Qur'an&Sunnah

İbn Cevzî — Sıfatü's-Safve

قسم V02/P260–V02/P262

عن عبد الواحد قال: قال عتبة الغم: خرجت من البصرة فإذا أنا بخباء أعراب قد زرعوا، وإذا أنا بخيمة، وفي الخيمة جارية مجنونة عليها جبة صوف عليها مكتوب: لا تباع ولا تشترى. فدنوت فسلمت عليها فلم ترد علي السلام، ثم وليت. فسمعتها تقول: زهد الزاهدون والعابدونا إذ لمولاهم أجاعوا البطونا أسهروا الأعين القريحة فيه فمضى ليلهم وهم ساهرونا حيرتهم محبة الله حتى علم الناس أن فيهم جنونا هم ألبا عقول ولكن قد شجاهم جميع ما يعرفونا قال: فدنوت إليها فقلت: لمن الزرع؟ فقالت: لنا إن سلم، فتركتها وأتيت بعض الأخبية فأرخت السماء كأفواه القرب. فقلت: والله لآتينها فأنظر قصتها في هذا المطر، فإذا أنا بالزرع قد غرق وإذا هي قائمة وهي تقول: والذي أسكن قلبي من طرف صفاء مودة محبته إن قلبي ليوقن منك بالرضا. ثم التفتت إلي فقالت: يا هذا إنه زرعه فأنبته وأقامه فسنبله وركبه فشققه وأرسل عليه غيثا متغطمطا فسقاه، واطلع عليه فحفظه فلما دنا حصاده أهلكه. ثم رفعت رأسها نحو السماء فقالت: العباد عبادك، وأرزاقهم عليك، فاصنع ما شئت فقلت لها: كيف صبرك؟ فقالت: اسكت يا عتبة: إن إلهي لغني حميد في كل يوم منه رزق جديد الحمد لله الذي لم يزل يفعل بي أكثر مما أريد قال عتبة: فوالله ما ذكرت كلامها إلا هيجتني. انتهى ذكر أهل البصرة. ذكر المصطفين من أهل الأبلة 629- عابد أبو إسحاق الهروي قال: كنت مع ابن الخروطي بالبصرة فأخذ بيدي وقال: قم حتى نخرج إلى الأبلة، فلما قربنا ونحن نمشي على شاطئ الأبلة في الليل والقمر طالع، إذ مررنا بقصر لجندي فيه جارية تضرب بالعود، فوقفنا في فناء القصر نستمع وفي جانب القصر الآخر في ظل القمر فقير بخرقتين واقف، فقالت الجارية: كل يوم تتلون غير هذا بك أجمل فصاح الفقير وقال: أعيديه فهذا حالي مع الله تعالى، فنظر صاحب الجارية إلى الفقير فقال لها: اتركي العود وأقبلي عليه فإنه صوفي فأخذت تقول، والفقير يقول: هذا حالي مع الله تعالى، والجارية تردد إلى أن زعق الفقير زعقة خر مغشيا عليه فحركناه فإذا هو ميت فقلنا: مات الفقير. فلما سمع صاحب القصر بموته نزل فأدخله القصر فاغتممنا وقلنا: هذا يكفنه من غير وجهه، فصعد الجندي وكسر كل ما كان بين يديه فقلنا: ما بعد هذا إلا خير ومضينا إلى الأبلة وبتنا وعرفنا الناس. فلما أصبحنا رجعنا إلى القصر وإذا الناس مقبلون من كل وجه إلى الجنازة كأنما نودي في البصرة حتى خرج القضاة والعدول وغيرهم، وإذا الجندي يمشي خلف الجنازة حافيا حاسرا حتى دفن. فلما هم الناس بالانصراف قال الجندي للقاضي والشهود: اشهدوا أن كل جارية لي حرة لوجه الله تعالى وكل ضياعي وعقاري حبس في سبيل الله وفي صندوق لي أربعة آلاف دينار وهي في سبيل الله. ثم نزع الثوب الذي كان عليه فرمى به وبقي بسراويله، فقال القاضي: عندي مئزران من وجههما تقبلهما فقال: شأنك. فحملهما إليه فاتزر بواحد واتشح بالآخر، وهام على وجهه فكان بكاء الناس عليه أكثر من بكائهم على الميت. ذكر المصطفيات من عابدات الأبلة 630- شعوانة معاذ بن الفضل، أبو عون، قال: بكت شعوانة حتى خفنا عليها العمى، فقلنا لها في ذلك، فقالت: أعمى والله في الدنيا من البكاء أحب إلي من أن أحب أحأعمى في الآخرة من النار. مالك بن ضيغم قال: كان رجل من أهل الأبلة يأتي أبي كثيرا فيذكر له شعوانة وكثرة بكائها فقال له أبي يوما: صف لي بكاءها. فقال: يا أبا مالك أصف لك، هي والله تبكي الليل والنهار لا تكاد تفتر قال: ليس عن هذا أسألك، كيف تبتدئ بالبكاء؟ قال: نعم يا أبا مالك تسمع الشيء من الذكر فترى الدموع تنحدر من جفونها كالقطر. قال: فمجاري الدموع من المآق الذي على الأنف أكثر أم مؤخر العين مما يلي الصدغ؟ قال يا أبا مالك إن دموعها أكثر من أن يعرف هذا من هذا، ما هي إلا أن تسمع الذكر فتجيء عيناها بأربع نجوما متبادرة جدا.

قسم V02/P262–V02/P265

فبكى أبي وقال: ما أرى الخوف إلا قد أحرق قلبها كله، ثم قال: كان يقال إن كثرة الدموع وقلتها على قدر احتراق القلب، حتى إذا احترق القلب كله لم يشأ الحزين أن يبكي إلا بكى، والقليل من التذكرة يحزنه. قال مالك بن ضيغم: وقال لي أبي يوما انطلق مع منبوذ حتى تأتي هذه المرأة الصالحة فتنظر إليها، يعني شعوانة، فانطلقت أنا وأبو همام إلى الأبلة ثم غدونا عليها فدخلنا فسلم علياه منبوذ وقال: هذا ابن أخيك ضيغم. فرحبت بي وتحفت وقالت مرحبا بابن من لم نره ونحن نحبه، أما والله يا بني إني لمشتاقة إلى أبيك وما يمنعني من إتيانه إلا أني أخاف أن أشغله عن خدمة سيده، وخدمة سيده أولى به من محادثة شعوانة. قال: ثم قالت: ومن شعوانة؟ وما شعوانة؟ أمة سوداء عاصية. قال: ثم أخذت في البكاء فلم تزل تبكي حتى خرجنا وتركناها. يحيى بن بسطام قال: كنت أشهد مجلس شعوانة كثيرا فكنت أرى ما تصنع بنفسها، فقلت لصاحب لي يقال له عمران بن مسلم: لو أتيناها إذا خلت. قال: فانطلقنا أنا وهو إلى الأبلة فاستأذنا عليها فأذنت لنا فإذا منزل رث الهيئة أثر الجدب عليه بين. فقال لها صاحبي: لو رفقت بنفسك فقصرت عن هذا البكاء شيئا كان أقوى لك على ما تريدين. قال: فبكت ثم قالت: والله لوددت أني أبكي حتى تنفد دموعي، ثم أبكي الدماء حتى لا تبقى في جسدي جارحة فيها قطرة من دم، وأنى لي البكاء؟ قال: فلم تزل تردد ذلك حتى انقلبت حدقتاها، ثم مالت ساقطة مغشيا عليها. فقمنا فخرجنا وتركناها على تلك الحال. روح بن سلمة قال: قال لي مضر: ما رأيت أحدا أقوى على كثرة البكاء من شعوانة، ولا سمعت صوتا قط أحرق لقلوب الخائفين من صوتها إذا هي نشجت ثم نادت: يا موتى وبني الموتى وأخوة الموتى. قال محمد: وقلت لأبي عمر الضرير: أتيت شعوانة؟ قال: قد شهدت مجلسها مرارا ما كنت أفهم ما تقول من كثرة بكائها. قلت: فهل تحفظ من كلامها شيئا؟ قال: ما حفظت من كلامها شيئا أذكره الساعة إلا شيئا واحدا، قلت: وما هو؟ قال: سمعتها تقول: من استطاع منكم أن يبكي فليبك وإلا فليرحم الباكي فإن الباكي إنما يبكي لمعرفته بما أتى إلى نفسه. عن الحارث بن المغيرة قال: كانت شعوانة تنوح بهذين البيتين: يؤمل دنيا لتبقى له فوافى المنية قبل الأمل حثيثا يروي أصول الفسيل فعاش الفسيل ومات الرجل الحسن بن يحيى قال: كانت شعوانة تردد هذا البيت فتبكي وتبكي النساك معها، تقول: لقد أمن المغرور دار مقامه ويوشك يوما أن يخاف كما أمن عن فضيل بن عياض قال: قدمت شعوانة فأتيتها فشكوت إليها وسألتها أن تدعو بدعاء، فقالت: يا فضيل أما بينك وبين الله ما إن دعوته استجاب لك؟ قال: فشهق الفضيل وخر مغشيا عليه. عن محمد بن عبد العزيز بن سلمان قال: كانت شعوانة قد كمدت حتى انقطعت عن الصلاة والعبادة فأتاها آت في منامها فقال: أذري جفونك إما كنت شاجية إن النياحة قد تشفي الحزينينا جدي وقومي وصومي الدهر دائبة فإنما الدوب من فعل المطيعينا فأصبحت فأخذت في الترنم والبكاء وراجعت العمل. إبراهيم بن عبد الملك قال: قدمت شعوانة وزوجها تمكة فجعلا يطوفان فإذا أكل أو أعيا جلس وجلست خلفه فيقول هو في جلوسه: أنا العطشان من حبك لا أروى. وتقول هي بالفارسية: أنبت لكل داء دواء في الجبال، ودواء المحبين في الجبال لم ينبت. رضي الله عنها. 631- خشة الأبلية يعقوب بن محمد قال: قالت خشة الأبلية: إن الذنوب أقل في جودك من أن لا تغفرها، من ثم خلا قلبي من الذنوب لمحبتك. رضي الله عنها. و من عقلاء المجانين بالأبلة 632- ريحانة أبو القاسم بن سعيد قال: سمعت صالحا المري يقول: رأيت ريحانة المجنونة فسلمت عليها فقالت لي: يا صالح اسمع: بوجهك لا تعذبني فإني أؤمل أن أفوز بخير دار وأنت مجاور الأبرار فيها ولولا أنت ما طاب المزار

