Qur'an&Sunnah

İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn

قسم V02/P512–V02/P514

والصحيح : أن ذكره الذي أنزله على رسوله وهو كتابه من أعرض عنه : قيض له شيطانا يضله ويصده عن السبيل وهو يحسب أنه على هدى وكذلك القولان أيضا في قوله تعالى : ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى [ طه : 124 ] والصحيح : أنه ذكره الذي أنزله على رسوله وهو كتابه ولهذا يقول المعرض عنه : رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال : كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى [ طه : 125126 ] وأما تأويل من تأوله على الحلف : ففي غاية البعد عن المقصود فإن ذكر الله بالحلف يجري على لسان الصادق والكاذب والبر والفاجر والمؤمنون تطمئن قلوبهم إلى الصادق ولو لم يحلف ولا تطمئن قلوبهم إلى من يرتابون فيه ولو حلف وجعل الله سبحانه الطمأنينة في قلوب المؤمنين ونفوسهم وجعل الغبطة والمدحة والبشارة بدخول الجنة لأهل الطمأنينة فطوبى لهم وحسن مآب وفي قوله تعالى : يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك [ الفجر : 2728 ] دليل على أنها لا ترجع إليه إلا إذا كانت مطمئنة فهناك ترجع إليه وتدخل في عباده وتدخل جنته وكان من دعاء بعض السلف : اللهم هب لي نفسا مطمئنة إليك فصل قال صاحب المنازل : الطمأنينة : سكون يقويه أمن صحيح شبيه بالعيان وبينها وبين السكينة فرقان : أحدهما : أن السكينة صوله تورث خمود الهيبة أحيانا و الطمأنينة سكون أمن في استراحة أنس والثاني : أن السكينة تكون نعتا وتكون حينا بعد حين و الطمأنينة لا تفارق صاحبها الطمأنينة موجب السكينة وأثر من آثارها وكأنها نهاية السكينة فقوله : سكون يقويه أمن أي سكون القلب مع قوة الأمن الصحيح الذي لا يكون أمن غرور فإن القلب قد يسكن إلى أمن الغرور ولكن لا يطمئن به لمفارقة ذلك السكون له و الطمأنينة لا تفارقه فإنها مأخوذة من الإقامة يقال : اطمأن بالمكان والمنزل : إذا أقام به وسبب صحة هذا الأمن المقوى للسكون : شبهه بالعيان بحيث لا يبقي معه شيء من مجوزات الظنون والأوهام بل كأن صاحبه يعاين ما يطمئن به فيأمن به اضطراب قلبه وقلقه وارتيابه وأما الفرقان اللذان ذكرهما بينها وبين السكينة فحاصل الفرق الأول : أن السكينة تصول على الهيبة الحاصلة في القلب فتخمدها في بعض الأحيان فيسكن القلب من انزعاج الهيبة بعض السكون وذلك في بعض الأوقات فليس حكما دائما مستمرا وهذا يكون لأهل الطمأنينة دائما ويصحبه الأمن والراحة بوجود الأنس فإن الاستراحة في السكينة قد تكون من الخوف والهيبة فقط والاستراحة في منزل الطمأنينة تكون مع زيادة أنس وذلك فوق محرد الأمن وقدر زائد عليه وحاصل الفرق الثاني : أن الطمأنينة ملكة ومقام لا يفارق و السكينة تنقسم إلى سكينة هي مقام ونعت لا يزول وإلى سكينة تكون وقتا دون وقت هذا حاصل كلامه والذي يظهر لي في الفرق بينهما أمران سوى ما ذكر : أحدهما : أن ظفره وفوزه بمطلوبه الذي حصل له السكينة بمنزلة من واجهه عدو يريد هلاكه فهرب منه عدوه فسكن روعه والطمأنينة بمنزلة حصن رآه مفتوحا فدخله وأمن فيه وتقوى بصاحبه وعدته فللقلب ثلاثة أحوال أحدها : الخوف والاضطراب والقلق من الوارد الذي يزعجه ويقلقه الثاني : زوال ذلك الوارد الذي يزعجه ويقلقه عنه وعدمه الثالث : ظفره وفوزه بمطلوبه الذي كان ذلك الوارد حائلا بينه وبينه وكل منهما يستلزم الآخر ويقارنه فالطمأنينة تستلزم السكينة ولا تفارقها وكذلك بالعكس لكن استلزام الطمأنينة للسكينة أقوى من استلزام السكينة للطمأنينة الثاني : أن الطمأنينة أعم فإنها تكون في العلم والخبر به واليقين والظفر بالمعلوم ولهذا اطمأنت القلوب بالقرآن لما حصل لها الإيمان به ومعرفته والهداية به في ظلم الآراء والمذاهب واكتفت به منها وحكمته عليها وعزلتها وجعلت له الولاية بأسرها كما جعلها الله فبه خاصمت وإليه حاكمت وبه صالت وبه دفعت الشبه

قسم V02/P514–V02/P517

وأما السكينة : فإنها ثبات القلب عند هجوم المخاوف عليه وسكونه وزوال قلقه واضطرابه كما يحصل لحزب الله عند مقابلة العدو وصولته والله سبحانه أعلم فصل قال : وهي على ثلاث درجات الدرجة الأولى : طمأنينة القلب بذكر الله وهي طمأنينة الخائف إلى الرجاء والضجر إلى الحكم والمبتلى إلى المثوبة قد تقدم أن الطمأنينة بذكر الله بكلامه وكتابه ولا ريب أن الذي ذكره في هذه الدرجة : هو من جملة الطمأنينة بذكره وهي أهم من ذلك فذكر طمأنينة الخائف إلى الرجاء فإن الخائف إذا طال عليه الخوف واشتد به وأراد الله عز وجل أن يريحه ويحمل عنه : أنزل عليه السكينة فاستراح قلبه إلى الرجاء واطمأن به وسكن لهيب خوفه وأما طمأنينة الضجر إلى الحكم فالمراد بها : أن من أدركه الضجر من قوة التكاليف وأعباء الأمر وأثقاله ولا سيما من أقيم مقام التبليغ عن الله ومجاهدة أعداء الله وقطاع الطريق إليه فإن ما يحمله ويتحمله فوق ما يحمله الناس ويتحملونه فلابد أن يدركه الضجر ويضعف صبره فإذا أراد الله أن يريحه ويحمل عنه : أنزل عليه سكينته فاطمأن إلى حكمه الديني وحكمه القدري ولا طمأنينة له بدون مشاهدة الحكمين وبحسب مشاهدته لهما تكون طمأنينته فإنه إذا اطمأن إلى حكمه الديني علم أنه دينه الحق وهو صراطه المستقيم وهو ناصره وناصر أهله وكافيهم ووليهم وإذا اطمأن إلى حكمه الكوني : علم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له وأنه ما يشاء كان وما لم يشأ لم يكن فلا وجه للجزع والقلق إلا ضعف اليقين والإيمان فإن المحذور والمخوف : إن لم يقدر فلا سبيل إلى وقوعه وإن قدر فلا سبيل إلى صرفه بعد أن أبرم تقديره فلا جزع حينئذ لا مما قدر ولا مما لم يقدر نعم إن كان له في هذه النازلة حيلة فلا ينبغي أن يضجر عنها وإن لم يكن فيها حيلة فلا ينبغي أن يضجر منها فهذه طمأنينة الضجر إلى الحكم وفي مثل هذا قال القائل : ما قد قضى يا نفس فاصطبري له ولك الأمان من الذي لم يقدر وتحققي أن المقدر كائن يجري عليك حذرت أم لم تحذري وأما طمأنينة المبتلى إلى المثوبة فلا ريب أن المبتلى إذا قويت مشاهدته للمثوبة سكن قلبه واطمأن بمشاهدة العوض وإنما يشتد به البلاء إذا غاب عنه ملاحظة الثواب وقد تقوى ملاحظة العوض حتى يستلذ بالبلاء ويراه نعمة ولا تستبعد هذا فكثير من العقلاء إذا تحقق نفع الدواء الكريه فإنه يكاد يلتذ به وملاحظته لنفعه تغيبه عن تألمه بمذاقه أو تخففه عنه والعمل المعول عليه : إنما هو على البصائر والله أعلم فصل قال : الدرجة الثانية : طمأنينة الروح في القصد إلى الكشف وفي الشوق إلى العدة وفي التفرقة إلى الجمع طمأنينة الروح أن تطمئن في حال قصدها ولا تلتفت إلى ما وراءها والمراد بالكشف : كشف الحقيقة لا الكشف الجزئي السفلي وهو ثلاث درجات : كشف عن الطريق الموصل إلى المطلوب وهو الكشف عن حقائق الإيمان وشرائع الإسلام وكشف عن المطلوب المقصود بالسير : وهو معرفة الأسماء والصفات ونوعي التوحيد وتفاصيله ومراعاة ذلك حق رعايته وليس وراء ذلك إلا الدعاوى والشطح والغرور وقوله : وفي الشوق إلى العدة يعني أن الروح تظهر في اشتياقها إلى ما وعدت به وشوقت إليه فطمأنينتها بتلك العدة : تسكن عنها لهيب اشتياقها وهذا شأن كل مشتاق إلى محبوب وعد بحصوله إنما يحصل لروحه الطمأنينة بسكونها إلى وعد اللقاء وعلمها بحصول الموعود به قوله وفي التفرقة إلى الجمع أي وتطمئن الروح في حال تفرقتها إلى ما اعتادته من الجمع بأن توافيها روحه فتسكن إليه وتطمئن به كما يطمئن الجائع الشديد الجوع إلى ما عنده من الطعام ويسكن إليه قلبه وهذا إنما يكون لمن أشرف على الجمع من وراء حجاب رقيق وشام برقه فاطمأن بحصوله وأما من بينه وبينه الحجب الكثيفة : فلا يطمئن به فصل قال : الدرجة الثالثة : طمأنينة شهود الحضرة إلى اللطف وطمأنينة

