Qur'an&Sunnah

İbn Cevzî — Sıfatü's-Safve

قسم V02/P098–V02/P099

محمد بن أيوب بن المعافى قال: سمعت إبراهيم الحربي يقول: سمعت أحمد بن حنبل ذكر يوما وكيعا فقال: ما رأت عيناي مثله قط، يحفظ الحديث جيدا ويذاكر بالفقه فيحسن، مع ورع واجتهاد، ولا يتكلم في أحد. بشر بن موسى قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما رأيت رجلا مثل وكيع في العلم والحفظ والحلم مع خشوع وورع. يحيى بن أكثم قال: صحبت وكيعا في السفر والحضر، وكان يصوم الدهر ويختم القرآن كل ليلة. يحيى بن معين قال: ما رأيت أفضل من وكيع بن الجراح، كان يستقبل القبلة، ويحفظ حديثه، ويقوم الليل، ويسرد الصوم. يحيى بن أيوب قال: حدثني بعض أصحاب وكيع الذين كانوا يلزمونه قالوا: كان وكيع لا ينام حتى يقرأ ثلث القرآن، ثم يقوم في آخر الليل فيقرأ المفصل، ثم يجلس فيأخذ في الاستغفار حتى يطلع الفجر فيصلي ركعتين. إبراهيم بن وكيع قال: كان أبي يصلي الليل فلا يبقى في دارنا أحد إلا صلى حتى إن جارية لنا سوداء لتصلي. أحمد بن محمد قال: أخبرني بعض أصحابنا عن وكيع قال: أغلظ رجل لوكيع بن الجراح، فدخل وكيع بيتا فعفر وجهه في التراب ثم خرج إلى الرجل فقال: زد وكيعا بذنبه فلولاه ما سلطت عليه. سلم بن جنادة قال: جالست وكيع بن الجراح سبع سنين فما رأيته بزق ولا رأيته مس حصاة بيده، وما رأيته جلس مجلسه فتحرك، وما رأيته إلا مستقبل القبلة، وما رأيته يحلف بالله. الحسن بن أبي زيد قال: صاحبت وكيع بن الجراح إلى مكة فما رأيته متكئا ولا رأيته نائما في محمله. علي بن خشرم قال: سمعت وكيع بن الجراح يقول: زكاة الفطر لشهر رمضان كسجدتي السهو للصلاة تجبر نقصان الصوم كما يجبر السهو نقصان الصلاة. أسند وكيع عن الأئمة الأعلام: كإسماعيل بن أبي خالد، وهشام بن عروة، والأعمش، وابن عون، وابن جريج، والأوزاعي، وشعبة، وسفيان. وحدث وكيع وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وجلس بعد موت الثوري في مكانه. وصنف التصانيف الكثيرة. وكان مولده في سنة تسع وعشرين، وقيل ثمان وعشرين ومائة، وحج سنة ست وتسعين، فلما رجع توفي بفيد في محرم سنة سبع وتسعي، وهو ابن ست وستين سنة. 454- حسين بن علي الجعفي يكنى أبا عبد الله كان من العلماء العباد، وكان سفيان الثوري إذا رآه عانقه وقال: هذا راهب جعفي. وكان سفيان بن عيينة يعظمه. وقال أحمد بن حنبل: ما رأيت بالكوفة أفضل من حسين الجعفي كان يشبه بالراهب. محمد بن عبيد الرحبي قال: سمعت أبا بكر بن سماعة قال: كنا عند ابن أبي عمر العدني بمكة فسمعناه يقول: قدم علينا هارون قدمة إلى هذا المسجد فأخبرني الخادم الذي كان معه قال: كنت معه ومعه جعفر بن يحيى فخرجنا جميعا حتى صرنا إلى الثنية، فقال لي: سل عن حسين بن علي الجعفي. فلقيت رجلا فقلت: حسين ابن علي الجعفي. فقال: ها هو ذا يطلع عليك راكبا حمارا وخلفه أسود يقود أجمالا له، فإذا هو قد طلع فقلت: هذا هو يا أمير المؤمنين. فلما حاذاه قام إليه فقبل يده، أو قال: رجله، فقال له جعفر بن يحيى: يا شيخ تدري من المسلم عليك؟ أمير المؤمنين هارون. فالتفت إليه حسين فقال له: أنت يا حسن الوجه، أنت مسئول عن هذا الخلق كلهم فقعد يبكي. وأتانا آت ونحن عند ابن عيينة فقال لسفيان: قدم حسين بن علي الجعفي فقام إليه يتلقاه وخرجنا معه. فلما صار في الطريق إلى باب بني لقيه فضيل بن عياض فقال له: أين تريد يا أبا محمد؟ فقال: قدم حسين الجعفي فأردت لقاءه. فقال: أنا معك. فخرجا يمشيان جميعا ونحن خلفهما. فلما صرنا في أصحاب اللواء إذا حسين راكب حمارا فتقدم إليه فضيل، فقبل رجله وتقدم سفيان فقبل يده، أو قبل سفيان رجله، وقبل فضيل يده. فقال له فضيل: بأبي رجل تعلمت القرآن على يديه، أو علمني الله القرآن على يده، ثم دخل المسجد فطاف بالكنية وجاء إلى الأسطوانة الحمراء فقعد عندها فأكب الناس عليه.

قسم V02/P099–V02/P102

سمع حسين الجعفي من القاسم بن الوليد وزائدة وغيرهما. وتوفي في ذي القعدة سنة ثلاث ومائتين. 455- محمد بن صبيح بن السماك يكنى أبا العباس أحمد بن حماد قال: كان ابن السماك يقول: يا ابن آدم إنما تغدو في كسب الأرباح فاجعل نفسك فيما تكسبه فإنك لم تكسب مثلها. أبو المغيرة بن شعيب قال: حضرت يحيى بن خالد البرمكي يقول لابن السماك: إذا دخلت على هارون أمير المؤمنين فأوجز ولا تكثر عليه. قال: فلما دخل عليه وقام بين يديه قال: يا أمير المؤمنين إن لك بين يدي الله تعالى مقاما وإن لك من مقامك منصرفا، فانظر إلى أين منصرفك، إلى الجنة أم إلى النار؟ قال: فبكى هارون حتى كاد يموت. إبراهيم بن سلمة الشعبي قال: سمعت ابن السماك يقول: من امتطى الصبر قوي على العبادة، ومن أجمع اليأس استغنى عن الناس، ومن أهمته نفسه لم يول مرمتها غيره ومن أحب الخير وفق له، ومن كره الشر جنبه، ومن رضي الدنيا من الآخرة حظا فقد أخطأ حظ نفسه. عبد الله بن صالح قال: سمعت ابن السماك. وكتب إلى أخ له: أما بعد، أوصيك بتقوى الله الذي هو نجيك في سريرتك ورقيبك في علانيتك، فاجعله من بالك على حالك، وخفه بقدر قربه منك وقدرته عليك، واعلم أنك بعينه ليس تخرج من سلطانه إلى سلطان غيره فليعظم منه حذرك وليكثر منه وجلك، واعلم أن الذنب من العاقل أعظم من الأحمق ومن العالم أعظم من الجاهل وقد أصبحنا أدلاء بزعمنا والدليل لا ينام في البحر، وقد كان عيسى صلى الله عليه وسلم يقول: حتى متى تصفون الطريق للدالجين وأنتم مقيمون في محلة المتحيرين؟ تصفون البعوض من شرابكم وتسترطون الجمال بأجمالها. أي أخي كم من مذكر بالله ناس لله، وكم من مخوف بالله جريء على الله وكم من داع إلى الله فار من الله. وكم تال لكتاب الله منسلخ من آيات الله. والسلام. عباية بن كليب قال: سمعت ابن السماك يقول: سبعك بين لحييك تأكل به كل من مر عليك، قد آذيت أهل الدور في الدور حتى تعاطيت أهل القبور، فما ترثي لهم وقد جرى البلى عليهم، وأنت ها هنا تنبشهم، إنما نرى أن نبشهم أخذ الخرق عنهم، إذا ذكرت مساويهم فقد نبشتهم، إنه ينبغي لك أن يدلك على ترك القول في أخيك ثلاث خلال: أما واحدة: فلعلك أن تذكره بأمر هو فيك فما ظنك بربك إذا ذكرت أخاك بأمر هو فيك؟ ولعلك تذكره بأمر، فيك أعظم منه، قذلك أشد استحكاما لمقته إياك، ولعلك تذكره بأمر قد عافاك الله منه فهذا جزاؤه إذ عافاك. أما سمعت: ارحم أخاك واحمد الذي عافاك؟ الحسين بن عبد الرحمن قال: كان ابن السماك يقول: من أذاقته الدنيا حلاوتها لميله إليها جرعته الآخرة مرارتها لتجافيه عنها. أبو الحسين علي بن الحسين الفقيه قال: سمعت عبد الله بن محمد بن السماك يقول: سمعت أبي يقول: إن استطعت أن تكون كرجل ذاق الموت وعاش ما بعده فسأل الرجعة فأسعف بطلبه وأعطي حاجته فهو متأهب مبادر، فافعل فإن المغبون من لم يقدم من ماله شيئا ومن نفسه لنفسه. أبو جعفر الربعي قال: لما حضرت ابن السماك الوفاة قال: اللهم إني وإن كنت أعصيك لقد كنت أحب فيك من يطيعك. أسد بن السماك عن عدة من التابعين منهم: إسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وهشام بن عروة، وروى عنه عن الأئمة حسين الجعفي، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وأحمد بن حنبل، وهو كوفي لكنه قدم بغداد فمكث بها مدة ثم عاد إلى الكوفة فتوفي فيها سنة ثلاث وثمانين ومائة. ومن الطبقة الثامنة "من أهل الكوفة": 456- أبو داود الحفري واسمه عمر بن سعد، أبو بكر المروزي قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: رأيت أبا داود الحفري وعليه جبة مخرقة وقد خرج القطن منها يصلي بين المغرب والعشاء وهو يترجح من الجوع.

