Qur'an&Sunnah

İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn

قسم V02/P140–V02/P143

قوله : ولا يعول على نية أي لا يعتمد على نيته وعزمه ويثق بها فإن نيته وعزمه بيد الله تعالى لا بيده وهي إلى الله لا إليه فلتكن ثقته بمن هي في يده حقا لا بمن هي جارية عليه حكما فصل قال : الدرجة الثانية : معاينة الاضطرار فلا يرى عملا منجيا ولا ذنبا مهلكا ولا سببا حاملا أي يعاين فقره وفاقته وضرورته التامة إلى الله بحيث إنه يرى في كل ذرة من ذراته الباطنة والظاهرة ضرورة وفاقة تامة إلى الله فنجاته إنما هي بالله لا بعمله وأما قوله : ولا ذنبا مهلكا فإن أراد به : أن هلاكه بالله لا بسبب ذنوبه : فباطل معاذ الله من ذلك وإن أراد به : أن فضل الله وسعته ومغفرته ورحمته ومشاهدة شدة ضرورته وفاقته إليه : يوجب له أن لا يرى ذنبا مهلكا فإن افتقاره وفاقته وضرورته تمنعه من الهلاك بذنوبه بل تمنعه من اقتحام الذنوب المهلكة إذ صاحب هذا المقام لا يصر على ذنوب تهلكه وهذا حاله فهذا حق وهو من مشاهد أهل المعرفة وقوله : ولا سببا حاملا أي يشهد : أن الحامل له هو الحق تعالى لا الأسباب التي يقوم بها فإنه وإياها محمولان بالله وحده فصل قال : الدرجة الثالثة : شهود انفراد الحق بملك الحركة والسكون والقبض والبسط ومعرفته بتصريف التفرقة والجمع هذه الدرجة تتعلق بشهود وصف الله تبارك وتعالى وشأنه والتي قبلها تتعلق بشهود حال العبد ووصفه أي يشهد حركات العالم وسكونه صادرة عن الحق تعالى في كل متحرك وساكن فيشهد تعلق الحركة باسمه الباسط وتعلق السكون باسمه القابض فيشهد تفرده سبحانه بالبسط والقبض وأما معرفته بتصريف التفرقة والجمع فأن يكون المشاهد عارفا بمواضع التفرقة والجمع والمراد بالتفرقة : نظر الاعتبار ونسبة الأفعال إلى الخلق والمراد بالجمع : شهود الأفعال منسوبة إلى موجدها الحق تعالى وقد يريدون بالتفرقة والجمع : معنى وراء هذا الشهود وهو حال التفرقة والجمع فحال التفرقة : تفرق القلب في أودية الإرادات وشعابها وحال الجمع : جمعيته على مراد الحق وحده فالأول : علم التفرقة والجمع والثاني : حالهما والله أعلم فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الثقة بالله تعالى قال صاحب المنازل : الثقة : سواد عين التوكل ونقطة دائرة التفويض وسويداء قلب التسليم وصدر الباب بقوله تعالى لأم موسى : فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني [ القصص : 7 ] فإن فعلها هذا هو عين ثقتها بالله تعالى إذ لولا كمال ثقتها بربها لما ألقت بولدها وفلذة كبدها في تيار الماء تتلاعب به أمواجه وجرياته إلى حيث ينتهى أو يقف ومراده : أن الثقة خلاصة التوكل ولبه كما أن سواد العين : أشرف ما في العين وأشار بأنه نقطة دائرة التفويض إلى أن مدار التوكل عليه وهو في وسطه كحال النقطة من الدائرة فإن النقطة هي المركز الذي عليه استدارة المحيط ونسبة جهات المحيط إليها نسبة واحدة وكل جزء من أجزاء المحيط مقابل لها كذلك الثقة هي النقطة التي يدور عليها التفويض وكذلك قوله : سويداء قلب التسليم فإن القلب أشرف ما فيه سويداؤه وهي المهجة التي تكون بها الحياة وهي في وسطه فلو كان التفويض قلبا لكانت الثقة سويداءه ولو كان عينا لكانت سوادها ولو كان دائرة لكانت نقطتها وقد تقدم أن كثيرا من الناس يفسر التوكل بالثقة ويجعله حقيقتها ومنهم من يفسره بالتفويض ومنهم من يفسره بالتسليم فعلمت : أن مقام التوكل يجمع ذلك كله فكأن الثقة عند الشيخ هي روح و التوكل كالبدن الحامل لها ونسبتها إلى التوكل كنسبة الإحسان إلى الإيمان والله أعلم فصل قال : وهي على ثلاث درجات الدرجة الأولى : درجة الإياس وهو إياس البعد عن مقاومات الأحكام ليقعد عن منازعة الأقسام ليتخلص من قحة الإقدام

قسم V02/P143–V02/P145

يعني أن الواثق بالله لاعتقاده : أن الله تعالى إذا حكم بحكم وقضى أمرا فلا مرد لقضائه ولا معقب لحكمه فمن حكم الله له بحكم وقسم له بنصيب من الرزق أو الطاعة أو الحال أو العلم أو غيره : فلا بد من حصوله له ومن لم يقسم له ذلك : فلا سبيل له إليه ألبتة كما لا سبيل له إلى الطيران إلى السماء وحمل الجبال فبهذا القدر يقعد عن منازعة الأقسام فما كان له منها فسوف يأتيه على ضعفه وما لم يكن له منها فلن يناله بقوته والفرق بين قوله : مقاومة الأحكام و : منازعة الأقسام أن مقاومة الأحكام : أن تتعلق إرادته بعين ما في حكم الله وقضائه فإذا تعلقت إرادته بذلك جاذب الخلق الأقسام ونازعهم فيها وقوله : يتخلص من قحة الإقدام أي يتخلص بالثقة بالله من هذه القحة والجرأة على إقدامه على ما لم يحكم له به ولا قسم له والله سبحانه أعلم فصل قال : الدرجة الثانية : درجة الأمن وهو أمن العبد من فوت المقدور وانتقاض المسطور فيظفر بروح الرضى وإلا فبعين اليقين وإلا فبلطف الصبر يقول : من حصل له الإياس المذكور حصل له الأمن وذلك أن من تحقق بمعرفة الله وأن ما قضاه الله فلا مرد له ألبتة : أمن من فوت نصيبه الذي قسمه الله له وأمن أيضا من نقصان ما كتبه الله له وسطره في الكتاب المسطور فيظفر بروح الرضى أي براحته ولذته ونعيمه لأن صاحب الرضى في راحة ولذة وسرور كما في حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي قال : إن الله بعدله وقسطه جعل الروح والفرح في اليقين والرضى وجعل الهم والحزن في الشك والسخط فإن لم يقدر العبد على روح الرضى ظفر بعين اليقين وهو قوة الإيمان ومباشرته للقلب بحيث لا يبقى بينه وبين العيان إلا كشف الحجاب المانع من مكافحة البصر فإن لم يحصل له هذا المقام حصل على لطف الصبر وما فيه من حسن العاقبة كما في الأثر المعروف : إن استطعت أن تعمل لله بالرضى مع اليقين فافعل فإن لم تستطع فإن في الصبر ما تكره النفس خيرا كثيرا فصل قال : الدرجة الثالثة : معاينة أزلية الحق ليتخلص من محن القصود وتكاليف الحمايات والتعريج على مدارج الوسائل قوله : معاينة أزلية الحق أي متى شهد قلبه تفرد الرب سبحانه وتعالى بالأزلية غاب بها عن الطلب لتيقنه فراغ الرب تعالى من المقادير وسبق الأزل بها وثبوت حكمها هناك فيتخلص من المحن التي تعرض له دون القصود ويتخلص أيضا من تعريجه والتفاته وحبس مطيته على طرق الأسباب التي يتوسل بها إلى المطالب وهذا ليس على إطلاقه فإن مدارج الوسائل قسمان : وسائل موصلة إلى عين الرضى فالتعريج على مدارجها معرفة وعملا وحالا وإيثارا هو محض العبودية ولكن لا يجعل تعريجه كله على مدارجها بحيث ينسى بها الغاية التي هي وسائل إليها وأما تخلصه من تكاليف الحمايات فهو تخلصه من طلب ما حماه الله تعالى عنه قدرا فلا يتكلف طلبه وقد حمي عنه ووجه آخر : وهو أن يتخلص بمشاهدة سبق الأزلية من تكاليف احترازاته وشدة احتمائه من المكاره لعلمه بسبق الأزل بما كتب له منها فلا فائدة في تكلف الاحتماء نعم يحتمي مما نهى عنه وما لا ينفعه في طريقه ولا يعينه على الوصول فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة التسليم وهي نوعان : تسليم لحكمه الديني الأمري وتسليم لحكمه الكوني القدري فأما الأول : فهو تسليم المؤمنين العارفين قال تعالى : فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما [ النساء : 65 ] فهذه ثلاث مراتب : التحكيم وسعة الصدر بانتفاء الحرج والتسليم