قسم V02/P265–V02/P267

عن الربيع قال: بت أنا ومحمد بن المنكدر وثابت البناني عند ريحانة المجنونة بالأبلة فقامت أول الليل وهي تقول: قام المحب إلى المؤمل قومة كاد الفؤاد من السرور يطير فلما كان جوف الليل سمعتها تقول أيضا: لا تأنسن بمن توحشك نظرته فتمنعن من التذكار في الظلام واجهد وكد وكن في الليل ذا شجن يسقيك كأس وداد العز والكرم قال: ثم نادت: واحرباه واسلباه. فقلت: مم ذا؟ فقالت: ذهب الظلام بأنسه وبألفه ليت الظلام بأنسه يتجدد انتهى ذكر أهل الأبلة رضي الله عنهم. ذكر المصطفين من عباد عبادان رضي الله عنهم أبو بكر المروزي قال: سمعت عبد الصمد يقول: قال لي بشر بن الحارث: عبادان ميدان العباد. قال المروزي: وقال لي أبو عبد الله بن حنبل: ما زال العباد يأتونها وقد رأيت بها هدابا العابد. محمد بن نعيم بن الهيصم قال: سمعت بشر بن الحارث قال: من أراد الزهد والعمل فليأت عبادان، وددت أني في زاوية من زوايا عبادان في عافية، حرسها الله تعالى. 633- سعيد بن عطارد رضي الله عنه إسحاق بن عباد قال: سمع سعيد بن عطارد ضجة في مسجد أبي عاصم بالليل، فقام فقال: تذهب بهذا الدرهم السوق تلقيه في هذه الجياد لعل الله عز وجل يتجاوز به. عبد الصمد قال: كان سعيد بن عطارد بكاء. رضي الله عنه. 634- عابد من بني سعد أبو عاصم العباداني قال: كان رجل من بني سعد يقدم علينا في أول مااتخذت عبادان فكانت إذ ذاك وبيئة قال: فكان يصلي الليل والنهار لا يكاد يفتر، فإذا كان السحر احتبى واستقبل البحر فجعل يبكي وينوح على نفسه. قال: فإذا أحس بإنسان أمسك. قال: فخرجت ذات ليلة إلى الساحل فإذا أنا بصوته وإذا هو يبكي ويقول في بكائه: ألا يا عين ويحك أسعديني بطول الدمع في ظلم الليالي لعلك في القيامة أن تفوزي بخير الدهر في تلك العلالي قال فلما أحس أمسك فرجعت وتركته. عباد مجهولين الأسماء 635- عابد آخر سلم بن زرعة بن حماد أبو المرضي، شيخ بعبادان له عبادة وفضل، قال: ملح الماء عندنا منذ ينف وستين سنة وكان ههنا رجل من أهل الساحل له فضل قال: ولم يكن في الصهاريج شيء وحضرت المغرب فهبطت لأتوضأ للصلاة من النهر، وذلك في رمضان وحر شديد فإذا أنا به وهو يقول: سيدي أرضيت عملي حتى أتمنى عليك أم رضيت طاعتي حتى أسألك؟ سيدي غسالة الحمام لمن عصاك كثير، سيدي لولا أني أخاف غضبك لم أذق الماء ولقد أجهدني العطش. قال: ثم أخذ بكفيه فشرب شربا صالحا فتعجبت من صبره على ملوحته فأخذت من الموضع الذي أخذ فإذا هو بمنزلة السكر فشربت حتى رويت. قال أبو المرضي: فقال لي هذا الشيخ يوما: رأيت فيما يرى النائم كأن رجلا يقول لي: قد فرغنا من بناء دارك لو رأيتها قرت عيناك وقد أمرنا بنجدها والفراع منها إلى سبعة أيام واسمها السرور، فأبشر بخير فلما كان اليوم السابع وهو يوم الجمعة بكر للوضوء فنزل في النهر وقد مد فزلق فغرق فأخرجناه بعد الصلاة فدفناه. قال أبو المرضي فرأيته بعد ثالثة في النوم وهو يجيء إلى القنطرة وهو يكبر وعليه حلل خضر فقال لي: يا أبا المرضي أنزلني الكريم دار السرور فما أعد لي فيها؟ فقلت: صف لي فقال: هيهات يعجز الواصفون عن أن تنطق ألسنتهم بما فيها، فاكتسب مثل الذي اكتسبت وليت أن عيالي يعلمون أن قد هيئ لهم منازل معي، فيها كل ما اشتهت أنفسهم، نعم وإخواني وأنت معهم إن شاء الله. ثم انتبهت. 636- عابد آخر العطار قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: رأيت رجلا على ساحل عبادان قد قطع الجذام يديه ورجليه وقد ذهب بصره فجعلت أنظر إليه وأقول في نفسي: مجذوم مكفوف قال: فصاح وقال: من ذا المتكلف الذي يدخل بيني وبين مولاي قال بشر فأدبني قوله. 637- عابد آخر

قسم V02/P267–V02/P271

علي بن سعيد العطار قال: مررت بعبادان بمكفوف مجذوم وإذا الزنبور يقع عليه فيقطع لحمه فقلت الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفتح من عيني ما أغلق من عينك. قال: بينما أنا أردد الحمد إذ صرخ، فبينا هو يتخبط نظرت إليه فإذا هو مقعد فقلت مكفوف يصرع مقعد مجذوم. قال: فما استتممت حتى صاح: يا متكلف ما دخولك فيما بيني وبين ربي؟ دعه يفعل بي ما شاء. ثم قال: وعزتك وجلالك لو قطعتني إربا إربا أو صببت علي البلاء صبا ما ازددت لك إلا حبا رضي الله عنه. 638- عابد آخر عابد بعبادان قال: مكثت ستة أيام لم أطعم شيئا. قال: قلت أجرب نفسي على الصبر. فلما كانت الليلة السابعة دخل في قلبي من ذلك سرور، ورأيت أني قد صبرت وعملت شيئا فإذا بقائل يقول: لم تبلغ كنه الصابرين، إنما الصابرون المستقلون لأعمالهم، الخائفون عليها من فسادها، الوجلون من ردها عليهم، فأولئك هم الصابرون. 639- عابد آخر أحمد بن محمد البزاز قال: كنت بعبادان وكانت ليلة عاشوراء، فدخلت إلى دار السبيل فرأيت فقيرا جالسا يأكل خبز الشعير وملحا جريشا فاحترق قلبي عليه وكان معي ألف دينار للتفرقة بعبادان فسألت عنه فقيل: هو أفضل من ههنا في الزهد ومنازلة الفقر فقلت في نفسي: أعطيه الدنانير التي معي فإني لا أعرف المستحقين. فلما أصبحنا قصدته وسلمت عليه وجلست إليه وباسطني وباسطته فقلت له: رأيت الشيخ البارحة يأكل خبز الشعير وملحا جريشا وأعلم أنه كان صائما فحملت إليه شيئا ليتحكم فيه. وقدمت إليه الكيس وقلت له: هو ألف دينار فشدد النظر وقال: خذه فإن هذا جزاء من أفشى سره إلى الناس. 640- عابد آخر أبو الخير الأسود المعروف بالعسقلاني قال: كان بعبادان رجل زنجي مفلفل الشعر يأوي الخربات، فحملت معي شيئا وطلبته فلما رفع بصره تبسم وأشار بيده إلى الأرض، فرأيت حولي حيث أرى دراهم ودنانير تلمعان. ثم قال لي: هات ما معك فناولته وهربت وهالني أمره. 641- عابد آخر عبد الله بن محمد قال: كتب إلي إسحاق بن موسى الأنصاري يذكر أن عباد بن كليب حدثهم قال: كنت بعبادان فرأيت شابا من قريش عليه جبة صوف فسمعته يقول: إن لله عبادا يستروحون إلى الغموم فقلت: يرحمك الله تلبس الصوف؟ فقال: إنما أنا عبد فإذا أعتقت لبست فذكرت ذلك لشريك فقال: ما أكره الصوف لمثل هذا، ما خرج هذا الكلام إلا من كنز. 642- عابد آخر بحر أبو يحيى العابد قال: رأيت عابدا بعبادان يبكي عامة الليل والنهار فقلت له: يا أخي كم تبكي فازداد بكاء ثم قال لي: فما أصنع إذا لم أبك؟ فما أصنع إذا لم أبك؟ وغشي عليه. و من عابدات عبادان 643- عابدة صالح بن عبد الله قال: خرجنا من عبادان منذ نحو من ستين سنة، فلما صرنا عند الجبل في بعض تلك السكك ومعنا قارئ لنا فقرأ فإذا امرأة على سطح فصرخت ثم سقطت من السطح فحملت فأدخلت دارا ثم مما برحنا حتى ماتت. قال: ونودي في أهل البصرة فما رأيت يوما أحسن ولا أكثر جمعا من ذلك اليوم. انتهى ذكر أهل عبادان. 644- ذكر مجنون بمهرجان قذق أبو همام، إسرائيل بن محمد القاضي قال: كان بمهرجان قذق رجل يقال له سابق وكان معتوها ذاهب العقل قد توحش فكان مأواه الخربات والغياض والمقابر قال: وكنت أحب أن أكلمه وأسمع جوابه. فقيل لي يوما: هو في المقابر. فقمت حافيا فدخلت المقابر فإذا أنا به منكس رأسه في قبر، فلم يعلم حتى سلمت فرفع رأسه فقال: وعليكم السلام. قال: وهبته فانقطعت ولم أتكلم، فرأى ذلك في فقال: يا إسرائيل خف الله خوفا لا يشغلك عن الرجاء فإنك إن ألزمت قلبك الرجاء شغلته عن الخوف، وفر إلى الله ولا تفر منه فإنه مدركك ولن تعجزه، ولا تطع المخلوق في معصية الخالق واعلم أن لله تعالى يوما تشخص فيه القلوب والأبصار، مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء.

قسم V02/P271–V02/P273

قال: ثم قام فتخطى حائطا ومضى في الخرابات فقلت للذي يحفر القبور: إذا جاء فأتني فأعلمني. فمكث شهرا أو أكثر. قال: وأتاني الرجل فقال: قد دخل الساعة المقابر فقمت إليه في غير نعل ولا رداء، فلما بصر بي ولى وأسرعت فقلت: يا سابق لا أعود إليك بعد اليوم. فوقف فقلت: علمني كلمات أدعو بهن فقال: إن آخذ الكلام للقلوب ما جاء من القلوب وإن أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس. ثم قال: قل اللهم اجعل نظري عبرة، وسكوتي فكرة، وكلامي ذكرا ثم ولى مسرعا. ذكر من اصطفي من أهل تستر 645- سهل بن عبد الله بن يونس التستري يكنى أبا محمد رضي الله عنه. العباس بن أحمد قال: سمعت سهل بن عبد الله يقول: آلة الفقير ثلاثة أشياء: حفظ سره، وأداء فرضه، وصيانة فقره. أبو بكر الجوزي قال: سمعت سهل بن عبد الله يقول: ليس كل من عمل بطاعة الله صار حبيب الله، ولكن من اجتنب ما نهى الله عنه صار حبيب الله ولا يجتنب الآثام إلا صديق مقرب وأما أعمال البر فيعملها البر والفاجر. أخبرنا محمد. قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله قال: سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول: سمعت أبا بكر محمد بن المنذر يقول: قال سهل بن عبد الله: من دق الصراط عليه في الدنيا عرض عليه في الآخرة، ومن عرض عليه الصراط في الدنيا دق له في الآخرة. أبو عبد الله محمد بن أحمد بن سلمة قال: سمعت سهل بن عبد الله يقول: استجلب حلاوة الزهد بقصر الأمل، واقطع أسباب الطمع بصحة اليأس، وتعرض لرقة القلب بمجالسة أهل الذكر، واستفتح باب الحزن بطول الفكر، وتزين لله بالصدق في كل الأحوال، وإياك والتسويف فإنه يغرق الهلكى، وإياك والغفلة فإن فيها سواد القلب، واستجلب زيادة النعم بعظيم الشكر. أبو حفص بن شاهين قال: قرأت على جعفر بن محمد الثقفي، سمعت سهل بن عبد الله يقول: أول الحجاب الدعوى فإذا أخذوا في الدعوى حرموا. أبو بكر أحمد بن محمد السائح قال: سمعت القاسم بن محمد صاحب سهل يقول: سمعت سهل بن عبد الله يقول: ليس بين العبد وبين الله حجاب أغلظ من الدعوى، ولا طريق أقرب إليه من الافتقار. علي بن سالم قال: سمعت سهل بن عبد الله، وقيل له: أي شيء أشد على النفس؟ فقال: الإخلاص، لأنه لها فيه نصيب. محمد بن الحسن بن الصباح قال: سمعت سهل بن عبد الله يقول: أمس قد مات، واليوم في النزع، وغد لم يولد. أبو العباس الخواص، جارنا بالدور، قال: كنت عند سهل بن عبد الله وكنت أحب شيئا من أمره الذي كان يسره، وقد كنت سألت جماعة من أصحابه: من أين يقتات؟ فلم يقف أحد منهم على شيء فيخبرني به، فجئت ليلة إلى مسجده وهو قائم يصلي فوقفت طويلا وهو لا يرجع حتى جاءت شاة فزحمت باب المسجد وأنا أراها، فلما سمع سهل حركة الباب ركع وسجد وسلم وخرج إلى باب المسجد ففتحه وقدم الشاة إليه ومسح يده عليها، وقد كان أخرج معه قدحا أخذه من طاق في المسجد فحلب وشرب ثم مسح يده عليها وكلمها بالفارسية فذهبت في الصحراء، ودخل هو إلى المسجد وقام في محرابه. محمد بن الحسن بن الصباح قال: قال سهل بن عبد الله التستري: من أراد أن ينظر إلى مجالس الأنبياء فلينظر إلى مجالس العلماء ويجيء الرجل فيقول: يا فلان أي شيء تقول في رجل حلف على امرأته بكذا وكذا؟ فيقول: طلقت امرأته، ويجيء آخر فيقول: بم تقول في رجل حلف على امرأته بكذا وكذا؟ فيقول: ليس يحنث بهذا القول. وليس هذا إلا لنبي أو لعالم فاعرفوا لهم ذلك. أسند سهل عن خاله محمد بن سوار، ولقي ذا النون، وتوفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين، وقيل ثلاث وسبعين رضي الله عنه. ومن المصطفين من أهل شيراز 646- أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي

