Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

قسم V05/P187–V05/P189

أما الأحكام : فقراءة الفاتحة فرض في صلاة الجنازة بلا خلاف عندنا والأفضل أن يقرأها بعد التكبيرة الأولى ، فإن قرأها بعد تكبيرة أخرى غير الأولى جاز ، صرح به جماعة من أصحابنا ، ونقله القاضي أبو الطيب والروياني عنهم ، قال القاضي أبو الطيب في كتابه المجرد ، والروياني وغيرهما : قال الشافعي في الأم : وأحب إذا كبر على الجنازة أن يقرأ بأم القرآن بعد التكبيرة الأولى ، وروى المزني في الجامع قال : وأحب أن يقرأ بأم القرآن بعد التكبيرات الأولى ، قال القاضي أبو الطيب : وهذا يدل على أن قراءة أم القرآن مستحبة إلا أن أصحابنا قالوا : هي واجبة لا تصح صلاة إلا بها ، قال : فيجب على هذا أن يكون معنى قول الشافعي : وأحب أن يكون في الأولى ، وأما أصل قراءتها فواجبة ، فرجع الاستحباب إلى موضعها ، هذا كلام القاضي أبي الطيب وموافقيه ، وقد نص الشافعي في الأم على المسألة في موضعين ، قال في الأولى منهما في أوائل كتاب الجنائز كما نقله القاضي وغيره عنه ، وقال في آخر كتاب الجنائز : ويقرأ فاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى ، وقال في مختصر المزني : يكبر ويقرأ فاتحة الكتاب ، ثم يكبر الثانية فهذا النص مع النص الثاني في الأم محتملان لاشتراطها في الأولى ومحتملان أن الأفضل كونها في الأولى لكن يتعين أن المراد أن الأفضل كونها في الأولى للجمع بينه وبين نصه الأول في الأم كما قاله القاضي وموافقوه . واعلم أن عبارة لمصنف هنا وفي التنبيه ، وعبارة أكثر الأصحاب أن يقرأ الفاتحة عقب التكبيرة الأولى ، وظاهره اشتراط كونها في الأولى ، لكن مجمل ما ذكره القاضي وموافقوه أن أصل الفاتحة واجب ، وكونها في الأولى أفضل ، وتجوز في الثانية مع إخلاء الأولى منها وقد يفهم هذا من قول المصنف في التنبيه والواجب من ذلك النية والتكبيرات وقراءة الفاتحة ، ولم يقل وقراءتها في الأولى ولو كان يرى شرطا لقاله والله أعلم . واتفق الأصحاب على استحباب التأمين عقب الفاتحة هنا كما في سائر الصلوات وممن نقل الاتفاق عليه القاضي أبو الطيب في تعليقه . وفي قراءة السورة وجهان ذكر المصنف دليلهما ، وذكرهما مع المصنف جماعات من العراقيين والخراسانيين واتفقوا على أن الأصح أنه لا يستحب ، وبه قطع جمهور المصنفين ، ونقل إمام الحرمين إجماع العلماء عليه ، ونقله القاضي أبو الطيب في المجرد وآخرون من أصحابنا عن الأصحاب مطلقا والثاني : يستحب سورة قصيرة ، ويستدل له سوى ما ذكره المصنف بما رواه أبو يعلى الموصلي في كتابه نحو كراسة من مسند ابن عباس عن طلحة بن عبد الله بن عون قال : صليت خلف ابن عباس على جنازة فقرأ فاتحة الكتاب وسورة فجهر فيها حتى سمعنا ، فلما انصرف أخذت بثوبه فسألته عن ذلك فقال : سنة وحق إسناده صحيح والله أعلم . وأما : دعاء الاستفتاح ففيه الوجهان المذكوران في الكتاب ، وذكرهما طائفة يسيرة مع المصنف واتفقوا على أن الأصح أنه لا يأتي به ومعناه أن المستحب تركه وبهذا قطع جمهور المصنفين ، وهو المنقول عن متقدمي الأصحاب كما قاله المصنف وغيره وأما : التعوذ ففيه وجهان مشهوران أصحهما : عند المصنف وأكثر العراقيين أنه لا يستحب وأصحهما : عند الخراسانيين وجماعات من العراقيين استحبابه ، وقطع به من العراقيين صاحب الحاوي ، وصححه إمام الحرمين والغزالي والبغوي والرافعي وآخرون من الخراسانيين ، وقطع به الروياني في الحلية وهو الصحيح لقول الله عز وجل : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم وبالقياس على غيرها مع أنه مختصر لا تطويل فيه فهو يشبه التأمين .

قسم V05/P189

وأما : الجهر والإسرار فاتفق الأصحاب على أنه يسر بغير القراءة من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء واتفقوا على أنه يجهر بالتكبيرات والسلام ، واتفقوا أيضا على أنه يسر بالقراءة نهارا ، وفي الليل وجهان ذكر المصنف دليلهما أصحهما : عند جمهور الأصحاب وبه قطع جماعات منهم أنه يسر أيضا كالدعاء . والثاني : يستحب الجهر ، قاله الداركي ، وصرح به صاحبه الشيخ أبو حامد الاسفراييني وصاحباه المحاملي وسليم الرازي في الكفاية والبندنيجي ونصر المقدسي في كتابيه التهذيب والكافي ، والصيدلاني ، وصححه القاضي حسين واستحسنه السرخسي ، والمذهب الأول ، ولا يغتر بكثرة القائلين بالجهر فهم قليلون جدا بالنسبة إلى الآخرين ، وظاهر نص الشافعي في المختصر الإسرار ، لأنه قال : ويخفي القراءة والدعاء ، ويجهر بالتسليم ، هذا نصه ، ولم يفرق بين الليل والنهار ، ولو كانا يفترقان لذكره ، ويحتج له من السنة بحديث أبي أمامة بن سهل الذي ذكرناه والله أعلم .

قسم V05/P189–V05/P190

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في التكبيرة الثانية ، لما ذكرناه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وهو فرض من فروضها لأنها صلاة فوجب فيها الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم كسائر الصلوات . + الشرح : قال المصنف وجماهير الأصحاب : الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فرض فيها ، ولا تصح إلا به ، وشرطها أن تكون عقب التكبيرة الثانية ، صرح به السرخسي في الأمالي ، وهذا الذي ذكرناه من كون الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم واجبة فيها هو المشهور الذي قطع به الأصحاب في جميع طرقهم ، إلا السرخسي ، فإنه نقل في الأمالي عن المروزي من أصحابنا أنها سنة فيها ، والصواب الأول . قال أصحابنا رحمهم الله أقلها : اللهم صل على محمد . ولا تجب على الآل على المذهب وبه قطع الجمهور وفيه وجه أنها تجب ، حكاه الغزالي وغيره ، ونقل المزني في المختصر عن الشافعي أنه يكبر الثانية ، ثم يحمد الله ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو للمؤمنين والمؤمنات ، هذا نصه : فأما : الدعاء للمؤمنين فاتفق الأصحاب على استحبابه إلا ما انفرد به إمام الحرمين من حكاية تردد في استحبابه ، ولم يقل أحد بإيجابه ، وأما الحمد لله فاتفقوا على أنه لا يجب ، وفي استحبابه ثلاث طرق أحدها : وبه قطع الجمهور لا يستحب قالوا : لأنه ليس موضعه والثاني : يستحب وهو ظاهر النص . وبه قطع القاضي حسين والفوراني والبغوي والمتولي وغيرهم والثالث : فيه وجهان . أحدهما : يستحب والثاني : لا يستحب ، وممن حكى هذا الطريق الماوردي والروياني والشاشي وآخرون ، ومن قال بالطريق الأول أنكروا نقل المزني ، وقالوا : هذا التحميد في هذا الموضع لا يعرف للشافعي بل غلط المزني في نقله . قال إمام الحرمين : اتفق أئمتنا على أن ما نقل المزني هنا غير سديد ، ومن قال بالاستحباب ، قالوا لم ينقلها المزني عن الشافعي من كتاب بل سمعها منه سماعا ولا يضر كونه لا يوجد في كتب الشافعي ، قال المزني ثقة ، ورواية الثقة مقبولة فهذه طرق الأصحاب . والأصح : استحباب التحميد كما نقله المزني ، قال الأصحاب : فإذا قلنا بالاستحباب بدأ بالتحميد ، ثم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ثم الدعاء للمؤمنين والمؤمنات ، فإن قدم بعضها على بعض جاز وكان تاركا للأفضل والله أعلم . فرع : استدل المصنف بحديث ابن عباس وسبق بيانه ، وإن ذكر الصلاة فيه غريب ، وروى الشافعي في الأم عن مطرف بن مازن عن معمر عن الزهري حديث فيه التصريح بالصلاة ، لكنه أيضا ضعيف ، قال ابن أبي خاتم قال ابن معين رحمه الله عليه : مطرف بن مازن كذاب .