قسم V02/P517–V02/P519

الجمع إلى البقاء وطمأنينة المقام إلى نور الأزل هذه الدرجة الثالثة تتعلق بالفناء والبقاء فالواصل إلى شهود الحضرة : مطمئن إلى لطف الله و حضرة الجمع يريدون بها الشهود الذاتي فإن الشهود عندهم مراتب بحسب تعلقه فشهود الأفعال : أول مراتب الشهود ثم فوقه : شهود الأسماء والصفات ثم فوقه : شهود الذات الجامعة إلى الأفعال والأسماء والصفات والتجلي عند القوم : بحسب هذه الشهود الثلاثة فأصحاب تجلي الأفعال : مشهدهم توحيد الربوبية وأصحاب تجلي الأسماء والصفات : مشهدهم توحيد الإلهية : وأصحاب تجلي الذات : يغنيهم به عنهم وقد يعرض لبعضهم بحسب قوة الوارد وضعف المحل عجز عن القيام والحركة فربما عطل بعض الفروض وهذا له حكم أمثاله من أهل العجز والتفريط والكاملون منهم قد يفترون في تلك الحال عن الأعمال الشاقة ويقتصرون على الفرائض وسننها وحقوقها ولا يقعد بهم ذلك الشهود والتجلي عنها ولا يؤثرون عليه شيئا من النوافل والحركات التي لم تعرض عليهم ألبتة وذلك في طريقهم رجوع وانقطاع وأكمل من هؤلاء : من يصحبه ذلك في حال حركاته ونوافله فلا يعطل ذرة من أوراده والله سبحانه قد فاوت بين قوى القلوب أشد من تفاوت قوى الأبدان وفي كل شيء له آية وصاحب هذا المقام آية من آيات الله لأولي الألباب والبصائر والمقصود : أنه لولا طمأنينته إلى لطف الله لمحقه شهود الحضرة وأفناه جملة فقد خر موسى صعقا لما تجلى ربه للجبل وتدكدك الجبل وساخ في الأرض من تجليه سبحانه هذا ولا يتوهم متوهم أن الحاصل في الدنيا للبشر كذلك ولا قريب منه أبدا وإنما هي المعارف واستيلاء مقام الإحسان على القلب فقط وإياك وترهات القوم وخيالاتهم ورعوناتهم وإن سموك محجوبا فقل : اللهم زدني من هذا الحجاب الذي ما وراءه إلا الخيالات والترهات والشطحات فكليم الرحمن وحده مع هذا لم تتجل الذات له وأراه ربه تعالى أنه لا يثبت لتجلي ذاته لما أشهده من حال الجبل وخر الكليم صعقا مغشيا عليه لما رأى ما رأى من حال الجبل عند تجلي ربه له ولم يكن تجليا مطلقا قال الضحاك : أظهر الله من نور الحجب مثل منخر ثور وقال عبدالله بن سلام رضي الله عنه وكعب الأحبار : ما تجلى من عظمة الله للجبل إلا مثل سمع الخياط حتى صار دكا وقال السدي : ما تجلى إلا قدر الخنصر و في مستدرك الحاكم من حديث ثابت البناني عن أنس رضي الله عنه أن النبي قرأ هذه الآية وقال : هكذا ووضع الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر فساخ الجبل وإسناده على شرط مسلم ولما حدث به حميد عن ثابت استعظمه بعض أصحابه وقال : تحدث بهذا فضرب بيده في صدره وقال : يحدث به ثابت عن أنس عن رسول الله وتنكره أنت ولا أحدث به فإذا شهد لك المخدوعون بأنك محجوب عن ترهاتهم وخيالاتهم فتلك الشهادة لك بالاستقامة فلا تستوحش منها وبالله التوفيق وهو المستعان فصل وأما طمأنينة الجمع إلى البقاء فمشهد شريف فاضل وهو مشهد الكمل فإن حضرة الجمع تعفي الآثار وتمحو الأغيار وتحول بين الشاهد وبين رؤية القلب للخلق فيرى الحق سبحانه وحده قائما بذاته ويرى كل شيء قائم به متوحدا في كثرة أسمائه وأفعاله وصفاته ولا يرى معه غيره ولا يشهده عكس حال من يشهد غيره ولا يشهده وليس الشأن في هذا الشهود فإن صاحبه في مقام الفناء فإن لم ينتقل منه إلى مقام البقاء وإلا انقطع انقطاعا كليا ففي هذا المقام : إن لم يطمئن إلى حصول البقاء وإلا عطل الأمر وخلع ربقة العبودية من عنقه فإذا اطمأن إلى البقاء طمأنينة من يعلم أنه لا بد له منه وإن لم يصحبه وإلا فسد وهلك كان هذا من طمأنينة الجمع إلى البقاء والله أعلم فصل وأما طمأنينة المقام إلى نور الأزل فيريد به : طمأنينة مقامه إلى

قسم V02/P519–V03/P004

السابقة التي سبق بها في الأزل فلا تتغير ولا تتبدل ولهذا قال : طمأنينة المقام ولم يقل : طمأنينة الحال فإن الحال يزول ويحول ولو لم يحل لما سمى حالا بخلاف المقام فإذا اطمأن إلى السابقة والحسنى التي سبقت له من الله في الأزل كان هذا طمأنينة المقام إلى الأزل وهذا هو شهود أهل البقاء بعد الفناء والله أعلم 3 بسم الله الرحمن الرحيم فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الهمة وقد صدرها صاحب المنازل بقوله تعالى ما زاغ البصر وما طغى وقد تقدم أنه صدر بها باب الأدب وذكرنا وجهه وأما وجه تصدير الهمة بها فهو الإشارة إلى أن همته ما تعلقت بسوى مشهوده وما أقيم فيه ولو تجاوزته همته لتبعها بصره والهمة فعلة من الهم وهو مبدأ الإرادة ولكن خصوها بنهاية الإرادة فالهم مبدأها والهمة نهايتها وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول في بعض الآثار الإلهية يقول الله تعالى إني لا أنظر إلى كلام الحكيم وإنما أنظر إلى همته قال والعامة تقول قيمة كل امرىء ما يحسن والخاصة تقول قيمة كل امرىء ما يطلب يريد أن قيمة المرء همته ومطلبه قال صاحب المنازل الهمة ما يملك الانبعاث للمقصود صرفا لا يتمالك صاحبها ولا يلتفت عنها قوله يملك الانبعاث للمقصود أي يستولي عليه كاستيلاء المالك على المملوك وصرفا أي خالصا صرفا والمراد أن همة العبد إذا تعلقت بالحق تعالى طلبا صادقا خالصا محضا فتلك هي الهمة العالية التي لا يتمالك صاحبها أي لا يقدر على المهلة ولا يتمالك صبره لغلبة سلطانه عليه وشدة إلزامها إياه بطلب المقصود ولا يلتفت عنها إلى ما سوى أحكامها وصاحب هذه الهمة سريع وصوله وظفره بمطلوبه مالم تعقه العوائق وتقطعه العلائق والله أعلم فصل قال وهي على ثلاث درجات الدرجة الأولى همة تصون القلب عن وحشة الرغبة في الفاني وتحمله على الرغبة في الباقي وتصفيه من كدر التواني الفاني الدنيا وما عليها أي يزهد القلب فيها وفي أهلها وسمى الرغبة فيها وحشة لأنها وأهلها توحش قلوب الراغبين فيها وقلوب الزاهدين فيها أما الراغبون فيها فأرواحهم وقلوبهم في وحشة من اجسامهم إذ فاتها ما خلقت له فهي في وحشة لفواته وأما الزاهدون فيها فإنهم يرونها موحشة لهم لأنها تحول بينهم وبين مطلوبهم ومحبوبهم ولا شيء أوحش عند القلب مما يحول بينه وبين مطلوبه ومحبوبه ولذلك كان من نازع الناس أموالهم وطلبها منهم أوحش شيء إليهم وأبغضه وأيضا فالزاهدون فيها إنما ينظرون إليها بالبصائر والراغبون ينظرون إليها بالأبصار فيستوحش الزاهد مما يأنس به الراغب كما قيل وإذا أفاق القلب واندمل الهوى رأت القلوب ولم تر الأبصار وكذلك هذه الهمة تحمله على الرغبة في الباقي لذاته وهو الحق سبحانه والباقي بإبقائه هو الدار الآخرة وتصفيه من كدر التواني أي تخلصه وتمحصه من أوساخ الفتور والتواني الذي هو سبب الإضاعة والتفريط والله أعلم فصل قال الدرجة الثانية همة تورث أنفة من المبالاة بالعلل والنزول على العمل والثقة بالأمل العلل ههنا هي علل الأعمال من رؤيتها أو رؤية ثمراتها وإرادتها ونحو ذلك فإنها عندهم علل فصاحب هذه الهمة يأنف على همته وقلبه من أن يبالي بالعلل فإن همته فوق ذلك فمبالاته بها وفكرته فيها نزول من الهمة وعدم هذه المبالاة إما لأن العلل لم تحصل له لأن علو همته حال بينه وبينها فلا يبالي بما لم يحصل له وإما لأن همته وسعت مطلوبه وعلوه يأتي على تلك العلل ويستأصلها فإنه إذا علق همته بما هو أعلى منها تضمنتها الهمة العالية فاندرج حكمها في حكم الهمة العالية وهذا موضع غريب عزيز جدا وما أدري قصده الشيخ أو لا