قسم V02/P273–V02/P275

ولد في سنة ثلاث وتسعين وثلاث مائة، وتفقه على جماعة منهم أبو الطيب الطبري، ودخل بغداد في سنة خمس عشرة وأربعمائة، وسمع الحديث من البرقاني وأبي علي بن شاذان، ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه، فقال له: يا شيخ فكان يفرح ويقول سماني رسول الله صلى الله عليه وسلم شيخا. وقال: كنت أعيد كل درس مائة مرة وإذا كان في المسئلة بيت يستشهد به حفظت القصيدة كلها لأجله، وكان عاملا بالعلم وصابرا على خشونة العيش. وقال يوما لبعض أصحابه: وكلتك في أن تشتري لي دبسا بهذا القرص على وجه الآخر. فمضى واشترى وجاء به وشك بأي القرصين اشترى؟ فما أكل الشيخ، وقال: لا أدري هل اشتريت بالقرص الذي وكلتك فيه أم بالآخر؟. وكان يوما يمشي ومعه بعض أصحابه فعرض في الطريق كلب فزجره الصاحب، فنهاه أبو إسحاق وقال: لم طردته عن الطريق؟ أما علمت أن الطريق بيني وبينه مشترك. وقال أبو الوفاء بن عقيل: شاهدت شيخنا أبا إسحاق لا يخرج شيئا إلى فقير إلا أحضر النية. ولا يتكلم في المسألة إلا قدم الاستعانة بالله وإخلاص القصد في نصرة الحق دون التحسن للخلق، ولا صنف مسألة إلا بعد أن صلى ركعات، فلا جرم شاع اسمه وانتشرت تصانيفه شرقا وغربا هذه بركات الإخلاص. وتوفي أبو إسحاق في سنة ست وسبعين وأربعمائة. ورئي في المنام وعليه ثياب بيض وعلى رأسه تاج فقيل له: ما هذا البياض؟ فقال: شرف الطاعة. قيل: والتاج؟ قال عز العلم. رضي الله عنه. ومن المصطفين من أهل كرمان 647- شاه بن شجاع الكرماني يكنى أبا الفوارس كان من أبناء الملوك فتزهد رضي الله عنه. أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت جدي أبا عمرو بن نجيد يقول: كان شاه بن شجاع حاد الفراسة. وقيل: ما أخطأت فراسته. وكان يقول: من غض بصره عن المحارم وأمسك نفسه عن الشهوات، وعمر باطنه بدوام المراقبة، وظاهره باتباع السنة، وعود نفسه أكل الحلال لم تخط له فراسة. ابن الحشا قال: قال شاه الكرماني: من صحبك ووافقك على ما يحب، وخالفك فيما يكره، فإنما يصحب سواه، ومن صحب هواه فهو يطلب راحة الدنيا. أبو علي الأنصاري قال: سمعت شاه بن شجاع الكرماني يقول: لأهل الفضل فضل ما لم يروه، فإذا رأوه فلا فضل لهم، ولأهل الولاية ولاية ما لم يروها، فإذا رأوها فلا ولاية لهم. صحب شاه بن شجاع أبا تراب النخشي وأبا عبيد البسري وغيرهما، ولا نعلمه أسند حديثا. وحكى السلمي عن عبد الله بن محمد الرازي قال: أظنه مات بعد سبعين ومائتين رضي الله عنه. ومن المصطفين من أهل أرجان 648- عابدة عبد ربه الخواص قال: قالت كان بأرجان امرأة فارسية تقول: يا مولاي تدبرت حكمتك في خلقك فإذا العدل منك يقصمهم، ثم رجعت بعد إلى معرفتي بسعة رحمتك. فعلمت أن عفوك يسعهم، مولاي أخرت الخاطئين فلم تعجل عليهم بالعقوبة فلقد أطمعهم حسن إنظارك لهم في حسن عفوك عن جرائم الخاطئين، وما يمنعهم من ذلك وقد تقدم إلى الأمم إحسانك قبل ذلك؟ قال وكانت تنوح على نحو هذا الكلام وتبكي -رضي الله عنها -. ومن المصطفين من أهل سجستان 649- أبو داود السجستاني واسمه سليمان بن الأشعث بن إسحاق كان من أكبر أئمة المحدثين وعلمائهم بالنقل وعلله، ولم يسبقه أحد إلى مثل تصنيفه كتاب السنن، وعرضه على أحمد بن حنبل فاستحسنه. وقال إبراهيم الحربي: ألين الحديث لأبي داود كما ألين الحديد لداود، وجمع مع علمه الورع والتقوى. أبو بكر بن راشد قال سمعت أبا داود يقول: كتبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس مائة ألف حديث وانتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب، يعني كتاب السنن، جمعت فيه أربعة ألف وثمان مائة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه وما يقاربه، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث، إحداها: قوله صلى الله عليه وسلم: "الأعمال بالنيات" 1. والثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: "من حسن إسلام المرء ترك ما لا يعنيه" 2.

قسم V02/P275–V02/P278

والثالث: قوله صلى الله عليه وسلم: " لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه" 3. والرابع: قوله صلى الله عليه وسلم: "الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات " 4 الحديث. عبيد الله بن أحمد بن يعقوب المقري قال: أخبرني محمد بن بكر بن عبد الرزاق في كتابه قال: كان لأبي داود السجستاني كم واسع وكم ضيق، فقيل له: يرحمك الله ما هذا؟ قال: الواسع للكتب والآخر لا يحتاج إليه. عن إبراهيم عن علقمة قال: كان عبد الله يشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم في هديه ودله، وكان علقمة يشبه بعبد الله. وقال جرير بن عبد الحميد: كان إبراهيم يشبه بعلقمة وكان منصور يشبه بإبراهيم. وقال غير جرير: كان سفيان يشبه بمنصور. وقال عمر بن أحمد: قال أبو علي القوهستاني: كان وكيع يشبه بسفيان. وكان أحمد بن حنبل يشبه بوكيع، وكان أبو داود يشبه بأحمد بن حنبل -رضي الله عنهم. أبو بكر بن أبي داود قال: سمعت أبي يقول: الشهوة الخفية حب الرياسة. كتب أبو داود عن العراقيين والخراسانيين والشاميين والبصريين والجزريين وغيرهم، وسمع من مسلم بن إبراهيم وسليمان بن حرب وخلق لا يحصون، وكتب عنه أحمد بن حنبل حديثا واحدا واصله من سجستان ثم سكن البصرة وقدم بغداد مرارا. وتوفي بالبصرة سنة خمس وسبعين ومائتين. من المصطفين من أهل ديبل 650- أبو عبد الله الديبلي محمد بن منصول الطوسي قال: سمعت أبا عبد الله الديبلي يقول: كلمني بعض إخواني مرة أن أشتري لعيالي دارا فاشتريت لهم دارا وكان الله تعالى قد وهب لي طي الأرض، فقص جناحي، فبعث إلي بعض إخواني: إلقنا الليلة في موضع كذا وكذا على مسافة من الأرض، فبعثت إليهم قد قص جناحي فادعوا لي فبعثوا إلي صلة من الموضع الذي انقص فرجعت فحرقت الصك فرد الله علي ما كان ذهب مني. ذكر المصطفين من عباد البحرين 651- خليفة العبدي هلال بن دارم قال: كان خليفة العبدي جارا لنا بالبحرين فكان يقوم إذا هدأت العيون فيقول: اللهم إليك قمت أبتغي ما عندك من الخيرات. ثم يعمد إلى محرابه لا يزال يصلي حتى يطلع الفجر. قال: وحدثتني عجوز كانت تكون معه في الدار قالت: كنت أسمعه يدعو في السجود يقول: هب لي إنابة إخبات وإخبات منيب وزيني في خلقك بطاعتك، وحببني لديك بحسن خدمتك، وأكرمني إذا وقد إليك المتقون فأنت خير مسؤول وخير معبود وخير مشكور وخير محمود. وقالت: كنت أسمعه إذا دعا في السحر يقول: قام البطالون وقمت معهم، قمنا إليك ونحن متعرضون لجودك، فكم من ذي جرم عظيم قد صفحت له عن جرمه، وكم من ذي كرب عظيم قد فرجت له عن كربه، وكم من ذي ضر كثير قد كشفت له عن ضره، فبعزتك ما دعانا إلى مسألتك بعد ما انطوينا عليه من معصيتك إلا الذي عرفتنا من جودك وكرمك، فأنت المؤمل لكل خير، والمرجو عند كل نائبة. بكر بن مصادر قال: قال خليفة العبدي، وكان ممن ينظر بنور الله وينطق بحكمته: أصبح الخلق على خطر من الله عظيم، وهم عن ذاك معرضون فإنا لله وإنا إليه راجعون. قال: وكان خليفة قد أخلقه الدؤوب والكلال. يحيى بن بسطام قال: قال ضيغم صلى خليفة العبدي حتى انشقت قدماه. عابدان ... 652- عابد آخر إبراهيم بن عيسى اليشكري قال: دخلت على رجل بالبحرين قد اعتزل الناس وتفرغ لنفسه فذاكرته شيئا من أمر الآخرة وذكر الموت، قال: فجعل والله يشهق حتى خرجت نفسه وأنا أنظر إليه قال: فدخل الناس عليه فقالوا: يا عبيد الله ما أردت إلى هذا؟ لعلك أن تكون ذاكرته بشيء من أمر الموت. قال: قلت أجل والله لقد كان ذلك. قال: فبكى رجل من جيرانه وقال: رحمك الله لقد خفت أن يقتلك ذكر الموت حتى والله لقد قتلك، قال: ثم جهزناه ودفناه رضي الله عنه. 653- عابد آخر

