Qur'an&Sunnah

Muhâsibî — er-Riâye li-Hukûkillâh

قسم V00/P219–V00/P222

اي: ليشتهر بالعدالة عند الناس. وهو: مهاجر ابن قيس. ============================================================ قلت: من الذي يليه قال : المرائي بالنوافل تكلفا إذا اطلع على بعض ما ينقصه في الدين عندهم، اوا خاف ان يظن به انه لا يريد الله عز وجل بذاك يخاف ان تزول منزلته، وتغير حاله في القلوب التي كانت فيها. كالرجل يمشي مستعجلا او يطلع عليه متلفتا، فإن لقي لاهيا أو اطلع عليه سكن في مشيته، وخشع وغض طرفه، وخفض صوته، وارخى جفونه ، لئلا ينظر إليه بعين السهو واللهو. وذلك رياء من يظن انه من الخاصة من القراء ، لئلا يفظر إليه بالنقص ، لا ولذلك إن اطلع على نقص فيه من ضحك او مزاح استعفر وتنفس وتحزن كراهية ان يقال : لاهي، وان لا بنظر إليه بعين الحزن والخوف ، فيستغفر مما ليس بذنب ويظهر الحزن والتنفس والتندم مما يريد به الله عز وجل. ولقد علم ان الله عز وجل لا يعذب على ذلك، وما ذلك بذنب يستغفر منه ولكن لكيلا تغير منزلته من قلوبهم، ولا يظن به إلا الحزن والانكسار ، فيجزع مما كان منه لسقوط المنزلة عندهم، او يتكلف إظهار الحزن والاستغفار والخشوع لغير الله عز وجل. ولو خلا لعملها وهو فرح مسرور بها ، وإذا جاء وقت فعلها جضرتهم يجزع من قبل عقله وعلمه ان يكون تكلفا للعباد لا يريد الله عز وجل به، وقد غلبه طبعه على اعتقاد حمدهم مع اعتقاد الثواب. قلت: من الذي يليه قال : المرائي يتوهم الطاعة انه عاملها، وليس كذلك . كالرجل يعرف بالصيام، او يرى غيره صائما ، او يظن به الصيام فلا يأكل ولا يشرب خشية ان يراه من يظن به الخير او يعرفه بذلك، فيدع الماء وإنه لعطشان ويدعى الى الطعام فيمتنع من الأكل محبة ان يرى انه صائم، وجزعا أن يقال : إنه مفطر، فينظر إليه بالنقص من فضيلة الصائمين. وكذلك المريدون شيوخهم يكونون على حال لا يكونون عليها من الناس. 2 ============================================================ فان علم بإفطاره اعتذر ليعذر فيري انه لم يدع الصيام من فترة، ولكن إرادة بر والديه، أو سرور اخ، وآداء حق يلزمه في دعوة، أو إبرار مقسم، أو علة في بدنه . باب ما يورت الرياء من الأخلاق المذمومة وشرحها قلت: فأخبرفي بالذي يورث الرياء من الأخلاق المذمومة عند الله عز وجل. قال: ما كان منها عن الرياء خاصة لا عن غيره، فإنها تورث خلالا، منها: المباهاة بالعلم والعمل، والتفاخر بالدين والدنيا. وقد يعتري التفاخر ايضا من الكبر ، ولكمن التفاخر من جهة الرياء جزعا أن على ومحبة ان يعلو، والتكاثر بالمال وغيره من امر الدنيا، وبالعلم والعمل. والتحاسد على العلم والعمل لغير منافسة ولكن جزعا أن ينال من يحاسده من المنزلة والحمد ما لا ينال هو. ورد الحق على من أمره او ناظره، لئلا يقال: هو أعلم منه . وقد يعتري ذلك أيضا من الكبر، ولكن كراهة ان يقال : غلبه فلان، أو أخطأ. [الرئاسة] : قلت : ما الرئاسة؟ قال : حب التعظيم والتسخير للعباد والحقرة لهم، وان لا يرد شيء من قوله، ولا يساوي في العلم بغيره، ولا يقدم عليه غيره، وإن وعظ عنف ، وإن وعظ عنف فلم يقبل، وعنف وإن علم انه قد أخطأ، فلما علمه الناس او وعظوه لم يظهر الرجوع لثلا تنكسر رئاسته. اي : آن يعلو عليه احد في المنزلة . اي : كان عنيفا في رده على من وعظه "وإذا قيل له اتق الله، اخذته العزة بالايم". ============================================================ [المباهاة]: قلت : ما المباهاة، وكيف هي، وما تورث، وإلى ما يؤول ضررها قال: بالعلم والعمل.

قسم V00/P222–V00/P224

فأما بالعلم فالدوام على الطلب للعلم، وكثرة الحفظ له، والمواظبة عليه، وكثرة عدد من لقي من المحدثين، والمبادرة إلى الجواب حين يسأل هو او غيره. يجب بذلك ان يصيب الحق ليعلو، او ليعلم انه فوقه، ويعلم غيره أنه أعلم منه ، ويبادر الى ذكر الحديث ليعلم صاحبه انه اعلم منه، وإن ذكر صاحبه حديثا اخبر انه يعرفه، مباهاة ليفوقه. والمباهاة بالعمل، إن اجتمع هو ومن يذكر الله عز وجل ، أو يقاتل في سبيل اله عز وجل، أو يصلي، او يعمل عملا من أعمال البر. فإن صلى غيره قام فصلى جزعا ان يعلوه، ويكره صلاة المصلي معه ليرى فضله وإن صليا جميعا طول الصلاة ليتحشم صاحبه ويمل ، فيترك الصلاة، فيرفع فوقه ويكون قد علاه في المنزلة عند من يعلم ذلك، أو عند المصلى معه، ليستصغر نفسه ويرفعه على نفسه، ويرى فضله عليه. وكذلك القتال في الحرب: يبادر قدام غيره، ويحب ان يتخلف ويتقدم هو ويحمل نفسه على الكر على العدو بكل ما يقدر عليه ليعلوه، ويرى فضله عليه، ولعله يقتل على ذلك محبطأ اجره، ولا آمن مقت الله عز وجل له . وكذلك في سائر الأعمال. وأما المباهاة في الدنيا : فالمباهاة بالبناء، فينفق ما لو كان إليه وحده ما أنفقه ولكن لمن قاربه من الجيران، أو من الأقارب والأصحاب والأشكال من أهل عمل ه ومثله. فأنفق من النفقة اكثر مما لو كان يريد بالبناء نفسه، فأنفق للمباهاة أضعاف ذلك، ليلا يعلوه غيره، ليكون هو العالي عليه. ============================================================ وكذلك في طلب الدنيا مجتهدا في الطلب ، لئلا يعلوه، ويعلو هو في شرف المال وذكره به. وكذلك في الخدم والأثاث وغيره. [التفاخر]: قلت : وما التفاخر؟ قال : التفاخر قد يجمع المباهاة في أكثر معانيه ، ولكن له أسباب يتفرد بها مثل ما قد يجاء معها في العلم، فيخرجه التفاخر بالعلم إلى الاستطالة عليه فيقول: كم سمعت؟ وهل تحسن شيئا؟ وما تقول في كذا وكذا؟ يقول ذلك لغيره، وما يحسن فلان وإن لم يسمعه، وما سمع ما سمعت، وما قام مقامي، افتخارا عليه. و كذلك التفاخر بالدنيا مع المباهاة فيقول : أنت فقير لا مال لك، وكم ربحت وكم عندك من المال، ومتى ملكت المال؟ وعندي أكثر مما تملك ، ومولاي أغنى منك. وكذلك في العمل أن يقول: ما قمت في الحرب مقام الفرسان، وما كررت ولقد جبنت، وما أحسنت الكر. وكذلك في المناظرة والمفاخرة يقول: كم تحفظ من الحديث؟ ومن لقيت من المشيخة؟ وكم أدركت من العلماء؟ وما كان فلان يقدمك وقد كان يقدمني عليك . ويقول ذلك لغيره من غير آن يسمعه افتخارا عليه، فيخرجه الرياء إلى إظهار التكبر عليه، والاستطالة والبغي عليه. و التكاثر قد يجامع التفاخر ويزيد عليه في بعض معانيه وهو مثل قوله : سمعت كذا وكذا من الحديث، وغزوت كذا وكذا غزوة، وحججت كذا وكذا حجة، وأدركت من المشيخة كذا وكذا ، وما أفطرت مذ كذا وكذا ، ومن ينام بالسحر م في أ: قد يجتمع التفاخر. اي : ينكر على من ينام في السحر ، يريد بذلك الاعلان عن قيامه الليل. ============================================================ فان كان مكاثرا أو مفاخرا فطنأ - يريد ان يحمد ويفاخر ولا يذم - لم يصرح بذلك [ولكن] عرض بجميع ذلك ، لينال المباهاة والمفاخرة والمكاثرة، ولا يصرح فيقولوا : مباه، مرائي، مفاخر، مكاثر . وهذه بعضها تجامع بعضا ولكن يزيد بعضها على بعض، فمن ثم فرق الكتاب والسنة بينهما وذلك قول الله عز وجل: (وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأقوال والأولاد) . و قد قال النبي عوالله : " من طلب الدنيا مكاثرا مفاخرا" وقال في آخر الحديث " خلالا" ففرق بينهما. (التحاسد]: فلت : فالتحاسد.

قسم V00/P224–V00/P226

قال : يبعث عليه الرياء وغيره، فأما ما كان من الرياء فحسدا ونفاسة أن يدرك (غيره] من المنزلة أكثر مما يدرك، ومن حمد الناس أكثر مما يدرك من الحمد ، لا فيحب ان تزول عنهم النعم، ليلا يعلوه بها [أحد] فيكون دونهم عند إخوانهم وغيرهم، وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال لأبي أمية : لا أبقاني الله وإياك الى زمان يتغاير فيه على العلم، كما يتغاير على النساء . قلت: وكيف يرد الحق وهو يعلم انه حق؟ قال : لكراهة ان يقر له بالصواب فيعلوه، ولذلك تفرق أهل الكتاب بغيا بينهم وحسدا . سورة الحديد، الآية: 20. وقد كان والله في عصرنا من تحاسد العلماء وتناحرهم على موارد الكسب والاستغلال ما تخجل منه الوجوه الحرة، ولا سيما ممن يشار إليهم ويعتمد على رايهم، وهم يحسبون انهم يچسنون صنعا. بل وكفرق المسلمون كذلك، ومن هنا نعلم كيف دفعهم الرياء والنفاق إلى التمسك بالباطل وجمع الناس حولهم في صورة فرق ليس فيها ناجية إلا واحدة، وهي اهل السنة والجماعة، وكل يدعيها ، وقد ضاع الحق في ظلمة الدعوى. 226 ============================================================ وحب الغلبة] قلت : فحب الغلبة قال : حب الغلبة قد يعتري من الرياء وغيره. فأما ما يعتري من الرياء فكراهة أن يغلبه في المناظرة ويرتفع عليه من غلبة ويتضع عند من يعلم ذلك منه، ويحب أن يغلب فيعظم عليه ويثني عليه ويب ويوصل بالأثرة عليه. وكم من عبد قد صارم رجلا في علم فناظره حقى غلبه، وقد كان المغلوب يبر ويعظم، فجفاه من كان يبره حين غلبه ومال بالبر والتعظيم إلى الغالب. فيحب آن يخطيء غيره ويصيب هو، وإن أصاب اغتم لذلك، وتلك نهمة ابليس في العباد : أن يخطئوا في دين الله عز وجل ولا يصيبوا، ويغتم إن أصابوا . ولا يتفهم ما يقول مناظره إنما همته الرد والشغب . وبذلك وصف الله عز وجل الكفار، فقال: { وقال الذين كفروا: لا سمعوا لهذ القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون) . قلت: وكيف يترك التعلم لما يحتاج إليه ولا يسأل عنه . قال: قد يعتري ذلك من الرياء وغيره. فأما ما يعتري منه من قبل الرياء، فكراهة أن يسأل عن أمر فيقال : هذا لا بحسن مثل هذا فيدع الحق أن يطلبه والحرام أن يسأل عنه، وهو يعلم أنه يحتاج إليه، ثم توهمه نفسه ان ذلك منه حياء، وإنما هو منه رياء، ولو كان حياء لكان من الله عز وجل أحق أن يستحي، زعم من الناس أن يطلب الحق فيعلموا بذلك فيفطنوا بجهله ولا يستحيي من الله عز وجل، وقد علم أن الله عز وجل يعلم آنه يدع الحق أن يتعلمه ويطلبه. وهذه الأخلاق كلها تتشعب من العجب والكبر وغيره، وإنما أخبرنا بما يهيج 1) سورة فصلت، الآية: 26. 227 ============================================================ عن الرياء، ولقد جاء الأثر بالنهي والذم من قبل الرياء. فروي عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي عاله ، قال : " لا تطلبوا العلم لتباهوا به العلماء، أو تماروا به السفهاء، ولا تجتروا به أبصار الناس إليكم" . قال كعب: يأني على الناس زمان يتغايرون فيه على العلم، كما يتغايرون على النساء، فذلك حظهم منه. باب علامة المرائي في نفسه قلت : فما علامة المرائي في نفسه: قال: يحب الحمد على طاعة الله عز وجل، ويكره الذم، فيدع الطاعة من أجل الذم. وإذا عمل عملا لم يعلم به غير الله عز وجل، أو علم علما لم يعلم به إلا الله لم قنع نفسه في عمله؛ وعمله بعلم الله عز وجل ونظره وسمعه وحده، حثى يغلب على قلبه الطلب لعلم غيره. هتم لذلك، فان اطلعوا عليه ارتاح قلبه لذلك وسر بجمدهم. وأخف الناس عليه من حمده وأثنى عليه ، وأتقلهم من ترك حمده والثناء عليه .