قسم V02/P102–V02/P104

الحسين بن علي الصدائي قال: جئت إلى أبي داود الحفري فدققت الباب عليه فقال: من هذا؟ فقلت: رجل من أصحاب الحديث. فقال لي: اصبر علي. فاطلعت من كوة في الباب فإذا هو متزر بمئزر وهو يغزل صوفا يتعيش منه. فأخذ الصوف فوضعه في كوة وأخذ عليه ثوبا وأدخلني الدار إلى مسجد له فقعد معي ولم يكن في الدار سقف غير سقف رأيته على الدهليز فأملى علي حتى فني ورقي. وقال لي: ألك حاجة؟ أو تكتب شيئا آخر؟ فما رأيت رجلا يحدث لله عز وجل مثله. قال ابن عبدوية: وسمعت عباسا الدوري يقول: حدثنا أبو داود الحفري، ولو رأيت أبا داود لرأيت رجلا كأنه اطلع إلى النار فرأى ما فيها. أسند أبو داود الحفري عن الثوري وغيره. وتوفي سنة ثلاث ومائتين. 457- بهيم العجلي يكنى أبا بكر، روى عن أبي إسحاق الفزاري. داود بن يحيى بن يمان عن أبيه قال: قال بهيم: إنما أخاف أن تدفق علي الدنيا دفقة فتعريني. معاوية بن عمرو قال: كان بهيم رجلا طوالا شديد الأدمة إذا رأيته رأيت رجلا حزينا. شهاب بن عباد قال: رأيت بهيما العجلي وكان قد بكى حتى سقطت أشفاره، وكان رطب العينين جدا. فقلت لابن أخ له، ما شأنه يمس عينيه كثيرا؟ قال: قد فسدت من كثرة من يبكي، فهي تحكه وتضرب عليه. معاذ بن زياد قال: لما اتخذت عبادان سكنها قوم نساك فيهم رجل يقال له بهيم وكان رجلا حزينا يزفر الزفرة فتسمع زفيره. مخول قال: جاءني بهيم يوما فقال لي: تعلم لي رجلا من جيرانك أو إخوانك يريد الحج ترضاه يرفقني؟ قلت: نعم. فذهبت إلى رجل من الحي له صلاح ودين فجمعت بينهما وتواطيا على المرافقة. ثم انطلق بهيم إلى أهله، فلما كان بعد أتاني الرجل فقال: يا هذا أحب أن تزوي عني صاحبك وتطلب رفيقا غيري. فقلت: ويحك فلم؟ فوالله ما أعلم في الكوفة له نظيرا في حسن الخلق والاحتمال، ولقد ركبت معه البحر فلم أر إلا خيرا. قال: ويحك حدثت أنه طويل البكاء لا يكاد يفتر، فهذا ينغص علينا العيش سفرنا كله. قال: قلت: ويحك إنما يكون البكاء أحيانا عند التذكرة يرق القلب فيبكي الرجل، أو ما تبكي أنت أحيانا؟ قال: بلى ولكنه قد بلغني عنه أمر عظيم جدا من كثرة بكائه. قال: قلت: اصحبه فلعلك أن تنتفع به. قال: أستخير الله. فلما كان اليوم الذي أرادا أن يخرجا فيه جيء بالإبل ووطئ لهما فجلس بهيم في ظل حائط فوضع يده تحت لحيته وجعلت دموعه تسيل على خديه، ثم على لحيته ثم على صدره حتى والله رأيت دموعه على الأرض. قال: فقال لي صاحبي: يا مخول قد ابتدأ صاحبك، ليس هذا لي برفيق. قال: قلت: ارفق، لعله ذكر عياله ومفارقته إياهم فرق. وسمعها بهيم فقال: يا أخي والله ما هو بذاك وما هو إلا أني ذكرت بها الرحلة إلى الآخرة. قال: وعلا صوته بالنحيب. قال: يقول لي صاحبي: والله ما هي بأول عداوتك لي وبغضك إياي، ما لي ولبهيم؟ إنما كان ينبغي أن ترافق بين بهيم وبين داود الطائي وسلام بن الأحوص، حتى يبكي بعضهم إلى بعض حتى يشتفوا أو يموتوا جميعا. قال: فلم أزل أرفق به وأقول: ويحك لعلها خير سفرة سافرتها. قال: وكان طويل الحج رجلا صالحا إلا أنه كان رجلا تاجرا موسرا مقبلا على شأنه، لم يكن صاحب حزن ولا بكاء، قال: فقال لي: قد وقعت مرتي هذه ولعلها أن تكون خيرة. قال: وكل هذا الكلام لا يعلم به بعين ولو علم بشيء منه ما صاحبه. قال: فخرجا جميعا حتى حجا ورجعا. ما يرى كل واحد منهما أن له أخا غير صاحبه. فلما جئت أسلم على جاري قال لي: جزاك الله يا أخي عني خيرا ما ظننت أن في هذا الخلق مثل أبي بكر، كان والله يتفضل علي في النفقة وهو معدم وأنا موسر، ويتفضل علي في الخدمة وأنا شاب قوي وهو شيخ ضعيف، ويطبخ لي وأنا مفطر وهو صائم.

قسم V02/P104–V02/P106

قال: فقلت: فكيف كان أمرك معه في الذي كنت تكرهه من طويل بكائه؟ قال: ألفت والله ذاك البكاء وسر قلبي حتى كنت أساعده عليه، حتى تأذى بنا أهل الرفقة. قال: ثم والله ألفوا ذلك فجعلوا إذا سمعونا نبكي بكوا وجعل بعضهم يقول لبعض: ما الذي جعلهم أولى بالبكاء منا والمصير واحد؟ قال: فجعلوا والله يبكون ونبكي، قال: ثم خرجت من عنده فأتيت بهيما فسلمت عليه وقلت: كيف رأيت صاحبك؟ قال: كخير صاحب، كثير الذكر لله عز وجل طويل التلاوة للقرآن، سريع الدمعة محتمل الهفوات للرفيق، جزاك الله عني خيرا. 458- عرفجة عن خلف بن تميم قال: كان فتى من أهل الكوفة متعبد يقال له عرفجة، وكان يحيي الليل صلاة. فاستزاره بعض إخوانه ليلة فاستأذن أمه في زيارته فأذنت له، قالت العجوز: فلما كان الليل إذا أنا في منامي برجال قد وقفوا علي فقالوا: يا أم عرفجة: لم أذنت لإمامنا الليلة. ذكر المصطفين من عباد الكوفة مجهولي الأسماء 459- عابد أبو سعيد البقال قال: رأيت رجلا بالكوفة قد استعد للموت منذ ثلاثين سنة قال: ما لي على أحد شئ ولا لأحد عندي شيء، وما أريد أن أكلم أحدا ولا يكلمني أحد من الناس إلا بذكر الله تعالى وكان يأوي الجبان والمقابر. أيوب بن موسى قال: سمعت شيخا في المسجد يكنى أبا سهل الترمذي قال: سمعت سفيان الثوري يقول: رأيت شيخا في مسجد الكوفة يقول: أنا في هذا المسجد منذ ثلاثين سنة أنتظر الموت أن ينزل بي لو أتاني ما أمرته بشيء ولا نهيته عن شيء ولا لي على أحد شيء ولا لأحد عندي شيء. 460- عابدان كوفيان عن الشعبي قال: جاء رجلان إلى شريح فقال أحدهما: اشتريت من هذا دارا فوجدت فيها عشرة آلاف درهم فقال: خذها. فقال له: إنما اشتريت الدار. فقال للبائع: فخذها أنت فقال: ولم؟ وقد بعته الدار بما فيها. فأدار الأمر بينهما فأبيا فأتى زيادا فأخبره فقال: ما كنت أرى أن أحدا هكذا بقي. وقال لشريح: ادخل بيت المال فألق في كل جراب قبضة حتى تكون للمسلمين. 461- عابد آخر منصور بن عمار قال: خرجت ذات ليلة فظننت أني قد أصبحت فإذا علي ليل، فقعدت عند باب صغير فإذا بصوت شاب يبكي ويقول: وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك، وقد عصيتك حيت عصيتك وما أنا بنكالك جاهل ولا لعقوبتك متعرض، ولا بنظرك مستخف، ولكن سولت لي نفسي وغلبتني شقوتي، وغرني سترك المرخى علي، عصيتك بجهلي وخالفتك بجهدي، فالآن من عذابك من يستنقذني؟ وبحبل من أتصل إن قطعت حبلك عني؟ واسوأتاه على ما مضى من أيامي في معصية ربي، يا ويلي كم أتوب وكم أعود، قد حان لي أن أستحيي من ربي عز وجل. قال منصور: فلما سمعت كلامه قلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد} التحريم: 6 الآية، فسمعت صوتا واضطرابا شديدا فمضيت لحاجتي. فلما أصبحت رجعت وأنا بجنازة على الباب، وعجوز تذهب وتجيء. فقلت لها: من الميت؟ فقالت: إليك عني لا تجدد علي أحزاني. فقلت: إني رجل غريب. فقالت: هذا ولدي مر بنا البارحة رجل لا جزاه الله خيرا فقرأ آية فيها ذكر النار، فلم يزل ولدي يضطرب ويبكي حتى مات، منصور: هكذا والله صفة الخائفين. 462- عابد آخر عبد الله بن عمر الكوفي قال: كان عندنا بالكوفة رجل قد خرج عن دنيا واسعة وتعبد. قال: وكان الفضيل بالكوفة في أيامه. قال: فقدم ابن المبارك فقال له الفضيل: إن ها هنا رجلا من المتعبدين قد خرج عن دنيا فامض بنا إليه ننظر عقله. قال: فجاءوا إليه وهو عليل وعليه عباء وتحت رأسه قطعة لبنة، قال: فسلم ابن المبارك عليه ثم قال: يا أخي بلغنا أنه ما ترك عبد شيئا لله إلا عوضه الله ما هو أكثر منه، فما عوضك؟ قال: الرضا بما أنا فيه. فقال ابن المبارك: حسبك. وقاما على ذلك. 463- عابد آخر

قسم V02/P106–V02/P109

محمد بن منصور قال: كان بالكوفة رجل متعبد يأكل في يوم نصف رغيف وكان قاعدا لا يضطجع ويضع جبهته على ركبتيه من صلاة إلى صلاة لا يتطوع بشيء غير الفرائض، ولا يتكلم البتة. فقلت له: لو تطوعت فقال: افهم ما ألقيه إليك، إني لست أعصيه. من عقلاء المجانين بالكوفة 464- نمير المجنون العباس بن محمد بن عبد الرحمن الأشهلي قال: حدثني أبي عن ابن نمير قال: كان لي ابن أخت سمته أختي باسم أبي نمير، وكان من نساك أهل الكوفة وقد سمع سماعا حسنا، وكان حسن الطهور حسن الصلاة، يراعي الشمس للزوال. قال: فعرض له فذهب عقله فكان لا يأويه سقف بيت: إذا كان بالنهار فهو بالجبانة وإذا كان بالليل ففي السطح قائما على رجليه في البرد والمطر والريح، فنزل يوما مبكرا يريد المقابر فقلت: يا نمير تنام؟ قال: لا. قلت: أي شيء العلة التي تمنعك من النوم؟ قال: هذا البلاء الذي تراه. فقلت: يا نمير أما تخاف الله عز وجل؟ قال: بلى. وقال: أليس يقال: أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل؟ قال: قلت له: أنت أعلم مني. قال: كلا ومضى، قال: وصعدت إليه ليلة باردة وهو قائم في السطح وأمه قائمة تبكي فقلت: يا نمير بقي منك شيء لم تنكره؟ قال: نعم. قلت ما هو؟ قال: حب الله عز وجل وحب رسوله صلى الله عليه وسلم. قال: وصعدت إليه ليلة في رمضان فقلت له: يا نمير لم أفطر. قال: ولم؟ قلت: أحب أن تراك أختي تأكل معي. قال: أفعل. قال: فأصعد إلينا طعام، فجعل يأكل معي حتى فرغت وفرغ. فلما أردت أن أقوم رحمته من أن يراني موليا وهو في الظلمة والريح فبكيت فقال: ما يبكيك رحمك الله؟ قلت: أنزل إلى الكن والضوء وأدعك في الظلمة والبرد؟ فغضب وقال لي: إن لي ربا هو أرحم بي منك وأعلم بما يصلحني فدعه يصرفني كيف يشاء، فإني لا أتهمه في قضائه. فقلت له لئن كنت في ظلمة الليل إن جدك في ظلمة اللحد، أريد أن أعزيه وأطيب نفسه. فقال لي ما جعل روح رجل صالح مثل روح رجل متلوث. ثم قال لي: أتاني البارحة أبي وأبوك عبد الله بن نمير فوقف ثم أشار إلى موضع كان أبي يصلي فيه فقال لي: يا نمير أما إنك ستأتينا يوم الجمعة شهيدا. قال: فدعوت أمه فصعدت إلي فأخبرتها بما قال: فقالت: والله ما جربت عليه كذبا وما هذا مما كان يتكلم به وما قال إلا حقا. قال: وقال هذه المقالة عشية الأربعاء. فجعلنا نتعجب ونقول غدا الخميس وبعد غد الجمعة، فهبه مرض غدا ومات بعد غد فأين الشهادة؟. فلما كانت ليلة الجمعة في وسط الليل سمعنا هدة فإذا هو قد هاج به ما كان يهيج فبادر الدرجة فزلت قدمه فسقط منها فاندقت عنقه فحفرت له إلى جنب أبي ودفنته، وانكببت على قبر أبي فقلت: يا أبت قد أتاك نمير وجاورك. والله ما قلت هذه المقالة إلا لما كان في قلبي من الغم. ثم انصرفت فلما كان الليل رأيت أبي في النوم كأنه قد دخل علي من باب البيت فقال لي: يا بني جزاك الله خيرا لقد آنستني بنمير، اعلم أنه منذ أتيتمونا به إلى أن جئتك يزوج بالحور، والسلام. ذكر المصطفيات من العابدات الكوفيات ذكر المسميات منهن والمنسوبات: 465- أم حسان الكوفية