قسم V02/P278–V02/P281

قال مسمع: سمعت عابدا من أهل البحرين يقول في جوف الليل، ونحن على بعض السواحل، قرة عيني، وسرور قلبي، ما الذي أسقطني من عينك يا مانح العصم قال: ثم صرخ وبكى ثم نادى طوبى لقلوب ملأتها خشيتك واستولت عليها محبتك فمحبتك مانعة لها من كل لذة غير مناجاتك، والاجتهاد في خدمتك، وخشيتك قاطعة لها عن كل معصية خوفا لحلول سخطك، ثم بكى وقال: يا إخوتاه ابكوا على خوف فوت الآخرة حيث لا رجعة ولا حيلة. ذكر المصطفيات من عابدات البحرين 654- منيفة بنت أبي طارق مسمع بن عاصم المسمعي قال: كانت بالحبرين امرأة عابدة يقال لها منيفة، فكانت إذا هجم الليل عليها قالت: بخ بخ يا نفس قد جاء سرور المؤمن، فتتحزم وتلبس وتقوم إلى محرابها فكأنها الجذع القائم حتى تصبح؛ فإذا أصبحت وأمكنت الصلاة فإنما هي في صلاة حتى ينادى بالعصر، فإذا صلت العصر هجعت إلى غروب الشمس هذا دأبها، قيل لها: لو جعلت هذه النومة في الليل كان أهدأ لبدنك، فقالت: لا والله لا أنام في ظلمة الليل ما دمت في الدنيا. قال أبو سفيان فحدثني رجل من أهلها قال: فمكثت كذلك أربعين سنة ثم ماتت. قال أبو سفيان: فحدثني رجل من البحرين يقال له عامر بن مليك قال: رأيت منيفة بعد موتها في منامي فقلت: يا منيفة ما حال الناس هناك؟ فأقبلت علي وقالت: عن أي حالهم تسأل؟ الدار واحدة لأهل الطاعة يتعالون فيها بالأعمال، ولا تسأل عن حال أهل النار. قال: فبكيت والله من قولها لا تسأل عن حال أهل النار. ثم وليت فأتبعتني صوتا: يا عامر عليك بالجد والاجتهاد لعلك أن تجري في مساعي السابقين غدا. قال عامر: فمرضت والله من هذه الرؤيا شهرا. قال أبو سيار: وحدثني عامر بن مليك البحراني عن أمة قالت: بت ذات ليلة عند منيفة ابنة أبي طارق فما زادت على هذه الآية من أول الليل إلى آخره ترددها وتبكي وتقول: {وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم} آل عمران. 655- ماجدة القرشية المنهال بن يحيى البصري قال: حدثني إياس بن حمزة، رجل من أهل البحرين، قال: قالت امرأة من قريش يقال لها ماجدة، كانت تسكن البحرين: طوى أملي طلوع الشمس وغروبها، فما من حركة تسمع ولا من قدم توضع إلا ظننت أن الموت في أثرها. وكانت تقول: سكان دار أوذنوا بالنقلة وهم حيارى يركضون في المهلة كأن المراد غيرهم، أن التأذين ليس لهم والمعني بالأمر سواهم، آه من عقول ما أنقصها، ومن جهالة ما أتمها بؤسا لأهل المعاصي ماذا غروا به من الإمهال والاستدراج؟. وكانت تقول: بسطوا آمالهم فأضاعوا أعمالهم، ولو نصبوا الآجال وطووا الآمال خفت عليهم الأعمال. وكانت تقول: لم ينل المطيعون ما نالوا من حلول الجنان ورضا الرحمن إلا بتعب الأبدان لله والقيام لله بحقه في المنشط والمكره. وكانت تقول: كفى المؤمنين طول اهتمامهم بالمعاد شغلا. وكانت تقول: لو رأت أعين الزاهدين ثواب ما أعد الله لأهل الإعراض عن الدنيا لذابت أنفسهم شوقا إلى الموت لينالوا من ذلك ما أملوا من تفضله تعالى، رضي الله عنها. ذكر المصطفيات من عابدات البحرين المجهولات الأسماء 656- عابدة عن عبد الواحد بن زيد قال: رأيت امرأة بالبحرين تنشج على الآخرة نشيجا، كلما نشجت نشجة قلت: نفسها خارجة معها، قال: فحرصت على أن أجاريها شيئا من الخير فلم أقدر على ذلك فكان أول ما حفظت عنها وآخره أن قالت: تشاغل أيها المرء بنفسك، فوالله ما هممت قط بموعظة أعظ بها غيري إلا حال تقصيري فيما بيني وبين ذلك، ولئن كان المرء لا يعظ أحدا حتى يتعظ، لقد أمكن إبليس من نفسه يقوده حيث يشاء، والله ما أنا بحامدة لنفسي في ذلك ولود إبليس أنه قدر على ذلك من جميع الخلق كما قدر عليه مني، فلم يكن أحد يحض على طاعة الله ولكن مر أيها المرء بالبر وإن لم تستطعه، واحذر أن تنهى عن الشر وتأتيه. ومن المصطفين من أهل اليمامة:

قسم V02/P281–V02/P283

657- يحيى بن أبي كثير مولى لطيئ كان من أهل البصرة فتحول إلى اليمامة ويكنى أبا نصر. كذا قال البخاري. البخاري قال: قال موسى: سمعت وهيبا يقول: سمعت أيوب يقول: ما بقي على وجه الأرض مثل يحيى بن أبي كثير. مسدد قال: سمعت عبد الله بن يحيى بن أبي كثير قال: سمعت أبي يقول: لا يأتي العلم براحة الجسد. مسدد: ثنا عبد الله بن يحيى بن كثير قال: سمعت أبي يقول: ميراث العلم خير من الذهب، والنفس الصالحة خير من اللؤلؤ. حميد الكندي قال: سمعت يحيى بن أبي كثير يقول: تعلم الفقه صلاة، وقراءة القرآن ودراسته صلاة. الأوزاعي قال: حدثني يحيى بن أبي كثير قال: العالم من يخشى الله عز وجل. يحيى بن عبد الله قال: أنبأ يحيى بن أبي كثير قال: يقول الناس: فلان الناسك، وإنما الناسك الورع. عن أبي عمرو، عن يحيى بن أبي كثير قال: ما صلح منطق رجل إلا عرفت ذلك في سائر عمله. الوليد قال: سمعت الأوزاعي يقول: قال يحيى بن أبي كثير: إن ذكرك حسناتك ونسيانك سيئاتك غرة. عن الأوزاعي عن يحيى أنه قال له رجل: إني أحبك، قال: قد عرفت ذلك من نفسي. عامر بن يساف قال: كان يحيى بن أبي كثير حسن اللباس حسن الهيئة، ومات ولم يترك إلا ثلاثين درهما كفنوه بها. أسند يحيى عن أنس وابن أبي أوفى وغيرهما من الصحابة، وتوفي سنة تسع وعشرين ومائة. قال أبو نعيم الفضل بن دكين: وقال ابن المديني: سنة ثنتين وثلاثين ومائة. 658- عابدة من البحرين أو اليمامة عن ابن يسار يعني مسلما قال: قدمت البحرين أو اليمامة في تجارة فإذا أنا بالناس مقبلين ومدبرين نحو منزل، فقصدت إليه فإذا أما بامرأة جالسة في مصلى لها، عليها ثياب غليظة وإذا هي كئيبة محزونة قليلة الكلام، وإذا كل ما رأيت ولدها وخولها وعبيدها والناس إليها بالبياعات والتجارات. فقضيت حاجتي ثم أتيتها فودعتها فقالت: حاجتنا إليك أن تأتينا إن عدت إلينا لحاجة فتنزل بنا حاجتك. قال: فانصرفت فلبثت حينا ثم إني توجهت إلى بلدها في حاجة فلما قدمتها لم أر دون منزلها شيئا مما كنت رأيت، فأتيت منزلها فلم أر أحدا. فأتيت فاستفتحت فإذا أنا بضحك امرأة وكلامها ففتح لي فدخلت فإذا بها جالسة في بيت وإذا عليها ثياب حسنة رقيقة وإذا الضحك الذي سمعت ضحكها وكلامها، وإذا امرأة معها في بيتها فقط، فاستنكرت وقلت: لقد رأيتك على حالين فيهما عجب: حالك في قدمتي الأولى وحالك هذه! قالت: لا تعجب فإن الذي رأيت من حالي الأولى أني كنت فيما رأيت من الخير والسعة، وكنت لا أصاب بمصيبة في ولد ولا في خول ولا مال ولا أوجه في تجارة إلا سلمت، ولا يبتاع لي شيء إلا أربح فيه فتخوفت أن لا يكون لي عند الله عز وجل خير، فكنت مكتئبة لذلك، وقلت: لو كان لي عند الله خير ابتلاني. فتوالت علي المصائب في ولدي الذي رأيت، وخولي ومالي، فما بقي لي منه شيء، ورجوت أن يكون الله عز وجل قد أراد بي خيرا فابتلاني، وذكرني ففرحت لذلك وطابت نفسي. قال: فانصرفت فلقيت عبد الله بن عمر فأخبرته خبرها فقال: أرى والله هذه ما فاتها أيوب النبي صلى الله عليه وسلم إلا بقليل، لكني قد تخرق مطرفي هذا، أو كلمة نحوها، فأمرت به أن يصلح فلم يعمل كما كنت أريد فأحزنني ذلك. انتهى ذكر أهل البحرين. ذكر المصطفين من أهل الدينور 659- ممشاد الدينوري رضي الله عنه أبو بكر الرازي قال: قال ممشاد: طريق الحق بعيد والصبر مع الحق شديد. وقال: ما أقبح الغفلة عن طاعة من لا يغفل عن برك، وعن ذكر من لا يغفل عن ذكرك. وقال: صحبة أهل الصلاح تورث في القلب الصلاح، وصحبة أهل الفساد تورث فيه الفساد. صحب ممشاد يحيى الجلاء ونظراءه من المشايخ، وتوفي في سنة تسع وتسعين ومائتين رضي الله عنه. 660- أبو الحسن علي بن محمد بن سهل الصائغ الدينوري

قسم V02/P283–V02/P285

ممشاد قال: خرجت ذات يوم إلى الصحراء فبينما أنا مار إذا أنا بنسر قد فتح جناحه فتعجبت منه فاطلعت فإذا بأبي الحسن الصائغ الدينوري قائم يصلي والنسر يظله. أبو عثمان المغربي قال: لم أر فيمن رأيت من المشايخ أكثر هيبة من أبي الحسن الصائغ. أسند أبو الحسن الحديث وتوفي بمصر سنة ثلاثين وثلاث مائة. 661- أبو جعفر الدينوري رضي الله عنه أبو بكر الكتاني قال: رأيت كأن القيامة قد قامت، فأول من خرج من عند الله عز وجل أبو جعفر الدينوري وكتائبه بيمينه وهو يضحك، ثم خرج إبراهيم الخواص بعده وكتابه بيمينه وهو يدرس القرآن. ومن المصطفين من أهل همذان 662- يوسف بن أيوب الهمذاني رضي الله عنه قدم بغداد بعد الستين والأربعمائة، وتفقه على أبي إسحاق الشيرازي حتى برع في الفقه والنظر، ثم اشتغل بالتعبد فاجتمع في رباطه بمر وخلق زائد على الحد من المنقطعين إلى الله تعالى. وكان يقول: دخلت جبل زر لزيارة عبد الله الخوني فوجدت ذلك الجبل كثير المياه والشجر معمورا بالأولياء، على رأس كل عين واحد من الرجال مشتغل بالمجاهدة، فطفت عليهم ولا أعلم في ذلك الجبل حجرا لم تصبه دمعتي. ثم عاد يوسف ودخل بغداد في سنة ست وخمسمائة ووعظ بها ووقع له القبول التام، فقام إليه رجل متفقه يقال له ابن السقاء، فآذاه في مسألة فقال له: اجلس فإني أجد من كلامك رائحة الكفر ولعلك تموت على غير دين الإسلام. فاتفق بعد مدة أن ابن السقاء خرج إلى بلاد الروم وتنصر. وقام يومئذ إلى يوسف شابان فقيهان فقالا له: إن كنت تتكلم على مذهب الأشعري وإلا فلا تتكلم. فقال: اجلسا لا متعكما بشبابكما. فماتا ولم يبلغا الشيخوخة. و من المصطفين من أهل قزوين : من المصطفين من أهل قزوين والان بن عيسى، أبو مريم القزويني رضي الله عنه ... 663- والان بن عيسى، أبو مريم القزويني رضي الله عنه السري بن يحيى بعبادان، عن والان بن عيسى أبي مريم، عن رجل من أهل قزوين كان من الصالحين قال: غرني القمر ليلة فخرجت إلى المسجد فصليت لما قضى الله لي وسبحت ودعوت. فغلبتني عيناي، فرأيت جماعة أعلم أنهم ليسوا من الآدميين بأيديهم أطباق عليها أرغفة ببياض الثلج، فوق كل رغيف در أمثال الرمان، فقالوا: كل. قلت: أريد الصوم، قالوا: يأمرك صاحب هذا البيت أن تأكل. فأكلت وجعلت آخذ ذلك الدر لأحتمله فقيل لي: دعه نغرسه لك شجرا ينبت لك خيرا من هذا. فقلت: أين؟ فقيل: في دار لا تخرب، وثمر لا يتغير، وملك لا ينقطع، وثياب لا تبلى، فيها رضى وغنى وقرة العين أزواج وضيئات مرضيات راضيات، لا يغرن ولا يغرن، عليك بالانكماش فيما أنت فيه، فإنما هي غفوة حتى ترتحل فتنزل الدار. فما مكث إلا جمعتين حتى توفي. قال السري بن يحيى، فرأيته في الليلة التي توفي فيها وهو يقول لي: لا تعجب من شيء غرس لي يوم حدثتك وقد حمل. قلت: حمل بماذا؟ قال: لا تسأل بما لا يقدر على صفته أحد، لم ير مثل الكريم إذا حل به مطيع. رضي الله عنه. ذكر المصطفين من أهل أصبهان 664- محمد بن يوسف بن معدان أبو عبد الله الأصبهاني رضي الله عنه كان ابن المبارك يسميه عروس الزهاد. يحيى بن سعيد القطان قال: ما رأيت رجلا أفضل من محمد بن يوسف الأصبهاني. وسمعت ابن مهدي يقول: ما رأيت مثل محمد بن يوسف الأصبهاني. يحيى بن سعيد القطان قال: كنت إذا نظرت إلى محمد بن يوسف رأيت رجلا كأنه قد عاين الموت. قال الدورقي: وسمعت رجلا من أهل أصبهان يحدث عن عبد الرحمن بن مهدي قال: كتب أخو محمد بن يوسف إلى محمد بن يوسف يشكو إليه جور العمال، فكتب إليه: يا أخي بلغني كتابك تذكر ما أنتم فيه وإنه ليس ينبغي لمن عمل بالمعصية أن ينكر العقوبة وما أرى ما أنتم فيه إلا شؤم الذنوب. عطاء بن مسلم الحلبي قال: كان محمد بن يوسف الأصبهاني يختلف إلي عشرين سنة لم

