورد التعبد به قربة إلى الله تعالى ، وهذا موجود في الوضوء . وفي صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الطهور شطر الإيمان فكيف يكون شطر الإيمان ولا يكون عبادة والأحاديث في فضل الوضوء وسقوط الخطايا به كثيرة مشهورة في الصحيح قد جمعتها في جامع السنة ، وكل هذا مصرح بأن الوضوء عبادة . فإن قالوا : المراد بالوضوء الذي يترتب عليه هذا الفضل الوضوء الذي فيه نية ، ولا يلزم من ذلك أن ما لا نية فيه ليس بوضوء . فالجواب : أن الوضوء في هذه الأحاديث هو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم : لا يقبل الله صلاة بغير طهور وذكر الأصحاب أقيسة كثيرة حذفتها كراهة للإطالة . وأما الجواب عن احتجاجهم بالآية والأحاديث من أوجه ، أحدها : جواب عن جميعها وهو أنها مطلقة مصرحة ببيان ما يجب غسله غير متعرضة للنية وقد ثبت وجوب النية بالآية والحديث والأقيسة المذكورات والثاني : جواب عن الآية أن دلالتها لمذهبنا إن لم تكن راجحة فمعارضة لدلالتهم الثالث : عن حديث أم سلمة أن السؤال عن نقض الضفائر فقط هل هو واجب أم لا . وليس فيه تعرض للنية . وقد عرف وجوب النية من قواعد الكتاب والسنة كما ذكرنا . وأما الجواب عن قياسهم على إزالة النجاسة أنها من باب التروك فلم يفتقر إلى نية ، كترك الزنا وتقدم في أول الباب وتقريره والاعتراض عليه وجوابه . وأما الجواب عن قياسهم على ستر العورة فهو أن ستر العورة وإن كان شرطا إلا أنه ليس عبادة محضة ، بل المراد منه الصيانة عن العيون ، ولهذا يجب ستر عورة من ليس مكلفا ولا من أهل الصلاة والعبادة كمجنون وصبي لا يميز فإنه يجب على وليه ستر عورته . وأما الجواب عن طهارة الذمية فهو أنها لا تصح طهارتها في حق الله تعالى وليس لها أن تصلي بتلك الطهارة إذا أسلمت ، هذا نص الشافعي رحمه الله وهو المذهب الصحيح ، وإنما يصح في حق الزوج للوطء للضرورة إذ لو لم نقل به لتعذر الوطء ونكاح الكتابية ، والله أعلم .

قسم V01/P377–V01/P378

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجب أن ينوي بقلبه لأن النية هي القصد ، تقول العرب : نواك الله بحفظه أي قصدك الله بحفظه ، فإن تلفظ بلسانه وقصد بقلبه فهو آكد . + الشرح : النية الواجبة في الوضوء هي النية بالقلب ولا يجب اللفظ باللسان معها ، ولا يجزىء وحده وإن جمعهما فهو آكد وأفضل ، هكذا قاله الأصحاب واتفقوا عليه ، ولنا قول حكاه الخراسانيون أن نية الزكاة تجزىء باللفظ من غير قصد بالقلب وهو ضعيف ، ووجه مشهور ذكره المصنف وغيره أن نية الصلاة تجب بالقلب واللفظ معا ، وهو غلط وقد أشار الماوردي إلى جريانه في الوضوء وهو أشذ وأضعف ، والفرق بين الوضوء والزكاة على هذا القول الضعيف الذي ذكرناه أن الزكاة وإن كانت عبادة فهي شبيهة بأداء الديون بخلاف الوضوء ، والفرق بين الصلاة في وجوب اللفظ في الصلاة على الوجه الضعيف دون الوضوء أن نية الوضوء أخف حكما ، ولهذا اختلف العلماء في وجوبها وأجمعوا على وجوب نية الصلاة ، واختلف أصحابنا في جواز تفريق نية الوضوء على الأعضاء والأصح جوازه واتفقوا على منع ذلك في الصلاة . وأما قول المصنف : لأن النية هي القصد فصحيح كما سبق بيانه ، وقوله : تقول العرب : نواك الله بحفظه أي قصدك بحفظه ، هكذا عبارة شيخه القاضي أبي الطيب وابن الصباغ ، وكذا قاله قبلهم الأزهري كما قدمته عنه ، وعبارة الأزهري ، وإن لم تكن بلفظ عبارة المصنف فهي بمعناها . وأنكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح على المصنف هذه العبارة والنقل عن العرب قال : لأن القصد مخصوص بالحادث لا يضاف إلى الله تعالى ، وفي ثبوت ذلك عن العرب نظر ، لأن الذي في صحاح الجوهري يقول : نواك الله أي صحبك في سفرك وحفظك ثم ذكر كلام الأزهري ثم قال : وكأن الذي في المهذب تحريف من ناقل . هذا كلام أبي عمرو ، وهذا الذي أنكره غير منكر بل صحيح ، وأبو عمرو ممن صححه واعتمده فإنه في القطعة التي شرحها من أول صحيح مسلم في قول مسلم رحمه الله : وظننت حين سألتني تجشم ذلك أن لو عزم لي عليه قال أبو عمرو : يقدم على هذا أن الأمر في إضافة الأفعال إلى الله تعالى واسع لا يتوقف فيه على توقيف كما يتوقف عليه في أسماء الله تعالى وصفاته ، ولذلك توسع الناس في ذلك في خطبهم وغيرها . قال : فإذا ثبت هذا فمراد مسلم : لو أراد الله لي ذلك على وجه الاستعارة لأن الإرادة والقصد والعزم والنية متقاربة ، فيقام بعضها مقام بعض مجازا ، وقد ورد عن العرب أنها قالت : نواك الله بحفظه فقال فيه بعض الأئمة : معناه قصدك الله بحفظه . هذا كلام أبي عمرو وهو راد لكلامه هنا ، ومعلوم أن من أطلق قصدك الله بحفظه لم يرد القصد الذي هو من صفة الحادث بل أراد الإرادة ، وقد استعمل المصنف قصد في حق الله تعالى فقال في فضل ترتيب الوضوء الدليل عليه قوله تعالى : فاغسلوا وجوهكم وأيديكم الآية فأدخل المسح بين الغسل فدل على أنه قصد إيجاب الترتيب ، ومراده بالقصد الإرادة والله أعلم . ويقال : عرب بضم العين وإسكان الراء وعرب بفتحهما لغتان الثانية أشهر والعرب مؤنثة ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا رحمهم الله : لو قال بلسانه : نويت التبرد ونوى بقلبه رفع الحدث أو بالعكس فالاعتبار بما في القلب بلا خلاف ، ومثله ما قاله الشافعي والمصنف والأصحاب في الحج : لو نوى بقلبه حجا وجرى على لسانه عمرة أو عكسه انعقد ما في قلبه دون لسانه ، والله أعلم .

قسم V01/P378–V01/P380

قال المصنف رحمه الله تعالى : والأفضل أن ينوي من أول الوضوء إلى أن يفرغ منه ليكون مستديما للنية ، فإن نوى غسل الوجه ، ثم عزبت نيته أجزأه لأنه أول فرض ، فإذا نوى عنده اشتملت النية على جميع الفروض ، وإن عزبت نيته عند المضمضة قبل أن يغسل شيئا من وجهه ففيه وجهان أحدهما : يجزيه لأنه فعل راتب في الوضوء لم يتقدمه فرض ، فإذا عزبت النية عنده أجزأه كغسل الوجه والثاني : لا يجزيه وهو الأصح لأنه عزبت نيته قبل الفرض ، فأشبه إذا عزبت عند غسل الكف ، وما قاله الأول يبطل بغسل الكف ، فإنه فعل راتب في الوضوء لم يتقدمه فرض ، ثم إذا عزبت النية عنده لم يجزه . + الشرح : في هذه القطعة مسائل : إحداها : الأفضل أن ينوي من أول الوضوء يستديم إحضاء النية حتى يفرغ من الوضوء وهذا الاستحباب متفق عليه ، وأول الوضوء التسمية قال القاضي أبو الطيب والمتولي : يستحب استصحاب نية الوضوء كما يستحب في الصلاة أن يستديم نيتها من افتتاحها إلى التسليم منها ، وهذا الذي قالاه تصريح بالتسوية بين الصلاة والوضوء في استحباب استصحاب النية فيهما إلى الفراغ منهما ، وإنما ذكرت هذا لأني رأيت كثيرا توهم أن ذلك لا يستحب في الصلاة لكون الجمهور لم يتعرضوا له ، وهذا وهم فاسد . وذكر الشيخ أبو محمد الجويني في كتابه الوجيز الذي صنفه في العبادات أن الأكمل أن ينوي مرتين ، مرة عند ابتداء وضوئه ومرة عند غسل وجهه ، ونقل الروياني هذا عن القفال واستحسنه والله أعلم . المسألة الثانية : إذا نوى عند ابتداء غسل الوجه ولم ينو قبله ولا بعده صح وضوؤه بلا خلاف ، ولو غسل نصف وجهه بلا نية ثم نوى مع غسل باقيه لم يصح ما غسله منه بلا نية بلا خلاف لخلو بعض الفرض عن النية فيعيد غسل ذلك النصف قبل شروعه في غسل اليدين . وقول المصنف : نوى عند غسل الوجه يعني عند أوله صح الوضوء بنية عند غسل الوجه ، فهل يثاب على السنن السابقة للوجه التي لم تصادف نية وهي : التسمية ، والسواك وغسل الكفين ، والمضمضة ، والاستنشاق فيه طريقان : أحدهما وبه قطع الجمهور : لا يثاب عليها ولا تحسب من طهارته لأنه عمل بلا نية فلم يصح كغيره ، وممن قطع بهذا القاضي حسين وإمام الحرمين والغزالي في البسيط والمتولي والبغوي في كتابيه التهذيب وشرح السنة وصاحب العدة وآخرون . والطريق الثاني ذكره صاحب الحاوي أنه على الوجهين أحدهما : هذا والثاني : يثاب ويعتد به من طهارته لأنه من جملة طهارة منوية ، وذكر إمام الحرمين هذا احتمالا لنفسه وخرجه ممن نوى صوم التطوع ضحوة فإنه يحسب ثواب صومه من أول النهار على أصح الوجهين ، قال : والمحفوظ في الوضوء أن النية لا تنعطف ، وفرقوا بينه وبين الصوم بفرقين أحدهما : أن الصوم خصلة واحدة فإذا صح بعضها صح كلها ، والوضوء أركان متغايرة ، فالانعطاف فيها أبعد والثاني : أنه لا ارتباط لصحة الوضوء بالمضمضة فإنه يصح بدونها بخلاف إمساك بقية النهار والله أعلم . والمسألة الثالثة : إذا نوى عند غسل الكف أو المضمضة أو الاستنشاق وعزبت نيته قبل غسل شيء من الوجه ففيه ثلاثة أوجه مشهورة للخراسانيين وذكرها من العراقيين الماوردي وغيره أحدها : يجزيه ويصح وضوؤه قاله أبو حفص بن الوكيل والثاني : لا يجزيه قاله أبو العباس بن سريج والثالث : إن عزبت عند الكف لا يجزيه وإن عزبت عند المضمضة أو الاستنشاق ويجزيه ودليلها ما ذكر المصنف . واتفق الجمهور على أن الأصح أنه لا يصح وضوؤه وقطع به جماعة من أصحاب المختصرات وشذ عنهم الفوراني فصحح الصحة . ولو نوى عند التسمية أو الاستنجاء ثم عزبت نيته قبل غسل الكف قطع الجمهور بأنه لا يجزيه .