قسم V02/P109–V02/P111

كان سفيان وابن المبارك وغيرهما يزورونها، عبد الله بن المبارك قال: ذكر سفيان الثوري امرأة بالكوفة يقال لها أم حسان ذات اجتهاد وعبادة. فدخلنا بيتها فلم نر فيه شيئا غير قطعة حصير خلق فقال لها الثوري: لو كتبت رقعة إلى بعض بني أعمامك لغيروا من سوء حالك. فقالت: يا سفيان قد كنت في عيني أعظم وفي قلبي أكبر مذ ساعتك هذه، إني ما أسأل الدنيا من يقدر عليها ويملكها ويحكم فيها؛ فكيف أسأل من لا يقدر عليها ولا يقضي ولا يحكم فيها؟ يا سفيان والله ما أحب أن يأتي علي وقت وأنا متشاغلة فيه عن الله تعالى بغير الله. فأبكت سفيان، قال عبد الله: فبلغني أن سفيان تزوج بها. 466 - أم الأسود بن يزيد وكيع قال: حدثنا أبي عن منصور عن إبراهيم أن أم الأسود أقعدت من رجليها فجزعت ابنة لها فقالت: اللهم إن كان خيرا فزد. 467 - أم مسعر بن كدام محمد بن سعد قال: كانت لمسعر أم عابدة فكان يحمل لها لبدا ويمشي معها حتى يدخلها المسجد فيبسط لها اللبد فتقوم فتصلي ويتقدم هو إلى مقدم المسجد فيصلي ثم يقعد ويجتمع إليه من يريد فيحدثهم ثم ينصرف إليها فيحمل لبدها وينصرف معها. 468 - أم سفيان الثوري قال وكيع: قالت أم سفيان الثوري لسفيان: يا بني اطلب العلم وأنا أكفيك يمغزلي، وقالت له: يا بني إذا كتبت عشرة أحرف فانظر هل ترى نفسك زيادة في مشيك وحلمك ووقارك فإن لم يزدك فاعلم أنه لا يضرك ولا ينفعك. 469 - أم الحسن وعلي ابني صالح بن حي عبد الله بن هاشم قال: سمعت وكيع بن الجراح يقول: كانت أم علي والحسن ابني صالح تقوم ثلث الليل. عبد الله بن صالح قال: حدثني رجل من بني تميم أن أم الحسن وعلي ابني صالح كانت تبكي بالليل والنهار. قال: فرأيت حسنا بعد موته في المنام فقلت: ما فعلت الوالدة؟ قال: بدلت بطول ذلك البكاء سرور الأبد. 470 - أخت فضيل بن عبد الوهاب قال محمد بن الحسين: حدثني فضيل بن عبد الوهاب قال: سمعت أختي تقول: الآخرة أقرب من الدنيا، وذلك أن الرجل يهم بطلب الدنيا فلعله أن ينشئ لذلك سفرا يكون فيه تعب بدنه وإنفاق ماله، ثم لعله أن لا ينال بغيته. والرجل يطلب الآخرة فمنتهى طلبته في حسن نيته حيث ما كان من غير أن ينشئ سفرا أو ينفق مالا أو يتعب بدنا، ما هو إلا أن يجمع على طاعة الله فإذا هو قد أدرك ما عند الله. قال: وسمعتها تقول: ما بيننا وبين أن نرى السرور أو ننادى بالويل والثبور إلا خروج هذه الأرواح من الأبدان، فانظروا أي عبيد تكونون حينئذ؟ قال: ثم صرخت وغشي عليها. قال فضيل: ما رأيت أحدا قط، رجلا ولا امرأة، أطول حزنا منها. ذكر المصطفيات من العابدات الكوفيات مجهولات الأسماء 471- عابدة مجرز أبو القاسم الجلاب قال: حدثني سعدان قال: أمر قوم امرأة ذات جمال بارع أن تتعرض للربيع بن خثيم فلعلها تفتنه، وجعلوا لها إن فعلت ذلك ألف درهم. فلبست أحسن ما قدرت عليه من الثياب، وتطيبت بأطيب ما قدرت عليه ثم تعرضت له حين خرج من مسجده، فنظر إليها فراعه أمرها فأقبلت عليه وهي سافرة. فقال لها الربيع: كيف بك لو قد نزلت الحمى بجسمك فغيرت ما أرى من لونك وبهجتك؟ أم كيف بك لو قد نزل بك ملك الموت فقطع منك حبل الوتين؟ أم كيف بك لو قد ساءلك منكر ونكير؟ فصرخت صرخة فسقطت مغشيا عليها. فوالله لقد أفاقت وبلغت من عبادة ربها أنها كانت يوم ماتت كأنها جذع محترق. 472- عابدة أخرى

قسم V02/P111–V02/P114

عبد الله بن نافع قال: أتى الربيع بن خثيم في منامه فقيل: إن فلانة السوداء زوجتك في الجنة فلما أصبح سأل عنها فدل عليها فإذا هي ترعى أعنزا لها. فقال: لأقيمن عندها فأنظر ما عملها؟ فأقام عندها ثلاثا لا يراها تزيد على الفريضة، فإذا أمست جاءت إلى عنيزة لها فحلبت ثم شربت، ثم حلبت فسقته. فقال لها في اليوم الثالث: يا هذه لم لا تسقيني من غير هذه العنز؟ قال: يا عبد الله إنها ليست لي، قال: فلم تسقيني من هذه؟ قالت: إن هذه منحتها أشرب من لبنها واسقي من شئت. قال: يا هذه فليس لك من العمل أكثر مما أرى؟ قالت: لا، إلا أني ما أصبحت على حال قط فتمنيت أني على حال سواها، رضا بما قسم الله لي، فقال: يا هذه علمت أني رأيت في المنام أنك زوجتي في الجنة. قالت له: أنت الربيع بن خثيم؟ قلت لعبد الله بن نافع: كيف علمت هذا؟ قال: لعلها أن تكون رأت في منامها مثل ما رأى. 473- عابدة أخرى محمد بن يحيى بن أبي حاتم قال: حدثني عبد الملك بن شبيب عن رجل من ولد ابن أبي ليلى قال: دخلت على امرأة وأنا أقرأ سورة هود. فقالت لي: يا عبد الرحمن هكذا تقرأ سورة هود؟ والله إني لفيها منذ ستة أشهر ما فرغت من قراءتها. 474- عابدة أخرى الوضاح بن حسان الأنباري قال: حدثني رجل من أهل الكوفة قال: كانت امرأة من التيم مجتهدة في العبادة، فكانت تفطر في كل ثلاث مرة، ولا تخرج من مسجد الحي إلا لحاجة. فقال لها إبراهيم التيمي: صلاتك في بيتك أفضل من صلاتك في مسجد الحي، ففعلت فلزمت بيتها فلم تزدد إلا خيرا. 475- عابدتان أختان محمد بن قدامة قال: سمعت أبا بشر يقول: كانت جارة لمنصور بن المعتمر، وكان لها ابنتان لا تصعدان إلى السطح إلا بعد ما ينام الناس. فقالت إحداهما ذات ليلة: يا أمتاه ما فعلت القائمة التي كنت أراها في سطح فلان؟ فقالت: يا بنية لم تكن تلك قائمة إنما كان ذاك منصور يحيي الليل كله في ركعة لا يسجد فيها ولا يركع. فقالت: يا أمتاه: بلغ به العبادة والفرق من النار هذا؟ فما فعل؟ قالت: مات ودفنوه. قالت: يا أمتاه انطلقي فاشتري لي مدرعة أتعبد فيها فوالله لا يجمع رأس ورأس رجل أبدا رجل لا ينام عشرين سنة فرقا من النار. قال: فاشترت لها مدرعة من شعر فدخلت البنت الأخرى معها في العبادة فتعبدتا بعد ذلك عشرين سنة لا تنامان الليل ولا تفطران النهار. 476- عابدة أخرى عن سفيان أنه ذكر يوما امرأة من أهل الكوفة كانت تتعبد، فذكر عنها فضلا. فقلت: أي شيء تحفظ من كلامها؟ قال: قالوا إنها كانت تقول: لو نادى مناد من السماء ليمت أعظم الناس جرما لرأيت نفسي أول نفس ذائقة للموت. وكانت تقول: طول الأمل بطأ بي عن سبيل النجاة. 477- عابدة أخرى عن ابن السماك قال: أذنب غلام امرأة من قريش ذنبا فسعت إليه بالسوط فلما قربت منه رمت بالسوط وقالت: ما تركت التقوى أحدا يشفي غيظه. 478- عابدة أخرى: أبو بكر بن عبيد قال: حدثني محمد بن الحسين قال: أخبرنا شهاب بن عباد قال: أخبرنا سويد بن عمرو الكلبي قال: كانت امرأة عابدة في غنى، فكانت لا تنام من الليل إلا يسيرا. فعوتبت في ذلك فقالت: كفى بالموت وطول الرقدة في القبور للمؤمنين رقادا. قال أبو بكر: وزادني في هذا الحديث عن محمد بن الحسين بإسناده هذا: وكانت تصوم في شدة الحر حتى يسود لونها ويتغير وجهها. فيقال لها في ذلك، فتقول: إنما أدور على طول الري والشبع في الآخرة. وكانت قد بكت حتى اسود مجاري دموعها من وجهها، فكان يأتيها محمد بن النضر وأصحابه فيحادثها ساعة ثم تقول: قوموا فالحديث هناك يطيب، في دار لا هم فيها ولا موت ولا تعب. ذكر المصطفيات من عقلاء المجانين المتعبدات الكوفيات 479 - ميمونة السوداء