قسم V02/P285–V02/P287

أعرفه، يجيء إلى الباب فيقول: رجل غريب يسأل حتى رأيته يوما في المسجد فقيل لي: هذا محمد بن يوسف الأصبهاني، فقلت: هذا يختلف إلي منذ عشرين سنة لم أعرفه. أبو حاتم قال: بلغني عن ابن المبارك قال: قلت لابن إدريس: أريد الثغر، فدلني على أفضل رجل به. فقال: عليك بمحمد بن يوسف الأصبهاني. فقلت فأين يسكن؟ قال: المصيصة ويأتي السواحل. فقدم عبد الله بن المبارك المصيصة فسأل عنه فلم يعرف فقال ابن المبارك: من فضلك لا تعرف. يوسف بن زكريا قال: كان محمد بن يوسف لا يشتري زاده من خباز واحد، ولا من بقال واحد، وقال: لعلهم يعرفوني فيحابوني فأكون ممن يعيش بدينه. سعيد بن عبد الغفار قال: قلت لمحمد بن يوسف: أوصني. فقال: إن استطعت أن لا يكون شيء أهم إليك من ساعتك فافعل. أيوب بن معمر قال: حدثوني بالبصرة أن محمد بن يوسف كان يأوي بالليل إلى دار امرأة. قالت: فكان يدخل بعد العشاء ثم يخرج عند طلوع الفجر فلا ينصرف إلى العشاء. قالت: وكان يدخل بيتا في الدار ويرد على نفسه الباب. قالت: فذهبت ليلة فاطلعت في البيت فرأيت عنده سراجا يزهر قالت: ولم يكن في البيت سراج قالت: ففطن محمد أنا اطلعنا عليه فخرج من الغد ولم يعد إلينا. قال عبد الرحمن بن مهدي: رأيت محمد بن يوسف في الشتاء والصيف، فلم يكن يضع جنبه. محمد بن أبي رجاء ومحمد بن قتيبة أو أحدهما: أن محمد بن يوسف خرج في جنازة بالمصيصة فنظر إلى قبر أبي إسحاق الفزاري ومخلد بن الحسين، وبينهما موضع قبر. فقال لو أن رجلا مات فدفن بينهما. قال: فما أنت عليه إلا عشرة أيام أو نحوها حتى دفن في الموضع الذي أشار إليه. أدرك محمد بن يوسف التابعين: فروى عن يونس بن عبيد الأعمش، وقد روى عن الثوري والحمادين وصالح المري وغيرهم إلا أنه لم يكد يسند حديثا إنما كان يرسل الحديث شغلا بالتعبد عن الرواية. وتوفي سنة أربع وثمانين ومائة ولم يكمل له أربعون سنة. 665- أبو إسحاق إبراهيم بن عيسى الأصبهاني كانت عبادته تشبه عبادة الملائكة: قليلة يقوم إلى قريب الفجر ثم يركع ويتمها ركعتين، وليلة يركع إلى قريب الفجر ثم يسجد ويتمها ركعتين، وليلة يسجد إلى قريب الفجر ثم يركع ويتمها ركعتين، ثم يدعو في آخر الليل لجميع الناس، ولجميع الحيوان والبهائم والوحش، ويقول: في اليهود والنصارى: اللهم اهدهم، ويقول في التجار: اللهم سلم تجاراتهم. وصحب معروفا الكرخي وتوفي سنة تسع وأربعين ومائتين. 666- أبو عبيد الله محمد بن يوسف البناء كان يفتي الناس بالأجرة فيأخذ منها دانقا لنفقته ويتصدق بالباقي، ويختم كل يوم ختمة. ولقي ستمائة شيخ، وكتب الحديث الكثير. وبلغني عن أبي علي بن شاذان قال: سمعت أبا جعفر محمد بن قتادة يقول: سمعت محمد بن يوسف يقول: كنت بمكة فكنت أدعو الله عز وجل وأقول: يا رب إما أن تدخل قلبي المعرفة أو اقبضني إليك، فلا حاجة لي في الدنيا والحياة بلا معرفة. قال: فرأيت في النوم كأن قائلا يقول: إن أردت هذا فصم شهرا ولا تكلم أحدا من الناس فيه، ثم ادخل قبة زمزم وسل الحاجة. ففعلت ذلك وختمت كل يوم ختمة. فلما انقضى الشهر على ذلك دخلت قبة زمزم ورفعت يدي ودعوت الله عز وجل، وسألته الحاجة فسمعت من البئر هاتفا يقول: يا ابن يوسف اختر أيما أحب إليك: العلم مع الغنى والدنيا أم المعرفة مع الفقر والقلب؟ فقلت: المعرفة مع الفقر والقلب. فسمعت من البئر، قد أعطيت، قد أعطيت. وكان محمد بن يوسف من المتدينين الأتقياء، توفي في سنة ست وثمانين ومائتين. 667- أبو جعفر أحمد بن مهدي بن رستم محمد بن حيان قال: كان أحمد بن مهدي ذا مال كثير نحو ثلثمائة ألف درهم، فأنفقه كله على العلم، وذكر أنه لم يعرف له فراش أربعين سنة.

قسم V02/P287–V02/P289

قال أحمد بن مهدي: جاءتني امرأة ببغداد ليلة من الليالي فذكرت أنها من بنات الناس، وأنها امتحنت بمحنة وسألك بالله أن تسترني. فقلت: وما محنتك؟ فقالت: أكرهت على نفسي، وأنا حبلى، وذكرت للناس أنك زوجي وأن ما بي من الحبل منك، فلا تفضحني، استرني سترك الله. فسكت عنها ومضت. فلم أشعر حتى وضعت وجاء إمام المحلة في جماعة الجيران يهنئوني بالولد فأظهرت لهم التهلل ووزنت في اليوم الثاني دينارين ودفعتهما إلى الإمام فقلت: أبلغ هذا إلى تلك المرأة لتنفقه على المولود فإنه سبق ما فرق بيني وبينها. فكنت أدفع كل شهر دينارين وأوصله إليها بيد الإمام وأقول: هذه نفقة المولود إلى أن أتى على ذلك سنتان ثم توفي المولود فجاءني الناس يعزوني، فكنت أظهر لهم التسليم والرضا فجاءتني المرأة ليلة من الليالي بعد شهر ومعها تلك الدنانير التي كنت أبعث بها بيد الإمام فردتها وقالت: سترك الله كما سترتني. فقلت: هذه الدنانير كانت صلة مني للمولود، وهي لك فإنك ربيته فاعملي فيها ما تريدين. أسند أبو جعفر الحديث الكثير. 668- علي بن سهل بن الأزهر أبو الحسن الأصبهاني كان من المترفين فتزهد فكان يبقى الأيام الكثيرة لا يأكل. أبو حامد أحمد بن عبد الله بن رسته وكان من أصحاب علي بن سهل، قال: قال علي بن سهل: استولى علي الشوق فألهاني عن الأكل. أبو بكر محمد بن عبد الله الطبري قال: سمعت علي بن سهل بن الأزهر يقول: المبادرة إلى الطاعات من علامات التوفيق، والتقاعد عن المخالفات من علامات حسن الرعاية، ومراعاة الأسرار من علامات التيقظ، وإظهار الدعاوى من رعونات البشرية، ومن لم تصح مبادي إرادته لا يسلم في منتهى عواقبه. أحمد بن عبد الله قال: سمعت أبي وغيره من أصحاب علي بن سهل أنه كان يقول: ليس موتي كموتكم بأعلال وأسقام، إنما هو دعاء وإجابة أدعى فأجيب، فكان كما قال: كان يوما قاعدا في جماعة فقال: لبيك ووقع ميتا. أبو جعفر الأصبهاني قال: قال علي بن سهل بن أزهر، أستاذي رحمة الله عليه: إني لا أموت كما يموت أحدكم، يمد رجلا ويرفع أخرى، إنما يصاح بي يا علي بن سهل! فأقول: لبيك. فبينا هو جالس ذات يوم قال: لبيك، وتمدد فإذا هو ميت أو كما قال. قلت: كان علي بن سهل من أحسن الناس إشارة، وكان يكاتب الجنيد فيقول الجنيد: ما أشبه كلامه بكلام الملائكة، وتوفي سنة سبع وثلاثمائة. 669- عابد أصبهاني عن عبد الواح بن زيد قال: خرجنا أنا وفرقد السبخي ومحمد بن واسع ومالك بن دينار نزور أخاص لنا بأرض فارس. فلما جاوزنا مهرمز إذا نحن برجل مجذوم متفطر قيحا ودما. فقال له بعضنا: يا هذا لو دخلت هذه المدينة فتداويت وتعالجت من بلائك هذا. فرفع طرفه إلى السماء ثم قال: إلهي أتيت بهؤلاء ليسخطوني عليك؟ لك الكرامة والعتبى بأن لا أخالفك أبدا. ذكر المصطفين من أهل الري 670- جرير بن عبد الحميد بن جرير الرازي علي بن المديني قال: كان جرير بن عبد الحميد الرازي صاحب ليل، وكان له رسن يقولون: إذا أعيا تعلق به. يريد أنه كان يصلي. سفيان بن عيينة قال: قال لي ابن شبرمة: عجبا لهذا الرازي، يعني جرير بن عبد الحميد، عرضت عليه مائة درهم في الشهر من الصدقة فقال: يأخذ المسلمون كلهم مثل هذا؟ قلت: لا. قال: فلا حاجة لي فيها. ولد جرير سنة عشر ومائة وفيها مات الحسن، ورأى أيوب السختياني وسمع من مغيرة وحسين ومنصور بن المعتمر، في خلق كثير، وتوفي سنة ثمان وثمانين ومائة. 671- المعلى بن منصور الرازي يحيى بن معين قال: كان المعلى بن منصور الرازي يوما يصلي فوقع على رأسه كور الزنابير فما التفت ولا انفتل حتى أتم صلاته فنظروا فإذا رأسه قد صار هكذا من شدة الانتفاخ. 772- أبو إسحاق الدولابي

