Qur'an&Sunnah

İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn

قسم V02/P414–V02/P416

تكاثرت الظباء على خراش فما يدري خراش ما يصيد فوظيفته في مثل هدا الحال : أن يفنى عن وارده ويعلق قلبه بالمتكلم وكأنه يسمع كلامه منه ويجعل قلبه نهرا لجريان معاينة ويفرغه من سوى فهم المراد وينصب إليه انصبابا يتلقى فيه معاينه كتلقى المحب للأحباب القادمين عليه لا يشغله حبيب منهم عن حبيب بل يعطي كل قادم حقه وكتلقي الضيوف والزوار وهذا إنما يكون مع سعة القلب وقوة الاستعداد وكمال الحضور فإذا سمع خطاب الترغيب والتشويق واللطف والإحسان : لا يفنى به عما يجيء بعده من خطاب التخويف والترهيب والعدل بل يسمع الخطاب الثاني مستصحبا لحكم الخطاب الأول ويمزج هذا بهذا ويسير بهما ومعهما جميعا عاكفا بقلبه على المتكلم وصفاته سبحانه وهذا سير في الله وهو نوع آخر أعلى وأرفع من مجرد المسير إليه ولا ينقطع بذلك سيره إليه بل يدرج سيره فان سير القلب في معاني أسمائه وصفاته وتوحيده ومعرفته ومتى بقيت للقلب في ذلك ملكة واشتد تعلقه به : لم تحجبه معانى المسموع وصفات المتكلم بعضها عن بعض ولكن في الابتداء يعسر عليه ذلك وفي التوسط يهون عليه ولا انتهاء ههنا ألبته والله المستعان فهذه كلمات تشير إلى معاني سماع أهل المعرفة والإيمان والأحوال المستقيمة وأما السماع الشيطاني : فبالضد من ذلك وهو مشتمل على أكثر من مائة مفسدة ولولا خوف الإطالة لسقناها مفصلة وسنفرد لها مصنفا مستقلا إن شاء الله فهذا ما يتعلق بقوله : إن من الأنس بالشواهد : التغذي بالسماع وقوله : والوقوف على الإشارات الإشارات هي المعاني التي تشير إلى الحقيقة من بعد ومن وراء حجاب وهي تارة تكون من مسموع وتارة تكون من مرئي وتارة تكون من معقول وقد تكون من الحواس كلها فالإشارات : من جنس الأدلة والأعلام وسببها : صفاء يحصل بالجمعية فيلطف به الحس والذهن فيستيقظ لإدراك أمور لطيفة لا يكشف حس غيره وفهمه عن إدراكها وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول : الصحيح منها : ما يدل عليه اللفظ بإشارته من باب قياس الأولى قلت : مثاله قوله تعالى : لا يمسه إلا المطهورن [ الواقعة : 79 ] قال : والصحيح في الآية أن المراد به : الصحف التي بأيدي الملائكة لوجوه عديدة منها : أنه وصفه بأنه مكنون و المكنون المستور عن العيون وهذا إنما هو في الصحف التي بأيدي الملائكة ومنها : أنه قال : لا يمسه إلا المطهرون وهم الملائكة ولو أراد المتوضئين لقال : لا يمسه إلا المتطهرون كما قال تعالى : إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين [ البقرة : 222 ] فالملائكة مطهرون والمؤمنون متطهرون ومنها : أن هذا إخبار ولو كان نهيا لقال : لا يمسسه بالجزم والأصل في الخبر : أن يكون خبرا صورة ومعنى ومنها : أن هذا رد على من قال : إن الشيطان جاء بهذا القرآن فأخبر تعالى : أنه في كتاب مكنون لا تناله الشياطين ولا وصول لها إليه كما قال تعالى في آية الشعراء : وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون [ الشعراء : 21021 وإنما تناله الأرواح المطهرة وهم الملائكة ومنها : أن هذا نظير الآية التي في سورة عبس : فمن شاء ذكره في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة [ عبس : 1216 ]

قسم V02/P416–V02/P418

قال مالك في موطئه : أحسن ما سمعت في تفسير قوله : لا يمسه إلا المطهرون أنها مثل هذه الآية التي في سورة عبس ومنها : أن الآية مكية من سورة مكية تتضمن تقرير التوحيد والنبوة والمعاد وإثبات الصانع والرد على الكفار وهذا المعني أليق بالمقصود من فرع عملي وهو حكم مس المحدث المصحف ومنها : أنه لو أريد به الكتاب الذي بأيدي الناس : لم يكن في الإقسام على ذلك بهذا القسم العظيم كثير فائدة إذ من المعلوم : أن كل كلام فهو قابل لأن يكون في كتاب حقا أو باطلا بخلاف ما إذا وقع القسم على أنه في كتاب مصون مستور عن العيون عند الله لا يصل إليه شيطان ولا ينال منه ولا يمسه إلا الأرواح الطاهرة الزكية فهذا المعنى أليق وأجل وأخلق بالآية وأولى بلا شك فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول : لكن تدل الآية بإشارتها على أنه لا يمس المصحف إلا طاهر لأنه إذا كانت تلك الصحف لا يمسها إلا المطهرون لكرامتها على الله فهذه الصحف أولى أن لا يمسها إلا طاهر وسمعته يقول في قول النبي : لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة إذا كانت الملائكة المخلوقون يمنعها الكلب والصورة عن دخول البيت فكيف تلج معرفة الله عز وجل ومحبته وحلاوة ذكره والأنس بقربه في قلب ممتلىء بكلاب الشهوات وصورها فهذا من إشارة اللفظ الصحيحة ومن هذا : أن طهارة الثوب الطاهر والبدن إذا كانت شرطا في صحة الصلاة والاعتداد بها فإذا أخل بها كانت فاسدة فكيف إذا كان القلب نجسا ولم يطهره صاحبه فكيف يعتد له بصلاته وإن أسقطت القضاء وهل طهارة الظاهر إلا تكميل لطهارة الباطن ومن هذا : أن استقبال القبلة في الصلاة شرط لصحتها وهي بيت الرب فتوجه المصلي إليها ببدنه وقالبه شرط فكيف تصح صلاة من لم يتوجه بقلبه إلى رب القبلة والبدن بل وجه بدنه إلى البيت ووجه قلبه إلى غير رب البيت وأمثال ذلك من الإشارات الصحيحة التي لا تنال إلا بصفاء الباطن وصحة البصيرة وحسن التأمل والله أعلم فصل قال : الدرجة الثانية : الأنس بنور الكشف وهو أنس شاخص عن الأنس الأول تشوبه صولة الهيمان ويضربه موج الفناء وهو الذي غلب قوما على عقولهم وسلب قوما طاقة الاصطبار وحل عنهم قيود العلم وفي هذا ورد الخبر بهذا الدعاء : أسألك شوقا إلى لقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة يجوز أن تكون الباء في قوله : بنور الكشف باء السبية أو باء الإلصاق فإن كانت باء السببية : كان المعنى : الأنس الحاصل بسبب نور الكشف وإن كانت باء الإلصاق كان المعنى : الأنس المتلبس بنور الكشف فإن قلت : ما الفرق بين الأنس ونور الكشف حتى يكون أحدهما سببا للآخر أو متلبسا به قلت : الفرق بينهما : أن نور الكشف من باب المعارف وانكشاف الحقيقة للقلب وأما الأنس : فمن باب القرب والدنو والسكون إلى من يأنس به والطمأنينة إليه فضده : الوحشة وضد نور الكشف : ظلمة الحجاب وقوله : شاخص عن الأنس الأول أي مرتفع عنه وأعلى منه قوله : تشوبه صولة الهيمان وذلك : لأن هذا الأنس المذكور يكون مبدؤه الكشف عن أسماء الصفات التي يحصل عنها الأنس ويتعلق بها كاسم الجميل والبر واللطيف والودود والحليم والرحيم ونحوها ثم يقوى التعلق بها إلى أن يستغرق العقل فيما زجه نوع من الأسماء فيقهر العقل بصولته و الهيمان هو الحركة إلى كل جهة بسبب الحيرة والدهشة وذلك إنما يكون مع نوع عدم تمييز وقوة إرادة قاهرة لا يملك صاحبها ضبطها وقوله : ويضربه موج الفناء

قسم V02/P418–V02/P421

أي إن صاحب هذا الأنس : يطالع مبادىء الفناء محيطة به فهي تقلبه كما يقلب الموج الغريق وهذا قبل استيلاء سلطان الفناء على وجوده وقوله : وهو الذي غلب قوما على عقولهم أي سلبهم إياها لأنهم شاهدوا شيئا فوق مدارك العقول وفوق كل مدرك بالحواس الظاهرة والباطنة ولا إلف لهم به فأوجبت قوة المشاهدة والوارد وضعف المحل والحامل : غلبته على العقل والكامل من القوم يثبت لذلك ولا يتحرك بل يبقى كأنه جبل وتلا الجنيد في مثل هذه الحال وقد قيل له أما يغيرك ما تسمع فتلا وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب [ النمل : 88 ] وبعضهم تلا في مثل ذلك : وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال [ الكهف : 18 ] وقوم أقوى تمكينا من هؤلاء : لم يغلبهم على عقولهم بل سلبهم طاقة صبرهم فبدا منهم ما ينافي الصبر وأما قوله : وحل عنهم قيود العلم فكلام لابد من تأويله وتكلف وجه يصححه وأحسن ما يحمل عليه : أن العلم يقيد صاحبه والمعرفة تطلقه وتوسع بطانه وتريه حقائق الأشياء فتزول عنه التقيدات التي كانت حاصلة بسبب خفاء نور المعرفة وكشفها عليه فإن العارف صاحب ضياء الكشف أوسع بطانا وقلبا وأعظم إطلاقا بلا شك من صاحب العلم ونسبته إليه كنسبة صاحب العلم إلى الجاهل فكما أن العالم أوسع بطانا من الجاهل وله إطلاق بحسب علمه فالعارف بما معه من روح العلم وضياء الكشف ونوره هو أكثر إطلاقا وأوسع بطانا من صاحب العلم فيتقيد العالم بظواهر العلم وأحكامه والعارف لا يراها قيودا ومن ههنا تزندق من تزندق وظن أنه إذا لاحت له حقائقها وبواطنها : خلع قيود ظواهرها ورسومها اشتغالا بالمقصود عن الوسيلة وبالحقيقة عن الرسم فهؤلاء هم المقطوعون عن الله القطاع لطريق الله وهم معاطب الطريق وآفاتها واتفق أن العارفين تكلموا في الحقائق وأمروا بالانتقال من الرسوم والظواهر إليها وأن لا يقف عندها فظن هؤلاء الزنادقة : أنهم جوزوا خلعها والانحلال منها ولا ريب أن من جوز ذلك : فهو مثل هؤلاء والله يركم الخبيث بعضه على بعض فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون فصاحب المنازل : أشار إلى المعنى الحق الصحيح كما أشار إليه شيوخ القوم وأما استدلاله بقول النبي : أسألك الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة فليس مطابقا لما ذكره في هذه الدرجة فأين طلب الشوق إلى لقائه الباعث على كمال الاستعداد وعلى خفة أعباء السير والمزيل لكل فتور والحامل على كل صدق وإخلاص وإنابة وصحة معاملة إلى أمر مشوب بصولة الهيمان تضربه أمواج الفناء بحيث غلب قوما على عقولهم وسلب قوما صبرهم بحيث صيرهم في عالم الفناء ورسول الله : لم يكن ليسأل حالة الفناء قط وإنما سأل شوقا موجبا للبقاء مصاحبا له طيب الحياة وقرة العين ولذة القلب وبهجة الروح وصاحب المنازل كأنه فهم منه اشتياقه إلى المشاهدة من غير غلبة على عقل ولا فقد لاصطبار ولهذا قال : من غير ضراء مضرة وهي الغلبة على العقل ولا فتنة مضلة وهي مفارقة أحكام العلم وهذا غايته : أن يؤخذ من إشارة الحديث على عادة القوم وأما أن يكون هو نفس المراد : فلا وإنما المسئول : أن يهب له شوقا إلى لقائه مصاحبا للعافية والهداية فلا تصحبه فتنة ولا محنة وهذا من أجل العطايا والمواهب فإن كثيرا ممن يحصل له هذا لا يناله إلا بعد امتحان واختبار : هل يصلح أم لا ومن لم يمتحن ولم يختبر فأكثرهم لم يؤهل لهذا فتضمن هذا الدعاء : حصول ذلك والتأهيل له مع كمال العافية بلا محنة والهداية بلا فتنة وبالله التوفيق والله أعلم فصل قال : الدرجة الثالثة : أنس اضمحلال في شهود الحضرة لا يعبر عن غيبه ولا يشار إلى حده ولا يوقف على كنهه الاضمحلال الانعدام و شهود الحضرة هو مشاهدة الحقيقة والفناء في ذلك الشهود قوله : ولا يعبر عن غيبه إلى آخره