قسم V05/P190–V05/P192

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويدعو للميت في التكبيرة الثالثة ، لما روى أبو قتادة قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة فسمعته يقول : اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا ، وصغيرنا وكبيرنا ، وذكرنا وأنثانا وفي بعضها : اللهم من أحييته منا فأحييه على الإسلام ، ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام والإيمان وهو فرض من فروضها ، لأن القصد من هذه الصلاة الدعاء للميت ، فلا يجوز الإخلال بالمقصود ، وأدنى الدعاء ما يقع عليه الاسم ، والسنة أن يقول ما رواه أبو قتادة وذكره الشافعي رحمه الله قال : يقول : اللهم هذا عبدك وابن عبديك خرج من روح الدنيا وسعتها ومحبوبها وأحباؤه فيها إلى ظلمة القبر وما هو لاقيه ، كان يشهد إن لا إله إلا أنت ، وأن محمدا عبدك ورسولك ، وأنت أعلم به ، اللهم نزل بك وأنت خير منزول به وأصبح فقيرا إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه ، وقد جئناك راغبين إليك شفعاء له ، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه ، وإن كان مسيئا فتجاوز عنه ، ولقه برحمتك الأمن من عذابك ، حتى تبعثه إلى جنتك يا أرحم الراحمين وبأي شيء دعا جاز لأنه قد نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدعية مختلفة فدل على أن الجميع جائز . + الشرح : اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على أن الدعاء فرض في صلاة الجنازة وركن من أركانها وأقله ما يقع عليه اسم الدعاء ، وهل يشترط تخصيص الميت بالدعاء فيه وجهان حكاهما إمام الحرمين وآخرون . أحدهما : لا يشترط بل يكفي الدعاء للمؤمنين والمؤمنات ويدخل فيه الميت ضمنا ، حكاه إمام الحرمين عن والده الشيخ أبي محمد الجويني . والثاني : وهو الصحيح ، وبه قطع المصنف والجمهور ، ونقله إمام الحرمين عن ظاهر كلام الأئمة أنه يجب تخصيص الميت بالدعاء ، ولا يكفي الدعاء للمؤمنين والمؤمنات ، فيقول : اللهم اغفر له ، اللهم ارحمه ، ونحو ذلك ، واستدلوا بحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء رواه أبو داود وابن ماجه ، ومحل هذا الدعاء التكبيرة الثالثة ، وهو واجب فيها لا يجزىء في غيرها بلا خلاف ، وليس لتخصيصه بها دليل واضح ، واتفقوا على أنه لا يتعين لها دعاء . وأما : الأفضل فجاءت فيه أحاديث منها : حديث عوف بن مالك قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول : اللهم اغفر له وارحمه ، وعافه واعف عنه وأكرم نزله ، ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس وأبدله دارا خيرا من داره ، وأهلا خيرا من أهله ، وزوجا خيرا من زوجه ، وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ، ومن عذاب النار ، قال : حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت لدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه مسلم في صحيحه وزاد مسلم في رواية له : وقه فتنة القبر وعذاب القبر وذكر تمامه . ومنها : حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة فقال : اللهم اغفر لحينا وميتنا ، وصغيرنا وكبيرنا ، وذكرنا وأنثانا وشاهدنا وغائبنا ، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان رواه أحمد بن حنبل وأبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم وغيرهم .

قسم V05/P192–V05/P194

قال الحاكم : هو صحيح على شرط البخاري ومسلم ، وهذا لفظ رواية أكثرهم ، وفي رواية أبي داود : فأحيه على الإيمان وفتوفه على الإسلام عكس رواية الجمهور ووقع في المهذب فأحيه على الإسلام وفتوفه على الإسلام بلفظ الإسلام فيهما وهذا تحريف ، ورواه الترمذي أيضا من رواية أبي إبراهيم الأشهلي عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ولأبيه صحبة . ورواه أحمد بن حنبل والبيهقي وغيرهما من رواية أبي قتادة ، كما رواه أبو هريرة . وهذه هي الرواية المذكورة في الكتاب وإسنادها ضعيف ، قال الترمذي : سمعت البخاري رحمه الله يقول : أصح روايات اللهم اغفر لحينا وميتنا رواية الأشهلي عن أبيه قال : وقال البخاري : أصح شيء في الباب حديث عوف بن مالك ، وذكره مختصرا . وحكى البيهقي عن الترمذي عن البخاري رحمه الله أنه قال : حديث أبي هريرة وعائشة وأبي قتادة في ومنها : حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل من المسلمين فأسمعه يقول : اللهم إن فلان بن فلان في ذمتك وحل جوارك فقه فتنة القبر وعذاب النار ، وأنت أهل الوفاء والحمد ، فاغفر له وارحمه ، إنك الغفور الرحيم رواه أبو داود وابن ماجه . ومنها : حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في الجنازة : اللهم أنت ربها ، وأنت خلقتها ، وأنت هديتها للإسلام ، وأنت قبضت روحها ، وأنت أعلم بسرها وعلانيتها ، جئنا شفعاء فاغفر له رواه أبو داود ، فهذه قطعة من الأحاديث الواردة فيه . قال البيهقي والمتولى وآخرون من الأصحاب : التقط الشافعي من مجموع الأحاديث الواردة دعاء ورتبه واستحبه ، وهو الذي ذكره في مختصر المزني وذكره المصنف هنا . وفي التنبيه وسائر الأصحاب قال : يقول : اللهم هذاعبدك وابن عبدك خرج من روح الدنيا وسعتها ومحبوبها وأحبائه فيها ، إلى ظلمة القبر وما هو لاقيه ، كان يشهد أن لا إله إلا أنت ، وأن محمدا عبدك ورسولك ، وأنت أعلم به ، اللهم نزل بك وأنت خير منزول به ، وأصبح فقيرا إلى رحمتك ، وأنت غني عن عذابه ، وقد جئناك راغبين إليك شفعاء له ، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه ، وإن كان مسيئا فتحاوز عنه ، ولقه برحمتك رضاك ، وقه فتنة القبر وعذابه ، وأفسح له في قبره ، وجاف الأرض عن جنبيه ، ولقه برحمتك الا من عذابك حتى تبعثه إلى جنتك يا أرحم الراحمين قال أبو عبد الله الزهري من متقدمي أصحابنا في كتابه الكافي وغيره من أصحابنا : فإن كانت امرأة قال : اللهم هذه أمتك . ثم ينسق الكلام ، ولو ذكرها على إرادة الشخص جاز ، قال أصحابنا : فإن كان الميت صبيا أو صبية اقتصر على حديث : اللهم اغفر لحينا وميتنا إلى آخره ، وضم إليه : اللهم اجعله فرطا لأبويه وسلفا وذخرا ، وعظة واعتبارا وشفيعا ، وثقل به موازينهما وأفرغ الصبر على قلوبهما ولا تفتنهما بعده ولا تحرمهما أجره . والله أعلم . فرع : في ألفاظ الفصل : قوله : خرج من روح الدنيا هو بفتح الراء . قال أهل اللغة : هو نسيم الريح قوله : إلى ظلمة القبر وما هو لاقيه قال القاضي حسين في تعليقه : معنى وما هو لاقيه هو الملكان اللذان يدخلان عليه ، وهو منكر ونكير . قوله : كان يشهد أن لا إله إلا أنت قال صاحب البيان رحمه الله : معناه إنما دعوناك لأنه كان يشهد قوله : وقد جئناك راغبين إليك شفعاء له قال الأزهري رحمه الله : أصل الشفع الزيادة . قال فكأنهم طلبوا أن يزاد بدعائهم من رحمة الله إلى ما له بتوحيده وعمله والله أعلم .