قسم V03/P004–V03/P007

وأما أنفته من النزول على العمل فكلام يحتاج إلى تقييد وتبيين وهو أن العالي الهمة مطلبه فوق مطلب العمال والعباد وأعلى منه فهو يأنف أن ينزل من سماء مطلبه العالي إلى مجرد العمل والعبادة دون السفر بالقلب إلى الله ليحصل له ويفوز به فإنه طالب لربه تعالى طلبا تاما بكل معنى واعتبار في عمله وعبادته ومناجاته ونومه ويقظته وحركته وسكونه وعزلته وخلطته وسائر أحواله فقد انصبغ قلبه بالتوجه إلى الله تعالى أيما صبغة وهذاالأمر إنما يكون لأهل المحبة الصادقة فهم لا يقنعون بمجرد رسوم الأعمال ولا بالاقتصار على الطلب حال العمل فقط وأما أنفته من الثقة بالأمل فإن الثقة توجب الفتور والتواني وصاحب هذه الهمة ليس من أهل ذلك كيف وهو طائر لا سائر والله أعلم فصل قال الدرجة الثالثة همة تتصاعد عن الأحوال والمعاملات وتزرى بالأعواض والدرجات وننحو عن النعوت نحو الذات أي هذه الهمة أعلى من أن يتعلق صاحبها بالأحوال التي هي آثار الأعمال والواردات أو يتعلق بالمعاملات وليس المراد تعطيلها بل القيام بها مع عدم الالتفات إليها والتعلق بها ووجه صعود هذه المهمة عن هذا ما ذكره من قوله وتزري بالأعواض والدرجات وتنحو عن النعوت نحو الذات أي صاحبها لا يقف عند عوض ولا درجة فإن ذلك نزول من همته ومطلبه أعلى من ذلك فإن صاحب هذه الهمة قد قصر همته على المطلب الأعلى الذي لا شيء أعلى منه والأعواض والدرجات دونه وهو يعلم أنه إذا حصل له فهناك كل عوض ودرجة عالية وأما نحوها نحو الذات فيريد به أن صاحبها لا يقتصر على شهود الأفعال والأسماء والصفات بل الذات الجامعة لمتفرقات الأسماء والصفات والأفعال كما تقدم والله أعلم فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة المحبة وهي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون وإليها شخص العاملون وإلى علمها شمر السابقون وعليها تفانى المحبون وبروح نسيمها تروح العابدون فهي قوت القلوب وغذاء الأرواح وقرة العيون وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام وهي روح الإيمان والأعمال والمقامات والأحوال التي متى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه تحمل أثقال السائرين إلى بلاد لم يكونوا إلا بشق الأنفس بالغيها وتوصلهم إلى منازل لم يكونوا بدونها أبدا واصليها وتبوؤهم من مقاعد الصدق مقامات لم يكونوا لولاها داخليها وهي مطايا القوم التي مسراهم على ظهورها دائما إلى الحبيب وطريقهم الأقوم الذي يبلغهم إلى منازلهم الأولى من قريب تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة إذ لهم من معية محبوبهم أوفر نصيب وقد قضى الله يوم قدر مقادير الخلائق بمشيئته وحكمته البالغة أن المرء مع من أحب فيالها من نعمة على المحبين سابغة تالله لقد سبق القوم السعاة وهم على ظهور الفرش نائمون وقد تقدموا الركب بمراحل وهم في سيرهم واقفون من لي بمثل سيرك المدلل تمشي رويدا وتجي في الأول أجابوا منادي الشوق إذ نادى بهم حي على الفلاح وبذلوا نفوسهم في طلب الوصول إلى محبوبهم وكان بذلهم بالرضى والسماح وواصلوا إليه المسير بالإدلاج والغدو والرواح تالله لقد حمدوا عند الوصول سراهم وشكروا مولاهم على ما أعطاهم وإنما يحمد القوم السرى عند الصباح فحيهلا إن كنت ذا همة فقد حدا بك حادي الشوق فاطو المراحلا وقل لمنادي حبهم ورضاهم إذا ما دعا لبيك ألفا كواملا ولا تنظر الأطلال من دونهم فإن نظرت إلى الأطلال عدن حوائلا ولا تنتظر بالسير رفقة قاعد ودعه فإن الشوق يكفيك حاملا وخذ منهم زادا اليهم وسر على طريق الهدى والفقر تصبح واصلا وأحي بذكراهم سراك إذا ونت ركابك فالذكرى تعيدك عاملا وإما تخافن الكلال فقل لها أمامك ورد الوصل فابغ المناهلا وخذ قبسا من نورهم ثم سر به فنورهم يهديك ليس المشاعلا وحي على واد الأراك فقل به عساك تراهم فيه إن كنت قائلا وإلا ففي نعمان عند معرف ال أحبة فاطلبهم إذا كنت سائلا

قسم V03/P007–V03/P009

وإلا ففي جمع بليلته فإن كفت فمتى يا ويح من كان غافلا وحي على جنات عدن بقربهم منازلك الأولى بها كنت نازلا ولكن سباك الكاشحون لأجل ذا وقفت على الأطلال تبكي المنازلا فدعها رسوما دارسات فما بها مقيل فجاوزها فليست منازلا رسوم عفت يفنى بها الخلق كم بها قتيل وكم فيها لذا الخلق قاتلا وخذ يمنة عنها على المنهج الذي عليه سرى وفد المحبة آهلا وقل ساعدي يا نفس بالصبر ساعة فعند اللقا ذا الكد يصبح زائلا فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ويصبح ذو الأحزان فرحان جاذلا أول نقدة من أثمان المحبة بذل الروح فما للمفلس الجبان البخيل وسومها بدم المحب يباع وصلهم فمن الذي يبتاع بالثمن تالله ما هزلت فيستامها المفلسون ولا كسدت فيبيعها بالنسيئة المعسرون لقد أقيمت للعرض في سوق من يزيد فلم يرض لها بثمن دون بذل النفوس فتأخر البطالون وقام المحبون ينظرون أيهم يصلح أن يكون ثمنا فدارت السلعة بينهم ووقعت في يد أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين لما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى فلو يعطى الناس بدعواهم لادعى الخلي حرقة الشجي فتنوع المدعون في الشهود فقيل لا تقبل هذه الدعوى إلا ببينة قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله فتأخر الخلق كلهم وثبت أتباع الحبيب في أفعاله وأقواله وأخلاقه فطولبوا بعدالة البينة بتزكية يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم فتأخرا أكثر المحبين وقام المجاهدون فقيل لهم إن نفوس المحبين وأموالهم ليست لهم فهلموا إلى بيعة إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة فلما عرفوا عظمة المشتري وفضل الثمن وجلالة من جرى على يديه عقد التبايع عرفوا قدر السلعة وأن لها شأنا فرأوا من أعظم الغبن أن يبيعوها لغيره بثمن بخس فعقدوا معه بيعة الرضوان بالتراضي من غير ثبوت خيار وقالوا والله لا نقيلك ولا نستقيلك فلما تم العقد وسلموا المبيع قيل له مذ صارت نفوسكم وأموالكم لنا رددناها عليكم أوفر ما كانت وأضعافها معا ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله إذا غرست شجرة المحبة في القلب وسقيت بماء الإخلاص ومتابعة الحبيب أثمرت أنواع الثمار وآتت أكلها كل حين بإذن ربها أصلها ثابت في قرار القلب وفرعها متصل بسدرة المنتهى لا يزال سعي المحب صاعدا إلى حبيبه لا يحجبه دونه شيء إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه فصل لا تحد المحبة بحد أوضح منها فالحدود لا تزيدها إلا خفاء وجفاء فحدها وجودها ولا توصف المحبة بوصف أظهر من المحبة وإنما يتكلم الناس في أسبابها وموجباتها وعلاماتها وشواهدها وثمراتها وأحكامها فحدودهم ورسومهم دارت على هذه الستة وتنوعت بهم العبارات وكثرت الإشارات بحسب إدراك الشخص ومقامه وحاله وملكه للعبارة وهذه المادة تدور في اللغة على خمسة أشياء أحدها الصفاء والبياض ومنه قولهم لصفاء بياض الأسنان ونضارتها حبب الأسنان الثاني العلو والظهور ومنه حبب الماء وحبابه وهو ما يعلوه عند المطر الشديد وحبب الكأس منه الثالث اللزوم والثبات ومنه حب البعير وأحب إذا برك ولم يقم قال الشاعر حلت عليه بالفلاة ضربا ضرب بعير السوء إذ أحبا الرابع اللب ومنه حبة القلب للبه وداخله ومنه الحبة لواحدة الحبوب إذي أصل الشيء ومادته وقوامه الخامس الحفظ والإمساك ومنه حب الماء للوعاء الذي يحفظ فيه ويمسكه وفيه معنى الثبوت أيضا ولا ريب أن هذه الخمسة من لوازم المحبة فإنها صفاء المودة وهيجان إرادات القلب للمحبوب وعلوها وظهورها منه لتعلقها بالمحبوب المراد وثبوت إرادة القلب للمحبوب ولزومها لزوما لا تفارقه ولإعطاء المحب محبوبه لبه وأشرف ما عنده وهو قلبه ولاجتماع عزماته وإرداته وهمومه على محبوبه فاجتمعت فيها المعاني الخمسة ووضعوا لمعناها حرفين مناسبين للمسمى غاية المناسبة الحاء التي هي من أقصى الحلق والباء الشفوية التي هي نهايته فللحاء الابتداء وللباء الانتهاء وهذا شأن المحبة وتعلقها بالمحبوب فإن ابتداءها منه وانتهاءها إليه وقالوا في فعلها حبه وأحبة قال الشاعر

قسم V03/P009–V03/P012

أحب أبا ثروان من حب تمره ولم تعلم أن الرفق بالجار أرفق فوالله لولا تمره ما حببته ولا كان أدنى من عبيد ومشرق ثم اقتصروا على اسم الفاعل من أحب فقالوا محب ولم يقولوا حاب واقتصروا على اسم المفعول من حب فقالوا محبوب ولم يقولوا محب إلا قليلا كما قال الشاعر ولقد نزلت فلا تظني غيره مني بمنزلة المحب المكرم وأعطوا الحب حركة الضم التي هي أشد الحركات وأقواها مطابقة لشدة حركة مسماه وقوتها وأعطوا الحب وهو المحبوب حركة الكسر لخفتها عن الضمة وخفة المحبوب وخفة ذكره على قلوبهم وألسنتهم من إعطائه حكم نظائره كنهب بمعنى منهوب وذبح بمعنى مذبوح وحمل للمحمول بخلاف الحمل الذي هو مصدر لخفته ثم ألحقوا به حملا لا يشق على حامله حمله كحمل الشجرة والولد فتأمل هذا اللطف والمطابقة والمناسبة العجيبة بين الألفاظ والمعاني تطلعك على قدر هذه اللغة وأن لها شأنا ليس لسائر اللغات فصل في ذكر رسوم وحدود قيلت في المحبة بحسب آثارها وشواهدها والكلام على ما يحتاج إليه منها الأول قيل المحبة الميل الدائم بالقلب الهائم وهذا الحد لا تمييز فيه بين الحبة الخاصة والمشتركة والصحيحة والمعلولة الثاني إيثار المحبوب على جميع المصحوب وهذا حكم من أحكام المحبة وأثر من آثارها الثالث موافقة الحبيب في المشهد والمغيب وهذا أيضا موجبها ومقتضاها وهو أكمل من الحدين قبله فإنه يتناول المحبة الصادقة الصحيحة خاصة بخلاف مجرد الميل والإيثار بالإرادة فإنه إن لم تصحبه موافقة فمحبته معلولة الرابع محو الحب لصفاته وإثبات المحبوب لذاته وهذا أيضا من أحكام الفناء في المحبة أن تنمحي صفات المحب وتفنى في صفات محبوبه وذاته وهذا يستدعي بيانا أتم من هذا لا يدركه إلا من أفناه وارد المحبة عنه وأخذه منه الخامس مواطأة القلب لمرادات المحبوب وهذا أيضا من موجباتها وأحكامها والموطأة الموافقة لمرادات المحبوب وأوامره ومراضيه السادس خوف ترك الحرمة مع إقامة الخدمة وهذا أيضا من أعلامها وشواهدها وآثارها أن يقوم بالخدمة كما ينبغي مع خوفه من ترك الحرمة والتعظيم السابع استقلال الكثير من نفسك واستكثار القليل من حبيبك وهذا قول أبي يزيد وهو أيضا من أحكامها وموجباتها وشواهدها والمحب الصادق لو بذل لمحبوبه جميع ما يقدر عليه لاستقله واستحيى منه ولو ناله من محبوبه أيسر شيء لاستكثره واستعظمه الثامن استكثار القليل من جنايتك واستقلال الكثير من طاعتك وهو قريب من الذي قبله لكنه مخصوص بما من المحب التاسع معانقة الطاعة ومباينة المخالفة وهو لسهل بن عبدالله وهو أيضا حكم المحبة وموجبها العاشر دخول صفات المحبوب على البدل من صفات المحب وهو للجنيد وفيه غموض ومراده أن استيلاء ذكر المحبوب وصفاته وأسمائه على قلب المحب حتى لا يكون الغالب عليه إلا ذلك ولا يكون شعوره وإحساسه في الغالب إلا بها فيصير شعوره وإحساسه بدلا من شعوره وإحساسه بصفات نفسه وقد يحتمل معنى أشرف من هذا وهو تبدل صفات المحب الذميمة التي لا توافق صفات المحبوب بالصفات الجميلة المحبوبة التي توافق صفاته والله أعلم الحادي عشر أن تهب كلك لمن أحببت فلا يبقى لك منك شيء وهو لأبي عبدالله القرشي وهو أيضا من موجبات المحبة وأحكامها والمراد أن تهب إرادتك وعزمك وأفعالك ونفسك ومالك ووقتك لمن تحبه وتجعلها حبسا في مرضاته ومحابه فلا تأخذ لنفسك منها إلا ما أعطاك فتأخذه منه له الثاني عشر أن تمحو من القلب ما سوى المحبوب وهو للشبلي وكمال المحبة يقتضي ذلك فإنه ما دامت في القلب بقية لغيره ومسكن لغيره فالمحبة مدخولة الثالث عشر إقامة العتاب على الدوام وهو لابن عطاء وفيه غموض ومراده أن لا تزال عاتبا على نفسك في مرضاة المحبوب وأن لا ترضى له فيها عملا ولا حالا الرابع عشر أن تغار على المحبوب أن يحبه مثلك وهو للشبلي أيضا وفيه كلام سنذكره إن شاء الله في منزلة الغيرة ومراده احتقارك لنفسك واستصغارها أن يكون مثلك من محبيه الخامس عشر إرادة غرست أغصانها في القلب فأثمرت الموافقة والطاعة