قسم V02/P421–V02/P424

حاصله : أن هذا أمر وراء العبارة لا تناله العبارة ولا يحاط به عينا ولا حدا ولا كنها ولا حقيقة فإن حقيقته : تستغرق العبارة والإشارة والدلالة وفي وصفه يقول قائلهم : فألقوا حبال مراسيهم فغطاهم البحر ثم انطبق وههنا إنما حوالة القوم على الذوق وإشارتهم : إلى الفناء الذي يصطلم المشير وإشارته والمعبر وعبارته مع ظهور سلطان الحقيقة التي هي فوق الإشارة والعبارة والدلالة والله سبحانه وتعالى أعلم فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الذكر وهي منزلة القوم الكبرى التي منها يتزودون وفيها يتجرون وإليها دائما يترددون و الذكر منشور الولاية الذي من أعطيه اتصل ومن منعه عزل وهو قوت قلوب القوم الذي متى فارقها صارت الأجساد لها قبورا وعمارة ديارهم التى إذا تعطلت عنه صارت بورا وهو سلاحهم الذي يقاتلون به قطاع الطريق وماؤهم الذي يطفئون به التهاب الطريق ودواء أسقامهم الذي متى فارقهم انتكست منهم القلوب والسبب الواصل والعلاقة التي كانت بينهم وبين علام الغيوب إذا مرضنا تداوينا بذكركم فنترك الذكر أحيانا فننتكس به يستدفعون الآفات ويستكشفون الكربات وتهون عليهم به المصيبات إذا أظلمهم البلاء فإليه ملجؤهم وإذا نزلت بهم النوازل فإليه مفزعهم فهو رياض جنتهم التي فيها يتقبلون ورءوس أموال سعادتهم التي بها يتجرون يدع القلب الحزين ضاحكا مسرورا ويوصل الذاكر إلى المذكور بل يدع الذاكر مذكورا وفي كل جارحة من الجوارح عبودية مؤقتة و الذكر عبودية القلب واللسان وهي غير مؤقتة بل هم يأمرون بذكر معبودهم ومحبوبهم في كل حال : قياما وقعودا وعلى جنوبهم فكما أن الجنة قيعان وهو غراسها فكذلك القلوب بور وخراب وهو عمارتها وأساسها وهو جلاء القلوب وصقالها ودواؤها إذا غشيها اعتلالها وكلما ازداد الذاكر في ذكره استغراقا : ازداد المذكور محبة إلى لقائه واشتياقا وإذا واطأ في ذكره قلبه للسانه : نسي في جنب ذكره كل شيء وحفظ الله عليه كل شيء وكان له عوضا من كل شيء به يزول الوقر عن الأسماع والبكم عن الألسن وتنقشع الظلمة عن الأبصار زين الله به ألسنة الذاكرين كما زين بالنور أبصار الناظرين فاللسان الغافل : كالعين العمياء والأذن الصماء واليد الشلاء وهو باب الله الأعظم المفتوح بينه وبين عبده ما لم يغلقه العبد بغفلته قال الحسن البصري رحمه الله : تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء : في الصلاة وفي الذكر وقراءة القرآن فإن وجدتم وإلا فاعلموا أن الباب مغلق وبالذكر : يصرع العبد الشيطان كما يصرع الشيطان أهل الغفلة والنسيان قال بعض السلف : إذا تمكن الذكر من القلب فإن دنا منه الشيطان صرعه كما يصرع الإنسان إذا دنا منه الشيطان فيجتمع عليه الشياطين فيقولون : ما لهذا فيقال : قد مسه الإنسي وهو روح الأعمال الصالحة فإذا خلا العمل عن الذكر كان كالجسد الذي لا روح فيه والله أعلم فصل وهو في القرآن على عشرة أوجه الأول : الأمر به مطلقا ومقيدا الثاني : النهي عن ضده من الغفلة والنسيان الثالث : تعليق الفلاح باستدامته وكثرته الرابع : الثناء على أهله والإخبار بما أعد الله لهم من الجنة والمغفرة الخامس : الإخبار عن خسران من لها عنه بغيره السادس : أنه سبحانه جعل ذكره لهم جزاء لذكرهم له السابع : الإخبار أنه أكبر من كل شيء الثامن : أنه جعله خاتمة الأعمال الصالحة كما كان مفتاحها التاسع : الإخبار عن أهله بأنهم هم أهل الانتفاع بآياته وأنهم أولو الألباب دون غيرهم العاشر : أنه جعله قرين جميع الأعمال الصالحة وروحها فمتى عدمته كانت كالجسد بلا روح فصل في تفصيل ذلك

قسم V02/P424–V02/P426

أما الأول : فكقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما [ الأحزاب : 4143 ] وقوله تعالى : واذكر ربك في نفسك تضرعاوخيفة [ الأعراف : 205 ] وفيه قولان أحدهما : في سرك وقلبك والثاني : بلسانك بحيث تسمع نفسك وأما النهي عن ضده : فكقوله : ولا تكن من الغافلين [ الأعراف : 205 ] وقوله : ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم [ الحشر : 19 ] وأما تعليق الفلاح بالإكثار منه : فكقوله : واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون [ الأنفال : 45 الجمعه : 10 ] وأما الثناء على أهله وحسن جزائهم : فكقوله : إن المسلمين والمسلمات إلى قوله والذاكرين الله كثيرا والذاكرات : أعد الله لهم مغفرة وأجراعظيما [ الأحزاب : 35 ] وأما خسران من لها عنه فكقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون [ المنافقون : 9 ] وأما جعل ذكره لهم جزاء لذكرهم له فكقوله : فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون [ البقرة : 152 ] وأما الإخبار عنه بأنه أكبر من كل شيء فكقوله تعالى : اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر [ العنكبوت : 45 ] وفيها أربعة أقوال : أحدها : أن ذكر الله أكبر من كل شيء فهو أفضل الطاعات لأن المقصود بالطاعات كلها : إقامة ذكره فهو سر الطاعات وروحها الثاني : أن المعني : أنكم إذا ذكرتموه ذكركم فكان ذكره لكم أكبر من ذكركم له فعلى هذا : المصدر مضاف إلى الفاعل وعلى الأول : مضاف إلى المذكور الثالث : أن المعنى : ولذكر الله أكبر من أن يبقى معه فاحشة ومنكر بل إذا تم الذكر : محق كل خطيئة ومعصية هذا ما ذكره المفسرون وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول : معنى الآية : أن في الصلاة فائدتين عظيمتين إحداهما : نهيها عن الفحشاء والمنكر والثانية : اشتمالها على ذكر الله وتضمنها له ولما تضمنته من ذكر الله أعظم من نهيها عن الفحشاء والمنكر وأما ختم الأعمال الصالحة به : فكما ختم به عمل الصيام بقوله : ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون [ البقرة : 185 ] وختم به الحج في قوله فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا [ البقرة : 200 ] وختم به الصلاة كقوله : فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم [ النساء : 103 ] وختم به الجمعة كقوله : فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون [ الجمعة : 10 ] ولهذا كان خاتمة الحياة الدنيا وإذا كان آخر كلام العبد : أدخله الله الجنة وأما اختصاص الذاكرين بالانتفاع بآياته وهم أولو الألباب والعقول فكقوله تعالى : إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعوداوعلى جنوبهم [ آل عمران : 190191 ] وأما مصاحبته لجميع الأعمال واقترانه بها وأنه روحها : فإنه سبحانه قرنه بالصلاة كقوله : وأقم الصلاة لذكرى [ طه : 14 ] وقرنه بالصيام وبالحج ومناسكه بل هو روح الحج ولبه ومقصوده كما قال النبي : إنما جعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار : لإقامة ذكر الله وقرنه بالجهاد وأمر بذكره عند ملاقاة الأقران ومكافحة الاعداء فقال تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله لعلكم تفلحون [ الأنفال : 45 وفي أثر إلهي يقول الله تعالى : إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه

قسم V02/P426–V02/P429

سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يستشهد به وسمعته يقول : المحبون يفتخرون بذكر من يحبونه في هذه الحال كما قال عنترة : ولقد ذكرتك والرماح كأنها أشطان بئر في لبان الأدهم وقال الآخر : ذكرتك والخطي يخطر بيننا وقد نهلت منا المثقفة السمر قال آخر : ولقد ذكرتك والرماح شواجر بحوى وبيض الهند تقطر من دمي وهذا كثير في أشعارهم وهو مما يدل على قوة المحبة فإن ذكر المحب محبوبه في تلك الحال التي لا يهم المرء فيها غير نفسه يدل على أنه عنده بمنزلة نفسه أو أعز منها وهذا دليل على صدق المحبة والله أعلم فصل والذاكرون : هم أهل السبق كما روى مسلم في صحيحه من حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان رسول الله يسير في طريق مكة فمر على جبال يقال له جمدان فقال : سيروا هذا جمدان سبق المفردون قالوا : وما المفردون يا رسول الله قال : الذاكرون الله كثيرا والذاكرات والمفردون إما الموحدون وإما الآحاد الفرادي وفي المسند مرفوعا من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه : ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إعطاء الذهب والفضة وأن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا : وما ذاك يا رسول الله قال : ذكر الله عز وجل وروى شعبة عن أبي إسحاق قال : سمعت الأغر قال : أشهد على أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما أنهما شهدا على رسول الله قال : لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده وهو في صحيح مسلم ويكفي في شرف الذكر : أن الله يباهي ملائكته بأهله كما في صحيح مسلم عن معاوية رضي الله عنه : أن رسول الله : خرج على حلقة من أصحابه فقال : ما أجلسكم قالوا : جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن به علينا قال : آلله ما أجلسكم إلا ذلك قالوا : آلله ما أجلسنا إلا ذلك قال : أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكن أتاني جبريل فأخبرني : أن الله يباهي بكم الملائكة وسأل أعرابي رسول الله : أي الأعمال أفضل فقال : أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله وقال له رجل : إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فمرني بأمر أتشبث به فقال : لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله وفي المسند وغيره من حديث جابر قال : خرج علينا رسول الله فقال : أيها الناس ارتعوا في رياض الجنة قلنا : يا رسول الله وما رياض الجنة فقال : مجالس الذكر وقال : اغدوا وروحوا واذكروا من كان يحب أن يعلم منزلته عند الله : فلينظر كيف منزلة الله عنده فإن الله ينزل العبد منه حيث أنزله من نفسه وروى النبي عن أبيه إبراهيم ليلة الإسراء أنه قال له : أقرىء أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر رواه الترمذي وأحمد وغيرهما وفي الصحيحين من حديث أبي موسى رضي الله عنه عن النبي : مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره : مثل الحي والميت ولفظ مسلم : مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه : مثل الحي والميت فجعل بيت الذاكر بمنزلة بيت الحي وبيت الغافل بمنزلة بيت الميت وهو القبر وفي اللفظ الأول : جعل الذاكر بمنزلة الحي والغافل بمنزلة الميت فتضمن اللفظان : أن القلب الذاكر كالحي في بيوت الأحياء والغافل كالميت في بيوت الأموات ولا ريب أن أبدان الغافلين قبور لقلوبهم وقلوبهم فيها كالأموات في القبور كما قيل : فنسيان ذكر الله موت قلوبهم وأجسامهم قبل القبور قبور وأرواحهم في وحشة من جسومهم وليس لهم حتى النشور نشور وكما قيل :

قسم V02/P429–V02/P431

فنسيان ذكر الله موت قلوبهم وأجسامهم فهي القبور الدوارس وأرواحهم في وحشة من حبيبهم ولكنها عند الخبيث أوانس وفي أثر إلهي : يقول الله تعالى : إذا كان الغالب على عبدي ذكري : أحبني وأحببته وفي آخر : فبي فافرحوا وبذكري فتنعموا وفي آخر : ابن آدم ما أنصفتني أذكرك وتنساني وأدعوك وتهرب إلى غيري وأذهب عنك البلايا وأنت معتكف على الخطايا يا ابن آدم ما تقول غدا إذ جئتني وفي آخر : ابن آدم اذكرني حين تغضب : أذكرك حين أغضب وارض بنصرتي لك فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك وفي الصحيح : في الأثر الذي يرويه رسول الله عن ربه تبارك وتعالى : من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وقد ذكرنا في الذكر نحو مائة فائدة في كتابنا الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب وذكرنا هناك أسرار الذكر وعظم نفعه وطيب ثمرته وذكرنا فيه : أن الذكر ثلاثة أنواع ذكر الأسماء والصفات ومعانيها والثناء على الله بها وتوحيد الله بها وذكر الأمر والنهي والحلال والحرام وذكر الآلاء والنعماء والإحسان والأيادي وأنه ثلاثة أنواع أيضا : ذكر يتواطأ عليه القلب واللسان وهو أعلاها وذكر بالقلب وحده وهو في الدرجة الثانية وذكر باللسان المجرد وهو في الدرجة الثالثة فصل قال صاحب المنازل : قال الله تعالى : واذكر ربك إذا نسيت الكهف : 24 ] يعني : إذا نسيت غيره ونسيت نفسك في ذكرك ثم نسيت ذكرك في ذكره ثم نسيت في ذكر الحق إياك كل ذكر ليته قدس الله روحه لم يقل فلا والله ما عنى الله هذا المعنى ولا هو مراد الآية ولا تفسيرها عند أحد من السلف ولا من الخلف وتفسير الآية عند جماعة المفسرين : أنك لا تقل لشيء أفعل كذا وكذا حتى تقول : إن شاء الله فإذا نسيت أن تقولها فقلها متى ذكرتها وهذا هو الاستثناء المتراخي الذي جوزه ابن عباس وتأول عليه الآية وهو الصواب فغلط عليه من لم يفهم كلامه ونقل عنه أن الرجل إذا قال لامرأته : أنت طالق ثلاثا أو قال : نسائي الأربع طوالق ثم بعد سنة يقول : إلا واحدة أو إلا زينب إن هذا الاستثناء ينفعه وقد صان الله عن هذا من هو دون غلمان ابن عباس بكثير فضلا عن البحر حبر الأمة وعالمها الذي فقهه الله في الدين وعلمه التأويل وما أكثر ما ينقل الناس المذاهب الباطلة عن العلماء بالإفهام القاصرة ولو ذهبنا نذكر ذلك لطال جدا وإن ساعد الله أفردنا له كتابا والذي أجمع عليه المفسرون : أن أهل مكة سألوا النبي عن الروح وعن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين فقال : أخبركم غدا ولم يقل : إن شاء الله فتلبث الوحي أياما ثم نزلت هذه الآية قال ابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم : معناه إذا نسيت الاستثناء ثم ذكرت فاستثن قال ابن عباس رضي الله عنهما : ويجوز الاستثناء إلى سنة وقال عكرمة رحمه الله : واذكر ربك إذا غضبت وقال الضحاك والسدي : هذا في الصلاة أي إذا نسيت الصلاة فصلها متى ذكرتها وأما كلام صاحب المنازل : فيحمل على الإشارة لا على التفسير فذكر أربع مراتب إحداها : أن ينسى غير الله ولا ينسى نفسه لأنه ناس لغيره ولا يكون ناسيا إلا ونفسه باقية يعلم أنه ناس بها لما سوى المذكور الثانية : نسيان نفسه في ذكره وهي التي عبر عنها بقوله : ونسيت نفسك في ذكرك وفي هذه المرتبة : ذكره معه لم ينسه فقال في المرتبة الثالثة : ثم نسيت ذكرك في ذكره وهي مرتبة الفناء ثم قال في المرتبة الرابعة : ثم نسيت في ذكر الحق إياك كل ذكر وهذا الفناء بذكر الحق عبده عن ذكر العبد ربه فأما المرتبة الأولى : فهي أول درجات الذكر وهي أن تنسى غير المذكور ولا تنسى نفسك في الذكر وفي هذه المرتبة : لم يذكره بتمام الذكر إذ لتمامه مرتبتان فوقه

قسم V02/P431–V02/P433

إحداهما : نسيان نفسه وهي المرتبة الثانية فيغيب بذكره عن نفسه فيعدم إدراكها بوجدان المذكور الثانية : نسيان ذكره في ذكره كما سئل ذو النون عن الذكر فقال : غيبة الذاكر عن الذكر ثم أنشد : لا لأني أنساك أكثر ذكراك ولكن بذاك يجري لساني وهذه هي المرتبة الثالثة ففي الأولى : فنى عما سوى المذكور ولم يفن عن نفسه وفي الثانية : فن عن نفسه دون ذكره وفي الثالثة : فنى عن نفسه وذكره وبقي بعد هذا مرتبة رابعة وهي : أن يفني بذكر الحق سبحانه له عن كل ذكر فإنه ما ذكر الله إلا بعد ذكر الله له فذكر الله للعبد سابق على ذكر العبد للرب ففي هذه المرتبة الرابعة : يشهد صفات المذكور سبحانه وذكره لعبده فيفنى بذلك عن شهود ما من العبد وهذا الذي يسمونه وجدان المذكور في الذكر والذاكر فإن الذاكر و ذكره و المذكور ثلاثة أشياء فالذاكر وذكره قد اضمحلا وفنيا ولم يبق غير المذكور وحده ولا شيء معه سواه فهو الذاكر لنفسه بنفسه من غير حلول ولا اتحاد بل الذكر منه بدأ وإليه يعود وذكر العبد لربه محفوف بذكرين من ربه له : ذكر قبله به صار العبد ذاكرا له وذكر بعده به صار العبد مذكورا كما قال تعالى : فاذكروني أذكركم [ البقرة : 152 ] وقال فيما يروي عنه نبيه : من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير مهم والذكر الذي ذكره الله به بعد ذكره له : نوع غير الذكر الذي ذكره به قبل ذكره له ومن كثف فهمه عن هذا فليجاوزه إلى غيره فقد قيل : إذا لم تستطع شيئا فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع وسألت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يوما فقلت له : إذا كان الرب سبحانه يرضى بطاعة العبد ويفرح بتوبته ويغضب من مخالفته فهل يجوز أن يؤثر المحدث في القديم حبا وبغضا وفرحا وغير ذلك فقال لي : الرب سبحانه هو الذي خلق أسباب الرضى والغضب والفرح وإنما كانت بمشيئته وخلقه فلم يكن ذلك التأثر من غيره بل من نفسه بنفسه والممتنع أن يؤثر غيره فيه فهذا محال وأما أن يخلق هو أسبابا ويشاءها ويقدرها تقتضي رضاه ومحبته وفرحه وغضبه : فهذا ليس بمحال فإن ذلك منه بدأ وإليه يعود والله سبحانه أعلم فصل قال : والذكر : هو التلخص من الغفلة والنسيان والفرق بين الغفلة والنسيان : أن الغفلة ترك باختيار الغافل و النسيان ترك بغير اختياره ولهذا قال تعالى : ولا تكن من الغافلين [ الأعراف : 205 ] ولم يقل : ولا تكن من الناسيين فإن النسيان لا يدخل تحت التكليف فلا ينهى عنه قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : الذكر الظاهر من : ثناء أو دعاء أو رعاية يريد بالظاهر : الجاري على اللسان المطابق للقلب لا مجرد الذكر اللساني فإن القوم لا يعتدون به فأما ذكر الثناء : فنحو : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وأما ذكر الدعاء فنحو : ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين [ الأعراف : 23 ] و : يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث ونحو ذلك وأما ذكر الرعاية : فمثل قول الذاكر : الله معي والله ناظر إلي الله شاهدي ونحو ذلك مما يستعمل لتقوية الحضور مع الله وفيه رعاية لمصلحة القلب ولحفظ الأدب مع الله والتحرز من الغفلة والاعتصام من الشيطان والنفس والأذكار النبوية تجمع الأنواع الثلاثة فإنها متضمنة للثناء على الله والتعرض للدعاء والسؤال والتصريح به كما في الحديث : أفضل الدعاء الحمد لله قيل لسفيان بن عيينة : كيف جعلها دعاء قال : أما سمعت قول أمية بن أبي الصلت لعبد الله بن جدعان يرجو نائله : أأذكر حاجتي أم قد كفاني حباؤك إن شيمتك الحباء