قسم V02/P145–V02/P148

وأما التسليم للحكم الكونى : فمزلة أقدام ومضلة أفهام حير الأنام وأوقع الخصام وهي مسألة الرضى بالقضاء وقد تقدم الكلام عليها بما فيه كفاية وبينا أن التسليم للقضاء يحمد إذا لم يؤمر العبد بمنازعته ودفعه ولم يقدر على ذلك كالمصائب التي لا قدرة له على دفعها وأما الأحكام التي أمر بدفعها : فلا يجوز له التسليم إليها بل العبودية : مدافعتها بأحكام أخر أحب إلى الله منها فصل قال صاحب المنازل : وفي التسليم والثقة والتفويض : ما في التوكل من العلل وهو من أعلى درجات سبل العامة يعني أن العلل التي في التوكل من معاني الدعوى ونسبته الشيء إلى نفسه أولا حيث زعم أنه وكل ربه فيه وتوكل عليه فيه وجعله وكيله القائم عنه بمصالحه التي كان يحصلها لنفسه بالأسباب والتصرفات وغير ذلك من العلل المتقدمة وقد عرفت ما في ذلك وليس في التسليم إلا علة واحدة : وهي أن لا يكون تسليمه صادرا عن محض الرضى والاختيار بل يشوبه كره وانقباض فيسلم على نوع إغماض فهذه علة التسليم المؤثرة فاجتهد في الخلاص منها وإنما كان للعامة عنده لأن الخاصة في شغل عنه باستغراقهم بالفناء في عين الجمع وجعل الفناء غاية الاستغراق في عين الجمع : هو الذى أوجب ما أوجب والله المستعان قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : تسليم ما يزاحم العقول مما سبق على الأوهام من الغيب والإذعان لما يغالب القياس من سير الدول والقسم والإجابة لما يفزع المريد من ركوب الأحوال اعلم أن التسليم هو الخلاص من شبهة تعارض الخبر أو شهوة تعارض الأمر أو إرادة تعارض الإخلاص أو اعتراض يعارض القدر والشرع وصاحب هذا التخلص : هو صاحب القلب السليم الذي لا ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله به فإن التسليم ضد المنازعة والمنازعة : إما بشبهة فاسدة تعارض الإيمان بالخبر عما وصف الله به نفسه من صفاته وأفعاله وما أخبر به عن اليوم الآخر وغير ذلك فالتسليم له : ترك منازعته بشبهات المتكلمين الباطلة وإما بشهوة تعارض أمر الله عز وجل فالتسليم للأمر : بالتخلص منها أو إرادة تعارض مراد الله من عبده فتعارضه إرادة تتعلق بمراد العبد من الرب فالتسليم : بالتخلص منها أو اعتراض يعارض حكمته في خلقه وأمره بأن يظن أن مقتضى الحكمة خلاف ما شرع وخلاف ما قضى وقدر فالتسليم : التخلص من هذه المنازعات كلها وبهذا يتبين أنه من أجل مقامات الإيمان وأعلى طرق الخاصة وأن التسليم هو محض الصديقية التي هي بعد درجة النبوة وأن أكمل الناس تسليما أكملهم صديقية فلنرجع إلى شرح كلام الشيخ فأما قوله : تسليم ما يزاحم العقول مما سبق على الأوهام فيعني : أن التسليم يقتضي ما ينهى عنه العقل ويزاحمه فإنه يقتضي التجريد عن الأسباب والعقل يأمر بها فصاحب التسليم يسلم إلى الله عز وجل ما هو غيب عن العبد فإن فعله سبحانه وتعالى لا يتوقف على هذه الأسباب التي ينهى العقل عن التجرد عنها فإذا سلم لله لم يلتفت إلى السبب في كل ما غاب عنه فالأوهام يسبق عليها أن ما غاب عنها من الحكم لا يحصل إلا بالأسباب والتسليميقتضي التجرد عنها والعقل ينهى عن ذلك والوهم قد سبق عليه أن الغيب موقوف عليها فههنا أمور ستة : عقل ومزاحم له ووهم وسائق إليه وغيب وتسليم لهذا المزاحم فالعقل هو الباعث له على الأسباب الداعي له إليها التي إذا خرج الرجل عنها عد خروجه قدحا في عقله والمزاحم له : التجرد عنها بكمال التسليم إلى من بيده أزمة الأمور : مواردها ومصادرها والوهم : اعتقاده توقف حصول السعادة والنجاة وحصول المقدور كائنا ما كان عليها وأنه لولاها لما حصل المقدور وهذا هو السائق إلى الوهم والغيب : هو الحكم الذي غاب عنه وهو فعل الله

قسم V02/P148–V02/P150

والتسليم : تسليم هذا المزاحم إلى نفس الحكم مع أن في تنزيل عبارته على هذا المعنى وإفراغ هذا المعنى في قوالب ألفاظه نظرا وفيه وجه آخر : وهو أن يكون المراد : التسليم لما يبدو للعبد من معاني الغيب مما يزاحم معقوله في بادي الرأي لما يسبق إلى وهمه : أن الأمر بخلافه فيسبق على الأوهام من الغيب الذي أخبرت به شيء يزاحم معقولها فتقع المنازعة بين حكم العقل وحكم الوهم فإن كثيرا من الغيب قد يزاحم العقل بعض المزاحمة ويسبق إلى الوهم خلافه فالتسليم : تسليم هذا المزاحم إلى وليه ومن هو أخبر به والتجرد عما يسبق إلى الوهم مما يخالفه وهذا أولى المعنيين بكلامه إن شاء الله فالأول : تسليم منازعات الأسباب لتجريد التوحيد العملي القصدي الإرادي وهذا تجريد منازعات الأوهام المخالفة للخبر لتجريد التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي وهذا حقيقة التسليم قوله : والإذعان لما يغالب القياس من سير الدول والقسم أي الانقياد لما يقاوي عقله وقياسه مما جرى به حكم الله في الدول قديما وحديثا : من طي دولة ونشر دولة وإعزاز هذه وإذلال هذه والقسم التي قسمها على خلقه مع شدة تفاوتها وتباين مقاديرها وكيفياتها وأجناسها فيذعن لحكمة الله في كل ذلك ولا يعترض على ما وقع منها بشبهة وقياس ويحتمل أن يكون مراده ب الدول و القسم الأحوال التي تتداول على السالك ويختلف سيرها و القسم التي نالته من الله : ما كان قياس سعيه واجتهاده أن يحصل له أكثر منها فيذعن لما غالب قياسه منها ويسلم للقاسم المعطي بحكمته وعدله فإن من عباده من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغناه لأفسده ذلك ومنهم من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقره لأفسده ذلك ومنهم من لايصلحه إلا المرض ولو أصحه لأفسده ذلك ومنهم من لا يصلحه إلا الصحة ولو أمرضه لأفسده ذلك وقوله : والإجابة لما يفزع المريد من ركوب الأحوال يقول : إن صاحب هذه الدرجة من قوة التسليم يهجم على الأمور المفزعة ولا يلتفت إليها ولا يخاف معها من ركوب الأحوال واقتحام الأهوال لأن قوة تسليمه تحميه من خطرها فلا ينبغي له أن يخاف فإنه في حصن التسليم ومنعته وحمايته والله سبحانه وتعالى الموفق بحوله وقوته فصل قال : الدرجة الثانية : تسليم العلم إلى الحال والقصد إلى الكشف والرسم إلى الحقيقة أما تسليم العلم إلى الحال فليس المراد منه : تحكيم الحال على العلم حاشا الشيخ من ذلك وإنما أراد : الانتقال من الوقوف عند صور العلم الظاهرة إلى معانيها وحقائقها الباطنة وثمراتها المقصودة منها مثل الانتقال من محض التقليد والخبر إلى العيان واليقين حتى كأنه يرى ويشاهد ما أخبر به الرسول كما قال تعالى : ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق [ سبأ : 6 ] وقال تعالى : أفمن يعلم أن ما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى [ الرعد : 19 ] وينتقل من الحجاب إلى الكشف فينتقل من العلم إلى اليقين ومن اليقين إلى عين اليقين ومن علم الإيمان إلى ذوق طعم الإيمان ووجدان حلاوته فإن هذا قدر زائد على مجرد علمه ومن علم التوكل إلى حاله وأشباه ذلك فيسلم العلم الصحيح إلى الحال الصحيح فإن سلطان الحال أقوى من سلطان العلم فإذا كان الحال مخالفا للعلم فهو ملك ظالم فليخرج عليه بسيف العلم وليحكمه فيه وأما تسليم القصد إلى الكشف فليس معناه : أن يترك القصد عن معاينة الكشف فإنه متى ترك القصد خلع ربقة العبودية من عنقه ولكن يجعل قصده سائرا طالبا لكشفه يؤمه فإذا وصل إليه سلمه إليه وصار الحكم للكشف إذ القصد آلة ووسيلة إليه فإن كان كشفا صحيحا مطابقا للحق في نفسه : كشف له عن آفات القصد ومفسداته ومصححاته وعيوبه فأقبل على تصحيحه بنور الكشف لا أن صاحب القصد ترك القصد لأجل الكشف فهذا سير أهل الإلحاد الناكبين عن سبيل الحق والرشاد

قسم V02/P150–V02/P152

وأما ترك الرسم إلى الحقيقة فإنه يشير به إلى الفناء فإن من جملة تسليم صاحب الفناء : تسليم ذاته ليفنى في شهود الحقيقة فإن ذات العبد هى رسم والرسم تفنيه الحقيقة كما يفني النور الظلمة لأن عند أصحاب الفناء : أن الحق سبحانه لا يراه سواه ولا يشاهده غيره لا بمعنى الاتحاد ولكن بمعنى : أنه لا يشاهده العبد حتى يفنى عن إنيته ورسمه وجميع عوالمه فيفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل هذا كإجماع من الطائفة بل هو إجماع منهم قال : الدرجة الثالثة : تسليم ما دون الحق إلى الحق مع السلامة من رؤية التسليم بمعاينة تسليم الحق إياك إليه هذه الدرجة تكملة الدرجة التي قبلها فإن التسليم في التي قبلها بداية لها وهي واسطة بين الدرجة الأولى والثالثة فالأولى : بداية والثانية : وسط والثالثة : نهاية قوله : تسليم ما دون الحق إلى الحق يريد به : اضمحلال رسوم الخلق في شهود الحقيقة وكل ما دون الحق رسوم فإذا سلم رسمه الخاص إلى ربه : حصل له حقيقة الفناء وهذا التسليم نوعان أحدهما : تسليم رسمه الخاص به والثاني : تسليم رسوم الكائنات ورؤية تلاشيها واضمحلالها في عين الحقيقة وهذا علم ومعرفة والأول حال قوله : والسلامة من رؤية التسليم أي ينسلب أيضا من رسم رؤية التسليم فإن الرؤية أيضا رسم من جملة الرسوم فما دام مستصحبا لها : لم يسلم التسليم التام وقد بقيت عليه بقية من منازعات رسمه ثم عرف كيفية هذا التسليم فقال : بمعاينة تسليم الحق إياك إليه أي ينكشف لك حين تسلم ما دون الحق إلى الحق أن الحق تعالى هو الذي سلم إلى نفسه ما دونه فالحق تعالى هو الذى سلمك إليه فهو المسلم وهو المسلم إليه وأنت آلة التسليم فمن شهد هذا المشهد : وجد ذاته مسلمة إلى الحق وما سلمها إلى الحق غير الحق فقد سلم العبد من دعوى التسليم والله أعلم فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الصبر قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى الصبر في القرآن في نحو تسعين موضعا وهو واجب بإجماع الأمة وهو نصف الإيمان فإن الإيمان نصفان : نصف صبر ونصف شكر وهو مذكور في القرآن على ستة عشر نوعا الأول : الأمر به نحو قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة [ البقره : 153 ] وقوله : واستعينوا بالصبر والصلاة [ البقره : 45 ] وقوله : اصبروا وصابروا [ آل عمران : 20 ] وقوله : واصبر وما صبرك إلا بالله [ النحل : 127 ] الثاني : النهي عن ضده كقوله : فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم [ الأحقاف : 35 ] وقوله : ولا تولوهم الأدبار [ الأنفال : 15 ] فإن تولية الأدبار : ترك للصبر والمصابرة وقوله : ولا تبطلوا أعمالكم 0 [ محمد : 33 ] فإن إبطالها ترك الصبر على إتمامها وقوله : فلا تهنوا ولا تحزنوا [ آل عمران : 139 ] فإن الوهن من عدم الصبر الثالث : الثناء على أهله كقوله تعالى : الصابرين والصادقين الآية [ آل عمران : 17 ] وقوله : والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون [ البقره : 177 ] وهو كثير في القرآن الرابع : إيجابه سبحانه محبته لهم كقوله : والله يحب الصابرين [ آل عمران : 146 ] الخامس : إيجاب معيته لهم وهي معية خاصة تتضمن حفظهم ونصرهم وتأييدهم ليست معية عامة وهي معية العلم والإحاطة كقوله : واصبروا إن الله مع الصابرين [ الأنفال : 46 ] وقوله : والله مع الصابرين [ البقره : 249 الأنفال : 69 ] السادس : إخباره بأن الصبر خير لأصحابه كقوله : ولئن صبرتم لهو خير للصابرين [ النحل : 126 ] وقوله : وأن تصبروا خير لكم [ النساء : 25 ]