قسم V03/P012–V03/P015

السادس عشر أن ينسى المحب حظه في محبوبه وينسى حوائجه إليه وهو لأبي يعقوب السوسي ومراده أن استيلاء سلطانها على قلبه غيبه عن حظوظه وعن حوائجه واندرجت كلها في حكم المحبة السابع عشر مجانبة السلو على كل حال وهو للنصراباذي وهو أيضا من لوازمها وثمراتها كما قيل مرت بأرجاء الخيال طيوفه فبكت على رسم السلو الدارس الثامن عشر توحيد المحبوب بخالص الإرادة وصدق الطلب التاسع عشر سقوط كل محبة من القلب إلا محبة الحبيب وهو لمحمد بن الفضل ومراده توحيد المحبوب بالمحبة العشرون غض طرف القلب عما سوى المحبوب غيرة وعن المحبوب هيبة وهذا يحتاج إلى تبيين أما الأول فظاهر وأما الثاني فإن غض طرف القلب عن المحبوب مع كمال محبته كالمستحيل ولكن عند استيلاء الهيبة يقع مثل هذا وذلك من علامات المحبة المقارنة للهيبة والتعظيم وقد قيل إن هذا تفسير قول النبي حبك الشيء يعمي ويصم أي يعمى عما سواه غيرة وعنه هيبة وليس هذا مراد الحديث ولكن المراد به أن حبك للشيء يعمي ويصم عن تأمل قبائحه ومساويه فلا تراها ولا تسمعها وإن كانت فيه وليس المراد به ذكر المحبة المطلوبة المتعلقة بالرب ولا يقال في حب الرب تبارك وتعالى حبك الشيء ولا يوصف صاحبها بالعمى والصم ونحن لا ننكر المرتبتين المذكورتين فإن المحب قد يعمى ويصم عنه بالهيبة والإجلال ولكن لا توصف محبة العبد لربه تعالى بذلك وليس أهلها من أهل العمى والصمم بل هم أهل الأسماع والأبصار على الحقيقة ومن سواهم هم البكم العمي الصم الذين لا يعقلون الحادي والعشرون ميلك للشيء بكليتك ثم إيثارك له على نفسك وروحك ومالك ثم موافقتك له سرا وجهرا ثم علمك بتقصيرك في حبه قال الجنيد سمعت الحارث المحاسبي يقول ذلك الثاني والعشرون المحبة نار في القلب تحرق ما سوى مراد المحبوب وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول لمت بعض الإباحية فقال لي ذلك ثم قال والكون كله مراده فأي شيء أبغض منه قال الشيخ فقلت له إذا كان المحبوب قد أبغض أفعالا وأقوالا وأقواما وعاداهم فطردهم ولعنهم فأحببتهم تكون مواليا للمحبوب أو معاديا له قال فكأنما ألقم حجرا وافتضح بين أصحابه وكان مقدما فيهم مشارا إليه وهذا الحد صحيح وقائله إنما أراد أنها تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب الديني الأمري الذي يحبه ويرضاه لا المراد الذي قدره وقضاه لكن لقلة حظ المتأخرين منهم وغيرهم من العلم وقعوا فيما وقعوا فيه من الإباحة والحلول والاتحاد والمعصوم من عصمه الله الثالث والعشرون المحبة بذل المجهود وترك الاعتراض على المحبوب وهذا أيضا من حقوقها وثمراتها وموجباتها الرابع والعشرون سكر لا يصحو صاحبه إلا بمشاهدة محبوبه ثم السكر الذي يحصل عند المشاهدة لا يوصف وأنشد فأسكر القوم دور الكأس بينهم لكن سكري نشا من رؤية الساقي وينبغي صون المحبة والحبيب عن هذه الألفاظ التي غاية صاحبها أن يعذر بصدقه وغلبة الوارد عليه وقهره له فمحبة الله أعلى وأجل من أن تضرب لها هذه الأمثال وتجعل عرضة للأفواه المتلوثة والألفاظ المبتدعة ولكن الصادق في خفارة صدقه الخامس والعشرون أن لا يؤثر على المحبوب غيره وأن لا يتولى أمورك غيره السادس والعشرون الدخول تحت رق المحبوب وعبوديته والحرية من استرقاق ما سواه السابع والعشرون المحبة سفر القلب في طلب المحبوب ولهج اللسان بذكره على الدوام قلت أما سفر القلب في طلب المحبوب فهو الشوق إلى لقائه وأما لهج اللسان بذكره فلا ريب أن من أحب شيئا أكثر من ذكره الثامن والعشرون أن المحبة هي مالا ينقص بالجفاء ولا تزيد بالبر وهو ليحيى بن معاذ بل الإرادة والطلب والشوق إلى المحبوب لذاته فلا ينقص ذلك جفاؤه ولا يزيده بره

قسم V03/P015–V03/P017

وفي ذلك ما فيه فإن المحبة الذاتية تزيد بالبر ولا تنقصها زيادتها بالبر وليس ذلك بعلة ولكن مراد يحيى أن القلب قد امتلأ بالمحبة الذاتية فإذا جاء البر من محبوبه لم يجد في القلب مكانا خاليا من حبه يشغله محبة البر بل تلك المحبة قد استحقت عليه بالذات بلا سبب ومع هذا فلا يزيل الوهم فإن المحبة لا نهاية لها وكلما قويت المعرفة والبر قويت المحبة ولا نهاية لجمال المحبوب ولا بره فلا نهاية لمحبته بل لو اجتمعت محبة الخلق كلهم وكانت على قلب رجل واحد منهم كان ذلك دون ما يستحقه الرب جل جلاله ولهذا لا تسمى محبة العبد لربه عشقا كما سيأتي لأنه إفراط المحبة والعبد لا يصل في محبة الله إلى حد الإفراط البتة والله أعلم التاسع والعشرون المحبة أن يكون كلك بالمحبوب مشغولا وذلك له مبذولا الثلاثون وهو من أجمع ما قيل فيها قال أبو بكر الكتاني جرت مسألة في المحبة بمكة أعزها الله تعالى أيام الموسم فتكلم الشيوخ فيها وكان الجنيد أصغرهم سنا فقالوا هات ما عندك يا عراقي فأطرق رأسه ودمعت عيناه ثم قال عبد ذاهب عن نفسه متصل بذكر ربه قائم بأداء حقوقه ناظر إليه بقلبه أحرقت قلبه أنوار هيبته وصفا شربه من كأس وده وانكشف له الجبار من أستار غيبه فإن تكلم فبالله وإن نطق فعن الله وإن تحرك فبأمر الله وإن سكن فمع الله فهو بالله ولله ومع الله فبكى الشيوخ وقالوا ما على هذا مزيد جزاك الله يا تاج العارفين فصل في الأسباب الجالبة للمحبة والموجبة لها وهي عشرة أحدها قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أريد به كتدبر الكتاب الذي يحفظه العبد ويشرحه ليتفهم مراد صاحبه منه الثاني التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض فإنها توصله إلى درجة المحبوبية بعد المحبة الثالث دوام ذكره على كل حال باللسان والقلب والعمل والحال فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من هذا الذكر الرابع إيثار محابه على محابك عند غلبات الهوى والتسنم إلى محابه وإن صعب المرتقى الخامس مطالعة القلب لأسمائه وصفاته ومشاهدتها ومعرفتها وتقلبه في رياض هذه المعرفة ومباديها فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أحبه لا محالة ولهذا كانت المعطلة والفرعونية والجهمية قطاع الطريق على القلوب بينها وبين الوصول إلى المحبوب السادس مشاهدة بره وإحسانه وآلائه ونعمه الباطنة والظاهرة فإنها داعية إلى محبته السابع وهو من أعجبها انكسار القلب بكليته بين يدي الله تعالى وليس في التعبير عن هذا المعنى غير الأسماء والعبارات الثامن الخلوة به وقت النزول الإلهي لمناجاته وتلاوة كلامه والوقوف بالقلب والتأدب بأدب العبودية بين يديه ثم ختم ذلك بالاستغفار والتوبة التاسع مجالسة المحبين الصادقين والتقاط أطايب ثمرات كلامهم كما ينتقى أطايب الثمر ولا تتكلم إلا إذا ترجحت مصلحة الكلام وعلمت أن فيه مزيدا لحالك ومنفعة لغيرك العاشر مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل فمن هذه الأسباب العشرة وصل المحبون إلى منازل المحبة ودخلوا على الحبيب وملاك ذلك كله أمران 1 استعداد الروح لهذا الشأن 2 وانفتاح عين البصيرة وبالله التوفيق فصل والكلام في هذه المنزلة معلق بطرفين طرف محبة العبد لربه وطرف محبة الرب لعبده والناس في إثبات ذلك ونفيه أربعة أقسام فأهل يحبهم ويحبونه على إثبات الطرفين وأن محبة العبد لربه فوق كل محبة تقدر ولا نسبة لسائر المحاب إليها وهي حقيقة لا إله إلا الله وكذلك عندهم محبة الرب لأوليائه وأنبيائه ورسله صفة زائدة على رحمته وإحسانه وعطائه فإن ذلك أثر المحبة وموجبها فإنه لما أحبهم كان نصيبهم من رحمته وإحسانه وبره أتم نصيب والجهمية المعطلة عكس هؤلاء فإنه عندهم لا يحب ولا يحب ولم يمكنهم تكذيب النصوص فأولوا نصوص محبة العباد له على محبة طاعته وعبادته والازدياد من الأعمال لينالوا بها الثواب وإن أطلقوا عليهم بها لفظ المحبة ينالون به من الثواب والأجر والثواب المنفصل عندهم هو المحبوب لذاته والرب تعالى محبوب لغيره حب الوسائل