قسم V02/P114–V02/P116

الفضيل بن عياض قال: قال عبد الواحد بن زيد: سألت الله عز وجل ثلاث ليال أن يريني رفيقي في الجنة، فرأت كأن قائلا يقول: يا عبد الواحد رفيقك في الجنة ميمونة السوداء. فقلت: وأين هي؟ فقال: في آل فلان بالكوفة. قال: فخرجت إلى الكوفة وسألت عنها فقيل: هي مجنونة بين ظهرانينا ترعى غنيمات لنا، فقلت: أريد أن أراها. قالوا: اخرج إلى الجبان، فخرجت فإذا بها قائمة تصلي، وإذا بين يديها عكاز لها وعليها جبة من صوف، عليها مكتوب: لا تباع ولا تشترى. وإذا الغنم مع الذئاب، فلا الذئاب تأكل الغنم ولا الغنم تخاف الذئاب. فلما رأتني أوجزت في صلاتها ثم قالت: ارجع يا بن زيد ليس الموعد ها هنا إنما الموعد ثم. فقلت: رحمك الله ومن أعلمك أني ابن زيد؟ فقالت: أما علمت أن الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف؟ فقلت لها: عظيني؟ فقالت: واعجبا لواعظ يوعظ ثم قالت: يا بن زيد إنك وضعت معايير القسط على جوارحك لخبرتك بمكتوم مكنون ما فيها، يا بن زيد إنه بلغني أنه ما من عبد أعطي من الدنيا شيئا فابتغى إليه ثانيا إلا سلبه الله حب الخلوة معه، وبدله بعد القرب البعد وبعد الأنس الوحشة. ثم أنشأت تقول: يا واعظا قام لاحتساب بزجر قوما عن الذنوب ننهى وأنت السقيم حقا هذا من المنكر العجيب لو كنت أصلحت قبل هذا عيبك أو تبت من قريب كان لما قلت يا حبيبي موقع صدق من القلوب نتهى عن الغي والتمادي وأنت في النهي كالمريب فقلت لها: غني أرى هذا الذئاب مع الغنم، فلا الغنم تفزع من الذئاب، ولا الذئاب تأكل الغنم، فأي شيء هذا؟ فقالت: إليك عني فإني أصلحت ما بيني وبين سيدي فأصلح بين الذئاب والغنم. 480 - بخة عن يحيى بن إسماعيل بن سلمة بن كهيل قال: كانت لي أخت أسن مني فاختلط عقلها فتوحشت فكانت في غرفة في أقصى سطوحنا. فمكثت بذلك بضع عشرة سنة وكانت مع ذهاب عقلها تحرص على الطهور وتفقد الصلوات وربما غلبت على عقلها الأيام فتحفظ ذلك حتى تقضيه. قال: فبينما أنا نائم ذات ليلة إذا باب بيتي يدق في نصف الليل. فقلت: من هذا؟ قالت: بخة، قلت، أختي؟ قالت: أختك. قلت: لبيك. وقمت ففتحت الباب فدخلت ولا عهد لها بالبيت منذ أكثرأ أكثر من عشر سنين، فقلت لها: يا أختاه خير. قالت: خير، أتيت الليلة في منامي فقيل لي: السلام عليك يا بخة. فقلت: وعليك السلام. فقيل لي: إن الله قد حفظ أباك إسماعيل لسلمة بن كهيل جدك، وحفظك لأبيك إسماعيل. فإن شئت دعوت الله لك فأذهب ما بك، وإن شئت صبرت ولك الجنة، فإن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما قد شفعا لك إلى الله عز وجل بحب أبيك وجدك إياهما. فقلت: إن كان لا بد من أن أختار أحدهما فالصبر على ما أنا فيه والجنة، والله واسع لا يتعاظمه شيء، إن شاء أن يجمعهما لي فعل. قالت: فقيل لي: قد جمعهما الله لك ورضي عن أبيك وجدك بحبهما أبا بكر وعمر، قومي فانزلي. فأذهب الله ما كان بها. انتهى ذكر أهل الكوفة ولله الحمد. ذكر المصطفين من أهل البصرة من التابعين ومن بعدهم فمن الطبقة الأولى: 481- الأحنف بن قيس يكنى أبا بحر وإنما عرف بالأحنف لأنه ولد أحنف. عن الحسن، عن الأحنف قال: بينا أنا أطوف بالبيت إذ لقيني رجل من بني سليم فقال: أبشرك؟ فقلت: بلى. قال: أتذكر إذ بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومك بني سعد أدعوهم إلى الإسلام، فقلت أنت: ما قال إلا خيرا ولا أسمع إلا حسنا؟ فإني رجعت وأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم بمقالتك فقال: "اللهم اغفر لأحنف". قال: فما أنا لشيء أرجى مني لها.

قسم V02/P116–V02/P119

قال أبو معاوية بن هشام لخالد بن صفوان: بم بلغ فيكم الأحنف بن قيس ما بلغ؟ قال: إن شئت حدثتك ألفا وإن شئت حذفت لك الحديث حذفا. قال: احذفه لي حذفا. قال: فإن شئت فثلاثا، وغن شئت فاثنتين، وإن شئت فواحدة. قال: ما الثلاث؟ قال: كان لا يشره ولا يحسد ولا يمنع حقا. قال: فما الاثنتان؟ قال: كان موقفا للخير، معصوما من الشر. قال: فما الواحدة؟ قال: كان أشد الناس على نفسه سلطانا. عن الحسن قال: كانوا يتكلمون عند معاوية والأحنف ساكت. فقالوا: ما لك لا تتكلم يا أبا بحر؟ قال: أخشى الله إن كذبت وأخشاكم إن صدقت. عن سليمان التيمي قال: قال الأحنف بن قيس: ما ذكرت أحدا بسوء بعد أن يقوم من عندي. عن سلمة بن منصور، عن مولى لهم كان يصحب الأحنف بن قيس، قال: كنت أصحبه فكان عامة صلاته بالليل الدعاء. وكان يجيء إلى المصباح فيضع إصبعه فيه ثم يقول: حس. ثم يقول: يا حنيف ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ عن الحسن قال: قال الأحنف بن قيس: والله ما سمعت كلمة إلا طأطأت لها رأسي لما هو أعظم منها. الغلابي قال: حدثني رجل من بني تميم قال: قال الأحنف بن قيس: لا مروءة لكذوب، ولا راحة لحسود، ولا حيلة لبخيل، ولا سؤدد لسيئ الخلق، ولا إخاء لملول. عن مغيرة قال: اشتكى ابن أخي الأحنف إلى الأحنف بن قيس وجع ضرسه فقال له الأحنف: لقد ذهبت عيني منذ أربعين سنة ما ذكرتها لأحد. قبيصة قال: قيل للأحنف بن قيس: ألا تأتي الأمراء؟ قال: فأخرج جرة مكسورة فكبها فإذا كسر. فقال: من كان يجزئه مثل هذا ما يصنع بإتيانهم؟ وقال محمد بن سعد: كان الأحنف صديقا لمصعب بن الزبير، فوفد عليه الكوفة ومصعب وإليها يومئذ، فتوفي الأحنف عنده فرئي مصعب في جنازته يمشي بغير رداء. أسند الأحنف عن عمر وعلي وأبي ذر وغيرهم. 482- أبو عثمان النهدي واسمه: عبد الرحمن بن مل. معتمر بن سليمان، عن أبيه قال: إني لأحسب أبا عثمان كان لا يصيب ذنبا. كان ليلة قائما ونهاره صائما. وإن كان ليصلي حتى يغشى عليه. حماد بن سلمة عن ثابت قال: كان أبو عثمان إذا دعا ودعونا يقول: والله لقد استجاب الله عز وجل، قال الله: {ادعوني أستجب لكم} غافر: 60. أدرك أبو عثمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يلقه. وأسند عن عمر بن الخطاب وابن مسعود وأبي موسى وسلمان أسامة وأبي هريرة في آخرين. وكان من ساكني الكوفة فلما قتل الحسين عليه السلام تحول إلى البصرة وقال: لا أسكن بلدا قتل فيه ابن بنت رسول الله، وتوفي بالبصرة في أول ولاية الحجاج العراق وهو ابن ثلاثين ومائة سنة. حماد بن سلمة، عن حميد، عن أبي عثمان قال: بلغت نحوا من ثلاثين ومائة سنة ما من شيء إلا قد عرفت النقص فيه إلا أملي كما هو. 483- حجير بن الربيع العدوي روى عن عمر بن الخطاب عبد الرحمن عن هلال بن حق قال: كان حجير بن الربيع يصلي حتى ما يأتي فراشه إلا زحفا، وما يعدونه من أعبدهم. 484- عامر بن عبد الله وهو الذي يقال له ابن عبد قيس. يكنى أبا عمرو. وقيل أبا عبد الله، من بني تميم. جعفر قال: سمعت مالك بن دينار يقول: بلغنا أن كعبا رأى عامر بن عبد قيس فقال: من هذا؟ فقالوا: هذا عامر. فقال: هذا راهب هذه الأمة.

قسم V02/P119–V02/P120

عن علقمة بن مرثد قال: انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين، منهم: عامر بن عبد الله، إن كان ليصلي فيتمثل إبليس في صورة حية فيدخل تحت قميصه حتى يخرج من جيبه فما يمسه. قيل له: ألا تنحى الحية عنك؟ فقال: إني لأستحيي من الله عز وجل أن أخاف سواه. فقيل له: إن الجنة لتدرك بدون ما تصنع، وإن النار لتتقى بدون ما تصنع. فقال: والله لأجتهدن. ثم والله لأجتهدن، فإن نجوت فبرحمة الله، وإن دخلت النار فبعد جهدي. فلما احتضر بكى فقيل له: أتجزع من الموت وتبكي؟ فقال: ما لي لا أبكي ومن أحق بذلك مني؟ والله ما أبكي جزعا من الموت ولا حرصا على دنياكم، ولكني أبكي على ظمأ الهواجر وقيام ليل الشتاء. وكان يقول: اللهم في الدنيا الهموم والأحزان، وفي الآخرة العذاب والحساب، فأين الروح والفرح. عن عبد الله بن غالب بن عامر بن يساف. قال: سمعت المعلى بن زياد يقول: كان عامر بن عبد الله قد فرض على نفسه في كل يوم ألف ركعة وكان إذا صلى العصر جلس وقد انتفخت ساقاه من طول القيام فيقول: يا نفس، بهذا أمرت ولهذا خلقت، يوشك أن يذهب العناء. وكان يقول لنفسه: قومي يا مأوى كل سوء فوعزة ربك لأزحفن بك زحوف البعير ولئن استطعت أن لا يمس الأرض من زهمك لأفعلن. ثم يتلوى كما تتلوى الحية على المقلى. ثم يقوم فينادي: اللهم إن النار قد منعتني من النوم فاغفر لي. روى ابن وهب وغيره، يزيد بعضهم على بعض في الحديث، أن عامر بن عبد قيس كان من أفضل العابدين. ففرض على نفسه كل يوم ألف ركعة يقوم عند طلوع الشمس فلا يزال قائما إلى العصر. ثم ينصرف وقد انتفخت ساقاه وقدماه فيقول: يا نفس إنما خلقت للعبادة يا أمارة بالسوء والله لأعملن بك عملا، لا يأخذ الفراش منك نصيبا. قال: وهبط واديا يقال له وادي السباع وفي الوادي عابد حبشي يقال له حممة. فانفرد عامر في ناحية يصليان، لا هذا ينصرف إلى هذا، ولا هذا ينصرف إلى هذا، أربعين يوما وأربعين ليلة. إذا جاء وقت الفريضة صليا ثم أقبلا يتطوعان. ثم انصرف عامر بعد أربعين يوما إلى حممة فقال: من أنت يرحمك الله؟ فقال: دعني وهمي. قال: أقسمت عليك. قال: أنا حممة. قال عامر: لئن كنت أنت حممة الذي ذكر لي لأنت أعبد من في الأرض، فأخبرني عن أفضل خصلة. قال: إني لمقصر ولولا مواقيت الصلاة تقطع علي القيام والسجود لأحببت أن أجعل عمري راكعا، ووجهي مفترشا حتى ألقاه، ولكن الفرائض لا تدعني أفعل ذلك فمن أنت يرحمك الله؟ قال: أنا عامر بن عبد قيس. قال: إن كنت عامرا الذي ذكر لي فأنت أعبد الناس. فأخبرني بأفضل خصلة قال: إني لمقصر ولكن واحدة عظمت هيبة الله في صدري حتى ما أهاب شيئا غيره، واكتنفه السباع فأتاه منها فوثب عليه من خلفه فوضع يديه على منكبيه وعامر يتلو هذه الآية {ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود} هود: 103 فلما رأى السبع أنه لا يكترث له ذهب. فقال حممة: وبالله يا عامر ما هالك ما رأيت؟ قال: إني لأستحيي من الله عز وجل أن أهاب شيئا غيره. قال حممة: لولا أن الله تعالى ابتلانا بالبطن فإذا أكلنا لا بد لنا من الحدث ما رآني ربي إلا راكعا أو ساجدا. وكان يصلي في اليوم والليلة ثمان مائة ركعة. وكان يقول: إني لمقصر في العبادة وكان يعاتب نفسه. المعلى بن إياد القردوسي، عن عامر بن عبد قيس أنه مر بقافلة قد حبسهم الأسد من بين أيديهم على طريقهم، فلما جاء عامر نزل عن دابته فقالوا: يا أبا عبد الله إنا نخاف عليك من الأسد. فقال: إنما هو كل من كلاب الله عز وجل، إن شاء أن يسلطه سلطه وإن شاء أن يكفه كفه. فمشى إليه حتى أخذ بيديه أذني الأسد فنحاه على الطريق وجازت القافلة. وقال إني لأستحيي من ربي تبارك وتعالى أن يرى في قلبي أني أخاف من غيره.