قسم V02/P289–V02/P291

صاحب كرامات، محمد بن منصور الطوسي قال: جئت مرة إلى معروف الكرخي فعض أنامله وقال: هاه لو لحقت أبا إسحاق الدولابي، كان هنا الساعة يسلم علي فذهبت أقوم فقال لي: اجلس لعله قد بلغ منزله بالري. 673- أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد الرازي كان من كبار الحفاظ وسادات أهل التقوى. عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي يقول: ما جاوز الجسر أحفظ من أبي زرعة. أبو عبد الله محمد بن مسلم بن واره يقول: كنت عند إسحاق بن إبراهيم، فقال رجل من أهل العراق: سمعت أحمد بن حنبل يقول: صح من الحديث سبعمائة ألف حديث وكسر، وهذا الفتى - يعني أبا زرعة - قد حفظ ستمائة ألف. محمد بن إسحاق الصاغاني قال في حديث ذكره من حديث الكوفة فقال: هذا أفادنيه أبو زرعة. فقال له بعض من حضر: يا أبا بكر أبو زرعة من أولئك الحفاظ الذين رأيتهم، وذكر جماعة من الحفاظ منهم الفلاس. فقال: أبو زرعة أعلاهم لأنه جمع الحفظ مع التقوى والورع، وهو يشبه بأحمد بن حنبل. أبو العباس محمد بن جعفر بن حمدويه الرازي قال: سئل أبو زرعة الرازي عن رجل حلف بالطلاق أن أبا زرعة يحفظ مائتي ألف حديث هل حنث؟ فقال: لا. ثم قال أبو زرعة: أحفظ مائتي ألف حديث كما يحفظ الإنسان {قل هو الله أحد} الإخلاص: 1 وفي المذاكرة ثلاثمائة ألف. أحمد بن سعيد الدارمي قال: صلى أبو زرعة الرازي في مسجده عشرين سنة بعد قدومه من السفر، كان يوم من الأيام قدم عليه قوم من أصحاب الحديث، فنظروا فإذا في محرابه كتابة، قالوا له: كيف تقول في الكتابة والمحاريب؟ فقال: قد كرهه قوم ممن مضى. قالوا له: هو ذا في محرابك كتابة أو ما علمت به؟ قال: سبحان الله، رجل يدخل على الله تعالى ويدري ما بين يديه. أبو جعفر التستري قال: حضرنا أبا زرعة وكان في السوق، وعنده أبو حاتم ومحمد بن مسلم والمنذر بن شاذان وجماعة من العلماء، فذكروا حديث التلقين، وقوله عليه السلام: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله" 1 فاستحيوا من أبي زرعة وهابوا أن يلقنوه، فقالوا: تعالوا نذكر الحديث فقال محمد بن مسلم أنبأ الضحاك بن مخلد عن عبد الحميد بن جعفر بن صالح ولم يجاوز، والباقون سكتوا، فقال أبو زرعة وهو في السوق: ثنا بندار قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عبد الحميد بن جعفر، عن صالح بن أبي غريب، عن كثير بن مرة الحضرمي، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله " وتوفي رحمه الله"2. أسند أبو زرعة عن خلاد بن يحيى، وأبي نعيم، وقبيص، وخلق كثير، وجالس أحمد بن حنبل وذاكره. وكان أحمد إذا ذاكره يترك الشغل ويشتغل بمذاكرته. وتوفي بالري آخر يوم نمن ذي الحجة سنة أربع وستين ومائتين، وكان مولده سنة مائتين. أحمد بن محمد، أبو العباس المرادي قال: رأيت أبا زرعة في المنام فقلت يا أبا زرعة ما فعل الله بك؟ فقال: لقيت ربي عز وجل فقال لي: يا أبا زرعة إني أوتي بالطفل فآمر به إلى الجنة فكيف بمن حفظ السنن على عبادي؟ تبوأ من الجنة حيث شئت. 674- يحيى بن معاذ بن جعفر الرازي يكنى أبا زكريا. نزيل الري، ثم انتقل إلى نيسابور فسكنها وبها مات وكانوا ثلاثة أخوة: إسماعيل ويحيى وإبراهيم، فإسماعيل أكبرهم سنا، ويحيى أوسطهم، وإبراهيم أصغرهم، وكانوا كلهم زهادا. محمد بن محمود السمرقندي قال: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول: الكلام الحسن حسن، وأحسن من الحسن معناه وأحسن من معناه استعماله وأحسن من استعماله ثوابه، وأحسن من ثوابه رضا من يعمل له. قال: وسمعت يحيى يقول: إلهي حجتي حاجتي وعدتي فاقتي، وسيلتي إليك نعمتك علي، وشفيعي إليك إحسانك إلي. طاهر بن إسماعيل قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول: الذي حجب الناس عن التوبة طول الأمل، وعلامة التائب إسبال الدمعة، وحب الخلوة، والمحاسبة للنفس عند كل همة.

قسم V02/P291–V02/P293

عن أبي عمران قال: سمعت يحيى بن معاذ يدعو: اللهم لا تجعلنا ممن يدعو إليك بالأبدان ويهرب منك بالقلوب، يا أكرم الأشياء علينا لا تجعلنا أهون الأشياء عليك. الحسن بن علويه يقول: سمعت يحيى بن معاذ يقول: عمل كالسراب، وقلب من التقوى خراب، وذنوب بعدد الرمل والتراب، ثم تطمع في الكواعب الأتراب؟ هيهات، أنت سكران بغير شراب، ما أكملك لو بادرت أملك، ما أجلك لو بادرت أجلك، ما أقواك لو خالفت هواك. محمد بن إسماعيل بن موسى قال: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول: كيف أمتنع بالذنب من الدعاء ولا أراك تمتنع بذنبي من العطاء؟ أبو بكر بن طاهر قال: كان ليحيى بن معاذ أخ يقال له إسماعيل، وكان أكبر منه، فقال رجل: مع من يريد أن يعيش أخوك يحيى وقد هجر الخلق؟ قال: فذكر ذلك ليحيى فقال له يحيى: ألا قلت له: مع من هجرهم فيه؟ الحسن بن علويه الدامغاني قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول: ذنب أفتقر به إليه أحب إلي من طاعة أفتخر بها عليه. عبد الله بن سهل قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول: ليكن حظ المؤمن منك ثلاثا: إن لم تنفعه فلا تضره، وإن لم تفرحه فلا تغمه، وإن لم تمدحه فلا تذمه. الحسن بن علويه قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول: على قناطر الفتن جاوزوا إلى خزائن المنن. وسمعته يقول: إلهي كيف أفرح وقد عصيتك؟ وكيف لا أفرح وقد عرفتك؟ وكيف أدعوك وأنا خاطئ؟ وكيف لا أدعوك وأنت كريم؟ جامع بن أحمد قال: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول: ليكن بيتك الخلوة وطعامك الجوع، وحديثك المناجاة فإما أن تموت بدائك أو تصل إلى دوائك. مكحول بن الفضل النسفي قال: قال يحيى بن معاذ: مصيبتان لم يسمع الأولون والآخرون بمثلهما: في ماله عند موته. قيل ما هما؟ قال يؤخذ منه كله ويسأل عنه كله. عبد الله بن سهل قال: قال يحيى بن معاذ الكيس من عمال الله يلهج بتقويم الفرائض والجاهل يعني بطلب الفضائل وتقويم الأعمال في تصحيح العزائم. الحسن بن علويه قال: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول: هلم يا ابن آدم إلى دخول جوار الله تعالى بلا عمل ولا نصب ولا عناء، أنت بين ما مضى من عمرك وما بقي، فالذي مضى تصلحه بالتوبة والندم وليس شيئا عملته بالأركان فإذا أنت إنما هو أمر نويته وتمتنع فيما بقي من الذنوب وامتناعك إنما هو شيء نويته وليس شيئا عملته بالأركان فإذا أنت نجوت بغير عمل مع القيام بالفرائض وهذا ليس بعمل وهو أكبر الأعمال لأنه عمل القلب والجزاء لا يكون إلا على عمل القلب. الحسن بن علويه قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول: دواء القلب خمسة أشياء، قراءة القرآن بالتفكر، وخلاء البطن وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين. وسمعته يقول: إذا كنت لا ترضى عن الله كيف تسأله الرضا عنك؟ الحسن بن علي بن يحيى قال: قال يحيى بن معاذ: لولا أن العفو من أحب الأشياء إليه ما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه. عبد الله بن سهل الرازي قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول: كم من مستغفر ممقوت وساكت مرحوم. ثم قال يحيى: هذا أستغفر الله وقلبه فاجر، وهذا سكت وقلبه ذاكر. أحمد بن عبد الجبال المالكي قال: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول: حقيقة المحبة أنها لا تزيد بالبر ولا تنقص بالجفاء. السري بن سهل قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول: الناس ثلاثة: رجل شغله معاده عن معاشه، ورجل شغله معاشه عن معاده ورجل مشتغل بهما جميعا، فالأولى درجة الفائزين، والثانية درجة الهالكين، والثالثة درجة المخاطرين. الحسن بن علويه قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول: ليس بعارف من لم يكن غاية أمله من ربه العفو. عبد الله بن صالح قال: قال يحيى بن معاذ: الزاهدون غرباء الدنيا والعارفون غرباء الآخرة.

قسم V02/P293–V02/P295

محمد بن الحسين بن المعلى البلخي قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول: يا بن آدم طلبت الدنيا طلب من لا بد له منها، وطلبت الآخرة طلب من لا حاجة له إليها، والدنيا قد كفيتها وإن لم تطلبها، والآخرة بالطلب منك تنالها فاعقل شأنك. عبد الله بن سهل الرازي قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول: مفاوز الدنيا تقطع بالأقدام، ومفاوز الآخرة تقطع بالقلوب - وسمعته يقول: يا ابن آدم لا يزال دينك متمزقا ما دام قلبك بحب الدنيا متعلقا. وسمعته يقول: وقيل له من أي شيء دوام غمك؟ قال: من شيء واحد قيل: ما هو؟ قال: خلقني ولا أدري لم خلقني. وسمعته يقول: لا يفلح من شممت منه رائحة الرياسة. وسمعته يقول: من سعادة المرء أن يكون خصمه فهما وخصمي لا فهم له. قيل له: ومن خصمك؟ قال: نفسي تبيع الجنة بما فيها من النعيم المقيم بشهوة ساعة. وسمعته يقول: للتائب فخر لا يعادله فخر، فرح الله بتوبته. أبو العباس بن حكمويه الرازي قال: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول: لا تستبطئ الإجابة إذا دعوت وقد سددت طرقاتها بالذنوب. وسمعته يقول: إلهي إن كانت ذنوبي عظمت في جنب نهيك فإنها قد صغرت في جنب عفوك. وسمعته يقول: لو سمع الخلق صوت النياحة على الدنيا في الغيب من ألسنة الفناء لتساقطت القلوب منهم حزنا، ولو رأت العقول بعيون الإيمان نزهة الجنة لذابت النفوس شوقا، ولو أدركت القلوب كنه المحبة لخالقها لانخلعت مفاصلها ولها، ولطارت الأرواح إليه من أبدانها دهشا، سبحان من أغفل الخليقة عن كنه هذه الأشياء، وألهاهم بالوصف عن حقائق هذه الأنباء. الحسن بن علي قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول: الليل طويل فلا تقصره بمنامك، والنهار نقي فلا تدنسه بآثامك. عبد الله بن سهل قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول: حفت الجنة بالمكاره وأنت تكرهها، وحفت النار بالشهوات وأنت تطلبها، فما أنت إلا كالمريض الشديد الداء، إن صبر نفسه على مضض الدواء اكتسب بالصبر عافية وإن جزعت نفسه مما يلقى طالت به علة الضنا. عبد الله بن محمد بن وهب قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول: ألا إن العاقل المصيب من عمل ثلاثا: ترك الدنيا قبل أن تتركه، وبنى قبره قبل أن يدخله، وأرضى ربه قبل أن يلقاه. وسمعته يقول: الدنيا خراب، وأخرب منها قلب من يعمرها، والآخرة دار عمران، وأعمر منها قلب من يطلبها. وسمعته يقول: أخوك من عرفك العيوب، وصديقك من حذرك من الذنوب. وسمعته يقول: عجبت ممن يحزن على نقصان ماله كيف لا يحزن على نقصان عمره؟. وسمعته يقول: على قدر خوفك من الله يهابك الخلق، وعلى قدر حبك لله يحبك الخلق، وعلى قدر شغلك بالله يشتغل الخلق بأمرك. محمد بن محمود السمرقندي قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول: إن قال لي يوم القيامة: عبدي، ما غرك بي؟ قلت: إلهي برك بي. وسمعته يقول، وسئل: أرنا عارفان قال: وأين أنتم فأريكم؟ عجبا لقوم عموا عن العرفاء يطلبون الخلفاء. وسمعته يقول: استسلم القوم عندما فهموا. وسمعته يقول: من قوة اليقين ترك ما يرى لما لا يرى. وسمعته يقول: أيها المريدون إن اضطررتم إلى طلب الدنيا فاطلبوها ولا تحبوها، وأشغلوا بها أبدانكم وعلقوا بغيرها قلوبكم، فإنها دار ممر وليست بدار مقر، الزاد منها والمقيل في غيرها. وسمعته يقول: رضي الله عن قوم فغفر لهم السيئات، وغضب على قوم فلم يقبل منهم الحسنات. وسمعته يقول: يا ابن آدم، ما لك تأسف على مفقود لا يرده عليك الفوت؟ وما لك تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت؟ وسمعته يقول: التوحيد في كلمة واحدة، ما تصور في الأوهام فهو بخلافه. وسمعته يقول: طاعة لا حاجة بي إليها لا تمنعني مغفرة لا غناء بي عنها. وسمعته يقول: هو ألقاهم في الذنب يوم سمى نفسه العفو الغفور. وسمعته يقول: ذنب أفتقر به إليه أحب إلي من عمل أدل به عليه. وسمعته يقول: إلهي كيف لا أرجوك تغفر لي ذنبا رجاؤك ألقاني فيه؟ وسمعته يقول: إن الحكيم يشبع من ثمار فيه.