قسم V01/P380–V01/P381

وحكى الفوراني وصاحبا العدة والبيان فيه وجها أنه يجزيه وليس بشيء . وهذا الذي ذكرناه من الخلاف في المضمضة والاستنشاق هو فيما إذا لم ينغسل معهما شيء من الوجه بأن تمضمض من أنبوبة إبريق ونحوه ، وأما إذا انغسل معهما شيء من الوجه كبعض الشفة ونحوها كما هو الغالب ففيه طريقان قطع جمهور العراقيين بأنه يصح وضوؤه ، وممن صرح به الشيخ أبو حامد وأصحابه الثلاثة القاضي أبو الطيب في تعليقه والماوردي والمحاملي في كتابيه المجموع والتجريد والبندنيجي وابن الصباغ وغيرهم ، وحكى صاحبا التتمة والعدة وغيرهما وجهين أحدهما : هذا والثاني : أنه كما لو لم يغسل شيئا من الوجه فيكون فيه الخلاف السابق . وقال صاحب البيان : إن غسل ذلك الجزء بنية الوجه أجزأه قطعا ، وإلا ففيه الوجهان كما قال صاحبا التتمة والعدة ، وانفرد البغوي فقال : الصحيح أنه لا يجزيه وإن انغسل شيء من الوجه لأنه لم يغسله عن الوجه بدليل أنه لا يجزيه عن الوجه بل يجب غسله ثانيا ، وهذا قوي ولكن خالفه صاحب التتمة فقال : يجزيه غسل ذلك المغسول من الوجه ولا تجب إعادته إذا صححنا النية وإن كان نوى به السنة قال : وهذا على طريقة من يقول : يتأدى الفرض بنية النفل وهذه القاعدة فيها خلاف وتفصيل سنذكره إن شاء الله تعالى في باب سجود السهو حيث ذكرها المصنف والأصحاب ، وأشار الغزالي في البسيط إلى نحو هذا الذي في التتمة والله أعلم . فرع : قول المصنف : لأنه فعل راتب في الوضوء لم يتقدمه فرض . احترز بقوله : فعل عن التسمية ، وبقوله : راتب في الوضوء من الاستنجاء ، وبقوله : لم يتقدمه فرض من غسل الذراعين ، وقوله : نوى عند غسل الوجه يقال : عند وعند وعند بكسر العين وفتحها وضمها ثلاث لغات حكاها ابن السكيت وغيره أشهرهن الكسر ، وبها جاء القرآن ، وقوله : عزبت أي ذهبت وهو بفتح الزاي والمضارع يعزب بضم الزاي وكسرها لغتان مشهورتان والمصدر عزوب والله أعلم . فرع : وقت نية الغسل عند إفاضة الماء على أول جزء من البدن ولا يضر عزوبها بعده ، ويستحب استصحابها إلى الفراغ كالوضوء ، فإن غسل بعض البدن بلا نية ثم نوى أجزأه ما غسل بعد النية ويجب إعادة ما غسله قبلها والله أعلم .

قسم V01/P381–V01/P383

قال المصنف رحمه الله تعالى : وصفة النية أن ينوي رفع الحدث أو الطهارة من الحدث ، وأيهما نوى أجزأه ، لأنه نوى المقصود وهو رفع الحدث . + الشرح : المتوضئون ثلاثة أقسام : ماسح خف ، ومن به حدث دائم كالمستحاضة ، وغيرهما ، ويسمى صاحب طهارة الرفاهية ، فأما صاحب طهارة الرفاهية فتجزيه نية رفع الحدث بلا خلاف ، وأما ماسح الخف فالمذهب الصحيح الذي قطع به الأصحاب أنه تجزيه نية رفع الحدث كغيره ، وحكى الرافعي وجها أنه لا يجزيه بل يلزمه نية استباحة الصلاة ، وهذا الوجه مع شدة ضعفه ينبغي أن يكون مفرعا على الوجه الضعيف أن مسح الخف لا يرفع الحدث عن الرجل وسنوضح ذلك في بابه إن شاء الله تعالى . وأما المستحاضة وسلس البول والمذي وغيرهم ممن به حدث دائم ففيهم ثلاثة أوجه الصحيح وبه قطع الجمهور لا تجزيهم نية رفع الحدث وحدها ، وتجزيهم نية استباحة الصلاة لأنه لا يرتفع حدثهم مع جريانه ، وعلى هذا قال المتولي وغيره : يستحب لهم الجمع بين نية الاستباحة ورفع الحدث . والوجه الثاني : يجزيهم الاقتصار على نية رفع الحدث أو الاستباحة ، حكاه الماوردي والرافعي لأن نية رفع الحدث تتضمن الاستباحة والثالث : يلزمهم الجمع بين النيتين وهو محكي عن أبي بكر الفارسي وأبي عبد الله الخضري وأبي بكر القفال المروزي ليكون نية رفع الحدث عن الماضي ونية الاستباحة عن المقارن والمتجدد ، وضعف الأصحاب هذا الوجه أشد تضعيف وهو حقيق بذلك ، قال إمام الحرمين : هذا الوجه غلط لا شك فيه فإن نية الاستباحة كافية ، وكيف يرتفع الحدث مع جريانه وإذا لم يرتفع فكيف تجب نيته ونقل المتولي الاتفاق على أنه لا يجب الجمع بينهما ، قال المتولي وغيره : ولأنه إذا أجزأت نية الاستباحة صاحب طهارة الرفاهية فالمستحاضة أولى . فرع : ذكر الماوردي في صاحب طهارة الرفاهية أنه لو كان محدثا الحدث الأصغر كفاه نية رفع الحدث ، وإن كان جنبا أو حائضا كفاه أيضا نية رفع الحدث مطلقا لأنها تنصرف إلى حدثه ، فلو نوى الحدث الأكبر كان تأكيدا وهو أفضل ، وهكذا قطع إمام الحرمين في باب غسل الجنابة وجماعات بأن الجنب تجزيه نية رفع الحدث مطلقا ، وحكى الغزالي وغيره فيه وجها أنه لا يجزيه . ولو كان عليه حدثان أصغر وأكبر فاغتسل بنية رفع الحدث مطلقا ، فإن قلنا بالمذهب : إن الأصغر يدخل في الأكبر أجزأه وارتفع الحدثان وإلا فلا يجزيه عن واحد منهما لأنه لا مزية لأحدهما . فرع : لو نوى المحدث غسل أعضائه الأربعة عن الجنابة غالطا ظانا أنه جنب صح وضوؤه إن قلنا بالمذهب : إن غسل الرأس يجزي عن مسحه ، وإلا فيحصل له غسل الوجه واليدين دون الرأس والرجلين بسبب الترتيب ، ولو غلط الجنب فظن أنه محدث فاغتسل بنية الحدث فقد ذكر المصنف في آخر باب الغسل أنه يجزيه في أعضاء الوضوء ، وقال به جماعات من الأصحاب ، وقال الخراسانيون : فيه وجهان بناء على أن الحدث هل يحل جميع البدن كالجنابة أم الأعضاء الأربعة خاصة وفيه وجهان سنذكرهما إن شاء الله تعالى . فإن قلنا : نعم صح غسله لأنه نوى طهارة عامة مثل التي عليه ، وإن قلنا : يختص حصل له الأعضاء الأربعة فقط إن قلنا : يجزيه غسل الرأس عن مسحه وإلا حصلت الأعضاء الثلاثة ، هذا إذا كان غالطا ، فلو تعمد ونوى رفع الحدث الأصغر لم يصح غسله على المذهب الصحيح المشهور ، وحكى الرافعي فيه وجها والله أعلم . فرع : قولهم : نوى رفع الحدث معناه رفع حكم الحدث .