قسم V02/P120–V02/P122

محمد بن فضيل بن غزوان قال: أنبأ أبي قال: كان عامر بن عبد قيس يقول: ما رأيت مثل الجنة نام طالبها، وما رأيت مثل النار نام هاربها، وكان إذا جاء النهار قال: أذهب حر النار النوم فما ينام حتى يمسي، وإذا جاء الليل قال: من خاف أدلج، وعند الصباح يحمد القوم السرى. سهيل أخو حزم قال: بلغني عن عامر بن عبد قيس أنه كان يقول: أحببت الله عز وجل حبا سهل علي كل مصيبة ورضاني كل قضية، فما أبالي مع حبي إياه ما أصبحت عليه وما أمسيت. سعيد بن ميمون قال: قيل لامرأة عامر بن عبد قيس، يعني خادمته، كيف كانت عبادة عامر؟ قالت: ما صنعت له طعاما قط بالنهار، فأكله إلا بالليل، ولا فرشت له فراشا بالليل فاضطجع عليه إلا بالنهار. عن الحسن قال: بعث معاوية إلى عبد الله بن عامر أن انظر إلى عامر بن عبد قيس فأحسن إذنه وأكرمه ومره أن يخطب إلى من شاء وأمهر عنه من بيت المال. قال: فأرسل إليه: إن أمير المؤمنين قد كتب إلي أن أحسن إذنك وأكرمك. قال: يقول فلان أحوج مني إلى ذلك، يعني رجلا كان أطال الاختلاف إليهم ولا يؤذن له. وأمرني أن آمرك أن تخطب إلى من شئت وأمهر عنك من بيت المال. قال: أنا في الخطبة دائب. قال: إلى من؟ قال: إلى من يقبل الفلقة والتمرة. قال: ثم أقبل إلى جلسائه وقال: إني سائلكم فأخبروني: هل منكم من أحد إلا له من قلبه شعبة؟ قالوا: اللهم لا. قال: هل منكم من أحد إلا لأهله من قلبه شعبة؟ قالوا: اللهم لا. قال: هل منكم من أحد إلا لولده من من قلبه شعبة؟ قالوا: اللهم لا. قال: فوالذي نفسي بيده لأن تختلف الأسنة في جوانحي أحب إلي من أن أكون هكذا، أما والله لأجعلن الهم هما واحدا. قال الحسن: وفعل. عبد الله بن عياش، مولى بني جشم، عن أبيه، عن شيخ قد سماه، وكان قد أدرك سبب تسيير عامر بن عبد الله، قال: مر برجل من أعوان السلطان وهو يجر ذميا والذمي يستغيث. فأقبل على الذمي فقال: أديت جزيتك؟ قال: نعم. فأقبل عليه فقال: ما تريد منه؟ قال: أذهب به يكسح دار الأمير. قال: فأقبل على الذمي فقال: تطيب نفسك له بهذا؟ قال: يشغلني عن صنعتي. قال: دعه. قال: لا أدعه. قال له: دعه، قال: لا أدعه. قال: فوضع كساءه فقال: لا يخفر دمة محمد صلى الله عليه وسلم وأنا حي. قال: ثم خلصه منه. قال فتراقى ذلك حتى كان سبب تسييره. مالك بن دينار قال: قالت المرأة التي نزل عليها عامر بن عبد الله: مالي أرى الناس ينامون ولا أراك تنام؟ قال: إن ذكر جهنم لا يدعني أن أنام. عن قتادة قال: سأل عامر بن عبد قيس ربه عز وجل أن يهون عليه الطهور في الشتاء، فكان يؤتى بالماء وله بخار. وسأل ربه أن ينزع شهوة النساء من قلبه فكان لا يبالي ذكرا لقي أم أنثى؟ وسأل ربه أن يحول بين الشيطان وبين قلبه في الصلاة، فلم يقدر على ذلك. وقيل له: هذه الأجمة نخاف عليك منها الأسد. فقال: إني لأستحيي من ربي أن أخشى غيره. عن المعلى قال: قال عامر بن عبد قيس: أربع آيات من كتاب الله تعالى إذا ذكرتهن لا أبالي على ما أصبحت وأمسيت {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده} [فاطر: 12] {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو} [الأنعام: 17] و {سيجعل الله بعد عسر يسرا} [الطلاق: 7] {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} [هود: 6] . عن مالك بن دينار: عن عامر بن عبد قيس أنه كان يقول: إن أشد أهل الجنة فرحا في الجنة أطولهم حزنا في الدنيا. أبو مسكين الغداني قال: قال عامر بن عبد قيس: من خاف الله أخاف الله منه كل شيء ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شيء.

قسم V02/P122–V02/P123

عن أبي المتوكل الناجي قال: قال عامر بن عبد قيس: يا أبا المتوكل؟ قلت: لبيك. قال: عليك بما يرغبك في الآخرة ويزهدك في الدنيا ويقربك إلى لاله عز وجل. قلت: ما هو؟ فقالك تقصر عن الدنيا همك وتشحذ إلى الآخرة نيتك، وتصدق ذلك بفعلك، فإذا كنت كذلك لم يكن شيء أحب إليك من الموت، ولا شيء أبغض إليك من الحياة. فقلت: يا أبا عبد الله كنت لا أحسبك تحسن مثل هذا. فقال: كم من شيء كنت أحسنه وددت أني لا أحسنه وما يغني عني ما أحسن من الخير إذا لم أعمل به. عن بلال بن سعد أن عامرا كان يشترط على رفقائه أن ينفق عليهم بقدر طاقته. أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: خرج عامر من البصرة إلى الشام ومعه شكوة فيها ماء يتوضأ منه للصلاة ويشرب منه لبنا إذا شاء. يزيد بن نعامة قال: كان عامر بن عبد قيس إذا أصبح قال: اللهم غدا الناس إلى أسواقهم وأصبح لكل امرئ منهم حاجة وحاجتي إليك يا رب أن تغفر لي. عن العلاء بن سالم قال: حدثني من صحب عامر بن عبد قيس أربعة أشهر قال: فما رأيته نام بليل ولا نهار حتى فارقته، وكان له رغيفان قد جعل عليهما ودكا فيتسحر بواحد ويفطر بآخر. وكان إذا أصبح علمنا القرآن حتى إذا أمكنته الصلاة قام يصلي، فلا يزال يصلي حتى يصلي العصر. قال: ثم يعلمنا القرآن حتى يمسي فإذا صلى المغرب فهي ليلته حتى يصبح. عن الحسن قال: كان عامر بن عبد قيس إذا صلى الصبح تنحى في ناحية المسجد فقال: من أقرئه؟ قال: فيأتيه قوم فيقرئهم، حتى إذا طلعت الشمس وأمكنته الصلاة قام يصلي إلى أن ينتصف النهار ثم يرجع إلى منزله فيقيل، ثم يرجع إلى المسجد إذا زالت الشمس فيصلي حتى يصلي الظهر، ثم يصلي إلى العصر فإذا صلى العصر تنحى في ناحية المسجد ثم يقول: من أقرئه؟ قال: فيأتيه قوم فيقرئهم حتى إذا غربت الشمس صلى المغرب ثم يصلي حتى يصلي العشاء الآخرة ثم يرجع إلى منزله فيتناول أحد رغيفيه فيأكل ثم يهجع هجعة خفيفة، ثم يقول. فإذا أسحر تناول رغيفه الآخر فأكله ثم شرب عليه شربة من ماء ثم يخرج إلى المسجد. قال خلف: وحدثني بعض أصحابنا قال: كان منصور بن زاذان يفعل هذا كله ويفضل بخصلة: لا يبيت كل ليلة حتى يبل عمامته بدموعه ثم يضعها. عن أبي العلاء بن عبد الله بن الشخير قال: أخبرني ابن أخي عامر بن عبد قيس أن عامرا كان يأخذ عطاءه فيجعله في طرف ردائه فلا يلقى أحدا من المساكين يسأله إلا أعطاه. فإذا دخل إلى أهله رمى به إليهم فيعدونها فيجدونها كما أعطيها. عمارة بن عبد الله العنبري، وابنه، وثابت أبو الفضل، قالوا: ما رأينا عامر بن عبد قيس متطوعا في مسجدهم قط. قال وكان آخر من يدخل المسجد، وأول من يخرج منه. عبد الله بن الشخير قال: كنا نأتي عامر بن عبد الله وهو يصلي في مسجده فإذا رآنا تجوز في صلاته ثم انصرف فقال لنا: ما تريدون؟ وكان يكره أن يرونه يصلي. عن سحيم مولى بني تميم، قال: جلست إلى عامر بن عبد الله وه يصلي فتجوز في صلاته ثم أقبل علي فقال: أرحني بحاجتك فإني أبادر؟ قلت: وما تبادر؟ قال: ملك الموت رحمك الله؟ قال: فقمت عنه وقام إلى صلاته. عن أبي عبدة العنبري قال: لما هبط المسلمون المدائن وجمعوا الأقباض أقبل رجل بحق معه فدفعه إلى صاحب الأقباض فقال الذين معه: ما رأينا مثل هذا قط، ما يعدله ما عندنا ولا يقاربه. فقالوا له: هل أخذت منه شيئا؟ فقال: أما والله لولا الله ما أتيتكم به فعرفوا أن للرجل شأنا: فقالوا: من أنت؟ فقال: لا والله لا أخبركم لتحمدوني، ولا غيركم ليقرظوني، ولكني أحمد الله وأرضى بثوابه فأتبعوه رجلا حتى انتهى إلى أصحابه فسأل عنه فإذا هو عامر بن عبد قيس.