قسم V02/P433–V02/P436

إذا أثنى عليك المرء يوما كفاه من تعرضه الثناء فهذا مخلوق واكتفى من مخلوق بالثناء عليه من سؤاله فكيف برب العالمين والأذكار النبوية متضمنة أيضا لكمال الرعاية ومصلحة القلب والتحرز من الغفلات والاعتصام من الوساوس والشيطان والله أعلم فصل قال : الدرجة الثانية : الذكر الخفي وهو الخلاص من القيود والبقاء مع الشهود ولزوم المسامرة يريد بالخفي ههنا : الذكر بمجرد القلب بما يعرض له من الواردات وهذا ثمرة الذكر الأول ويريد بالخلاض من القيود : التخلص من الغفلة والنسيان والحجب الحائلة بين القلب وبين الرب سبحانه والبقاء مع الشهود : ملازمة الحضور مع المذكور ومشاهدة القلب له حتى كأنه يراه ولزوم المسامرة : هي لزوم مناجاة القلب لربه : تملقا تارة وتضرعا تارة وثناء تارة واستعظاما تارة وغير ذلك من أنواع المناجاة بالسر والقلب وهذا شأن كل محب وحبيبه كما قيل : إذا ما خلونا والرقيب بمجلس فنحن سكوت والهوى يتكلم فصل قال : الدرجة الثالثة : الذكر الحقيقي وهو شهود ذكر الحق إياك والتخلص من شهود ذكرك ومعرفة افتراء الذاكر في بقائه مع الذكر إنما سمي هذا الذكر في هذه الدرجة حقيقيا لأنه منسوب إلى الرب تعالى وأما نسبة الذكر للعبد : فليست حقيقية فذكر الله لعبده هو الذكر الحقيقي وهو شهود ذكر الحق عبده وأنه ذكره فيمن اختصه وأهله للقرب منه ولذكره فجعله ذاكرا له ففي الحقيقة : هو الذاكر لنفسه بأن جعل عبده ذاكرا له وأهله لذكره وهذا المعني هو الذي أشار إليه في باب التوحيد بقوله : توحيده إياه توحيده ونعت من ينعته لأحد أي هو الذي وحد نفسه في الحقيقة فتوحيد العبد منسوب إليه حقيقة ونسبته إلى العبد غير حقيقية إذ ذاك لم يكن به ولا منه وإنما هو مجعول فيه فإن سمي موحدا ذاكرا فلكونه مجرى ومحلا لما أجرى فيه كما يسمى أبيض وأسود وطويلا وقصيرا لكونه محلا لهذه الصفات لا صنع له فيها ولم توجبها مشيئته ولا حوله ولا قوته هذا مع ما يتصل بذلك من استيلاء القرب والفناء عن الرسم والغيبة بالمشهود عن الشهود وقوة الوارد فيتركب من ذلك ذوق خاص : أنه ما وحد الله إلا الله وما ذكر الله إلا الله وما أحب الله إلا الله فهذا حقيقة ما عند القوم فالعارفون منهم أرباب البصائر أعطوا مع ذلك العبودية حقها والعلم حقه وعرفوا أن العبد عبد حقيقة من كل وجه والرب رب حقيقة من كل وجه وقاموا بحق العبودية بالله لا بأنفسهم ولله لا لحظوظهم وفنوا بمشاهدة معاني أسمائه وصفاته عما سواه وبما له محبة ورضى عما به كونا ومشيئة فإن الكون كله به والذي له : هو محوبه ومرضيه فهو له وبه والمنحرفون فنوا بما به عما له فوالوا أعداءه وعطلوا دينه وسووا بين محابه ومساخطه ومواقع رضاه وغضبه والله المستعان قوله : التخلص من شهود ذكرك يعني بفناء شهود ذكره لك عن شهود ذكرك له وهذا الشهود يريح العبد من رؤية النفس وملاحظة العمل ويميته ويحييه يميته عن نفسه ويحييه بربه ويفنيه ويقتطعه من نفسه ويوصله بربه وهذا هو عين الظفر بالنفس قال بعض العارفين : انتهى سفر الطالبين إلى الظفر بنفوسهم قوله : ومعرفة افتراء الذاكر في بقائه مع الذكر يعني أن الباقي مع الذكر يشهد على نفسه أنه ذاكر وذلك افتراء منه فإنه لا فعل له ولا يزول عنه هذا الافتراء إلا إذا فني عن ذكره فإن شهود ذكره وبقاءه معه افتراء يتضمن نسبة الذكر إليه وهي في الحقيقة ليست له فيقال : سبحان الله أي افتراء في هذا وهل هذا إلا شهود الحقائق على ما هي عليه فإنه إذا شهد نفسه ذاكرا بجعل الله له ذاكرا وتأهيله له وتقدم ذكره للعبد على ذكر العبد له فاجتمع في شهوده الأمران فأي افتراء ههنا وهل هذا إلا عين الحق وشهود الحقائق على ما هي عليه نعم الافتراء : أن يشهد ذلك به وبحوله وقوته لا بالله وحده

قسم V02/P436–V02/P439

لكن الشيخ لا تأخذه في الفناء لومة لائم ولا يصغي فيه إلى عاذل والذي لا ريب فيه : أن البقاء في الذكر أكمل من الفناء فيه والغيبة به لما في البقاء من التفصيل والمعارف وشهود الحقائق على ما هي عليه والتمييز بين الرب والعبد وما قام بالعبد وما قام بالرب تعالى وشهود العبودية والمعبود وليس في الفناء شيء من ذلك والفناء كاسمه الفناء والبقاء بقاء كاسمه والفناء مطلوب لغيره والبقاء مطلوب لنفسه والفناء وصف العبد والبقاء وصف الرب : والفناء عدم والبقاء وجود والفناء نفي والبقاء إثبات والسلوك على درب الفناء مخطر وكم به من مفازة ومهلكة والسلوك على درب البقاء آمن فإنه درب عليه الأعلام والهداة والخفراء ولكن أصحاب الفناء يزعمون أنه طويل ولا يشكون في سلامته وإيصاله إلى المطلوب ولكنهم يزعمون أن درب الفناء أقرب وراكبه طائر وراكب درب البقاء سائر والكمل من السائرين يرون الفناء منزلة من منازل الطريق وليس نزولها عاما لكل سائر بل منهم من لا يراها ولا يمر بها وإنما الدرب الأعظم والطريق الأقوم هو درب البقاء ويحتجون على صاحب الفناء بالانتقال إليه من الفناء وإلا فهو عندهم على خطر والله المستعان وهو سبحانه أعلم فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الفقر هذه المنزلة أشرف منازل الطريق عند القوم وأعلاها وأرفعها بل هي روح كل منزلة وسرها ولبها وغايتها وهذا إنما يعرف بمعرفة حقيقة الفقر والذي تريد به هذه الطائفة أخص من معناه الأصلي فإن لفظ الفقر وقع في القرآن في ثلاثة مواضع أحدها : قوله تعالى : للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف الآية [ البقرة : 273 ] أي الصدقات لهؤلاء كان فقراء المهاجرين نحو أربعمائة لم يكن لهم مساكن في المدينة ولا عشائر وكانوا قد حبسوا أنفسهم على الجهاد في سبيل الله فكانوا وقفا على كل سرية يبعثها رسول الله وهم أهل الصفة هذا أحد الأقوال في إحصارهم في سبيل الله وقيل : هو حبسهم أنفسهم في طاعة الله وقيل : حبسهم الفقر والعدم عن الجهاد في سبيل الله وقيل : لما عادوا أعداء الله وجاهدوهم في الله تعالى : أحصروا عن الضرب في الأرض لطلب المعاش فلا يستطيعون ضربا في الأرض والصحيح : أنهم لفقرهم وعجزهم وضعفهم لا يستطيعون ضربا في الأرض ولكمال عفتهم وصيانتهم يحسبهم من لم يعرف حالهم أغنياء والموضع الثاني : قوله تعالى : إنما الصدقات للفقراء الآية [ التوبة : 60 ] والموضع الثالث : قوله تعالى يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله [ فاطر : 15 ] فالصنف الأول : خواص الفقراء والثاني : فقراء المسلمين خاصهم وعامهم والثالث : الفقر العام لأهل الأرض كلهم : غنيهم وفقيرهم مؤمنهم وكافرهم فالفقراء الموصوفون في الآية الأولى : يقابلهم أصحاب الجدة ومن ليس محصرا في سبيل الله ومن لا يكتم فقره تعففا فمقابلهم أكثر من مقابل الصنف الثاني والصنف الثاني : يقابلهم الأغنياء أهل الجدة ويدخل فيهم المتعفف وغيره والمحصر في سبيل الله وغيره والصنف الثالث : لا مقابل لهم بل الله وحده الغني وكل ما سواه فقير إليه ومراد القوم بالفقر : شيء أخص من هذا كله وهو تحقيق العبودية والافتقار إلى الله تعالى في كل حالة وهذا المعنى أجل من أن يسمى فقرا بل هو حقيقة العبودية ولبها وعزل النفس عن مزاحمة الربوبية وسئل عنه يحيى بن معاذ فقال : حقيقته أن لا يستغني إلا بالله ورسمه : عدم الأسباب كلها يقول : عدم الوثوق بها والوقوف معها وهو كما قال بعض المشايخ : شيء لا يضعه الله إلا عند من يحبه ويسوقه إلى من يريده وسئل رويم عن الفقر فقال : إرسال النفس في أحكام الله وهذا إنما يحمد في إرسالها في الأحكام الدينية والقدرية التي لا يؤمر بمدافعتها والتحرز منها وسئل أبو حفص : بم يقدم الفقير على ربه فقال : ما للفقير شيء يقدم به على ربه سوى فقره