قسم V01/P383–V01/P385

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن نوى الطهارة لم يجزئه لأن الطهارة قد تكون عن حدث وقد تكون عن نجس فلم تصح بنية مطلقة . + الشرح : هذا الذي جزم به المصنف هو المشهور الذي قطع به الجمهور ، وقد نص الشافعي رحمه الله في البويطي على أنه يجزيه ، فقال أصحابنا : هذا النص محمول على أنه أراد الطهارة عن الحدث ، فأما النية المطلقة فلا تكفيه ، وهذا التأويل مشهور في كتب الأصحاب ونقله عن الأصحاب كلهم القاضي أبو الطيب في تعليقه وصاحب العدة وغيرهما ، قال القاضي : وأخل البويطي بقوله عن الحدث ، وفي المسألة وجه أنه يجزيه نية الطهارة مطلقا كما هو ظاهر نصه وبه قطع صاحب الحاوي . وهذا الوجه قوي لأن نية الطهارة في أعضاء الوضوء على الترتيب المخصوص لا تكون عن نجس ، وهذا الخلاف شبيه بالخلاف في وجوب نية الفرضية في صلاة الفرض والله أعلم . قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن نوى الطهارة للصلاة أو لأمر لا يستباح إلا بطهارة كمس المصحف ونحوه أجزأه لأنه لا يستباح مع الحدث ، فإذا نوى الطهارة لذلك تضمنت نيته رفع الحدث . + الشرح : هذا الذي ذكره نص عليه الشافعي رحمه الله واتفق عليه الأصحاب ، ثم إذا نوى الطهارة لشيء لا يستباح إلا بالطهارة ارتفع حدثه واستباح الذي نواه وغيره ، وحكى الرافعي وجها أنه إذا نوى استباحة الصلاة لا يصح وضوؤه لأن الصلاة ونحوها قد تستباح مع الحدث كالتيمم ، وهذا شاذ بل غلط وخيال عجيب ، والصواب الذي قطع به الأصحاب في كل الطرق صحة وضوئه ، وفي المصحف ثلاث لغات ضم الميم وكسرها وفتحها أفصحهن الضم ثم الكسر وقد أوضحتهن في تهذيب الأسماء والله أعلم . فرع : إذا نوت المغتسلة في الحيض استباحة وطء الزوج فثلاثة أوجه الأصح يصح غسلها وتستبيح الوطء والصلاة وغيرهما ، لأنها نوت ما لا يستباح إلا بطهارة والثاني : لا يصح ولا تستبيح الوطء ولا تستبيح غيره لأنها نوت ما ينقض الطهارة والثالث : تستبيح به الوطء ولا تستبيح غيره كاغتسال الذمية تحت مسلم لانقطاع الحيض قال إمام الحرمين : الأصح صحة غسلها لأنها نوت حل الوطء لا نفس الوطء ، وحل الوطء لا يوجب غسلا . قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن نوى الطهارة لقراءة القرآن أو الجلوس في المسجد وغير ذلك مما أستحب له الطهارة ففيه وجهان : أحدهما أنه لا لأنه يستباح من غير طهارة فأشبه ما إذا توضأ للبس الثوب والثاني : يجزيه لأنه يستحب له أن لا يفعل ذلك وهو محدث فإذا نوى الطهارة بذلك تضمنت نيته رفع الحدث . + الشرح : هذان الوجهان مشهوران ودليلهما ما ذكره وأصحهما عند الأكثرين أنه لا يصح . ممن صححه الشيخ أبو حامد والماوردي والمحاملي والقاضي أبو الطيب في كتابه شرح الفروع والبغوي والروياني في كتابه الكافي والرافعي وغيرهم ، وبه قطع البغوي في شرح السنة وجماعة من أصحاب المختصرات ، قال الشيخ أبو حامد : وهو قول عامة أصحابنا ، وصحح جماعة الصحة منهم ابن الحداد والفوراني والشيخ أبو محمد في الفروق وولده إمام الحرمين في كتابه مختصر النهاية ، واتفق الأصحاب على أنه لو توضأ لما لا يستحب له الطهارة يرتفع حدثه . قال أصحابنا : قراءة القرآن والجلوس في المسجد والأذان والتدريس وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم والسعي بين الصفا والمروة والوقوف بعرفات وقراءة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ودراسة العلم الشرعي ، ففي كل هذه الصور الوجهان ، ذكره الماوردي وغيره . قال الماوردي وغيره : ومما لا يستحب له الوضوء دخول السوق ، والسلام على الأمير ، ولبس الثوب ، والصيام ، وعقد البيع ، والنكاح ، والخروج إلى السفر ، ولقاء القادم ، قال القاضي حسين : وكذا زيادة الوالدين . قال البغوي : وكذا عيادة المريض وزيارة الصديق والنوم والأكل ، وهذا الذي قاله في النوم غير مقبول بل يستحب الوضوء للنوم ، وممن صرح به من أصحابنا المحاملي في اللباب ودليله الأحاديث الصحيحة منها حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن وقل : اللهم أسلمت نفسي إليك إلى آخر الحديث رواه البخاري ومسلم . ولو نوى تجديد الوضوء أو نوى الجنب غسلا مسنونا ففي ارتفاع حدثه طريقان : أحدهما : أنه على الوجهين فيما يستحب له الطهارة وبهذا قطع الماوردي والثاني : وهو المذهب : القطع بأنه لا يرتفع حدثه وجنابته ، لأن هذه الطهارة ليس استحبابها بسبب الحدث ، فلا يتضمن رفعه بخلاف الطهارة لقراءة القرآن وشبهها . ولو نوى الجنب الغسل لقراءة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أو المرور في المسجد ففي ارتفاع جنابته الوجهان اللذان في المحدث ، قال المحاملي في المجموع : وكذا لو نوى المحدث الوضوء للعبور في المسجد ففي الوجهان .

قسم V01/P385–V01/P386

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن نوى بطهارته رفع الحدث والتبرد والتنظيف صح وضوؤه على المنصوص في البويطي ، لأنه نوى رفع الحدث وضم إليه ما لا ينافيه ، ومن أصحابنا من قال : لا يصح وضوؤه لأنه أشرك في النية بين القربة وغيرها . + الشرح : هذا الذي نقله عن النص هو المذهب الصحيح ، صححه الأصحاب وقطع به جماعات ، منهم صاحب التلخيص والقفال والشيخ أبو حامد والماوردي والفوراني والمحاملي وإمام الحرمين وابن الصباغ والبغوي وغيرهم ، والوجه الآخر محكي عن ابن سريج وضعفوا تعليله بالتشريك وقالوا : ليس هذا تشريكا وتركا للإخلاص ، بل هو قصد سواء قصده أم لا ، فلم يجعل قصده تشريكا وتركا للإخلاص ، بل هو قصد للعبادة على حسب وقوعها ، لأن من ضرورتها حصول التبرد . ولو اغتسل بنية رفع الجنابة والتبرد ففيه الخلاف الذي في الوضوء . والصحيح الصحة ذكره الرافعي وغيره والله أعلم . فرع : قال صاحب الشامل : لو أحرم بالصلاة بنية الصلاة والاشتغال بها عن غريم يطالبه صحت صلاته ، لأن اشتغاله عن الغريم لا يفتقر إلى قصد . ولهذه المسألة نظائر في الطواف بنية الطواف والاشتغال عن الغريم وغيرها وسنوضحها إن شاء الله تعالى . فرع : قال أصحابنا : لو أحرم بصلاة ينوي بها الفرض وتحية المسجد صحت صلاته وحصل له الفرض والتحية جميعا ، لأن التحية يحصل بها الفرض فلا يضر ذكرها تصريحا بمقتضى الحال ، واتفق أصحابنا على التصريح بحصول الفرض والتحية . وصرحوا بأنه لا خلاف في حصولهما جميعا ، ولم أر في ذلك خلافا بعد البحث الشديد سنين . وقال الرافعي وأبو عمرو بن الصلاح : لا بد من جريان خلاف فيه كمسألة التبرد ، وهذا الذي قالاه لم ينقلاه عن أحد ، والمنقول ما ذكرناه والفرق ظاهر فإن الذي اعتمده الأصحاب في تعليل البطلان في مسألة التبرد هو التشريك بين القربة وغيرها ، وهذا مفقود في مسألة التحية فإن الفرض والتحية قربتان إحداهما تحصل بلا قصد فلا يضر فيها القصد كما لو رفع الإمام صوته بالتكبير ليسمع المأمومين ، فإن صلاته صحيحة بالإجماع ، وإن كان قد قصد أمرين لكنهما قربتان وهذا واضح لا يحتاج إلى زيادة بيان . ولو نوى بغسله غسل الجنابة والجمعة حصلا جميعا هذا هو الصحيح وبه قطع المصنف في باب هيئة الجمعة والجمهور ، وحكى الخراسانيون وجها أنه لا يحصل واحد منهما ، قال إمام الحرمين : هذا الوجه حكاه أبو علي وهو بعيد ، قال : ولم أره لغيره ، وحكاه المتولي عن اختيار أبي سهل الصعلوكي ، وعلى هذا يفرق بينه وبين التحية بأنها لا تحصل ضمنا وهذا بخلافها على الأصح ، وقال الرافعي : إذا نوى الجمعة والجنابة يبني على أنه لو اقتصر على الجنابة هل تحصل الجمعة فيه قولان مشهوران ، إن قلنا : لا يحصل لم يصح الغسل كما لو نوى بصلاته الفرض والسنة ، وإن قلنا : يحصل وهو الأصح فوجهان كمسألة التبرد والأصح الحصول .