قسم V02/P295–V02/P297

وسمعته يقول: كيف أحب نفسي وقد عصتك؟ وكيف لا أحبها وقد عرفتك؟ وسمعته يقول: إن وضع علينا عدله لم تبق لنا حسنة، وإن أتى فضله لم تبق لنا سيئة. وسمعته يقول: إن غفرت فخير راحم، وإن عذبت فغير ظالم. وسمعته يقول: إلهي ضيعت بالذنب نفسي، فارددها بالعفو علي. وسمعته يقول: إلهي ارحمني لقدرتك علي أو لحاجتي إليك. وسمعته يقول: مسكين من علمه حجيجه ولسانه، وفهمه القاطع لعذره. وسمعته يقول: ذنوب مزدحمة على عاقبة مبهمة. ثم قال: إلهي سلامة إن لم تكن كرامة. وسمعته يقول: وسئل ما العبادة؟ فقال: حرفة حانوتها الخلوة وربحها الجنة. وسمعته يقول: ما من رباني في الطريق ينعمه، وأشار لي في الورود إلى كرمه معرفتي بك دليلي عليك، وحبي لك شفيعي إليك. وسمعته يقولك ما من أعطانا خير ما في خزائنه الإيمان به قبل السؤال، لا تمنعنا عفوك مع السؤال. وسمعته يقول: إلهي إن إبليس لك عدو وهو لنا عدو، وإنك لا تغيظه بشيء هو أنكأ له من عفوك، فاعف عنا يا أرحم الراحمين. وسمعته يقول: يا من يغضب على من لا يسأله، لا تمنع من قد سألك. وسمعته يقول: لا تقع للمؤمن سيئة إلا وهو خائف أن يؤخذ بها، والخوف حسنة فيرجو أن يعفى عنها والرجاء حسنة. وسمعته يقولك إلهي لا تنس لي دلالتي عليك وإشارتي بالربوبية إليك، رفعت إليك يدا بالذنوب مغلولة، وعينا بالرجاء مكحولة، فاقبلني لأنك ملك لطيف، وارحمني لأني عبد ضعيف. وسمعته يقول: هذا سروري بك خائفا، فكيف سروري بك آمنا؟ هذا سروري بك في المجالس فكيف سروري بك في تلك المجالس، هذا سروري بك في دار الفناء فكيف يكون سروري بك في دار البقاء؟ عبد الله بن سهل قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول: من أحب زينة الدنيا والآخرة فلينظر في العلم ومن أحب أن يعرف الزهد فلينظر في الحكمة، ومن أحب أن يعرف مكارم الأخلاق فلينظر في فنون الآداب، ومن أحب أن يستوثق من أسباب المعاش فليستكثر من الإخوان، ومن أحب أن لا يؤذي فلا يؤذين، ومن أحب رفعة الدنيا والآخرة فعليه بالتقوى. وسمعته يقول: من خان الله عز وجل في السر هتك سره في العلانية. أبو محمد الإسكاف قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول: لست آمركم بترك الدنيا، آمركم بترك الذنوب - ترك الدنيا فضيلة وترك الذنوب فريضة، وأنتم إلى إقامة الفريضة أحوج منكم إلى الحسنات والفضائل. الحسن بن علويه يقول: سمعت يحبى بن معاذ يقول: لا تكن ممن يفضحه يوم موته ميراثه، ويوم حشره ميزانه. الحسن بن علويه قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول: الدنيا خمر الشيطان، من سكر منها لا يفيق إلا في عسكر الموتى نادما بين الخاسرين. محمد بن محمود السمرقندي قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول، وقال له بعض الملحدين: أخبرني عن الله ما هو؟ قال: إله واحد. قال كيف هو؟ قال: ملك قادر. قال: أين هو؟ قال: بالمرصاد. قال ليس عن هذا سألتك. قال يحيى: فذاك إذا صفة المخلوقين، وأما صفة الخالق فما أخبرتك به. سمع يحيى بن معاذ من إسحاق بن إبراهيم الرازي ومكي بن إبراهيم البلخي وعلي بن محمد الطنافسي، وتوفي بنيسابور سنة ثمان وخمسين ومائتين والسلام. 675- إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل الخواص يكنى أبا إسحاق. أصله من سر من رأى، لكنه أقام بالري ومات بها. جعفر بن محمد الخلدي في كتابه قال: سمعت إبراهيم الخواص يقول: سلكت البادية إلى مكة سبعة عشر طريقا فيها طريق من ذهب، وطريق من فضة. أبو مسلم السقاء قال: سمعت بعض أصحابنا يحكي عن إبراهيم الخواص أنه قال: كان

قسم V02/P297–V02/P298

لي وقت فترة، فكنت أخرج كل يوم إلى شط نهر كبير كان حواليه الخوص، وكنت أقطع شيئا من ذلك وأسفه قفافا وأطرحه في ذلك النهر فأتسلى بذلك وكأني كنت مطالبا به، فجرى وقتي على ذلك أياما كثيرة فتفكرت يوما وقلت: أمضي خلف ما أطرحه من الماء من القفاف لأنظر أين تذهب فمضيت على شاطئ النهر ساعات ولم أعمل ذلك اليوم فإذا عجوز قاعدة على شط النهر تبكي، قلت: ما لك تبكين؟ فقالت: لي خمسة من الأيتام مات أبوهم فأصابني الفقر والشدة فأتيت يوما هذا الموضع فجاء على رأس الماء قفاف من الخوص فأخذتها وبعتها وأنفقت عليهم، وأتيت اليوم الثاني والثالث والقفاف تجيء على رأس الماء فكنت آخذها وأبيعها، واليوم ما جاءت. قال إبراهيم: فرفعت يدي إلى السماء وقلت: اللهم لو علمت أن لي خمسة من العيال لزدت في العمل. وقلت للعجوز: لا تغتمي فإني الذي كنت أعمل ذلك. فمضيت معها فكانت فقيرة فقمت بأمرها وبأمر عيالها سنين. أو كما قال. محمد بن زياد المقيم بكلواذي وكان قد بكى حتى ذهبت عيناه. قال: سألت إبراهيم الخواص عن أعجب ما رآه في البادية فقال: كنت ليلة من الليالي في البادية فنمت على حجر فإذا أنا بشيطان قد جاء وقال: قم من ها هنا. فقلت: اذهب. فقال: إني أرفسك فتهلك. فقلت: افعل ما شئت. فرفسني فوقعت رجله علي كأنها خرقة، فقال: أنت ولي الله، من أنت؟ قلت: أنا إبراهيم الخواص. قال: صدقت. ثم قال: يا إبراهيم معي حلال وحرام، فأما الحلال فرمان من الجبل المباح، وأما الحرام فحيتان، مررت على صيادين وهما يصطادان فتخاونا فأخذت الخيانة فكل أنت الحلال ودع الحرام. حامد الأسود قال: كنت مع إبراهيم الخواص في سفر فدخلنا إلى بعض الغياض فلما أدركنا الليل إذا بالسباع قد أحاطت بنا فجزعت لرؤيتها وصعدت إلى شجرة، ثم نظرت إلى إبراهيم وقد استلقى على قفاه فأقبلت السباع تلحسه من قرنه إلى قدميه، وهو لا يتحرك. ثم أصبحنا وخرجنا إلى منزل آخر وبتنا في مسجد فرأيت بقة وقعت على وجه إبراهيم فلسعته، فقال: أخ. فقلت: يا أبا إسحاق أي شيء هذا التأوه؟ أين أنت من البارحة؟ فقال: ذاك حال كنت فيه بالله، وهذا حال أنا فيه بنفسي. علي بن محمد الحلواني قال: كان إبراهيم الخواص جالسا في مسجد الري وعنده جماعة إذ سمع ملاهي من الجيران، فاضطرب من ذلك من كان في المسجد وقالوا: يا أبا إسحاق ما ترى؟ فخرج إبراهيم من المسجد نحو الدار التي فيها المنكر فلما بلغ طرف الزقاق إذا كلب رابض فلما قرب منه إبراهيم نبح عليه وقام في وجهه. فرجع إبراهيم إلى المسجد وتفكر ساعة ثم قام مبادرا وخرج فمر على الكلب فبصبص الكلب له فلما قرب من باب الدار خرج إليه شاب حسن الوجه وقال: أيها الشيخ لم انزعجت؟ كنت وجهت ببعض من عندك فأبلغ كل ما تريد، وعلي عهد الله وميثاقه لا شربت أبدا وكسر الجميع ما كان عنده من الشراب وآلته وصحب أهل الخير ولزم العبادة، ورجع إبراهيم إلى مسجده فلما جلس سئل عن خروجه في أول مرة ورجوعه، ثم خروجه في الثانية وما كان من أمر الكلب، فقال: نعم، إنما نبح علي الكلب لفساد كان قد دخل علي في عقد بيني وبين الله لم أنتبه له في الوقت، فلما رجعت إلى الموضع ذكرته فاستغفرت الله عز وجل منه. ثم خرجت الثانية فكان ما رأيتم، وهكذا كل من خرج لإزالة منكر فتحرك عليه شيء من المخلوقات فلفساد عقد بينه وبين الله عز وجل، فإذا وقع الأمر على الصحة لم يتحرك عليه شيء. أبو بكر بن محمد بن عبد الله الأنصاري قال: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن أحمد الخواص يقول: من لم يصبر لم يظفر، وإن لإبليس وثاقين ما أوثق بنو آدم بأوثق منهما: خوف الفخر والطمع. الأزدي قال: سمعت إبراهيم الخواص يقول: دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين.

قسم V02/P298–V02/P301

وقال: على قدر إعزاز المرء لأمر الله يلبسه الله من عزه، ويقيم له العز في قلوب المؤمنين. جعفر بن محمد الخلدي قال: سمعت إبراهيم الخواص يقول: من لم تبك الدنيا عليه لم تضحك الآخرة إليه. خير النساج قال: سمعت إبراهيم الخواص وقد رجع من سفره، وكان غاب عني سنين، فقلت له: ما الذي أصابك في سفرك؟ فقال: عطشت عطشا شديدا حتى سقطت من شدة العطش فإذا أنا بماء قد رش على وجهي فلما أحسست ببرده فتحت عيني فإذا برجل حسن الوجه والزي، وعليه ثياب خضر، على فرس أشهب فسقاني حتى رويت، ثم قال: ارتدف خلفي وكنت بالحاجر. فلما كان بعد ساعة قال: أي شيء ترى؟ قلت: المدينة. فقال انزل واقرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم مني السلام وقل: أخوك الخضر يسلم عليك، وقد رويت لنا هذه الحكاية من طريق آخر وفيها: قل له: رضوان يقرأ عليك السلام كثيرا. عمر بن سفيان المنبجي قال: اجتاز بنا إبراهيم الخواص فقلت له: حدثني بأعجب ما رأيت في أسفارك. قال: لقيني الخضر فسألني الصحبة فخشيت أن يفسد علي سر توكلي بسكوني إليه، ففارقته. محمد بن عبد الله الرازي قال: مرض إبراهيم الخواص بالري في مسجد الجامع وكان به علة القيام. وكان إذا قام يدخل الماء ويغتسل ويعود إلى المسجد فيركع ركعتين. فدخل مرة ليغتسل فخرجت روحه وتوفي وسط الماء. قلت: كان الخواص من أقران الجنيد والثوري، وصحب أبا عبد الله المغربي، ولا نعرف له مسندا. وتوفي في جامع الري إحدى وتسعين ومائتين، ويقال سنة أربع وثمانين، وتولى أمره في غسله ودفنه يوسف بن الحسين الرازي. 676- يوسف بن الحسين الرازي يكنى أبا يعقوب. محمد بن موسى الرازي قال: سمعت بن الحسين يقول: علم القوم أن الله يراهم، واستحيوا من نظره أن يراعوا شيئا سواه. وقال: يتولد الإعجاب بالعمل من نسيان رؤية المنة. فارس البغدادي قال: سمعت يوسف بن الحسين يقول: على قدر خوفك من الله يهابك الخلق، وعلى قدر حبك لله عز وجل يحبك الخلق، وعلى قدر شغلك بأمر الله يشغل الخلق بأمرك. قال أبو الحسن علي بن إبراهيم البغدادي: سمعت أبا عبد الله الخناقاباذي يقول: حضرنا يوسف بن الحسين الرازي وهو يجود بنفسه، فقيل له: يا أبا يعقوب قل شيئا. فقال: اللهم إني نصحت خلقك ظاهرا وغششت نفسي باطنا، فهب لي غشي لنفسي لنصحي لخلقك. ثم خرجت روحه. أبو الحسن علي إبراهيم الرازي قال: حكى لي أبو خلف الوزان عن يوسف بن الحسين أنه رئي في المنام فقيل له: ماذا فعل الله بك؟ قال: غفر لي ورحمني. فقيل: بماذا؟ قال: بكلمة أو كلمات قلتها عند الموت: قلت: اللهم إني نصحت الناس قولا وخنت نفسي فعلا فهب خيانة فعلي لنصح قولي. سمع يوسف بن الحسين من أحمد بن حنبل وذي النون وغيرهما وتوفي سنة أربع وثلثمائة. 677- أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الحيري ولد بالري، إلا أنه خرج إلى نيسابور مع شيخه شاه بن شجاع يزوران أبا حفص النيسابوري فزوجه أبو حفص ابنته وتوطن نيسابور ومات بها. أبو عمرو بن نجيد قال: كنت أختلف إلى أبي عثمان مدة في وقت شبابي، وكنت قد حظيت عنده. فقضي من القضاء أني اشتغلت بشيء مما يشتغل به الفتيان، فنقل ذلك إلى أبي عثمان وانقطعت عنه بعد ذلك. وكنت إذا رأيته في الطريق اختفيت فدخلت يوما سكة من السكك فخرج علي أبو عثمان من عطفة فلم أجد عنه محيصا، فتقدمت إليه وأنا دهش متشور. فقال لي: يا أبا عمرو لا تثقن بمودة من لا يحبك إلا معصوما. محمد بن حمدويه الحافظ قال: سمعت أمي تقول: سمعت مريم امرأة أبي عثمان تقول: كنا نؤخر اللعب والضحك والحديث إلى أن يدخل أبو عثمان في ورده من الصلاة فإنه كان إذا دخل الخلوة لم يحس بشيء من الحديث وغيره.