قسم V03/P017–V03/P020

وأولوا نصوص محبته لهم بإحسانه إليهم وإعطائهم الثواب وربما أولوها بثنائه عليهم ومدحه لهم ونحو ذلك وربما أولوها بإراداته لذلك فتارة يؤولونها بالمفعول المنفصل وتارة يؤولونها بنفس الإرادة ويقولون الإرادة إن تعلقت بتخصيص العبد بالأحوال والمقامات العلية سميت محبة وإن تعلقت بالعقوبة والانتقام سميت غضبا وإن تعلقت بعموم الإحسان والإنعام الخاص سميت برا وإن تعلقت بإيصاله في خفاء من حيث لا يشعر ولا يحتسب سميت لطفا وهي واحدة ولها أسماء وأحكام باعتبار متعلقاتها ومن جعل محبته للعبد ثناءه عليه ومدحه له ردها إلى صفة الكلام فهي عنده من صفات الذات لا من صفات الأفعال والفعل عنده نفس المفعول فلم يقم بذات الرب محبة لعبده ولا لأنبيائه ورسله البتة ومن ردها إلى صفة الإرادة جعلها من صفات الذات باعتبار أصل الإرادة ومن صفات الأفعال باعتبار تعلقها ولما رأى هؤلاء أن المحبة إرادة وأن الإرادة لا تتعلق إلا بالمحدث المقدور والقديم يستحيل أن يراد أنكروا محبة العباد والملائكة والأنبياء والرسل له وقالوا لا معنى لها إلا إرادة التقرب إليه والتعظيم له وإرادة عبادته فأنكروا خاصة الإلهية وخاصة العبودية واعتقدوا أن هذا من موجبات التوحيد والتنزيه فعندهم لا يتم التوحيد والتنزيه إلا بجحد حقيقة الإلهية وجحد حقيقة العبودية وجميع طرق الأدلة عقلا ونقلا وفطرة وقياسا واعتبارا وذوقا ووجدا تدل على إثبات محبة العبد لربه والرب لعبده وقد ذكرنا لذلك قريبا من مائة طريق في كتابنا الكبير في المحبة وذكرنا فيه فوائد المحبة وما تثمر لصاحبها من الكمالات وأسبابها وموجباتها والرد على من أنكرها وبيان فساد قوله وأن المنكرين لذلك قد أنكروا خاصة الخلق والأمر والغاية التي وجدوا لأجلها فإن الخلق والأمر والثواب والعقاب إنما نشأ عن المحبة ولأجلها وهي الحق الذي به خلقت السموات والأرض وهي الحق الذي تضمنه الأمر والنهي وهي سر التأليه وتوحيدها هو شهادة أن لا إله إلا الله وليس كما زعم المنكرون أن الإله هو الرب الخالق فإن المشركين كانوا مقرين بأنه لا رب إلا الله ولا خالق سواه وبأنه وحده المنفرد بالخلق والربوبية ولم يكونوا مقرين بتوحيد الإلهية وهو المحبة والتعظيم بل كانوا يؤلهون مع الله غيره وهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله وصاحبه ممن اتخذ من دون الله أندادا قال الله تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله فأخبر أن من أحب من دون الله شيئا كما يحب الله تعالى فهو ممن اتخذ من دون الله أندادا فهذا ند في المحبة لا في الخلق والربوبية فإن أحدا من أهل الأرض لم يثبت هذا الند في الربوبية بخلاف ند المحبة فإن أكثر أهل الأرض قد اتخذوا من دون الله أندادا في الحب والتعظيم ثم قال والذين آمنوا أشد حبا لله وفي تقدير الآية قولان أحدهما والذين آمنوا أشد حبا لله من أصحاب الأنداد لأندادهم وآلهتهم التي يحبونها ويعظمونها من دون الله والثاني والذين آمنوا أشد حبا لله من محبة المشركين في الأنذار فإن محبة المؤمنين خالصة ومحبة أصحاب الأنداد قد ذهبت أندادهم بقسط منها والمحبة الخالصة أشد من المشتركة والقولان مرتبان على القولين في قوله تعالى يحبونهم كحب الله فإن فيها قولان أحدهما يحبونهم كما يحبون الله فيكون قد أثبت لهم محبة الله ولكنها محبة يشركون فيها مع الله أندادا والثاني أن المعنى يحبون أندادهم كما يحب المؤمنون الله ثم بين أن محبة المؤمنين لله أشد من محبة أصحاب الأنداد لأندادهم وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يرجح القول الأول ويقول إنما ذموا بأن أشركوا بين الله وبين أندادهم في المحبة ولم يخلصوها لله كمحبة المؤمنين له

قسم V03/P020–V03/P022

وهذه التسوية المذكورة في قوله تعالى حكاية عنهم وهم في النار يقولون لآلهتهم وأندادهم وهي محضرة معهم في العذاب تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين ومعلوم أنهم لم يسووهم برب العالمين في الخلق والربوبية وإنما سووهم به في المحبة والتعظيم وهذا أيضا هو العدل المذكور في قوله تعالى ثم الذين كفروا بربهم يعدلون أي يعدلون به غيره في العبادة التي هي المحبة والتعظيم وهذا أصح القولين وقيل الباء بمعنى عن والمعنى ثم الذين كفروا عن ربهم يعدلون عن عبادته إلى عبادة غيره وهذا ليس بقوي إذ لا تقول العرب عدلت بكذا أي عدلت عنه وإنما جاء هذا في فعل السؤال نحو سألت بكذا أي عنه كأنهم ضمنوه اعتنيت به واهتممت ونحو ذلك وقال تعالى إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله وهي تسمى آية المحبة قال أبو سليمان الداراني لما ادعت القلوب محبة الله أنزل الله لها محنة قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله قال بعض السلف ادعى قوم محبة الله فأنزل الله آية المحنة قل إن كنتم تحبون الله فايتبعوني يحببكم الله وقال يحبكم الله إشارة إلى دليل المحبة وثمرتها وفائدتها فدليلها وعلامتها اتباع الرسول وفائدتها وثمرتها محبة المرسل لكم فما لم تحصل المتابعة فليست محبتكم له حاصلة ومحبته لكم منتفية وقال تعالى يا أيا الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم فقد ذكر لهم أربع علامات أحدها أنهم أذلة على المؤمنين قيل معناه أرقاء رحماء مشفقين عليهم عاطفين عليهم فلما ضمن أذلة هذا المعنى عداه بأداة على قال عطاء للمؤمنين كالولد لوالده والعبد لسيده وعلى الكافرين كالأسد على فريسته أشداء على الكفار رحماء بينهم العلامة الثالثة الجهاد في سبيل الله بالنفس واليد واللسان والمال وذلك تحقيق دعوى المحبة العلامة الرابعة أنهم لا تأخذهم في الله لومة لائم وهذا علامة صحة المحبة فكل محب يأخذه اللوم عن محبوبه فليس بمحب على الحقيقة كما قيل لا كان من لسواك فيه بقية يجد السبيل بها إليه اللوم وقال تعالى أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب إلى قوله محذورا فذكر المقامات الثلاث الحب وهو ابتغاء القرب إليه والتوسل إليه بالأعمال الصالحة والرجاء والخوف يدل على أن ابتغاء الوسيلة أمر زائد على رجاء الرحمة وخوف العذاب ومن المعلوم قطعا أنك لا يتنافس إلا في قرب من تحب قربه وحب قربه تبع لمحبة ذاته بل محبة ذاته أوجبت محبة القرب منه وعند الجهمية والمعطلة ما من ذلك كله شيء فإنه عندهم لا تقرب ذاته من شيء ولا يقرب من ذاته شيء ولا يحب لذاته ولا يحب فأنكروا حياة القلوب ونعيم الأرواح وبهجة النفوس وقرة العيون وأعلى نعيم الدنيا والأخرة ولذلك ضربت قلوبهم بالقسوة وضربت دونهم ودون الله حجب على معرفته ومحبته فلا يعرفونه ولا يحبونه ولا يذكرونه إلا عند تعطيل أسمائه وصفاته فذكرهم أعظم آثامهم وأوزارهم بل يعاقبون من يذكره بأسمائه وصفاته ونعوت جلاله ويرمونهم بالأدواء التي هم أحق بها وأهلها وحسب ذي البصيرة وحياة القلب ما يرى على كلامهم من القسوة والمقت والتنفير عن محبة الله عز وجل ومعرفته وتوحيده والله المستعان وقال تعالى ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه وقال أحبابه وأولياؤه إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا وقال تعالى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى فجعل غاية أعمال الأبرار والمقربين والمحبين إرادة وجهه

