Ebû Nuaym el-İsfahânî — Hilyetü'l-Evliyâ ve Tabakātü'l-Asfiyâ
أخبرني جعفر بن محمد بن نصر في كتابه وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال قال أبو القاسم الجنيد بن محمد وسئل عن ما تنهى الحكمة فقال الحكمة تنهى عن كل ما يحتاج أن يعتذر منه وعن كل ما إذا غاب علمه عن غيرك أحشمك ذكره في نفسك فقال له السائل فبم تأمر الحكمة قال تأمر الحكمة بكل ما يحمد في الباقي أثره ويطيب عند جملة الناس خبره ويؤمن في العواقب ضرره قال فمن يستحق أن يوصف بالحكمة قال من إذا قال بلغ المداو الغاية فيما يتعرض لنعته بقليل القول ويسير الإشارة ومن لا يتعذر عليه من ذلك شيء مما يريد لأن ذلك عنده حاضر عتيد قال فبمن تأنس الحكمة وإلى من تستريح وتأوي قال إلى من انحسمت عن الكل مطامعه وانقطعت من الفضل في الحاجات مطالبه ومن اجتمعت همومه وحركاته في ذات ربه ومن عادت منافعه على سائر أهل دهره حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن يعقوب قال سمعت أبا القاسم الجنيد ابن محمد يقول إن لله عبادا صحبوا الدنيا بأبدانهم وفارقوها بعقود إيمانهم أشرف بهم علم اليقين على ما هم إليه صائرون وفيه مقيمون وإليه راجعون فهربوا من مطالبة نفوسهم الأمارة بالسوء والداعية إلى المهالك والمعينة للأعداء والمتبعة للهوى والمغموسة في البلاء والمتمكنة بأكناف الأسواء إلى قبول داعي التنزيل المحكم الذي لا يحتمل التأويل إذ سمعوه يقول يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لم يحييكم فقرع أسماع فهومهم حلاوة الدعوة لتصفح التمييز وتنسموا بروح ما أدته إليهم الفهوم الطاهرة من أدناس خفايا محبة البقاء في دار الغرور فأسرعوا إلى حذف العلائق المشغلة قلوب المراقبين معها وهجموا بالنفوس على معانقة الأعمال وتجرعوا مرارة المكابدة وصدقوا الله في معاملته وأحسنوا الأدب فيما توجهوا إليه وهانت عليهم المصائب وعرفوا قدر ما يطلبون واغتنموا سلامة الأوقات وسلامة الجوارح وأماتوا شهوات النفوس وسجنوا همومهم عن التلفت إلى مذكور سوى وليهم وحرسوا قلوبهم عن التطلع في مراقي الغفلة وأقاموا عليها رقيبا من علم من لا يخفى عليه مثقال ذذرة في بر ولا بحر ومن أحاط بكل شيء علما وأحاط به خبرا فانقادت تلك النفوس بعد اعتياصها واستبقت منافسة لأبناء جنسها نفوس ساسها وليها وحفظها بارئها وكلأها كافيها فتوهم يا أخي إن كنت ذا بصيرة ماذا يرد عليهم في وقت مناجاتهم وماذا يلقونه من نوازل حاجاتهم تر أرواحا تتردد في أجساد قد أذبلتها الخشية وذللتها الخدمة وتسربلها الحياء وجمعها القرب وأسكنها الوقار وأنطقها الحذار أنيسها الخلوة وحديثها الفكرة وشعارها الذكر شغلها بالله متصل وعن غيره منفصل لا تتلقى قادما ولا تشيع ظاعنا غذاؤها الجوع والظمأ وراحتها التوكل وكنزها الثقة بالله ومعولها الإعتماد ودواؤها الصبر وقرينها الرضا نفوس قدمت لتأدية الحقوق ورقيت لنفيس العلم المخزون وكفيت ثقل المحن لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم سمعت أبا بكر محمد بن أحمد يقول سمعت الجنيد يقول ما من شيء أسقط للعلماء من عين الله من مساكنة الطمع مع العلم في قلوبهم قال وسمعت الجنيد يقول فتح كل باب وكل علم نفيس بذل المجهود سمعت عثمان بن محمد العثماني يقول سمعت أحمد بن عطاء يقول قال الجنيد لولا أنه يروى أنه يكون في آخر الزمان زعيم القوم أرذلهم ما تكلمت عليكم حدثنا عثمان بن محمد ثنا بعض أصحابنا قال قيل للجنيد ما القناعة قال ألا تتجاوز إرادتك ما هو لك في وقتك سمعت علي بن عبدالله الجهضمي يقول سمعت أحمد بن عطاء يقول سمعت محمد بن الحريض يقول لما قال الجنيد إن بدت عين من الكرم ألحقت المسيء بالمحسن قال أبو العباس بن عطاء متى تبدو فقال له الجنيد هي بادية قال الله سبقت رحمتي غضبي
أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير في كتابه وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت الجنيد بن محمد يقول لو أن العلم الذي أتكلم به من عندي لفني ولكنه من حق بدا وإلى الحق يعود وربما رفع في قلبي أن زعيم القوم أرذلهم سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت أبا عبدالله الدارمي يقول سمعت أبا بكر العطوي يقول كنت عند الجنيد حين مات فختم القرآن ثم ابتدأ من البقرة فقرأ سبعين آية ثم مات رحمه الله حدثنا أبو الحسن علي بن هارون قال سمعت أبا القاسم الجنيد بن محمد يقول وسأله جعفر ما تقول أكرمك الله في الذكر الخفي ما هو الذي لا تعلمه الحفظة ومن أين زاد عمل السر على عمل العلانية سبعين ضعفا فأجابه فقال وفقنا الله وإياكم لأرشد الأمور وأقربها إليه واستعملنا وإياكم بأرضى الأمور وأحبها إليه وختم لنا ولكم بخير فأما الذكر الذي يستأثر الله بعلمه دون غيره فهو ما اعتقدته القلوب وطويت عليه الضمائر مما لا تحرك به الألسنة والجوارح وهو مثل الهيبة لله والتعظيم لله والاجلال لله واعتقاد الخوف من الله وذلك كله فيما بين العبد وربه لا يعلمه إلا من يعلم الغيب والدليل على ذلك قوله عز وجل يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون وأشباه ذلك وهذه أشياء امتدح الله بها فهي له وحده جل ثناؤه وأما ما تعلمه الحفظة فما وكلت به وهو قوله ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد وقوله كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون فهذا الذي وكل به الملائكة الحافظون ما لفظ به وبدا من لسانه وما يعلنون ويفعلون هو ما ظهر به السعي وما أضمرته القلوب مما لم يظهر على الجوارح وما تعتقده القلوب فذلك يعلمه جل ثناؤه وكل أعمال القلوب ما عقد لا يجاوز الضمير فهو مثل ذلك والله أعلم وما روى في الخبر من فضل عمل السر على عمل العلانية وأن عمل السر يزيد على عمل العلانية سبعين ضعفا فذلك والله أعلم لأن من عمل لله عملا فأسره فقد أحب أن ينفرد الله عز وجل بعلم ذلك العمل منه ومعناه أن يستغني بعلم الله في عمله عن علم غيره وإذا استغنى القلب بعلم الله أخلص العمل فيه ولم يعرج على من دونه فاذا علم جل ذكره بصدق قصد العبد إليه وحده وسقط عن ذكر من دونه أثبت ذلك العمل في أعمال الخالصين الصالحين المؤثرين الله على من سواه وجازاه الله بعلمه بصدقة من الثواب سبعين ضعفا على ما عمل من لا يحل محله والله أعلم حدثنا علي بن هارون قال سمعت الجنيد بن محمد يقول في كتابه إلى أبي العباس الدينوري من استخلصه الحق بمفرد ذكره وصافاه يكون له وليا منتخبا مكرما مواصلا يورثه غرائب الأنبياء ويزيده في التقريب زلفى ويثبته في محاضر النجوى ويصطنعه للخلة والاصطفاء ويرفعه إلى الغاية القصوى ويبلغه في الرفعة إلى المنتهى ويشرف به من ذروة الذرى على مواطن الرشد والهدى وعلى درجات البررة الاتقياء وعلى منازل الصفوة والأولياء فيكون كله منتظما وعليه بالتمكين محتويا وبأنبائه خبيرا عالما وعليه بالقوة والاستظهار حاكما وبإرشاد الطالبين له إليه قائما وعليهم بالفوائد والعوائد والمنافع دائما ولما نصب له الأئمة من الرعاية لديه به لازما وذلك امام الهداة السفراء العظماء الأجلة الكبراء الذين جعلهمم للدين عمدا وللأرض أوتادا جعلنا الله وإياك من أرفعهم لديه قدرا وأعظمهم في محل عزه أمرا إن ربي قريب سميع سمعت أبي يقول سمعت أحمد بن جعفر بن هانىء يقول سألت أبا القاسم الجنيد بن محمد عن قوله لا أحب الآفلين قال لا أحب من يغبب عن عياني وعن قلبي وفي هذا دلالة أني إنما أحب من يدوم لي النظر إليه والعلم به حتى يكون ذلك موجودا غير مفقود وكذلك رأينا أن أشد الأشياء على المحبين أن يغيب عنهم من أحبوه وأن يفقدوا شاهدهم
سمعت أبي يقول سمعت أحمد بن جعفر يقول سألت أبا القاسم الجنيد بن محمد عن الايمان ما هو فقال الايمان هو والتصديق الايقان وحقيقة العلم بما غاب عن الأعيان لأن المخبر لي بما غاب عني أن كان عندي صادقا لا يعارضني في صدقه ريب ولا شك أوجب علي تصديقي إياه إن ثبت لي العلم بما أخبر به ومن تأكيد حقيقة ذلك أن يكون تصديق الصادق عندي يوجب علي أن يكون ما أخبرني به كأني له معاين وذلك صفة قوة الصدق في التصديق وقوة الأيقان الموجب لاسم الإيمان وقد روى عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجل اعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فإنه يراك فأمره بحالتين إحداهما أقوى من الاخرى لأني كأني أرى الشيء بقوة العلم به وحقيقة التصديق له أقوى من أن أكون أعلم أن ذلك يراني وإن كان علمي بأنه يراني حقيقة علم موجبة للتصديق والمعنى الاول أولى وأقوى والفضل بجمعهما على تقديم إحداهما على الأخرى قال أحمد وسألته عن علامة الايمان قال الايمان علامته طاعة من آمنت به والعمل بما يحبه ويرضاه وترك التشاغل عنه بشيء ينقضي عنده حتى أكون عليه مقبلا ولموافقته مؤثرا ولمرضاته متحريا لأن من صفة حقيقة علامة الايمان ألا أوثر عليه شيئا دونه ولا أتشاغل عنه بسبب سواه حتى يكون المالك لسري والحاث لجوارحي بما أمرني من آمنت به وله عرفت فعند ذلك تقع الطاعة لله على الاستواء ومخالفة كل الأهواء والمجانبة لما دعت إليه الأعداء والمتاركة لما انتسب إلى الدنيا والاقبال على من هو أولى وهذه بعض الشواهد والعلامات فيما سألت عنه وصفة الكل يطول شرحة قال وسألته ما الايمان فقال هذا سؤال لا حقيقة له ولا معنى ينبىء عن مزيد من علم وإنما هو الايمان بالله جل ثناؤه مجردا وحقيقته في القلوب مفردا وإنما هو ما وقر في القلب من العلم بالله والتصديق وبما أخبر من أموره في سائر سمواته وأرضه مما ثبت في الايقان وإن لم أره بالعيان فكيف يجوز أن يكون للصدق صدق وللآيقان إيقان وإنما الصدق فعل قلبي والايقان ما استقر من العلم عندي فكيف يجوز