قسم V05/P194–V05/P196

قال المصنف رحمه الله تعالى : قال في الأم : يكبر الرابعة ويسلم وقال في البويطي : يقول : اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده ، والتسليم كالتسليم في سائر الصلوات ، لما روي عن عبد الله رضي الله عنه قال : أرى ثلاث خلال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلهن تركها الناس إحداها : التسليم على الجنازة ، مثل التسليم في الصلاة ، والتسليم واجب لأنها صلاة يجب لها الإحرام فوجب الخروج منها بالسلام كسائر الصلوات وهل يسلم تسليمة واحدة أم تسليمتين على ما ذكرناه في سائر الصلوات ، + الشرح : حديث عبد الله هو ابن مسعود رواه البيهقي بإسناد جيد وقوله : لا تحرمنا أجره هو بفتح التاء وضمها لغتان الفتح أفصح يقال حرمه وأحرمه فصيحتان وقوله : لأنها صلاة يجب لها الإحرام فوجب الخروج منها بالسلام كسائر الصلوات ، وهل يسلم تسليمة أم تسليمتين احتراز من الطواف فإنه صلاة ولا يفتقر إلى تكبيرة إحرام . أما الأحكام : ففيه مسألتان إحداهما : للشافعي هذان النصان المذكوران في الذكر عقب التكبيرة الرابعة ، واتفق الأصحاب على أنه لا يجب فيها ذكر ، وقطع الجمهور في جميع طرقهم باستحباب الذكر فيها . وحكى الرافعي في استحبابه طريقين المذهب : الاستحباب والثاني : فيه وجهان أصحهما : الاستحباب والثاني : أنه مخير إن شاء قاله ، وإن شاء تركه ، . والصواب الاستحباب . قال صاحب البيان ، قال أصحابنا : هذان النصان للشافعي ليسا قولين ، ولا على اختلاف حالتين ، بل ذكر الاستحباب في موضع وأغفله في موضع ، وكذا قاله القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وآخرون ، وإذا قلنا بالاستحباب لم يتعين له دعاء ، ولكن يستحب هذا الذي نقله البويطي : اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده ، هكذا هو في البويطي : وكذا ذكره الجمهور . وزاد المحاملي في التجريد والمصنف في التنبيه والشاشي وغيرهم . واغفر لنا وله . وقال صاحب الحاوي : حكي أبو علي ابن أبي هريرة أن المتقدمين كانوا يقولون في الرابعة : اللهم آتنا في الدنيا حسنة ، وفي الآخرة حسنة ، وقنا برحمتك عذاب النار . قال : وليس ذلك عن الشافعي . فإن قاله كان حسنا ، ودليل استحبابه أن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما كبر على جنازة بنت له فقام بعد التكبيرة الرابعة قدر ما بين التكبيرتين يستغفر لها ويدعو ، ثم قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع هكذا . وفي رواية كبر أربعا فمكث ساعة حتى ظننا أنه سيكبر خمسا ، ثم سلم عن يمينه وعن شماله ، فلما انصرف قلنا له فقال : إني لا أزيدكم على ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه الحاكم في المستدرك والبيهقي قال الحاكم حديث صحيح . المسألة الثانية : السلام ركن في صلاة الجنازة لا تصح إلا به بلا خلاف عندنا ، لما ذكره المصنف ، ولحديث ابن أبي أوفى الذي ذكرناه في المسألة الأولى مع قوله صلى الله عليه وسلم : صلوا كما رأيتموني أصلي . وأما صفة السلام ففيه نصان للشافعي هنا ، المشهور أنه يستحب تسليمتان قال الفوراني : وهو نصه في الجامع الكبير ، وقال في الأم : تسليمة واحدة يبدأ بها إلى يمينه ويختمها ملتفتا إلى يساره فيدير وجهه وهو فيها ، هذا نصه ، وقيل يأتي بها تلقاء وجهه وهو أشهر . قال إمام الحرمين ولا شك أن هذا الخلاف في صفة الالتفات يجري في سائر الصلوات ، إذا قلنا يقتصر على تسليمة ، فهذان نصان للشافعي . وللأصحاب طريقان . أحدهما : طريقة المصنف والعراقيين وبعض الخراسانيين أن التسليم هنا كالتسليم في سائر الصلوات ، فيكون فيه ثلاثة أقوال أصحها : يستحب تسليمتان .

قسم V05/P196

والثاني : تسليمة والثالث : إن قل الجمع أو صغر المسجد فيسلم تسليمة وإلا فتسليمتان والطريق الثاني : حكاه إمام الحرمين وجماعات من الخراسانيين أن هذا على سائر الصلوات إن قلنا هناك تسلمية فهنا أولى وإلا فقولان أصحهما تسليمتان . وهذا الطريق أصح لأن الاقتصار على تسليمة واحدة هناك قول قديم ، وهنا هو نصه في الإملاء وهو من الكتب الجديدة . وإذا قلنا تسليمة فوجهان حكاهما الشيخ أبو علي السنجي وإمام الحرمين وبه قطع الجمهور يقول السلام عليكم ورحمة الله كغيرها من الصلوات . والثاني : يستحب الاقتصار على السلام لأنها مبنية على التخفيف ، ولو قال السلام عليك من غير كم ضمير الجمع فالمذهب أنه لا يجزئه ، وبهذا قطع الجمهور كسائر الصلوات ، وحكى إمام الحرمين في أجزائه ترددا ، والمذهب من هذا كله أنه يشرع في السلام هنا ما يشرع في سائر الصلوات والله أعلم .

قسم V05/P196–V05/P197

قال المصنف رحمه الله تعالى : إذا أدرك الإمام وقد سبقه ببعض الصلاة كبر ودخل معه في الصلاة لقوله صلى الله عليه وسلم : ما أدركتم فصلوا ( وما فاتكم فاقضوا ) ويقرأ ما يقتضيه ترتيب صلاته ، لا ما يقرأ الإمام ، لأنه يمكنه أن يأتي بما يقتضيه ترتيب صلاته مع المتابعة فإذا سلم الإمام أتى بما بقي من التكبيرات نسقا من غير دعاء في أحد القولين ، لأن الجنازة ترفع قبل أن يفرغ فلا معنى للدعاء بعد غيبة الميت ويدعو للميت ثم يكبر ويسلم في القول الثاني ، لأن غيبة الميت لا تمنع فعل الصلاة . + الشرح : هذا الحديث صحيح رواه البخاري ومسلم وسبق بيانه في باب صلاة الجماعة وقوله : نسقا بفتح السين أي متتابعات بغير ذكر بينهن ، وقوله كبر ودخل معه في الحال . ولا ينتظر تكبيرته الأخرى فيكبر معه خلافا لأبي حنيفة وموافقيه في قولهم ينتظر . قال أصحابنا : إذا وجد المسبوق الأمام في صلاة الجنازة كبر في الحال وصار في الصلاة ولا ينتظر تكبيرة الإمام المستقبلة للحديث المذكور وقياسا على سائر الصلوات . قال أصحابنا : فإذا كبر شرع في قراءة الفاتحة ثم يراعي في باقي التكبيرات ترتيب نفسه لا ما يقوله الإمام لما ذكره المصنف فلو كبر الإمام الثانية عقب فراغ المسبوق من الأولى كبر معه الثانية ، وسقطت عنه القراءة كما لو ركع الإمام في سائر الصلوات عقب إحرام المسبوق . فإنه يركع معه . قال أصحابنا : ويكون مدركا للتكبيرتين جميعا بلا خلاف . كما يدرك المسبوق الركعة بالركوع . ولو كبر الإمام الثانية والمسبوق في أثناء الفاتحة فهل يقطع القراءة ويتابعه في التكبيرة الثانية وتكون التكبيرتان حاصلتين له أم يتم القراءة فيه طريقان أصحهما : وبه قال الأكثرون فممن صرح به الفوراني والبندنيجى وابن الصباغ والمتولي وصاحب العدة وصاحبا المستظهري والبيان والرافعي وآخرون : فيه الوجهان والمعروفان في سائر الصلوات أحدهما : يتمها وبه قطع الغزالي في الوجيز ، وهو شاذ مردود لم يوافق عليه وأصحهما : يقطع القراءة ويتابعه ، وتحصل له التكبيرتان للعذر . والطريق الثاني : يقطعها ويتابعه وبهذا قطع الماوردي والقاضي حسين والسرخسي وغيرهم ، فإذا قلنا بالمذهب : إنه يقطع القراءة كبر الثانية مع الإمام حصل له التكبيرتان كما ذكرنا ، وهل يقتصر عقب التكبيرة الثانية على الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وما يتعلق بالتكبيرة الثانية أم يضم إليه تتميم الفاتحة فيه احتمالان ذكرهما صاحب الشامل أصحهما : وهو مقتضى كلام الجمهور أنه يقتصر وقد سقطت بقية الفاتحة ، كما سقطت في باقي الصلوات والله أعلم . أما إذا سلم الإمام وقد بقي عليه بعض التكبيرات فإنه يأتي بها بعد سلام الإمام ولا تصح صلاته إلا بتداركها بلا خلاف ، وهل يقتصر على التكبيرات نسقا من غير ذكر بينهن أم يأتي بالأذكار فيه القولان اللذان ذكرهما المصنف أصحهما : أنه يأتي بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والذكر والدعاء . على ما سبق بيانه وترتبيه . ممن صرح بتصحيحه البغوي والمتولي والروياني في الحلية والرافعي في كتابيه الشرح والمجرد وغيرهما . وجزم به الدارمي في الاستذكار . وجزم المصنف في التنبيه بالتكبيرات نسقا . وقد أشار الشافعي رحمه الله إلى ترجيح هذا القول في البويطي فإنه قال : وليقض ما فاته من التكبير نسقا متتابعا ثم يسلم . وقد قيل : يدعو بينهما للميت . هذا نصه . ومن البويطي نقلته وكذا نقله القاضي أبو الطيب عن نصه في البويطي . قال أبو الطيب في كتابه المجرد قال أصحابنا : يكبر باقي التكبيرات متواليا ، قال ورأيت في البويطي يقول : وليقض ما فاته من التكبيرات نسقا متتابعا ثم يسلم قال : وقد قيل يدعو بينهما للميت . قال القاضي : فالظاهر من هذا أن المسألة على قولين . هذا كلام القاضي .