قسم V03/P022–V03/P024

وقال تعالى وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما فجعل إرادته غير إرادة الآخرة وهذه الأرادة لوجهه موجبة للذة النظر إليه في الآخرة كما في مستدرك الحاكم وصحيح ابن حبان في الحديث المرفوع عن النبي أنه كان يدعو اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني إذا كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضى وأسألك القصد في الفقر والغنى وأسألك نعيما لا ينفد وأسألك قرة عين لا تنقطع وأسألك الرضى بعد القضاء وبرد العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر إلى وجهك وأسألك الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين فقد اشتمل هذا الحديث الشريف على ثبوت لذة النظر إلى وجه الله وعلى ثبوت الشوق إلى لقائه وعند الجهمية لا وجه له سبحانه ولا ينظر إليه فضلا أن يحصل به لذة كما سمع بعضهم داعيا يدعو بهذا الدعاء فقال ويحك هب أن له وجها أفتلتذ بالنظر إليه وفي الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله يقول الله تعالى من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي من أداء ما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وفي الصحيحين عنه أيضا عن النبي إذا أحب الله العبد دعا جبريل فقال إني أحب فلانا فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض / ح / وذكر في البغض عكس ذلك وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها في حديث أمير السرية الذي كان يقرأ قل هو الله أحد لأصحابه في كل صلاة وقال لأنها صفة الرحمن فأنا أحب أن أقرأ بها فقال النبي أخبروه أن الله يحبه وفي جامع الترمذي من حديث أبي إدريس الخولاني عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي أنه قال كان من دعاء داود اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك والعمل الذي يبلغني حبك اللهم اجعل حبك أحب إلي من نفسي وأهلي ومن الماء البارد وفيه أيضا من حديث عبدالله بن يزيد الخطمي أن النبي كان يقول في دعائه اللهم ارزقني حبك وحب من ينفعني حبه عندك اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب وما زويت عني مما أحب فاجعله فراغا فيما تحب والقرآن والسنة مملوآن بذكر من يحبه الله سبحانه من عباده المؤمنين وذكر ما يحبه من أعمالهم وأقوالهم وأخلاقهم كقوله تعالى والله يحب الصابرين والله يحب المحسنين إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص فإن الله يحب المتقين وقوله في ضد ذلك والله لا يحب الفساد والله لا يحب كل مختال فخور والله لا يحب الظالمين إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا وكم في السنة أحب الأعمال إلى الله كذا وكذا وإن الله يحب كذا وكذا كقوله أحب الأعمال إلى الله الصلاة على أول وقتها ثم بر الوالدين ثم الجهاد في سبيل اللهوأحب الأعمال إلى الله الإيمان بالله ثم الجهاد في سبيل الله ثم حج مبرور وأحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وقوله إن الله يحب أن يؤخذ برخصه

قسم V03/P024–V03/P027

وأضعاف أضعاف ذلك وفرحه العظيم بتوبة عبده الذي هو أشد فرح يعلمه العباد وهو من محبته للتوبة وللتائب فلو بطلت مسألة المحبة لبطلت جميع مقامات الإيمان والإحسان ولتعطلت منازل السير إلى الله فإنها روح كل مقام ومنزلة وعمل فإذا خلا منها فهو ميت لا روح فيه ونسبتها إلى الأعمال كنسبة الإخلاص إليها بل هي حقيقة الإخلاص بل هي نفس الإسلام فإنه الاستسلام بالذل والحب والطاعة لله فمن لا محبة له لا إسلام له البتة بل هي حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله فإن الإله هو الذي يأله العباد حبا وذلا وخوفا ورجاء وتعظيما وطاعة له بمعنى مألوه وهو الذي تألهه القلوب أي تحبه وتذل له وأصل التأله التعبد والتعبد آخر مراتب الحب يقال عبده الحب وتيمه إذا ملكه وذلله لمحبوبه فالمحبة حقيقة العبودية وهل تمكن الإنابة بدون المحبة والرضى والحمد والشكر والخوف والرجاء وهل الصبر في الحقيقة إلا صبر المحبين فإنه إنما يتوكل على المحبوب في حصول محابه ومراضيه وكذلك الزهد في الحقيقة هو زهد المحبين فإنهم يزهدون في محبة ما سوى محبوبهم لمحبته وكذلك الحياء في الحقيقة إنما هو حياء المحبين فإنه يتولد من بين الحب والتعظيم وأما مالا يكون عن محبة فذلك خوف محض وكذلك مقام الفقر فإنه في الحقيقة فقر الأرواح إلى محبوبها وهو أعلى أنواع الفقر فإنه لا فقر أتم من فقر القلب إلى من يحبه ولا سيما إذا وحده في الحب ولم يجد منه عوضا سواه هذا حقيقة الفقر عند العارفين وكذلك الغنى هو غنى القلب بحصول محبوبه وكذلك الشوق إلى الله تعالى ولقائه فإنه لب المحبة وسرها كما سيأتي فمنكر هذه المسألة ومعطلها من القلوب معطل لذلك كله وحجابه أكثف الحجب وقلبه أقسى القلوب وأبعدها عن الله وهو منكر لخلة إبراهيم عليه السلام فإن الخلة كمال المحبة وهو يتأول الخليل بالمحتاج فخليل الله عنده هو المحتاج فكم على قوله لله من خليل من بر فاجر بل مؤمن وكافر إذ كثير من الفجار والكفار من ينزل حوائجه كلها بالله صغيرها وكبيرها ويرى نفسه أحوج شيء إلى ربه في كل حالة فلا بالخلة أقر المنكرون ولا بالعبودية ولا بتوحيد الإلهية ولا بحقائق الإسلام والإيمان والإحسان ولهذا ضحى خالد بن عبدالله القسرى بمقدم هؤلاء وشيخهم جعد بن درهم وقال في يوم عيد الله الأكبر عقيب خطبته أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه فشكر المسلمون سعيه ورحمه الله وتقبل منه فصل في مراتب المحبة أولها العلاقة وسميت علاقة لتعلق القلب بالمحبوب قال الشاعر أعلاقة أم الوليد بعيد ما أفنان رأسك كالثغام المخلس الثانية الإرادة وهي ميل القلب إلى محبوبه وطلبه له الثالثة الصبابة وهي انصباب القلب إليه بحيث لا يملكه صاحبه كانصباب الماء في الحدور فاسم الصفة منها صب والفعل صبا إليه يصبو صبا وصبابة فعاقبوا بين المضاعف والمعتل وجعلوا الفعل من المعتل والصفة من المضاعف ويقال صبا وصبوة وصبابة فالصبا أصل الميل والصبوة فوقه والصبابة الميل اللازم وإنصباب القلب بكليته الرابعة الغرام وهو الحب اللازم للقلب الذي لا يفارقه بل يلازمه كملازمة الغريم لغريمه ومنه سمي عذاب النار غراما للزومه لأهله وعدم مفارقته لهم قال تعالى إن عذابها كان غراما الخامسة الوداد وهو صفو المحبة وخالصها ولبها والودود من أسماء الرب تعالى وفيه قولان أحدهما أنه المودود قال البخاري رحمه الله في صحيحه الودود الحبيب والثاني أنه الواد لعباده أي المحب لهم وقرنه باسمه الغفور إعلاما بأنه يغفر الذنب ويحب التائب منه ويوده فحظ التائب نيل المغفرة منه وعلى القول الأول الودود في معنى يكون سر الاقتران أي اقتران الودود بالغفور استدعاء مودة العباد له ومحبتهم إياه باسم الغفور السادسة الشغف يقال شغف بكذا فهو مشغوف به وقد شغفه المحبوب أي وصل حبه إلى شغاف قلبه كما قال النسوة عن امرأة العزيز قد شغفها حبا وفيه ثلاثة أقوال

قسم V03/P027–V03/P029

أحدها أنه الحب المستولي على القلب بحيث يحجبه عن غيره قال الكلبي حجب حبه قلبها حتى لا تعقل سواه الثاني الحب الواصل إلى داخل القلب قال صاحب هذا القول المعنى أحبته حتى دخل حبه شغاف قلبها أي داخله الثالث أنه الحب الواصل إلى غشاء القلب والشغاف غشاء القلب إذا وصل الحب إليه باشر القلب قال السدى الشغاف جلدة رقيقة على القلب يقول دخله الحب حتى أصاب القلب وقرأ بعض السلف شعفها بالعين المهملة ومعناه ذهب الحب بها كل مذهب وبلغ بها أعلى مراتبه ومنه شعف الجبال لرؤوسها السابعة العشق وهو الحب المفرط الذي يخاف على صاحبه منه وعليه عليه تأول إبراهيم ومحمد بن عبدالوهاب ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به قال محمد هو العشق ورفع إلى ابن عباس شاب رضي الله عنهما وهو يعرفه قد صار كالخلال فقال ما به قالوا العشق فجعل ابن عباس رضي الله عنهما عامة دعائه بعرفة الاستعاذة من العشق وفي اشتقاقه قولان أحدهما أنه من العشقة محركة وهي نبت أصفر يلتوي على الشجر فشبه به العاشق والثاني أنه من الإفراط وعلى القولين فلا يوصف به الرب تبارك وتعالى ولا العبد في محبة ربه وإن أطلقه سكران من المحبة قد أفناه الحب عن تمييزه كان في خفارة صدقه ومحبته الثامنة التتيم وهو التعبد والتذلل يقال تيمه الحب أي ذلله وعبده وتيم الله عبدالله وبينه وبين اليتم الذي هو الانفراد تلاق في الاشتقاق الأوسط وتناسب في المعنى فإن المتيم المنفرد بحبه وشجوه كانفراد اليتيم بنفسه عن أبيه وكل منهما مكسور ذليل هذا كسره يتم وهذا كسره تتيم التاسعة التعبد وهو فوق التتيم فإن العبد هو الذي قد ملك المحبوب رقه فلم يبق له شيء من نفسه البتة بل كله عبد لمحبوبه ظاهرا وباطنا وهذا هو حقيقة العبودية ومن كمل ذلك فقد كمل مرتبتها ولما كمل سيد ولد آدم هذه المرتبة وصفه الله بها في أشرف مقاماته مقام الإسراء كقوله سبحان الذي أسرى بعبده ومقام الدعوة كقوله وأنه لما قام عبدالله يدعوه ومقام التحدي كقوله وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا وبذلك استحق التقديم على الخلائق في الدنيا والآخرة وكذلك يقول المسيح عليه الصلاة والسلام لهم إذا طلبوا منه الشفاعة بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول فحصلت له تلك المرتبة بتكميل عبوديته الله تعالى وكمال مغفرة الله له وحقيقة العبودية الحب التام مع الذل التام والخضوع للمحبوب تقول العرب طريق معبد أي قد ذللته الأقدام وسهلته العاشرة مرتبة الخلة التي انفرد بها الخليلان إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم كما صح عنه أنه قال إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا وقال لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الرحمن والحديثان في الصحيح وهما يبطلان قول من قال الخلة لابراهيم والمحبة لمحمد فابراهيم خليله ومحمد حبيبه والخلة هي المحبة التي تخللت روح المحب وقلبه حتى لم يبق فيه موضع لغير المحبوب كما قيل قد تخللت مسلك الروح مني ولذا سمي الخليل خليلا