قسم V01/P386–V01/P388

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأن أحدث أحداثا ونوى رفع حدث منها ففيه ثلاثة أوجه أحدها : أنه يصح وضوؤه لأن الأحداث تتداخل ، فإذا ارتفع واحد ارتفع الجميع والثاني : لا يصح لأنه لم ينو رفع جميع الأحداث والثالث : إن نوى رفع الحدث الأول صح ، وإن نوى ما بعده لم يصح لأن الذي أوجب الطهارة هو الأول دون ما بعده والأول أصح . + الشرح : هذه المسألة فيها خمسة أوجه ذكر المصنف منها ثلاثة بأدلتها أصحها عند جمهور الأصحاب يصح وضوؤه سواء نوى الأول أو غيره ، وسواء نوى رفع حدث ونفى رفع غيره أو لم يتعرض لنفي غيره والثاني : لا يصح مطلقا والثالث : إن نوى رفع الأول صح وضوءه وإلا فلا والرابع : إن نوى رفع الأخير صح وضوؤه وإلا فلا ، لأن ما قبل الأخير اندرج فيه ، حكاه صاحب الشامل وجماعة من الخراسانيين والخامس : إن اقتصر على نية رفع أحد الأحداث صح وضوؤه وإن نفى رفع غيره فلا ، حكاه الماوردي والبغوي والغزالي وآخرون ، ولو كان على امرأة غسل جنابة وحيض فنوت أحدهما صح غسلها وحصلا جميعا بلا خلاف ، والفرق أن هذه النية في الأحداث غير مشروعة ولا معتادة بخلاف نية الجنابة والحيض فيكون من نوى أحد الأحداث مخالفا مقصرا ، فجاء فيه الخلاف بخلاف الحائض والله أعلم . قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن نوى أن يصلي به صلاة وأن لا يصلي غيرها ففيه ثلاثة أوجه أحدها : لا يصح لأنه لم ينو كما أمر والثاني : يصح لأن نيته للصلاة تضمنت رفع الحدث ، ونيته أن لا يصلي غيرها لغو والثالث : أنه يصح لما نوى اعتبارا بنيته . + الشرح : هذه الأوجه مشهورة ودليلهما كما ذكر . وأصحها عند الأصحاب صحة الوضوء ويستبيح جميع الصلوات وغيرها مما يتوقف على طهارة ، ممن صححه القاضي أبو الطيب والمحاملي في المجموع والفوراني والشاشي والبغوي والروياني وصاحب البيان والرافعي وغيرهم ، والقائل بأنه يصح لما نوى فقط هو ابن سريج ، وبالمنع مطلقا هو أبو علي الطبري ، وضعف الأصحاب قول ابن سريج . قال الأصحاب : ولو نوت المستحاضة ومن في معناها ممن به حدث دائم بوضوئها صلاة فرض وأن لا تصلي به فرضا آخر صح وضوؤها بلا خلاف لأنه مقتضى طهارتها ، ولو نوت بوضوئها نافلة وأن لا تصلي غيرها أو نوت فريضة وأن لا تصلي غيرها من نفل وغيره ففي صحة وضوئها الأوجه الثلاثة والله أعلم . قال صاحب البيان : قال صاحب الفروع لو نوى أن يصلي بوضوئه صلاة وأن لا يصليها كان متناقضا ولا يرتفع حدثه .

قسم V01/P388–V01/P390

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولو نوى نية صحيحة ثم غير النية في بعض الأعضاء بأن نوى بغسل الرجل التبرد أو التنظيف ، ولم يحضر نية الوضوء لم يصح ما غسله بنية التبرد والتنظيف ، وإن حضرته نية الوضوء وأضاف إليها نية التبرد فعلى ما ذكرت من الخلاف . + الشرح : إذا نوى نية صحيحة ثم نوى بغسل الرجل مثلا التبرد فله حالان كما ذكر المصنف أحدهما : أن لا تحضره نية الوضوء في حال غسل الرجل بل ينوي التبرد غافلا عما سواه ففيه وجهان الصحيح منهما وبه قطع العراقيون لا يصح غسل الرجلين والثاني : حكاه الخراسانيون وضعفوه أنه يصح لبقاء حكم النية الأولى ، فإذا قلنا بالصحيح فقال الجمهور : إن لم يطل الفصل ونوى رفع الحدث ثم غسل ما غسله بنية التبرد وإن طال ، فهل يبني أو يستأنف الوضوء فيه القولان في جواز تفريق الوضوء ، الصحيح جوازه فيبني ، هذه طريقة الجمهور ، وقال القاضي حسين والبغوي والرافعي : إذا لم يطل الفصل هل يكفيه البناء أم يجب الاستئناف فيه وجهان بناء على الوجهين في جواز تفريق النية على أعضاء الوضوء وسنذكرهما في مسائل الفرع إن شاء الله تعالى ، إن قلنا : يجوز تفريقها وهو الأصح جاز البناء وإلا فلا . وصرح صاحب الحاوي بجواز البناء مع قولنا : لا يجوز تفريق النية . الحال الثاني : أن يحضره نية الوضوء مع نية التبرد فهو كما لو نوى من أول الطهارة الوضوء والتبرد وفيه الوجهان المنصوص في البويطي صحة الوضوء والثاني : لا يصح ما غسله بنية التبرد فيكون حكمه ما ذكرناه في الحال الأول والله أعلم . فرع : لهذه المسألة : لو غسل المتوضىء أعضاءه إلا رجليه فسقط في نهر فانغسلتا فإن كان ذاكرا للنية صح وضوءه وإلا فالمذهب أنه لا يجزيه غسل الرجلين ، وفيه وجه أنه يجزيه ، هكذا ذكر المسألة البغوي والمتولي وقال القاضي حسين : الأصح صحة وضوؤه إذا لم تكن له نية ، والمختار ما قاله المتولي والبغوي والله أعلم . فرع : في مسائل تتعلق بالباب : إحداها : إذا نوى المحدث الوضوء فقط ففي ارتفاع حدثه وجهان حكاهما الماوردي والروياني أصحهما ارتفاعه والثاني : لا ، لأن الوضوء قد يكون تجديدا فلا يرفع حدثا قال الروياني : فلو نوى الجنب الغسل لم يجزئه لأنه قد يكون عادة وقد يكون مندوبا ، قال إمام الحرمين : الذي قطع به أئمة المذهب أنه إذا نوى بوضوئه أداء الوضوء أو فرض الوضوء صح وارتفع حدثه وقطع أيضا المتولي بأنه إذا نوى فرض الوضوء أو الجنب أو الحائض فرض الغسل أجزأهم . فإن قيل : كيف يصح الوضوء بنية الفرضية قبل دخول وقت الصلاة . فالجواب : أن الوضوء يجب بمجرد الحدث إلا أنه لا يتضيق وقته قبل إرادة الصلاة . وهذا على أحد الأوجه في موجب الوضوء . والثاني : أنه القيام إلى الصلاة والثالث : كلاهما . وجواب آخر أجاب به الرافعي وهو : أن المراد بالفرضية هنا فعل طهارة الحدث المشروطة في صحة الصلاة ، وشرط الشيء يسمى فرضا من حيث إنه لا يصح إلا به ، ولو كان المراد حقيقة الفرضية لما صح وضوء الصبي بهذه النية وهو صحيح بها . المسألة الثانية : إذا فرق النية على أعضاء الوضوء فنوى عند غسل الوجه رفع الحدث عن الوجه ، وعند غسل اليدين رفع الحدث عنهما وكذا عند الرأس والرجلين ففي صحة وضوئه وجهان مشهوران في كتب الخراسانيين ، وذكرهما من العراقيين الماوردي وابن الصباغ وغيرهما أصحهما عند الاصحاب الصحة وبه قطع الشيخ أبو حامد ونقله الرافعي عن معظم الأصحاب لأنه يجوز تفريق أفعال الوضوء على الصحيح فكذا النية بخلاف الصلاة وغيرها ومما لا يجوز فيه تفريق النية ، وخالف الغزالي الأصحاب فقال : الأصح أنه لا يصح . ثم جمهور الأصحاب أطلقوا المسألة في تفريق النية .