قسم V00/P226–V00/P228

أخرجه : الحاكم في المستدرك 86/1 عن جابر بن عبد الله بلفظ: "لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، أو تماروا به ، ولا تجتروا به المجلس. فمن فعل ذلك فالنار النار" . وصحح الحاكم إسناده. وذكر رواية آخرى عن كعب بن مالك. أي : إذا ذمه الناس عليها، ووسموه بالرياء فيها تركها. أو تركها خوف آن يرائي فيها دون أن يذمه الناس، لقفد استبطن خوف الناس في هذه الحالة أيضا . يقول المحاسي في باب المدح والذم من الوصايا : إن العامل يدعي كراهة المادح وحب الذام، من أجل السلامة، ولكن لا يعدم أن يكرم المادح ولا يكرم الذام وإذا ساوى بينهما في الاكرام أو التقريب، فلا يسلم من نزغة الصدر. 328 ============================================================ ولا تسخو نفسه بإتيان طاعة الله لا يعلم بها أحد، فإن آراد نفسه على ذلك تقل عليها ولم تطاوعه عليه. وقد روي عن رجل: أنه عرض على نفسه في أيام بابك [الخرمي ] وهو يقاتل المسلمين فقال لنفسه : أتحبين أن تقتلي بابك ولا يعلم بذلك أحد؟ فأبت وقالت: مثل بابك يقتل ولا يعلم به أحد. 1 وقهسه باب ما چچب ان يلزمه المريد( عند عمل السر والعلانية قلت: فما الذي أولى به أن يلزمه قلبه قبل العمل، وفيه، وبعده؟ قال : أن يكون يعمل العمل لا يريد أن يعلم به إلا الله عز وجل وحده، قانعا بعلم الله عز وجل دون علم غيره، لأنه قل من يقنع بعلم الله عز وجل إلا الخائف من اله عز وجل. لأن العبد إذا أراد العمل من عمل جوارحه أو عمل في باطنه أو ابتدأ فيه كالفكر الذي يهيج (منه) البكاء والأحزان، جزعت النفس أن يكون يعمل بابك: زعيم فرقة يقال لها البابكية. المريد في تراث المحاسى معتاه: العابد المتوجه إلى الله تعالى ، المخلص نيته له وحده سبحانه، من الإرادة وهي : النية. وقد تطور معنى هذه الكلمة أخيرا حقى صار معناها مريد الطريقة الصوفية المعينة، ثم تطور حقى أطلق على مريد شيخ بعينه . ونحن وإن كنا نقول بأن الأقوياء من أهل البصائر لا يغيب عنهم أن ارادة الطريق معناها : ارادة الطريق الموصل إلى الاخلاص لله ، ولكنا لا تأمن على العامة والجهلاء اللصوق بالطريق والشيخ، ثم ينسون إرادة الله.: وعلى أحسن الأحوال فقد كان تطور هذه الكلمة هكذا لا يجعل إرادة الله بالدرجة الأولى من الأهمية. ما بين الحاصرتين: سقطت من ط 229 ============================================================ عملا عظيما له عند الناس قدر عظيم ولا يعلمون به . فتغلي لذلك غليانا تقول به : مثل هذه الفضيلة لا يعلم بها أحد ! لو علموا منك القمت عندهم مقاما كبيرا، ولا يعلم العبد أن في ذلك ضعة قدره عند الله عز وجل. فليقنع بعلم الله عز وجل، فإن اطلع عليه فعلم به غيره منع قلبه من الارتياح والسرور، فإن غلبه طبعه على الارتياح والسرور كره ذلك ومنع قلبه من الركون إليه. ثم لا يزال حذرا حتى يفرغ من عمله ثم يمسك عن إظهاره، ويمنع قلبه أن يطلب البر من الناس، لما يعرفون من بره وفضله ، ويكون وجلا مع ذلك كله أن يكون اله عز وجل قد أحصى عليه من النية المذمومة في عمله ما لا يرضى بها ، لا يأمن من ان يكون نسيها وغفل عنها وأحصاها الله عز وجل عليه. قلت قد وصفت عمل السر، فما تقول في العلانية كالحجنازة وطلب العلم والصلاة تطوعا يوم الجمعة أو في المساجد حيث يراه الإنسان. قال : مثل ذلك أن تكون نفسه قانعة بعلم الله عز وجل لاتفرح بعلمهم إذا علموا بذلك ، لأنه يريد بذلك ثواب الله عز وجل وهو: الرضى والجنة، لأن فرح العبد بعلم من لايملك رحمة الله عز وجل ولا جنته دلالة أنه لايريد رضى الله ولا ثم يرعى جميع ما فسرت لك من ذلك بقلبه ويحفظ جوارحه .

قسم V00/P228–V00/P231

أنظر كيف يفسد عمل العبد بعد سنين طويلة من عمله في باب النية والأرادة من "آداب النفوس" لمؤلف. يصدر قريبا من تحقيقنا . دار الحجيل، بيروت. ============================================================ باب سرور العبد عندما يفاهر عليه من عمله قبل فراغه منه وبعد فراغه قلت : فأخبرني إذا اطلع عليه بعد فراغه من العمل فيسر باطلاعهم قال: سروره بإطلاعهم قد يتصرف على وجوه ليس كلها مذموما. وقد يسر باطلاعهم إذا أطلعهم الله عز وجل وقد كان هو يستره عنهم. فأب اله عز وجل إلا آن يطلعهم عليه فيسر بما يرى من نعمة الله عز وجل بستره القبيح، وإظهاره الجميل. قلت : فيعدها نعمة،. ويسر جمدهم، فهو إذا چجب حمدهم على طاعة الله عز وجل؟ قال : لا، ولكن يس بستر الله عز وجل القبيح عليه، وإظهاره الجميل منه لأن النفس تحب أن تحمد وتكره أن تذم ويهتك عنها الستر، فيسر بستر الله عز وجل: إذ فعل به ما يوافق طبعه وترك ما يخالفه سرورا باللطف منه لا لقيام المنزلة عندهم فيسر بفعال المنعم في ستره القبيح وإظهاره الجميل . قلت : وبماذا يكون سروره2 قال يس بما يرى من الخلق وحمدهم الطاعة إذا ظهرت من المطيع، وحبهم له فيسر بذلك منهم إذا كانت قلوبهم كذلك. وغيرهم من يدعى الايمان قد يرمي من اطلع عليه على مثل هذا العمل بالرياء ويتكلم بالوقيعة فيه والحسد، فيسر بطاعتهم فيه ومجانبتهم أهل الحسد وأهل سوء الظن. هكذا قال الحسن حينما قال له رجل آنت يشير الناس إليك. فقال : يقولون ماذا؟ فقال : يقولونا هذا الحسن رجل صالح. قال : الحمد لله الذي أظهر الجميل، وستر القبيح ============================================================ ويسر أيضا إذا ستر الله عز وجل عليه القبيح وأظهر الجميل : رجاء أن يكون هذا دليلا على ستر الآخرة، لقول النبي ه : "ما ستر الله عز وجل على عبد في الدنيا إلا وستر عليه في الآخرة" ويسر أيضا باطلاعهم وتعظيمهم الطاعة، ورجاء آن يقتدوا به ، فيعملوا مثل ذلك العمل. ويسر أيضا باطلاعهم لنفسه ليحمدوه لطاعته لله عز وجل ويبجلوه ويعظموه ويغضلوه، ويبروه ويصلوه، وهذا الخنلة المكروهة. قلت : فهل يفسد ذلك عمله الماضي الذي قد فرغ منه، وإنما يسر به بعد العمل؟ قال: لا، وقد ذهب العمل خالصا ولم يرائي به، ولم يظهره على عمد، ولم يحسث به ، ولم يتمن ان يظهروا عليه، وهذه المحسة منه لحمدهم نقص منه، ومحبة للمنزلة عندهم بطاعة الله عز وجل، وذلك عقد المرائي أن يحمد، فذلك نقص منه وذم عند الله عز وجل. ولا يحبط العمل إن شاء الله إذا لم يرائي به يتمن اطلاع العباد عليه ولم يظهره لهم ولم ججدث به العباد. وقد ينبغي له أيضا أن يكون خائفا على عمله الماضي أن يكون قد خالط قلبه من الرياء ما لم يفطن له لغلبة الهوى فخف ذلك لما رأى من محبة نفسه لحمدهم ، ويرجع إليها فيقول : لولا أن للرياء في قلبك أصلا لما هاج حين اطلعوا ، ويرجو أن يكون خالطه رياء يحبط عمله، فيكون يأمل من الله عز وجل آن يكون تقبله منه ويكون خائفا لما رأى نفسه تحب حدهم عند إطلاعهم عليه آن يكون قد أحصى الله عز وجل من ضميره ما نسيه ولم يغطن له. فليستغفر الله عز وجل مما يعلم الله عز وجل ولا يعلمه هو . الحديث آخرجه مسلم في صحيحه، الحديث 71، 72 من كتاب البر . بلفظ: "لا يستر الله على عبد ي الدنيا الا ستره الله يوم القيامة". ============================================================ فان كان خالط عمله رياء رجوت آن يعفو الله عز وجل عنه . وإن لم يكن خالطه الرياء كان ذلك الاشفاق والمخافة طاعة لربه عز وجل وزيادة حذر فيما يستقبل من الأعمال وردا على نفسه ما حدث في قلبه من سرورها مدهم قلت: فإن اطلع عليه من قبل أن يفرغ من العمل فيسر بذلك؟