قسم V02/P123–V02/P126

أدرك عامر الصدر الأول، وروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لكنه اشتغل بالعبادة عن الرواية. 485- أبو العالية الرياحي واسمه الرفيع. أعتقته امرأة من بني رياح. قال أبو العالية: دخلت المسجد معها فوافقها الإمام على المنبر فقبضت على يدي فقالت: اللهم أدخره عندك ذخيرة، اشهدوا يا أهل المسجد أنه سائبة لله. ثم ذهبت فما تراءينا بعد. عن عاصم قال: كان أبو العالية إذا جلس غليه أكثر من أربعة قام. عن ابن أنس، عن أبي العالية قال: كنت أرحل إلى الرجل مسيرة أيام، فأول ما أتفقده من أمره صلاته، فإن وجدته يقيمها ويتمها أقمت وسمعت منه، وإن وجدته يضيعها رجعت ولم أسمع منه وقلت: هو لغير الصلاة أضيع. عن عثمان، عن أبي العالية قال: قال لي أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا تعمل لغير الله فيكلك الله عز وجل إلى من عملت له. خالد بن دينار قال: سمعت أبا العالية قال: كنا نعد من أعظم الذنوب أن يتعلم الرجل القرآن ثم ينام عنه حتى ينساه. سيار بن سلامة قال: دخلت على أبي العالية في مرضه الذي مات فيه فقال: إن أحبه إلي أحبه إلى الله عز وجل. أسند أبو العالية عن أبي بكر الصديق، وعمر، وعلي، وأبي بن كعب، وأبي موسى، وأبي هريرة، وابن عباس، في جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، إلا أنه أرسل الحديث عن بعض هؤلاء وتوفي في شوال سنة تسعين. أبو خلدة قال: مات أبو العالية في شوال يوم الاثنين سنة تسعين. 486- عبد الله بن شقيق البصري أبو عبد الرحمن سمع من عائشة رضي الله عنها وقال: جاورت أبا هريرة سنة. وقد روى عن عمر، عن الجريري قال: كان عبد الله بن شقيق مجاب الدعوى، كانت تمر به السحابة فيقول: اللهم لا تجوز كذا وكذا حتى تمطر. فلا تجوز ذلك الموضع حتى تمطر. 487- الفضيل بن زيد الرقاشي غزا سبع غزوات في خلافة عمر، وكان من عباد البصرة. عن عاصم الأحوال، عن فضيل بن زيد الرقاشي، وكان غزا مع عمر سبع غزوات قال: لا يلهينك الناس عن ذات نفسك، فإن الأمر يخلص إليك دونهم، ولا تقطع النهار بكيت وكيت فإنه محفوظ عليك ما قلت، ولم أر شيئا أحسن طلبا ولا أسرع إدراكا من حسنة حديثة لذنب قديم. أسند الفضيل عن عبد الله بن مغفل وغيره من الصحابة. 488- هرم بن حيان العبدي كان عاملا لعمر بن الخطاب رضي الله عنه. قتادة، عن هرم بن حيان قال: ما رأيت كالنار نام هاربها، ولا كالجنة نام طالبها. عدي بن أبي عمارة قال: قال هرم بن حيان: ما آثر الدنيا على الآخرة حكيم ولا عصى الله كريم. وعن الأصمعي، عن صالح المري قال: قال هرم بن حيان: صاحب الكلام على إحدى المنزلتين: إن قصر فيه حصر، وإن أغرق فيه أثم. ابن شوذب قال: قال هرم بن حيان: لو قيل لي إنك من أهل النار لم أترك العمل لئلا تلومني نفسي فتقول: لم فعلت؟ لم ضيعت؟ وفي رواية أخرى: تقول لي ألا صنعت؟ ألا فعلت؟. عن الحسن قال: خرج هرم بن حيان وعبد الله بن عامر يؤمان الحجاز، فجعلت أعناق رواحلهما تتخالجان الشجر. فقال هرم لابن عامر أتحب أنك شجرة من هذه الشجر؟ فقال ابن عامر: لا والله، لما أرجو من ربي عز وجل. فقال هرم: لكني والله لوددت أني شجرة من هذه الشجر أكلتني هذه الراحلة ثم قذفتني بعرا ولم أكابد الحساب، يا ابن عامر إني أخاف الداهية الكبرى إما إلى الجنة وإما إلى النار، قال الحسن: وكان هرم أفقه الرجلين وأعلمهما بالله عز وجل. مطر الوراق قال: بات هرم بن حيان العبدي عند حممة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فبات حممة ليلته يبكي كلها حتى أصبح. فلما أصبح قال له هرم: يا حممة ما أبكاك؟ قال: ذكرت ليلة صبيحتها تبعثر القبور فيخرج من فيها.

قسم V02/P126–V02/P127

قال: وبات حممة عند هرم بن حيان فبات ليلته يبكي حتى أصبح فسأله حين أصبح: ما الذي أبكاك؟ قال: ذكرت ليلة صبيحتها تناثر نجوم السماء فأبكاني ذاك. قال: وكانا يصطحبان أحيانا بالنهار فيأتيان سوق الريحان فيسألان الله الجنة ويدعوان ثم يأتيان الحدادين فيعوذان من النار ثم يتفرقان إلى منازلهما. عن أبي نضرة أن عمر رضي الله عنه بعث هرم بن حيان على الخيل، فغضب رجل فأمر به فوجئت عنقه. ثم أقبل على أصحابه فقال: لا جزاكم الله خيرا ما نصحتموني حين قلت ولا كففتموني عن غضبي، والله لا ألي لكم عملا. ثم كتب إلى عمر: يا أمير المؤمنين لا طاقة لي بالرعية فابعث إلي عملك. عن الحسن قال: مات هرم بن حيان في يوم صائف شديد الحر. فما نفضوا أيديهم عن قبره جاءت سحابة تسير حتى قامت على قبره فلم تكن أطول منه ولا أقصر، فرشته حتى روته ثم انصرفت. عن قتادة قال: أمطر قبر هرم بن حيان من يومه، وأنبت العشب من يومه. قلت: لا يحفظ لهرم مسند أصلا. 489- صلة بن أشيم العدوي يكنى أبا الصهباء. ثابت البناني قال: كان صلة بن أشيم يخرج إلى الجبان فيتعبد فيها فكان يمر عليه شباب يلهون ويلعبون. فيقول لهم: أخبروني عن قوم أرادوا سفرا فحادوا النهار عن الطريق وباتوا بالليل، متى يقطعون سفرهم؟ قال: فكان كذلك يمر بهم فيعظهم. فيمر بهم ذات يوم فقال لهم هذه المقالة. فقال شاب منهم: يا قوم إنه والله ما يعني بهم غيرنا، نحن بالنهار نلهو وبالليل ننام. ثم اتبع صلة فلم يزل يختلف معه إلى الجبان ويتعبد معه حتى مات. حماد بن زيد قال: حدثنا ثابت أن صلة وأصحابه مر بهم فتى يجر ثوبه فهم أصحاب صلة أن يأخذوه بألسنتهم أخذا شديدا فقال صلة: دعوني أكفكم أمره. فقال: يا ابن أخي إن لي إليك حاجة. قال: وما حاجتك؟ قال أن ترفع إزارك. قال: نعم ونعمى عين. فرفع إزاره. فقال صلة لأصحابه: هذا كان أمثل مما أردتم، لو شتمتموه لشتمكم. حماد بن سلمة قال: أنبأ ثابت أن أخا لصلة بن أشيم مات فجاء رجل وهو يطعم. فقال: يا أبا الصهباء إن أخاك مات، فقال: هلم فكل قد نعي لنا، ادن فكل. فقالك والله ما سبقني إليك أحد، فمن نعاه؟ قال: يقول الله عز وجل: {إنك ميت وإنهم ميتون} الزمر: 30. عن معاذة قالت: كان أبو الصهباء يصلي حتى ما يستطيع أن يأتي فراشه إلا زحفا. حماد بن جعفر بن زيد أن أباه أخبره قال: خرجنا في غزاة إلى كابل، وفي الجيش صلة بن أشيم فنزل الناس عند العتمة. فقلت: لأرمقن عمله فأنظر ما يذكر الناس من عبادته. فصلى العتمة ثم اضطجع فالتمس غفلة الناس حتى قلت هدأت العيون، وثب فدخل غيضة قريبا منه ودخلت في أثره فتوضأ ثم قام يصلي. قال: وجاء أسد حتى دنا منه. قال فصعدت في شجرة. قال: فتراه التفت؟ أو عده جرذا. حتى سجد فقلت: الآن يفترسه فجلس ثم سلم فقال: أيها السبع اطلب الرزق من مكان آخر. فولى وإن له لزئيرا تصدع الجبال منه. فما زال كذلك. فلما كان عند الصبح جلس فحمد الله عز وجل بمحامد لم أسمع بمثلها إلا ما شاء الله. ثم قال: اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار، أو مثلي يجترئ أن يسلك الجنة؟ ثم رجع فأصبح كأنه بات على الحشايا وأصبحت وبي من الفترة شيء الله به عليم. قال: فلما دنوا من أرض العدو قال الأمير: لا يشذن أحد من العسكر. قال فذهبت بغلته بثقلها فأخذ يصلي. فقالوا له: إن الناس قد ذهبوا فمضى ثم قال: دعوني أصلي ركعتين. فقالوا: الناس قد ذهبوا. قال إنهما خفيفتان. قال: فدعا ثم قال: اللهم إني أقسم عليك أن ترد بغلتي وثقلها. قال: فجاءت حتى قامت بين يديه. قال: فلما لقينا العدو وحمل هو وهشام بن عامر فصنعا بهم طعنا وضربا وقتلا. فكسر ذلك العدو فقالوا: رجلان من العرب صنعا بنا هذا فكيف لو قاتلونا؟ فأعطوا المسلمين حاجتهم.

قسم V02/P127–V02/P130

عن أبي السليل: أن صلة بن أشيم حدثه قال: كنت أسير على دابة لي إذ جعت جوعا شديدا فلم أجد أحدا يبيعني طعاما وجعلت أتحرج أن أصيب من أحد من الطريق شيئا. فبينما أنا أسير حسبت أنه قال: أدعو ربي عز وجل وأستطعمه. إذ سمعت وجبة من خلفي فالتفت فإذا أنا بمنديل أبيض فنزلت عن دابتي فأخذت الثوب فإذا فيه دوخلة ملأى رطبا. قال: فأخذته وركبت دابتي فأكلت منه حتى شبعت وأدركني المساء فنزلت إلى راهب في دير له فحدثته الحديث. قال: فاستطعمني من الرطب فأطعمته رطبا: ثم إني مررت على ذلك الراهب فإذا نخلات حسان حمال فقال: إنهن لمن رطباتك التي أطعمتني. وجاء بالثوب إلى أهله فكانت امرأته تريه الناس. عن رجل من بني عدي قال: لما أهديت معاذة إلى صلة أدخله ابن أخيه الحمام ثم أدخله بيتا مطيبا فقام يصلي فقامت فصلت. فلم يزالا يصليان حتى برق الفجر. قال: فأتيته فقلت: أي عم أهديت إليك ابنة عمك الليلة فقمت تصلي وتركتها؟ فقال: أدخلتني أمس بيتا أذكرتني به النار، ثم أدخلتني بيتا أذكرتني به الجنة، فما زالت فكرتي فيهما حتى أصبحت. عن جعفر بن زيد العبدي أن صلة بن أشيم قال لمعاذة: ليكن شعارك الموت فإنك لا تبالين على يسر أصبحت من الدنيا أم على عسر. عن الحسن قال: مات أخ لنا فصلينا عليه. فلما وضع في قبره ومد عليه الثوب جاء صلة بن أشيم فأخذ بناحية الثوب ثم نادى: يا فلان ابن فلان: فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة وإلا فإني لا إخالك ناجيا قال: فبكى وأبكى الناس. عن ابن عون قال: قال رجل لصلة بن أشيم: ادع الله عز وجل لي قال: رغبك الله عز وجل فيما يبقى، وزهدك فيما يفنى، ووهب لك اليقين الذي لا يسكن إلا إليه ولا يعول في الدين إلا عليه. عن ثابت البناني: أن صلة بن أشيم كان في مغزى له ومعه ابن له فقال: أي بني تقدم فقاتل حتى أحتسبك. فحمل فقاتل حتى قتل رحمه الله. ثم تقدم فقتل. فاجتمعت النساء عند امرأته معاذة العدوية فقالت: مرحبا، إن كنتن جئتن لتهنئنني فمرحبا بكم وإن كنتن جئتن لغير ذلك فارجعن. لقي صلة بن أشيم جماعة من الصحابة، وأسند عن ابن عباس وغيره. وقتل شهيدا في أول إمرة الحجاج على العراق. 490- أبو رجاء عمران بن ملحان العطاردي ويقال عمران بن تيم. يوسف بن عطية عن أبيه قال: دخل أبي على أبي رجاء العطاردي فقال: حدثني أبو رجاء قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم ونحن على ماء لنا وكان لنا صنم مدور. فحملناه على قتب وانتقلنا من ذلك الماء إلى غيره. فمررنا برملة. فانسل الحجر فوقع في الرمل فغاب فيه. فلما رجعنا فقذفنا الحجر فرجعنا في طلبه فإذا هو في رمل قد غاب فيه فاستخرجناه. كان ذلك أول إسلامي فقلت: إن آلها لم يمتنع من تراب يغيب فيه لإله سوء، وإن العنز لتمنع حياءها بذنبها. فرجعنا إلى المدينة وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم. عمارة المغولي قال: سمعت أبا رجاء يقول: كنا نعمد إلى الرمل فنجمعه ونحلب عليه فنعبده، وكنا نعمد إلى الحجر الأبيض فنعبده زمانا ثم نلقيه. الجعد أبو عثمان اليشكري قال: سألت أبا رجاء العطاردي قلت: يا أبا رجاء أرأيت من أدركت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ كانوا يخافون على أنفسهم النفاق! قال: أما أني أدركت بحمد الله عز وجل منهم صدرا حسنا. قال أبو عثمان، وكان أدرك عمر بن الخطاب فقال: نعم شديدا نعم شديدا. أبو الأشهب قال: كان أبو رجاء يختم بنا في رمضان كل عشرة أيام. ابن عون قال: سمعت أبا رجاء يقول: ما آسى على شيء أخلفه بعدي إلا أني كنت أعفر وجهي كل يوم وليلة خمس مرار لربي عز وجل. أسند أبو رجاء عن عمر وابن عباس، وأم قومه أربعين سنة. وتوفي في خلافة ابن عبد العزيز. 491- إياس بن قتادة التميمي