قسم V01/P390–V01/P391

وقال الرافعي المشهور أن الخلاف في مطلق التفريق قال : وحكي عن بعض الأصحاب أن الخلاف فيما إذا نوى رفع الحدث عن العضو المغسول دون غيره ، قال الرافعي : ثم من الأصحاب من بنى تفريق نية الوضوء على تفريق أفعاله فقال : إن جوزنا تفريق الأفعال فكذا النية وإلا فلا ، ومنهم من رتبه عليه فقال : إن منعنا تفريق الأفعال فالنية أولى وإلا فوجهان . والفرق أن الوضوء وإن فرق أفعاله عبادة واحدة يرتبط بعضها ببعض ، ولهذا لو أراد مس المصحف بوجهه المغسول قبل غسل باقي الأعضاء لا يجوز فلتشملها نية واحدة بخلاف الأفعال فإنها لا تتأتى إلا متفرقة والله أعلم . المسألة الثالثة : أهلية النية شرط لصحة الطهارة فلا يصح وضوء مجنون وصبي لا يميز ، وأما الصبي المميز فيصح وضوؤه وغسله كما سنوضحه إن شاء الله تعالى في المسألة السادسة . وأما الكافر الأصلي إذا تطهر ثم أسلم ففيه أربعة أوجه الصحيح المنصوص لا يصح منه وضوء ولا غسل لأنه ليس من أهل النية والثاني : يصح غسله دون تيممه ووضوئه ، حكاه المصنف في باب الغسل وحكاه آخرون . وقال إمام الحرمين : هذا الوجه هو قول أبي بكر الفارسي ، قال : وهو غلط صريح متروك عليه قال : وليس من الرأي أن تحسب غلطات الرجال من متن المذهب . والوجه الثالث : يصح منه الغسل والوضوء دون التيمم حكاه صاحب الحاوي وغيره والرابع : يصح من كل كافر كل طهارة من غسل ووضوء وتيمم ، حكاه إمام الحرمين وغيره وهو ضعيف جدا . وأما المرتد فقال الرافعي : قطع الأصحاب بأنه لا يصح منه غسل ولا غيره ، ولو انقطع حيض مرتدة فاغتسلت ثم أسلمت لم يحل الوطء إلا بغسل جديد بلا خلاف كذا قالوه ، وهذا الذي ادعاه الرافعي من الاتفاق ليس متفقا عليه بل ذكر جماعة الخلاف في المرتد ، فقال صاحب الحاوي في هذا الباب في صحة غسل المرتد وجهان ، وقال إمام الحرمين في باب الغسل : حكى المحاملي في كتاب القولين والوجهين وجها : أنه يصح من كل كافر كل طهارة غسلا كان أو وضوءا أو تيمما ، قال : وهذا في نهاية الضعف ، فقوله : كل كافر يدخل فيه المرتد ، هذا تفصيل مذهبنا . وقال أبو حنيفة : إذا توضأ الكافر صح وضوؤه فيصلي به إذا أسلم ووافقنا مالك وأحمد وداود والجمهور على أنه لا يصح وضوؤه والله أعلم . وأما الكتابية تحت المسلم فإذا انقطع حيضها أو نفاسها لم يحل له الوطء حتى تغتسل فإذا اغتسلت حل الوطء للضرورة ، وهذا لا خلاف فيه فإذا أسلمت ، هل يلزمها إعادة ذلك الغسل فيه وجهان أصحهما عند الجمهور وجوبها ، ممن صححه الفوراني والمتولي وصاحب العدة والروياني والرافعي وغيرهم . وصحح إمام الحرمين عدم الوجوب قال : لأن الشافعي رحمه الله نص أن الكافر إذا لزمه كفارة فأداها ثم أسلم لا يلزمه الإعادة قال : ولعل الفرق بينهما أن الكفارة يتعلق مصرفها بالآدمي فتشبه الديون بخلاف الغسل . قال المتولي : ولا يحل للزوج الوطء إلا إذا اغتسلت بنية استباحة الاستمتاع كما لو ظاهر كافر وأراد الإعتاق لا يجزيه إلا بنية العتق عن الكفارة ، فإذا لم ينو لم يحل له الاستمتاع ، وحكى الروياني وجهين . أحدهما : هذا والثاني : يحل الوطء بغسلها بلا نية للضرورة قال : وهذا أقيس ، وإذا اغتسلت ثم أسلمت هل لزوجها الوطء بهذا الغسل قال المتولي : هو على الوجهين في وجوب إعادة الغسل إن أوجبناها لم يحل الوطء حتى تغتسل وإلا فيحل وذكر الروياني طريقين أحدهما : هذا والثاني : القطع بعدم الحل قال : وهو الأصح لزوال الضرورة .

قسم V01/P391–V01/P393

ولو امتنعت زوجته المسلمة من غسل الحيض فأوصل الماء إلى بدنها قهرا حل له وطؤها ، قطع به إمام الحرمين وغيره ، قال إمام الحرمين : وهل يلزمها إعادة هذا الغسل لحق الله تعالى فيه الوجهان في الذمية قال : ويحتمل القطع بالوجوب لأنها تركت النية وهي من أهلها ، وجزم الغزالي بوجوب الإعادة ولم يصرح الإمام باشتراط نية الزوج بغسله إياها الاستباحة ، والظاهر أنه على الوجهين الآتيين في غسله المجنونة . وأما المجنونة إذا انقطع حيضها فلا يحل لزوجها وطؤها حتى يغسلها ، فإذا غسلها حل الوطء لتعذر النية في حقها ، وإذا غسلها الزوج هل يشترط لحل الوطء أن ينوي بغسله استباحة الوطء فيه وجهان حكاهما الروياني وقطع المتولي باشتراط النية ، وقطع الماوردي بعدم الاشتراط ، قال : بخلاف غسل الميت فإنه يشترط فيه نية الغسل على أحد الوجهين لأن غسله تعبد . وغسل المجنونة لحق الزوج ، فإذا أفاقت لزمها إعادة الغسل على المذهب الصحيح المشهور ، وذكر المتولي فيه وجهين كالذمية إذا أسلمت قال : وكذا الوجهان في حل وطئها للزوج بعد الإفاقة والله أعلم . المسألة الرابعة : إذا تيقن الطهارة ثم شك في الحدث لم يلزمه الوضوء لكن يستحب له فلو توضأ احتياطا ثم بان أنه كان محدثا فهل يجزيه ذلك الوضوء فيه وجهان مشهوران عند الخراسانيين ، أصحهما لا يجزيه لأنه توضأ مترددا في النية ، إذ ليس هو جازما بالحدث ، والتردد في النية مانع من الصحة في غير الضرورة ، وقولنا : في غير الضرورة احتراز ممن نسي صلاة من الخمس فإنه يصلي الخمس وهو متردد في النية ، ولكن يعفى عن تردده فإنه مضطر إلى ذلك . والوجه الثاني : يجزيه لأنها طهارة مأمور بها صادفت الحدث فرفعته ، والمختار الأول وبه قطع البغوي في باب ما ينقض الوضوء كما لو شك هل عليه فائتة صلاة الظهر أم لا فقضاها على الشك ثم بأن أنها كانت عليه ، فإنه لا يجزيه قطعا ، صرح به المتولي بخلاف ما لو كان محدثا فشك هل توضأ أم لا فتوضأ شاكا ثم بان أنه كان محدثا فإنه يصح وضوؤه بلا خلاف ، لأن الأصل بقاء الحدث والطهارة واقعة بسبب الحدث وقد صادفته قال البغوي في هذه الصورة : فلو توضأ ونوى إن كان محدثا فهو عن فرض طهارته وإلا فهو تجديد ، صح وضوؤه عن الفرض حتى لو زال شكه وتيقن الحدث لا يجب إعادة الوضوء ، وبنى بعض الأصحاب هذين الوجهين على الوجهين في الوضوء لما يستحب له الطهارة فإن قيل : قولكم الأصح أنه لا يجزيه وتجب الإعادة يمنع وقوع الوضوء مستحبا ويلزم أنه لا يستحب إذ لا فائدة فيه بل يحدث ثم يتوضأ وجوبا ولا سبيل إلى القول بذلك . فالجواب ما أجاب به الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله قال : لا نقول بأنه لا يرتفع حدثه على تقدير تحقق الحدث ، وإنما نقول : لا يرتفع على تقدير انكشاف الحال ويكون وضوؤه هذا رافعا للحدث إن كان موجودا في نفس الأمر ولم يظهر لنا للضرورة فإذا انكشف الحال زالت الضرورة فوجبت الإعادة جازمة قال : وهذا كما لو نسى صلاة من خمس فإنه يصلي الخمس ويجزيه بنية لا يجزىء مثلها حال الانكشاف . قلت : ولو نسي صلاة من الخمس فصلى الخمس ثم علم المنسية فلم أر فيه كلاما لأصحابنا ، ويحتمل أن يكون على الوجهين في هذه المسألة ، ويحتمل أن يقطع بأنه لا تجب الإعادة لأنا أوجبناها عليه وفعلها بنية الواجب ، ولا نوجبها ثانيا ، بخلاف مسألة الوضوء فإنه تبرع به فلا يسقط به الفرض ، وهذا الاحتمال أظهر والله أعلم .