قسم V00/P231–V00/P233

قال : ذلك مختلف فيه أيحبط أم لا إن كان سروره من حب المنزلة والحمد . قلت : أفليس قد روي عن الني الله في الحديث : " أن رجلا قال: يا رسول الله، أسرة ولا أحب أن يطلع عليه، فيطلع عليه فيسرني ذلك ، قال ، لك أجران، أجر السر، وأجر العلانية" . قال : هذا الحديث لم يقل فيه فيطلع عليه بعد فراغي منه ، أو قبل فراغي منه وقد جوز آن يكون علم به قبل أن يفرغ منه ، ويجوز آن يكون بعد فراغه . فإن يكن قبل الفراغ من العمل فذلك أشد .ا وقد اختلف في ذلك؛ فقالت طائفة : لا شيء عليه، لايضره السرور منه بالعزم المتفدم لله عز وجل بالأخلاص الذي به دخل العمل، وروت هذا الحديث واعتلت به حديثا عن الحسن، أنه قال : إنهما سروران، فإذا كانت الأولى لله عز وجل لم يضره الثانية. وقالت فرقة: يحبط عمله إذا كان قبل الغراغ منه ، لأنه قد نقض العزم الأول وركن إلى حمد المخلوقين، ولم يختم عمله بالاخلاص، وإنما يتم العمل بخاتمته . و كذلك يروى عن معاوية رحمه الله، عن النبي عالله : " إن العمل كالوعاء إذا المؤلف في هذا الموضوع أدق مسلكا في "آداب النفوس" له . تأثر الغزالي بالمحاسي واضح بمقارنة من هنا بنظيره في الاحياء. أخرجه : البيهقي في شعب الاييمان من رواية ذكوان عن ابن مسعود، وأخرجه الترمذي وإبن حبان من رواية ذكوان عن ابي هريرة. قال الترمذي : غريب. ============================================================ طاب آخره طاب أوله" . أي العمل بخاتمته، وبالله التوفيق . والحديث قد روي: " من راءى بعمله ساعة حبط ما كان قبله" . ولا معنى لهذا عندهم إلا ما سألت عنه من سرور هذا بالرياء قبل أن يفرغ من العمل، فقد راءى بعمله ساعة فحبط ما كان قبله، ولا معنى هذا عندهم إلا ما سألت عنه من سرور هذا الرياء قبل أن يفرغ من العمل، فقد راءى بعمله، فقد حبط ما مضى منه وما بقي، إلا أن يتمه على غير ذلك العقد . وأما حديث الحسن ، فإنما روى : إذا كانت الأولى لله ، فلا تهدمه الثانية ، أي لا تكسر5. وأما ما روي في الحديث الآخر : لا يضره، فهذا معناه : ألا يدع العمل ولا ضره الخطرة وهو يريد الله عز وجل، ولم يقل : إذا عقد (على) الرياء بعد عقد الاخلاص لم يضره. وأما حديث النبي عالله فليس في مسألة السائل، قال : يا رسول الله، فيسرني من قبل حب المحمدة. فيكون فيه حجة، وقد يمكن أن يكون - إذ لم يصرح لم كان سروره - لمعان كثيرة. قلت : فما تقول أنت: قال : كنت لا أقطع عليه بالحبط، وإن لم يتزيد في العمل . ولا آمن عليه الحبط، الا فكنت أقف لاختلاف الناس في ذلك. والأغلب على قلبي أنه يحبط إذا ختم عمله بالرياء. وأما اليوم فقد تبين لفي ذلك، فأنا أقطع به ، لأنه عمل على الرياء (من أول أخرجه: إبن ماجه من حديث معاوية بن أبي سفيان بلفظ : " إذا طاب أسفله، طاب أعلاه" . أخرجه في ط: هذا الرياء. سقطت من ط 234 ============================================================ قدم) وختم عمله به ، وقد أحبطت السنة عمل المرائي، وهذا قد ختم عمله بالرياء . قلت : فما تقول في الحديث الذي روي عن النبي صالله" قال: قد أخبرتك بما يمكن أن يكون (به) سروره لاطلاعهم، فإن يكن ال النعمة أو لطاعتهم فيه، أو للقدرة، فله أجران : أجر للعمل، وأجر لسروره، لأن سروره طاعة لربه عز وجل، إذ ظهر عمله، فسر ليقتدي به ، فأخبره النبي عالله أن له آجر ما ظهر من عمله فسر ليقتدي به . وإن كان سروره لحب الحمد والثناء ، فذلك عقد الرياء فلا أجر له يصح في الكتاب ولا في السنة تأويل من تأوله.

قسم V00/P233–V00/P235

وإن السائل سأل عن ذلك، فأجابه النبي له ، وإن الأمة مجمعة على الكتاب و السنة أنه ليس فيهما أن الله عز وجل يأجر على الرياء، ولا يقول ذلك أحد من علماء الأمة. و إن أحسن حال المرائي أن يعفى له عما اعتقد من الرياء، ويبقى له أجر عمله ولا يحبط كما تأول من ترخص في ذلك، واحتج بحديث الحسن أن ذلك لا يضره .ا فأما ان يقول احد له اجر عمله، واجر سروره بالرياء، فذلك ما لا يقوله احد، فإن احتج بالحديث فإنه لا يحتج ان الله عز وجل يأجر على الرياء، وإنما تج به لئلا يبطل العمل الأول، ولا يضره سروره. والنبي لله قد جعل له أجرين : أجر السر، وأجر العلانية، فأحسن احواله ان يكون قال له : لك اجر ما اسررت، ولا يضرك ما ظهر. ما بين الحاصرتين سقط من ط. ما هنا نتبين بالتقريب آن المحاسبي كتب الرعاية في الستين من عمره. سقطت من ط. في ط : فلا أجره. 235 ============================================================ وأما آن يكون له على عقد الرياء أجر ثان فالذي لم يراء بعد ما اطلع عليه ل وأخلص لله قلبه، ونفى خطرات الرياء عن قلبه اخس اجرا ، والمرائي أعظم اجرا: له أجران على قياس هذا القول، وذلك ما لا يقوله مسلم يعقل. فلولا ان الرجل كان في مسألته ما يدل (على) ان سروره كان طاعة لربه وإن لم يكن له بذلك علم، وأشفق من اطلاعهم وسروره به لقلة علمه، فلا يمكن انه كان سروره إلا ببعض ما ذكرنا من النعمة او لطاعة من اطلع عليه فيه أو لأن قتدي به. وقد روي عن عبد الرحمن بن مهدي انه قال : إنما معنى هذا الحديث انه اراد القدوة، وقوله اجر العلانية يدل على ما قال عبد الرحن : لأن سروره سرور بما أعلن من فعله عندهم ، فإن اقتدوا به كان له مثل أجرهم، كما قال النبي لل : من سن سنة حسنة فعمل بها كان له مثل آجر من يعمل بها" والله أعلم بما آراد. غير أن الكتاب والسنة لم يدلا على ان له اجرأ على الرياء وأن الله عز وجل لم يعل المرائي أعظم اجرأ من المخلص. وتأول بعضهم في ذلك : منهم عبد الرحمن [بن مهدي] أنه قال : إنه ندم على ما اعتقد من الرياء، فلذلك جعل له النبي لل اجرين : أجرأ على طاعته ، وأجرأ على نوبته. وقد أخطأ من قال ذلك ، لأن المرائي إذا ندم على ريائه أجر على توبته، وحبط عمله إذ قد احبطه بالرياء . والحديث مع ذلك عامة من يرويه غير متصل لا يرفعه الى أبي هريرة - اكثرهم يوقفه على أبي صالح ، ومنهم من يرفعه إلى أبي هريرة ما بين الحاصرتين: سقطت من ط اخرجه : الشيخان عن ابي هريرة، ومسلم والترمذي عن جرير بن عبد الله، واخرجه الامام احمد بن حنبل والطبراني والبزار، واخرجه ايضا ابن المبارك في الزهد، انظر: (جمع الزوائد: 167/1). وابو صالح كذاب. انظره في الضعفاء لابن الجوزي، والمغني في الضعفاء للذهبي، ومعرفة المجروحين للنسائي وكلها مخطوطة في دار الكتب المصرية . 23 ============================================================ والله أعلم: أمحفوظ الحديث أم لا؟ فإن كان محفوظا فلا وجه له إلا ما ذكرنا ، وإلا تركنا السنن بالتناقض له وخرجنا من إجماع العلماء. وقد يمكن ان يكون اطلع عليه بعد العمل فسر (به) ولم يعلم لم كان سروره؟ فأخبره النبي عالله ان سروره بذلك لا يضره، وأن له اجرين : اجر له على عمله، واجر له فيما ظهر للعباد ان يعملوا بمثل عمله، فيؤجر فيهم إذا اقتدوا به فدعاه النبي الله إلى أن يكون سروره بالأجر فيهم ، لا بالرياء.

قسم V00/P235–V00/P237

باب ذم الرياء والعجب قلت: فالحديث الذي يرويه آبو موسى عن رسول الله له : ان اعرابيا اتا فقال: يا رسول الله، الرجل يقاتل حمية، والرجل يقاتل شجاعة، والرجل يقاتل ليرى مكانه، من في سبيل الله؟ قال النبي له : "من قاتل حتى تكون كلمة الله اهي العليا فهو في سبيل الله" ، ولقد علمنا ان كل مسلم يحب ان تكون كلمة الله هي العليا. قال : قد تأول قوم في ذلك، وزعموا ان ذلك لا يضر بهذا الحديث ، وذلك عندنا غلط منهم ، لأن الكتاب والسنة يدلان على غير ذلك . فأما الكتاب فإنه روي عن طاووس وعدة من التابعيين ان رجلا قال للني الله : الرجل يصطنع المعروف - او قال يتصدق - يحب ان يحمد ويؤجر، فلم يدر ما يقول له النبي ه حتى نزل. فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا . ما بين الحاصرتين: سقط من ط اخرجه الإمام احمد والسنة . وقد سبق تخريجه في حديث : "الرجل يقاتل حمية" . في ط: منهم غلط في ط: فلم يرد، ولا معنى له . سورة الكهف، الآية: 110. ============================================================ إن أدنى الرياء شرك" . وأما السنة فإن معاذا روى عن النبي عالله : وروى أبو هريرة عن النبي له انه قال: "يقال لمن آشرك في عمله: خذ اجرك ممن عملت له" . وروي عن عبادة بن الصامت أنه قال: " إن الله جل ثناؤه يقول: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل في عملا وأشرك معي غيري ودعت صيي لشريكي" . وقال عبد الله [بن مسعود]: "من هاجر يبتغي شيئا فهو له" . وقال عبادة بن الصامت: إن النبي له قال: "من غزا لا ينوي إلا عقالا فله ما نوى" . وقاتل رجل من أجل حمار، فقال النبي ه: " له الحمار" وقال : "إنم لامريء ما ينوي". وكل مسلم يحب ان يغلب المؤمنون المشركين وإن راءى، ولو كان كما تأولت هذه الفرقة لكان لا يكون مرائيا في غزوة حتى يكفر، لأن حبه لأن تعلو كلمة الكفر كفر، فتتابعت الآثار بخلاف ما تأولته هذه الفرقة . وليس يكون ما سأل عنه السائل بحجة على العباد ، إنما سأل النبي عوالله عن أشياء لا يجوز ان تكون لله، فأجابه بخلافه وبما يصح عند الله، فقال:" من قاتل حتى تكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" . ولم يقل : من آراد ما سألت سبق تخريچه. اخرجه : مالك في الموطا، ومسلم مع تقديم وتأخير، وابن ماجه بسند صحيح سبق تخريچه. سبق خريجه. بل وكانوا يقولون عنه : شهيد الحمار. 6) سبق تخريچه. في ط: وإلى راءى، ولا معنى له. 238 ============================================================ عنه، فقاتل لذلك ، ولتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ، إنما قال له : من قاتل في سبيل الله. فأخبره أن " في سبيل الله" غير الذي عددت، فأخلص القتال لعز الإسلام فمن ادعى معنى ثانيا قاله النبي ه فليأت به ، ولن يجده. والآثار أيضأ بخلاف ما تأولت. وقد روي عن ابن مسعود : إن الملائكة إذا التقى الصفان نزلت، فكتبت الناس على منازهم : فلان يقاتل للملك ، وفلان يقاتل لذكر، وفلان يقاتل يريد وجه الله ، فذلك الشهيد . وقول عمر رضي الله عنه : وأخرى تقولونها في مغازيكم: فلان شهيد، ولعله ان يكون قد ملأ دفتي راحلته ورقا. قال: وقال النبي ه، حين سأله الرجل عن الرجل يقاتل في سبيل الله ، قال : إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر" . وقتل رجل من أصحابه له، فقال له أصحابه : له الجنة، فقال النبي عل: " له الحمار، إنه اراده" . وروى عبادة عن النبي اله انه قال : " من غزا لا ينوي إلا عقالا فله ما نوى" والحديث في ذلك كثير.