قسم V02/P130–V02/P131

ابن أخت الأحنف بن قيس عن سلمة بن علقمة قال: اعتم إياس بن قتادة وهو يريد بشر بن مروان، فنظر في المرآة فإذا بشيبة في ذقنه فقال: افليها يا جارية. ففلتها فإذا هي بشيبة أخرى. فقال: انظروا من بالباب من قومي فأدخلوه فأدخلوا عليه فقال: يا بني تميم إني قد كنت وهبت لكم شبيبتي فهبوا لي شيبتي، ألا أراني حمير الحاجات وهذا الموت يقرب مني. ثم قال: انقضى العمامة فاعتزل يؤذن لقومه ويعبد ربه ولم يغش سلطانا حتى مات. أسند أياس عن قيس بن عباد، وعن أبي بن كعب، وتشاغل بالتعبد عن الرواية. ومن الطبقة الثانية "من أهل البصرة": 492- مطرف بن عبد الله بن الشخير يكنى أبا عبد الله. سليمان بن المغيرة قال: كان مطرف بن عبد الله إذا دخل بيته سبحت معه آنية بيته. ثابت قال: قال مطرف: لو أخرج قلبي في يدي هذه اليسار، وجيء بالخير فجعل في هذه اليمنى ما استطعت أن أولج قلبي منه شيئا حتى يكون الله يضعه. غيلان قال: كان مطرف يلبس البرانس، ويلبس المطارف، ويركب الخيل ويغشى السلطان غير أنك كنت إذا أفضيت إليه أفضيت إلى قرة عين. عن ثابت البناني قال: كان مطرف يسكن البادية فإذا كان يوم الجمعة يركب فيجيء إلى الجمعة، قال فمر بمقابر فنعس فرأى أهل القبور على أفواه القبور، فقالوا: هذا يذهب إلى الجمعة. قال: وتعرفون يوم الجمعة من غيره؟ قالوا: نعم، ونعرف ما يقول الطير في جو السماء. قال: ما يقول؟ قالوا: يقول سلام سلام ليوم صالح. عن ثابت البناني. قال: قال مطرف بن عبد الله: ما مدحني أحد قط إلا تصاغرت إلي نفسي، عن ثابت، عن مطرف قال: لأن يسألني ربي عز وجل يوم القيامة فيقول: يا مطرف ألا فعلت؟ أحب إلي من أن يقول: لم فعلت. عن ثابت عن مطرف بن عبد الله أنه كان يقول: يا إخوتاه اجتهدوا في العمل فإن يكن الأمر كما نرجو من رحمة الله وعفوه كاهنت لنا درجات في الجنة، وإن يكن الأمر شديدا كما نخاف ونحاذر لم نقل: {ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل} فاطر: 37، نقول قد عملنا فلم ينفعنا ذلك. عن خلف بن الوليد عن رجل من بني نهشل. قال: قال مطرف بن عبد الله وهو بعرفة: اللهم لا ترد الجميع، من أجلي. ثابت قال: مات عبد الله بن مطرف، فخرج مطرف على قومه في ثياب حسنة وقد ادهن فغضبوا وقالوا: يموت عبد الله ثم تخرج في ثياب مثل هذه مدهنا؟ قال: فأستكين لها وقد وعدني ربي تبارك عليها ثلاث خصال كل خصلة منها أحب إلي من الدنيا كلها؟ قال الله عز وجل: {الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} البقرة فأستكين لها بعد هذا؟ قال ثابت: وقال مطرف: ما من شيء أعطي به في الآخرة قدر كوز من ماء إلا وددت أنه أخذ مني في الدنيا. غيلان قال: سمعت مطرفا يقول: إني وجدت ابن آدم كالشيء الملقى بين يدي الله تعالى وبين الشيطان، فإن أراد الله أن ينعشه اجتره إليه؛ وإن أراد به غير ذلك خلى بينه وبين عدوه. المعلى بن زياد قال: كان إخوان مطرف بن عبد الله عنده، فخاضوا في ذكر الجنة فقال مطرف: لا أدري ما تقولون؟ حال ذكر النار بيني وبين الجنة. عن ثابت، عن مطرف، أنه أقبل من مبداه فجعل يسير بالليل فأضاء له سوطه. عن أبي العلاء، عن مطرف أنه قال: ما أوتي عبد بعد الإيمان أفضل من العقل وكان مطرف يقول: إن هذا الموت قد أفسد على أهل النعيم نعيمهم فاطلبوا نعيما لا موت فيه. عن بكر بن عبد الله المزني قال: قال مطرف بن عبد الله: لو علمت متى أجلي لخشيت علي ذهاب عقلي، ولكن الله من على عباده بالغفلة عن الموت، ولولا الغفلة ما تهنأوا بعيش ولا قامت بينهم الأسواق.

قسم V02/P131–V02/P133

عن الأعمش قال: قال لي مطرف بن عبد الله: وجدت الغفلة التي ألقاها الله عز وجل في قلوب الصديقين من خلقه رحمة رحمهم بها، ولو ألقى في قلوبهم الخوف على قدر معرفتهم به ما هنأهم العيش. عن أبي العلاء، عن أخيه يعني مطرفا، قال: إذا استوت سريرة العبد وعلانيته قال الله عز وجل هذا عبدي حقا. محمد بن واسع قال: كان مطرف يقول: اللهم ارض عنا، فإن لم ترض عنا فاعف عنا، فإن المولى قد يعفو عن عبده وهو عنه غير راض. عن سكين بن عبد العزيز، عن أبيه عن مطرف قال: إذا دخلتم على المريض فإن استطعتم أن يدعو لكم، فإنه قد حرك. سفيان قال: قال مطرف: إن أقبح ما طلب به الدنيا عمل الآخرة. عن حميد بن هلال قال: كان بين مطرف وبين رجل من قومه شيء، فكذب على مطرف. فقال له مطرف: إن كنت كاذبا فعجل الله حتفك. فمات الرجل مكانه قال: فاستعدي أهله زيادا على مطرف، فقال لهم زياد: هل ضربه؟ هل مسه بيده؟ فقالوا: لا. فقال: دعوة رجل صالح وافقت قدرا. فلم يجعل لهم شيئا. أبو بكر السهمي قال: حدثني شيخ لنا يكنى أبا بكر أن مطرف بن الشخير قال لبعض إخوانه: يا فلان إذا كانت لك حاجة فلا تكلمني فيها ولكن اكتبها في رقعة ثم ادفعها إلي فإني أكره أن أرى في وجهك ذل السؤال. وقال الشاعر: لا تحسبن الموت موت البلى وإنما الموت سؤال الرجال كلاهما موت ولكن ذا أشد من ذاك لذل السؤال وقال أيضا: ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله عوضا وإن نال الغنى بسؤال وإذا السؤال مع النوال وزنته رجح السؤال وخف كل نوال فإذا ابتليت ببذل وجهك سائلا فابذله للمتكرم المفضل عن غيلان قال: كان مطرف يقول: كأن القلوب ليست منا وكأن الحديث يعنى به غيرنا. أسند مطرف عن عثمان بن عفان، وعلي، وأبي بن كعب، وأبي ذر، وأبيه عبد الله بن الشخير، في آخرين. وتوفي في ولاية الحجاج العراق بعد الطاعون الجارف. وكان الطاعون سنة سبع وثمانين في خلافة الوليد بن عبد الملك. وكان مطرف أكبر من الحسن البصري بعشرين سنة. 493- صفوان بن محرز المازني من بني تميم عن الحسن عن صفوان بن محرز قال: إذا أكلت رغيفا أشد به صلبي، وشربت كوز ماء فعلى الدنيا وأهلها العفاء. المعلى بن زياد القردوسي قال: كان لصفوان بن محرز سرب يبكي فيه، وكان يقول: قد أرى مكان الشهادة لو تشايعني نفسي. عن الحسن قال: لقيت أقواما كانوا فيما أحل الله لهم أزهد منكم فيما حرم الله عليكم، ولقد لقيت أقواما كانوا من حسناتهم أشفق أن لا تقبل منهم من سيآتكم. ولقد صحبت أقواما كان أحدهم يأكل على الأرض وينام على الأرض، منهم صفوان بن محرز المازني. وكان يقول: إذا أويت إلى أهلي وأصبت رغيفا أكلته فجزى الله الدنيا عن أهلها شرا. والله ما زاد على رغيف حتى فارق الدنيا، يظل صائما ويفطر على رغيف ويشرب عليه من الماء حتى يتروى ثم يقوم فيصلى حتى يصبح، فإذا صلى الفجر أخذ المصحف فوضعه في حجره يقرأ حتى يترجل النهار، ثم يقوم فيصلي حتى ينتصف النهار، فإذا انتصف النهار رمى بنفسه على الأرض فنام إلى الظهر فكانت تلك نومته حتى فارق الدنيا. فإذا صلى الظهر قام فصلى إلى العصر، فإذا صلى العصر وضع المصحف في حجره فلا يزال يقرأ حتى تصفر الشمس. عن الحسن قال: كان لصفوان بن محرز سرب لا يخرج منه إلا للصلاة. غيلان بن جرير قال: كانوا يجتمعون، صفوان وإخوانه، فيتحدثون فلا يرون تلك الرقة. فيقولون: يا صفوان حدث أصحابك. قال فيقول: الحمد لله فيرق القوم وتسيل دموعهم، كأنها أفواه المزاد.