أن يفعل فعلي وإنما أنا الفاعل أو يعلم علمي وإنما أنا العالم والسؤال في لابتداء غير مستقيم ولو جاز أن يكون للآيمان إيمان وللتصديق تصديق جاز أن يوالي ذلك ويكرر إلى غاية تكثر في العدد وجاز أن يكون كما عاد على ثواب إيماني وثواب تصديقي أن يعود علي إيمان إيماني ثواب وعلى تصديق تصديقي جزاء ولو أردت استقصاء القول في واجب ذلك لا تسع به الكتاب وطال به الخطاب وهذا مختصر من الجواب أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير في كتابه وحدثني عنه عثمان بن محمد العثماني قال سمعت الجنيد بن محمد يقول أعلم الناس بالآفات أكثرهم بلاء وآفة أخبرنا جعفر وحدثني عنه عثمان قال كنت أمشي مع الجنيد فلقيه الشبلي فقال له يا أبا القاسم ما تقول فيمن الحق حسبه نعتا وعلما ووجودا فقال له يا أبا بكر جلت الألوهية وتعاظمت الربوبية بينك وبين أكابر الطبقة ألف طبقة في أول طبقة منها ذهب الإسم قال وسمعت الجنيد يقول من ظن أنه يصل ببذل المجهود فمتعن ومن ظن أنه يصل بغير بذل المجهود فمتن ومتعلم يتعلم الحقيقة يوصله الله إلى الهداية قال صلى الله عليه وسلم كل ميسر لما خلق له سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول سمعت أبا القاسم المطرز يقول سمعت الجنيد بن محمد يقول لرجل وهو يكلمه في شيء لا تيأس من نفسك وأنت تشفق من ذنبك وتندم عليه بعد فعلك سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول سمعت أبا الحسن المحلي يقول سمعت الجنيد يقول كان التوكل حقيقة واليوم هو علم 1
سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول سمعت أبا محمد الخواص يقول سمعت الجنيد يقول منذ عشرين سنة ما ناصيت أحدا إلى حق فعاد إلي وقال الجنيد إذا أصبت من يصبر على الحق فتمسك به قال قلت وأنى به هات من يصبر لي على سماع الحق لا يتعرض إليه أخبرني جعفر بن محمد في كتابه وحدثني عنه أبو الحسن بن مقسم قال سمعت الجنيد يقول لو بدت عين من الكرم لألحقت المسيئين بالمحسنين وبقيت أعمال العاملين فضلا لهم سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول سمعت أبا محمد المرتعش يقول سمعت الجنيد يقول كتب إلي بعض إخواني من عقلاء أهل خراسان اعلم يا أخي يا أبا القاسم أن عقول العقلاء إذا تناهت تناهت إلى حيرة سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول سمعت أبا القاسم المطرز يقول سمعت الجنيد بن محمد يقول أضر ما على أهل الديانات الدعاوي سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت أحمد بن إسحاق الرازي يقول سمعت العباس بن عبدالله يقول سمعت الجنيد بن محمد يقول عليكم بحفظ الهمة فان حفظ الهمة مقدمة الأشياء 1 سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت أحمد بن إسحاق الرازي يقول سمعت العباس بن عبدالله يقول سمعت الجنيد بن محمد يقول المروءة امتحان ذلل الاخوان 2 سمعت أبا الحسن علي بن هارون يقول سمعت الجنيد بن محمد أبا القاسم يقول ورأى رويما وقد تولى القضاء فقال من أراد أن ينظرإلى من خبأ في سره حب الدنيا عشرين سنة فلينظر إلى هذا سمعت أبا الحسن علي بن هارون يقول أخبرني بعض أصحابنا عن أبي القاسم الجنيد قال إنه وقف على سائل فسألته فقال حركني فعل لي فقال الجنيد لا ولكن فعل الله فيك يقتضي منك شكر ما جعله فيك سمعت أبا بكر محمد بن أحمد المفيد يقول حضرت الجنيد يوما فسأله أصحابه فقالوا يا أستاذ متى يكون الله عز وجل مقبلا على عبده فلهى عنهم ولم يجبهم فألحوا عليه وكان ظريفا لا يحب أن يتبشع جوابه على أحد فالتفت إليهم فقال واعجباه يقف بين يدي ربه بلا حضور ويقتضي بهذه الوقفة إقبالا سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول سمعت محمد بن سعيد يقول سمعت الجنيد بن محمد يقول وسئل عن حقيقة الشكر فقال ألا يستعان بشيء من نعمه على معاصيه سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول سمعت أبا بكر بن سعيد وأبا بكر ختن الجنيد يقولان سمعنا الجنيد يقول الورع في الكلام أشد منه في الاكتساب أنشدني أبو الحسن بن مقسم قال أنشدني أبو بكر ختن الجنيد قال أنشدني الجنيد بن محمد تحمل عظيم الجرم ممن تحبه وإن كنت مظلوما فقل أنا ظالم قال وأنشدني أناس أمناهم فنموا حديثنا فلما كتمنا السر عنهم تقولوا ولم يحفظوا الود الذي كان بيننا ولا حين هموا بالقطيعة أجملوا سمعت أبا الحسن يقول سمعت أبا القاسم المطرز يقول سمعت الجنيد يقول لا تسكن إلى نفسك وإن دامت طاعتها لك في طاعة ربك سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول سمعت أبا القاسم ا لنقاشي الصوفي يقول سمعت الجنيد بن محمد يقول متى أردت أن تشرف بالعلم وتنسب إليه وتكون من أهله قبل أن تعطى العلم ماله عليك احتجب عنك نوره وبقي عليك وسمه وظهوره ذلك العلم عليك لا لك وذلك أن العلم يشير إلى إستعماله وإذا لم يستعمل العلم في مراتبه رحلت بركاته سمعت أبا الحسن يقول سمعت أبا القاسم النقاشي يقول سمعت الجنيد يقول الإنسان لا يعاب بما في طبعه إنما يعاب اذا فعل بما في طبعه أنشدني أبو الحسن بن مقسم قال أنشدني علي بن الحسن القرشي قال أنشدني الجنيد بن محمد هل من سبيل إلى حبيب أوقفني موقف العبيد والله والله لو بدأني بكل ضرب من الصدود ما كان لي من هواه بد ولو تقطعت بالوجود
سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول سمعت أبا القاسم الحفار يقول سمعت الجنيد وقد سأله رجل كيف الطريق إلى الله تعالى فقال توبة تحل الإصرار وخوف يزيل الغرة ورجاء مزعج إلى طريق الخيرات ومراقبة الله في خواطر القلوب سمعت أحمد بن جعفر بن مالك يقول سمعت أبا القاسم الجنيد بن محمد يقول وسأله سائل العناية قبل أم البداية فقال العناية قبل الطين والماء قال وسمعت أبا القاسم الجنيد يقول يامن هو كل يوم في شأن اجعلني من بعض شأنك أخبرنا جعفر بن محمد فيما كتب إلي قال سمعت الجنيد يقول المريد الصادق غني عن علوم العلماء يعمل على بيان يرى وجه الحق من وجوه الحق ويتوقى وجوه الشر من وجوه الشر قال وسمعت الجنيد يقول اعتللت بمكة فقوى علي فيها الوجود حتى لم أقدر أن أقول سبحان الله والحمد لله قال سمعت الجنيد يقول مكثت مدة طويلة لا يقدم أحد البلد من الفقراء إلا سلبت حالي ودفعت إلى حاله فأطلبه حتى إذا وجدته تكلمت بحاله وكنت لا أرى في النوم شيئا إلا رأيته في اليقظة سمعت أبا عمرو العثماني يقول سمعت أبا الحسن يقول سمعت الجنيد يقول ليس يتبشع علي ما يرد علي من العالم لأني قد أصلت أصلا وهو أن الدار دارهم وغم وبلاء وفتنة وأن العالم كله شر ومن حكمه أن يتلقاني بكل ما أكره فان تلقاني بكل ما أحب فهو فضل وإلا فالأصل هو الأول سمعت أبا الحسن الجهضمي يقول سمعت أبا الحسن يقول سمعت أبا عبدالله الفارسي يقول وقف أبو عبدالله المغربي علي الجنيد وقد سئل عن قوله سنقرئك فلا تنسى قال الجنيد سنقرؤك التلاوة فلا تنس العمل وسئل عن قوله ودرسوا ما فيه قال تركوا العمل بما فيه فقال المغربي حرجت أمة أنت بين ظهرانيها لا تفوض أمرها إليك قال ووقف الشبلى عليه فقال ما تقول يا أبا القاسم فيمن وجوده حقيقة لا علما فقال يا أبا بكر بينك وبين أكابر الناس سبعون قدما أدناها أن تنسى نفسك حدثنا الجهضمي ثنا محمد بن الحسن ثنا أبو القاسم بردان الهاوندي قال سمعت الجنيد يقول جئت إلى أبي الحسن السدى يوما فدققت عليه الباب فقال من هذا فقلت جنيد فقال ادخل فدخلت فاذا هو قاعد مستوفز وكان معي أربعة دراهم فدفعتها إليه فقال لي أبشر فانك تفلح فإني احتجت إلى هذه الأربعة دراهم فقلت اللهم ابعثها إلي على يدي رجل يفلح عندك حدثنا علي بن عبدالله ثنا منصور بن أحمد ثنا جعفر الدئلي قال سمعت الجنيد بن محمد يقول البلاء على ثلاثة أوجه على المخلطين عقوبات وعلى الصادقين تمحيص جنايات وعلى الأنبياء من صدق الاختيارات سمعت عثمان بن محمد العثماني يقول سمعت حكيم بن محمد يقول حضر الجنيد أبو القاسم موضعا فيه قوم يتواجدون على سماع يسمعونه وهو مطرق قيل له يا أبا القاسم ما تراك تتحرك قال وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب
حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد المفيد قال سمعت أبا القاسم الجنيد يقول ينبغي للعاقل ألا يفقد من إحدى ثلاثة مواطن موطن يعرف فيه حاله أمزاد أم منتقص وموطن يخلو فيه بتأديب نفسه وإلزامها ما يلزمها ويتقصى فيه على معرفتها وموطن يستحضر عقله برؤيته مجاري التدبير عليه وكيف تقلب فيه الاحكام في آناء الليل وأطراف النهار ولن يصفو عقل لا يصدر إلى فهم هذا الحال الأخير إلا بأحكام ما يجب عليه من إصلاح الحالين الأولين فأما الموطن الذي ينبغي له أن يعرف فيه حاله أمزاد هو أم منتقص فعليه أن يطلب مواضع الخلوة لكي لا يعارضه مشغل فيفسد ما يريد إصلاحه ثم يتوجه إلى موافقة ما ألزم من تأدية الفرض الذي لا يزكو حال قربه إلا بإتمام الواجب من الفرائض ثم ينتصب انتصاب عبد بين يدي سيده يريد أن يؤدي إليه ما أمر بتأديته فحينئذ تكشف له خفايا النفوس الموارية فيعلم أهو ممن أدى ما وجب عليه أم لم يؤد ثم لا يبرح من مقامه ذلك حتى يوقع له العلم ببرهان ما استكشفه بالعلم فان رأى خلللا أقام على إصلاحه ولم يجاوزه إلى عمل سواه وهذه أحوال أهل الصدق في هذا المحل والله يؤيد بنصره من يشاء إن الله لقوي عزيز وأما الموطن الذي يخلو فيه بتأديب نفسه ويتقصى فيه حال معرفتها فإنه ينبغي لمن عزم على ذلك وأراد المناصحة في المعاملة فإن النفوس ربما خبت فيها منها أشياء لا يقف على حد ذلك إلا من تصفح ما هنالك في حين حركة الهوى في محبة فعل الخير المألوف فإن النفس إذا ألفت فعل الخير صار خلقا من أخلاقها وسكنت إلى أنها موضع لما