قسم V01/P393–V01/P394

المسألة الخامسة : إذا توضأ ثلاثا كما هو السنة فترك لمعة عن وجهه في الغسلة الأولى ناسيا فانغسلت في الثانية أو الثالثة وهو يقصد بها التنفل فهل يسقط الفرض في تلك اللمعة بهذا أم يجب إعادة غسلها فيه وجهان ، وكذا الجنب إذ ترك لمعة من بدنه في الغسلة الأولى ناسيا فانغسلت في الثانية ففيه الوجهان ، وكذا لو أغفل لمعة في وضوئه فانغسلت في تجديد الوضوء حيث يشرع التجديد ففي ارتفاع حدث اللمعة الوجهان وهما مشهوران . قال القاضي أبو الطيب في كتابه شرح الفروع : الصحيح أنه لا يرتفع حدث اللمعة في المسألتين ، وقال جمهور الخراسانيين : الأصح ارتفاع الحدث بالغسلة الثانية والثالثة والأصح : عدم الارتفاع في مسألة التجديد لأن الغسلات الثلاث طهارة واحدة ، ومقتضى نيته الأولى أن تحصل الغسلة الثانية بعد كمال الأولى ، فما لا تتم الأولى لا يقع في الثانية ، وتوهمه الغسل عن الثانية لا يمنع الوقوع عن الأولى كما لو ترك سجدة من الركعة الأولى وسجد في الثانية فإنه يتم بها الأولى وإن كان يتوهم خلاف ذلك ، وأما التجديد فطهارة مستقلة مفردة بنية لن توجه إلى رفع الحدث أصلا . هذا كله إذا غسل اللمعة معتقدا بها التنفل بالثانية أو الثالثة في الوضوء أو الغسل ، فأما لو نسي اللمعة في وضوئه أو غسله ثم نسي أنه توضأ أو اغتسل فأعاد الوضوء بنية رفع الحدث والغسل بنية رفع الجنابة فانغسلت تلك اللمعة ثم تذكر الحال فإنه يسقط عنه الفرض ويرتفع حدثه وجنابته بلا خلاف ، لأن الفرض باق في اللمعة وقد نوى الفرض في الطهارة الثانية ، وممن صرح بهذا مع ظهوره جماعات منهم : ابن الحداد في فروعه والقاضي أبو الطيب في شرح الفروع والفوراني والبغوي والمتولي والروياني وآخرون ونقل الفوراني الاتفاق عليه والله أعلم . المسألة السادسة : نية الصبي المميز صحيحة وطهارته كاملة فلو تطهر ثم بلغ على تلك الطهارة جاز أن يصلي بها وكذا لو أولج ذكره في فرج أو لاط به إنسان واغتسل الصبي ثم بلغ لا يلزمه إعادة الغسل بل وقع غسله صحيحا مجزيا ، والصبية إذا جومعت كالصبي فلو لم يغتسلا حتى بلغا لزمهما الغسل بلا خلاف ، وحكى المتولي عن المزني أنه ذكر في المنثور أن طهارة الصبي ناقصة فيلزمه الإعادة إذا بلغ وهذا غريب ضعيف جدا والصحيح المشهور ما قدمته وصرح صاحب الحاوي : بأنه يجزيه طهارته في الصبا ويصلي بها بعد البلوغ بلا خلاف في مذهب الشافعي . وأما إذا تيمم ثم بلغ فقطع الماوردي بأنه يصلي به النفل ولا يصلي به الفرض وقال صاحب العدة والبغوي : لا يبطل تيممه على أصح الوجهين فيصلي به الفرض والنفل لأنه لو صلى بذلك التيمم صلاة الوقت ثم بلغ والوقت باق أجزأته ، ذكره البغوي في باب الغسل ، وقال الروياني في باب التيمم قال أصحابنا العراقيون لا يصلي به الفرض وقال القفال : فيه وجهان والله أعلم . السابعة : هل يشترط الإضافة إلى الله تعالى في نية الوضوء وسائر العبادات فيه وجهان حكاهما إمام الحرمين والغزالي ومن تابعهما أصحهما لا يشترط ، لأن عبادة المسلم لا تكون إلا لله تعالى ، ومقتضى كلام الجمهور القطع بأنها لا تشترط والله أعلم . الثامنة : هل تجب النية على غاسل الميت وتشترط في صحة غسله فيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف وأكثر الأصحاب في كتاب الجنائز وذكرهما جماعة هنا واختلف في الأصح منهما وسنوضحه في الجنائز إن شاء الله تعالى . التاسعة : إذا كان على عضو من أعضاء المتوضىء أو المغتسل نجاسة حكمية فغسله مرة واحدة بنية رفع الحدث وإزالة النجاسة أو بنية رفع الحدث وحده حكم بطهارته عن النجاسة بلا حلاف . وهل يطهر عن الحدث والجنابة فيه وجهان حكاهما الماوردي والشاشي والروياني وغيرهم أصحهما : يطهر .

قسم V01/P394–V01/P396

وبه قطع القاضي أبو الطيب والشيخ نصر المقدسي في كتابه الانتخاب وابن الصباغ ، لأن مقتضى الطهارتين واحد فكفاها غسلة واحدة كما لو كان عليها غسل جنابة وحيض . والثاني : لا يطهر وبه قطع القاضي حسين وصاحباه المتولي والبغوي وصححه الشاشي في كتابه المعتمد والرافعي ، والمختار الأول ، وذكر القاضي أبو الطيب والقاضي حسين والبغوي والشيخ نصر هذه المسألة في هذا الباب وذكرها صاحب الشامل في باب الاجتهاد في الأواني والمتولي في المياه والماوردي والشاشي والروياني في باب الغسل ، ولو كان على يده عجين أو طين ونحوهما فغسلهما بنية رفع الحدث لا يجزيه ، وإذا جرى الماء إلى موضع آخر لا يحسب عن الطهارة لأنه مستعمل ، ذكره القاضي حسين والله أعلم . العاشرة : إذا نوى رفع حدث البول ولم يكن حدثه البول بل النوم مثلا فإن كان غالطا بأن ظن حدثه البول صح وضوؤه بلا خلاف . وقد أشار المزني رحمه الله إلى نقل الإجماع على هذا فإنه قال في باب التيمم من مختصره : ولا نعلم أحدا منع صحة وضوء هذا الغالط . وذكر إمام الحرمين هنا في باب النية أن المزني نقل الإجماع على ذلك ، قال الإمام : وفيه عندي أدنى نظر ، وإن كان معتمدا عالما بأن حدثه النوم فنوى البول أو غيره فوجهان أحدهما : يصح ويلغى تعيينه الحدث وأصحهما لا يصح لأنه متلاعب نوى ما ليس عليه وترك ما هو عليه مع علمه ، بخلاف الغالط فإنه يعتقد أن نيته رافعة لحدثه مبيحة للصلاة وكأنه نوى استباحة الصلاة . فرع : في وقوع الغلط في النية أذكر فيه إن شاء الله تعالى جملة مختصرة وهي مقررة بأدلتها في مواضعها ، والمقصود جمعها في موضع ، وهذا أليق المواضع بها . قال أصحابنا : إذا غلط في نية الوضوء فنوى رفع حدث النوم وكان حدثه غيره صح بالاتفاق ، وإن تعمد لم يصح على الأصح كما أوضحناه ، وكذا حكم الجنب ينوي رفع جنابة الجماع وجنابته باحتلام وعكسه ، والمرأة تنوي الجنابة وحدثها الحيض وعكسه فحكمه ما سبق . ولو نوى المتيمم استباحة الصلاة بسبب الحدث الأصغر وكان جنبا أو الجنابة فكان محدثا صح بالاتفاق إذا كان غالطا ، وسلم إمام الحرمين أن احتماله السابق لا يجيء هنا ، قال أصحابنا : ولو غلط في الصلاة والصوم فنوى غير الذي عليه لم يجزه إلا إذا نوى قضاء اليوم الأول من رمضان مثلا وكان عليه الثاني ففي أجزائه وجهان مشهوران ، وقد ذكرهما المصنف في آخر كتاب الصيام لكنه ذكرهما احتمالين وهما وجهان للأصحاب ولو نوى ليلة الثلاثاء صوم الغد وهو يعتقده يوم الاثنين أو نوى رمضان السنة التي هو فيها وهو يعتقدها سنة أربع فكانت سنة ثلاث صح صومه بلا خلاف لتعيينه الوقت بخلاف ما لو نوى صوم الاثنين ليلة الثلاثاء ولم ينو الغد أو نوى رمضان سنة ثلاث في سنة أربع فإنه لا يصح لعدم التعيين . ولو نوى في الصلاة قضاء ظهر يوم الاثنين عليه ظهر الثلاثاء لم يجزه صرح به البغوي ولو كان يؤدي الظهر في وقتها معتقدا أنه يوم الاثنين فكان الثلاثاء صح ظهره صرح به البغوي . ولو غلط في الأذان وظن أنه يؤذن للظهر وكانت العصر فلا أعلم فيه نقلا وينبغي أن يصح ، لأن المقصود الإعلام ممن هو من أهله وقد حصل به ولو غلط في عدد الركعات فنوى الظهر ثلاث ركعات أو خمسا قال أصحابنا : لا يصح ظهره ، ولو صلى في الغيم بنية الأداء ظانا أن الوقت باق ، أو الأسير صام بالاجتهاد ونوى رمضان فبان بعد خروج الوقت أجزأهما ، نص عليه الشافعي والأصحاب .