قسم V02/P439–V02/P441

وحقيقة الفقر وكماله كما قال بعضهم وقد سئل : متى يستحق الفقير اسم الفقر فقال : إذا لم يبق عليه بقية منه فقيل له : وكيف ذاك فقال : إذا كان له فليس له وإذا لم يكن له فهو له وهذه من أحسن العبارات عن معنى الفقر الذي يشير إليه القوم وهو أن يصير كله لله عز وجل لا يبقى عليه بقية من نفسه وحظه وهواه فمتى بقي عليه شيء من أحكام نفسه ففقره مدخول ثم فسر ذلك بقوله : إذا كان له فليس له أي إذا كان لنفسه فليس لله وإذا لم يكن لنفسه فهو لله فحقيقة الفقر أن لا تكون لنفسك ولا يكون لها منك شيء بحيث تكون كلك لله وإذا كنت لنفسك فثم ملك واستغناء مناف للفقر وهذا الفقر الذي يشيرون إليه : لا تنافيه الجدة ولا الأملاك فقد كان رسل الله وأنبياؤه في ذروته مع جدتهم وملكهم كإبراهيم الخليل كان أبا الضيفان وكانت له الأموال والمواشي وكذلك كان سليمان وداود عليهما السلام وكذلك كان نبينا كان كما قال الله تعالى : ووجدك عائلا فأغنى [ الضحى : 8 ] فكانوا أغنياء في فقرهم فقراء في غناهم فالفقر الحقيقي : دوام الافتقار إلى الله في كل حال وأن يشهد العبد في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فاقة تامة إلى الله تعالى من كل وجه فالفقر ذاتي للعبد وإنما يتجدد له لشهوده ووجوده حالا وإلا فهو حقيقة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه : والفقر لي وصف ذات لازم أبدا كما الغنى أبدا وصف له ذاتي وله آثار وعلامات وموجبات وأسباب أكثر إشارات القوم إليها كقول بعضهم : الفقير لا تسبق همته خطوته يريد : أنه ابن حاله ووقته فهمته مقصورة على وقته لاتتعداه وقيل : أركان الفقر أربعة : علم يسوسه وورع يحجزه ويقين يحمله وذكر يؤنسه وقال الشبلي : حقيقة الفقر أن لا يستغني بشيء دون الله وسئل سهل بن عبدالله : متى يستريح الفقير فقال : إذا لم ير لنفسه غير الوقت الذي هو فيه وقال أبو حفص : أحسن ما يتوسل به العبد إلى الله : دوام الافتقار إليه على جميع الأحوال وملازمة السنة في جميع الأفعال وطلب القوت من وجه حلال وقيل : من حكم الفقر : أن لا تكون له رغبة فإذا كان ولابد فلا تجاوز رغبته كفايته وقيل : الفقير من لا يملك ولا يملك وأتم من هذا : من يملك ولا يملكه مالك وقيل : من أراد الفقر لشرف الفقر مات فقيرا ومن أراده لئلا يشتغل عن الله بشيء مات غنيا و الفقر له بداية ونهاية وظاهر وباطن فبدايته : الذل ونهايته : العز وظاهره : العدم وباطنه : الغنى كما قال رجل لآخر : فقر وذل فقال : لا بل فقر وعز قال : فقر وثراء قال : لا بل فقر وعرش وكلاهما مصيب واتفقت كلمة القوم على أن دوام الافتقار إلى الله مع التخليط خير من دوام الصفاء مع رؤية النفس والعجب مع أنه لا صفاء معهما وإذا عرفت معنى الفقر علمت أنه عين الغنى بالله فلا معنى لسؤال من سأل : أي الحالين أكمل الافتقار إلى الله أم الاستغناء به فهذه مسألة غير صحيحة فإن الاستغناء به هو عين الافتقار إليه

قسم V02/P441–V02/P443

وسئل عن ذلك محمد بن عبدالله الفرغاني فقال : إذا صح الافتقار إلى الله تعالى فقد صح الاستغناء بالله وإذا صح الاستغناء بالله كمل الغنى به فلا يقال أيهما أفضل : الافتقار أم الاستغناء لأنهما حالتان لا تتم إحداهما إلا بالأخرى وإما كلامهم في مسألة الفقير الصابر والغني الشاكر وترجيح أحدهما على صاحبه فعند أهل التحقيق والمعرفة : أن التفضيل لا يرجع إلى ذات الفقر والغنى وإنما يرجع إلى الأعمال والأحوال والحقائق فالمسألة أيضا فاسدة في نفسها فإن التفضيل : عند الله تعالى بالتقوى وحقائق الإيمان لا بفقر ولا غنى كما قال تعالى : إن أكرمكم عند الله أتقاكم [ الحجرات : 13 ] ولم يقل أفقركم ولا أغناكم قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه : والفقر والغنى ابتلاء من الله لعبده كما قال تعالى : فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول : ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول : ربي أهانن كلا [ الفحر : 1516 ] أي ليس كل من وسعت عليه وأعطيته : أكون قد أكرمته ولا كل من ضيقت عليه وقترت : أكون قد أهنته فالإكرام : أن يكرم الله العبد بطاعته والإيمان به ومحبته ومعرفته والإهانة : أن يسلبه ذلك قال يعني ابن تيمية ولا يقع التفاضل بالغني والفقر بل بالتقوى فإن استويا في التقوى استويا في الدرجة سمعته يقول ذلك وتذاكروا هذه المسألة عند يحيى بن معاذ فقال : لا يوزن غدا الفقر ولا الغنى وإنما يوزن الصبر والشكر وقال غيره : هذه المسألة محال من وجه آخر وهو أن كلا من الغني والفقير لابد له من صبر وشكر فإن الإيمان نصفان : نصف صبر ونصف شكر بل قد يكون نصيب الغني وقسطه من الصبر أوفر لأنه يصبر عن قدرة فصبره أتم من صبر من يصبر عن عجز ويكون شكر الفقير أتم لأن الشكر هو استفراغ الوسع في طاعة الله والفقير أعظم فراغا للشكر من الغني فكلاهما لا تقوم قائمة إيمانه إلا على ساقي الصبر والشكر نعم الذي يحكي الناس من هذه المسألة : فرعا من الشكر وفرعا من الصبر وأخذوا في الترجيح بينهما فجردوا غنيا منفقا متصدقا باذلا ماله في وجوه القرب شاكرا لله عليه وفقيرامتفرغا لطاعة الله ولأوراد العبادات من الطاعات صابرا على فقره فهل هو أكمل من ذلك الغني أم الغني أكمل منه فالصواب في مثل هذا : أن أكملهما أطوعهما فإن تساوت طاعتهما تساوت درجاتهما والله أعلم فصل قال صاحب المنازل رحمه الله : الفقر اسم للبراءة من الملكة عدل الشيخ عن لفظ عدم الملكة إلى قوله : البراءة من الملكة لأن عدم الملكة ثابت في نفس الأمر لكل أحد سوى الله تعالى فالله سبحانه هو المالك حقيقة فعدم الملكة : أمر ثابت لكل ما سواه لذاته والكلام في الفقر الذي يمدح به صاحبه : هو فقر الاختيار وهو أخص من مطلق الفقر وهو براءة العبد من دعوى الملك بحيث لا ينازع مالكه الحق ولما كانت نفس الإنسان ليست له وانما هي ملك لله فما لم يخرج عنها ويسلمها لمالكها ومولاها الحق : لم يثبت له في الفقر قدم فلذلك كان أول قدم الفقر : الخروج عن النفس وتسليمها لمالكها ومولاها فلا يخاصم لها ولا يتوكل لها ولا يحاجج عنها ولا ينتصر لها بل يفوض ذلك لمالكها وسيدها قال بندار بن الحسين : لا تخاصم لنفسك فإنها ليست لك دعها لمالكها يفعل بها ما يريد وقد أجمعت هذه الطائفة على أنه لا وصول إلى الله إلا من طريق الفقر ولا دخول عليه إلا من بابه والله اعلم فصل قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الاولى : فقر الزهاد وهو

قسم V02/P443–V02/P445

قبض اليد عن الدنيا ضبطا أو طلبا وإسكات اللسان عنها مدحا أو ذما والسلامة منها طلبا أو تركا وهذا هو الفقر الذي تكلموا في شرفه الدنيا عند القوم : ماسوى الله تعالى من المال والجاه والصور والمراتب واختلف المتكلمون فيها على قولين حكاهما أبو الحسن الأشعري في مقالاته احدهما : أنها اسم لمدة بقاء هذا العالم والثاني : أنها اسم لما بين السماء والأرض فما فوق السماء ليس من الدنيا وما تحت الأرض ليس منها فعلى الاول : تكون الدنيا زمانا وعلى الثاني : تكون مكانا ولما كان لها تعلق بالجوارح والقلب واللسان كان حقيقة الفقر : تعطيل هذه الثلاثة عن تعلقها بها وسلبها منها فلذلك قال : قبض اليد عن الدنيا ضبطا أو طلبا يعني يقبض يده عن إمساكها إذا حصلت له فإذا قبض يده عن الامساك جاد بها وإن كانت غير حاصلة له كف يده عن طلبها فلا يطلب معدومها ولا يبخل بموجودها واما تعطيلها عن اللسان فهو أن لا يمدحها ولا يذمها فإن اشتغاله بمدحها أو ذمها دليل على محبتها ورغبته فيها فاإن من أحب شيئا أكثر من ذكره وإنما اشتغل بذمها حيث فاتته كمن طلب العنقود فلم يصل إليه فقال : هو حامض ولا يتصدى لذم الدنيا إلا راغب محب مفارق فالواصل مادح والمفارق ذام وأما تعطيل القلب منها فالسلامة من آفات طلبها وتركها فإن لتركها آفات ولطلبها آفات والفقر سلامة القلب من آفات الطلب والترك بحيث لا يحجبه عن ربه بوجه من الوجوه الظاهرة والباطنة لا في طلبها وأخذها ولا في تركها والرغبة عنها فان قلت : عرفت الآفة في أخذها وطلبها فما وجه الآفة في تركها والرغبة عنها قلت : من وجوه شتى أحدها : أنه إذا تركها وهو بشر لا ملك تعلق قلبه بما يقيمه ويقيته ويعيشه وما هو محتاج اليه فيبقى في مجاهدة شديدة مع نفسه لترك معلومها وحظها من الدنيا وهذه قلة فقه في الطريق بل الفقيه العارف : يردها عنه بلقمة كما يرد الكلب إذا نبح عليه بكسرة ولا يقطع زمانه بمجاهدته ومدافعته بل أعطاها حظها وطالبها بما عليها من الحق هذه طريقة الرسل وهي طريقة العارفين من أرباب السلوك كما قال النبي : إنلنفسك عليك حقا ولربك عليك حقا ولزوجك عليك حقا ولضيفك عليك حقا فأعط كلع ذي حق حقه والعارف البصير يجعل عوض مجاهدته لنفسه في ترك شهوة مباحة : مجاهدته لأعداء الله من شياطين الإنس والجن وقطاع الطريق على القلوب كأهل البدع من بني العلم وبني الإرادة ويستفرغ قواه في حربهم ومجاهدتهم ويتقوى على حربهم بإعطاء النفس حقها من المباح ولا يشتغل بها ومن آفات الترك : تطلعه إلى ما في أيدي الناس إذا مسته الحاجة إلى ما تركه فاستدامتها كان أنفع له من هذا الترك ومن افات تركها وعدم أخذها : ما يداخله من الكبر والعجب والزهو وهذا يقابل الزهد فيها وتركها كما أن كسرة الآخذ وذلته وتواضعه : يقابل الآخذ التارك ففي الأخذ آفات وفي الترك آفات فالفقر الصحيح : السلامة من آفات الأخذ والترك وهذا لا يحصل الا بفقه في الفقر قوله رحمه الله فهذا هو الفقر الذي تكلموا في شرفه يعني تكلم فيه أرباب السلوك وفضلوه ومدحوه فصل قال : الدرجة الثانية : الرجوع إلى السبق بمطالعة الفضل وهو يورث الخلاص من رؤية الاعمال ويقطع شهود الاحوال ويمحص من أدناس مطالعة المقامات