أهلت له وترى أن الذي جرى عليها من فعل ذلك الخير فيها هي له أهل ويرصدها العدو المقيم بفنائها المجعول له السبيل على مجاري الدم فيها فيرى هو بكيده خفي غفلتها فيختلس منها بمساءلة الهوى ما لا يمكنه الوصول إلى اختلاسه في غير تلك الحال فإن تألم لوكزته منه وعرف طعنته أسرع بالأمانة إلى من لا تقع الكفاية منه إلا به فاستقصى من نفسه علم الحال التي منا وصل عدوه إليه فحرسها بلياذة اللجأ وإلقاء الكنف وشدة الافتقار وطلب الاعتصام كما قال النبي بن النبي بن النبي الكريم بن الكريم بن الكريم كذا قال النبي صلى الله عليه وسلم الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن عليهم السلام وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين وعلم يوسف عليه السلام أن كيد الأعداء مع قوة الهوى لا ينصرف بقوة النفس فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم وأما الموطن الذي يستحضر فيه عقله لرؤية مجارى الأحكام وكيف يقلبه التدبير فهو أفضل الأماكن وأعلى المواطن فإن الله أمر جميع خلقه أن يواصلوا عبادته ولا يسأموا خدمته فقال وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون فألزمهم دوام عبادته وضمن لهم عليها في العاجل الكفاية وفي الأخرى جزيل الثواب فقال يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون وهذه كلها تلزم كل الخلق ووقف ليرى كيف تصرف الأحكام وقد عرض لرفيع العلم والمعرفة ألا يعلم أنه قال كل يوم هو في شأن يعني شأن الخلق وأنت أيها الواقف أترى أنك من الخلق الذي هو في شأنهم أو ترى شأنك مرضيا عنده ولن يقدر أحد على استحضار عقله إلا بانصراف الدنيا وما فيها عنه وخروجها من قلبه فاذا انقضت الدنيا وبادت أهلها وانصرفت عن ا لقلب خلا بمسامرة رؤية التصرف واختلاف الأحكام وتفصيل الأقسام ولن يرجع قلب من هذا وصفه إلى شيء من الانتفاع بما في هذه التي عنها خرج ولها ترك ومنها هرب ألا ترى إلى حارثة حين يقول عزفت نفسي عن الدنيا ثم يقول وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا وكأني باهل الجنة يتزاورون وكأني وكأني وهذه بعض أحوال القوم
أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير في كتابه وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت الجنيد بن محمد يقول كان يعارضني في بعض أوقاتي أن أجعل نفسي كيوسف وأكون أنا كيعقوب فأحزن على نفسي لما فقدت منها كما حزن يعقوب على فقده ليوسف فمكثت أعمل مدة فيما أجده على حسب ذلك أخبرنا جعفر في كتابه وحدثنا عنه محمد قال سمعت الجنيد بن محمد يقول كنت يوما عند السرى بن المغلس بن الحسين وهو متزر بمئزر وكنا خاليين فنظرت إلى جسده كأنه جسد سقيم دنف مضنى واجهد ما يكون فقال انظر إلى جسدي هذا فلو شئت أن أقول إن ما بي هذا من المحبة كان كما أقول كان وجهه يصفر ثم اشرأب حمرة حتى تورد ثم اعتل فدخلت عليه وعوده فقلت له كيف تجدك فقال كيف أشكو ما بي إلى طبيبي والذي أصابني من جبيبي فأخذت المروحة أروحه فقال كيف يجد روح المروحة من جوفه يحترق من داخل ثم أنشأ يقول القلب محترق والدمع مستبق والكرب مجتمع والصبر مفترق كيف القرار على من لا قرار له مما جناه ا لهوى والشوق والقلق يا رب إن كان شيء فيه لي فرج فامنن علي به ما دام لي رمق حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد المفيد قال سمعت الجنيد بن محمد يقول أعلى درجة الكبر وشرها أن ترى نفسك ودونها وأدناها في الشر أن تخطر ببالك أخبرني محمد بن أحمد بن هارون قال سمعت علي بن الحسين الغلاب يقول قيل للجنيد هل عاينت أو شاهدت قال لو عاينت تزندقت ولو شاهدت تحيرت ولكن حيرة في تيه وتيه في حيرة قال وسمعت الجنيد بن محمد يقول حرم الله المحبة على صاحب العلاقة قال وسئل الجنيد عن الدنيا ما هي قال ما دنا من القلب وشغل عن الله أخبرنا جعفر بن محمد في كتابه وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت أبا القاسم الجنيد بن محمد يقول دخلت يوما على سرى السقطي فرأيت عليه هما فقلت أيها الشيخ أرى عليك هما فقال الساعة دق على داق الباب فقلت أدخل فدخل على شاب في حدود الأرادة فسألني عن معنى التوبة فأخبرته وسألني عن شرط التوبة فأنبأته فقال هذا معنى التوبة وهذا شرطها فما حقيقتها فقلت حقيقة التوبة عندكم أن لا تنسى ما من أجله كانت التوبة فقال ليس هو كذلك عندنا فقلت له فما حقيقة التوبة عندكم فقال حقيقة التوبة ألا تذكر ما من أجله كانت التوبة وأنا أفكر في كلامه قال الجنيد فقلت ما أحسن ما قال قال فقال لي يا جنيد وما معنى هذا الكلام فقال يا أستاذ إذا كنت معك في حال الجفاء ونقلتني من حال الجفاء إلى حال الصفاء فذكري للجفاء في حال الصفاء غفلة قال ودخلت عليه يوما آخر فرأيت عليه هما فقلت أيها الشيخ أراك مشغول القلب فقال أمس كنت في الجامع فوقف على شاب وقال لي أيها الشيخ يعلم العبد ان الله تعالى قد قبله فقلت لا يعلم فقال بلى يعلم وقال لي ثانيا بلى يعلم فقلت له فمن أين يعلم قال إذا رأيت الله عز وجل قد عصمني من كل معصية ووفقني لكل طاعة علمت أن الله تبارك وتعالى قد قبلني أخبرنا جعفر بن محمد في كتابه وحدثني عنه محمد قال سمعت الجنيد ابن محمد يقول رأيت بعد أن أديت وردي ووضعت جنبي لأنام كأن هاتفا يهتف بي إن شخصا ينتظرك في المسجد فخرجت فإذا شخص واقف في سواء المسجد فقال لي يا أبا القاسم متى تصير النفس داءها دواءها قلت إذا خالفت هواها صار داؤها دواءها قال قلت هذا لنفسي فقالت لا أقبل منك حتى تسأل عنه الجنيد فقلت من أنت قال أنا فلان الجني وقد جئت إليك من المغرب قال وسمعت الجنيد بن محمد يقول لا نكون عبدالله بالكلية حتى لا تبقى عليك من غير الله بقية قال وسمعت الجنيد يقول لا تكن عبدالله حقا وأنت لشيء سواه مسترقا
حدثنا أبو نصر محمد بن أحمد بن هارون قال سمعت عبدالواحد بن محمد الاصطخري أبا الأزهر يقول سمعت إبراهيم بن عثمان يقول سمعت الجنيد ابن محمد يقول دخلت البادية بعقد التوكل في وسط السنة فمضت علي أيام فانتهيت إلى مجمع ماء وخضرة فتوضأت وملأت ركوتي وقمت أركع فإذا بشاب قد أقبل بزي التجار كأنه قد غدا من بيته إلى سوقه أو يرجع من سوقه إلى بيته فسلم علي فقلت الشاب من أين فقال من بغداد فقلت متى خرجت من بغداد قال أمس فتعجبت منه وكنت قد مضت علي أيام حتى بلغت إلى ذلك الموضع فجلس يكلمني وأكلمه فأخرج شيئا من كمه يأكله فقلت له أطعمني مما تأكل فوضع في يدي حنظلة فأكلته فوجدت طعمه كالرطب ومضى وتركني فلما دخلت مكة بدأت بالطواف فجذب ثوبي من ورائي فالتفت فإذا أنا بشاب كالشن البالي عليه قطعة عباء وعلى عاتقه بعضه فقلت له زدني في المعرفة فقال أنا الشاب الذي أطعمتك الحنظل فقلت له ما شأنك فقال يا أبا القسام ذرؤنا حتى إذا أوقعونا قالوا استمسك أخبرنا جعفر بن محمد فيما كتب إلي وحدثني عنه عثمان بن محمد قال سئل الجنيد أيما أتم استغراق العلم في الوجود أو استغراق الوجود في العلم قال استغراق العلم في الوجود ليس العالمون بالله كالواجدين له قال وسأله الحريري عن قول عيسى عليه السلام تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك قال هو والله ألم تعلم ما أنا لك عليه ومالك عندي ولا أعلم مالي عندك إلا ما أخبرتني به وأطلعتني عليه فهذا معناه حدثنا محمد بن أحمد بن هارون قال سمعت أبا زرعة الطبري يقول سمعت الحسين بن يسين يقول سمعت الجنيد يقول الأقوات ثلاثة فقوت بالطعام وهو مولد للأعراض وقوت بالذكر فهذا يشممهم الصفات وقوت برؤية المذكور وهو الذي يفنى ويبيد قال ثم أنشد يقول إذا كنت قوت النفس ثم هجرتها فلم تلبث النفس التي أنت قوتها أخبرنا محمد بن أحمد المفيد في كتابه وحدثنا عنه عثمان بن محمد قبل أن لقيته ثنا عبدالصمد بن محمد الجبلي قال كتب الجنيد إلى أبي إسحاق المارستاني يا أخي كيف أنت في ترك مواصلة من عرضك للتقصير ودعاك إلى النقص والفتور وكيف ينبغي أن تكون مباينتك له وهجرانك وكيف إعراض سرك ونبو قلبك وعزوف ضميرك عنه حقيق عليك على ما وهبه الله لك وخصك به من العلم الجليل والمنزل الشريف أن تكون عن المقبلين على الدنيا معرضا وأن تكون لهم بسرك وجهرك قاليا وأن تكون لهم في بلائهم إلى الله شافعا فذلك بعض حقك لك وحري بك أن تكون للمذنبين ذائدا وأن تكون لهم بفهم الخطاب إلى الله رائدا وفي استنقاذهم وافدا فتلك حقائق العلماء وأماكن الحكماء وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله وأعمهم نفعا لجملة خلقه جعلنا الله وإياك من أخص من أخلصه بالإخلاص إليه وأقربهم في محل الزلفى لديه أيحسن بالعاقل اللبيب والفهم الأديب الطالب المطلوب المحب المحبوب المكلأ المعلم المزلف المقرب المجالس المؤانس أن يعير الدنيا طرفه أو يواقفها بلحظه وقد سمع سيده ومولاه وهو يقول لأجل أصفيائه وسيد رسله وأنبيائه ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه الآية أفشاهد أنت لفهم الخطاب وإمكان رد الجواب فترك حظه من الله مما فاته ومصافاته وكافأته ومكانه منه وموالاته أن يواد من لا يواده أو يألف من لا يوافقه غض يا أخي بصر سرك وبصيرة قلبك عن الإيماء إلى النظر إليهم دون المواصلة لهم وصن بالمضمون من ضميرك عن أن تكون لك بالقوم مؤالفة فوالله لا والى الله من يحاده ولا أقبل على من يبغضه ولا عظم من يعظم ما صغره وقلله إلا أن ينزع عن ذلك فكن من ذلك على يقين وكن لأماكن من أعرض عن الحق مستهينا وبعد يا أخي فتفضل باحتمالي إن غلظ عليك مقالي وتجشم الصبر على أن يوافق قلبك ما في كتابي فإن المناصحة والمفاصحة خير من الإغضاء مع المتاركة وأني أختم كتابي وأستدعي جوابي بقولي الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله وصلى الله على سيدنا محمد المصطفى وعلى آله وسلم تسليما كثيرا