قسم V00/P237–V00/P240

فذلك غلط في التأويل، واكثر العلماء يرون انه أشد الحديث ، إذا لم يجعل في سبيل الله، إلا من أخلص لتعلو الكلمة وحدها، ولم يضم إليها إرادة غيرها . ولو كان كما تأولته هذه الفرقة لكان الرياء مباحا، لا يبطل العمل ولا يحبطه لأنه ليس من مسلم يقاتل إلا وهو يحب ان يغلب المؤمنون ويهزم الكفار، فقد اباحوا الرياء في الغزو. ولو كان أيضأ كما تأولته ما كان ذلك حجة في سائر الأعمال ، لأن الصدقة اي : إن القتال في سبيل الله على غير ما ذكرت ايها السائل. 239 ============================================================ واكثر الاعمال قد يفعلها العبد لا يذكر الله فيها كما يذكره محبة ان يغلب المسلمون في الغزو. باب ما يجوز للعبد ان يقطع انه اخلص فيه له وما لا يچوز له منه قلت : فهل يجوز لأحد ان يقطع انه أخلص لله عملا إذ لم يعلم رياء خالطه؟ او الخوف والشك أولى به قال : أما قبل أن يبدأ في العمل فلا يجوز له ان يدخل العمل حتى يعلم انه قدا اراد الله به ولم يرد غيره، لأنه لا يجوز له ان يدخل في العمل ولا يدري ما يريد به، فعليه ان يكون متيقنأ بأنه قد اراد الله عز وجل بذلك العمل وإلا لم يدخله . فإذا علم انه قد اخلص فأراد الله عز وجل وحده، دخل في العمل على ذلك . وإذا مضى عليه من الأوقات - ولو كان كطرف العين - مما يمكن المخلوق فيه النسيان والسهو فالخوف أولى به ، لأنه لا يدري لعله قد خطرت خطرة بقلبه : رياء او عجب، أو كبر او غيره، فقبلها وهو ناس لا يذكر أنها رياء، فيكون مشفقا خائفا. قلت : فإذا كان شاكا في عمله فكيف يرجو على الشك ، ويأمل الرضى من الله عز وجل؟ قال : أما الشك في أنه لا يدري دخل العمل بإخلاص ام لا ، فلا يجوز في ذلك الشك، إذ قد علم انه قد دخل وقد اراد الله عز وجل وحده. واما الشك خوفا من ان يكون قد احصى الله عز وجل عليه قبول خطرة نسيها هو ولم يفطن ها فنعم، فالخوف على عمله والوجل والاشفاق من أجل ذلك .ا في ط: يبتديء. في أ: كطرفة عين. 240 ============================================================ قلت : فالرجاء والخوف على العمل ان يكون عمله لله او لغير الله عز وجل إذا مستويان، فأمله في الله عز وجل ضعيف، فكيف ينعم بطاعته لله عز وجل ويجد حلاوتها؟ قال: ابل الأمل والرجاء اغلب واكثر، لأنه قد استيقن انه قد دخله بالإخلاص له وحده، ولم يستيقظن انه راءى بشيء منه. فالاخلاص عنده يقين، والرياء هو منه في شك، فخوفه إن قد خالطه رياء كان ذلك الخوف مما يرجو به ان يصفيه الله له ، لاشفاقه على ما لا يعلم فهي ، فبذلك يعظم رجاؤه، وإن لم يكن خالطه رياء فذلك زيادة على عمله وعبادة منه . وكلما اشفق ازداد نعيما بالطاعة، وأملا في الله عز وجل ، إذا ايقن انه دخله بالاخلاص، وختمه بالاشفاق والوجل عن علم الله عز وجل ، فبذلك يعظم رجاؤه وامله، ويتنعم بطاعة ربه عز وجل. ها يجزيء من النية عند ابتداء العمل، والنية في العمل قلت : فعلى الناس ان يقدموا النية على كل عمل، حتى يعلموا انهم قد ارادوا اله عز وجل وحبه؟ ام يجزىء المريد نيته المتقدمة في كل عمل يعرض له؟ لأنه لا يعمله إلا الله عز وجل وحده، وقد سمعتك تقول: لا يدخل حتى يستيقن انه اراد الله عز وجل وحده قال: إنما سألتني هل يجوز لأحد ان يقطع انه قد اراد الله عز وجل؟ فرجعت اليك في ذلك، أنه يجوز في بدء العمل قبل دخوله، ولم أقل لك : إنه من لم يذكر النية فهو مرائي. انظر باب النية والرياء (آداب النفوس) للمحاسي: ============================================================ قلت : فهل تجزيء المريد نيته المتقدمة، ام لا تجزيء إلا ان يقدم نية عند كل عمل.

قسم V00/P240–V00/P241

قال: إن النية المقدمة مجزية إذا عرض له عمل هو لله عز وجل طاعة، وفيه ثواب ان يأتيه لاسم الطاعة، وظاهرها، وإن لم يذكر النية، ما لم يخطر بباله خاطر الرياء فيقبله. فإن لم يقبل خطرة رياء فهو على نيته الأولى ، وهي مجزية عنه ، لأن المريد لله عز وجل المخلص، قد قدم النية لله تعالى : ألا يعمل عملا من طاعة الله عز وجل إلا له عز وجل، وإنما هذا للمريد . فأما من قدم اعتقاد الرياء فلا يجزيه ذلك، حتى يندم على العقد الأول ، ويجدد له عز وجل نية عند العمل. وأولى بالمريد، وإن كان تجزئة النية الأولى أن يجددها عند كل عمل ، وذلك أنور للعمل في قلبه، وأبعد له من الغفلة ، واحرى إن خطرت خطرة رياء علم بها فلم يقبلها. وإذا لم يجد النية لم يكن في العمل كمن ذكر الله عز وجل وحده، وذكر اثواب، وأهاج الأمل في قلبه، ولأن من لم يذكر ذلك ولم يجدد نية كان أقرب الى الغفلة والسهو، ولا يؤمن عليه قبول الخطرة وهو لا يعلم، فأولى به تجديد النية عندا كل عمل، وإن كانت تلك الأولى مجزية . ومع ذلك أنه إنما تجزيه في الطاعات المسميات في الكتاب السنة : كالحجنازة تمر به فيقوم لها؛ لأنها طاعة وإن لم يذكر النية، وكالصلاة يقوم إليها، او كالصدقة وقراءة القرآن. فأما ليس اسمه بطاعة إلا ان يريد به الطاعة فلا يجزيء حتى يجدد النية ، مثل : سؤال الرجل في حاجة يقضيها له من حوائج الدنيا، أو دعاه إلى طعام، او زيارة اي: مريد الله تعالى بالعبادة، وهو معنى هذه الكلمة في تراث المحاسي . 242 ============================================================ أو أشباه ذلك ، فذلك يكون للدنيا ويكون لله عز وجل، وليس اسمه طاعة، إنما يكون طاعة إذا أراد الله به ، فلا يجزيه إلا ان يجدد نية عند ذلك، لأنها ليست بطاعة ، فيكون إنما أهاجه اسمها، ومعرفته بأنها طاعة لربه عز وجل؛ إلا ان يكون العبد معتادا لبعض ما ذكرنا او ما أشبهه مما ليس اسمه طاعة، إلا أن يراد اله عز وجل به. فان كان العبد معتادأ له وقد قدم النية فيه عز وجل ، فذلك كالرجل قدا حسنت منه النية في القيام بجوائج الناس يريد الله عز وجل وحده بذلك، فذلك جزئه ما تقدم من نيته ، لأنه وإن لم يكن اسمه طاعة فقد ألزم قلبه النية لله عز وجل بذلك وهو في عادته ومعرفته وما آلزم نفسه كالصدقة. وأما ما لم يقدم فيه نيته لم يجزئه إلا في أربعة : في العالم، والعابد ، او المضطر او الرحم. فإنها فيهم أسهل، وأرجو ان تجزيه النية الأولى؛ لأنه إذا سأله العالم او العابد الذي يحبه لله عز وجل حاجة فقضاها له، فانما هو للحب المتقدم لله عز وجل، والرغبة في العلم، او لحب العلماء، او لاغاثة اللهفان او المضطر، أو صلة الرحم. فذلك يجزئه إن شاء الله عز وجل، ما لم تعترض له خطرة رياء يقبلها، إلا ان يكون هؤلاء قد تقدم في قلبه رجاء مكافأتهم، او خوف ملامتهم، او حب ، يعرف ذلك من نفسه، فلا يجزئه إلا أن يجدد النية . فأما من لا يعلم ان نفسه تريد ذلك منه فهي تجزئه إن شاء الله عز وجل النية المتقدمة، ما لم يقبل خطرة رياء، ولا سيما من يحب في الله عز وجل خاصة، فان كل امره عندي هو لله عز وجل، ما لم تعرض خطرة رياء فيقبلها لغير الله وهكذا جميع الأعمال المباحة التي لا نص في أنها طاعة مثل الطعام والشراب والنكاح والمسكن والمركب وغير ذلك. وهي أعمال تمكن ان تكون قرية يثاب عليها العبد، ويمكن ان تكون معصية يعاقب عليها، ويكن ان تكون سدى، لا ثواب عليها ولا عقاب.