قسم V02/P445–V02/P447

يريد بالرجوع إلى السبق : الالتفات إلى ما سبقت به السابقة من الله بمطالعة فضله ومنته وجوده وأن العبد وكل ما فيه من خير فهو محض جود الله وإحسانه وليس للعبد من ذاته سوى العدم وذاته وصفاته وإيمانه وأعماله كلها من فضل الله عليه فإذا شهد هذا وأحضره قلبه وتحقق به : خلصه من رؤية أعماله فإنه لا يراها إلا من الله وبالله وليست منه هو ولا به واتفقت كلمة الطائفة على أن رؤية الأعمال حجاب بين العبد وبين الله ويخلصه منها : شهود السبق ومطالعة الفضل وقوله : ويقطع شهود الأحوال لأنه إذا طالع سبق فضل الله : علم أن كل ما حصل له من حال أو غيره فهو محض جوده فلا يشهد له حالا مع الله ولا مقاما كما لم يشهد له عملا فقد جعل عدته للقاء ربه : فقره من أعماله وأحواله فهو لا يقدم عليه إلا بالفقر المحض فالفقر خير العلاقة التي بينه وبين ربه والنسبة التي ينتسب بها إليه والباب الذي يدخل منه عليه وكذلك قوله : يمحص من أدناس مطالعة المقامات هو من جنس التخلص من رؤية الأعمال والانقطاع عن رؤية شهود الأحوال ومطالعة المقامات : دنس عند هذه الطائفة فمطالعة الفضل يمحص من هذا الدنس والفرق بين الحال والمقام : أن الحال معنى يرد على القلب من غير اجتلاب له ولا اكتساب ولا تعمد و المقام يتوصل إليه بنوع كسب وطلب فالأحوال عندهم مواهب والمقامات مكاسب فالمقام يحصل ببذل المجهود وأما الحال : فمن عين الجود ولما دخل الواسطى نيسابور سأل أصحاب أبي عثمان : بماذا كان يأمركم شيخكم فقالوا : كان يأمر بالتزام الطاعات ورؤية التقصير فيها فقال : أمركم بالمجوسية المحضة هلا أمركم بالغيبة عنها برؤية منشئها ومجريها قلت : لم يأمرهم أبو عثمان رحمه الله إلا بالحنيفية المحضة وهي القيام بالأمر ومطالعة التقصير فيه وليس في هذا من رائحة المجوسية شيء فإنه إذا بذل الطاعة لله وبالله صانه ذلك عن الاتحاد والشرك وإذا شهد تقصيره فيها صانه عن الإعجاب فيكون قائما بإياك نعبد وإياك نستعين وأما ما أشار إليه الواسطي : فمشهد الفناء ولا ريب أن مشهد البقاء أكمل فإن من غاب عن طاعاته : لم يشهد تقصيره فيها ومن تمام العبودية : شهود التقصير فمشهد أبي عثمان أتم من مشهد الواسطي وأبو عثمان هذا : هو سعيد بن إسماعيل النيسابوري من جلة شيوخ القوم وعارفيهم وكان يقال : في الدنيا ثلاثة لا رابع لهم : أبو عثمان النيسابوري بنيسابور والجنيد ببغداد وأبو عبدالله بن الجلا بالشام وله كلام رفيع عال في التصوف والمعرفة وكان شديد الوصية باتباع السنة وتحكيمها ولزومها ولما حضرته الوفاة مزق ابنه قميصا على نفسه ففتح أبو عثمان عينيه وهو في السياق فقال : يا بني خلاف السنة في الظاهر علامة رياء في الباطن فصل قال : الدرجة الثالثة : الاضطرار والوقوع في يد التقطع الوجداني أو الاحتباس في بيداء قيد التجريد وهذا فقر الصوفية الاضطرار شهود كمال الضرورة والفاقة علما وحالا ويريد بالوقوع في يد التقطع الوجداني : حضرة الجمع التي ليس عندها آغيار فهي منقطعة عن الأغيار وحدانية في نفسها والوقوع في يدها : الاستسلام والإذعان لها والدخول في رقها وقد تقدم أن حضرة الجمع عندهم : هي شهود الحقيقة الكونية ورؤيتها بنور الكشف حيث يشهدها منشأ جميع الكائنات والكائنات عدم بالنسبة إليها و أما الاحتباس في بيداء قيد التجريد فهو تجريد الفردانية أن يشهد معها غيرها وهو الفناء عن شهود السوى وسمعى ذلك احتباسا لأنه منع نفسه عن شهود الأغيار وجعل للتجريد قيدا وهو التقيد بشهود الحقيقة

قسم V02/P447–V02/P450

وجعل القيد بيداء لوجهين أحدهما : أن الأغيار تبيد فيه وتنعدم ولا يكون معه سواه والثاني : لسعته وفضائه فصاحب مشهده : في بيداء واسعة وإن احتبس في قيد شهوده وقوله : وهذا فقر الصوفية قد يفهم منه : أن التصوف أعلى عنده من الفقر فإن هذه الدرجة الثالثة التي هي أعلى درجات الفقر عنده هي من بعض مقامات الصوفية وطائفة تنازعه في ذلك وتقول : التصوف دون هذا المقام بكثير والتصوف وسيلة إلى هذا الفقر فإن التصوف خلق وهذا الفقر حقيقة وغاية لا غاية وراءها وقد تقدم ذكر الخلاف بين القوم في هذه المسألة وحكينا فيها ثلاثة أقوال هدين والثالث : أنه لا يفضل أحدهما على الآخر فإن كل واحد منهما لا تتم حقيقته إلا بالآخر وهذا قول الشاميين والله أعلم فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الغنى العالي وهو نوعان : غنى بالله وغنى عن غير الله وهما حقيقة الفقر ولكن أرباب الطريق أفردوا للغنى منزلة قال صاحب المنازل رحمه الله باب الغني قال الله تعالى : ووجدك عائلا فأغنى [ الضحى : 8 ] وفي الآية ثلاثة أقوال أحدها : أنه أغناه من المال بعد فقره : وهذا قول أكثر المفسرين لأنه قابله بقوله عائلا والعائل : هو المحتاج ليس ذا العيلة فأغناه من المال والثاني : أنه أرضاه بما أعطاه وأغناه به عن سواه فهو غنى قلب ونفس لا غنى مال وهو حقيقة الغنى والثالث : وهو الصحيح أنه يعم النوعين : نوعي الغنى فأغنى قلبه به وأغناه من المال ثم قال : الغنى اسم للملك التام يعني أن من كان مالكا من وجه دون وجه فليس بغني وعلى هذا : فلا يستحق اسم الغنى بالحقيقة إلا الله وكل ما سواه فقير إليه بالذات قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : غنى القلب وهو سلامته من السبب ومسالمته للحكم وخلاصه من الخصومة حقيقة غني القلب : تعلقه بالله وحده وحقيقة فقره المذموم : تعلقه بغيره فإذا تعلق بالله حصلت له هذه الثلاثة التي ذكرها سلامته من السبب أي من التعلق به لا من القيام به والغني عند أهل الغفلة بالسبب ولذلك قلوبهم معلقة به وعند العارفين بالمسبب وكذلك الصناعة والقوة فهذه الثلاثة : هي جهات الغنى عند الناس وهي التي أشار إليها النبي في قوله : إن الصدقة لا تحل لغني ولا لذي مرة سوى وفي رواية ولا لقوي مكتسب وهو غني بالشيء فصاحبها غني بها إذا سكنت نفسه إليها وإن كان سكونه إلى ربه : فهو غني به وكل ما سكنت النفس إليه فهي فقيرة إليه وأما مسالمة الحكم فعلى نوعين أحدهما : مسالمة الحكم الديني الأمري وهي معانقته وموافقته ضد محاربته والثاني : مسالمة الحكم الكوني القدري الذي يجري عليه بغير اختباره ولا قدره له على دفعه وهو غير مأمور بدفعه وفي مسالمة الحكم نكتة لابد منها وهي تجريد إضافته ونسبته إلى من صدر عنه بحيث لا ينسبه إلى غيره وهذا يتضمن توحيد الربوبية في مسالمة الحكم الكوني وتوحيد الإلهية في مسألمة الحكم الديني وهما حقيقة إياك نعبد وإياك نستعين وأما الخلاص من الخصومة فإنما يحمد منه : الخلاص من الخصومة بنفسه لنفسه وأما إذا خاصم بالله ولله : فهذا من كمال العبودية وكان النبي يقول في استفتاحه : اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فصل قال : الدرجة الثانية : غنى النفس وهو استقامتها على المرغوب