سمعت أبي يقول سمعت أحمد بن جعفر بن هانئ يقول سألت أبا القاسم الجنيد بن محمد قلت متى يكون الرجل موصوفا بالعقل قال إذا كان للأمور مميزا ولها متصفحا وعما يوجبه عليه العقل باحثا يبحث يلتمس بذلك طلب الذي هو به أولى ليعمل به ويؤثره على ما سواه فإذا كان كذلك فمن صفته ركوب الفضل في كل أحواله بعد إحكام العمل بما قد فرض عليه وليس من صفة العقلاء إغفال النظر لما هو أحق وأولى ولا من صفتهم الرضا بالنقص والتقصير فمن كانت هذه صفته بعد إحكامه لما يجب عليه من عمله ترك التشاغل بما يزول وترك العمل بما يفنى وينقضي وذلك صفة كل ما حوت عليه الدنيا وكذلك لا يرضى أن يشغل نفسه بقليل زائل ويسير حائل يصده التشاغل به والعمل له عن أمورالآخرة التي يدوم نعيمها ونفعها ويتصل بقاؤها وذلك أن الذي يدوم نفعه ويبقى على العامل له حظه وما سوى ذلك زئل متروك مفارق موروث يخاف مع تركه سوء العاقبة فيه ومحاسبة الله عليه كذلك صفة العاقل لتصفحه الأمور بعقله والأخذ منها بأوفره قال الله تعالى الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك أولوا الألباب كذلك وصفهم الله وذوو الألباب هم ذوو العقول وإنما وقع الثناء عليهم بما وصفهم الله به للأخذ بأحسن الأمور عند استماعها وأحسن الأمور هو أفضلها وأبقاها على أهلها نفعا في العاجل والآجل وإلى ذلك ندب الله عز وجل من عقل في كتابه حدثنا محمد بن الحسين بن موسى قال سمعت محمد بن عبدالله الرازي يقول سمعت أبا محمد الجريري يقول سمعت الجنيد بن محمد يقول ما أخذنا التصوف عن القال والقيل لكن عن الجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات والمستحسنات لأن التصوف هو صفاء المعاملة مع الله وأصله العزوف عن الدنيا كما قال حارثة عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري حدثنا محمد بن الحسين قال سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت أبا محمد الجريري يقول سمعت الجنيد يقول لرجل ذكر المعرفة فقال الرجل أهل المعرفة بالله يصلون إلى ترك الحركات من باب البر والتقرب إلى الله فقال الجنيد إن هذا قول قوم تكلموا بأسقاط الأعمال وهذه عندي عظيمة والذي يسرق ويزني أحسن حالا من الذي يقول هذا وإن العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله وإليه رجعوا فيها ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرة إلا أن يحال بي دونها وإنه لأوكد في معرفتي وأقوى في حالي أخبرنا جعفر بن محمد في كتابه وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت الجنيد بن محمد يقول حاجة العارفين إلى كلاءته ورعايته قال الله عز وجل قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن ونجح قضاء كل حاجة من الدنيا تركها وفتح كل باب شريف بذل المجهود قال ورأيت الجنيد في المنام فقلت أليس كلام الأنبياء إشارات عن مشاهدات فتبسم وقال كلام الأنبياء بناء عن حضور وكلام الصديقين إشارات عن مشاهدات قال وكتب الجنيد إلى بعض إخوانه من أشار إلى الله وسكن إلى غيره ابتلاه الله وحجب ذكره عن قلبه وأجراه على لسانه فإن انتبه وانقطع عمن سكن إليه ورجع إلى من أشار إليه كشف الله ما به من المحن والبلوى فإن دام نزع الله على سكونه من قلوب الخلق الرحمة عليه وألبس لباس الطمع لتزداد مطالبته منهم مع فقدان الرحمة من قلوبهم فتصير حياته عجزا وموته كدا ومعاده أسفا ونحن نعوذ بالله من السكون إلى غيره وقال الجنيد لو أقبل صادق على الله ألف ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة كان ما فاته أكثر مما ناله وقال رجل للجنيد علام يتأسف المحب قال على زمان بسط أورث قبضا أو زمان أنس أورث وحشة وأنشأ يقول قد كان لي مشرب يصفو برؤيتكم فكدرته يد الأيام حين صفا
كتب إلي جعفر بن محمد وأخبرني عنه يوسف بن محمد القواس قال سمعت الجنيد بن محمد يقول إن الله عز وجل يخلص إلى القلوب من بره حسبما خلصت القلوب به إليه من ذكره فانظر ماذا خالط قلبك كتب إلى جعفر بن محمد وأخبرني عنه محمد بن عبدالله قال سمعت الجنيد يقول يا ذاكر الذاكرين بما به ذكروه ويا بادئ العارفين بما به عرفوه ويا موفق العاملين لصالح ما عملوه من ذا الذي يشفع عندك إلا بإذنك ومن ذا الذي يذكرك إلا بفضلك حدثنا علي بن هارون بن محمد قال سمعت الجنيد بن محمد يقول وكتب إلى بعض أخوانه الحمد لله الذي استخلص لنفسه صفوة من خلقه وخصهم بالعلم والمعرفة به فاستعملهم بأحب الأعمال إليه وأقربها من الزلفى لديه وبلغهم من ذلك الغاية القصوى والذروة المتناهية العليا وبعد فإني أوصيك بترك الالتفات إلى كل حال ماضية فإن الالتفات إلى ما مضى شغل عما يأتي من الحالة الكائنة وأوصيك بترك الملاحظة للحال الكائنة وبترك المنازلة لها بجولان الهمة لملتقي المستقبل من الوقت الوارد بذكر مورده ونسق ذكر موجوده فإنك إذا كنت هكذا كنت تذكر من هو أولى ولا تضرك رؤية الأشياء وأوصيك بتجريد الهم وتفريد الذكر ومخالصة الرب بذلك كله واعمل على تخليص همك من همك لهمك واطلب الخالص من ذكر الله جل ثناؤه بقلبك وكن حيث يراك لما يراد لك ولا تكن حيث يراد لك لما تريد لنفسك واعمل على محو شاهدك من شاهدك حتى يكون الشاهد عليك شاهدا لك بما يخلص من شاهدك واعلم أنه إن كنت كلك له كان لك بكل الكل فيما تحبه منه فكن مؤثرا له بكل من انبسط له منك ومنه بدا لك ومنه به يبسط عليك ما لا يحيط به علمك ولا تبلغ إليه أمانيك وآمالك وإذا بليت بمعاشرة طائفة من الناس فعاشرهم على مقادير أماكنهم وكن مشرفا عليهم بجميل ما آتاك الله وفضلك به وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم سمعت محمد بن علي بن حبيش يقول سمعت الجنيد بن محمد وسئل عن الرضا فقال سألتم عن العيش الهنيء وقرة العين من كان عن الله راضيا قال بعض أهل العلم أهنأ العيش عيش الراضين عن الله فالرضا استقبال ما نزل من البلاء بالطاقة والبشر وانتظار مالم ينزل منه بالتفكر والاعتبار وذلك أن ربه عنده أحسن صنعا به وأرحم به وأعلم بما يصلحه فإذا نزل القضاء لم يكرهه وكان ذلك إرادته مستحسنا ذلك الفعل من ربه فإذا عد ما نزل به إحسانا من الله عز وجل فقد رضي فالرضى هو الأرادة مع الاستحسان أن يكون مريدا لما صنع محبا راضيا عن الله بقلبه سمعت أبا الحسن علي بن هارون بن محمد يقول سمعت الجنيد بن محمد يقول وكتب إلى بعض إخوانه كتابا يقول فيه إن الله جل ثناؤه لا يخلي الأرض من أوليائه ولا يعريها من أحبائه ليحفظ بهم من جعلهم سببا لحفظه ويحفظ بهم من جعلهم سببا لكونه وأنا أسأل المنان بفضله وطوله أن يجعلنا وإياك من الأمناء على سره الحافظين لما استحفظوه من جليل أمره تجميلا منه لنا بأعظم الرتب وإشرافا بنا على كل ظاهر ومحتجب وقد رأيت الله تعالى وتقدست أسماؤه زين بسيط أرضه وفسيح سعة ملكه بأوليائه وأولي العلم به وجعلهم أبهج لامع سطع نوره وعن لقلوب العارفين ظهوره وهم أحسن زينة من السماء البهجة بضياء نجومها ونور شمسها وقمرها أولئك أعلام لمناهج سبيل هدايته ومسالك طرق القاصدين إلى طاعته ومنار نور على مدارج الساعين إلى موافقته وهم أبين في منافع الخليقة أثرا وأوضح في دفاع المضار عن البرية خيرا من النجوم التي بها في ظلمات البر والبحر يهتدي وبآثارها عند ملتبس المسالك يقتدى لأن دلالات النجوم تكون بها نجاة الأموال والأبدان ودلالات العلماء بها تكون سلامة الأديان وشتان ما بين من يفوز بسلامة دينه وبين من يفوز بسلامة دنياه وبدنه
سمعت عثمان بن محمد العثماني يقول سمعت أبا بكر محمد بن أحمد البغدادي يقول سئل الجنيد بن محمد عن المحبة أمن صفات الذات أم من صفات الأفعال فقال إن محبة الله لها تأثير في محبوبه بين فالمحبة نفسها من صفات الذات ولم يزل الله تعالى محبا لأوليائه وأصفيائه فأما تأثيرها فيمن أثرت فيه فإن ذلك من صفات الأفعال فاعلم أرشدك الله للصواب أخبرنا محمد بن أحمد في كتابه وحدثني عنه عثمان بن محمد قال سمعت الجنيد بن محمد يقول اعلم أنه إذا عظمت فيك المعرفة بالله وامتلأ من ذلك قلبك وانشرح بالانقطاع إليه صدرك وصفا لذكره فؤادك واتصل بالله فهمك ذهبت آثارك وامتحيت رسومك واستضاءت بالله علومك فعند ذلك يبدو لك علم الحق سمعت عبدالمنعم بن عمر يقول سمعت أبا سعيد بن الأعرابي يقول سمعت أبا بكر العطار يقول حضرت الجنيد أبا القاسم عند الموت في جماعة من أصحابنا قال وكان قاعدا يصلي ويثني رجله إذا أراد أن يسجد فلم يزل كذلك حتى خرجت الروح من رجله فثقلت عليه حركتها فمد رجليه فرآه بعض أصدقائه ممن حضر ذلك الوقت يقال له البسامي وكانت رجلا أبي القاسم تورمتا فقال ما هذا يا أبا القاسم قال هذه نعم الله الله أكبر فلما فرغ من صلاته قال له أبو محمد الجريري يا أبا القاسم لو اضطجعت فقال يا أبا محمد هذا وقت منة الله أكبر فلم يزل ذلك حاله حتى مات رحمه الله قال الشيخ كان الجنيد رحمه الله ممن أحكم علم الشريعة فكان عنده اقتباس آثار الزريعة وقبوله المدرجة البديعة وكان القيام بحقائق الآثار يدفعه عن الرواية والآثار ومن مسانيد حديثه ما حدثناه أبو عبدالله محمد بن عبدالله النيسابوري الحافظ بها قال حدثني بكير بن أحمد الصوفي بمكة ثنا الجنيد أبو القاسم الصوفي ثنا الحسن بن عرفة ثنا محمد بن كثير الكوفي عن عمرو بن قيس الملائي عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم احذروا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله وقرأ إن في ذلك لآيات للمتوسمين قال للمتفرسين حدثنا محمد بن عبدالله بن سعيد ثنا عبدان بن أحمد ثنا عبدالحميد بن بيان ثنا محمد بن كثير ثنا عمرو بن قيس عن عطية عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله سمعت علي بن هارون بن محمد يقول سمعت الجنيد بن محمد يدعو بهذا الدعاء فجاءه رجل فشكا إليه الضيق فعلمه وقال قل اللهم إني أسألك منك ما هو لك وأستعيذك من كل أمر يسخطك اللهم إني أسألك من صفاء الصفاء صفاء أنال به منك شرف العطاء اللهم ولا تشغلني شغل من شغله عنك ما أراد منك إلا أن يكون لك اللهم اجعلني ممن يذكرك ذكر من لا يريد بذاكره منك إلا ما هو لك اللهم اجعل غاية قصدي إليك ما أطلبه منك اللهم املأ قلبي بك فرحا ولساني لك ذكرا وجوارحي فيما يرضيك شغلا اللهم امح عن قلبي كل ذكر إلا ذكرك وكل حب إلا حبك وكل ود إلا ودك وكل إجلال إلا إجلالك وكل تعظيم إلا تعظيمك وكل رجاء إلا لك وكل خوف إلا منك وكل رغبة إلا إليك وكل رهبة إلا لك وكل سؤال إلا منك اللهم اجعلني ممن لك يعطي ولك يمنع وبك يستعين وإليك يلجأ وبك يتعزز ولك يصبر وبحكمك يرضى اللهم اجعلني ممن يقصد إليك قصد من لا رجوع له إلا إليك اللهم اجعل رضائي بحكمك فيما ابتليتني في كل وقت متصلا غير منفصل واجعل صبري لك على طاعتك صبر من ليس له عن الصبر صبر إلا القيام بالصبر واجعل تصبري عما يسخطك فيما نهيتني عنه تصبر من استغنى عن الصبر بقوة العصمة منك له اللهم واجعلني ممن يستعين بك استعانة من استغنى بقوتك عن جميع خلقك اللهم واجعلني ممن يلجأ إليك لجأ من لا ملجأ له إلا إليك واجعلني ممن يتعزى بعزائك ويصبر لقضائك أبدا ما أبقيتني اللهم وكل سؤال سألته فمن أمر منك لي بالسؤال فاجعل سؤالي لك سؤال محابك ولا تجعلني ممن يتعمد بسؤاله مواضع الحظوظ بل يسأل القيام بواجب حقك
أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد البغدادي في كتابه وحدثني عنه عثمان بن محمد العثماني قال سمعت عبدالرحمن بن أحمد يقول سمعت الجنيد بن محمد يقول وهو يدعو بهذا الدعاء الحمد لله إلهي حمدا كإحصاء علمك حمدا يرقى إليك على الألسنة الطاهرة مبرأ من زيغ وتهمة معرى من العاهات والشبهات قائما في عين محبتك بحنين صدق إخلاصه ليكون نور وجهك العظيم غايته وقدس عظمتك نهايته لا يستقر إلا عند مرضاتك خالصا بوفاء إرادتك نصب إرادتك حتى يكون لمحامدك سائقا قائدا إلهي ليس في أفق سمواتك ولا في قرار أرضك في فسحات أقاليمها من يحب أن يحمد غيرك إذ أنت منشئء المنشآت لا تعرف شيئا إلا منك وكيف لا تعرفك الأشياء ولم يقر الخلق إلا لك وبدؤه منك وأمره إليك وعلانتيه وسره محصى في إرادتك فأنت المعطي والمانع وقضاؤك الضار والنافع وحلمك يمهل خلقك وقضاؤك يمحو ما تشاء من قدرك تحدث ما شئت أن تحدثه وتستأثر بما شئت أن تستأثره وتخلق ما أنت مستغن عن صنعه وتصنع ما يبهر العقول من حسن حكمته لا تسأل عما تفعل لك الحجة فيما تفعل وعندك أزمة مقادير البشر وتصاريف الدهور وغوامض سر النشور ومنك فهم معرفة الأشخاص الناطقة بتفريدك لا يغيب عنك ما في أكنة سرائر الملحدين ولا يتوارى عن علمك اكتساب خواطر المبطلين ولا يهيم في قضائك إلا الجاهلون ولا يغفل عن ذكرك وشكرك إلا الغافلون ولا تحتجب عنك وساوس الصدور ولا وهم الهواجس ولا إرادة الهمم ولا عيون الهمم التي تخرج بصائر القلوب إلهي فكيف أنظر إن نظرت إلا إلى رحمتك وإن غضضت فعلى نعمك فمن فضلك جعلت حكمك يحتمل على عطفك ومن فضلك جعلت نعمك تعم جميع خلقك فهب لي من لدنك ما لا يملك غيرك مما تعلمه يا وهاب يا فعال لما يريد واجعلني من خاصة أوليائك يا خير مدعو وأكرم راحم إنك أنت على كل شيء قدير سمعت أبا الحسن علي بن هارون يقول سمعت الجنيد بن محمد يقول اعلم أن المناصحة منك للخلق والإقبال على ما هو أولى بك فيك وفيهم أفضل الأعمال لك في حياتك وأقربها إلى أوليائك في وقتك واعلم أن أفضل الخلق عند الله منزلة وأعظمهم درجة في كل وقت وزمن وفي كل محل ووطن أحسنهم إحكاما لما عليه في نفسه وأسبقهم بالمسارعة إلى الله فيما يحبه وأنفعهم بعد ذلك لعباده فخذ بالحظ الموفر لنفسك وكن عاطفا بالمنافع على غيرك واعلم أنك لن تجد سبيلا تسلكه إلى غيرك وعليك بقية مفترضة من حالك واعلم أن المؤهلين للرعاية إلى سبيل الهداية والمرادين لمنافع الخليقة والمرتبين للنذارة والبشارة أيدوا بالتمكين وأسعدوا براسخ علم اليقين وكشف لهم عن غوامض معالم الدين وفتح لهم في فهم الكتاب المستبين فبلغوا ما أنعم به عليهم من فضله وجاد به من عظيم أمره إحكام ما به أمروا والمسارعة إلى ما إليه ندبوا والدعاية إلى الله بما به مكنوا وهذه سيرة الأنبياء صلوات الله عليهم فيمن بعثوا إليهم من الأمم وسيرتهم في تأدية ما علموه من الحكم وسيرة المتبعين لآثارهم من الأولياء والصديقين وسائر الدعاة إلى الله من صالحي المؤمنين كتب إلى جعفر بن محمد وقال أنشدني الجنيد بن محمد سرت بناس في الغيوب قلوبهم وجالوا بقرب الماجد المتفضل ونالوا من الجبار عطفا ورأفة وفضلا وإحسانا وبرا يعجل أولئك نحو العرش هامت قلوبهم وفي ملكوت العز تأوي وتنزل أنشدني عثمان بن محمد العثماني قال أنشدني الحسين بن أحمد بن منصور الصوفي للجنيد بن محمد تريد مني اختبار سري وقد علمت المراد مني فليس لي من سواك حظ فكيفما شئت فامتحني كل بلاء علي مني ياليتني قد أخذت عني
كتب إلي جعفر بن محمد بن نصير الخلدي وسمعت أبا طاهر المحتسب يقول قرأت على أبي محمد جعفر بن محمد بن نصير وهو يسمع قال كان الجنيد ابن محمد يدعو بهذا الدعاء على ممر الأيام الحمد لله حمدا دائما كثيرا طيبا مباركا موفورا لا انقطاع له ولا زوال ولا نفاد له ولا فناء كما ينبغي لكريم وجهك وعز جلالك وكما أنت أهل الحمد في عظيم ربوبيتك وكبريائك ولك من كل تسبيح وتقديس وتمجيد وتهليل وتحميد وتعظيم ومن كل قول حسن زاك جميل ترضاه مثل ذلك اللهم صل على عبدك المصطفى المنتخب المختار المبارك سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى أشياعه وأتباعه وأنصاره وإخوانه من النبيين وصل اللهم على أهل طاعتك أجمعين من أهل السموات والأرضين وصل على جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل ورضوان ومالك اللهم وصل على الكروبيين والروحانيين والمقربين والسياحين والحفظة والسفرة والحملة وصل على ملائكتك وأهل السموات وأهل الأرضين وحيث أحاط بهم علمك في جميع أقطارك كلها صلاة ترضاها وتحبها وكما هم لذلك كله أهل وأسألك اللهم بجودك ومجدك وبذلك وفضلك وطولك وبرك وإحسانك ومعروفك وكرمك وبما استقل به العرش من عظم ربوبيتك أسألك يا جواد يا كريم مغفرة كل ما أحاط به علمك من ذنوبنا والتجاوز عن كل ما كان منا واد اللهم مظالمنا وقم بأودنا في تبعاتنا جودا منك ومجدا وبذلا منك وطولا وبدل قبيح ما كان منا حسنا يا من يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب أنت كذلك لا كذلك غيرك اعصمنا فيما بقي من الأعمار إلى منتهى الآجال عصمة دائمة كاملة تامة وكره إلينا كل الذي تكره وحبب إلينا كل الذي ترضاه وتحبه واستعملنا به على النحو الذي تحب وأدم ذلك لنا إلى أن تتوفانا عليه أكد على ذلك عزائمنا واشدد عليها نياتنا وأصلح لها سرائرنا وابعث لها جوارحنا وكن ولي توفيقنا وزيادتنا وكفايتنا هب لنا اللهم هيبتك وإجلالك وتعظيمك ومراقبتك والحياء منك وحسن الجد والمسارعة والمبادرة إلى كل قول زكي حميد ترضاه وهب لنا اللهم ما وهبت لصفوتك وأوليائك وأهل طاعتك من دائم الذكر لك وخالص العمل لوجهك على أكمله وأدومه وأصفاه وأحبه إليك وأعنا على العمل بذلك إلى منتهى الآجال اللهم وبارك لنا في الموت إذا نزل بنا أجعله يوم حباء وكرامة وزلفى وسرور واغتباط ولا تجعله يوم ندم ولا يوم أسى وأوردنا من قبورنا على سرور وفرح وقرة عين واجعلها رياضا من رياض جنتك وبقاعا من بقاع كرامتك ورأفتك ورحمتك لقنا فيها الحجج وآمنا فيها من الروعات واجعلنا آمنين مطمئنين إلى يوم تبعثنا يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه لا ريب في ذلك اليوم عندنا آمنا من روعاته وخلصنا من شدائده واكشف عنا عظيم كربه واسقنا من ظمئه واحشرنا في زمرة محمد صلى الله عليه وسلم المصطفى الذي انتخبته واخترته وجعلته الشافع لأوليائك المقدم على جميع أصفيائك الذي جعلت زمرته آمنة من الروعات أسألك يا من إليه لجؤنا إليه إيابنا وعليه حسابنا أن تحاسبنا حسابا يسيرا لا تقريع فيه ولا تأنيب ولا مناقشة ولا مواقفة عاملنا بجودك ومجدك كرما واجعلنا من السرعان المغبوطين واعطنا كتبنا بالأيمان وأجزنا الصراط مع السرعان وثقل موازيننا يوم الوزن ولا تسمعنا لنار جهنم حسيسا ولا زفيرا وأجرنا منها ومن كل ما يقرب إليها من قول وعمل واجعلنا بجودك ومجدك وكرمك في دار كرامتك وحبورك مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا واجمع بيننا وبين آبائنا وأمهاتنا وقراباتنا وذرياتنا في دارة قدسك ودار حبورك على أفضل حال وأسرها وضم إلينا إخواننا الذين هم على ألفتنا والذين كانوا على ذلك من كل ذكر وأنثى بلغهم ما أملوه وفوق ما أملوه واعطهم فوق ما طلبوه واجمع بينا وبينهم في دار قدسك ودار حبورك على أفضل حال وأسرها وعم المؤمنين والمؤمنات جميعا برأفتك ورحمتك الذين فارقوا الدنيا على توحيدك كن لنا ولهم وليا كالئا كافيا وارحم جفوف أقلامهم ووقوف أعمالهم وما حل بهم من البلاء والأحياء منهم تب على مسيئهم واقبل توبتهم وتجاوز عن المسرف منهم وانصر مظلومهم واشف مريضهم وتب علينا وعليهم توبة نصوحا ترضاها فإنك الجواد بذلك المجيد به القادر عليه وكن اللهم للمجاهدين منهم وليا وكالئا وكافيا وناصرا وانصرهم على عدوهم نصرا عزيزا واجعل دائرة السوء على أعدائك وأعدائنا أسفك الله دماءهم وأبح حريمهم واجعلهم فيئا لإخواننا من المؤمنين وأصلح الراعي والرعية وكل من وليته شيئا من أمور المسلمين صلاحا باقيا