قسم V00/P241–V00/P244

243 ============================================================ وخصلتان تغمض النية فيهما : إرادة سرور المؤمن، وإرادة منفعته بما يعلمه العالم فلا يتم السرور والمنفعة له إلا بالعلم. فالعلم يغمض ويلتبس . أنك تريد ان تسره ليحمدك على ما أدخلت عليه من السرور، وتعلمه فينتفع فيحمدك ويعظمك، إذا رأى منفعة في دينه انها بما علمته، فيحمدك إذا نال الطاعة بما علمته . فمن آجل انك تريد سروره ومنفعته تغفل وتظن انك تريد الله عز وجل بذلك، وإنما تريد ان يحمدك ويبرك ويعظمك. قلت : فكيف الإخلاص فيهما . قال: أن تكون إنما تريد ان تدخل عليه السرور لتؤجر على سروره لا ليحمدك، وتريد ان ينتفع بما تعلمه ، ليعمل به فتؤجر فيه ، ويكون لك مثل اجره، لا تريد بذلك ان يحمدك ولا يعظمك ولا يبرك . باب العبد يدخل العمل يريد الله عز وجل وحد م يجد من نفسه نشاطأ للزيادة وما يجزئه من النية في ذلك قلت : العبد يدخل العمل يريد الله عز وجل به ، ثم يجد من نفسه نشاطا للزيادة فيه من غير حادث نية يذكرها ، ولكن ينشط قلبه للزيادة، أعليه تجديد النية فيه انظر باب النية في إدخال السرور على المؤمن (اعمال القلوب والجوارح) للمؤلف من تحقيقنا، فقد أوسع فيه الكلام بأكثر مما هنا. ومن الأغاليظ ما ذكره المؤلف في (اعمال القلوب والجوارح) في باب النية في سرور المؤمن ان يسره ليتقي وقوعه في عرضه، ففيه إثم سوء الظن مع عدم الإخلاص. في ط: بهما. والمراد بالمؤمن المراد سروره من ليس من أهل البغي ولو كان ناطقا بالشهادتين على رأي من يكتفي بظاهر الاييمان . فهو لا يجوز ان يبروا إلا بقدر ما تقوم به حياتهم حسب. انظر التفاصيل في باب النية في سرور المؤمن من كتاب (أعمال القلوب والجوارح) . 244 ============================================================ كما اسمه طاعة أو لم يكن؟ قال: تجزئه النية الأولى في ذلك ، ما لم تعترض خطرة رياء فيقبلها ، وكذلك كثير من الأعمال. يقوم العبد وهو يريد أن يصلي بأيات قليلة العدد ، فيفتح له شهوة ونشاط، حتى ربما قرأ القرآن كله . ويسجد يريد التخفيف ، فيفتح له الزيادة في الدعاء في السجود فيطيل السجود. وكذلك قراءة القرآن ، يبتدىء في السورة لا يريد غيرها : فيخف عليه قراءة الأخرى من غير ذكر نية معلومة . قلت : هذا قد فهمته فيما كان اسمه طاعة، فما لم يكن اسمه طاعة قال : وما لم يكن اسمه طاعة فابتدأ فيه لله عز وجل ، ثم اتبعها التزيد فيه ، فهو على ما ابتدأ، ما لم يكن حدث في قلبه رياء. كالرجل يريد الله وحده بإعانة بعض المسلمين على شرائه أو بيعه، أو في حاجة يريد ان يعينه على بعض ذلك يريد الله وحده، ثم ينشط فيزداد على ما كان نوى، فهو على نيته الأولى، ما لم يعترض رياء فيقبله. و كذلك يسأل الحاجة فينوي قضاءها لله عز وجل وحده، ثم يحب الزيادة على ما يسأل فيفعل ذلك، وكذلك ينوي اهدية لله عز وجل ، ثم يزيد فيها قبل أن يرسل بها، فهو على تلك النية. والتجديد أبعد من الغفلة، وأقوى لأهل الثواب والرجاه، لأنه قد يعترض في ذلك آفات، إن كان أراد الله عز وجل بالأولى، كالهدية يريد بها الله عز وجل ثم يخاف أن تستقل ويقال: ما أبخله، وإنما يزيد من أجل ذلك.ا وكذلك المعونة في البيع والشراء والعمل، وقضاء الحاجة، يزيد إذا رآهم قدا سوا، رجاء أن يعظم حدهم، ويزيد مخافة أن يذم، أو يقال: لم تسخ نفسه من في أ: بإغاثة. 245 ============================================================ المعونة إلا بكذا ، فبين أن يكون أتم المعونة حتى يفرغ المعان من عمله، أو بيع أو شراء، فالتجديد أحب إلي وإن لم تجدد نية كان ذلك مجزيأ لما تقدم من نيته ، ما لم تعترض له خطرة رياء فيقبلها. باب وصف النية ماهي قلت: فالنية ما هي؟

قسم V00/P244–V00/P246

قال: إرادة العبد أن يعمل بمعنى من المعاني، إذا أراد أن يعمل ذلك العمل لذلك المعنى، فتلك الإرادة نية، إما لله عز وجل وإما لغيره، لقول النبي ع وإنما لامرىء ما نوى" ، لأنها نية للمعنيين : نية ان يعمل العمل ونية ان يعمله لعنى من المعاني، دنيا أو آخرة. كالرجل يريد أن يعمل، أو يريد آن يغزو، للأجرة، أو بالتكبير، ثم ينتصب قارثا ثم يركع، ثم يسجد، ثم يرفع. والنية لثواب الله عز وجل، أو للدنيا ، إرادة منه أن يصلي ليؤجر وأن يرضى الله عز وجل بها عنه ، أو إرادة أن يحمد ويثنى عليه ، فتلك النية . فالنية في العمل لله عز وجل: أن يريد به ثواب الله عز وجل لا يريد غيره. قلت: أنا أريد أن أكون مخلصا، وأكون مصليا وصائما، ومطيعا في كل أمري . قال: ذلك على وجهين: احدهما، قد نويت آن تخلص، والا تريد نيء مما تفعله إلا الله وحده. في ا في جميع 246 ============================================================ ونويت أن تقوم فتصلي وأن تصبح صائما ، وألا لاتعصي الله عز وجل، وإن عرضت لك معصية ودعتها من خوف الله عز وجل ، فتلك الإرادة التي هي نية لك هي نية الله عز وجل. ومعنى آخر هو (أن) تريد أو تحب أن تكون مخلصا وأنت مضيع لإخلاص، وتحب أن تكون صائما ومن نيتك الإفطار ، وتحب أن تكون مصليا وأنت كسلان عنها، أو مؤثر عليها الشغل بالدنيا ، وتحب أن تدع المعاصي من خوف الله عز وجل والنفس لاتسخو بالتوبة، فتلك إرادة محبة منك الشيء . وإرادة ثالثة قد جوزتها العرب في لغتها، وأنزل بها الكتاب - إرادة كاد قال الله جل ذكره. "جدارا يريد أن ينقض". وقال الشاعر: لا تعجبي مني ومن سوادي ومن قميص هم بانقداد وقال غيره : يريد الرمح صدر بني نزار ويرغب من دماء بني عقيل فوصف الله عز وجل الجدار بالأرادة، ووصف الشاعر القميص بالهم وذلك أنه جدار مائل كاد أن ينقض، والقميص خلق كاد أن يتخرق لبلائه . وتقول أردت والله أن أهلك نفسي، أي كدت أهلكها، لا أنه ينوي هلاك نفسه ولا يحب هلاكها . قلت: فهل تحضر النية وتمكن العبد في كل أمر، وفي كل وقب؟ قال: أما النية فيما ليس فيه ثواب فلا تحضر، ولا نية في ذلك، ومن آراد الله في ط نية الله. ما بين الحاصرتين: سقطت من ط. في أ شغلك بالدنيا. ما بين الحاصرتين: سقط من ط. أي: إرادة بمعنى كاد. ============================================================ عز وجل في ذلك فمغرور غالط. كالرجل بنى البنيان الفاخر يريد بذلك - زعم - الله ، ويأكل الأطعمة الطيبة، ويتكلفها لغير ضعف وجده به ، ولا قوة على طاعة، لا يقوى على تلك الطاعة إلا بها ، فلا تحوز النية في ذلك وكل ما أشبهه .ا وكذلك في المحرم: المرأة يعتبر - زعم بالنظر إليها، فلا تجوز النية بالنظر في ذلك. باب معنى قوله لاتحضرني النية في العمل قلت: فما معنى قول من قال من المريدين لا تحضرني النية؟ قال ذلك يحتمل معي : أحدهما : أن يكون يسأل حاجة، أو يدعى إلى أمر له فيه الأجر ، فيبخل أن قضي الحاجة، أو يكسل عما فيه الثواب، فلا يرغب فيه ، فيبدي المذمة لنفسه . كالمال يبخل به أو لاتسخو نفسه بإخراجه لله، أو يكسل عن الصلاة، أو عن القفيام للحاجة يسألها، أو لاتسخو نفسه بترك الطعام والشراب، وتحمل الجوع و العطش للصيام، فيقول: لا تحضرني نية، أي : لا تسخو نفسي بأن آدع شهوني لا نجد في النصوص ما يجعل من فاخر البناء قربة أبدا، بل على العكس من ذلك، لقد كادت السنة تحدد وتلزم المؤمنين بارتفاع معين ، ولون معين من البناء ووقع النكير من الصحابة على ما زاد على ما حددته السنة.

قسم V00/P246–V00/P249

أو كما يفعل الوعاظ، ينظر أحدكم بنية الامر والنهي، وهو يبطن نظرة خبيثة بقلبه أنظر فنون تضليلهم وتاويلهم في باب نظر الفجأة من (أعمال القلوب والجوارح) للمؤلف. وبعض المنحرفين من ادعياء التصوف يختلط رجاهم بنسائهم على صور ضرورية ثم يقومون ستارا حول هذه السلوك لئلا تقتحمه عين ناقدة بل لقد بلغ الفجور ببعضهم أن اتخذ من الزنى وسيلة لتحريد النفس من علائقها الدنيوية بالنسبة للزوج، وكان هناك ضال في مصر يسمي هذه الشفاعة بالتكريس، والله ورسله آبرياء منهم ============================================================ وطعامي، وأتحمل الجوع والعطش ، فذلك معنى صحيح والمعنى الآخر: أن تكون نفسه قد سخت لله بإخراج ماله في سبيل الخير ، أو قد نشط لله في الصلاة لا يجد كسلا يعتريه، وكذلك تسخو نفسه بترك الطعام والشراب للصيام، فيعترض له الخطرات تدعوه إلى الرياء فيقول : ليس ي نية . يريد الا يجد خطرة، وأن يكون قلبه بعد ما خطر مثله قبل آن تخطر به الخطرة لا منازعة فيه، قد سكنت منه الخطرات. فذلك غلط وضعف؛ لأن العباد أمروا وندبوا إلى الطاعات، وأن ينفوا الرياء أن يعتقدوه، ولم يؤمروا آن يتركوا الطاعة من أجل دواعي الرياء. ولو فعل ذلك عبدا لأوشك إذا علم الشيطان بذلك منه أن يعترض له عند كل عمل بالخطرات بالرياء الا فيدع كل طاعة . ولم يؤمر الناس آن يخرجوا وسواس إبليس أن يعترض في صدورهم بعد إذ جعل الله عز وجل له السلطان بذلك ، ولا يغيروا خلقهم وطباعهم حتى تصير جحيث لا (تنازع) إلى معنى من زينة الدنيا، من رياء ولا غيره، حتى تكون طبائعهم: الحمد فيها مكروه، والذم فيها محبوب. وإنما أمروا آن يستوي ذلك في دينونتهم من عقولهم بما استودعها الله عز وجل من العلم. فأما في الخلقة فإن ذلك لم يكلفوه، ولا يقدرون عليه، ولكن قد يقوى العبد فتسكن دواعي النفس عن الدعاء في بعض ما يعمل، ويعترض بالدعاء في بعض ما يخطر بضعف إلا أن الحمد والذم لا يستويان في طبعهما. فإنما أمر العباد بمجاهدة أهوائهم ولم يؤمروا أن لايكون في النفس غريزة في ص : كل طاعاته. ما بين الحاصرتين: سقطت من ط. في ص : جاهدة اهوى 249 ============================================================ تدعوه إلى شهوة، ولا أن يخرجوا وساوس الشيطان أن يعترض في صدورهم بل جعلت هم غرائز عقولهم . ومن عليهم بالمعرفة والعلم قائمين في عقوهم، وبلوا بغرائزهم وجعل الشيطان مهيجا للغرائز بالتذكير لها بما تحب وأمروا آن يجاهدوا بعقوهم - بما استودعها الله عز وجل من المعرفة والعلم - ما هاج من دواعي غرائزهم ونزغ الشيطان وتزيينه للنفس ما في غريزتها موافقا لها . فليس على العباد غير ذلك، ولا يقدرون إلا عليه، إلا أن بعضهم في ذلك أقوى من بعض، وهم الذين آدمنوا المجاهدة حقى انكسرت النفس عن الدعاء، من غير تغير الطبع. وقد تخطر أقل مما كانت تخطر به من قبل مع ضعف من الخطرة عما كان في آول بدايتهم. فعلى البعبد المجاهد والنهي لنفسه عن هواها، ولم يكلف تغيير طبعه حتى ينقلب فيجعله كطبع الملائكة، ولكن النهي عما يدعو إليه الطبع. وكما يروى عن وهب أنه قال : الايمان قائد، والعمل سائق، والنفس حرون فإن فتر قائدها صدفت عن الطريق، وإن هر سائقها حرنت على قائدها، فإذا استقام السائق والقائد : مضت النفس طوعا، أو كرهأ . ولو كنت كلما كرهت نفسك شيئا تركته يوشك أن تترك دينك كله . وقال : النفس تنتظر الهوى، والهوى ينتظر العقل ، فإن زجره العقل انزجر، وإن أرخى له مر. هذا التعريف للعقل بأنه غريزة كان أول من قال به المحاسبي. وقد ظن بعض المفكرين، أنه يقول اا بالطبائع ومنهم إمام الحرمين ثم عاد فأقر بطهارة مذهب المحاسبي وقد تبعه على ذلك التعريف الإمام الغزالي في الإحياء. ============================================================ وصدق، لأن العقل إذا لم يبصر بالعلم ويعتصم بالمعرفة صبا إلى ما تدعو إليه النفس من قبل هواها، فكان هو الذي يحتال للمكائد، ويتلطف لشهواته وهواه.