قسم V02/P152–V02/P154

السابع : إيجاب الجزاء لهم بأحسن أعمالهم كقوله تعالى : ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون [ النحل : 96 ] الثامن : إيجابه سبحانه الجزاء لهم بغير حساب كقوله تعالى : إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب [ الزمر : 10 ] التاسع : إطلاق البشرى لأهل الصبر كقوله تعالى : ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين [ البقره : 155 ] العاشر : ضمان النصر والمدد لهم كقوله تعالى : بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين [ آل عمران : 125 ] ومنه قول النبي : واعلم أن النصر مع الصبر الحادى عشر : الإخبار منه تعالى بأن أهل الصبر هم أهل العزائم كقوله تعالى : ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور [ الشورى : 43 ] الثاني عشر : الإخبار أنه ما يلقى الأعمال الصالحة وجزاءها والحظوظ العظيمة إلا أهل الصبر كقوله تعالى : ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون [ القصص : 80 ] وقوله : وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم [ فصلت : 35 ] الثالث عشر : الإخبار أنه إنما ينتفع بالآيات والعبر أهل الصبر كقوله تعالى لموسى : أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور [ إبراهيم : 5 ] وقوله في أهل سبأ : فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور [ سبأ : 19 ] وقوله في سورة الشورى : ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور [ الشورى : 3233 ] الرابع عشر : الإخبار بأن الفوز المطلوب المحبوب والنجاة من المكروه المرهوب ودخول الجنة إنما نالوه بالصبر كقوله تعالى : والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار [ الرعد : 2324 ] الخامس عشر : أنه يورث صاحبه درجة الإمامة سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول : بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين ثم تلا قوله تعالى : وجعلناهمأئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانو بآياتنا يوقنون [ السجده : 24 ] السادس عشر : اقترانه بمقامات الإسلام والإيمان كما قرنه الله سبحانه باليقين وبالإيمان وبالتقوى والتوكل وبالشكر والعمل الصالح والرحمة ولهذا كان الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ولا إيمان لمن لا صبر له كما أنه لا جسد لمن لا رأس له وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : خير عيش أدركناه بالصبر وأخبر النبي في الحديث الصحيح : أنه ضياء وقال : من يتصبر يصبره الله وفي الحديث الصحيح : عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له وقال للمرأة السوداء التي كانت تصرع فسألته : أن يدعو لها : إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله أن يعافيك فقالت : إني أتكشف فادع الله : أن لا أتكشف فدعا لها وأمر الأنصار رضي الله تعالى عنهم بأن يصبروا على الأثرة التي يلقونها بعده حتى يلقوه على الحوض وأمر عند ملاقاة العدو بالصبر وأمر بالصبر عند المصيبة وأخبر : أنه إنما يكون عند الصدمة الأولى وأمر المصاب بأنفع الأمور له وهو الصبر والاحتساب فإن ذلك يخفف مصيبته ويوفر أجره والجزع والتسخط والتشكى يزيد في المصيبة ويذهب الأجر وأخبر أن الصبر خير كله فقال : ما أعطي أحد عطاء خيرا له وأوسع : من الصبر فصل و الصبر في اللغة : الحبس والكف ومنه : قتل فلان صبرا

قسم V02/P154–V02/P157

إذا أمسك وحبس ومنه قوله تعالى : واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه [ الكهف : 28 ] أي احبس نفسك معهم فالصبر : حبس النفس عن الجزع والتسخط وحبس اللسان عن الشكوى وحبس الجوارح عن التشويش وهو ثلاثة أنواع : صبر على طاعة الله وصبر عن معصية الله وصبر على امتحان الله فالأولان : صبر على ما يتعلق بالكسب والثالث : صبر على ما لا كسب للعبد فيه وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول : كان صبر يوسف عن مطاوعة امرأة العزيز على شأنها : أكمل من صبره على إلقاء إخوته له في الجب وبيعه وتفريقهم بينه وبين أبيه فإن هذه أمور جرت عليه بغير اختياره لا كسب له فيها ليس للعبد فيها حيلة غير الصبر وأما صبره عن المعصية : فصبر اختيار ورضى ومحاربة للنفس ولا سيما مع الأسباب التي تقوى معها دواعي الموافقة فإنه كان شابا وداعية الشباب إليها قوية وعزبا ليس له ما يعوضه ويرد شهوته وغريبا والغريب لا يستحي في بلد غربته مما يستحي منه من بين أصحابه ومعارفه وأهله ومملوكا والمملوك أيضا ليس وازعه كوازع الحر والمرأة جميلة وذات منصب وهي سيدته وقد غاب الرقيب وهي الداعية له إلى نفسها والحريصة على ذلك أشد الحرص ومع ذلك توعدته إن لم يفعل : بالسجن والصغار ومع هذه الدواعي كلها : صبر اختيارا وإيثارا لما عند الله وأين هذا من صبره في الجب على ما ليس من كسبه وكان يقول : الصبر على أداء الطاعات : أكمل من الصبر على اجتناب المحرمات وأفضل فإن مصلحة فعل الطاعة : أحب إلى الشارع من مصلحة ترك المعصية ومفسدة عدم الطاعة : أبغض إليه وأكره من مفسدة وجود المعصية وله رحمه الله فى ذلك مصنف قرره فيه بنحو من عشرين وجهاليس هذا موضع ذكرها والمقصود : الكلام على الصبر وحقيقته ودرجاته ومرتبته والله الموفق فصل وهو على ثلاثة أنواع : صبر بالله وصبر لله وصبر مع الله فالأول : أول الاستعانة به ورؤيته أنه هو المصبر وأن صبر العبد بربه لا بنفسه كما قال تعالى : واصبر وما صبرك إلا بالله [ النحل : 127 ] يعني إن لم يصبرك هو لم تصبر والثاني : الصبر لله وهو أن يكون الباعث له على الصبر محبة الله وإرادة وجهه والتقرب إليه لا لإظهار قوة النفس والاستحماد إلى الخلق وغير ذلك من الأعراض والثالث : الصبر مع الله وهو دوران العبد مع مراد الله الديني منه ومع أحكامه الدينية صابرا نفسه معها سائرا بسيرها مقيما بإقامتها يتوجه معها أين توجهت ركائبها وينزل معها أين استقلت مضاربها فهذا معنى كونه صابرا مع الله أي قد جعل نفسه وقفا على أوامره ومحابه وهو أشد أنواع الصبر وأصعبها وهو صبر الصديقين قال الجنيد : المسير من الدنيا إلى الآخرة سهل هين على المؤمن وهجران الخلق في جنب الله شديد والمسير من النفس إلى الله صعب شديد والصبر مع الله أشد وسئل عن الصبر فقال : تجرع المرارة من غير تعبس قال ذو النون المصري الصبر التباعد من المخالفات والسكون عند تجرع غصص البلية وإظهار الغنى مع حلول الفقر بساحات المعيشة وقيل : الصبر الوقوف مع البلاء بحسن الأدب وقيل : هو الفناء في البلوى بلا ظهور ولا شكوى وقيل : تعويد النفس الهجوم على المكاره وقيل : المقام مع البلاء بحسن الصحبة كالمقام مع العافية وقال عمرو بن عثمان : هو الثبات مع الله وتلقي بلائه بالرحب والدعة وقال الخواص : هو الثبات على أحكام الكتاب والسنة وقال يحيى بن معاذ : صبر المحبين أشد من صبر الزاهدين واعجبا كيف يصبرون وأنشد : الصبر يجمل في المواطن كلها إلا عليك فإنه لا يجمل وقيل : الصبر هو الاستعانة بالله وقيل : هو ترك الشكوى وقيل : الصبر مثل اسمه مر مذاقته لكن عواقبه أحلى من العسل

قسم V02/P157–V02/P159

وقيل : الصبر أن ترضى بتلف نفسك في رضى من تحبه كما قيل : سأصبر كي ترضى وأتلف حسرة وحسبي أن ترضي ويتلفني صبري وقيل : مراتب الصابرين خمسة : صابر ومصطبر ومتصبر وصبور وصبار فالصابر : أعمها والمصطبر : المكتسب الصبر المليء به والمتصبر : المتكلف حامل نفسه عليه والصبور : العظيم الصبر الذي صبره أشد من صبر غيره والصبار : الكثير الصبر فهذا فى القدر والكم والذي قبله في الوصف والكيف وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : الصبر مطية لا تكبو وقف رجل على الشبلي فقال : أي صبر أشد على الصابرين فقال : الصبر في الله قال السائل : لا فقال : الصبر لله فقال : لا فقال : الصبر مع الله فقال : لا قال الشبلي : فإيش هو قال : الصبر عن الله فصرخ الشبلي صرخة كادت روحه تتلف وقال الجريري : الصبر أن لا يفرق بين حال النعمة وحال المحبة مع سكون الخاطر فيهما والتصبر : هو السكون مع البلاء مع وجدان أثقال أثقال المحنة قال أبو علي الدقاق : فاز الصابرون بعز الدارين لأنهم نالوا من الله معيته فإن الله مع الصابرين وقيل في قوله تعالى : اصبروا وصابروا ورابطوا [ آل عمران : 200 ] إنه انتقال من الأدنى إلى الأعلى ف الصبر دون المصابرة و المصابرة دون المرابطة و المرابطة مفاعلة من الربط وهو الشد وسمى المرابط مرابطا : لأن المرابطين يربطون خيولهم ينتظرون الفزع ثم قيل لكل منتظر قد ربط نفسه لطاعة ينتظرها : مرابط ومنه قول النبي : ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط وقال رباط يوم فى سبيل الله : خير من الدنيا وما فيها وقيل : اصبروا بنفوسكم على طاعة الله وصابروا بقلوبكم على البلوي في الله ورابطوا بأسراركم على الشوق إلى الله وقيل : اصبروا في الله وصابروا بالله ورابطوا مع الله وقيل : اصبروا على النعماء وصابروا على البأساء والضراء ورابطوا في دار الأعداء واتقوا إله الأرض والسماء لعلكم تفلحون في دار البقاء فالصبر مع نفسك و المصابرة بينك وبين عدوك و المرابطة الثبات وإعداد العدة وكما أن الرباط لزوم الثغر لئلا يهجم منه العدو فكذلك الرباط أيضا لزوم ثغر القلب لئلا يهجم عليه الشيطان فيملكه أو يخربه أو يشعثه وقيل : تجرع الصبر فإن قتلك قتلك شهيدا وإن أحياك أحياك عزيزا وقيل : الصبر لله غناء وبالله تعالى بقاء وفي الله بلاء ومع الله وفاء وعن الله جفاء والصبر على الطلب عنوان الظفر وفي المحن عنوان الفرج وقيل : حال العبد مع الله رباطه وما دون الله أعداؤه وفي كتاب الأدب للبخارى سئل رسول الله عن الإيمان فقال : الصبر والسماحة ذكره عن موسى بن اسماعيل قال : حدثنا سويد قال : حدثنا عبدالله بن عبيد بن عمير عن أبيه عن جده فذكره وهذا من أجمع الكلام وأعظمه برهانا وأوعبه لمقامات الإيمان من أولها إلى آخرها فإن النفس يراد منها شيئان : بذل ما أمرت به وإعطاؤه فالحامل عليه : السماحة وترك ما نهيت عنه والبعد منه فالحامل عليه : الصبر وقد أمر الله سبحانه وتعالى في كتابه بالصبر الجميل والصفح الجميل والهجر الجميل فسمعت شيخ الاسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول الصبر الجميل هو الذي لا شكوى فيه ولا معه و الصفح الجميل هو الذى لا عتاب معه و الهجر الجميل هو الذي لا أذى معه وفي أثر اسرائيلي أوحى الله إلى نبي من أنبيائه : أنزلت بعبدى بلائي فدعاني فما طلته بالإجابة فشكاني فقلت : عبدي كيف أرحمك من شيء به أرحمك وقال ابن عيينة في قوله تعالى : وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا [ السجدة : 24 ] قال : أخذوا برأس الأمر فجعلهم رؤساء