قسم V03/P029–V03/P031

وهذا هو السر الذي لأجله والله أعلم أمر الخليل بذبح ولده وثمرة فؤاده وفلذة كبده لأنه لما سأل الولد فأعطيه تعلقت به شعبة من قلبه والخلة منصب لا يقبل الشركة والقسمة فغار الخليل على خليله أن يكون في قلبه موضع لغيره فأمره بذبح الولد ليخرج المزاحم من قلبه فلما وطن نفسه على ذلك وعزم عليه عزما جازما حصل مقصود الأمر فلم يبق في إزهاق نفس الولد مصلحة فحال بينه وبينه وفداه بالذبح العظيم وقيل له يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا أي عملت عمل المدق إنا كنا كذلك نجزي المحسنين نجزي من بادر إلى طاعتنا فنقر عنه كما أقررنا عينك بامتثال أوامرنا وإبقاء الولد وسلامته إن هذا لهو البلاء المبين وهو اختبار المحبوب لمحبه وامتحانه إياه ليؤثر مرضاته فيتم عليه نعمه فهو بلاء محنة ومنحة عليه معا وهذه الدعوة إنما دعا إليها بها خواص خلقه وأهل الألباب والبصائر منهم فما كل أحد يجيب داعيها ولا كل عين قريرة بها وأهلها هم الذين حصلوا في وسط قبضة اليمين يوم القبضتين وسائر أهل اليمين في أطرافها فما كل عين بالحبيب قريرة ولا كل من نودي يجيب المناديا ومن لا يجب داعي هداك فخله يجب كل من أضحى إلى الغي داعيا وقل للعيون الرمد إياك أن تري سنا الشمس فاستغشي ظلام اللياليا وسامح نفوسا لم يهبها لحبهم ودعها وما اختارت ولا تك جافيا وقل للذي قد غاب يكفي عقوبة مغيبك عن ذا الشأن لو كنت واعيا ووالله لو أضحى نصيبك وافرا رحمت عدوا حاسدا لك قاليا ألم تر آثار القطيعة قد بدت على حاله فارحمه إن كنت راثيا خفافيش أعشاها النهار بضوئه ولاءمها قطع من الليل باديا فجالت وصالت فيه حتى إذا النه ار بدا استخفت وأعطت تواريا فيا محنة الحسناء تهدى إلى امرىء ضرير وعنين من الوجد خاليا إذا ظلمة الليل انجلت بضيائها يعود لعينيه ظلاما كما هيا فضن بها إن كنت تعرف قدرها إلى أن ترى كفؤا أتاك موافيا فما مهرها شيء سوى الروح أيها ال جبان تأخر لست كفؤا مساويا فكن أبدا حيث استقلت ركائب ال محبة في ظهر العزائم ساريا وأدلج ولا تخش الظلام فإنه سيكفيك وجه الحب في الليل هاديا وسقها بذكراه مطاياك إنه سيكفي المطايا طيب ذكراه حاديا وعدها بروح الوصل تعطيك سيرها فما شئت واستبق العظام البواليا وأقدم فإما منية أو منية تريحك من عيش به لست راضيا فما ثم إلا الوصل أو كلف بهم وحسبك فوزا ذاك إن كنت واعيا أما سئمت من عيشها نفس واله تبيت بنار البعد تلقى المكاويا أما موته فيهم حياة وذله هو العز والتوفيق مازال غاليا أما يستحي من يدعي الحب باخلا بما لحبيب عنه يدعوه ذا ليا أما تلك دعوى كاذب ليس حظه من الحب إلا قوله والأمانيا أما أنفس العشاق ملك لغيرهم بإجماع أهل الحب ما زال فاشيا أما سمع العشاق قول حبيبة لصب بها وافي من الحب شاكيا ولما شكوت الحب قالت كذبتني فمالي أرى الأعضاء منك كواسيا فلا حب حتى يلصق القلب بالحشا وتخرس حتى لا تجيب المناديا وتنحل حتى لا يبقى لك الهوى سوى مقلة تبكي بها وتناجيا فصل قال صاحب المنازل رحمه الله المحبة تعلق القلب بين الهمة والأنس يعني تعلق القلب بالمحبوب تعلقا مقترنا بهمة المحب وأنسه بالمحبوب في حالتي بذله ومنعه وإفراده بذلك التعلق بحيث لا يكون لغيره فيه نصيب وإنما أشار إلى أنها بين الهمة والأنس لأن المحبة لما كانت هي نهاية شدة الطلب وكان المحب شديد الرغبة والطلب كانت الهمة من مقومات حبه وجملة صفاته ولما كان الطلب بالهمة قد يعرى عن الأنس وكان المحب لا يكون إلا مستأنسا بجمال محبوبه وطمعه بالوصول إليه فمن هذين يتولد الأنس وجب أن يكون المحب موصوفا بالأنس فصارت المحبة قائمه بين الهمة والأنس ويريد بالبذل والمنع أحد أمرين إما بذل الروح والنفس لمحبوبه ومنعها عن غيره فيكون البذل والمنع صفة المحب وإما بذل الحبيب ومنعه فتتعلق همة المحب به في حالتي بذله ومنعه

قسم V03/P031–V03/P034

ويريد بالإفراد معنيين إما إفراد المحبوب وتوحيده بذلك التعلق وإما فناؤه في محبته بحيث ينسى نفسه وصفاته في ذكر محاسن محبوبه حتى لا يبقى إلا المحبوب وحده والمقصود إفراد المحب المبوبه بالتوحيد والمحبة والله أعلم فصل قال والمحبة أول أودية الفناء والعقبة التي ينحدر منها على منازل المحو وهي آخر منزل تلتقي فيه مقدمة العامة وساقة الخاصة إنما كانت المحبة أول أودية الفناء لأنها تفنى خواطر المحب عن التعلق بالغير وأول ما يفنى من المحب خواطره المتعلقة بما سوى محبوبه لأنه إذا انجذب قلبه بكليته إلى محبوبه انجذبت خواطره تبعا ويريد بمنازل المحو مقاماته وأولها محو الأفعال في فعل الحق تعالى فلا يرى لنفسه ولا لغيره فعلا والثاني محو الصفات التي في العبد فيراها عارية أعيرها وهبة وهبها ليستدل بها على بارئه وفاطره وعلى وحدانيته وصفاته فيعلم بواسطة حياته معنى حياة ربه وبواسطة علمه وقدرته وإرادته وسمعه وبصره وكلامه وغضبه ورضاه معنى علم ربه وقدرته وإرادته وسمعه وبصره وكلامه وغضبه ورضاه ولولا هذه الصفات فيه لما عرفها من ربه وهذا أحد التأويلات في الأثر الإسرائيلي اعرف نفسك تعرف ربك وهذه الصفات في الحقيقة أثر الصفات الإلهية فيه فإنها أثر أفعال الحق وأفعاله موجب صفاته وأسمائه فإذن عاد الأمر كله إلى افعاله وعادت أفعاله إلى صفاته ففي هذه المنزلة يمحو العبد شهود صفاته ووجودها الذي ليس بحقيقي ويثبت شهود صفات المعبود ووجودها الحقيقي فالله سبحانه منح عبده هذه الصفات ليعرفه بها ويستدل بها عليه فإن لم يفعلها عطل عليه طريق المعرفة والاستدلال بها فصارت بمنزلة العدم ولهذا يوصف الغافل عن الله بالصمم والبكم والعمى والموت وعدم العقل الثالث محو الذات وهو شهود تفرد الحق تعالى بالوجود أزلا وأبدا وأنه الأول الذي ليس قبله شيء والآخر الذي ليس بعده شيء ووجود كل ما سواه قائم به وأثر صنعه فوجوه هو الوجود الواجب الحق الثابت لنفسه أزلا وأبدا وأنه المتفرد بذلك وهذا المحو يصح باعتبارين أحدهما اعتبار الوجود الذاتي ولا ريب في إثبات محوه بهذا الاعتبار إذ ليس مع الله موجود بذاته سواه وكل ما سواه فموجود بإيجاده سبحانه الاعتبار الثاني المحو في المشهد فلا يشهد فاعلا غير الحق سبحانه ولا سفات غير صفاته ولا موجودا سواه لغيبته بكمال شهوده عن شهود غيره وأما محو ذلك من الوجود جملة فهو محو الزنادقة وطائفة الاتحادية وصاحب المنازل وكل ولي لله بريء منهم حالا وعقيدة والمقصود أن من عقبة المحبة ينحدر المحب على منازل المحو ولما كانت منازل المحو والفناء غاية عند صاحب المنازل جعل المحبة عقبة ينحدر منها إليها وأما جعل المحبة غاية فمنازل المحو عنده أودية يصعد منها إلى روح المحبة وليس بعد المحبة الصحيحة إلا منازل البقاء أما الفناء والمحو فعقبات وأودية في طريقها عند هؤلاء والله أعلم قوله وهي آخر منزلة تلتقي فيها مقدمة العامة وساقة الخاصة هذا بناء على الأصل الذي ذكره وهو أن المحبة ينحدر منها على أودية الفناء فهي أول أودية الفناء فمقدمة العامة هم في آخر مقام المحبة وساقة الخاصة في أول منزل الفناء ومنزلة الفناء متصلة بآخر منزلة المحبة فتلتقي حينئذ مقدمة العامة بساقه الخاصة هذا شرح كلامه وعند الطائفة الأخرى الأمر بالعكس وهو أن مقدمة أرباب الفناء يلتقون بساقة أو باب المحبة فإنهم أمامهم في السير وهم أمام الركب دائما وهذا بناء على أن أهل البقاء في المحبة أعلى شأنا من أهل الفناء وهو الصواب والله أعلم فصل قال وما دونها أغراض لأعواض يعني ما دون المحبة من المقامات فهي أغراض من المخلوقين لأجل أعواض ينالونها وأما المحبون فإنهم عبيد والعبد ونفسه وعمله ومنافعه ملك لسيده فكيف يعاوضه على ملكه والأجير عن أخذ الأجرة ينصرف والعبد في الباب لا ينصرف فلا عبودية إلا عبودية أهل المحبة الخالصة أولئك هم الفائزون بشرف الدنيا والآخرة وأولئك لهم الأمن وهم مهتدون فصل قال والمحبة هي سمة الطائفة وعنوان الطريقة ومعقد النسبة