قسم V00/P249–V00/P251

وإذا تذكر فأبصر بالعلم، واستعصم بالمعرفة، عرف ضرر ما يدعو إليه اهوى وأبصر عاقبة ضرره زجره، فأمسكت النفس عن استعماله . وذلك أن الله عز وجل طبع الحيوان من أهل السموات والأرضين على طبائ شتى. فطبع الملائكة على العقول والبصائر، وعراهم من اهوى والشهوات والاشتغال للمكاره التي يألم بها غيرهم من الحيوان، فلا تعرض لهم الأهواء ولاتنازعهم الشهوات. فهم دائبون في طاعة الله تعالى، وذكره لا يفترون؛ إذ لم يجعل فيهم الأضداد الي بها يفترون والأهواء والشهوات التي تصد (عن الفكر) وتؤثر (الدنيا) على الطاعات والذكر، فلم يجعل لهم ثواب نعيم السجنان إذ لم يجاهدوا الأهواء، ولم يتحملوا الآلام والتعب والنصب، واجيروا من العذاب وتركوا في طاعتهم وطبع الأنعام والطير واهوام على الشهوات، وجعل فيها المعرفة بقدر ما تغتذي وتطلب معاشها، وتحذر على نفسها وأولادها، بقدر ما عرفت من المكروه. ولم يجعل ها من العقول ما تعقل الأمر والنهي والعلم للعواقب؛ فرفع عنها العقاب في كل ما أصابته من الشهوات التي حرمها على الإنس والجن . فرفع عنها العقاب ولم يؤخذها بما نالت من النكاح وما أصابت من أموال الناس ودمائهم، وأجارها من العقاب، وجعل آخر مصيرها آن يجعلها ترابا . في ط: تعترض. ما بين الحاصرتين: سقطت من ط ما بين الحاصرتين: ساقطة من ط ============================================================ وطبع الإنس والجن على العقول التي تحتمل الأمر والنهي وتعرف العواقب وذلك إذا بلغوا الحلم، إلا من أزال الله عز وجل عنه العقل كالمعتوه وغيره . وجعل فيهم غرائز تحب كل ما وافقهم وتبغض كل ما خالفهم وآذاهم ثم أمرهم أن يجاهدوا بما أعطاهم من العقول ما دعت إليه النفس من قبل غريزتها فجعل هم الثواب العظيم والعذاب الأليم. فاعتقل كيف طبعت وبماذا أمرت، ولا يخيل إليك أنك كلفت أن تغير طبعك حتى تصير كطبع الملائكة، فتدع الطاعة انتظارأ أن يصير الطبع إلى غير ما بني عليه من الخلقة، وأن يسكت العدو ويزول سلطانه عن الوسوسة، فصدك ذلك من طاعة ربك عز وجل ، فتدع العمل للاخلاص - زعمت - فلا تكون أخلصت عملا ، ولكن تركت أن تخلص عملا فيكون لك ثوابه. فقول القائل لا تحضرني النية، أي : أريد أن أطيع الله عز وجل، ولكن أخاف الا يخلص في عمل لما يخطر بقلبي ، فذلك ضعف وغلط. وأما من قاله على الكسل والبخل، وقلة الرغبة، وقلة سخاء النفس بالطاعة لله عز وجل، فذلك صادق، جائز من قول من قاله . ولكن لا يحمد نفسه على بخلها وكسلها على الخير، وقلة سخائها بالطاعة، ولكن ليذكرها ثواب الله عز وجل في الدنيا والآخرة، حتى تسخو، فإذا سخت فليرد اله عز وجل بذلك، وينفي كل ما خطر بقلبه من خطرة رياء وغيره. هذا هو توضيح مذهب المحاسبي بأن العقل غريزة أنظر : " كتاب العقل" الملحق بكتاب "المسائل" لمحاسي، وفي باب العقل منكتاب "القصد والرجوع إلى الله" يصدر قريب، وقد شرح الامام الغزالي فكرة المحاسبي في الجزء الاوسط من الاحياء. ============================================================ باب من يدخل في العمل لايريد الله بذلك م يندم، كيف يكون عمله بعد الندامة قلت : فالعبد يعمل العمل فيبتديء فيه لايريد به الله عز وجل، اويريد حمد الناس، أو اتقاء مذمتهم، أو طمعا لما في آيديهم، ثم يندم على نيته ، وهو في العمل م يفرغ منه. (كيف يكون عمله بعد الندامة) قال: أما الأعمال كلها فلا يحتسب فيها بما مضى، ولكن ليستأنف ابتداء غير ذلك العمل الأول إن أراد أن يتم له النافلة التي ابتدأها .ا كالسورة يقرأ بعضها ثم يذكر فيبتديء من أولها وما أشبه ذلك، إلا الصلاة والصيام والحج، فإن الناس في الصلاة مختلفون.ا فقالت فرقة: يدع ذلك كله، لأنه قد حبط، ثم يبتدىء فيعيد ما عمل من قراءة أو ركوع أو سجود كان بعد الافتتاح.

قسم V00/P251–V00/P253

قلت: ولم خصصت الافتتاح والأحرام وعقد الصيام فلم تفسده وأفسدت ما سواه" قال : لأن الافتتاح جعل تحريما للصلاة، وإنما الرياء عقد في قلبه لا يفسد التحريم والاحرام وعقد الصيام، فيجعله كأنه افتتح الصلاة بالشعر، واستقبل غير القبلة والافتتاح لا يفسد، لأنه يتحرم بالصلاة، وما سواه يفسد . وقالت فرقة: يبتدىء الافتتاح، وعقد الصيام والأحرام فلا يحتسب به ، لأ نه وإن كان يچرم به للدخول في الصلاة فلم يفعل ذلك لله عز وجل، وإنما فعله لخلق، فكل ذلك فاسد، إلا ما أريد الله عز وجل به . وقالت فرقة : ليستغفر ويتم ما بتي من صلاته وحجه وصيامه، ويعتد بما مضى لأن الأعمال بخواتيمها، وقد ختم صلاته بالاخلاص، كما لو ختم صلاته وصيامه اا ما بين الحاصرتين: سقط من ط ============================================================ وحجه بالرياء حبط عمله كله، ما مضى منه وما بقي، فلان العبد لايكبر ولا يتوجه الى القبلة ولا يركع ولا يسجد إلا لله عز وجل فلو فعله لغير الله عز وجل كان كافرا. فلو صلى لله عز وجل، للايمان واراد حمدهم، فإذا ندم فليحتسب بما مضى فإنه خالص. وإنما هو كثوب أبيض لطخته بسواد ثم غسلته، فنقي ورجع إلى البياض ل فكذلك افتتاحه وقراءته وركوعه وسجوده تعبد لله عز وجل لا إله غيره. فلما ندم واستغفر ونوى أن يجعله لله عز وجل وحده زال عقد الرياء، وبقي على أصل تدينه لله عز وجل بالصلاة، فقد أخلص وصفا، وصار لله وحده، لأنه قبل أن يفرغ من العمل قد زهد في حمد المخلوقين فيما مضى من العمل ، وسخت نفسه بألا يحمد عليه، وندم ألا يكون لم يجهل، وأراد الله عز وجل به قبل الدخول في عمله، فذلك يجزيه من الإعادة لما مضى، إذ ختم عمله بالاخلاص ، وإنما الأعمال بخوانيمها. والفرق كلها، الصلاة عندهم لا يشبهها شيء من الأعمال، إلا أن الإحرام بالحج اكد في عقد الدخول، ليس له أن يدعه، ولكنه يتمه لما أوجب الله عز وجل عليه ألا يحله إلا الطواف بالبيت ، ولسنة النبي فليتمه وعليه الندم على الرياء وليس له أن يخرج منه. قلت: إذا كان الله عز وجل قد ستر علي، وألقى لي المحبة عند الإخوان والجيران والمعارف، وأظهروا لي الحمد والثناء، وقلبي يعطي العزم على أنه لا يريد ثناءهم ولا يريد حمدهم، فهل يخاف على أن يكون ذلك الرضا أغلوطة وخدعة قال : ذلك على معنيين : احدهما أن تكون صادقا في ذلك غير مطمئن إلى حمدهم في ط: أوكد. 254 ============================================================ تشكر الله عز وجل على ستره، وتعلم بأن حمدهم لم يزدك في معنى من المعاني، وقد تكون ركنت إلى حمدهم، واستراحت نفسك إلى ذلك، وأنت تعطي من قلبك الكراهة على خدعة وغرة. وذلك أن النفس إذا ظفرت بما أحبت من حمد العباد ، فلا تبالي أن تعطى الكراهة لغير نقص من محبتها، وقد ظفرت بما أحبت؛ وذلك مثل الرجل يكون عنده ما يكفيه، ويكون له من ينفق عليه، فيقول: توكلت على الله، وما أهتم لرزق، ويخيل إليه أن ذلك يقين منه وتوكل، وإنما طمأنينته وثقته بالكفاية والاجراء عليه، ونفسه تريه وتخيل إليه أن ذلك يقين منه وتوكل . قلت : فبم أميز بين هذين المعنيين قال: إذا تغيروا، أو تغير بعضهم عن الحمد، فإن رأيت نفسك لا تغتم إلا خطرات لا تملك، وأنت لها راد، فاعلم أنها صادقة في نفي حمدهم (لها) ولولا أنها كانت زاهدة في حمدهم لما قل غمها بزواله. وإن اغتمت بتغيرهم عن الثناء عليك، وما خطر منه على قلبك لاتكاد أن خرجه، واشتغل به قلبك، فهذا دليل الخوف من أن تكون النفس كانت راكنة راغبة في حمدهم، ولولا ذلك ما اغتمت إلا عارض غم مردود بعقل عن الله عز وجل.