قسم V02/P159–V02/P162

وقيل : صبر العابدين أحسنه : أن يكون محفوظا وصبر المحبين أحسنه : أن يكون مرفوضا كما قيل : تبين يوم البين أن اعتزامه على الصبر : من إحدى الظنون الكواذب والشكوى إلى الله عز وجل لا تنافي الصبر فإن يعقوب عليه السلام وعد بالصبر الجميل والنبي إذا وعد لا يخلف ثم قال : إنما أشكو بثي وحزني إلى الله [ يوسف : 86 ] وكذلك أيوب أخبر الله عنه : أنه وجده صابرا مع قوله : مسني الضر وأنت أرحم الراحمين [ الأنبياء : 83 ] وإنما ينافي الصبر شكوى الله لا الشكوى إلى الله كما رأى بعضهم رجلا يشكو إلى آخر فاقة وضرورة فقال : يا هذا تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك ثم أنشد : وإذا عرتك بلية فاصبر لها صبر الكريم فإنه بك أعلم وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم فصل قال صاحب المنازل : الصبر : حبس النفس على المكروه وعقل اللسان عن الشكوى وهو من أصعب المنازل على العامة وأوحشها في طريق المحبة وأنكرها في طريق التوحيد وإنما كان صعبا على العامة : لأن العامي مبتدىء في الطريق وما له دربة في السلوك ولا تهذيب المرتاض بقطع المنازل فإذا أصابته المحن أدركه الجزع وصعب عليه احتمال البلاء وعز عليه وجدان الصبر لأنه ليس من أهل الرياضة فيكون مستوطنا للصبر ولا من أهل المحبة فيلتذ بالبلاء في رضى محبوبه وأما كونه وحشة في طريق المحبة : فلأنها تقتضي التذاذ المحب بامتحان محبوبه له والصبر يقتضي كراهيته لذلك وحبس نفسه عليه كرها فهو وحشة في طريق المحبة وفي الوحشة نكتة لطيفة لأن الالتذاذ بالمحنة في المحبة هو من موجبات أنس القلب بالمحبوب فإذا أحس بالألم بحيث يحتاج إلى الصبر انتقل من الأنس إلى الوحشية ولولا الوحشة لما أحس بالألم المستدعي للصبر وإنما كان أنكرها في طريق التوحيد : لأن فيه قوة الدعوى لأن الصابر يدعي بحاله قوة الثبات وذلك ادعاء منه لنفسه قوة عظيمة وهذا مصادمة لتجريد التوحيد إذ ليس لأحد قوة ألبتة بل لله القوة جميعا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فهذا سبب كون الصبر منكرا في طريق التوحيد بل من أنكر المنكر كما قال لأن التوحيد يرد الأشياء إلى الله والصبر يرد الأشياء إلى النفس وإثبات النفس في التوحيد منكر هذا حاصل كلامه محررا مقررا وهو من منكر كلامه بل الصبر من آكد المنازل في طريق المحبة وألزمها للمحبين وهم أحوج إلى منزلته من كل منزلة وهو من أعرف المنازل في طريق التوحيد وأبينها وحاجة المحب إليه ضرورية فإن قيل : كيف تكون حاجة المحب إليه ضرورية مع منافاته لكمال المحبة فإنه لا يكون إلا مع منازعات النفس لمراد المحبوب قيل : هذه هي النكتة التي لأجلها كان من آكد المنازل في طريق المحبة وأعلقها بها وبه يعلم صحيح المحبة من معلولها وصادقها من كاذبها فإن بقوة الصبر على المكاره في مراد المحبوب يعلم صحة محبته ومن ههنا كانت محبة أكثر الناس كاذبة لأنهم كلهم ادعوا محبة الله تعالى فحين امتحنهم بالمكاره انخلعوا عن حقيقة المحبة ولم يثبت معه إلا الصابرون فلولا تحمل المشاق وتجشم المكاره بالصبر : لما ثبتت صحة محبتهم وقد تبين بذلك أن أعظمهم محبة أشدهم صبرا ولهذا وصف الله تعالى بالصبر خاصة أوليائه وأحبابه فقال عن حبيبه أيوب : إنا وجدناه صابرا [ ص : 44 ] ثم أثنى عليه فقال : نعم العبد إنه أواب [ ص : 44 ] وأمر أحب الخلق إليه بالصبر لحكمه وأخبر أن صبره به وأثنى على الصابرين أحسن الثناء وضمن لهم أعظم الجزاء وجعل أجر غيرهم محسوبا وأجرهم بغير حساب وقرن الصبر بمقامات الإسلام والإيمان والإحسان كما تقدم فجعله قرين اليقين والتوكل والإيمان والأعمال والتقوى وأخبر أن آياته إنما ينتفع بها أولو الصبر وأخبر أن الصبر خير لأهله وأن الملائكة تسلم عليهم في الجنة بصبرهم كما تقدم ذلك

قسم V02/P162–V02/P164

وليس في استكراه النفوس لألم ما تصبر عليه وإحساسها به ما يقدح في محبتها ولا توحيدها فإن إحساسها بالألم ونفرتها منه أمر طبعي لها كاقتضائها للغذاء من الطعام والشراب وتألمها بفقده فلوازم النفس لا سبيل إلى إعدامها أو تعطيلها بالكلية وإلا لم تكن نفسا إنسانية ولارتفعت المحنة وكانت عالما آخر و الصبر و المحبة لا يتناقضان بل يتواخيان ويتصاحبان والمحب صبور بل علة الصبر فى الحقيقة : المناقضة للمحبة المزاحمة للتوحيد أن يكون الباعث عليه غير إرادة رضى المحبوب بل إرادة غيره أو مزاحمته بإرادة غيره أو المراد منه لا مراده هذه هي وحشة الصبر ونكارته وأما من رأى صبره بالله وصبره لله وصبر مع الله مشاهدا أن صبره به تعالى لا بنفسه فهذا لا تلحق محبته وحشة ولا توحيده نكارة ثم لو استقام له هذا لكان في نوع واحد من أنواع الصبر وهو الصبر على المكاره فأما الصبر على الطاعات وهو حبس النفس عليها وعن المخالفات وهو منع النفس منها طوعا واختيارا والتذاذا فأي وحشة في هذا وأي نكارة فيه فإن قيل : إذا كان يفعل ذلك طوعا ومحبة ورضى وإيثارا : لم يكن الحامل له على ذلك الصبر فيكون صبره في هذا الحال ملزوم الوحشة والنكارة لمنافاتها لحال المحب قيل : لا منافاة في ذلك بوجه فإن صبره حينئذ قد اندرج في رضاه وانطوى فيه وصار الحكم للرضى لا أن الصبر عدم بل لقوة وارد الرضى والحب وإيثار مراد المحبوب صار المشهد والمنزل للرضى بحكم الحال والصبر جزء منه ومنطو فيه ونحن لا ننكر هذا القدر فإن كان هو المراد فحبذا الوفاق وليس المقصود القيل والقال ومنازعات الجدال وإن كان غيره : فقد عرف ما فيه والله سبحانه وتعالى أعلم فصل قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : الصبر عن المعصية بمطالعة الوعيد : إبقاء على الإيمان وحذرا من الحرام وأحسن منها : الصبر عن المعصية حياء ذكر للصبر عن المعصية سببين وفائدتين أما السببان : فالخوف من لحوق الوعيد المترتب عليها والثاني : الحياء من الرب تبارك وتعالى أن يستعان على معاصيه بنعمه وأن يبارز بالعظائم وأما الفائدتان : فالابقاء على الإيمان والحذر من الحرام فأما مطالعة الوعيد والخوف منه : فيبعث عليه قوة الإيمان بالخبر والتصديق بمضمونه وأما الحياء : فيبعث عليه قوة المعرفة ومشاهدة معاني الأسماء والصفات وأحسن من ذلك : أن يكون الباعث عليه وازع الحب فيترك معصيته محبة له كحال الصهيبيين وأما الفائدتان : فالإبقاء على الإيمان : يبعث على ترك المعصية لأنها لا بد أن تنقصه أو تذهب به أو تذهب رونقه وبهجته أو تطفىء نوره أو تضعف قوته أو تنقص ثمرته هذا أمر ضروري بين المعصية وبين الإيمان يعلم بالوجود والخبر والعقل كما صح عنه : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع إليه الناس فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن فإياكم إياكم والتوبة معروضة بعد وأما الحذر عن الحرام : فهو الصبر عن كثير من المباح حذرا من أن يسوقه إلى الحرام ولما كان الحياء من شيم الأشراف وأهل الكرم والنفوس الزكية : كان صاحبه أحسن حالا من أهل الخوف ولأن في الحياء من الله ما يدل على مراقبته وحضور القلب معه ولأن فيه من تعظيمه وإجلاله ما ليس في وازع الخوف فمن وازعه الخوف : قلبه حاضر مع العقوبة ومن وازعه الحياء : قلبه حاضر مع الله والخائف مراع جانب نفسه وحمايتها والمستحي مراع جانب ربه وملاحظ عظمته وكلا المقامين من مقامات أهل الإيمان غير أن الحياء أقرب إلى مقام الإحسان وألصق به إذ أنزل نفسه منزلة من كأنه يرى الله فنبعت ينابيع الحياء من عين قلبه وتفجرت عيونها