قسم V02/P133–V02/P136

ثابت البناني قال: أخذ عبيد الله بن زياد ابن أخ لصفوان بن محرز فحبسه في السجن. فلم يدع صفوان شريفا بالبصرة يرجو منفعته إلا تحمل به عليه. فلم ير لحاجته نجاحا. فبات في مصلاه حزينا. قال: فهوم من الليل فإذا آت قد أتاه في منامه فقال: يا صفوان قم فاطلب حاجتك من جهتها. قال: فانتبه فزعا فقام فتوضأ ثم صلى ثم دعا. فأرق ابن زياد فقال: علي بابن أخي صفوان بن محرز. فجاء بالحرس وجيء بالنيران ففتحت تلك الأبواب الحديد في جوف الليل، فقال: ابن أخي صفوان أخرجوه فإني منعت من النوم منذ الليلة، فأخرج فأتي به ابن زياد فقال: انطلق بلا كفيل ولا شيء. فما شعر صفوان حتى ضرب عليه ابن أخيه بابه. قال صفوان: من هذا؟ قال: أنا فلان. قال: أي ساعة هذه الساعة؟ فحدثه الحديث. أسند صفوان عن ابن عمر، وأبي موسى، وعمران بن حصين، وحكيم بن حزام، في آخرين. وتوفي بالبصرة في ولاية بشر بن مروان. 494- أبو الحلال العتكي اسمه زرارة بن ربيعة، من الأزد. عبيد الله بن ثور قال: حدثتني أمي عن عمتها العيناء بنت أبي الحلال قالت: كان أبو الحلال فوق غرفة فيأتي بعض أبوابها فيشرف على شق من ناحية الحي فينادي: يا فلان يا فلان. ثم يقبل على الشق الآخر فينادي: يا فلان يا فلان. ثم يقبل على الشق الآخر فيقول مثله، حتى يأتي على كل الأركان الأربعة. قالت: ثم يقول: {هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا} مريم ثم يقبل على الصلاة. ومات يوم مات وهو ابن عشرين ومائة سنة. وكان يقول: اللهم لا تسلبني القرآن. وسمع أبو الحلال من عثمان بن عفان رضي الله عنه. 495- زرارة بن أوفى الحرشي من بني الحريش بن كعب، يكنى أبا حاجب. بهز بن حكيم قال: صلى بنا زرارة بن أوفى في مسجد بني قشير فقرأ {فإذا نقر في الناقور} المدثر: 8 فخر ميتا فحمل إلى داره فكنت فيمن حمله إلى داره. قال: وكان يقص في داره. وقدم الحجاج وهو يقص في داره. أبو جناب القصار قال: صلى بنا زرارة بن أوفى الفجر فلما بلغ {فإذا نقر في الناقور} شهق شهقة فمات. رحمه الله. أسند زرارة عن جماعة من الصحابة منهم: أبو هريرة، وعمران بن حصين، وابن عباس. وتوفي فجاءة سنة ثلاث وتسعين من خلافة الوليد بن عبد الملك. 496- أبو السوار حسان بن حريث العدوي من بني عدي بن زيد مناة. عن أبي التياح قال: سمعت أبا السوار يقول: وقرأ هذه الآية: {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه} الإسراء: 13 قال: هما نشرتان وطية، أما ما حييت يا ابن آدم فصحيفتك منشورة فأمل فيها ما شئت، فإذا مت طويت ثم إذا بعثت نشرت {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا} الإسراء: 14 محمد بن الحسين قال: إن أبا السوار العدوي أقبل عليه رجل بالأذى، فسكت، حتى بلغ منزله. أو دخل. قال حسبك إن شئت. عن هشام قال: كان أبو السوار العدوي يعرض له رجل فيشتمه فيقول: إن كنت كما قلت إني إذا لرجل سوء. أسند أبو السوار عن علي بن أبي طالب، وعمران بن حصين وغيرهما. 497- خليد بن عبد الله العصري وعصر بطن من عبد قيس. محمد بن واسع قال: كان خليد العصري يصوم الدهر. عن قتادة أن خليدا العصري قال: يا إخوتاه هل منكم من أحد لا يحب أن يلقى حبيبه ألا فأحبوا ربكم وسيروا إليه سيرا كريما. عن قتادة عن خليد قال: المؤمن لا تلقاه إلا في ثلاث خلال مسجد يعمره، أو بيت يستره، أو حاجة لا بأس بها. عن محمد بن واسع قال: قال خليد العصري: كلنا قد أيقن بالموت وما نرى له مستعدا. وكلنا قد أيقن بالجنة وما نرى لها عاملا، وكلنا قد أيقن بالنار وما نرى لها خائفا فعلى ما تعرجون، وما عسيتم تنظرون؟ الموت؟ فهو أول وارد عليكم من الله بخير أو بشر. فيا إخواتاه سيروا إلى ربكم سيرا جميلا. 498- مسمون بن سياه

قسم V02/P136–V02/P137

عن كهمس بن عبد الله قال: سمعت ميمون ين سياه - وكان أكبر من الحسن - يقول: تذاكروا عندي رجلا من هؤلاء السلاطين فوقعوا فيه ولم أذكر منه خيرا ولا شرا فانقلبت إلى بيتي فرقدت فرأيت فيما يرى النائم كأن بين يدي جيفة زنجي ميت منتفخ منتن، وكأن قائما على رأسي يقول: كل. قلت: يا عبد الله ولم آكل؟ قال: بما اغتيب عندك فلان قال: قلت ما ذكرت منه خيرا ولا شرا. فقال: ولكنك استمعت ورضيت. عن حزم قال: كان ميمون بن سياه لا يغتاب ولا يدع أحدا يغتاب عنده، ينهاه فإن انتهى وإلا قام عنه. أسند ميمون عن أنس بن مالك. 499- يزيد بن عبد الله بن الشخير أخو مطرف. يكنى أبا العلاء. عن بديل بن ميسرة قال: كان مطرف يقول: لأن أعافى فأشكر أحب إلي من أن أبتلى فأصبر. وكان أبو العلاء يقول: اللهم أي ذلك كان خيرا لي فعجل لي. قال أبو صالح العقيلي: كان يزيد يقرأ في المصحف حتى يغشى عليه. قال: كان يزيد أكبر من الحسن البصري بعشر سنين، وكان مطرف أكبر من يزيد بعشر سنين، وقد حدث يزيد عن أبيه وغيره. وتوفي بالبصرة سنة إحدى عشرة ومائة. 500- الحسن بن أبي الحسن البصري يكنى أبا سعيد. وكان أبوه من أهل بيسان فسبي فهو مولى الأنصار ولد في خلافة عمر وحنكه عمر بيده، وكانت أمه تخدم أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فربما غابت فتعطيه أم سلمة ثديها تعلله به إلى أن تجيء أمه فيدر عليه ثديها فيشربه. فكانوا يقولون: فصاحته من بركة ذلك. إبراهيم بن عيسى اليشكري قال: ما رأيت أطول حزنا من الحسن، وما رأيته إلا حسبته حديث عهد بمصيبة. عن يونس قال: كان الحسن يقول: نضحك ولعل الله قد اطلع على بعض أعمالنا فقال: لا أقبل منكم شيئا. حكيم بن جعفر قال: قال لي مسمع: لو رأيت الحسن لقلت قد بث عليه حزن الخلائق، من طول تلك الدمعة وكثرة ذلك النشيج. محمد بن سعد قال: قال يزيد بن حوشب: ما رأيت أخوف من الحسن وعمر بن عبد العزيز، كأن النار لم تخلق إلا لهما. عن حفص بن عمر قال: بكى الحسن فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أخاف أن يطرحني غدا في النار ولا يبالي. يوسف بن أسباط قال: مكث الحسن ثلاثين سنة لم يضحك، وأربعين سنة لم يمزح. قال: وقال الحسن: لقد أدركت أقواما ما أنا عندهم إلا لص. عن حميد قال: بينما الحسن في المسجد تنفس تنفسا شديدا ثم بكى حتى أرعدت منكباه ثم قال: لو أن بالقلوب حياة، لو أن بالقلوب صلاحا لأبكتكم من ليلة صبيحتها يوم القيامة، إن ليلة تمخض عن صبيحة يوم القيامة ما سمع الخلائق بيوم قط أكثر من عورة بادية ولا عين باكية من يوم القيامة. روى أبو عبيدة الناجي: أنه سمع الحسن يقول: يا ابن آدم إنك لا تصيب حقيقة الإيمان حتى لا تعيب الناس بعيب هو فيك، وحتى تبدأ بصلاح ذلك العيب من نفسك فتصلحه، فإذا فعلت ذلك لم تصلح عيبا إلا وجدت عيبا آخر لم تصلحه، فإذا فعلت ذلك كان شغلك في خاصة نفسك، وأحب العباد إلى الله تعالى من كان كذلك.

قسم V02/P137–V02/P140

عن يحيى بن المختار عن الحسن قال: إن المؤمن قوام على نفسه يحاسب نفسه لله عز وجل، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة. إن المؤمن يفجؤه الشيء يعجبه فيقول: والله إني لأشتهيك وإنك لمن حاجتي ولكن والله ما من صلة إليك، هيهات هيهات، حيل بيني وبينك. ويفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه فيقول: ما أردت إلى هذا. ما لي ولهذا؟ والله لا أعود لهذا أبدا إن شاء الله. إن المؤمنين قوم أوثقهم القرآن وحال بينهم وبين هلكتهم. إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته لا يأمن شيئا حتى يلقى الله عز وجل يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وبصره ولسانه وجوارحه. مبارك بن فضالة قال: سمعت الحسن وقال له شاب: أعياني قيام الليل. فقال: قيدتك خطاياك. عبد المؤمن بن عبيد الله عن الحسن قال: يا ابن آدم إنك ناظر إلى عملك ويوزن خيره وشره فلا تحقرن من الخير شيئا وإن هو صغر فإنك إذا رأيته سرك مكانه ولا تحقرن من الشر شيئا فإنك إذا رأيته ساءك مكانه، رحم الله رجلا كسب طيبا وأنفق قصدا وقدم فضلا ليوم فقره وفاقته. هيهات! ذهبت الدنيا بحال بالها وبقيت الأعمال قلائد في أعناقكم. أنتم تسوقون الناس والساعة تسوقكم وقد أسرع بخياركم فماذا تنتظرون؟ المعاينة فكأن قد. إنه لا كتاب بعد كتابكم ولا نبي بعد نبيكم، يا ابن آدم بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا ولا تبيعن آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعا. روى أبو عبيدة الناجي أنه سمع الحسن بن أبي الحسن يقول: حادثوا هذه القلوب فإنها سريعة الدثور، واقدعوا هذه الأنفس فإنها طلعة وإنها تنازع إلى الشر غاية، وإنكم إن لم تقاربوها لم تبق من أعمالكم شيئا فتصبروا وتشددوا فإنما هي ليال تعد، وإنما أنتم ركب وقوف يوشك أن يدعى أحدكم فيجيب ولا يلتفت فانقلبوا بصالح ما بحضرتكم، إن هذا الحق أجهد الناس وحال بينهم وبين شهواتهم وإنما صبر على هذا الحق من عرف فضله ورجا عاقبته. عن أبي همام الكلاعي، عن الحسن أنه مر ببعض القراء على بعض أبواب السلاطين فقال: أفرحتم حمائمكم وفرطحتم نعالكم وجئتم بالعلم تحملونه على رقابكم إلى أبوابهم فزهدوا فيكم، أما إنكم لو جلستم ببيوتكم حتى يكونوا هم الذين يرسلون إليكم لكان أعظم لكم في أعينهم، تفرقوا فرق الله بين أعضائكم. عاصر الحسن خلقا كثيرا من الصحابة فأرسل الحديث عن بعضهم، وسمع من بعضهم. وقد ذكرنا ذلك في كتاب أفردناه لمناقب الحسن وأخباره وهو نحو من عشرين جزءا لذلك اكتفينا بما ذكرنا ههنا لأننا نكره الإعادة في التصانيف. وتوفي الحسن في سنة عشر ومائة. 501- أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي عن عمرو بن دينار قال: أخبرني عطاء قال: سمعت ابن عباس يقول: لو نزل أهل البصرة عند قول جابر بن زيد لأوسعهم عما في كتاب الله عز وجل علما. وقال عمرو: وما رأيت أحدا أعلم من أبي الشعثاء. عن صالح الدهان، عن جابر بن زيد قال: نظرت في أعمال البر فإذا الصلاة تجهد البدن ولا تجهد المال، والصيام مثل ذلك، والحج يجهد المال والبدن. فرأيت الحج أفضل من ذلك كله. عن صالح الدهان أ، جابر بن زيد كان لا يماكس في ثلاث: في الكراء إلى مكة، وفي الرقبة يشتريها للعتق، وفي الأضحية. وكان لا يماكس في كل شيء يتقرب به إلى الله عز وجل. عن ابن سيرين قال: كان أبو الشعثاء مسلما عند الدينار والدرهم. عن مطر الوراق، عن جابر بن زيد قال: لأن أتصدق بدرهم على يتيم أو مسكين أحب إلي من حجة بعد حجة الإسلام. وأسند أبو الشعثاء عن ابن عمر وابن عباس. وتوفي سنة ثلاث ومائة. 502- أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي عن أيوب، عن أبي قلابة قال: أي رجل أعظم أجرا من رجل ينفق على عيال له صغار يعفهم الله به ويغنيهم.

İbn Cevzî — Sıfatü's-Safve · 19 · Qur'an & Sunnah