قسم V02/P450–V02/P452

وسلامتها من الحظوظ وبراءتها من المراءاة جعل الشيخ : غنى النفس فوق غنى القلب ومعلوم : أن أمور القلب أكمل وأقوى من أمور النفس لكن في هذا الترتيب نكتة لطيفة وهي أن النفس من جند القلب ورعيته وهي من أشد جنده خلافا عليه وشقاقا له ومن قبلها تتشوش عليه المملكة ويدخل عليه الداخل فإذا حصل له كمال بالغنى : لم يتم له إلا بغناها أيضا فإنها متى كانت فقيرة عاد حكم فقرها عليه وتشوش عليه غناه فكان غناها تماما لغناه وكمالا له وغناه أصلا بغناها فمنه يصل الغنى إليها ومنها يصل الفقر والضرر والعنت إليه إذا عرف هذا فالشيخ جعل غناها بثلاثة أشياء : استقامتها على المرغوب وهو الحق تعالى واستقامتها عليه : استدامة طلبه وقطع المنازل بالسير إليه الثاني : سلامتها من الحظوظ وهي تعلقاتها الظاهرة والباطنة بما سوى الله الثالث : براءتها من المراءاة وهي إرادة غير الله بشيء من أعمالها وأقوالها فمراءاتها دليل على شدة فقرها وتعلقها بالحظوظ من فقرها أيضا وعدم استقامتها على مطلوبها الحق أيضا : من فقرها وذلك يدل على أنها غير واجدة لله إذ لو وجدته لاستقامت على السير إليه ولقطعت تعلقاتها وحظوظها من غيره ولما أرادت بعملها غيره فلا تستقيم هذه الثلاثة إلا لمن قد ظفر بنفسه ووجد مطلوبه وما لم يجد ربه تعالى فلا استقامة له ولا سلامة لها من الحظوظ ولا براءة لها من الرياء فصل قال : الدرجة الثالثة : الغنى بالحق وهو على ثلاث مراتب المرتبة الأولى : شهود ذكره إياك والثانية : دوام مطالعة أوليته والثالثة : الفوز بوجوده أما شهود ذكره إياك فقد تقدم قريبا وأما مطالعة أوليته فهو سبقه للأشياء جميعا فهو الأول الذي ليس قبله شيء قال بعضهم : ما رأيت شيئا إلا وقد رأيت الله قبله فإن قلت : وأي غنى يحصل للقلب للقلب من مطالعة أولية الرب وسبقه لكل شيء ومعلوم أن هذا حاصل لكل أحد من غني أو فقير فما وجه الغنى الحاصل به قلت : إذا شهد القلب سبقه للأسباب وأنها كانت في حيز العدم وهو الذي كساها حلة الوجود فهي معدومة بالذات فقيرة إليه بالذات وهو الموجود بذاته والغني بذاته لا بغيره فليس الغنى في الحقيقة إلا به كما أنه ليس في الحقيقة إلا له فالغنى بغيره : عين الفقر فإنه غني بمعدوم فقير وفقير كيف يستغني بفقير مثله وأما الفوز بوجوده فإشارة القوم كلهم إلى هذا المعنى وهو نهاية سفرهم وفي الأثر الإلهي : ابن آدم اطلبني تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء ومن لم يعلم معنى وجوده لله عز وجل والفوز به : فليحث على رأسه الرماد وليبك على نفسه والله أعلم فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة المراد أفردها القوم بالذكر وفي الحقيقة : فكل مريد مراد بل لم يصر مريدا إلا بعد أن كان مرادا لكن القوم خصوا المريد بالمبتدىء و المراد بالمنتهي قال أبو علي الدقاق : المريد متحمل والمراد محمول وقد كان موسى مريدا إذ : قال : رب اشرح لي صدري [ طه : 25 ] ونبينا كان مرادا إذ قيل له : ألم نشرح لك صدرك وسئل الجنيد عن المريد والمراد فقال : المريد يتولى سياسته العلم والمراد : يتولى رعايته الحق لأن المريد يسير والمراد يطير فمتى يلحق السائر الطائر فصل قال صاحب المنازل : باب المراد قال الله تعالى : وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك [ القصص : 86 ] أكثر المتكلمين في هذا العلم جعلوا المريد والمراد اثنين وجعلوا مقام المراد فوق مقام المريد وإنما أشاروا باسم المراد إلى الضنائن الذين ورد فيهم الخبر

قسم V02/P452–V02/P455

قلت : وجه استشهاده بالآية : أن الله سبحانه ألقى إلى رسوله كتابه وخصه بكرامته وأهله لرسالته ونبوته من غير أن يكون ذلك منه على رجاء أو ناله بكسب أو توسل إليه بعمل بل هو أمر أريد به فهو المراد حقيقة وقوله : إن أكثرهم جعلوا المريد والمراد اثنين فهو تعرض إلى أن منهم من اكتفى عن ذكر مقام المراد بمنزلة الإرادة لأن صاحبها مريد مرادوأما إشارتهم إلى الضنائن فالمراد به : حديث يروى مرفوعا إلى النبي : إن لله ضنائن من خلقه يحييهم في عافية ويميتهم في عافية و الضنائن الخصائص يقال : هو ضنتي من بين الناس بكسر الضاد أي الذي أختص به وأضن بجودته أي أبخل بها أن أضيعها وقد مثل للمريد والمراد بقوم بعث إليهم سلطانهم يستدعيهم إلى حضرته من بلاد نائية وأرسل إليهم بالأدلة والأموال والمراكب وأنواع الزاد وأمرهم بأن يتجشموا إليه قطع السبل والمفاوز وأن يجتهدوا في المسير حتى يلحقوا به وبعث خيلا له ومماليك إلى طائفة منهم فقال : احملوهم على هذه الخيل التي تسبق الركاب واخدموهم في طريقهم ولا تدعوهم يعانون مؤنة الشد والربط بل إذا نزلوا فأريحوهم ثم احملوهم حتى تقدموهم عليفلم يجد هؤلاء من مجاهدة السير ومكابدته ووعثاء السفر ما وجده غيرهم ومن الناس من يقول : المريد ينتقل من منزلة الإرادة إلى أن يصير مرادا فكان محبا فصار محبوبا فكل مريد صادق نهاية أمره : أن يكون مرادا وأكثرهم على هذا وصاحب المنازل كأن عنده المراد هو المجذوب و المريد هو السالك على طريق الجادة فصل قال : وللمراد ثلاث درجات الأولى أن يعصم العبد وهو مستشرف للجفاء اضطرارا بتنغيص الشهوات وتعويق الملاذ وسد مسالك المعاطب عليه إكراها يعني : أن العبد إذا استشرفت نفسه للجفاء بينه وبين سيده بموافقة شهواته عصمه سيده اضطرارا بأن ينغص عليه الشهوات فلا تصفو له ألبتة بل لا ينال ما ينال منها إلا مشوبا بأنواع التنغيص الذي ربما أربى على لذتها واستهلكها بحيث تكون اللذة في جنب التنغيص كالخلسة والغفوة وكذلك يعوق الملاذ عليه بأن يحول بينه وبينها حتى لا يركن إليها ولا يطمئن إليها ويساكنها فيحول بينه وبين أسبابها فإن هيئت له قيض له مدافع يحول بينه وبين استيفائها فيقول : من أين دهيت وإنما هي عين العناية والحمية والصيانة وكذلك يسد عنه طرق المعاصي فإنها طرق المعاطب وإن كان كارها عناية به وصيانة له فصل قال : الدرجة الثانية : أن يضع عن العبد عوارض النقص ويعافيه من سمة اللائمة ويملكه عواقب الهفوات كما فعل بسليمان عليه السلام حين قتل الخيل فحمله على الريح الرخاء فأغناه عن الخيل وفعل بموسى عليه السلام حين ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه ولم يعتب عليه كما عتب على آدم عليه السلام ونوح ودواد ويونس عليهم السلام والفرق بين هذه الدرجة والتي قبلها : أن في التي قبلها منعا من مواقعة أسباب الجفاء اضطرارا وفي هذه : إذا عرضت له أسباب النقيصة التي يستحق عليها اللائمة لم يعتبه عليها ولم يلمه وهذا نوع من الدلال وصاحبه من ضنائن الله وأحبابه فإن الحبيب يسامح بما لا يسامح به سواه لأن المحبة أكبر شفعائه وإذا هفا هفوة ملكه عاقبتها بأن جعلها سببا لرفعته وعلو درجته فيجعل تلك الهفوة سببا لتوبة نصوح وذل خاص وانكسار بين يديه وأعمال صالحة تزيد في قربه منه أضعاف ما كان عليه قبل الهفوة فتكون تلك الهفوة أنفع له من حسنات كثيرة وهذا من علامات اعتناء الله بالعبد وكونه من أحبابه وحزبه وقد استشهد الشيخ بقصة سليمان عليه السلام حين ألهته الخيل عن صلاة العصر فأخذته الغضبة لله والحمية فحملته على أن مسح عراقيبها وأعناقها بالسيف وأتلف مالا شغله عن الله في الله فعوضه الله منه : أن حمله على متن الريح فملكه الله تعالى عاقبة هذه الهفوة وجعلها سببا لنيل تلك المنزلة الرفيعة

قسم V02/P455–V02/P457

واستشهد بقصة موسى حين ألقى الألواح وفيها كلام الله عن رأسه وكسرها وجر بلحية أخيه وهو نبي مثله ولم يعاتبه الله على ذلك كما عتب على آدم عليه السلام في أكل لقمة من الشجرة وعلى نوح في ابنه حين سأل ربه أن ينجيه وعلى داود في شأن امرأة أوريا وعلى يونس في شأن المغاضبة وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول : وكذلك لطم موسى عين ملك الموت ففقأها ولم يعتب عليه ربه وفي ليلة الإسراء عاتب ربه في النبي إذ رفعه فوقه ورفع صوته بذلك ولم يعتبه الله على ذلك قال : لأن موسى عليه السلام قام تلك المقامات العظيمة التي أوجبت له هذا الدلال فإنه قاوم فرعون أكبر أعداء الله تعالى وتصدى له ولقومه وعالج بني إسرائيل أشد المعالجة وجاهد في الله أعداء الله أشد الجهاد وكان شديد الغضب لربه فاحتمل له ما لم يحتمله لغيره وذو النون لما لم يكن في هذا المقام : سجنه في بطن الحوت من غضبة وقد جعل الله لكل شيء قدرا فصل قال : الدرجة الثالثة : اجتباء الحق عبده واستخلاصه إياه بخالصته كما ابتدأ موسى وقد خرج يقتبس نارا فاصطنعه لنفسه وأبقى منه رسما معارا قلت : الاجتباء الاصطفاء والإيثار والتخصيص وهو افتعال من جبيت الشيء : إذا حزته وأحرزته إليك كجباية المال وغيره و الاصطناع أيضا الاصطفاء والاختيار يعني أنه اصطفى موسى واستخلصه لنفسه وجعله خالصا له من غير سبب كان من موسى ولا وسيلة فإنه خرج ليقتبس النار فرجع وهو كليم الواحد القهار وأكرم الخلق عليه ابتداء منه سبحانه من غير سابقة استحقاق ولا تقدم وسيلة وفي مثل هذا قيل : أيها العبد كن لما لست ترجو من صلاح أرجى لما أنت راجي إن موسى أتى ليقبس نارا من ضياء رآه والليل داجي فانثنى راجعا وقد كلمه الله وناجاه وهو خير مناجي وقوله : وأبقى منه رسما معارا يحتمل أن يريد بالرسم : البقية التي تقدم بها عليه محمد ورفع فوقه بدرجات لأجل بقائها منه ويحتمل وهو الأظهر أنه أخذه من نفسه واصطنعه لنفسه واختاره من بين العالمين وخصه بكلامه ولم يبق له من نفسه إلا رسما مجردا يصحب به الخلق وتجري عليه فيه أحكام البشرية إتماما لحكمته وإظهارا لقدرته فهو عارية معه فإذا قضى ما عليه : استرد منه ذلك الرسم وجعله من ماله فتكملت إذ ذاك مرتبة الاجتباء ظاهرا وباطنا حقيقة ورسما ورجعت العارية إلى مالكها الحق الذي يرجع إليه الأمر كله فكما ابتدأت منه عادت إليه وموسى عليه السلام كان في مظهر الجلال ولهذا كانت شريعته شريعة جلال وقهر أمروا بقتل نفوسهم وحرمت عليهم الشحوم وذوات الظفر وغيرها من الطيبات وحرمت عليهم الغنائم وعجل لهم من العقوبات ما عجل وحملوا من الآصار والأغلال ما لم يحمله غيرهم وكان موسى من أعظم خلق الله هيبة ووقارا وأشدهم بأسا وغضبا لله وبطشا بأعداء الله وكان لا يستطاع النظر إليه وعيسى : كان في مظهر الجمال وكانت شريعته شريعة فضل وإحسان وكان لا يقاتل ولا يحارب وليس في شريعته قتال ألبتة والنصارى يحرم عليهم دينهم القتال وهم به عصاة لشرعه فإن الإنجيل يأمرهم فيه : أن : من لطمك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر ومن نازعك ثوبك فأعطه رداءك ومن سخرك ميلا فامش معه ميلين ونحو هذا وليس في شريعتهم مشقة ولا آصار ولا أغلال وإنما النصارى ابتدعوا تلك الرهبانية من قبل أنفسهم ولم تكتب عليهم