قسم V02/P301–V02/P303

محمد بن نعيم الضبي قال: سمعت أمي تقول: سمعت مريم امرأة أبي عثمان تقول: صادفت من أبي عثمان خلوة فاغتنمتها فقلت: يا أبا عثمان أي عملك أرجى عندك؟ فقال: يا مريم لما ترعرت وأنا بالري كانوا يريدونني على التزويج فأمتنع، فجاءتني امرأة فقالت: يا أبا عثمان قد أحببتك حبا أذهب نومي وقراري، وأنا أسألك بمقلب القلوب وأتسول به إليك أن تتزوج بي. قلت: ألك والد؟ قالت: نعم، فلان الخياط في موضع كذا وكذا فراسلت أباها أن يزوجها مني ففرح بذلك وأحضرت الشهود فتزوجتها. فلما دخلت بها وجدتها عوراء عرجاء شوهاء الخلق. فقلت: اللهم لك الحمد على ما قدرته لي. وكان أهل بيتي يلومونني على ذلك وأزيدها برا وإكراما إلى أن صارت بحيث لا تدعني أخرج من عندها. فتركت حضور المجالس إيثارا لرضاها وحفظا لقلبها. ثم بقيت معها على هذه الحال خمس عشرة سنة وكأني في بعض أوقاتي على الجمر وأنا لا أبدي لها شيئا من ذلك، إلى أن ماتت فما شيء أرجى عندي من حفظي عليها ما كان في قلبها من جهتي. أبو عمرو بن حمدان قال: سمعت أبا عثمان الحيري يقول: من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه نطق بالبدعة لقوله تعالى: {وإن تطيعوه تهتدوا} النور: 54. قال ابن حمدان: وقرأت بخط أبي: سمعت أبا عثمان يقول: الخوف من الله يوصلك إليه، والعجب يقطعك عنه، واحتقار الناس في نفسك مرض لا يداوى. وقال أبو عثمان: حق لمن أعزه الله بالمعرفة أن لا يذل نفسه بالمعصية. أبو الحسين الوراق قال: سمعت أبا عثمان يقول، وقد سئل عن الصحبة، فقال: الصحبة مع الله عز وجل بحسن الأدب ودوام الهيبة والمراقبة، والصحبة مع الرسول صلى الله عليه وسلم باتباع سنته، ولزوم ظاهر الحكم، والصحبة مع أولياء الله بالاحترام والخدمة، والصحبة مع الأهل والولد بحسن الخلق، والصحبة مع الإخوان بدوام البشر والانبساط ما لم يكن إثما، والصحبة مع الجهال بالدعاء لهم والرحمة عليهم ورؤية نعمة الله عليك إذ عافاك مما ابتلاهم به. محمد بن أحمد بن يوسف قال: سمعت أبا عثمان يقول: الذكر الكثير أن تذكر في ذكرك أنك لا تصل إلى ذكره إلا به وبفضله. عبد الكريم بن هوران قال: سمعت أبا عثمان السلمي يقول: سمعت عبد الله بن محمد الشيرازي يقول: سمعت أبا عثمان يقول: منذ اربعين سنة ما أقامني الله تعالى في حال فكرهته، ولا نقلني إلى غيره فسخطته. أبو عمرو بن مطر قال: حضرت مجلس أبي عثمان الخيري فخرج ثم قعد على موضعه الذي كان يقعد فيه للتذكير، فسكت حتى طال سكوته فناداه رجل: ترى أن تقول في سكوتك شيئا؟ فأنشا يقول: وغير تقي بأمر الناس بالتقى طبيب يداوي والطبيب مريض فارتفعت الأصوات بالبكاء والضجيج. عبد الله الرازي قال: لما تغيرت الحال على عثمان وقت وفاته، مزق ابنه أبو بكر قميصا كان عليه ففتح أبو عثمان عينه وقال: يا بني خلاف السنة في الظاهر من رياء في باطن القلب الباطن. أسند أبو عثمان عن حمدون القصار، وتوفي يوم الثلاثاء لعشر بقين من ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين ومائتين. انتهى ذكر أهل الري. ومن عباد دامغان 678- فاطمة بنت عمران كانت كثيرة الاجتهاد. الحسن بن علي قال: قدم علينا أبو محمد الرملي فلقي فاطمة فقال هذه زاهدة وقتها وكانت مستجابة الدعوة مقيمة على تعهد الفقراء إلى أن ماتت. ذكر المصطفين من أهل بسطام 679- أبو يزيد البسطامي واسمه طيفور بن عيسى بن سروشان - وكان سروشان مجوسيا فأسلم وكان لعيسى ثلاثة أولاد: أبو يزيد وهو أوسطهم، وآدم، وهو أكبرهم، وعلي وهو أصغرهم، وكانوا كلهم عبادا زهادا. إبراهيم الهروي قال: سمعت أبا يزيد البسطامي يقول: غلطت في ابتدائي في أربعة أشياء: توهمت أني أذكره، وأعرفه، وأحبه، وأطلبه. فلما انتهيت رأيت ذكره سبق ذكري، ومعرفته تقدمت معرفتي، وطلبه لي أولا حتى طلبته.

قسم V02/P303–V02/P305

قال منصور وسمعت أبا عمران موسى بن عيسى يقول: سمعت أبي يقول: قال أبو يزيد عملت في المجاهدة ثلاثين سنة فما وجدت شيئا أشد علي من العلم ومتابعته، ولولا اختلاف العلماء لتعبت، واختلاف العلماء رحمة إلا في تجريد التوحيد. وقال أبو يزيد: لا يعرف نفسه من صحبته شهوته. إبراهيم الهروي قال: سمعت أبا يزيد البسطامي، وسئل ما علامة العارف؟ قال: أن لا يفتر من ذكره، ولا يمل من حقه، ولا يستأنس بغيره. وقال: إن الله أمر العباد ونهاهم فأطاعوا فخلع من خلعه فاشتغلوا بالخلع عنه، وإني لا أريد من الله إلا الله. وقال منصور: وسمعت موسى بن عيسى يقول: سمعت عمي يقول: سمعت أبا يزيد يقول: لو صفت لي تهليلة ما بليت بعدها بشيء. إبراهيم الهروي قال: سمعت أبا يزيد يقول: هذا فلاحي بك وأنا أخافك فكيف فرحي بك إذ أمنتك؟. وسئل بما نالوا المعرفة؟ قال: بتضييع مالهم والوقوف مع ما له. وقال: اطلع الله على قلوب أوليائه، فمنهم من لم يكن يصلح لحمل المعرفة صرفا، فأشغلهم بالعبادة. العباس بن حمزة قال: صليت خلف أبي يزيد البسطامي الظهر، فلما أراد أن يرفع يديه ليكبر لم يقدر إجلالا لاسم الله، وارتعدت فرائصه حتى كنت أسمع تقعقع عظامه، فهالني ذلك. عن أبي موسى عن أبي يزيد البسطامي قال: ليس العجب من حبي لك وأنا عبد فقير؛ بل إنما العجب من حبك لي وأنت ملك قدير. قال: وقال أبو يزيد: لم أزل ثلاثين سنة كلما أردت أن أذكر الله أتمضمض وأغسل لساني إجلالا لله أن أذكره. قال: وقال أبو يزيد: إن في الطاعات من الآفات ما لا يحتاجون إلى أن يطلبوا في المعاصي. قال: وقال أبو يزيد: ما دام العبد يظن أن في الخلق من هو شر منه فهو متكبر. قال: وقال أبو يزيد أشد المحجوبين عن الله ثلاثة بثلاثة، أولهم: الزاهد بزهده، والثاني: العابد بعبادته، والثالث: العالم بعلمه. ثم قال: مسكين الزاهد، لو علم أن الله عز وجل سمى الدنيا كلها قليلا فكم ملك من الدنيا؟ وفي كم زهد مما ملك؟ وأما العابد فلو رأى منه الله عليه في العبادة عرف عبادته في المنة، وأما العالم فلو علم أن جميع ما أبدى الله عز وجل من العلم سطر واحد من اللوح المحفوظ فكم علم هذا العالم من ذلك السطر؟ وكم عمل مما علم؟. قال: سمعت أبا يزيد يقول: ما ذكروه إلا بالغفلة ولا خدموه إلا بالفترة. وقال: أكثر الناس إشارة إليه أبعدهم منه. وسأله رجل: من أصحب؟ فقال: من لا تحتاج أن تكتمه شيئا مما علمه الله منك. قال عبيد بن عبد القاهر: قال أبو يزيد، غبت عن الله عز وجل ثلاثين سنة وكانت غيبتي عنه ذكري إياه، فلما خنست عنه وجدته في كل حال: فقال له رجل: ما لك لا تسافر؟ قال: لأن صاحبي لا يسافر، وأنا معه مقيم. فقال السائل: إن الماء القائم قد كره الوضوء منه. فقال أبو يزيد: لم يروا بماء البحر بأسا، هو الطهور ماؤه الحل ميتته. ثم قال: قد ترى الأنهار تجري لها دوي وخرير حتى إذا دنت من البحر وامتزجت به سكن خريرها وحدتها ولم يحس بها ماء البحر، ولا ظهرت فيه زيادة، ولا إن خرجت منه استبان فيه. قاسم الحداد قال: خرج أبو يزيد البسطامي في بعض سياحته فوقف على دجلة فالتقى به الشيطان فحول وجهه ثم قال: وعزتك إنك تعلم أني ما عبدتك قط لهذا، فلا تحجبني به عنك. عبد الصمت بن محمد عن أبي يزيد أنه صعد ليلة سور بسطام فلم يزل يدور على السور إلى وقت طلوع الفجر، يريد أن يقول لا إله إلا الله فيغلبه ما يريد عليه من هيبة الاسم فلا يستطيع أن يطلق بها لسانه، فلما كان وقت طلوع الفجر نزل فبال الدم. الحسن بن علويه قال: قال أبو يزيد: قعدت ليلة في محرابي فمددت رجلي فهتف بي هافت من يجالس الملوك فينبغي أن يجالسهم بحسن الأدب.