قسم V01/P396–V01/P397

ولو عين الإمام من يصلي خلفه فنوى الصلاة بزيد فكان الذي خلفه عمرا صحت صلاتهما ، ولو نوى المأموم الصلاة خلف زيد فكان عمرا أو نوى الصلاة على الميت زيد فكان عمرا أو على امرأة فكان رجلا أو عكسه لم تصح صلاته ، ولو قال : خلف هذا زيد أو على هذا الميت زيد فكان عمرا ففي صحة الصلاة وجهان ، ومثله في البيع لو قال : بعتك هذا الفرس فكان بغلا أو عكسه ففي صحته وجهان الأصح في مسألة الصلاة الصحة تغليبا للإشارة ، وفي مسألة البيع البطلان تغليبا للعبارة لاختلاف غرض المالية ، ومثله في النكاح لو قال : زوجتك هذه العربية فكانت عجمية أو عكسه أو هذه العجوز فكانت شابة أو عكسه أو البيضاء فكانت سوداء أو عكسه ، وكذا المخالفة في جميع وجوه النسب والصفات بالعلو والنزول ، ففي صحة النكاح قولان مشهوران الأصح الصحة . ولو أخرج دراهم بنية زكاة ماله الغائب فكان تالفا لا يجزيه عن الحاضر ، ولو أطلق نية الزكاة أجزأه عن الحاضر ومثله في الكفارة . ولو نوى كفارة الظهار فكان عليه كفارة قتل لم يجزئه ، ولو نوى الكفارة مطلقا أجزأه . فهذه أمثلة يستضاء بها لنظائرها وستأتي مع غيرها في مظانها إن شاء الله تعالى والله أعلم . المسألة الحادية عشرة : إذا نوى قطع الطهارة بعد الفراغ منها فالمذهب الصحيح المشهور أنها لا تبطل كما لو نوى قطع الصلاة بعد السلام منها فإنها لا تبطل بالإجماع . وممن جزم بهذا ابن الصباغ والجرجاني في التحرير والروياني وغيرهم ، وفيه وجه حكاه في البيان عن الصيدلاني أن طهارته تبطل لأن حكمها باق بدليل أنه يصلي بها ، وإن نوى قطع الطهارة في أثنائها فوجهان مشهوران حكاهما صاحبا الشامل والبحر وآخرون أحدهما : تبطل كما لو قطع الصلاة في أثنائها وأصحهما : لا يبطل ما مضى وبه قطع الفوراني والجرجاني كما لو عزبت نيته ونوى التبرد في أثناء طهارته ، فإن النية تقطع ولا يبطل ما مضى بخلاف الصلاة فإنها متى انقطعت نيتها بطلت كلها ، فعلى هذا إذا أراد تمام الطهارة وجب تجديد النية بلا خلاف ، صرح به الفوراني والروياني وصاحب البيان وآخرون ، فإن لم يتطاول الفصل بنى ويجيء فيه الوجه السابق في تفريق النية ، وإن طال فعلى قولي تفريق الوضوء . أما إذا قطع نية الحج ونوى الخروج منه في أثنائه فلا ينقطع ، ولا يخرج بلا خلاف . ولو نوى في أثناء الصلاة الخروج منها بطلت قطعا ، ولو نوى في أثناء الصوم والاعتكاف الخروج منهما ففي بطلانها وجهان وسنوضح كل ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى والله أعلم . فرع : في مسائل غريبة ذكرها الروياني في البحر . قال : لو نوى أن يصلي بوضوئه صلاة لا يدركها به بأن نوى بوضوئه في رجب صلاة العيد قال : قال والدي : قياس المذهب صحة وضوئه ويصلي به كل الصلوات لأنه نوى ما لا يباح إلا بوضوء قال : قال جدي : ولو أجنبت بنت تسع سنين فنوت بغسلها رفع حدث الحيض صح على أصح الوجهين ، وهذا الذي حكاه محمول على ما إذا غلطت فإن نوت متعمدة فالصحيح أنه لا يصح لو كانت ممن حاضت فهذه أولى . وذكر الروياني في آخر باب التحري في الأواني قال : لو أمر غيره بصب الماء عليه في وضوئه وغسله فصب البعض ونوى المتطهر ، ثم صب الباقي في حال كره المتطهر فيها الصب لبرودة الماء أو غيره ، إلا أنه لم يأمره ولم ينهه فينبغي أن تصح الطهارة ، ولو نوى الطهارة وغسل البعض ثم صب عليه غيره بغير إذنه وهو فاعل لا يعلم به ونية الطهارة عازبة عنه لم يصح ، لأن النية تناولت فعله لا فعل غيره .

قسم V01/P397–V01/P398

قلت : في هذا نظر ، قال : ولو أمر بصب الماء عليه في كل وضوئه ثم نسي الأمر به فصبه عليه بعد ما غسل بعض أعضائه بنفسه صح ولا يضره النسيان ، ولو نام قاعدا في أثناء وضوئه ثم انتبه في مدة يسيرة ففي وجوب تجديد النية وجهان كما لو فرق تفريقا كثيرا ، ولو نوى بوضوئه قراءة القرآن إن كانت كافية فإن لم تكن كافية فالصلاة وقلنا : لا تكفي نية القراءة فيحتمل أن يصح ، كما لو نوى زكاة ماله الغائب إن كان باقيا ، وإلا فعن الحاضر فيجزيه إذا كان باقيا . ولو نوى بوضوئه الصلاة في مكان نجس ينبغي أن لا يصح ، ولو نوى نية صحيحة وغسل بعض أعضائه ثم بطل الوضوء في أثنائه بحدث أو غيره هل له ثواب المفعول منه يحتمل أن يكون له ثوابه كالصلاة إذا بطلت في أثنائها ، ويحتمل أن يقال : إن بطل بغير اختياره فله ثوابه وإلا فلا ، ومن أصحابنا من قال : لا ثواب له بحال لأنه يراد لغيره بخلاف الصلاة ، والله أعلم بالصواب ، وله الحمد والنعمة وبه التوفيق والعصمة ، والحمد لله رب العالمين . & باب صفة الوضوء &

قسم V01/P398–V01/P401

قال المصنف رحمه الله تعالى : المستحب أن لا يستعين في وضوئه بغيره لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أنا لا نستعين على الوضوء بأحد فإن استعان بغيره جاز لما روي أن أسامة والمغيرة والربيع بنت معوذ بن عفراء رضي الله عنهم صبوا على النبي صلى الله عليه وسلم الماء فتوضأ . وإن أمر غيره حتى وضأه ونوى هو أجزأه ، لأن فعله غير مستحق في الطهارة ، ألا ترى أنه لو وقف تحت ميزاب فجرى الماء عليه ونوى الطهارة أجزأه . + الشرح : هذه القطعة تتضمن مسائل إحداها : في بيان الأحاديث ، أما حديث أسامة رضي الله عنه فرواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عنه : أنه صب على النبي صلى الله عليه وسلم في وضوئه في حجة الوداع بعد دفعه من عرفة بينها وبين المزدلفة وأما حديث المغيرة : فصب عليه صلى الله عليه وسلم في وضوئه ذات ليلة في غزوة تبوك رواه البخاري ومسلم . وأما حديث الربيع بنت معوذ فرواه ابن ماجه بإسناده عنها قالت : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بميضأة فقال : اسكبي فسكبت فغسل وجهه وذراعه وأخذ ماءا جديدا فمسح به رأسه وغسل رجليه ثلاثا ثلاثا في إسناده عبد الله بن محمد بن عقيل واختلفوا في الاحتجاج به واحتج به الأكثرون وحسن الترمذي أحاديث من روايته فحديثه هذا حسن ، وعن حذيفة بن أبي حذيفة عن صفوان بن عسال رضي الله عنه قال : صببت على النبي صلى الله عليه وسلم في الحضر والسفر في الوضوء رواه البخاري في تاريخه في ترجمة حذيفة وأشار إلى تضعيفه ولم يذكر حذيفة سماعا ، وأما حديث : إنا لا نستعين على الوضوء بأحد فباطل لا أصل له ، ويغني عنه الأحاديث الصحيحة المشهورة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بغير استعانة والله أعلم . المسألة الثانية : في الأسماء : أما أسامة فهو أبو محمد ويقال : أبو زيد ويقال : أبو حارثة ويقال : أبو يزيد أسامة بن يزيد بن حارثة بن شراحيل مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن مولاه وحبه وابن حبه ، أمه أم أيمن واسمها بركة حاضنة رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي بالمدينة وقيل : بوادي القرى سنة أربع وخمسين وقيل : سنة أربعين وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم هو ابن عشرين سنة ، وقيل : تسع عشرة وقيل : ثمان عشرة . وأما المغيرة فهو أبو عيسى ويقال : أبو عبد الله ، ويقال : أبو محمد المغيرة بن شعبة ، أسلم عام الخندق ، توفي واليا على الكوفة في الطاعون سنة خمسين ، وقيل : سنة إحدى وخمسين ، وهو المغيرة بضم الميم وكسرها حكاهما ابن السكيت وغيره ، الضم أشهر . وأما الربيع فبضم الراء وفتح الباء الموحدة وكسر الياء ومعوذ بضم الميم وفتح العين وكسر الواو المشددة ، وعفراء بفتح العين المهملة وإسكان الفاء وبالمد ، وهي الربيع بنت معوذ بن الحارث الأنصارية من المبايعات تحت الشجرة بيعة الرضوان . الثالثة : قوله : تحت الميزاب هو بميم مكسورة ثم همزة وجمعه مآزيب ويجوز أن يقال : ميزاب بياء ساكنة بدل الهمزة كما عرف في نظائره ، وأنكر ابن السكيت ترك الهمز ، ولعله أراد الإنكار على من يقول أصله الياء ، فأما إنكار النطق بالياء فغلط لا شك فيه ، وهذه قاعدة معروفة لأهل التصريف . قال ابن السكيت : ولا تقل مزراب بعني بزاي ثم راء وأما مرزاب بتقديم الراء فهي لغة ذكرها ابن فارس وغيره ، قال الجوهري وليست بالفصيحة .

قسم V01/P401–V01/P402

الرابعة : في الأحكام : فإن استعان بغيره في إحضار الماء لوضوئه فلا بأس به ولا يقال : إنه خلاف الأولى ، لأنه ثبت ذلك في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم في مواطن كثيرة ، وإن استعان بغيره فغسل له أعضاءه صح وضوؤه لكنه يكره إلا لعذر ، وإن استعان به في صب الماء عليه فإن كان لعذر فلا بأس وإلا فوجهان حكاهما المتولي وغيره أحدهما : يكره والثاني : لا يكره لكنه خلاف الأولى وهذا أصح ، وبه قطع البغوي وغيره وهو مقتضى كلام المصنف والأكثرين . قال أصحابنا : إذا استعان استحب أن يقف الصاب على يسار المتوضىء ونص على استحبابه الشافعي ، لأنه أمكن وأعون وأحسن في الأدب ، قالوا : وإذا توضأ من إناء ولم يصب عليه فإن كان يغترف منه استحب أن يجعله عن يمينه ، وإن كان يصب منه كالإبريق جعله عن يساره وأخذ الماء منه في يمينه ، واستثنى أبو الفرج السرخسي في الأمالي صورة فقال : إذا فرع من غسل وجهه ويمينه حول الإناء إلى يمينه وصب على يساره حتى يفرغ من وضوئه قال : لأن السنة في غسل اليد أن يصب الماء على كفه فيغسلها ثم يغسل ساعده وذراعه ثم مرفقه ولم يذكر الجمهور هذا التحويل وما بعده . فرع : قد ذكرنا أنه إذا وضأه غيره صح ، وسواء كان الموضىء ممن يصح وضوؤه أم لا ، كمجنون وحائض وكافر وغيرهم ، لأن الاعتماد على نية المتوضىء لا على فعل الموضىء كمسألة الميزاب ، ولا نعلم في هذه المسألة خلافا لأحد من العلماء إلا ما حكاه صاحب الشامل عن داود الظاهري أنه قال : لا يصح وضوؤه إذا وضأه غيره ورد عليه بأن الإجماع منعقد على أن من وقع في ماء أو وقف تحت ميزاب ونوى صح وضوؤه وغسله . فرع : قال الغزالي في البسيط : لو ألقي إنسان في ماء مكرها فقال الشيخ أبو علي : أطلق الأصحاب صحة وضوئه إذا نوى رفع الحدث قال : ولكن لا بد فيه من تفصيل فإذا نوى رفع الحدث وهو يريد المقام فيه ولو لحظة صح ، لأنه فعل يتصور قصده وإن كان قد كره المقام تحقق الاضطرار من كل وجه لم يصح وضوؤه إذ لا تتحقق النية ، قال : ويمكن أن يقال : الفعل الواحد قد يكون مرادا من وجه مكروها من وجه فارتبطت النية به والله أعلم .