قسم V02/P164–V02/P167

قال : الدرجة الثانية : الصبر على الطاعة بالمحافظة عليها دواما وبرعايتها إخلاصا وبتحسينها علما هذا يدل على أن عنده : أن فعل الطاعة آكد من ترك المعصية فيكون الصبر عليها فوق الصبر عن ترك المعصية في الدرجة وهذا هو الصواب كما تقدم فإن ترك المعصية إنما كان لتكميل الطاعة والنهي مقصود للأمر فالمنهي عنه لما كان يضعف المأموز به وينقصه : نهي عنه حماية وصيانة لجانب الأمر فجانب الأمر أقوى وآكد وهو بمنزلة الصحة والحياة والنهي بمنزلة الحمية التي تراد لحفظ الصحة وأسباب الحياة وذكر الشيخ : أن الصبر في هذه الدرجة بثلاثة أشياء : دوام الطاعة والإخلاص فيها ووقوعها في مقتضى العلم وهو تحسينها علما فإن الطاعة تتخلف من فوات واحد من هذه الثلاثة فإن العبد إن لم يحافظ عليها دواما عطلها وإن حافظ عليها دواما عرض لها آفتان : إحداهما : ترك الإخلاص فيها بأن يكون الباعث عليها غير وجه الله وإرادته والتقرب إليه فحفظها من هذه الآفة : برعاية الإخلاص الثانية : ألا تكون مطابقة للعلم بحيث لا تكون على اتباع السنة فحفظها من هذه الآفة : بتجريد المتابعة كما أن حفظها من تلك الآفة بتجريد القصد والإرادة فلذلك قال : بالمحافظة عليها دواما ورعايتها إخلاصا وتحسينها علما فصل قال : الدرجة الثالثة : الصبر في البلاء بملاحظة حسن الجزاء وانتظار روح الفرج وتهوين البلية بعد أيادي المنن وبذكر سوالف النعم هذه ثلاثة أشياء تبعث المتلبس بها على الصبر في البلاء إحداها : ملاحظة حسن الجزاء وعلى حسب ملاحظته والوثوق به ومطالعته يخف حمل البلاء لشهود العوض وهذا كما يخف على كل متحمل مشقة عظيمة حملها لما يلاحظه من لذة عاقبتها وظفره بها ولولا ذلك لتعطلت مصالح الدنيا والآخرة وما أقدم أحد على تحمل مشقة عاجلة إلا لثمرة مؤجلة فالنفس موكلة بحب العاجل وإنما خاصة العقل : تلمح العواقب ومطالعة الغايات وأجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم وأن من رافق الراحة فارق الراحة وحصل على المشقة وقت الراحة في دار الراحة فإن قدر التعب تكون الراحة على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكريم الكرائم ويكبر في عين الصغير صغيرها وتصغر في عين العظيم العظائم والقصد : أن ملاحظة حسن العاقبة تعين على الصبر فيما تتحمله باختيارك وغير اختيارك والثاني : انتظار روح الفرج يعني راحته ونسيمه ولذته فإن انتظاره ومطالعته وترقبه يخفف حمل المشقة ولا سيما عند قوة الرجاء أو القطع بالفرج فإنه يجد في حشو البلاء من روح الفرج ونسيمه وراحته : ما هو من خفي الألطاف وما هو فرج معجل وبه وبغيره يفهم معنى اسمه اللطيف والثالث : تهوين البلية بأمرين أحدهما : أن يعد نعم الله عليه وأياديه عنده فإذا عجز عن عدها وأيس من حصرها هان عليه ما هو فيه من البلاء ورآه بالنسبة إلى أيادي الله ونعمه كقطرة من بحر الثاني : تذكر سوالف النعم التي أنعم الله بها عليه فهذا يتعلق بالماضي وتعداد أيادي المنن : يتعلق بالحال وملاحظة حسن الجزاء وانتظار روح الفرج : يتعلق بالمستقبل وأحدهما في الدنيا والثاني يوم الجزاء ويحكى عن امرأة من العابدات أنها عثرت فانقطعت إصبعها فضحكت فقال لها بعض من معها : أتضحكين وقد انقطعت إصبعك فقالت : أخاطبك على قدر عقلك حلاوة أجرها أنستني مرارة ذكرها إشارة إلى أن عقله لا يحتمل ما فوق هذا المقام من ملاحظة المبتلي ومشاهدة حسن اختياره لها في ذلك البلاء وتلذذها بالشكر له والرضى عنه ومقابلة ما جاء من قبله بالحمد والشكر كما قيل : لئن ساءني أن نلتني بمساءة فقد سرني أني خطرت ببالكا فصل قال : وأضعف الصبر : الصبر لله وهو صبر العامة وفوقه : الصبر بالله وهو صبر المريدين وفوقه : الصبر على الله وهو صبر السالكين

قسم V02/P167–V02/P169

معنى كلامه : أن صبر العامة لله أي رجاء ثوابه وخوف عقابه وصبر المريدين : بالله أي بقوة الله ومعونته فهم لا يرون لأنفسهم صبرا ولا قوة لهم عليه بل حالهم التحقق ب لا حول ولا قوة إلا بالله علما ومعرفة وحالا وفوقهما : الصبر على الله أي على أحكامه إذ صاحبه يشهد المتصرف فيه فهو يصبر على أحكامه الجارية عليه جالبة عليه ما جلبت من محبوب ومكروه فهذه درجة صبر السالكين وهؤلاء الثلاثة عنده من العوام إذ هو في مقام الصبر وقد ذكر : أنه للعامة وأنه من أضعف منازلهم هذا تقرير كلامه والصواب : أن الصبر لله فوق الصبر بالله وأعلى درجة منه وأجل فإن الصبر لله متعلق بإلهيته والصبر به : متعلق بربوبيته وما تعلق بإلهيته أكمل وأعلى مما تعلق بربوبيته ولأن الصبر له : عبادة والصبر به استعانة والعبادة غاية والاستعانة وسيلة والغاية مرادة لنفسها والوسيلة مرادة لغيرها ولأن الصبر به مشترك بين المؤمن والكافر والبر والفاجر فكل من شهد الحقيقة الكونية صبر به وأما الصبر له : فمنزلة الرسل والأنبياء والصديقين وأصحاب مشهد إياك نعبد وإياك نستعين ولأن الصبر له : صبر فيما هو حق له محبوب له مرضى له والصبر به : قد يكون في ذلك وقد يكون فيما هو مسخوط له وقد يكون في مكروه أو مباح فأين هذا من هذا وأما تسمية الصبر على أحكامه صبرا عليه فلا مشاحة في العبارة بعد معرفة المعنى فهذا هو الصبر على أقداره وقد جعله الشيخ في الدرجة الثالثة وقد عرفت بما تقدم : أن الصبر على طاعته والصبر عن معصيته : أكمل من الصبر على أقداره كما ذكرنا في صبر يوسف عليه السلام فإن الصبر فيها صبر اختيار وإيثار ومحبة والصبر على أحكامه الكونية : صبر ضرورة وبينهما من البون ما قد عرفت وكذلك كان صبر نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام على ما نالهم في الله باختيارهم وفعلهم ومقاومتهم قومهم : أكمل من صبر أيوب على ما ناله في الله من ابتلائه وامتحانه بما ليس مسببا عن فعله وكذلك كان صبر إسماعيل الذبيح وصبر أبيه إبراهيم عليهما السلام على تنفيذ أمر الله أكمل من صبر يعقوب على فقد يوسف فعلمت بهذا أن الصبر لله أكمل من الصبر بالله والصبر على طاعته والصبر عن معصيته أكمل من الصبر على قضائه وقدره والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله فإن قلت : الصبر بالله أقوى من الصبر لله فإن ما كان بالله كان بحوله وقوته وما كان به لم يقاومه شيء ولم يقم له شيء وهو صبر أرباب الأحوال والتأثير والصبر لله صبر أهل العبادة والزهد ولهذا هم مع إخلاصهم وزهدهم وصبرهم لله أضعف من الصابرين به فلهذا قال : وأضعف الصبر : الصبر لله قيل : المراتب أربعة إحداها : مرتبة الكمال وهي مرتبة أولي العزائم وهي الصبر لله وبالله فيكون في صبره مبتغيا وجه الله صابرا به متبرئا من حوله وقوته فهذا أقوى المراتب وأرفعها وأفضلها الثانية : أن لا يكون فيه لا هذا ولا هذا فهو أخس المراتب وأردأ الخلق وهو جدير بكل خذلان وبكل حرمان الثالثة : مرتبة من فيه صبر بالله وهو مستعين متوكل على حوله وقوته متبرىء من حوله هو وقوته ولكن صبره ليس لله إذ ليس صبره فيما هو مراد الله الديني منه فهذا ينال مطلوبه ويظفر به ولكن لا عاقبة له وربما كانت عاقبته شر العواقب وفي هذا المقام خفراء الكفار وأرباب الأحوال الشيطانية فإن صبرهم بالله لا لله ولا في الله ولهم من الكشف والتأثير بحسب قوة أحوالهم وهم من جنس الملوك الظلمة فإن الحال كالملك يعطاه البر والفاجر والمؤمن والكافر