دائما اللهم أصلحهم في أنفسهم وأصلحهم لمن وليتهم عليهم وهب لهم العطف والرأفة والرحمة بهم وأدم ذلك لنا فيهم ولهم في أنفسهم اللهم اجمع لنا الكلمة واحقن الدماء وأزل عنا الفتنة وأعذنا من البلاء كله تقول ذلك لنا بفضلك من حيث أنت به أعلم وعليه أقدر ولا ترنا في أهل الإسلام سيفين مختلفين ولا ترنا بينهم خلافا اجمعهم على طاعتك وعلى ما يقر إليك فإنك ولي ذلك وأهله اللهم إنا نسألك إن تعزنا ولا تذلنا وترفعنا ولا تضعنا وتكون لنا ولا تكن علينا وتجمع لنا سبيل الأمور كلها أمور ا لدنيا التي هي بلاغ لنا إلى طاعتك ومعونة لنا على موافقتك وأمور الآخرة التي فيها أعظم رغبتنا وعليها معولنا وإليها منقلبنا فإن ذلك لا يتم لنا إلا بك ولا يصلح لنا إلا بتوفيقك اللهم وهب لنا هيبتك وإجلالك وتعظيمك وما وهبت لخاصتك من صفوتك من حقيقة العلم والمعرفة بك من علينا بما مننت به عليهم من آياتك وكراماتك واجعل ذلك دائما لنا يا من له ملكوت كل شيء وهو على كل شيء قدير اللهم وهب لنا العافية الكاملة في الأبشار وجميع الأحوال وفي جميع الإخوان والذريات والقرابات وعم بذلك جميع المؤمنين والمؤمنات أجر علينا من أحكامك أرضاها لك وأحبها إليك وأعونها على كل مقرب من قول وعمل يا سامع الأصوات ويا عالم الخفيات ويا جبار السموات صل على عبدك المصطفى محمد وعلى آل محمد أولا وآخرا ظاهرا وباطنا واسمع واستجب وافعل بنا ما أنت أهله يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين
محمد بن يعقوب ومنهم العارف بالأصول العازف عن الفضول له القلب الخاشع والأذن السامع أحكم علم الآثار وأتقنها وألف في المعاملات والأحوال وأوضحها أبو جعفر محمد بن يعقوب بن الفرجي صحب الحارث بن أسد المحاسبي وطبقته له مصنفات في معاني الصوفية كتاب الورع وكتاب صفات المريدين كان من الأئمة في علوم النساك يرفع من الفقراء وينصرهم ويضع من المدعين ويزري عليهم كتب إلي جعفر بن محمد بن نصير فيما أذن لي قال سمعت المرتعش يقول قال أبو جعفر بن الفرجي مكثت عشرين سنة لا أسأل عن مسألة إلا ومنازلتي فيها قبل قولي وقال إذاصح الود سقطت شروط الأدب وحكى عبدالمنعم بن عمر عن أبي سعيد بن الأعرابي أنه قيل لأبي جعفر بن الفرجي إنك تنكر الزعقة والصيحة فقال إنما أنكرها على الكذابين وقال ما زعقت من عمري إلا ثلاث زعقات فإني انتهيت ببغداد يوما إلى الجسر وأخرج رجل من الشطاحين من السجن يضرب ثم رد إلى السجن والناس يتعجبون من صبره على الجلد فجئت إليه فقلت مسألة فقال أوسعوا له ما مسألتك قلت أسهل ما يكون الضرب عليكم أي وقت قال إذا كان من ضربنا له يرانا قال فصحت ولم أملك السكوت قال أبو سعيد بن الأعرابي أخبرني عمي يحيى بن أحمد قال أخبرني ابن المرزبان الصيقل قال أردت الخروج إلى مكة فرافق الجمال بيني وبين إنسان لا أعرفه فقلت له بعد أن رافقني نحتاج من الزاد كذا وكذا ومن الزيت كذا وكذا فقال قد اشتريت جميع ذلك فلا تشتر شيئا وظننت أنه يحاسبني عليه كما يفعل الرفقاء وكان في الطريق يسرف ويوسع النفقة فأقول في نفسي كل هذا يحاسبني به فكنت أحتشمه أن أقول له اقصر واحتمله فلما صرت بمكة عزم علي المقام بمكة فقلت له الحساب فقال سبحان الله تذكر مثل هذا وأقبل ينكر علي ذلك فقلت لا بد منه فأبى ذلك وقال من يفعل ذلك فسألت عنه فإذا هو الفرجي وروي عن أبي جعفر محمد بن الفرجي قال خرجت من الشام على طريق المفازة فوقعت في التيه فمكثت فيه أياما حتى أشرفت على الموت قال فبينا أنا كذلك إذا أنا براهبين يسيران كأنهما خرجا من مكان قريب يريدان ديرا لهما قريبا فقمت إليهما فقلت أين تريدان قالا لا ندري قلت أتدريان أين أنتما قالا نعم نحن في ملكه ومملكته وبين يديه فأقبلت على نفسي أوبخها وأقول لها راهبان يتحققان بالتوكل دونك فقلت لهما أتأذنان في الصحبة قالا ذلك إليك فاتبعتهما فلما جن الليل قاما إلى صلاتهما وقمت إلى صلاتي فصليت المغرب بتيمم فنظرا إلي وقد تيممت فضحكا مني فلما فرغا من صلاتهما بحث أحدهما الأرض بيده فإذا بماء قد ظهر وطعام موضوع فبقيت أتعجب من ذلك فقالا مالك أدن فكل واشرب فأكلنا وشربنا وتهيأت للصلاة ثم نضب الماء فذهب فلم يزالا في الصلاة وأنا أصلي على حدة حتى أصبحنا وصلينا الصبح ثم أخذنا في المسير فمكثنا على ذلك إلى الليل فلما جننا اليوم تقدم الآخر فصلى بصاحبه ثم دعا بدعوات وبحث الأرض بيده فنبع الماء وحضر الطعام فلما كانت الليلة الثالثة قالا يا مسلم هذه نوبتك الليلة فاستخر الله قال فتعبت فيها واستحييت ودخل بعضي في بعض قال فقلت اللهم إني أعلم أن ذنوبي لم تدع لي عندك جاها ولكن أسألك ألا تفضحني عندهما ولا تشمتهما بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وبأمة نبيك فإذا بعين خرارة وطعام كثير فأكلنا من ذلك الطعام وشربنا ولم نزل كذلك حتى بلغتني النوبة الثانية ففعلت كذلك فإذا بطعام اثنين وشراب فكففت يدي وأريهما أني آكل ولم آكل فسكتا عني فلما كانت النوبة الثالثة أصابني كذلك فقالا لي يا مسلم ما هذا قالت لا أدري فلما كان في جوف الليل غلبتني عيناي فإذا بقائل يقول يا محمد أردنا بك الإيثار الذي اختصصنا به محمدا صلى الله عليه وسلم من بين الأنبياء والرسل فهي علامته وكرامتك وكرامة أمته من بعده إلى يوم القيامة قال فبلغت نوبتي وكان الأمر على هذه الصورة فقالا لي يا مسلم ما هذا مالنا نرى طعامك ناقصا قلت أولا تعلمان ما هذا قالا لا قلت هذا خلق خص الله به نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم وخص به أمته إن الله عز وجل يريد به الإيثار فقد آثرتكما قال فقالا نحن نشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله لقد صدقت قولك هذا خبر نجده في كتبنا خص الله به محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته فأسلما فقلت لهما في الجمعة والجماعة قالا ذلك الواجب قلت نعم قالا فاسأل الله أن يخرجنا من هذا التيه إلى أقرب الأماكن من الشام قال فبينا نحن نسير إذ أشرفنا على بيوتات بيت المقدس ومما أسند
حدثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن يعقوب بن الفرجي الرملي ثنا إبراهيم ابن المنذر المجذمي ثنا عبدالله بن وهب ثنا قرة بن عبدالرحمن عن يزيد بن أبي حبيب عن الزهري عن عروة بن الزبير عن أبي حميد الساعدي قال استسلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من رجل تمرا فلما جاءه يتقاضاه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس عندنا اليوم فإن شئت أخرت عنا حتى يأتينا فنقضيك فقال الرجل واعذراه فتذمر عمر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم دعه يا عمر فإن لصاحب الحق مقالا انطلقوا إلى خولة بنت حكيم الأنصارية فالتمسوا لنا عندها تمرا فانطلقوا فقالت والله ما عندي إلا تمر ذخيرة فأخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال خذوه فاقضوه فلما قضوه قبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له قد استوفيت قال نعم قد أوفيت وأطبت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن خيار عباد الله الموفون المطيبون قال سليمان تفرد به قرة عن يزيد حدثنا أبو عبدالله محمد بن أحمد بن إبراهيم ومحمد بن أحمد بن شبوية قالا ثنا أبو عمرو أحمد بن محمد بن إبراهيم بن حكيم ثنا محمد بن يعقوب الفرجي ثنا محمد بن عبدالملك بن قريب الأحمر قال حدثني أبي ثنا أبو معشر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال سرعة المشي تذهب بهاء المؤمنين أخبرنا أبو مسعود محمد بن إبراهيم بن عيسى المقدسي في كتابه ثنا محمد بن يعقوب الفرجي ثنا خالد بن يزيد ثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع حدثنا عبدالمنعم بن عمر ثنا أبو سعيد الأعرابي ثنا محمد بن يعقوب الفرجي ثنا علي بن المديني ثنا المعتمر بن سليمان عن سفيان الثوري عن أبي سلمة عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بشر أمتي بالسناء والرافعة والتمكين وأن من عمل عمل الآخرة يريد به الدنيا فليس له في الآخرة من نصيب حدثنا محمد بن إبراهيم ثنا أحمد بن عمرو بن جابر ثنا محمد بن يعقوب الفرجي ثنا أحمد بن عيسى أبو طاهر ثنا ابن أبي فديك ثنا ابن أبي ذئب عن الزهري عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعلى رأسه المغفر عمرو بن عثمان المكي ومنهم العارف البصير والعالم الخبير له اللسان الشافي والبيان الكافي معدود في الأولياء محمود في الأطباء أحكم الأصول وأخلص في الوصول أبو عبدالله عمر بن عثمان المكي ساح في البلاد وباح بالوداد وصحب الأصفياء من العباد