قسم V01/P402–V01/P406

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويستحب أن يسمي الله تعالى على الوضوء لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من توضأ وذكر اسم الله تعالى عليه كان طهورا لجميع بدنه فإن نسي التسمية في أولها وذكرها في أثنائها أتى بها حتى لا يخلو الوضوء من اسم الله عز وجل ، وإن تركها عمدا أجزأه لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من توضأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهورا لما مر عليه الماء . + الشرح : هذا الحديث الذي ذكره عن أبي هريرة رضي الله عنه هو حديث واحد فرقه فرقتين ، ولهذا قال في الثاني : ومن توضأ بواو العطف وهو حديث ضعيف عند أئمة الحديث ، وقد بين البيهقي وجوه ضعفه ، وصح عن أحمد بن حنبل فيما نقله الترمذي وغيره أنه قال : لا أعلم في التسمية حديثا ثابتا ، والحديث في الكتاب رواه الدارقطني والبيهقي وغيرهما ، وروى أبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه وكذا رواه الترمذي من رواية سعيد بن زيد ورواه ابن ماجه من رواية سعيد بن زيد وأبي سعيد الخدري . قال الترمذي : وفي الباب عن عائشة وأبي هريرة وأبي سعيد وسهل بن سعد وأنس ، وأسانيد هذه الأحاديث كلها ضعيفة ، وذكر البيهقي هذه الأحاديث ثم قال : أصح ما في التسمية حديث أنس : أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع يده في الإناء الذي فيه الماء ثم قال : توضئوا باسم الله قال : فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه والقوم يتوضأون حتى توضئوا من عند آخرهم وكانوا نحو سبعين رجلا وإسناده جيد ، واحتج به البيهقي في كتابه معرفة السنن والآثار ، وضعف الأحاديث الباقية . وأما قول الحاكم أبي عبد الله في المستدرك على الصحيحين في حديث أبي هريرة : أنه حديث صحيح الإسناد ، فليس بصحيح لأنه انقلب عليه إسناده واشتبه ، كذا قاله الحفاظ ويمكن أن يحتج في المسألة بحديث : كل أمر ذي باب لا يبدأ فيه بالحمد لله أو بذكر الله وقد سبق إيضاحه وبيان طرقه في أول الكتاب والله أعلم . ومعنى : كان طهورا لجميع بدنه أو لما مر عليه الماء أي مطهرا من الذنوب الصغائر . وأما حكم المسألة : فالتسمية مستحبة في الوضوء وجميع العبادات وغيرها من الأفعال حتى عند الجماع كذا صرح به القاضي أبو الطيب وصاحبه ابن الصباغ والشيخ نصر وآخرون قال الشيخ نصر : وكذا عند الخروج من بيته ، عقد البخاري في ذلك بابا في صحيحه فقال : باب التسمية على كل حال وعند الوقاع . واحتج بحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال : باسم الله جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فقضي بينهما ولد لم يضره الشيطان رواه البخاري ومسلم . واعلم أن أكمل التسمية أن يقول : بسم الله الرحمن الرحيم ، فإن قال باسم الله فقد حصل فضيلة التسمية بلا خلاف ، صرح به الماوردي في كتابيه الحاوي والإقناع ، وإمام الحرمين وابن الصباغ والشيخ نصر في كتابه الانتخاب ، والغزالي في الوجيز ، والمتولي والروياني والرافعي وغيرهم والله أعلم . وأما قول المنصف فإن نسي التسمية في أولها وذكر في أثنائها أتى بها فهكذا نص عليه الشافعي في الأم وبوب لها بابا قال فيه : فإن سها عنها سمى متى ذكر إن ذكر قبل أن يكمل الوضوء ونقله أبو حامد والماوردي وأبو علي البندنيجي وغيرهم عن نصه في القديم أيضا .

قسم V01/P406–V01/P407

وقول المصنف : وذكر في أثنائها إشارة إلى ما صرح به الأصحاب أنه لو لم يسم حتى فرغ من الطهارة لم يسم لفوات محلها ، ممن صرح به القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والمتولي والروياني وغيرهم ونص عليه الشافعي كما سبق . وأما قوله : فإن نسي التسمية أتى بها فهو موافق لنص الشافعي كما سبق ، وكذا عبارة كثيرين وهو يوهم أنه لو ترك التسمية عمدا لم يأت بها في الأثناء ، وليس الحكم كذلك بل من تركها عمدا استحب أن يأتي بها في أثنائها كالناسي ، كذا صرح به المحاملي في المجموع والجرجاني في التحرير وغيرهما ويستحب إذا سمى في أثناء الطهارة أن يقول : باسم الله على أوله وآخره ، كما يستحب ذلك في الطعام للحديث الصحيح فيه والله أعلم . وأما قوله : وذكر في أثنائها فالضمير فيه يعود إلى الطهارة ، والأثناء تضاعيف الشيء وخلاله ، واحدها ثني بكسر الثاء وإسكان النون ذكره الجوهري وغيره . فرع : المذهب الصحيح الذي قطع به المصنف والأكثرون أن التسمية سنة من سنن الوضوء ، وذكر الخراسانيون في التسمية وغسل الكفين والسواك وجهين ، أحدهما : أنها كلها من سنن الوضوء والثاني : أنها سنن مستقلة عند الوضوء لا من سننه ، لأنها ليست مختصة به ، قال إمام الحرمين : هذا وهم عندي فإن هذه السنن من الوضوء ولا يمتنع أن يشرع الشيء في مواضع ، وليس شرط كون الشيء من الشيء أن يكون من خصائصه ، فإن السجود ركن في الصلاة ومشروع في غيرها لتلاوة وشكر ومن قال : غير هذا فهو غالط . وقال الشيخ أبو حامد : التسمية وغسل الكفين هيئة وليس بسنة ، إنما السنة ما كان من وظائف الوضوء الراتبة معها ، قال الماوردي : هذه مخالفة في العبارة والمعنى واحد . فرع : قال الشيخ نصر المقدسي في آخر صفة الوضوء من كتابيه التهذيب والانتخاب : يستحب أن يقول في أول وضوئه بعد التسمية : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبد ورسوله وهذا الذي ذكره غريب لا نعلمه لغيره ولا أصل له وإن كان لا بأس به . فرع : قد ذكرنا أن التسمية سنة وليست بواجبة ، فلو تركها عمدا صح وضوؤه ، هذا مذهبنا وبه قال مالك وأبو حنيفة وجمهور العلماء ، وهو أظهر الروايتين عن أحمد ، وعنه رواية أنها واجبة ، وحكى الترمذي وأصحابنا عن إسحاق بن راهويه أنها واجبة إن تركها عمدا بطلت طهارته وإن تركها سهوا أو معتقدا أنها غير واجبة لم تبطل طهارته ، وقال المحاملي وغيره : وقال أهل الظاهر : هي واجبة بكل حال وعن أبي حنيفة رواية أنها ليست بمستحبة ، وعن مالك رواية أنها بدعة ورواية أنها مباحة لا فضيلة في فعلها ولا تركها . واحتج من أوجبها بحديث : لا وضوء لمن يسم الله لأنها عبادة يبطلها الحدث فوجب في أولها نطق كالصلاة . واحتج أصحابنا عليهم بقوله تعالى : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم المائدة : 6 وقوله صلى الله عليه وسلم : توضأ كما أمرك الله وأشباه ذلك من النصوص الواردة في بيان الوضوء وليس فيها إيجاب للتسمية . واحتجوا أيضا بالحديث المذكور في الكتاب وهو ضعيف كما سبق ، ولأنها عبادة لا يجب في آخرها ذكر فلا يجب في أولها كالطواف ، وفيه احتراز من الصلاة وكذا سجود التلاوة إذا قلنا بالأصح : أنه يشترط السلام فيه . والجواب عن الحديث من أوجه أحسنها أنه ضعيف كما سبق والثاني : المراد لا وضوء كامل والثالث : جواب ربيعة شيخ مالك والدارمي والقاضي حسين وجماعة آخرين حكاه عنهم الخطابي : المراد بالذكر النية . والجواب عن قياسهم من وجهين أحدهما أنه منتقض بالطواف والثاني : نقلبه عليهم فنقول : عبادة يبطلها الحدث فلم تجب التسمية في أولها كالصلاة والله أعلم .