قسم V02/P169–V02/P171

الرابع : من فيه صبر لله لكنه ضعيف النصيب من الصبر به والتوكل عليه والثقة به والاعتماد عليه فهذا له عاقبة حميدة ولكنه ضعيف عاجز مخذول في كثير من مطالبه لضعف نصيبه من إياك نعبد وإياك نستعين فنصيبه من الله : أقوى من نصيبه بالله فهذا حال المؤمن الضعيف وصابر بالله لا لله : حال الفاجر القوي وصابر لله وبالله : حال المؤمن القوي والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف فصابر لله وبالله عزيز حميد ومن ليس لله ولا بالله مذموم مخذول ومن هو بالله لا لله قادر مذموم ومن هو لله لا بالله عاجز محمود فبهذا التفصيل يزول الاشتباه في هذا الباب ويتبين فيه الخطأ من الصواب والله سبحانه وتعالى أعلم فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الرضى وقد أجمع العلماء على أنه مستحب مؤكد استحبابه واختلفوا في وجوبه على قولين وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يحكيهما على قولين لأصحاب أحمد وكان يذهب إلى القول باستحبابه قال : ولم يجىء الأمر به كما جاء الأمر بالصبر وإنما جاء الثناء على أصحابه ومدحهم قال : وأما ما يروي من الأثر : من لم يصير على بلائي ولم يرض بقضائي فليتخذ ربا سوائي فهذا أثر إسرائيلي ليس يصح عن النبي قلت : ولا سيما عند من يرى أنه من جملة الأحوال التي ليست بمكتسبة بل هو موهبة محضة فكيف يؤمر به وليس مقدورا عليه وهذه مسألة اختلف فيها أرباب السلوك على ثلاث طرق فالخراسانيون قالوا : الرضى من جملة المقامات وهو نهاية التوكل فعلى هذا : يمكن أن يتوصل إليه العبد باكتسابه والعراقيون قالوا : هو من جملة الأحوال وليس كسبيا للعبد بل هو نازلة تحل بالقلب كسائر الأحوال والفرق بين المقامات والأحوال : أن المقامات عندهم من المكاسب والأحوال مجرد المواهب وحكمت فرقة ثالثة بين الطائفتين منهم القشيري صاحب الرسالة وغيره فقالوا : يمكن الجمع بينهما بأن يقال : بداية الرضى مكتسبة للعبد وهي من جملة المقامات ونهايته من جملة الأحوال وليست مكتسبة فأوله مقام ونهايته حال واحتج من جعله من جملة المقامات : بأن الله مدح أهله وأثنى عليهم وندبهم إليه فدل ذلك على أنه مقدور لهم وقال النبي : ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا وقال : من قال حين يسمع النداء : رضيت بالله ربا وبالإسلام ديناوبمحمد رسولا غفرت له ذنوبه وهذان الحديثان عليهما مدار مقامات الدين وإليهما ينتهي وقد تضمنا الرضى بربوبيته سبحانه وألوهيته والرضى برسوله والانقياد له والرضى بدينه والتسليم له ومن اجتمعت له هذه الأربعة : فهو الصديق حقا وهي سهلة بالدعوى واللسان وهي من أصعب الأمور عند الحقيقة والامتحان ولا سيما إذا جاء ما يخالف هوى النفس ومرادها من ذلك : تبين أن الرضى كان لسانه به ناطقا فهو على لسانه لا على حاله فالرضى بإلهيته يتضمن الرضى بمحبته وحده وخوفه ورجائه والإنابة إليه والتبتل إليه وانجذاب قوى الإرادة والحب كلها إليه فعل الراضي بمحبوبه كل الرضى وذلك يتضمن عبادته والإخلاص له والرضى بربوبيته : يتضمن الرضى بتدبيره لعبده ويتضمن إفراده بالتوكل عليه والاستعانة به والثقة به والاعتماد عليه وأن يكون راضيا بكل ما يفعل به

قسم V02/P171–V02/P174

فالأول : يتضمن رضاه بما يؤمر به والثاني : يتضمن رضاه بما يقدر عليه وأما الرضى بنبيه رسولا : فيتضمن كمال الانقياد له والتسليم المطلق إليه بحيث يكون أولى به من نفسه فلا يتلقى الهدى إلا من مواقع كلماته ولا يحاكم إلا إليه ولا يحكم عليه غيره ولا يرضى بحكم غيره ألبتة لا فى شىء من أسماء الرب وصفاته وأفعاله ولا في شيء من أذواق حقائق الإيمان ومقاماته ولا في شيء من أحكام ظاهره وباطنه لا يرضى في ذلك بحكم غيره ولا يرضى إلا بحكمه فإن عجز عنه كان تحكيمه غيره من باب غذاء المضطر إذا لم يجد ما يقيته إلا من الميتة والدم وأحسن أحواله : أن يكون من باب التراب الذي إنما يتيمم به عند العجز عن استعمال الماء الطهور وأما الرضى بدينه : فإذا قال أو حكم أو أمر أو نهى : رضي كل الرضى ولم يبق في قلبه حرج من حكمه وسلم له تسليما ولو كان مخالفا لمراد نفسه أو هواها أو قول مقلده وشيخه وطائفته وههنا يوحشك الناس كلهم إلا الغرباء في العالم فإياك أن تستوحش من الاغتراب والتفرد فإنه والله عين العزة والصحبة مع الله ورسوله وروح الأنس به والرضى به ربا وبمحمد رسولا وبالإسلام دينا بل الصادق كلما وجد مس الاغتراب وذاق حلاوته وتنسم روحه قال : اللهم زدني اغترابا ووحشة من العالم وأنسا بك وكلما ذاق حلاوة هذا الاغتراب وهذا التفرد : رأى الوحشة عين الأنس بالناس والذل عين العز بهم والجهل عين الوقوف مع آرائهم وزبالة أذهانهم والانقطاع عين التقيد برسومهم وأوضاعهم فلم يؤثر بنصيبه من الله أحدا من الخلق ولم يبع حظه من الله بموافقتهم فيما لا يجدي عليه إلا الحرمان وغايته : مودة بينهم في الحياة الدنيا فإذا انقطعت الأسباب وحقت الحقائق وبعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور وبليت السرائر ولم يجد من دون مولاه الحق من قوة ولا ناصر : تبين له حينئذ مواقع الربح والخسران وما الذي يخف أو يرجح به الميزان والله المستعان وعليه التكلان والتحقيق في المسألة : أن الرضى كسبي باعتبار سببه موهبي باعتبار حقيقته فيمكن أن يقال بالكسب لأسبابه فإذا تمكن في أسبابه وغرس شجرته : اجتنى منها ثمرة الرضى فإن الرضى آخر التوكل فمن رسخ قدمه في التوكل والتسليم والتفويض : حصل له الرضى ولا بد ولكن لعزته وعدم إجابة أكثر النفوس له وصعوبته عليها لم يوجبه الله على خلقه رحمة بهم وتخفيفا عنهم لكن ندبهم إليه وأثنى على أهله وأخبر أن ثوابه رضاه عنهم الذي هو أعظم وأكبر وأجل من الجنان وما فيها فمن رضي عن ربه رضي الله عنه بل رضي العبد عن الله من نتائج رضى الله عنه فهو محفوف بنوعين من رضاه عن عبده : رضي قبله أوجب له أن يرضى عنه ورضى بعده هو ثمرة رضاه عنه ولذلك كان الرضى باب الله الأعظم وجنة الدنيا ومستراح العارفين وحياة المحبين ونعيم العابدين وقرة عيون المشتاقين ومن أعظم أسباب حصول الرضى : أن يلزم ما جعل الله رضاه فيه فإنه يوصله إلى مقام الرضى ولابد قيل ليحيى بن معاذ : متى يبلغ العبد إلى مقام الرضى فقال إذا أقام نفسه على أربعة أصول فيما يعامل به ربه فيقول : إن أعطيتني قبلت وإن منعتني رضيت وإن تركتني عبدت وإن دعوتني أجبت وقال الجنيد : الرضى هو صحة العلم الواصل إلى القلب فإذا باشر القلب حقيقة العلم أداه إلى الرضى وليس الرضى والمحبة كالرجاء والخوف فإن الرضى والمحبة حالان من أحوال أهل الجنة لا يفارقان المتلبس بهما في الدنيا ولا في البرزخ ولا في الآخرة بخلاف الخوف والرجاء فإنهما يفارقان أهل الجنة بحصول ما كانوا يرجونه وأمنهم مما كانوا يخافونه وإن كان رجاؤهم لما ينالون من كرامته دائما لكنه ليس رجاء مشوبا بشك بل هو رجاء واثق بوعد صادق من حبيب قادر فهذا لون ورجاؤهم في الدنيا لون

قسم V02/P174–V02/P176

وقال ابن عطاء : الرضى سكون القلب إلى قديم اختيار الله للعبد أنه اختار له الأفضل فيرضى به قلت : وهذا رضى بما منه وأما الرضى به : فأعلى من هذا وأفضل ففرق بين من هو راض بمحبوبه وبين من هو راض بما يناله من محبوبه من حظوظ نفسه والله أعلم فصل وليس من شرط الرضى ألا يحس بالألم والمكاره بل ألا يعترض على الحكم ولا يتسخطه ولهذا أشكل على بعض الناس الرضى بالمكروه وطعنوا فيه وقالوا : هذا ممتنع على الطبيعة وإنما هو الصبر وإلا فكيف يجتمع الرضى والكراهية وهما ضدان والصواب : أنه لا تناقض بينهما وأن وجود التألم وكراهة النفس له لا ينافي الرضى كرضى المريض بشرب الدواء الكريه ورضى الصائم في اليوم الشديد الحر بما يناله من ألم الجوع والظمإ ورضى المجاهد بما يحصل له في سبيل الله من ألم الجراح وغيرها وطريق الرضى طريق مختصرة قريبة جدا موصلة إلى أجل غاية ولكن فيها مشقة ومع هذا فليست مشقتها بأصعب من مشقة طريق المجاهدة ولا فيها من العقبات والمفاوز ما فيها وإنما عقبتها همة عالية ونفس زكية وتوطين النفس على كل ما يرد عليها من الله ويسهل ذلك على العبد : علمه بضعفه وعجزه ورحمته به وشفقته عليه وبره به فإذا شهد هذا وهذا ولم يطرح نفسه بين يديه ويرضى به وعنه وتنجذب دواعي حبه ورضاه كلها إليه : فنفسه نفس مطرودة عن الله بعيدة عنه ليست مؤهلة لقربه وموالاته أو نفس ممتحنة مبتلاة بأصناف البلايا والمحن فطريق الرضى والمحبة : تسير العبد وهو مستلق على فراشه فيصبح أمام الركب بمراحل وثمرة الرضى : الفرح والسرور بالرب تبارك وتعالى ورأيت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه فى المنام وكأني ذكرت له شيئامن أعمال القلب وأخذت في تعظيمه ومنفعته لا أذكره الآن فقال : أما أنا فطريقتي الفرح بالله والسرور به أو نحو هذا من العبارة وهكذا كانت حاله في الحياة يبدو ذلك على ظاهره وينادي به عليه حاله لكن قد قال الواسطي : استعمل الرضى جهدك ولا تدع الرضى يستعملك فتكون محجوبا بلذته ورؤيته عن حقيقة ما تطالع وهذا الذي أشار إليه الواسطى هو عقبة عظيمة عند القوم ومقطع لهم فإن مساكنة الأحوال والسكون إليها والوقوف عندها : استلذاذا ومحبة : حجاب بينهم وبين ربهم بحظوظهم عن مطالعة حقوق محبوبهم ومعبودهم وهي عقبة لا يجوزها إلا أولو العزائم وكان الواسطي كثير التحذير من هذه العقبة شديد التنبيه عليها ومن كلامه : إياكم واستحلاء الطاعات فإنها سموم قاتلة فهذا معنى قوله : استعمل الرضى جهدك ولا تدع الرضى يستعملك أي لا يكون عملك لأجل حصول حلاوة الرضى بحيث تكون هي الباعثة لك عليه بل اجعله آلة لك وسببا موصلا إلى قصدك ومطلوبك فتكون مستعملا له لا أنه مستعمل لك وهذا لا يختص بالرضى بل هو عام في جميع الأحوال والمقامات القلبية التي يسكن إليها القلب حتى إنه أيضا لا يكون عاملا على المحبة لأجل المحبة وما فيها من اللذة والسرور والنعيم به بل يستعمل المحبة في مرضاة المحبوب لا يقف عندها فهذا من علل المحبة وقال ذو النون : ثلاثة من أعلام الرضى : ترك الاختيار قبل القضاء وفقدان المرارة بعد القضاء وهيجان الحب في حشو البلاء وقيل للحسين بن علي رضي الله عنهما : إن أبا ذر رضي الله عنه يقول : الفقر أحب إلي من الغنى والسقم أحب إلي من الصحة فقال : رحم الله أبا ذر أما أنا فأقول : من اتكل على حسن اختيار الله له لم يتمن غير ما اختار الله له وقال الفضيل بن عياض لبشر الحافي : الرضى أفضل من الزهد في الدنيا لأن الراضي لا يتمنى فوق منزلته