سمعت أبا محمد بن عبدالله بن محمد بن جعفر يقول سمعت أبا عبدالله عمرو بن عثمان المكي وأملى علي في جواب مسألة سئل عنها يخاطب السائل أقم على نفسك الموازنة بعقلك في تفقد حالك ومقامك هذا إن كل ما عارضك من الأشغال من كل شيء أعني من حق أو باطل أزالك عن مقامك هذا بانصراف اليسير من عقلك فذلك كله عذر فاهرب وافزع إلى الله عند اعتراض الخواطر وسورة العوارض وحيرة الهوى إلى مولاك وسيدك ومن بين يديه ضرك ونفعك الذي خلصت في نفسك وحدانيته وقدرته وتفريد سلطانه وتفريد فعل ربوبيته إذ لا قابض ولا باسط ولا نافع ولا ضار ولا معين ولا ناصر ولا عاصم ولا عاضد إلا الله وحده لا شريك له في سمائه وأرضه وهذا أول مقام قامه أهل الإيمان من تصحيح القدرة في إخلاص تفريد أفعال الربوبية وهو أول ماقام قامه المؤمنون وأول مقام قامه المخلصون وأول مقام قامه المتوكلون في تصحيح العلم المعقود بشرط التوكل في الأعمال قبل الأعمال واعلم رحمك الله أن كل ما توهمه قلبك أو رسخ في مجاري فكرتك أو خطر في معارضات قلبك من حسن أو بهاء أو إشراف أو ضياء أو جمال أو شبح ماثل أو شخص متمثل فالله بخلاف ذلك كله بل هو تعالى أعظم وأجل وأكمل ألم تسمع إلى قوله تعالى ليس كمثله شيء وقوله عز وجل ولم يكن له كفوا أحد أي لا شبه ولا نظير ولا مساوي ولا مثل وقف عند خبره عن نفسه مسلما مستسلما مذعنا مصدقا بلا مباحثة التنفير ولا مفاتشة التفكير جل الله وعلا الذي ليس له نظير ولا يبلغ كنه معرفته خالص التفكير ولا تحويه صفة التقدير السموات مطويات بيمنيه والأرض جميعا قبضته يوم القيامة الظاهر على كل شيء سلطانا وقدرة والباطن لكل شيء علما وخبرة خلق الأشياء على غير مثال ولا عبرة ولا تردد ولا فكرة تعالى وتقدس أن يكون في الأرض ولا في السماء وجل عن ذلك علوا كبيرا أقام لقلوب الموقنين مدا يمسكه التسليم عن التيه في بحور الغيوب المضروبة دون ذي الجلال والكبرياء فشكر لهم تسليمهم واعترافهم بالجهل بما لا علم لهم به وسمي ذلك منهم رسوخا وربانية أو إيمانا لقوله تعالى والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما خبر عن ملائكته إذ قالوا لا علم لنا إلا ما علمتنا عجزت الملائكة المقربون أن تحد أحسن الخالقين أو تكيف صفة رب العالمين فهم خشوع خضوع خنوع في حجرات سرادقات العرش محبوسون أن يتأملوا ساطع النور الأوهج فهم يضجون حول عرشه بالتقديس ضجيجا ويعجون بالتسبيح عجيجا باهتون راهبون خائفون مشفقون وجلون لما بدا لهم من عظيم القدرة ولما أيقنوا به وسلموا له من شموخ الرفعة فكيف تطمع يا أخي نفسك أو تطلق فكرك في شيء من الاحتواء على صفة من هذا وصفه وقانا الله تعالى وإياك اعتراض الشكوك وعصمنا وإياك في كنف تأييده من التخطي بالأفهام إلى اكتناه من لا تهجم عليه الظنون ولا تلحقه في العاجلة العيون جل وتعالى عن خطرات الهفوات وعن ظنون الشبهات علوا كبيرا فبهذا فاعرف ربك ومولاك ومن لا تأخذه سنة ولا نوم فيكون سلاحك وعظم عدتك ومجاهدتك وجنتك من عدوك عند من يلقى إليك في خالقك فهذا الذي وصفت لك فإليه فالتجئ وبه فاستمسك ثم عد إليه بملق اللوذان واستكانة الخضوع أن يعصمك الله ويثبتك فهو المثبت لقلوب أوليائه بصحة اليقين من الزوال كما أمسك أرضه بالجبال من الزلزال والسلام
سمعت أبا محمد عبدالله بن محمد يقول سمعت عمرو بن عثمان يقول إن الله جعل الاختبار موصولا بالاختيار والإجابة مؤداة إلى الأبرار بتوفيق هدايته وابتداء رأفته وجعل رحمته مفتاحا لكل خير في أرضه وسمائه فكان مما اختار لنفسه عبادا اتخذهم لنفسه ورضيهم لعبادته واصطنعهم لخدمته واجتباهم لمحبته ونصبهم لدعوته وأبرزهم لإجابته واستعملهم بمرضاته فألطف لهم في الدعوة باختصاص المنة فأظهر دعوته في قلوبهم بإظهار صنعه وصنعائه وما غذاهم به من لطفه وألطافه وبره ونعمائه فوطأ لهم الطريق وكشف عن قلوبهم فسارعت قلوبهم بإجابة التحقيق وذلك لما عرفوا واستبانوا مما به لله دانوا مما تعرف به إليهم من البر والتحف والكرامات والطرف والفوائد السنية والمواهب الهنية فسارعت لإجابته بخالص موافقته والإعراض عن مخالفته والعطف على كل ما عطف به عليها والإقبال على كل ما دعاها إليه بلا تثبط في مسير ولا التفات في جد ولا تشمير فوصلوا الغدو بالتبكير وقطعوا فيها العلائق وانفردوا به دون الخلائق فساروا سير متقدمين وجدوا جد معتزمين وحثوا حث مبادرين وداوموا مداومة ملازمين وانتصبوا انتصاب خائفين للفوت والحرمان وخوف السلب لما تقدم إليهم من الإحسان فعبدوه بأبدان خفاف وعاملوه بفطن لطاف وقصدوه بإرادات صادقة وهمم خالصة ورغبات طامحة وقلوب صافية فابتدؤا من معاملة الله فيما به ابتدأهم حين دعاهم إذ يقول تعالى يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم فطلبوا طيب الحياة بإخلاص الإجابة وعملوا في الظفر بالحياة إذ دعاهم الله إليها ونبههم بلطفه عليها فجعلوا إقامتهم وإرادتهم وأملهم ومناهم الظفر بالحياة فعملوا في تحقيق موجباتها في الأحوال الواردة بهم عليها سمعت أبا محمد عبدالله بن محمد بن جعفر يقول سمعت عمرو بن عثمان المكي يقول في وصف سياسة النفوس قال يبتدئ بعد الإجابة بتوفيق النفوس لما كان منها من مخالفة الملك ومعصيته الجبار فألزمها التوبة والتنصل والاعتذار وتكرير الاستغفار الاجتهاد في حل الإصرار باللجأ والاستئجار والاعتصام بمليكهم الجبار فوافقوها موافقة على موازنة وعاتبوها معاتبة على محاضرة ووبخوها بما فرط منها من الجهل والتضييع والشرور والتمادي والتمرد في ركوب المعاصي فوبخوها بين يديه وعاتبوها معاتبة من قد عرض عليه وقرروها تقرير مناقشة الحساب وجرعوها ما توعده الله من أليم العذاب وشديد العقاب ثم أقاموها مقام الخزي فأبدلوها بحال الرفاهات والقشف والتقشف والضر والتخفف فأبدلوها بالشبع جوعا وبالنوم سهرا وبالراحة تعبا وبالقعود نصبا وبطيب المطاعم الخبيث الخشن وبلين الملابس الخشن الجافي وبأمن الوطن خوف البيات ثم أزعجوها عن توطن ما به ألزموها فمنعوها استواء الأوقات في بذل الاجتهاد وأخذوها بدائم الازدياد على سبيل الموازنة وأقاموها مقام التصفح والتفتيش والمحاسبة والتوقيف على كل لحظة وخطرة وهمة ولفظة وفكرة وأمنية وشهوة وإرادة ومحبة فهكذا أبدا دأبهم وفي هذه أبدا حالهم على هذه السياسة بشرط هذه المجاهدة وانتصاب هذه المكابدة وإحاطة هذه المراوضة ومع هذا فالهرب إلى الله فيها والاعتضاد بالله عليها والتأوي إلى الله منها والاستعاذة بالله من شرها والاستعانة بالله على كيدها والصراخ إلى الله عند شرودها واستغث بالملك الأعلى الذي هو صريخ الأخيار ومنجأ الأبرار وملتجأ المتقين وناصر الصاحلين لأن الله تعالى إذا شكر لوليه عظيم ما جاهد وجسيم ما كابد ومشقة ما احتمل وجهد ما انتصب تولاه بالنصرة والتأييد والعز والتأييد ومن نصره لم يخذل ومن أعزه لم يقهر ومن تولاه لم يذل فروحها روح اليقين وأضاء لها علامات التصديق من الله بالقبول وأنارت لها علامات التحقيق وتوالت عليها مداومة المزيد وعادت عليها تكرار التحف والبر والكرامات وعطفت عليها عواطف الفضل بالرحمة والبذل لأن الله تعالى المبتدئ عبده بما ابتدأبه العبد من بذل في قربة أو من اجتهاد في وسيلة أو من منافسة في فضيلة أو من مسارعة إلى خدمة أو من إخلاص في نية أو من تكامل في رغبة أو من تحقيق في محبة فالله المبتدئ لها بذلك بما به أقامها وبما به إليها دعاها فهذه كلها صفة الحياة ومشاربها وانبجاس أحوالها وتشعب مذاقاتها بكل ما وصفناه من غم وسرور وراحة وجهد ورفاهة وتعب وموافقة ونصب وبكاء وحزن وخوف وكمد فذلك كله من صفة الحياة التي دعا الله إليها ونبه قلوبهم عليها بقوله سبحانه وتعالى استجيبو لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم
سمعت أبا محمد عبدالله بن محمد يقول سمعت عمرو بن عثمان يقول المخلصون من الورعين هم الذين تفقدوا قلوبهم بالأعمال والنيات في كل أحوالهم وأعمالهم وحركاتهم وسكونهم مواظبين للاستقامة المفترضة على طاعة الله وله محافظين ومن دخول الفساد عليهم مشفقين فأورثهم الله مراقبته فهنالك تنتصب قلوبهم بمداومة المحافظة لنظر الله إليهم ونظره إلى سرائرهم وعلمه بحركاتهم وسكونهم فهنالك تقف القلوب بعلم الله فلا تنبعث بخطرة ولا همة ولا إرادة ولا محبة ولا شهوة إلا حفظوا علم الله بهم في ذلك فلم تبرز حركات الضمير إلى تحريك الجوارح إلا بالتحصيل والتمييز لقوله تعالى إن الله كان عليكم رقيبا ولقوله سبحانه وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضو فيه فإذا انتصبت المراقبة بدوام انتصاب القلوب بها فهنالك يكون تمام الإخلاص والحيطة في العمل وهنالك يورثهم الله الحياء فدوام المراقبة يفشي الحياء ويمده ويزيد فيه والحياء يعمر القلوب بدوام الطهارة ويخرج من القلوب حلاوة الماء ثم حلاوة الشهوات ودوام الحياء يوجب على القلوب إعظام حرمات الله بإعظام مقام الله حياء من جلال الله لأن إجلال حرمات الله في القلوب غاسل للقلوب بماء الحياة الوارد عليها من فوائد الله فتخلق الدنيا في قلوبهم وتصغر الأشياء فيها وتقوى حركات اليقين بصفاء النظر إلى الموعود فيوصلها بالمعروف ويرجع عليها اليقين بالتوبيخ في إعظام الدنيا والسعي لها ولجمعها سمعت أبا محمد يقول سمعت عمرو بن عثمان يقول اعلم أن حد الشكر في القلوب خارج من الاشتغال بالفرح على النعم والاشتغال ببهجتها بما يغلب على النفوس من شرهها عليها وعظيم حظها فيها فالشكر خارج من ذلك فإذا ما حل بالقلوب زهرات النعم ورونق صفوها وخفض العيش فيما هاج في القلوب ذكر المنعم بها والمتولي للامتنان بها فاتصل فرحهم بشكره وأوصلتهم النعمة إلى الإبتهاج بالمنعم والذكر له والثناء عليه فهذا حد الشكر فيما ذاقته القلوب فلما صرفت الأفراح عن حظوظ النفوس إلى مواضع الشكر ابتهاجا بالمنعم دون حظ النفوس بالنعمة خلصت تلك الأفراح رضاء عن الله وبشاشة القلوب بمر الفضاء واختلاف الأحكام بمخالفة المحاب والسرور بمر القضاء ويكون السرور مقرونا بالمحبة لله التي هي معقودة في عقود الإيمان وموجودة في أصل العرفان لأنه لا يصح إلا بثلاث حالات إخلاص لتوحيده ورضى به أنه رب ومحبة له على كل شيء إذ هو إلهه ومالك ضره ونفعه ورفعه ووضعه وحياته وموته فولهت القلوب إليه بضر الفاقة فهذا معنى المحبة المفترضة في عقود الإيمان كفرض الإيمان قال الشيخ رضي الله تعالى عنه كان عمرو بن عثمان رحمه الله تعالى حظوظه في فنون العلم غزيرة وتصانيفه بالمسانيد والروايات شهيرة حدثنا عبدالله بن محمد ثنا عمرو بن عثمان ثنا يونس بن عبدالأعلى ثنا ابن عيينة عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف وكل على خير واحرص عل ما ينفعك ولا تعجر فإن فاتك شيء فقل كذا قدر وكذا كان وإياك ولو فإنها مفتاح عمل الشيطان غريب من حديث ابن عيينة عن ابن عجلان رويم بن أحمد ومنهم الفطن المكين له البيان والتبيين والرأي المتين رويم بن أحمد أبو الحسن الأمين كان بالقرآن عالما وبالمعاني عارفا وعلى الحقائق عاكفا قلد بفصل الخطاب ولم تؤثر فيه العلل والأسباب كان سمي جده رويم بن يزيد المقرئ الراوي عن ليث بن سعد وإسماعيل بن يحيى التميمي أخبرني جعفر بن محمد بن نصير في كتابه وحدثني عنه الحسين بن يحيى الفقيه إلا سفيد فاني قال سمعت رويما يقول الاخلاص ارتفاع رؤيتك عن فعلك والفتوة أن تعذر إخوانك في زللهم ولا تعاملهم بما يحوجك إلى الاعتذار منهم