قسم V02/P457–V02/P460

وأما نبينا : فكان في مظهر الكمال الجامع لتلك القوة والعدل والشدة في الله وهذا اللين والرأفة والرحمة وشريعته أكمل الشرائع فهو نبي الكمال وشريعته شريعة الكمال وأمته أكمل الأمم وأحوالهم ومقاماتهم أكمل الأحوال والمقامات ولذلك تأتي شريعته بالعدل إيجابا له وفرضا وبالفضل ندبا إليه واستحبابا وبالشدة في موضع الشدة وباللين في موضع اللين ووضع السيف موضعه ووضع الندى موضعه فيذكر الظلم ويحرمه والعدل ويوجبه والفضل ويندب إليه في بعض آيات كقوله تعالى : وجزاء سيئة سيئة مثلها [ الشورى : 40 ] فهذا عدل فمن عفى وأصلح فأجره على الله فهذا فضل إنه لا يحب الظالمين فهذا تحريم للظلم وقوله : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به [ النحل : 126 ] فهذا إيجاب للعدل وتحريم للظلم ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ندب إلى الفضل وقوله : فأن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون [ البقرة : 279280 تحريم للظلم وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة عدل وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون فضل وكذلك تحريم ما حرم على أمته صيانة وحمية حرم عليهم كل خبيث وضار وأباح لهم كل طيب ونافع فتحريمه عليهم رحمة وعلى من قبلهم لم يخل من عقوبة وهداهم لما ضلت عنه الأمم قبلهم ووهب لهم من علمه وحلمه وجعلهم خير أمة أخرجت للناس وكمل لهم من المحاسن ما فرقه في الأمم قبلهم كما كمل نبيهم من المحاسن بما فرقه في الأنبياء قبله وكمل في كتابه من المحاسن بما فرقها في الكتب قبله وكذلك في شريعته فهؤلاء الضنائن وهم المجتبون الأخيار كما قال تعالى لهم : هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج [ الحج : 78 ] وجعلهم شهداء على الناس فأقامهم في ذلك مقام الأنبياء الشاهدين على أممهم وتفصيل تفضيل هذه الأمة وخصائصها يستدعي سفرا بل أسفارا وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الإحسان وهي لب الإيمان وروحه وكماله وهذه المنزلة تجمع جميع المنازل فجميعها منطوية فيها وكل ما قيل من أول الكتاب إلى ههنا فهو من الإحسان قال صاحب المنازل رحمه الله وقد استشهد على هذه المنزلة بقوله تعالى : هل جزاء الإحسان إلا الإحسان [ الرحمن : 60 ] : فالإحسان جامع لجميع أبواب الحقائق وهو أن تعبد الله كأنك تراه أما الآية : فقال ابن عباس رضي الله عنه والمفسرون : هل جزاء من قال : لا إله إلا الله وعمل بما جاء به محمد إلا الجنة وقد روى عن النبي أنه قرأ هل جزاء الإحسان إلا الإحسان [ الرحمن : 60 ] ثم قال : هل تدورن ماذا قال ربكم قالوا : الله ورسوله أعلم قال : يقول : هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة وأما الحديث : فإشارة إلى كمال الحضور مع الله عز وجل ومراقبته الجامعة لخشيته ومحبته ومعرفته والإنابة إليه والإخلاص له ولجميع مقامات الإيمان قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : الإحسان في القصد بتهذيبه علما وإبرامه عزما وتصفيته حالا يعني إحسان القصد يكون بثلاثة أشياء أحدها : تهذيبه علما بأن يجعله تابعا للعلم على مقتضاه مهذبا به منقى من شوائب الحظوظ فلا يقصد إلا ما يجوز في العلم و العلم هو اتباع الأمر والشرع والثاني : إبرامه عزما و الإبرام الإحكام والقوة أي يقارنه عزم يمضيه ولا يصحبه فتور وتوان يضعفه ويوهنه الثالث : تصفيته حالا أي يكون حال صاحبه صافيا من الأكدار والشوائب التي تدل على كدر قصده فإن الحال مظهر القصد وثمرته وهو أيضا مادته وباعثه فكل منهما ينفعل عن الآخر فصفاؤه وتخليصه من تمام صفاء الآخر وتخليصه فصل قال : الدرجة الثانية : الإحسان في الأحوال وهو أن تراعيها غيرة وتسترها تظرفا وتصححها تحقيقا

قسم V02/P460–V02/P462

يريد بمراعاتها : حفظها وصونها غيرة عليها أن تحول فإنها تمر مر السحاب فإن لم يرع حقوقها حالت ومراعاتها : بدوام الوفاء وتجنب الجفاء ويراعيها أيضا بإكرام نزلها فإنها ضيف والضيف إن لم تكرم نزله ارتحل ويراعيها أيضا بضبطها ملكة وشد يده عليها وأن لا يسمح بها لقاطع طريق ولا ناهب ويراعيها أيضا : بالانقياد إلى حكمها والإذعان لسلطانها إذا وافق الأمر ويراعيها أيضا : بسترها تظرفا وهو أن يسترها عن الناس ما أمكنه لئلا يعلموا بها ولا يظهرها إلا لحجة أو حاجة أو مصلحة راجحة فإن في إظهارها بدون ذلك آفات عديدة مع تعريضها للصوص والسراق والمغيرين وإظهار الحال للناس عند الصادقين : حمق وعجز وهو من حظوظ النفس والشيطان وأهل الصدق والعزم لها أستر وأكتم من أرباب الكنوز من الأموال لأموالهم حتى إن منهم من يظهر أضدادها نفيا وجحدا وهم أصحاب الملامتيه ولهم طريقة معروفة وكان شيخ هذه الطائفة عبدالله بن منازل واتفقت الطائفة على أن من أطلع الناس على حاله مع الله : فقد دنس طريقته إلا لحجة أو حاجة أو ضرورة وقوله : وتصحيحها تحقيقا أي يجتهد في تحقيق أحواله وتصحيحها وتخليصها فإن الحال قد يمتزج بحق وباطل ولا يميزه إلا أولو البصائر والعلم وأهل هذه الطريق يقولون : إن الوارد الذي يبتدىء العبد من جانبه الأيمن والهواتف والخطاب : يكون في الغالب حقا والذي يبتدىء من الجانب الأيسر : يكون في الغالب باطلا وكذبا فإن أهل اليمين : هم أهل الحق وبأيمانهم يأخذون كتبهم ونورهم الظاهر على الصراط يكون بأيمانهم وكان رسول الله يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وشأنه كله والله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف وأخبر أن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله وحظه من ابن آدم جهة الشمال ولهذا تكون اليد الشمال للاستجمار وإزالة النجاسة والأذى ويبدأ بالرجل الشمال عند دخول الخلاء ومن الفرقان أيضا : أن كل وارد يبقي الإنسان بعد انفصاله نشيطا مسرورا نشوانا : فإنه وارد ملكي وكل وارد يبقي الإنسان بعد انفصالة خبيث النفس كسلان ثقيل الأعضاء والروح يجنح إلى فتور : فهو وارد شيطاني ومن الفرقان أيضا : أن كل وارد أعقب في القلب : معرفة بالله ومحبة له وأنسا به وطمأنينة بذكره وسكونا إليه : فهو ملكي إلهي وخلافه بخلافه ومن الفرقان أيضا : أن كل وارد أعقب صاحبه تقدما إلى الله تعالى والدار الآخرة وحضورا فيها حتى كأنه يشاهد الجنة قد أزلفت والجحيم قد سعرت : فهو إلهي ملكي وخلافه شيطاني نفساني ومن الفرقان أيضا : أن كل وارد كان سببه النصيحة في امتثال الأمر والإخلاص والصدق فيه : فهو إلهي ملكي وإلا فهو شيطاني ومن الفرقان أيضا : أن كل وارد استنار به القلب وانشرح له الصدر وقوي به القلب : إلهي ملكي وإلا فهو شيطاني ومن الفرقان أيضا : أن كل وارد جمعك على الله فهو منه وكل وارد فرقك عنه وأخذك عنه : فمن الشيطان ومن الفرقان أيضا : أن الوارد الإلهي لا يصرف إلا في قربة وطاعة ولا يكون سببه إلا قربة وطاعة فمستخرجه الأمر ومصرفه الأمر والشيطاني بخلافه ومن الفرقان أيضا : أن الوارد الرحماني لا يتناقض ولا يتفاوت ولا يختلف بل يصدق بعضه بعضا والشيطاني بخلافه يكذب بعضه بعضا والله سبحانه أعلم فصل قال : الدرجة الثالثة : الإحسان في الوقت وهو أن لا تزايل المشاهدة أبدا ولا تخلط بهمتك أحدا وتجعل هجرتك إلى الحق سرمدا أي لا تفارق حال الشهود وهذا إنما يقدر عليه أهل التمكن الذين ظفروا بنفوسهم وقطعوا المسافات التي بين النفس وبين القلب والمسافات التي بين القلب وبين الله بمجاهدة القطاع التي على تلك المسافات وقوله : ولا تخلط بهمتك أحدا