قسم V00/P253–V00/P255

ولولا أنه نزع منهما ما تحب ما اغتمت، بل قد تغتم بالظن دون اليقين ، كراهة ان يكونوا قد ظنوا بك غير ما كانوا يعرفونك به، حتى يشتغل بذلك قلبك ولعلك أن تخرج إلى أن تقع فيمن ذكرك لئلا يصتدق عليك ، وتعتذر بالكذب ال وتحلف بالايمان، وتسهر بالليل للفكر، فإن علمت أنهم قد أيقنوا بذنبك شغلك في ط: عالم. في ط: قد والسياق يقتضي ما أثبتناه. 255 ============================================================ الهم بعلمهم عن علم الله عز وجل . ولعلك أن تعتذر من ذلك بأعظم من الذنب ، وتظهر من الهم والانكسار أكثر ما كنت تظهر، لتبريء صدورهم مما ظنوا او تيقنوا. فإن أردت أن تعلم أن النفس قد ركنت إلى حمدهم أو تركن ، فإن تغيروا ل ك فانظر كيف غمك بزوال حمدهم؟ فإن غمك بذلك يدل على ركونها إلى حدهم، وإن لم يتغيروا فاعرض على نفسك : أن لو تغيروا لك عن الحمد إلى الذم كيف غمك بذلك، فإن اغتممت فليغلب على قلبك الخوف، واعلم أنها كانت إلى حدهم راكنة، وإن لم تغتم فلا تقطع بأنها صادقة، لأنه قد تسخو بترك الغمما لم تنزل بها مذمتهم. و قد يكون العبد صادقا في النفي مع الحمد من العباد ، فإذا بلي بالذم زال عنه إخلاصه، وما أقل ما يكون ذلك، فالخوف أولى به، أن يخاف، أن تكون كاذبة في إخلاصها إذا اغتمت بزوال الحمد . باب في الرجل يدع بعض النوافل إشفاقا على الناس ان يعصوا الله عز وجل فيه قلت: فما تقول : أيما أفضل أدع بعض النافلة إشفاقا على الناس أن يعصوا اله في، أو أفعلها؟ آي : بفهم ما يريده الله تعالى من عباده؛ وما يجب على العبد نحوه تعالى آنظر تفاصيل العقل عن الله في باب من كتاب (العقل) للمؤلف. وضع المحاسي ميزانا لمعرفة الاخلاص في كتابه آداب النفوس فقال : انقض العمل من أساسه ؛ وابده من الأصل. فان وجدت نغسك قد طابت بنقضه ولم تتحرك إلى ما نقضته كل ذلك علامة الاخلاص ومثل ذلك بوليمة صنعها لله فدعا إليها عيون البلد ففطن إلى آنها ليست لله. فنقض عزمه. فإن آسف على عدم دعوة عيون البلد لم يكن مخلصا، والعكس بالعكس. آي: في نفي ما ظن به بعض الناس من السوء. 256 ============================================================ قال: إن في ذلك أغلوطة منك : أن تظن بعبد أن يسيء بك الظن ويقع فيك فتدع العمل من أجل ذلك. فقد جمعت خصلتين: أسأت به الظن، وتركت ما يقربك إلى الله عز وجل. وقد تترك أيضا بعض الواجب. لعلك أن تدع إتيان القرابة لخوف الممر بهم ولعلك ترى منه المنكر فتمتنع آن تأمره لأنه عندك لا يقبل، ولم تعلم منه ذلك فتضيع ذلك الأمر، وتسيء به الظن ، إلا أن يكون فاسقا متهتكا ، فذلك الظن به وقد يقبل مع فسقه . ويحاجك القارىء إذا أمرته، فتدع كثيرا من الواجب والنافلة ، لئلا يعصي الله عز وجل فيك ، زعمت . فإن كنت صادقا في زعمك فقد غبنت وأسأت الظن. وإن لم تكن صادقا فإنما جزعت النفس من الذم، فخيلت إليك آنها تريد الشفقة والنصح، وأنت لم تشفق عليهم في غير ذلك ، لاتبالي في أن يعصوا الله في دنياك لاتدعها لهم، وإن ظننت أنهم يعصون الله عز وجل، ولا تغضب إن غضبت عليهم ولاغير ذلك. وهذه الصفة التي تدعي صفة الأنبياء الأبدال الرحماء بالخلق ، فانظر هل تعرف نفسك بالخلق هكذا في أحوالك؟ فإن كنت تعرف بهذا فقد وضعت الشفقة على حال في غير موضعها، إذ صدك عن الطاعة سوء الظن ، ولم تستيقن منه بأمر تشفق عليه منه، إلا أن يكون أمرا لا ينقصك من فرض ولا فضل، فتدعه إشفاقا أن يدخل عليهم الشيطان. إلا آنهم كذلك في وقت ما تشفق عليهم، ولكن تقول لا أعرضهم لفتنة، ولم تدع لهم فضلا ولا فرضا فيكون العدو قد آصاب منك ما يريد. أي : قد يقبل الأمر والنهي مع الفسق .

قسم V00/P255–V00/P258

257 ============================================================ كما يروى عن النبي عالله أنه قال : " إنها صفية" . وذلك أنها أتته وهو معتكف ، فلما خرجت استقبلها رجلان من أصحابه، فقال: " إنها صفية" فقالا : يا رسول اله، وهل نظن بك إلا خيرا ؟ قال: " إني خشيت الشيطان أن يدخل عليكما" . ولم يقل قد دخل عليكما. وأراد إبراهيم [النخعي] والأعمش أن يمرا في طريق، فقال إبراهيم يقولون اعمش وأعور، فقال الأعمش : ما علينا أن نؤجر ويأثمون. فقال : إبراهيم وما علينا ان نسلم ويسلمون. فما لم تنقص من خير فلا بأس بالاشفاق عليهم، على غير قطع عليهم بشره، وأكثر ما يكون ذلك جزعا من الدم وسقوط المنزلة ، فلا يخدعن بذلك العبد العاقل اللبيب!!. باب إظهار العمل ليقتدى به قلت: فما تقول في إظهار العمل ليقتدى بي فيه : كفعل الأنصاري الذي جاءا بالصرة فتتابع الناس بالعطية لما رأوه، فقال النبي : من سن سنة حسنة فعمل بها كان له أجرها، وآجر من اتبعه فيها" . قلت: فهل تجري الأعمال هذا المجرى من الصلاة والصيام والحج والغزو وغيره ؟ قال : أما الصدقة فإن الناس فيها متقاربون في القدوة ، لأنها عطف ورحة وإعانة الملهوف. فإذا أظهر العبد ذلك لغيره كان فيه حث لغيره وترغيب في الصدقة، إلا أنه لا ينبغي لعبد أن يتعرض لايظهارها حتى يعلم أنه قد أراد الله عز وجل بذلك وأنه لم يجزع من أن يسرها، ولا أحب إظهارها ، لقلة القنوع بعلم الله ، ومحبة منه ، أن الحديث: سبق تخرچچه. في ط: حض. 258 ============================================================ يعلم الناس بصدقته، ولكن جزعا أن يفوته عظيم الأجر وأن يصيبه في غيره معا آجره على صدقته. فلم يقنع بأجر الصدقة وحدها حتى أحب أن يحض بفعله عليها غيره ليؤجر فيه مع آجره على صدقته. وفي الصدقة معنى آخر ، سترها خير من القدوة إذا كانت المتصدق عليه يؤذيه ذلك ويكرهه، فترك أذى المؤمن أفضل، وقد اختلف في قول الله عز وجل : لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) . فقال بعضهم: هو آنك تحدث بما تصدفت به عليه، فيبلغه فيؤذيه (ذلك) . وقال أكثر العلماء : هو أن تؤذيه بفعلك، فإذا لم تجد من نفسك قوة عزم لله في إظهارها للقدوة لا لغير ذلك فسترها أفضل وإن سلمت في إظهارها من الرياء. الم تسمع إلى ما يروى عن النبي الله؟ يرويه عنه سلمان وغيره أنه قال: سبعة في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله " فذكر أحدهم فقال: " رجل تصدف بصدفة بيمينه فأخفاها عن شماله" . وقال في حديث آخر : " فلو قدر أن يخفيها من شماله فالصدقة أفضل سرا، إلا أن يظهرها للقدوة" . وقد يروى حديث: " إن العمل سرا أفضل من سبعين ضعفا علانية" وإن في ا : خاص. سورة البقرة، الآية: 264. ما بين الحاصرتين: سقطت من ط الرواية المشهورة "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" . وأخرجه : البخاري في صحيحه ، الباب من كتاب الحدود . والنسائي في سننه، الباب الثافي من كتاب القضاء. وإبن ماجه في سننه الباب 11 من كتاب الطهارة. 5) آخرجه البخاري في صحيحه، الباب 13 من كتاب الزكاة، وإبن ماجه في سننه الباب 78 من كتاب الإقامة. 259 ============================================================ العمل علانية للقدوة أفضل من السر سبعين ضعفا. قلت : قد أجد القلب يقوى على ما تقول، ويريده، ويجب زيادة الأجر والثواب من الله (تبارك وتعالى) ، ولاتعرى النفس من خطرات العدو، ومن هواها أن تنازع، فما الذي يفرق بين صدق الضمير بذلك، وبين الخدعة فيه من النفس؟ قال: أن تعرض عليها أن لو أصبت الأجر فيهم من غير علمهم أكنت تقنعين بعلم الله عز وجل وحده، وتصيبين هذا الأجر؟

قسم V00/P258–V00/P260

فإن رأيت القلب يقنع بذلك فهو صادق، فإن رأيته لا يقنع بذلك فانما هي خدعة ومحبة من النفس أن تظهر عملها ، لتظفر حمدهم ، وتخيل للمخدوع بذلك انها تريد الله عز وجل صادقة لتستكثر من الأجر . قلت: فالصوم والصلاة والحج والغزو؟ قال: أما ذلك فلا أحبه لأحد ولم أجد عامة الناس يفعلونه ، إلا الرجل القوي لا الصادق الإرادة، القوي على رد الخطرات في العمل بعد ما يفرغ منه، وقد يتبعه العدو فيخطر له حال غفلته فيصرعه، فلا بأس بإظهاره للقدوة. و الذي أمر به الناس : أن يخفوا ذلك ما استطاعوا لأنه النفس خدوع، والشيطان مرصد بكيدته. وقد كان الرجل يرفع صوته ليحرك بعض جيرانه في جوف الليل ، وذلك إذا فوي عزمه، وهان عليه حمد من يسمعه، وليس له رغبة في عملهم به أكثر من أن صيب ثواب الله عز وجل في تحريكه إياهم على طاعة ربهم . فأما الغزو فذلك عمل ظاهر : فالمسارعة فيه للقدوة به أفضل إذا قوي العزم ان يشد الرجل قبل القوم، ليحض على القتال، ويبعث من معه على الشد معهم، فذلك ما بين الحاصرتين: سقطت من ط كان سيدنا عمر يجهر بقراءة الليل فسئل فقال : أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان . ============================================================ أفضل ، لأنه لم يخرج من سر إلى علانية ، وإنما خرج من علانية إلى علانية لأن مقامة ذلك علانية، فكلما حض غيره لفعله كان أفضل، ولو خف له الشد والكر على العدو، وكان ممن وهب الله له القوة على نفي الخطرات، وهو من المعروفين عند من حضر من يقتدي به وبجركهم فعله، وكان أفضل آن يظهر ذلك ولا بخفيه، ليحض على قتال العدو، وينصر الله بذلك على الأعداء ويعز به الدين . باب العبد ججده إخوانه بعض ما يقوى عليه من العمل ليحضهم على ذلك قلت : فالرجل يحدث إخوانه ببعض ما يقوى عليه من العمل ليحضهم بذلك قال: قد تقدم في ذلك رجال صالحون منهم سعد بن معاذ قال: ما صليت صلاة منذ اسلمت فحدثت نفسي بغيرها، ولا تبعت جنازة فحدثت نفسي إلا بما هي قائلة، وما هو مقول لها ، ولا سمعت رسول الله عإلنه يقول قولا إلا علمت آنه حق. وقال عمر: ما أبالي أصبحت على عسر أن على يسر، لأني لا أدري أن ذلك خير لي، وقال ابن مسعود : ما أصبحت على حال فتمنيت أن أكون على غيرها وقال: يا حبذا المكروهان : الموت، والفقر - وإنما هو الفنى والفقر وما أبالي بايهما ابتليت. وقال عثمان: ما تغنيت ولا تمنيت ولا مسست ذكرى بيميني منذ بايعت بها سول الله انظر بتفصيل آدق هذا الموضوع في باب الاسرار بالعمل من كتاب (المسائل في أعمال القلوب والجوارح) للمحاسي، وانظر دسائس النفس في الغزو في باب (الإرادة) من (آداب النفوس) له في ص : إلا بما هي قادمة عليه. في ط: الفناء. ============================================================ وقال شداد بن أوس: ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت حتى آزمها وأحطمها غير هذه الكلمة فكان قال لغلامه : إيتنا بالسفرة نعبث بها حثى يدرك الغداء. وقال أبو سفيان بن الحرث لأهله لما حضرته الوفاة: لاتبكوا على فما أحدثت حدثا منذ أسلمت. قالت عائشة : قال أسيد بن حضير وكان من أفاضل الناس : ثلاثة أكون عليهن لو كنت في سائر الأشياء : كذلك لكنت : ما تبعت جنازة قط فحدثت نفسي بغير ما هي صائرة إليه، وإذ قرأت القرآن، وإذا سمعت النبي عالله . وقال عمر بن عبد العزيز : ما قضى الله لي بقضاء فسرفي أن يكون قضا لي غيره ولا أصبح لفي هوى إلا في مواقع قدر الله عز وجل. فقد فعل هؤلاء الأئمة ولايظن أحد بهم إلا الخير، والحض لغيرهم على الطاعة، وليس ذلك إلا لمن قوي وكان يعلم أن الذي يظهر ذلك له يضعه موضع القدرة، وإلا كان قد وضع القدوة في غير موضعها. وإن قوي عزمه ولم يرد به الرياء.