أخبرني عبدالواحد بن بكر قال سمعت أحمد بن فارس يقول حضرت رويما وسأله أبو جعفر الحداد أيهما أفضل الصحو أو السكر فانزعج رويم كالمغضب فقال لا والله أو تهدأهدو الصخر في قعور البحار فإن هدأت استودعك وإن انزعجت طالبك أما سمعته يقول فمستقر ومستودع وسأله بعض الناس أن يوصيه بوصية فقال ليس إلابذل الروح وإلا فلا تشتغل بترهات الصوفية فإن أمرها هذا مبني على الأصول سمعت أبا الحسين محمد بن علي بن حبيش يقول كان رويم يقول السكون إلى الأحوال اغترار وكان يقول رياء العارفين أفضل من إخلاص المريدين
أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير في كتابه وحدثني عنه أبو عمرو العثماني قال سمعت رويم بن أحمد المقرئ يقول لما رأيت الطالبين قد تحيروا والمريدين قد فتروا والمتعبدين والعلماء بما غلب عليهم من سلطان الهوى قد سكروا لما رأوا المنتسبين إلى علم المعرفة على طبقات مختلفة ومقامات متفاوتة من استصغار الأحوال وأهلها والتراخي عن الأعمال والإعراض عنها تسوروا على ذرى قصرت عنها مقاماتهم عجزا عن بلوغها واغترارا بما سمعوه من علوها احتجت أن أعلم السبب الذي أوقعهم في هذه الشبهة وأوقهم في هذه المنزلة قبل أوانها والاستحقار للنزول فيها قبل حينها فرأيته سببين كل سبب منهما على أصلين أحدهما استعجال المنزلة قبل وقتها عجزا عما عمل فيه الصادقون وبذله المحققون والآخر الجهل بطريق السالكين إليها وإغفال التقوى عما لها وعليها رضي منهم باسم لا حقيقة تحته تأويهم ولا مكانا منه يغنيهم فلما رأيت ذلك من أمرهم دعاني داع إلى التبيين لأمورهم والنداء لمن سمع منهم والكشف عن سببهم والتحذير عن مثل غرتهم ومن أين أتوا وعلى ماذا عولوا وبما تعلقوا فيما إليه ذهبوا فنقبت عن سرائرهم بالمساءلة لكبرائهم والمباحثة لأئمتهم في تكوين المكونات على اختلافهم في الأصول والمقامات أصلين عظيمين تمسك كل فرقة منهم بأصل ففرقة قالت لما رأيت كل حادثة تحت الكون من الأفعال وغيرها من الأجسام والأعراض لا تخلو من أحد أمرين إما محدث ظهر إلى الكون بغير علة ولا سبب جعله مقدما لأجرائه فيكون ذلك المحدث عنه أو يكون حدثها ظهر عن علة وسبب تقدمها فرأيت مدار قول هذه الفرقة فيما به تعلقت وإليه رجعت أن المخترعات أفعالها وأقوالها لله الواحد القهار فلم أدفع الأصل فيما إليه أشارت ودخلت الشبهة عليهم إذ لم يفرقوا بين ما أحدثه المحدث من الخير والشر والهدى لمن اهتدى والغي لمن غوى فدخلت عليهم هذه العلة الجامعة من المختلفات من أفعاله المحدثات بين ذواتها وهيئاتها والعذب للفرات والملح الأجاج والحسن والقبيح والعدل والجور والخبيث والطيب وما فرف بين ذلك إذ يقول وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج وقال هل يستوي الأعمى والبصير وقال أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها وقال مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا وقال لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فرأيت الله وإن كان هو منشئ الأشياء بسبب وبغير سبب قد فضل خلقه بين منشآته وبين ذلك في آياته فذهب على هذه الفرقة ما فضل الله به بعض الأشياء على بعض وكل ذلك بأمره قد نفذ فيه حكمه وبرئ من عاره وإثمه وغاب عنها إحداث الله للخلق على طبائع مختلفة ودواع متباينة إذ طبع النفوس أرضية بشرية مطالبة بحاجتها وشهواتها وطبع الروح نزهة تطالب بصفائها وتقتضي شرف علوها وجعل العقل سراجا بينهما كل ينازعه ويجذبه إليه ليستعين به فيما يطلبه من حظه فمن غلب عليه منها أداه ذلك إلى ملك القلب فمتى ملك القلب أحدهما فإن كان ذلك تأثير العقل انقادت له الجوارح ثم رأيت النفس وإن كان طبعها العاجلة في فعل ذلك بها تأثيرا لها وما طبع عليه من قبول الانفعال وكذلك للروح تأثير انفعالها فيما فعل فيه ورأيت سلطان النفس الهوى ووزيرها الجهل وفعلها الجور ورأيت ذلك كله وإن كان في قبضة التدبير وسلطان القهر خارجا من الجبر ممكنا من النظر والتصفح والإقدام والإحجام سببا للبلاء ومجرى للاختبار الموجب للولاية المظهر للعداوة ثم رأيت المقامات في ذلك مختلفة والأحوال متباينة والمعارف متفاوتة فمن بين مقصر قد أحاطت به رؤية التقصير واعترف بتخلفه وأزرى على نفسه وبين سابق قد بذل في العبادة لله جهده فلم يبلغ من ذلك إربه متعلق بعبادته ناظر إلى مجاهدته وتحصيل محاسبته لنفسه وآخر مع جهده مأخوذ عن أحواله وقد وصل به آماله وصدقه في أعماله وأخلص في قصده واستفرغ جهده فبلغ من ذلك حظه فأعرضت عن ذكر هؤلاء أجمعين وفرقة أخرى من العارفين أشرفت على عجائبهم في مقاماتهم وعظيم طرقهم في سيرهم وسيرهم وقطع مفازهم في تيه مضلة العقول وتنسم عقاب الحيرة وقطع لجة الهلكة وصراط الإستقامة فرأيتهم بعين لا يستتر عنها متوار في حجابه قد خدع المغرور منهم بمكانه فمن بين صريع تحت إشارته في بحر عميق بين علم الجمع والتفريق فرأيته أسوأحالا ممن خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق وفرقة أخرى قد أنس بالفناء في مكانه واستبطن البقاء مع أهل زمانه فلا هو بعلم الفناء يقوم ولا على روح البقاء يدوم فعمه في طغيانه ولم تختلف عليه أحكامه ولم يعرف الحق من الباطل ولا فرق بين المخلوق والخالق ولا الفاعل والمفعول ولا الفعل من الإنفعال ولا تميز له الظاهر من الباطن ولا العاجز من القادر فكان كمن اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله وفرقة منهم رأت أنه مكن في مقامه ولاحت له الأحكام فلم يكن عنده لها مكان إلا ما علق منها على الخلق وإنما كانت الأحكام عنجهم معلقة على الخلق لرؤية آثارهم وحضور إراداتهم واختلاف أحوالهم والمشاهدة منهم في أنفسهم من بين عقل متين وهوى مائل فلذلك علق عليهم لأمره عندهم وقصدوا بالنهي وبعثت إليهم الرسل فتمكن منهم الجهل واستوثق منهم العجب فلم يمكن فيها علاج العلماء ولم يصل إليها لطيف حكمة الحكماء لتعلقهم بفقد من الوجد ولو حلت من وجود الحق هذا المحل لأجرت الأحكام مجاريها وسلمت من سكرة المعرفة ودواهيها وأما الفرقة التي علت بها الإشارة إلى علم التوحيد الذين صحبوا الأحوال في أوقاتها بالوفاء والأعمال بالإخلاص والصفاء فلم يرتقوا إلى مقام قبل إحكام المقام قبله ولم يتعلقوا بعلم لم يحلوا منه مقام أهله وينزلوه نزول المتحققين له حتى يعلو إلى غاية الأحوال الزاكية وتفقهوا بعلمها إلى أن أداهم ذلك إلى علم المعرفة فأذعنوا لله إذعان المحققين وهم في ذلك كله خالون منها بعلاقة الحق التي عنها نشأت العلوم الزاكية غلبت عليهم الحقيقة في كل ما أثبته عليهم من الأفعال فلم يحلوا منها من مقام رفيع ونفس مختلسة وطبع منتزع إلا بعلاقة الحقيقة الأزلية والعين الألوهية والعلوم الربانية بما منحت في ذلك من القوة وأعطيت فيه من الصفوة وتجديد الوحدانية وفناء البشرية فكانت العلوم فيه والاختيارات بتلك العلاقة المبدية لتلك الحقيقة التي أبدعت الحق فأحقت الحق وأبطلت الباطل وبذلك أخبر الله أولياءه إذ يقول ليحق الحق ويبطل الباطل وقال تعالى بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق فلم يتجرد الحق على حقيقة لولي من أوليائه ولا صفى من أصفيائه إلا ظهر به على كل باطل فقهره ودفعه وان كان الحق أبدعه واخترعه فلم يكن الحق في مكان فيبقى فيه أثر لباطل أو سلطان لأن من أفنى الحق حركاته البشرية ونفسه الطبيعية وأهواءه النفسانية وأوهامه الآرائية استولى عليه من الحقيقة التي عنها وبها كان التصرف والاختيار والإقدام والإحجام والسكون والحركات فله علامة موجبة بصحة مقامه وعلو شأنه لا يختلف عليه منه الأفعال ولا تضطرب عليه الأقوال ولا تتفاوت منه الأفعال كاختلافها على من بقيت عليه آثاره في أفعاله وغلب هواه بهاءه فأسر عقله جهله فهو مغرور بما تعلق من اعتقاد علوم لم يسعه بالنزول في حقائقها ولا تلحظ مثقال ذرة مما روى منها أهلها من علم التوحيد ومذاق التجريد وهو غير موحد وطمع في التجريد وهو غير مجرد قد اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم طمعا فيما لم يسعد به بحقيقة هيهات إن أهل هذه الإشارة ناس لم تبق لهم همة تومى إلى ذكر فعل مذموم دون أن يجري ذلك عليهم بعلم من العلوم إذ كانت حركاتهم عن الحق بالحق في جميع الأحكام لا تعترضها خواطر البشرية ولا يليق فيها فعل الأفعال الطبيعية لا يقولون إلا بالحق ولا ينطقون عن الهوى بذلك خبرنا عن المصطفى صلى الله عليه وسلم فقال وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى فأما الفرقة التي اغترت بما لم تؤت ولم تفارق العلل المستولية عليهم من حركات طباعهم الداعية إلى حاجتها وشهواتها فأولئك مثلهم كما قال الله تعالى ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون وقوله فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء فهم رهائن أعمالهم لزم كل عبد منهم طائره في عنقه إذ يقول وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه الآية وقال كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين جعلنا الله وإياكم من أصحاب اليمين وهم أهل القوة