قسم V05/P197–V05/P199

واعلم أن القولين في وجوب الذكر أحدهما : يجب ولا تصح الصلاة إلا به والثاني : لا يجب صرح به صاحب البيان . قال أصحابنا رحمهم الله : ويستحب أن لا ترفع الجنازة حتى يتم المسبوقون ما عليهم ، فإن رفعت لم تبطل صلاتهم بلا خلاف ، بل يتمونها ، وإن حولت الجنازة عن القبلة بخلاف ابتداء الصلاة فإنه لا يحتمل فيه ذلك والجنازة حاضرة والفرق أنه يحتمل في الدوام ما لا يحتمل في الابتداء والله أعلم . فرع : لو تخلف المقتدي فلم يكبر التكبيرة الثانية أو الثالثة حتى كبر الإمام التكبيرة التي بعدها بغير عذر بطلت صلاته ، صرح به الشيخ أبو محمد الحويني وإمام الحرمين والغزالي وآخرون من الخراسانيين ، قالوا لأن القدوة في هذه الصلاة لا تظهر إلا بالموافقة في التكبيرات وكأنه تخلف بركعة . فرع في مذاهب العلماء في كيفية صلاة الجنازة ذكرنا اختلافهم في عدد التكبيرات واختلافهم في رفع الأيدي فيها واختلاف أصحابنا في دعاء الافتتاح والتعوذ والسورة ، وذكرنا أن مذهبنا وجوب قراءة الفاتحة وبه قال أحمد وإسحاق وداود رحمهم الله ، وحكاه ابن المنذر عن ابن مسعود وابن عباس وابن الزبير وعبيد بن عمير . وحكي عن ابن المسيب وطاوس وعطاء وابن سيرين وابن جبير والشعبي ومجاهد وحماد ومالك والثوري وأبي حنيفة وأصحاب الرأي أنها لا تجب قال : وروى ذلك عن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم قال : وروينا عن الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه قال : قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة ثلاث مرات قال : وروينا هذا عن ابن سيرين وشهر بن حوشب . قال الحسن البصري رضي الله عنه : اقرأ الفاتحة في كل تكبيرة ، قال وروينا عن المسور بن مخرمة أنه قرأ في التكبيرة الأولى فاتحة الكتاب وسورة ، ورفع بها صوته ، قال ابن المنذر رحمه الله : عندي يقرأ الفاتحة بعد التكبيرة الأولى ، هذه مذاهبهم . ودليلنا على جميعهم حديث ابن عباس السابق وهو في صحيح البخاري رحمه الله . أما المسبوق الذي فاته بعض التكبيرات فقد ذكرنا أن مذهبنا أنه يلزمه تدارك باقي التكبيرات بعد سلام الإمام وحكاه ابن المنذر عن ابن المسيب وعطاء وابن سيرين والنخعي والزهري وقتادة ومالك والثوري وأبي حنيفة وأحمد وإسحاق ، قال ابن المنذر : وبه أقول ، قال : وروينا عن ابن عمر لا يقضيه ، وبه قال الحسن البصري وأيوب والأوزاعي ، وحكاه العبدري عن ربيعة ، قال : وهو أصح الروايتين عن أحمد رحمهم الله . وأما : المسبوق الذي أدرك بعض صلاة الإمام فقد ذكرنا أن مذهبنا أنه يكبر في الحال ولا ينتظر تكبيرة الإمام المستقبلة ، وبه قال الأوزاعي وقال أبو حنيفة ينتظره حتى يكبر للمستقبلة فيكبرها معه ، وحكاه ابن المنذر عن الحارث بن يزيد ومالك والثوري وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن وإسحاق . وأما السلام فذكرنا أن الصحيح في مذهبنا تسليمتان ، وبه قال أبو حنيفة وقال أكثر العلماء : تسليمة واحدة حكاه ابن المنذر عن علي بن أبي طالب وابن عمر وابن عباس وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وواثلة بن الأسقع وأبي هريرة وعبد الله بن أبي أوفى وأبي أمامة بن سهل بن حنيف والحسن البصري ، وابن سيرين ، وسعيد بن جبير ، والثوري ، وابن عيينة ، وابن المبارك وعيسى بن يونس ووكيع وعبد الرحمن بن المهدي وأحمد وإسحاق رضي الله عنهم .

قسم V05/P199–V05/P201

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإذا صلى على الميت بودر بدفنه ، ولا ينتظر حضور من يصلي عليه إلا الولي فإنه ينتظر إذا لم يخش على الميت التغير ، فإن خيف عليه التغير لم ينتظر ، وإن حضر من لم يصل عليه صلي عليه ، وإن حضر من صلى مرة فهل يعيد الصلاة مع من يصلي فيه وجهان . أحدهما : يستحب كما يستحب في سائر الصلوات أن يعيدها مع من يصلي جماعة والثاني : وهو الصحيح لا يعيد ، لأنه يصليها نافلة ، وصلاة الجنازة لا ينتقل بمثلها ، وإن حضر من لم يصل بعد الدفن صلى على القبر لما روي : أن مسكينة ماتت ليلا فدفنوها ولم يوقظوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد على قبرها وإلى أي وقت تجوز الصلاة على القبر فيه أربعة أوجه : أحدها : إلى شهر لأن النبي صلى الله عليه وسلم : صلى على أم سعد بن عبادة رضي الله عنهما بعد ما دفنت بشهر والثاني : يصلي عليه مالم يبل ، لأنه إذا بلي لم يبق ما يصلى عليه والثالث يصلي عليه ، من كان من أهل الفرض عند موته ، لأنه كان من أهل الخطاب بالصلاة عليه ، وأما من يولد بعد موته أو بلغ بعد موته فلا يصلي عليه لأنه لم يكن من أهل الخطاب بالصلاة عليه والرابع : يصلى عليه أبدا لأن القصد من الصلاة على الميت الدعاء ، والدعاء يجوز كل وقت . + الشرح : حديث المسكينة صحيح رواه النسائي والبيهقي وغيرهما بإسناد صحيح من رواية أبي أمامة أسعد بن سهل بن حنيف ، وهو صحابي ، وفي رواية البيهقي عن أبي أمامة رضي الله عنه أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أخبر به ، وهو صحيح فإن الصحابة كلهم عدول ، وهذه المسكينة يقال لها : أم محجن بكسر الميم وأما حديث أم سعد فرواه الترمذي والبيهقي بإسنادهما عن ابن المسيب رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : صلى على أم سعد بعد موتها بشهر قال البيهقي وهذا مرسل صحيح ، قال : وروي عن ابن عباس موصولا قال : صلى عليها بعد شهر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم غائبا حين موتها ، قال : والمرسل أصح ، ومرسل ابن المسيب كما سبق بيانه في أول الشرح ، وهل هو حجة لمجرده أم إذا اعتضد بأحد الأمور الأربعة السابقة فيه وجهان سبقا هناك . أما أحكام الفصل ففيه مسائل : إحداها : إذا صلي عليه فالسنة أن يبادر بدفنه ، ولا ينتظر به حضور أحد إلا الولي فإنه ينتظر ما لم يخش عليه التغير ، فإن خيف تغيره لم ينتظر ، لأن مراعاة صيانة الميت أهم من حضور الولي ، ثم إنه إنما ينتظر الولي إذا كان بينه وبينه مسافة قريبة . الثانية : إذا حضر بعد الصلاة عليه إنسان لم يكن صلى عليه أو جماعة صلوا عليه ، وكانت صلاتهم فرض كفاية بلا خلاف عندنا ، وقال أبو حنيفة : لا تصلي طائفة ثانية لأنه لا يتنفل بصلاة الجنازة فلا تصليها طائفة بعد طائفة . واحتج أصحابنا بحديث المسكينة وهو صحيح كما سبق ، وبحديث أبي هريرة : أن امرأة سوداء أو رجلا كان يقم المسجد ففقده النبي صلى الله عليه وسلم فسأل عنه فقالوا : مات فقال : أفلا آذنتموني به دلوني على قبره فدلوه فصلى عليه رواه البخاري ومسلم وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى علي قبر منبوذ رواه البخاري ومسلم وفي الباب أحاديث كثيرة صحيحة ، ومعلوم أن هؤلاء ما دفنوا إلا بعد صلاة طائفة عليهم بحيث سقط الحرج بصلاتهم وإلا فلا يجوز أن يظن دفنهم قبل الصلاة .