قسم V02/P176–V02/P178

وسئل أبو عثمان عن قول النبي : أسألك الرضى بعد القضاء فقال : لأن الرضى قبل القضا عزم على الرضى والرضى بعد القضا هو الرضى وقيل : الرضى ارتفاع الجزع في أي حكم كان وقيل : رفع الاختيار وقيل : استقبال الأحكام بالفرح وقيل سكون القلب تحت مجاري الأحكام وقيل : نظر القلب إلى قديم اختيار الله للعبد وهو ترك السخط وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى رضي الله عنهما : أما بعد فإن الخير كله في الرضى فإن استطعت أن ترضى وإلا فاصبر وقال أبو علي الدقاق : الإنسان خزف وليس للخزف من الخطر ما يعارض فيه حكم الحق تعالى وقال أبو عثمان الحيري : منذ أربعين سنة ما أقامني الله في حال فكرهته وما نقلني إلى غيره فسخطته والرضى ثلاثة أقسام : رضى العوام بما قسمه الله وأعطاه ورضى الخواص بما قدره وقضاه ورضى خواص الخواص به بدلا من كل ما سواه فصل قال صاحب المنازل : قال الله تعالى : يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي [ الفجر : 2730 ] لم يدع في هذه الآية للمتسخط إليه سبيلا وشرط القاصد الدخول في الرضى و الرضى اسم للوقوف الصادق حيثما وقف العبد لا يلتمس متقدما ولا متأخرا ولا يستزيد مزيدا ولا يستبدل حالا وهو من أوائل مسالك أهل الخصوص وأشقها على العامة أما قوله : لم يدع في هذه الآية للمتسخط إليه سبيلا فلأنه قيد رجوعها إليه سبحانه بحال وهو وصف الرضى فلا سبيل إلى الرجوع إليه مع سلب ذلك الوصف عنها وهذا نظير قوله تعالى : الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون : سلام عليكم ادخلو الجنة بما كنتم تعملون [ النحل : 32 ] فإنما أوجب لهم هذا السلام من الملائكة والبشارة بقيد وهو وفاتهم طيبين فلم تبق الآية لغير الطيب سبيلا إلى هذه البشارة والحاصل : أن الدخول في الرضى شرط في رجوع النفس إلى ربها فلا ترجع إليه إلا إذا كانت راضية قلت : هذا تعلق بإشارة الآية لا بالمراد منها فإن المراد منها : رضاها بما حصل لها من كرامته وبما نالته عند الرجوع إليه فحصل لها رضاها والرضى عنها وهذا يقال لها عند خروجها من دار الدنيا وقدومها على الله قال عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما : إذا توفى العبد المؤمن أرسل الله إليه ملكين وأرسل إليه بتحفة من الجنة فيقال : اخرجي أيتها النفس المطمئنة اخرجي إلى روح وريحان ورب عنك راض وفي وقت هذه المقالة ثلاثة أقوال للسلف أحدها : أنه عند الموت وهو الأشهر قال الحسن : إذا أراد قبضها اطمأنت إلى ربها ورضيت عن الله فيرضى الله عنها وقال آخرون : إنما يقال لها ذلك عند البعث هذا قول عكرمة وعطاء والضحاك وجماعة وقال آخرون : الكلمة الأولى وهي ارجعي إلى ربك راضية مرضية تقال لها عند الموت والكلمة الثانية وهي فادخلي في عبادي وادخلي جنتي تقال لها يوم القيامة قال أبو صالح ارجعي إلى ربك راضية مرضية هذا عند خروجها من الدنيا فإذا كان يوم القيامة قيل لها فادخلي في عبادي وادخلي جنتي والصواب : أن هذا القول يقال لها عند الخروج من الدنيا ويوم القيامة فإن أول بعثها عند مفارقتها الدنيا وحينئذ فهي في الرفيق الأعلى إن كانت مطمئنة إلى الله وفي جنته كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة فإذا كان يوم القيامة قيل لها ذلك وحينئذ فيكون تمام الرجوع إلى الله ودخول الجنة فأول ذلك عند الموت وتمامه ونهايته : يوم القيامة فلا اختلاف في الحقيقة ولكن الشيخ أخذ من إشارة الآية : أن رجوعها إلى الله من الخلق في هذا العالم إنما يحصل برضاها ولكن لو استدل بالآية في مقام الطمأنينة لكان أولى فإن هذا الرجوع الذي حصل لها فيه رضاها والرضى عنها : إنما نالته بالطمأنينة وهو حظ الكسب من هذه الآية وموضع التنبيه على موقع الطمأنينة وما يحصل لصاحبها فلنرجع إلى شرح كلامه

قسم V02/P178–V02/P181

قوله : الرضى هو الوقوف الصادق يريد به الوقوف مع مراد الرب تبارك وتعالى الديني حقيقة من غير تردد في ذلك ولا معارضة وهذا مطلوب القوم السابقين وهو الوقوف الصادق مع محاب الرب تعالى من غير أن يشوب ذلك تردد ولا يزاحمه مراد قوله : حيثما وقف العبد يصح أن يكون العبد فاعلا أي حيث ما وقف بإذن ربه لا يلتمس تقدما ولا تأخرا ويصح أن يكون مفعولا وهو أظهر أي حيثما وقف الله العبد فإن وقف يستعمل لازما ومتعديا أي حيثما وقفه ربه لا يطلب تقدما ولا تأخرا وهذا إنما يكون فيما يقفه فيه من مراده الكوني الذي لا يتعلق بالأمر والنهي وأما إذا وقفه في مراد ديني فكماله بطلب التقدم فيه دائما فإنه إن لم تكن همته التقدم إلى الله في كل لحظة : رجع من حيث لا يدري فلا وقوف في الطريق ألبتة ولكن إذا وقف في مقام من الغنى والفقر والراحة والتعب والعافية والسقم والاستيطان ومفارقة الأوطان يقف حيث وقفه لا يطلب غير تلك الحالة التي أقامه الله فيها وهذا لتصحيح رضاه باختيار الله له والفناء به عن اختياره لنفسه وكذلك قوله : لا يستزيد مزيدا ولا يستبدل حالا وهذا المعنى الذي ذكره الشيخ فرد من أفراد الرضى وهو الرضى بالأقسام والأحكام الكونية التي لم يؤمر بمدافعتها وقوله : وهو من أوائل مسالك أهل الخصوص يعني أن سلوك أهل الخصوص : هو بالخروج عن النفس والخروج عن الإرادة : هو مبدأ الخروج عن النفس فإذا الرضى بهذا الاعتبار من أوائل مسالك الخاصة وهذا على أصله في كون الفناء غاية مطلوبة فوق الرضى والصواب : أن الرضى أجل منه وأعلى وهو غاية لا بداية نعم فوقه مقام الشكر فهو منزلة بينه وبين منزلة الصبر وقوله : وأشقها على العامة وذلك لمشقة الخروج عن الحظوظ على العامة و الرضى أول ما فيه : الخروج عن الحظوظ والله سبحانه وتعالى أعلم فصل قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : رضى العامة وهو الرضى بالله ربا وتسخط عبادة ما دونه وهذا قطب رحى الإسلام وهو يطهر من الشرك الأكبر الرضى بالله ربا : أن لا يتخذ ربا غير الله تعالى يسكن إلى تدبيره وينزل به حوائجه قال الله تعالى : قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء [ الأنعام : 164 ] قال ابن عباس رضى الله عنهما : سيدا وإلها يعني فكيف أطلب ربا غيره وهو رب كل شيء وقال في أول السورة : قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السموات والأرض [ الأنعام : 14 ] يعني معبودا وناصرا ومعينا وملجأ وهو من الموالاة التي تتضمن الحب والطاعة وقال في وسطها : أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا [ الأنعام : 114 ] أي أفغير الله أبتغي من يحكم بيني وبينكم فنتحاكم إليه فيما اختلفنا فيه وهذا كتابه سيد الحكام فكيف نتحاكم إلى غير كتابه وقد أنزله مفصلا مبينا كافيا شافيا وأنت إذا تأملت هذه الآيات الثلاث حق التأمل رأيتها هي نفس الرضى بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا ورأيت الحديث يترجم عنها ومشتق منها فكثير من الناس يرضى بالله ربا ولا يبغي ربا سواه لكنه لا يرضى به وحده وليا وناصرا بل يوالي من دونه أولياء ظنا منه أنهم يقربونه إلى الله وأن موالاتهم كموالاة خواص الملك وهذا عين الشرك بل التوحيد : أن لا يتخذ من دونه أولياء والقرآن مملوء من وصف المشركين بأنهم اتخذوا من دونه أولياء وهذا غير موالاة أنبيائه ورسله وعباده المؤمنين فيه فإن هذا من تمام الإيمان ومن تمام موالاته فموالاة أوليائه لون واتخاذ الولي من دونه لون ومن لم يفهم الفرقان بينهما فليطلب التوحيد من أساسه فإن هذه المسألة أصل التوحيد وأساسه وكثير من الناس يبتغي غيره حكما يتحاكم إليه ويخاصم إليه ويرضى بحكمه وهذه المقامات الثلاث هي أركان التوحيد : أن لا يتخذ سواه ربا ولا إلها ولا غيره حكما