قسم V00/P260–V00/P262

شنيعا لأنا قد رأينا وجربنا من العباد أن الإمام كالخليفة والعالم إذا أظهر الصوف، لباسا من التقشف، أو تكلم في العامة أو حضهم على خير يعملون به اتعظوا بذلك وخضعوا، لأنه إمامهم، وهو موضع قدوتهم وراينا غيره ممن لا يعرفه العامة أو يعرفه بعضهم بالعلم والغضل، ولايضعونه موضع قدوة، قد يفعل ذلك فيستهزا به. فم لم يكن للعامة إماما فذلك غلط أن يفعله في العامة كان لهم إماما فجائز له إذا كان قويا، كما روي عن ميمون بن مهرا آرئي في السوق محلول الإزار ينادي: أي : حقى أقلبها على وجوهها لأعلم مواطن الخطأ والصواب فيها . سقطت من ط في ط: شنعا. 212 ============================================================ لا إله إلا الله. ألا ترى إلى قولهم: "اجعلنا للمتقين إماما " ، قال : يقتدوا بنا ، فأثنى بذلك عليهم لرغبتهم في أن يطاع الله بهم . وقول إبراهيم له : "اجعل لي لسان صدق في الآخرين" . و قال عز وجل: وتركنا عليه في الآخرين . معناه : تركنا عليه الثناء الحسن. فكل الأمم ممن يؤمن بكتاب أو نبي يقول: إبراهيم منا . وقد يفعل ذلك الرجل من العوام فيستهزا به : ويقال فيه القبيح، ويرمى بالرياء والطلب للدنيا والحجنون والحمق ، لأنه ليس بإمامهم ولا يضعونه في ذلك الموضع لا وإنما يريد العبد القوي أن يحضهم على طاعة ربهم تعالى ويننههم لها فإذا كان ، وإن فوي عزمه إنما يحضهم على المعصية فيه فكيف تصح له الإرادة فيه ولا يرى فيهم موضع آمل آن يزدادوا بما يحدنهم عن عمله او يظهر هم من طاعة. فعلى العبد المريد ان يعرف ذلك ويضعه حيث وضعه الله تعالى. وقد يحدث الرجل القوم عن نفسه فيضعونه على الرياء منه ، لأنهم لايقتدون به، فمن الناس من يقتدي به آهله ولو أمر جيرانه او يظهر هم خيرا ما اقتدوا به . ومن الناس من يقتدي به جيرانه ولو تجاوزهم إلى أهل سوقه ما اقتدوا به أو رموه بالرياء لو حدنهم ببعض عمله أو أظهر هم الذكر والزي من الصوف وغيره . ومن الناس من يقتدي به أهل حيه وسوقه ، ولو أظهر للعوام ما لا يفعله العوام ظاهرا ثم سمى ها لما اقتدت به ولا ردعها ولأهاج بعض من لا يعرفه منها على سوء الظن والاستهزاء به حتى يعرف بعضها بعضا بالثناء عليه وذكر علمه وعمله . ومن الناس من إذا أظهر من ذلك شيئا فحين سمى للعامة بل لا يكاد يخفي في آ: فيصفونه. 213 ============================================================ عليها حين مر بها أن يقال : هو فلان كالخليفة إذا مر، أو كالمحدث المشهور ، أو كالمفتي المعروف عند العوام، فذلك إمام للعامة من يسمع باسمه - وإن لم يكن راه من قبل - خضع واقتدى بما يكون منه من خير، حتى لقد رأينا من العوام من يقتدي بزلة العالم المشهور بالعلم، والفاضل المشهور بالنسك، فإذا كانت الزلة منه يسارعون إلى القدوة بها ولا يسارعون إلى القدوة بكثير من الخير من غيره، فكيف بما يظهر من الخير؟ فعلى العاقل المريد أن يعرف في أي موضع من الناس وضعه الله تعالى فيه فيمكنه الحسبة فيما يظهر من القدوة إذا قوي، ولا يجاوز قدره وإن حسنت نيته وقوي عزمه وهان عليه حمد المخلوقين . و كذلك روي عن الحسن أنه قال: الرجل إمام أهله، والرجل إمام حته والرجل إمام العامة. فالذي أمر به في السنة إخفاء العمل لطلب السلامة ولفضل السر، لأن السر أحرز للعاملين . وأبعد بهم من كثرة الخطرات وقبولها .ا وقد روي عن الحسن رحمه الله أنه قال : لقد علم المسلمون أن عمل السر آحرز لعاملين، فلا ينبغي للمريد العارف آن يخدع نفسه وما جرب منها بأن يتعرض لبلاء، وليلزم العافية، وإنما مثله مثل سابح رحم الغرقى ليخرجهم، فتشبتوا به ففرقوه، وليته يغرق كغرق الماء، ولكن يكون منه ما يتعرض به للمقت من الله عز وجل.

قسم V00/P262–V00/P265

ومن قوي عزمه، وهانت (عليه) خطرات العدو عليه في قبول الرياء، ولم يحمله على إظهار العمل إرادة غير الله عز وجل ، أو ظهر وهو لا يريد إظهاره فس ما ظهر للناس، فلم يهيجه على ذلك قلة القنوع بعلم الله تعالى وطلب علمهم ولكن في ط: وهان حمد الملخلوقين عليه. في ح، ص : آحرز العملين. والمراد عمل السر وعمل الجهر. ما بين الحاصرتين: سقطت من ط في ط: خطوات. ============================================================ اهاجه قلة القنوع بطلب الأجر في عمله وحده، حتى آراد آن يتقرب جحضهم على طاعة الله تعالى، فيكون له أجر ذلك مع أجره على عمله، ولم يجاوز قدره فيمن يقتدي إلى من لا يقتدى به فهو أعظم أجرا. وقد اختلف الناس في ذلك : فقالت طائفة من أهل العلم : عمل السر أفضل من ععل العلانية للقدوة وغيرها ، وعمل العلانية للقدوة أفضل من عمل العلانية لغير وقالت فرقة: عمل السر أفضل من عمل العلانية لغير القدوة، وعمل العلانية لقدوة أفضل من عمل السر. ولولا أن عمل العلانية للفدوة أفضل لما حض الني الله على ذلك ، وإنما حضهم ليفعلوا ما يستن بهم ، وذلك لا يكون إلا علانية. فحضهم على عمل العلانية هذا المعنى وأخبرهم ان هم اجرهم واجر من اتبعهم، فهذا دليل على أنه أخرجهم بالحض والترغيب من عمل السر إلى عمل العلانية ؛ لكثرة اا الأجر لا إلى الرياء به ، وأخبرهم أن هم أجرهم وأجر غيرهم، وقد علموا من قبل أن عامل السر له أجره وحده. فذلك يبين أن عمل القدوة أفضل من عمل السر. وقد روي في بعض الحديث : " أن عمل السر يضاعف على عمل العلانية سبعين ضصعفا، ويضاعف عمل العلانية إذا استن بعامله على عمل السر سبعين ضعفا. وإنه يكون أفضل بأضعاف لا تحصى" . يقول النبي عله : " من استن سنة حسنة فعمل بها كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" فقد يستن الرجل السنة فيعمل بها إلى يوم القيامة. في ط: فيمن يقتدي به إلى من لا يقتدى به . والمعنى عليه مضطرب. سبق تخريچه. ============================================================ باب عمل الس والضعف عن إظهار العمل خوف العدو وحذر الشهرة قلت : فإذا كان فضل عمل السر كما ذكرت على عمل العلانية ولسنا من رجال القدوة فلا نظهر عملا، ولا نعمل إلا سرا. قال : ذلك غلط وخدعة من العدو؛ لأن الله عز وجل مدح السر والعلانية ، فقال عز من قائل: (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلآنية) . وقال عز وجل: (إن تبدوا الصتدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم) . فالسة أفضل من العلانية، والعلانية أفضل من البطالة وترك العمل ، فالسر فضل ما أمكن السر، فإذا لم يمكن السر فالعمل علانية مع الإخلاص لله وحده أفضل من الترك. قلت : فقد كره المعرفة والشهرة بالخير قوم أئمة أقوياء، منهم: إبراهيم و النخعي] ، استأذن عليه رجل وهو يقرأ فأطبق المصحف، فقال : لا يرى هذا أني أقرأ كل ساعة. ومنهم إبراهيم التيمي، قال : إذا أعجبك الكلام فاسكت، فإذا أعجبك السكوتلا فتكلم. وقال الحسن: إن كان أحدهم ليمر بالأذى ما يمنعه من رفعه إلا كراهية الشهرة، وفي ذلك آثار كثيرة. في ط: وخدع. سورة البقرة، الآية: 274. سورة البقرة، الآية: 271. ============================================================ وكان أحدهم يأتيه البكاء فيصرفه إلى الضحك مخافة الشهرة. وكان أحدهم يبيت عنده الزوار فيدع قيام الليل مخافة الشهرة . قال: إنهم رحمهم الله أئمة، ولنا في جميعهم قدوة، وبعضهم في بعض الحال أقوى من بعض، فيقوى هذا في حال يضعف فيها آخر، ويضعف هذا القوي في حال أخرى يقوى فيها الذي ضعف، فإذا سألت عن الفضل أخبرت بالفضل، والفضل فيمن قوي ونفي ، ولم يترك ما فتح الله عز وجل له من (أبواب) العمل، كما جاء الحديث : " إذا فتح لك باب من الخير فانتهزه" .

الأسئلة