قسم V05/P201–V05/P202

والجواب عن احتجاجهم بأن صلاة الثانية نافلة من وجهين أحدهما : منعه ، بل هي عندنا فرض كفاية كما سبق ، وسنذكر دليله واضحا في المسألة الثالثة إن شاء الله تعالى والثاني : أنه ينقض بصلاة النساء مع الرجال على الجنازة ، فإنها نافلة في حقهن لأنهن لا يدخلن في الفرض إذا حضر الرجال واقتصر صاحب الحاوي على هذا الجواب الثاني فإن : قيل : كيف تقع صلاة الطائفة الثانية فرضا ولو تركوها لم يأثموا ، وليس هذا شأن الفروض فالجواب : أنه قد يكون ابتداء الشيء ليس بفرض فإذا دخل فيه صار فرضا ، كما إذا دخل في حج التطوع . وكما في الواجب على التخيير كخصال الكفارة ولو أن الطائفة الأولى لو كانت ألفا أو ألوفا وقعت صلاتهم جميعهم فرضا بالاتفاق ومعلوم أن الفرض كان يسقط بعضهم ولا يقول أحد : أن الفرض سقط بأربعة منهم على الإبهام والباقون متنفلون . فإن : قيل : قد وقع في كلام كثير من الأصحاب أن فرض الكفاية إذا فعله من تحصل به الكفاية سقط الفرض عن الباقين وإذا سقط عنهم كيف قلتم تقع صلاة الطائفة فرضا فالجواب : إن عبارة المحققين : سقط الحرج عن الباقين أي لا حرج عليهم في ترك هذا الفعل فلو فعلوه وقع فرضا كما لو فعلوه مع الأولين دفعة واحدة وأما عبارة من يقول سقط الفرض عن الباقين فمعناها سقط حرج الفرض وإثمه والله أعلم . الثالثة : إذا صلى على الجنازة جماعة أو واحد ، ثم صلت عليها طائفة أخرى فأراد من صلى أولا أن يصلي ثانيا مع الطائفة الثانية ، ففيه أربعة أوجه ، أصحها باتفاق الأصحاب لا يستحب له الإعادة ، بل المستحب تركها والثاني : يستحب الإعادة . وهذان الوجهان ذكرهما المصنف بدليلهما ، وذكرهما هكذا أيضا أكثر الأصحاب والثالث : يكره الإعادة وبه قطع الفوراني وصاحب العدة وغيرهما . والرابع : حكاه البغوي إن صلى أولا منفردا أعاد وإن صلى جماعة فلا والصحيح : الأول ، صححه الأصحاب في جميع الطرق وقطع به صاحب الحاوي والقاضي حسين وإمام الحرمين والغزالي وغيرهم . وادعى إمام الحرمين في النهاية اتفاق الأصحاب عليه ، فعلى هذا لو صلى ثانيا صحت صلاته ، وإن كانت غير مستحبة ، هذا هو المشهور في كتب الأصحاب . وقال إمام الحرمين : ظاهر كلام الأصحاب أنها صحيحة . قال : وعندي في بطلانها احتمال والمذهب صحتها ، فعلى هذا قال المصنف والجمهور : تقع نفلا . وقال القاضي حسين إذا صلى تقع صلاته الثانية فرض كفاية ولا تكون نفلا كما لو صلت جماعة بعد جماعة فصلاة الجميع تقع فرضا ، قال صاحب التتمة تنوي طائفة بصلاتهم الفرض لأن فعل غيرهم أسقط عنهم الحرج لا الفرض ، وبسط إمام الحرمين رحمه الله هذا بسطا حسنا فقال : إذا صلى على الميت جمع يقع الاكتفاء ببعضهم فالذي ذهب إليه الأئمة أن صلاة كل واحدة تقع فريضة ، وليس بعضهم بأولى بوصفه بالقيام بالغرض من بعضهم ، فوجب الحكم بالفريضة للجميع ، قال : ويحتمل أن يقال هو كإيصال المتوضىء الماء إلى جميع رأسه دفعة ، وقد اختلفوا في أن الجميع فرض أم الفرض ما يقع عليه الاسم فقط قال : ولكن قد يتخيل الفطن فرقا ويقول مرتبة الفرضية فوق مرتبة السنة وكل مصل في الجمع الكبير ينبغي أن لا يحرم رتبة الفرضية ، وقد قام بما أمر به ، وهذا لطيف لا يقع مثله ، قال : ثم قال الأئمة : إذا صلت طائفة ثانية كانت كصلاتهم مع الأولين في جماعة واحدة . وأما قول المصنف : وصلاة الجنازة لا يتنفل بمثلها فمعناه لا يجوز الابتداء بصورتها من غير جنازة بخلاف صلاة الظهر ، فإنه يصلى مثل صورتها ابتداء بلا سبب .

قسم V05/P202–V05/P203

ولكن هذا الذي قاله ينتقض بصلاة النساء على الجنازة فإنهن إذا صلين على الجنازة مع الرجال وقعت صلاتهن نافلة وهي صحيحة ، وقد سبق هذا في المسألة الثانية والله أعلم . الرابعة : إذا حضر من لم يصل عليه بعد دفنه وأراد الصلاة عليه في القبر أو أراد الصلاة عليه في بلد آخر جاز بلا خلاف للأحاديث السابقة في المسألة الثانية . وإلى متى تجوز الصلاة على المدفون فيه ستة أوجه أحدها : يصلى عليه إلى ثلاثة أيام ولا يصلى بعدها ، حكاه الخراسانيون وهو المشهور عندهم والثاني : إلى شهر والثالث : ما لم يبل جسده والرابع : يصلي عليه من كان من أهل فرض الصلاة عليه يوم موته والخامس : يصلي من كان من أهل الصلاة عليه يوم موته ، وإن لم يكن من أهل الفرض فيدخل الصبي المميز . وممن حكي هذا الوجه المصنف في التنبيه وصححه البندنيجي والسادس : يصلي عليه أبدا ، فعلى هذا تجوز الصلاة على قبور الصحابة رضي الله عنهم ومن قبلهم اليوم ، واتفق الأصحاب على تضعيف هذا السادس . وممن صرح بتضعيفه الماوردي والمحاملي والفوراني وإمام الحرمين والبغوي والغزالي في البسيط وآخرون ، وإن كان في كلام صاحب التنبيه إشارة إلى ترجيحه فهو مردود مخالف للأصحاب وللدليل . واختلفوا في الأصح من الأوجه فصحح : الماوردي وإمام الحرمين والجرجاني الثالث ، وصحح الجمهور أنه يصلي عليه من كان من أهل فرض الصلاة عليه . ممن صرح بتصحيحه الشيخ أبو حامد والفوراني والبغوي والرافعي وآخرون قالوا : وهو قول أبي زيد المروزي ، فعلى هذا الوجه لو كان يوم الموت كافرا ثم أسلم قال إمام الحرمين : الذي أراه أنه يصلي لأنه كان متمكنا من الصلاة بأن يسلم فهو كالمحدث . قال : والمرأة إذا كانت حائضا يوم الموت ثم طهرت فالحيض ينافي وجوب الصلاة وصحتها ، ولكن هي في الجملة مخاطبة ، فالذي أراده أنها تصلي . هذا كلام الإمام ، وكذا قطع الغزالي في البسيط بأن الكافر والحائض يوم الموت إذا أسلم وطهرت صليا . وهذا الذي قالاه مخالف لظاهر كلام الأصحاب ، فإن الكافر والحائض ليسا من أهل الصلاة . وقد قالوا : لا يصلي من لم يكن من أهل فرض الصلاة أو من لم يكن من أهل الصلاة حال الموت . وقد صرح المتولي بأنهما لا يصليان ، وقال الشيخ أبو حامد في حكاية هذا الوجه : يصلي عليه من كان مخاطبا بالصلاة عليه يوم موته وجوبا أو ندبا من رجل وامرأة وعبد ، فأما من بلغ بعده فلا . واحتج المتولي لهذا الوجه بأن حكم الخطاب يتعلق بكل من هو من أهل الصلاة ، وفعل غيرهم لم يسقط الفرض في حقهم وإنما أسقط الحرج ، وإذا قلنا يصلى عليه ما لم يبل جسده . قال الشيخ أبو محمد الجويني في كتابه الفروق والسرخسي وغيرهما من أصحابنا : المراد ما لم يبق من بدنه شيء لا لحم ولا عظم ، فمتى بقي عظم صلى . قال أصحابنا رحمهم الله : ويختلف هذا باختلاف البقاع فلو شككنا في إمحاق اجزائه صلى لأن الأصل بقاؤه . هكذا صرح به كثيرون ، وهو مقتضى عبارة الباقين ، فإن الشيخ أبا حامد في تعليقه والمحاملي في التجريد والصيدلاني والقاضي حسين وآخرين ، قالوا : يصلي عليه ما لم يعلم أنه بلى وذهبت أجزاؤه . وقال إمام الحرمين والغزالي في البسيط : فيه احتمالان أحدهما : هذا والثاني : لا يصلى لأن صحة الصلاة على هذا الوجه متوقفة على العلم ببقاء شيء منه . وعبارة المحاملي في المجموع توافق هذا ، فإنه قال : يصلى ما دام يعلم أن في القبر منه شيئا ، والمذهب الأول .