قسم V02/P181–V02/P183

وتفسير الرضى بالله ربا : أن يسخط عبادة ما دونه هذا هو الرضى بالله إلها وهو من تمام الرضى بالله ربا فمن أعطى الرضى به ربا حقه سخط عبادة ما دونه قطعا لأن الرضى بتجريد ربوبيته يستلزم تجريد عبادته كما أن العلم بتوحيد الربوبية يستلزم العلم بتوحيد الإلهية وقوله : وهو قطب رحى الإسلام يعنى أن مدار رحى الإسلام على أن يرضى العبد بعبادة ربه وحده وأن يسخط عبادة غيره وقد تقدم أن العبادة هي الحب مع الذل فكل من ذللت له وأطعته وأحببته دون الله فأنت عابد له وقوله : وهو يطهر من الشرك الأكبر يعني أن الشرك نوعان : أكبر وأصغر فهذا الرضى يطهر صاحبه من الأكبر وأما الأصغر : فيطهر منه نزوله منزلة إياك نعبد وإياك نستعين فصل قال : وهو يصح بثلاثة شروط : أن يكون الله عز وجل أحب الأشياء إلى العبد وأولى الأشياء بالتعظيم وأحق الأشياء بالطاعة يعني أن هذا النوع من الرضى إنما يصح بثلاثة أشياء أيضا أحدها : أن يكون الله عز وجل أحب شيء إلى العبد وهذه تعرف بثلاثة أشياء أيضا أحدها : أن تسبق محبته إلى القلب كل محبة فتتقدم محبته المحاب كلها الثاني : أن تقهر محبته كل محبة فتكون محبته إلى القلب سابقة قاهرة ومحبة غيره متخلفة مقهورة مغلوبة منطوية في محبته الثالث : أن تكون محبة غيره تابعة لمحبته فيكون هو المحبوب بالذات والقصد الأول وغيره محبوبا تبعا لحبه كما يطاع تبعا لطاعته فهو في الحقيقة المطاع المحبوب وهذه الثلاثة في كونه أولى الأشياء بالتعظيم والطاعة أيضا فالحاصل : أن يكون الله وحده المحبوب المعظم المطاع فمن لم يحبه ولم يطعه ولم يعظمه : فهو متكبر عليه ومتى أحب معه سواه وعظم معه سواه وأطاع معه سواه : فهو مشرك ومتى أفرده وحده بالحب والتعظيم والطاعة فهو عبد موحد والله سبحانه وتعالى أعلم فصل قال : الدرجة الثانية : الرضى عن الله وبهذا نطقت آيات التنزيل وهو الرضى عنه في كل ما قضى وقدر وهذا من أوائل مسالك أهل الخصوص الشيخ جعل هذه الدرجة أعلى من الدرجة التي قبلها ووجه قوله : أنه لا يدخل في الإسلام إلا بالدرجة الأولى فإذا استقر قدمه عليها دخل في مقام الإسلام وأما هذه الدرجة : فمن معاملات القلوب وهي لأهل الخصوص وهي الرضى عنه في أحكامه وأقضيته وإنما كان من أول مسالك أهل الخصوص لأنه مقدمة للخروج عن النفس والذي هو طريق أهل الخصوص فمقدمته بداية سلوكهم لأنه يتضمن خروج العبد عن حظوظه ووقوفه مع مراد الله عز وجل لا مع مراد نفسه هذا تقرير كلامه وفي جعله هذه الدرجة أعلى من التي قبلها نظر لا يخفى وهو نظير جعله الصبر بالله أعلى من الصبر لله والذى ينبغي : أن تكون الدرجة الأولى أعلى شأنا وأرفع قدرا فإنها مختصة وهذه الدرجة مشتركة فإن الرضى بالقضاء يصح من المؤمن والكافر وغايته التسليم لقضاء الله وقدره فأين هذا من الرضى به ربا وإلها ومعبودا وأيضا فالرضى به ربا فرض بل هو من آكد الفروض باتفاق الأمة فمن لم يرض به ربا لم يصح له إسلام ولا عمل ولا حال وأما الرضى بقضائه : فأكثر الناس على أنه مستحب وليس بواجب وقيل : بل هو واجب وهما قولان في مذهب أحمد

قسم V02/P183–V02/P185

فالفرق بين الدرجتين فرق ما بين الفرض والندب وفي الحديث الإلهي الصحيح : يقول الله عز وجل : ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه فدل على أن التقرب إليه سبحانه بأداء فرائضه أفضل وأعلى من التقرب إليه بالنوافل وأيضا : فإن الرضى به ربا يتضمن الرضى عنه ويستلزمه فإن الرضى بربوبيته : هو رضى العبد بما يأمره به وينهاه عنه ويقسمه له ويقدره عليه ويعطيه إياه ويمنعه منه فمتى لم يرض بذلك كله لم يكن قد رضي به ربا من جميع الوجوه وإن كان راضيا به ربا من بعضها فالرضى به ربا من كل وجه : يستلزم الرضى عنه ويتضمنه بلا ريب وأيضا : فالرضى به ربا متعلق بذاته وصفاته وأسمائه وربوبيته العامة والخاصة فهو الرضى به خالقا ومدبرا وآمرا وناهيا وملكا ومعطيا ومانعا وحكما ووكيلا ووليا وناصرا ومعينا وكافيا وحسيبا ورقيبا ومبتليا ومعافيا وقابضا وباسطا إلى غير ذلك من صفات ربوبيته وأما الرضى عنه : فهو رضى العبد بما يفعله به ويعطيه إياه ولهذا إنما يجىء إلا في الثواب والجزاء كقوله تعالى يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية [ الفجر : 2728 ] فهذا برضاها عنه لما حصل لها من كرامته كقوله تعالى : خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه [ البينة : 8 ] والرضى به : أصل الرضى عنه والرضى عنه : ثمرة الرضى به وسر المسألة : أن الرضى به متعلق بأسمائه وصفاته والرضى عنه : متعلق بثوابه وجزائه وأيضا : فإن النبي علق ذوق طعم الإيمان بمن رضي بالله ربا ولم يعلقه بمن رضي عنه كما قال : ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا فجعل الرضى به قرين الرضى بدينه ونبيه وهذه الثلاثة هي أصول الإسلام التي لا يقوم إلا بها وعليها وأيضا : فالرضى به ربا يتضمن توحيده وعبادته والإنابة إليه والتوكل عليه وخوفه ورجاءه ومحبته والصبر له وبه والشكر على نعمه يتضمن رؤية كل ما منه نعمة وإحسانا وإن ساء عبده فالرضا به يتضمن شهادة أن لا إله إلا الله والرضى بمحمد رسولا يتضمن شهادة أن محمدا رسول الله والرضى بالإسلام دينا : يتضمن التزام عبوديته وطاعته وطاعة رسوله فجمعت هذه الثلاثة الدين كله وأيضا : فالرضى به ربا يتضمن اتخاذه معبودا دون ما سواه واتخاذه وليا ومعبودا وإبطال عبادة كل ما سواه وقد قال تعالى لرسوله : أفغير الله أبتغي حكما [ الأنعام : 114 ] وقال : أغير الله أتخذ وليا [ الأنعام : 14 ] وقال : قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء [ الأنعام : 164 ] فهذا هو عين الرضى به ربا وأيضا : فإنه جعل حقيقة الرضى به ربا : أن يسخط عبادة ما دونه فمتى سخط العبد عبادة ما سوى الله من الآلهة الباطلة حبا وخوفا ورجاء وتعظيما وإجلالا فقد تحقق بالرضى به ربا الذي هو قطب رحى الإسلام وإنما كان قطب رحى الدين : لأن جميع العقائد والأعمال والأحوال : إنما تنبني على توحيد الله عز وجل في العبادة وسخط عبادة ما سواه فمن لم يكن له هذا القطب لم يكن له رحى تدور عليه ومن حصل له هذا القطب ثبتت له الرحى ودارت على ذلك القطب فيخرج حينئذ من دائرة الشرك إلى دائرة الإسلام فتدور رحى إسلامه وإيمانه على قطبها الثابت اللازم وأيضا : فإنه جعل حصول هذه الدرجة من الرضى موقوفا على كون المرضى به ربا سبحانه أحب إلى العبد من كل شيء وأولى الأشياء بالتعظيم وأحق الأشياء بالطاعة ومعلوم أن هذا يجمع قواعد العبودية وينتظم فروعها وشعبها

قسم V02/P185–V02/P187

ولما كانت المحبة التامة ميل القلب بكليته إلى المحبوب : كان ذلك الميل حاملا على طاعته وتعظيمه وكلما كان الميل أقوى : كانت الطاعة أتم والتعظيم أوفر وهذا الميل يلازم الإيمان بل هو روح الإيمان ولبه فأي شيء يكون أعلى من أمر يتضمن أن يكون الله سبحانه أحب الأشياء إلى العبد وأولى الأشياء بالتعظيم وأحق الأشياء بالطاعة وبهذا يجد العبد حلاوة الإيمان كما في الصحيح عنه أنه قال : ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كمان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقي في النار فعلق ذوق الإيمان بالرضى بالله ربا وعلق وجود حلاوته بما هو موقوف عليه ولا يتم إلا به وهو كونه سبحانه أحب الأشياء إلى العبد هو ورسوله ولما كان هذا الحب التام والإخلاص الذي هو ثمرته أعلى من مجرد الرضى بربوبيته سبحانه : كانت ثمرته أعلى وهي وجد حلاوة الإيمان وثمرة الرضى : ذوق طعم الإيمان فهذا وجد حلاوة وذلك ذوق طعم والله المستعان وإنما ترتب هذا وهذا على الرضى به وحده ربا والبراءة من عبودية ما سواه وميل القلب بكليته إليه وانجذاب قوى المحب كلها إليه ورضاه عن ربه تابع لهذا الرضى به فمن رضي بالله ربا رضيه الله له عبدا ومن رضي عنه في عطائه ومنعه وبلائه وعافيته : لم ينل بذلك درجة رضى الرب عنه إن لم يرض به ربا وبنبيه رسولا وبالإسلام دينا فإن العبد قد يرضى عن الله ربه فيما أعطاه وفيما منعه ولكن لا يرضى به وحده معبودا وإلها ولهذا إنما ضمن رضي العبد يوم القيامة لمن رضى به ربا كما قال النبي : من قال كل يوم : رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا إلا كان حقا على الله أن يرضيه يوم القيامة فصل إذا عرف هذا فلنرجع إلى شرح كلامه قال : وبهذا الرضى نطق النزيل يشير إلى قوله عز وجل : قال الله : هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدارضى الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم [ المائدة : 119 ] وقال تعالى فى آخر سورة المجادلة ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون وقال في آخر سورة لم يكن خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه فتضمنت هذه الآيات : جزاءهم على صدقهم وإيمانهم وأعمالهم الصالحة ومجاهدة أعدائه وعدم ولا يتهم بأن رضي الله عنهم فأرضاهم فرضوا عنه وإنما حصل لهم هذا بعد الرضى به ربا وبمحمد نبيا وبالإسلام دينا قوله : وهو الرضى عنه في كل ما قضى ههنا ثلاثة أمور : الرضاء بالله والرضا عن الله والرضا بقضاء الله فالرضى به فرض والرضى عنه وإن كان من أجل الأمور وأشرف أنواع العبودية فلم يطالب به العموم لعجزهم عنه ومشتقه عليهم وأوجبته طائفة كما أوجبوا الرضى به واحتجوا بحجج منها : أنه إذا لم يكن راضيا عن ربه فهو ساخط عليه إذ لا واسطة بين الرضى والسخط وسخط العبد على ربه مناف لرضاه به ربا قالوا : وأيضا فعدم رضاه عنه يستلزم سوء ظنه به ومنازعته له في اختياره لعبده وأن الرب تبارك وتعالى يختار شيئا ويرضاه فلا يختاره العبد ولا يرضاه وهذا مناف للعبودية قالوا : وفي بعض الآثار الإلهية من لم يرض بقضائى ولم يصبر على بلائي فليتخذ ربا سواي ولا حجة في شيء من ذلك

İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn · 15 · Qur'an & Sunnah