قسم V05/P203–V05/P204

قال أصحابنا رحمهم الله : وإذا قلنا بالوجه الضعيف أنه يصلى أبدا فهل تجوز الصلاة على قبر نبينا وغيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فيه وجهان مشهوران على هذا الوجه أصحهما : عند الخراسانيين والماوردي أنه لا تجوز الصلاة . قال إمام الحرمين : وهو قول جماهير الأصحاب ، وبهذا قطع البندنيجى وآخرون . والثاني : وهو قول أبي الوليد النيسابوري من متقدمي أصحابنا أنه يصلي عليه فرادي لا جماعة . قال : والنهي الوارد في الأحاديث الصحيحة إنما هو عن الصلاة عليه جماعة ، وكان أبو الوليد يقول : أنا أصلي اليوم على قبور الأنبياء والصالحين وبهذا الوجه الذي قاله أبو الوليد قطع القاضي أبو الطيب في كتابيه التعليق والمجرد ، والمحاملي في التجريد ، ورجحه الشيخ أبو حامد في تعليقه ، والأول أصح . والله أعلم . فرع : إذا دفن من غير صلاة قال أصحابنا يأثم الدافنون وكل من توجه عليه فرض هذه الصلاة من أهل تلك الناحية ، لأن تقديم الصلاة على الدفن واجب . وإن كانت الصلاة على القبر تسقط الفرض إلا أنهم يأثمون ، صرح به إمام الحرمين والأصحاب ولا خلاف فيه . قال أصحابنا : لكن لا ينبش بل يصلى على القبر لأن نبشه انتهاك له والصلاة على القبر تجزئه . هكذا قاله الأصحاب . وحكى الرافعي وجها أنه لا يسقط الفرض بالصلاة على القبر وهو ضعيف أو غلط . فرع في مذاهب العلماء فيمن فاته الصلاة على الميت ذكرنا أن مذهنا أنه يصلي على القبر . ونقلوه عن علي وغيره من الصحابة رضي الله عنهم . قال ابن المنذر رحمه الله : وهو قول ابن عمر وأبي موسى وعائشة وابن سيرين والأوزاعي وأحمد . وقال النخعي ومالك وأبو جنيفة : لا يصلى على الميت إلا مرة واحدة . ولا يصلى على القبر إلا أن يدفن بلا صلاة ، إلا أن يكون الولي غائبا فصلى غيره عليه ودفن فللولي أن يصلي على القبر . وقال أبو حنيفة رحمه الله : لا يصلى على القبر بعد ثلاثة أيام من دفنه ، وقال أحمد رحمه الله إلى شهر . وإسحاق إلى شهر للغائب وثلاثة أيام للحاضر . دليلنا في الصلاة على القبر وإن صلى عليه الأحاديث السابقة في المسألة الثانية .

قسم V05/P204–V05/P206

قال المصنف رحمه الله تعالى : تجوز الصلاة على الميت الغائب لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي لأصحابه وهو بالمدينة وصلى عليه وصلوا خلفه . وإن كان الميت معه في البلد لم يجز أن يصلى عليه حتى يحضر عنده ، لأنه يمكن الحضور من غير مشقة . + الشرح : حديث أبي هريرة رضي الله عنه رواه البخاري ومسلم من رواية أبي هريرة . وروياه من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، ورواه مسلم من رواية عمران بن حصين والنجاشي رضي الله عنه بفتح النون وتشديد الياء واسمه أصحمة . بهمزة مفتوحة ثم صاد ساكنة ثم حاء مفتوحة مهملتين . وهكذا جاء في الصحيح وقيل صحمة وقيل غيره ، والنجاشي اسم لكل من ملك الحبشة . كما سمي كل خليفة للمسلمين أمير المؤمنين . ومن ملك الروم قيصر . والترك خاقان ، والفرس كسرى . والقبط فرعون . ومصر العزيز والله أعلم . ومذهبنا جواز الصلاة على الميت الغائب عن البلد سواء كان في جهة القبلة أو في غيرها . ولكن المصلي يستقبل القبلة ولا فرق بين أن تكون المسافة بين البلدين قريبة أو بعيدة ولا خلاف في هذا كله عندنا أما : إذا كان الميت في البلد فطريقان المذهب وبه قطع المصنف والجمهور : لا يجوز أن يصلى عليه حتى يحضر عنده لأن النبي صلى الله عليه وسلم : لم يصل على حاضر في البلد إلا بحضرته ولأنه لا مشقة فيه بخلاف الغائب عن البلد . والطريق الثاني : حكاه الخراسانيون أو أكثرهم فيه وجهان أصحهما : هذا والثاني : يجوز كالغائب . فإن قلنا : لا يجوز قال الرافعي : ينبغي أن لا يكون بين الإمام والميت أكثر من مائتي ذراع أو ثلاثمائة تقريبا . قال : وحكي عذا عن الشيخ أبي محمد الجويني . فرع في مذاهبهم في الصلاة على الغائب عن البلد ذكرنا أن مذهبنا جوازه ومنعها أبو حنيفة . دليلنا حديث النجاشي وهو صحيح لا مطعن فيه وليس لهم عنه جواب صحيح بل ذكروا فيه خيالات أجاب عنها أصحابنا بأجوبة مشهورة منها : قولهم : إنه طويت الأرض فصار بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وجوابه : أنه لو فتح هذا الباب لم يبق وثوق بشيء من ظواهر الشرع لاحتمال انحراف العادة في تلك القضية مع أنه لو كان شيء من ذلك لتوفرت الدواعي بنقله . وأما حديث العلاء بن زيدل ، ويقال ابن زيد عن أنس أنهم كانوا في تبوك فأخبر جبريل النبي صلى الله عليه وسلم بموت معاوية بن معاوية في ذلك اليوم ، وأنه قد نزل عليه سبعون ألف ملك يصلون عليه ، فطويت الأرض للنبي صلى الله عليه وسلم حتى ذهب فصلى عليه ، ثم رجع فهو حديث ضعيف ضعفه الحفاظ منهم البخاري في تاريخه والبيهقي ، واتفقوا على ضعف العلاء هذا وأنه منكر الحديث .

قسم V05/P206–V05/P207

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن وجد بعض الميت غسل وصلي عليه ، لأن عمر رضي الله عنه صلى على عظام بالشام ، وصلى أبو عبيدة على رؤوس ، وصلت الصحابة رضي الله عنهم علي يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد ، ألقاها طائر بمكة من وقعة الجمل . + الشرح : أبو عبيدة رضي الله عنه هذا هو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة واسمه عامر بن عبد الله بن الجراح ، وعتاب بفتح العين المهملة وأسيد بفتح الهمزة ، وهذه الحكاية عن يد عبد الرحمن رويناها في كتاب الأنساب للزبير بن بكار ، قال : وكان الطائر نسرا وكانت وقعة الجمل في جمادي سنة ست وثلاثين ، واتفقت نصوص الشافعي رحمه الله والأصحاب على أنه إذا وجد بعض من تيقنا موته غسل وصلى عليه ، وبه قال أحمد ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : لا يصلى عليه إلا إذا وجد أكثر من نصفه ، وعندنا لا فرق بين القليل والكثير ، قال أصحابنا رحمهم الله : وإنما نصلي عليه إذا تيقنا موته . فأما إذا قطع عضو من حي ، كيد سارق ، وجان وغير ذلك فلا يصلى عليه ، وكذا لو شككنا في العضو هل هو منفصل من حي أو ميت لم نصل عليه ، هذا هو المذهب الصحيح ، وبه قطع الأصحاب في كل الطرق إلا صاحب الحاوي ومن أخذ عنه ، فإنه ذكر في العضو المقطوع من الحي وجهين في وجوب غسله والصلاة عليه : أحدهما : يغسل ويصلي عليه كعضو الميت وأصحهما : لا يغسل ولا يصلى عليه ، ونقل المتولي رحمه الله الاتفاق على إنه لا يغسل ولا يصلى عليه ، فقال : لا خلاف أن اليد المقطوعة في السرقة والقصاص لا تغسل ولا يصلى عليها ، ولكن تلف في خرقة وتدفن ، وكذا الأظفار المقلومة والشعر المأخوذ من الأحياء لا يصلى على شيء منها ، لكن يستحب دفنها ، قال : وكذا إذا شككنا في موت صاحب العضو فلا يغسل ولا يصلى عليه ، وهذا الذي سبق في الصلاة على بعض الذي تيقنا موته هو في العضو . أما إذا وجدنا شعر الميت أو ظفره أو نحوهما فوجهان مشهوران حكاهما القاضي أبو الطيب في تعليقه والبندنيجي وصاحب الشامل والتتمة وصاحب البيان وآخرون ، وأشار إليهما المصنف في تعليقه في الخلاف . أحدهما : وهو الذي رجحه البندنيجي رحمه الله لا يغسل ولا يصلي عليه ، بل يدفن وأصحهما : وبه قال الأكثرون يغسل ، ويصلي عليه كالعضو ، لأنه جزء ، قال الرافعي رحمه الله : هذا الثاني أقرب إلى كلام الأكثرين قال : لكن قال صاحب العدة رحمه الله : إن لم يوجد إلا شعرة واحدة لم يصل عليها في ظاهر المذهب ، قال القاضي أبو الطيب رحمه الله : ولو قطعت أذنه فألصقها موضعها في حرارة الدم ثم افترسه سبع ووجدنا أذنه لم نصل عليه لأن انفصالها كان في الحياة هذا كلام القاضي رحمه الله ، ويجيى فيها الوجه السابق عن الحاوي ، قال أصحابنا رحمهم الله : ومتى صلى في هذه الصورة فلا بد من تقدم غسله ، ثم يوارى بخرقة ويصلى عليه ويدفن . قال أصحابنا رحمهم الله : والدفن لا يختص بعضو من علم موته ، بل كل ما ينفصل من الحي من عضو وشعر وظفر وغيرهما من الأجزاء ، يستحب دفنه وكذلك توارى العلقة والمضغة تلقيهما المرأة ، وكذا يوارى دم الفصد والحجامة قال أصحابنا رحمهم الله : ولو وجد بعض الميت أو كله ولم نعلم انه مسلم أم كافر ، فإن كان في دار الإسلام غسل وصلي عليه ، لأن الغالب فيها المسلمون كما حكمنا بإسلام اللقيط فيها ، وممن صرح بالمسألة الشيخ أبو حامد والمحاملي في التجريد في آخر باب الشهيد ، وابن الصباغ والمتولي وآخرون .

قسم V05/P207–V05/P208

قال أصحابنا رحمهم الله : ومتى صلى على عضو الميت نوى الصلاة على جملة الميت لا على العضو وحده ، هذا هو المشهور ، وممن صرح به الروياني والرافعي وذكر صاحب الحاوي وجهين أحدهما : هذا والثاني : يصلى على العضو خاصة قال : والوجهان فيهما إذا لم يعلم جملته صلى عليها ، فإن علم ذلك صلى على العضو وحده وجها واحدا ، وهذا الذي قاله شاذ ضعيف ، والله أعلم . في مذاهب العلماء فيما إذا وجد بعض الميت قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يصلى عليه سواء قل البعض أم كثر ، وبه قال أحمد رحمه الله ، . وقال داود : لا يصلى عليه مطلقا ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : إن وجد أكثر من نصفه غسل وصلي عليه وإن وجد النصف فلا غسل ولا صلاة ، قال مالك رحمه الله : بل لا يصلى على اليسير منه .

قسم V05/P208–V05/P209

قال المصنف رحمه الله تعالى : إذا استهل السقط أو تحرك ثم مات غسل وصلي عليه ، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا استهل السقط غسل وصلى عليه وورث ، وورث ولأنه قد ثبت له حكم الدنيا في الإسلام والميراث والدية فغسل وصلى عليه كغيره ، وإن لم يستهل ولم يتحرك فإن لم يكن له أربعة أشهر كفن بخرقة ودفن ، وإن تم له أربعة أشهر ، ففيه قولان ، قال في القديم : يصلى عليه لأنه نفخ فيه الروح ، فصار كمن استهل ، وقال في الأم : لا يصلى عليه وهو الأصح لأنه لم يثبت له حكم الدنيا في الإرث وغيره ، فلم يصل عليه ، فإن قلنا : يصلى عليه غسل كغير السقط ، وإن قلنا : لا يصلى عليه ففي غسله قولان ، قال في البويطي : لا يغسل لأنه لا يصلى عليه فلا يغسل كالشهيد ، وقال في الأم : يغسل لأن الغسل قد ينفرد عن الصلاة كما نقول في الكافر . + الشرح : حديث ابن عباس من رواية ابن عباس غريب ، وإنما هو معروف من رواية جابر ، رواه من رواية جابر الترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم والبيهقي وإسناده ضعيف ، وفي بعض رواياته موقوف على جابر . قال الترمذي رحمه الله : كأن الموقوف أصح ، وقال النسائي : الموقوف أولى بالصواب ، رواه الترمذي في الجنائز ، والنسائي في الفرائض ، وابن ماجه فيهما ، وفي رواية البيهقي : صلى عليه وورث وورث ورواية المهذب ورث بفتح الواو وكسر الراء وقوله : استهل أي صرخ وأصل الإهلال رفع الصوت ، وفي السقط ثلاث لغات كسر السين وضمها وفتحها . أما حكم المسألة : فللسقط أحوال أحدها : أن يستهل فيجب غسله والصلاة عليه بلا خلاف عندنا لما ذكره المصنف ، ويكون كفنه ككفن البالغ ثلاثة أثواب الثاني : أن يتحرك حركة تدل على الحياة ، ولا يستهل أو يختلج ففيه طريقان المذهب : وبه قطع المصنف والعراقيون : يغسل ويصلى عليه قولا واحدا والثاني : حكاه الخراسانيون فيه قولان ، وبعضهم يقول وجهان أصحهما : هذا والثاني : حكاه الخراسانيون لا يصلى عليه وعلى هذا هل يغسل فيه طريقان عندهم المذهب : يغسل والثاني : على قولين أحدهما : يغسل والثاني : لا يغسل الثالث : أن لا تكون فيه حركة ولا اختلاج ولا غيرهما من أمارات الحياة فله حالان : أحدهما : أن لا يبلغ أربعة أشهر فلا يصلى عليه بلا خلاف وفي غسله طريقان المذهب وبه قطع المصنف والجمهور : لا يغسل والثاني : حكاه بعض الخراسانيين كالقاضي حسين الرافعي وآخرين : فيه قولان وذكرهما المحاملي في التجريد لكن قال : يشترط أن يكون ظهر فيه خلقة آدمي . والحال الثانية : أن يبلغ أربعة أشهر ففيه ثلاثة أقوال ذكرها المصنف والأصحاب الصحيح : المنصوص في الأم ومعظم كتب الشافعي : يجب غسله ، ولا تجب الصلاة عليه ولا تجوز أيضا لأن باب الغسل أوسع ولهذا يغسل الذمي ولا يصلي عليه والثاني : نص عليه في البويطي من الكتب الجديدة لا يصلي عليه ولا يغسل والثالث : حكاه المصنف والجمهور عن نصه في القديم أنه يغسل ويصلي عليه وقال الشيخ أبو حامد : المنصوص للشافعي رحمه الله في جميع كتبه أنه لا يصلي عليه ، قال : وحكي أصحابنا عن القديم أنه يصلي عليه ، وقال صاحب الحاوي الصحيح : الذي نص عليه الشافعي في القديم والجديد أنه لا يصلي عليه قال والثاني : حكاه ابن أبي هريرة تخريجا عن الشافعي رحمه الله في القديم أنه يصلي عليه وقال البندنيجي رحمه الله : حكي أصحابنا عن القديم أنه يصلي عليه ، وقد قرأت القديم كله فلم أجده فقد اتفق هؤلاء على إنكار كونه في القديم .

قسم V05/P209–V05/P211

قال إمام الحرمين والغزالي في البسيط : إن أوجبنا في هذه الأحوال الصلاة فالكفن التام واجب كما سبق ، يعني يكفن كفن البالغ في ثلاثة أثواب وإن لم توجب الصلاة وجب دفنه بالاتفاق ، والخرقة التي تواريه ، وهي لفافة قالا : والدفن واجب حينئذ قولا واحدا قالا : ثم تمام الكفن يتبع وجوب الصلاة قالا : وإذا ألقت المرأة مضغة لا يثبت بها حكم الاستيلاد ووجوب الغرة ولا غسل ولا تكفين ولا صلاة ، ولا يجب الدفن والأولى أن توارى هذا كلامهما . وكذا قال البغوي : إذا ألقت علقة أو مضغة لم يظهر فيها شيء من خلق الآدمي فليس لها غسل ولا تكفين وتوارى كما يواري دم الرجل إذا افتصد أو احتجم . وأما : الرافعي رحمه الله فقال : ما يظهر فيه خلقة آدمي يكفي فيه المواراة كيف كانت فبعد ظهور خلقة الآدمي حكم التكفين حكم الغسل فجعله تابعا للغسل وجعله الإمام والغزالي تابعا للصلاة ، وما ذكره الرافعي رحمه الله أنسب . وأما : المحاملي فذكر مسألة السقط في التجريد خلاف الأصحاب وخلاف ما ذكره هو أيضا في كتابه المجموع فقال : إن سقط بعد نفخ الروح ولم يستهل بأن يسقط لفوق أربعة أشهر فقولان ، قال في القديم والجديد : لا يصلي عليه وفي البويطي : يصلي عليه قال : ولا خلاف على القولين أنه يغسل ويكفن ويدفن ، وإن سقط قبل أربعة أشهر فلا خلاف أنه لا يصلي عليه نص عليه في جميع كتبه ثم إن لم يكن فيه خلق آدمي كظفر وغيره فلا حكم له فلا يغسل ولا يكفن ، وإن كان قد تخلق كفن ودفن وفي غسله قولان هذا آخر كلامه وفي البيان عن الشيخ أبي حامد نحوه ، ولم أره في تعليق أبي حامد لكن نسخ التعليق تختلف والله أعلم . فرع في مذاهب العلماء في الصلاة على الطفل والسقط أما الصبي فمذهبنا ومذهب جمهور السلف والخلف وجوب الصلاة عليه ونقل ابن المنذر رحمه الله الإجماع فيه . وحكي أصحابنا عن سعيد بن جبير أنه قال : لا يصلي عليه ما لم يبلغ وخالف العلماء كافة . وحكي العبدري عن بعض العلماء أنه قال : إن كان قد صلى صلي عليه وإلا فلا وهذا أيضا شاذ مردود . واحتج له برواية من روى أن النبي صلى الله عليه وسلم : لم يصل على ابنه إبراهيم رضي الله عنه ولأن المقصود من الصلاة الاستغفار للميت وهذا لا ذنب له . واحتج أصحابنا بعموم النصوص الواردة بالأمر بالصلاة على المسلمين وهذا داخل في عموم المسلمين ، وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها والطفل يصلي عليه رواه أحمد والنسائي والترمذي وقال حديث حسن صحيح . وأجاب الأصحاب عن احتجاح سعيد بأن الرواية اختلفت في صلاته صلى الله عليه وسلم على إبراهيم فأثبتها كثيرون من الرواة ، قال البيهقي : وروايتهم أولى ، قال أصحابنا رحمهم الله : فهي أولى لاوجه أحدهما : أنها أصح من رواية النفي الثاني : أنها مثبتة فوجب تقديمها على النافية كما تقرر الثالث : يجمع بينهما فمن قال : صلى أراد أمرا بالصلاة عليه ، واستغل صلى الله عليه وسلم بصلاة الكسوف ومن قال : لم يصل أي لم يصل بنفسه . وأما الجواب عن قوله : المقصود المغفرة فباطل بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى المجنون الذي بلغ مجنونا واستمر حتى مات ، وعلى من كان كافرا فأسلم ثم مات متصلا به من غير إحداث ذنب ، فإن الصلاة ثابتة في هذه المواضع بالإجماع ولا ذنب له بلا شك والله أعلم .

قسم V05/P211

وأما السقط فقد ذكرنا تفصيل مذهبنا فيه ، وقال مالك : لا يصلي عليه إلا أن يختلج ويتجرك ويطول ذلك عليه ، وحكي ابن المنذر عن جابر بن زيد التابعي والحكم وحماد ومالك والأوزاعي وأصحاب الرأي أنه إذا لم يستهل لا يصلي عليه وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه يصلي عليه وإن لم يستهل ، وبه قال ابن سيرين وابن المسيب وأحمد وإسحاق . وقال العبدري : إن كان له دون أربعة أشهر لم يصل عليه بلا خلاف ، يعني بالإجماع ، وإن كان له أربعة أشهر ولم يتحرك لم يصل عليه عند جمهور العلماء ، وقال أحمد وداود رحمها الله : يصلي عليه .

قسم V05/P211–V05/P213

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن مات كافر لم يصل عليه لقوله تعالى : ولا تصل على أحد منهم مات أبدا التوبة : 48 ولأن الصلاة لطلب المغفرة والكافر لا يغفر له فلا معنى للصلاة عليه ويجوز غسله وتكفينه لأن النبي صلى الله عليه وسلم : أمر عليا رضي الله عنه أن يغسل أباه ، وأعطى قميصه ليكفن به عبد الله بن أبي ابن سلول فإن اختلط المسلمون بالكفار ولم يتميزوا صلوا على المسلمين بالنية ، لأن الصلاة تنصرف إلى الميت بالنية ، والاختلاط لا يؤثر في النية . + الشرح : حديث علي رضي الله عنه ضعيف ، وحديث ابن أبي رواه البخاري ومسلم ، وقد سبق بيان حديث علي رضي الله عنه في باب غسل الميت ، وحديث ابن أبي في باب الكفن ، وأجمعوا على تحريم الصلاة على الكافر ، ويجوز غسله وتكفينه ودفنه ، وأما وجوب التكفين ففيه خلاف وتفصيل سبق واضحا في غسل الميت ، وتقدم هناك زيارة قبره والدعاء له ، واتباع جنازته ، وغير ذلك مما يتعلق به . أما إذا اختلط مسلمون بكفار ، ولم يتميزوا ، فقال أصحابنا : يجب غسل جميعهم وتكفينهم والصلاة عليهم ، ودفنهم ، ولا خلاف في شيء من هذا ، لأن هذه الأمور واجبة في المسلمين وهؤلاء فيهم مسلمون ، ولا يتوصل إلى أداء الواجب إلا باستيعاب الجميع ، فوجب ذلك ، ولا فرق عندنا أن يكون عدد المسلمين أكثر أو أقل حتى لو اختلط مسلم بمائة كافر وجب غسل الجميع وتكفينهم والصلاة عليهم ودفنهم وأما المقبرة التي يدفنون فيها فسيأتي بيانها في باب حمل الجنازة إن شاء الله تعالى . قال أصحابنا رحمهم الله : وهو مخير في كيفية الصلاة ، فإن شاء أفرد كل واحد من الجميع بصلاة وينوي الصلاة عليه إن كان مسلما ، قال القاضي حسين والبغوي وغيرهما : ويقول في الدعاء : اللهم اغفر له إن كان مسلما ، قال أصحابنا ويعذر في تردد النية للضرورة ، كمن نسي صلاة من الخمس يصليهن ويعذر في تردد النية وإن شاء صلى على الجميع صلاة واحدة وينوي الصلاة على المسلمين من هؤلاء ، وهذه الكيفية الثانية أولى ، لأنه ليس فيها صلاة على كافر حقيقة ، واتفق الأصحاب على أنه مخير بين الكيفيتين . وممن صرح بذلك القاضي حسين والبغوي وصاحب البيان والرافعي وآخرون وقطع المحاملي في كتبه والماوردي والمصنف في التنبيه وآخرون بالكيفية الأولى . وقطع البندنيجي والقاضي أبو الطيب في المجرد وابن الصباغ وآخرون بالكيفية الثانية ، ونقلها ابن المنذر عن الشافعي ، وليس هذا اختلافا بالاتفاق ، بل منهم صرح بالجائزين ومنهم من اقتصر على أحدهما ولم ينف الآخر . قال القاضي أبو الطيب في المجرد ، قال أصحابنا : وكذا لو اختلط الشهيد بغيره غسل الجميع وصلى عليهم ونوى بالصلاة غير الشهيد . قال القاضي : ولو ماتت نصرانية وفي بطنها ولد مسلم وقد تحقق ذلك فإن قلنا بالقديم : إن السقط الذي لم يستهل يصلى عليه ونوى بالصلاة الولد الذي في جوفها ، والله أعلم . فرع : قد ذكرنا جواز الصلاة على كل واحد من المختلطين مفردا ، وهذا تعليق للنية احتملناه للحاجة ، ويجوز التعليق أيضا في الزكاة والصوم والحج في بعض الصور ، فصورته في الزكاة أن يقول : نويت هذا عن زكاة مالي الغائب إن كان غائبا وإلا فعن الحاضر ، وفي الصوم أن ينوي ليلة الثلاثين من رمضان صوم غد إن كان من رمضان ، وفي الحج أن ينوي إحراما كإحرام زيد .