قسم V03/P034–V03/P037

يعني سمة هذه الطائفة المسافرين إلى ربهم الذين ركبوا جناح السفر إليه ثم لم يفارقوه إلى حين اللقاء وهم الذين قعدوا على الحقائق وقعد من سواهم على الرسوم وعنوان طريقتهم أي دليلها فإن العنوان يدل على الكتاب والمحبة تدل على صدق الطالب وأنه من أهل الطريق ومعقد النسبة أي النسبة التي بين الرب وبين العبد فإنه لا نسبة بين الله وبين العبد إلا محض العبودية من العبد والربوبية من الرب وليس في العبد شيء من الربوبية ولا في الرب شيء من العبودية فالعبد عبد من كل وجه والرب تعالى هو الإله الحق من كل وجه ومعقد نسبة العبودية هو المحبة فالعبودية معقودة بها بحيث متى انحلت المحبة انحلت العبودية والله أعلم فصل قال وهي على ثلاث درجات الدرجة الأولى محبة تقطع الوساوس وتلذ الخدمة وتسلي عن المصائب قوله تقطع الوساوس فإن الوساوس والمحبة متناقضان فإن المحبة توجب استيلاء ذكر المحبوب على القلب والوساوس تقتضي غيبته عنه حتى توسوس له نفسه بغيره فبين المحبة والوساوس تناقض شديد كما بين الذكر والغفلة فعزيمة المحبة تنفي تردد القلب بين المحبوب وغيره وذلك سبب الوساوس وهيهات أن يجد المحب الصادق فراغا لوسواس الغير لاستغراق قلبه في حضوره بين يدي محبوبه وهل الوسواس إلا لأهل الغفلة والإعراض عن الله تعالى ومن أين يجتمع الحب والوسواس لا كان من لسواك فيه بقية فيها يقسم فكره ويوسوس قوله وتلذ الخدمة أي المحب يلتذ بخدمة محبوبه فيرتفع عن رؤية التعب الذي يراه الخلي في أثناءالخدمة وهذا معلوم بالمشاهدة قوله وتسلى عن المصائب فإن المحب يجد في لذة المحبة ما ينسيه المصائب ولا يجد من مسها ما يجد غيره حتى كأنه قد اكتسى طبيعة ثانية ليست طبيعة الخلق بل يقوى سلطان المحبة حتى يلتذ المحب بكثير من المصائب التي يصيبه بها حبيبه أعظم من التذاذ الخلى بحظوظه وشهواته والذوق والوجود شاهد بذلك والله أعلم فصل قال وهي محبة تنبت من مطالعة المنة وتثبت باتباع السنة وتنمو على الإجابة بالفاقة قوله تنبت من مطالعة المنة أي تنشأ من مطالعة العبد منة الله عليه ونعمه الباطنة والظاهرة فبقدر مطالعته ذلك تكون قوة المحبة فإن القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها وليس للعبد قط إحسان إلا من الله ولا إساءة إلا من الشيطان ومن أعظم مطالعة منة الله على عبده تأهيله لمحبته ومعرفته وإرادة وجهه ومتابعة حبيبه وأصل هذا نور يقذفه الله في قلب العبد فإذا دار ذلك النور في قلب العبد وذاته أشرقت ذاته فرأى فيه نفسه وما أهلت له من الكمالات والمحاسن فعلت به همته وقويت عزيمته وانقشعت عنه ظلمات نفسه وطبعه لأن النور والظلمة لا يجتمعان إلا ويطرد أحدهما صاحبة فرقيت الروح حينئذ بين الهيبة والأنس إلى الحبيب الأول نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأول كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبدا لأول منزل وهذا النور كالشمس في قلوب المقربين السابقين وكالبدر في قلوب الأبرار أصحاب اليمين وكالنجم في قلوب عامة المؤمنين وتفاوتهم فيه كتفاوت ما بين الزهرة والسهى قوله وتثبت باتباع السنة أي ثباتها إنما يكون بمتابعة الرسول في أعماله وأقواله وأخلاقه فبحسب هذا الاتباع يكون منشأ هذه المحبة وثباتها وقوتها وبحسب نقصانه يكون نقصانها كما تقدم أن هذا الاتباع يوجب المحبة والمحبوبية معا ولا يتم الأمر إلا بهما فليس الشأن في أن تحب الله بل الشأن في أن يحبك الله ولا يحبك الله إلا إذا اتبعت حبيبه ظاهرا وباطنا وصدقته خبرا وأطعته أمرا وأجبته دعوة وآثرته طوعا وفنيت عن حكم غيره بحكمه وعن محبته غيره من الخلق بمحبته وعن طاعة غيره بطاعته وإن لم يكن ذلك فلا تتعن وارجع من حيث شئت فالتمس نورا فلست على شيء وتأمل قوله فاتبعوني يحببكم الله أي الشأن في أن الله يحبكم لا في أنكم تحبونه وهذا لا تنالونه إلا باتباع الحبيب

قسم V03/P037–V03/P039

قوله وتنمو على الإجابة بالفاقة الإجابة بالفاقة أن يجيب الداعي بموفور الأعمال وهو خال منها كأنه لم يعملها بل يجيب دعوته بمجرد الإفلاس والفقر التام فإن طريقة الفقر والفاقة تأبى أن يكون لصاحبها عمل أو حال أو مقام وإنما يدخل على ربه بالإفلاس المحض والفاقة المجردة ولا ريب أن المحبة تنمو على هذا المشهد وهذه الإجابة وما أعزه من مقام وأعلاه من مشهد وما أنفعه للعبد وما أجلبه للمحبة والله المستعان فصل قال الدرجة الثانية محبة تبعث على إيثار الحق على غيره وتلهج اللسان بذكره وتعلق القلب بشهوده وهي محبة تظهر من مطالعة الصفات والنظر إلى الآيات والارتياض بالمقامات هذه الدرجة أعلى مما قبلها باعتبار سببها وغايتها فإن سبب الأولى مطالعة الإحسان والمنة وسبب هذه مطالعة الصفات وشهود معاني آياته المسموعة والنظر إلى آياته المشهودة وحصول الملكة في مقامات السلوك وهو الارتياض بالمقامات ولذلك كانت غايتها أعلى من غاية ما قبلها فقوله تبعث على إيثار الحق على غيره أي لكمالها وقوتها فإنها تقتضي من المحب أن يترك لأجل الحق ما سواه فيؤثره على غيره ولا يؤثر غيره عليه ويجعل اللسان لهجا بذكره فإن من أحب شيئا أكثر من ذكره وتعلق القلب بشهوده لفرط استيلائه على القلب وتعلقه به حتى كأنه لا يشاهد غيره وقوله وهي محبة تظهر من مطالعة الصفات يعني إثباتها أولا ومعرفتها ثانيا ونفي التحريف والتعطيل عن نصوصها ثالثا ونفي التمثيل والتكييف عن معانيها رابعا فلا يصح له مطالعة الصفات الباعثة على المحبة الصحيحة إلا بهذه الأمور الأربعة وكلما أكثر قلبه من مطالعتها ومعرفة معانيها ازدادت محبته للموصوف بها ولذلك كانت الجهمية قطاع طريق المحبة بين المحبين وبينهم السيف الأحمر وقوله والنظر إلى الآيات أي نظر الفكر والاعتبار إلى آياته المشهودة وفي آياته المسموعة وكل منهما داع قوي إلى محبته سبحانه لأنها أدلة على صفات كماله ونعوت جلاله وتوحيد ربوبيته وإلهيته وعلى حكمته وبره وإحسانه ولطفه وجوده وكرمه وسعة رحمته وسبوغ نعمته فإدامة النظر فيها داع لا محالة إلى محبته وكذلك الارتياض بالمقامات فإن من كانت له رياضة وملكة في مقامات الإسلام والإيمان والإحسان كانت محبته أقوى لأن محبة الله له أتم وإذا أحب الله عبدا أنشأ في قلبه محبته فصل قال الدرجة الثالثة محبة خاطفة تقطع العبارة وتدفع الإشارة ولا تنتهي بالنعوت يعني أنها تخطف قلوب المحبين لما يبدو لهم من جمال محبوبهم ويشير الشيخ بذلك إلى الفناء في المحبة والشهود وإن العبارة تنقطع دون حقيقة تلك المحبة ولا تبلغها ولا تصل إليها الإشارة فإنها فوق العبارة والإشارة وحقيقتها عندهم فناء الحدوث في القدم واضمحلال الرسوم في نور الحقيقة التي تظهر لقلوب المحبين فتملك عليها العبارة والإشارة والصفة فلا يقدر المحب أن يعبر عما يجده لأن واردها قد خطف فهمه والعبارة تابعة للفهم فلا يقدر المحب أن يشير إليه إشارة تامة والعبارة عندهم تحت الإشارة وأبعد منها ولذلك جعل حظها القطع وحظ الإشارة الدفع فإن مقام المحبة يقبل العبارة وهذه الدرجة الثالثة لا تقبل إشارة ما ولا تقبل عبارة وعندهم إنما تمتنع العبارة والإشارة في مقام التوحيد حيث لا يبقى للمحبة رسم ولا اسم ولا إشارة وهو الغاية عندهم كما سيأتي والصواب أن توحيد المحبة أكمل من هذا التوحيد الذي يشيرون إليه وأعلى مقاما وأجل مشهدا وهو مقام الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام وخواص المقربين وأما توحيد الفناء فدونه بكثير وليس ذلك من مقامات الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإن توحيدهم توحيد بقاء ومحبة لا توحيد فناء وغيبة وسكر واصطلام ولما كان المحب عند أرباب الفناء لم يخلص إلى مقام توحيد الفناء بالكلية بل رسوم المحبة معه بعد جعلوا المحبة هي العقبة التي ينحدر منها إلى أودية الفناء كما تقدم

قسم V03/P039–V03/P042

والصواب الذي لا ريب فيه عند أرباب التحقيق والبصائر أن لسان المحبة أتم ومقامها أكمل وحالها أشرف وصاحبها من أهل الصحو بعد السكر والتمكين بعد التلوين والبقاء بعد الفناء ولسانه نائب عن كل لسان وبيانه واف بكل ذوق ومقامه أعلى من كل مقام فهو أمين على كل من دونه من أرباب المقامات لأن مقامه أمير على المقامات كلها أمين أمين عليه الندى جواد بخيل بأن لا يجودا وأما كون نعوت المحبة لا تتناهى فلأن لها في كل مقام نسبة وتعلقا به وهي روح كل مقام والحاملة له وأقدام السالكين إنما تتحرك بها فلها تعلق بكل قدم وحال ومقام فلا تتناهى نعوتها البتة والله أعلم فصل قوله وهذه المحبة هي قطب هذا الشأن وما دونها محاب نادت عليها الألسن وادعتها الخليقة وأوجبتها العقول يريد أن مدار شأن السالكين المسافرين إلى الله على هذه المحبة الثالثة وإنما كان ذلك كذلك لخلوصها من الشوائب والعلل والأغراض وصاحبها مراد ومجذوب ومطلوب وما دونها من المحاب فصاحبها باق مع إرادته من محبوبه أما محبة الإحسان والأفعال فظاهر وأما محبة الصفات فصاحبها مع لذة روحه ونعيم قلبه بمطالعة الصفات فإن لذة الأرواح والعقول لا محالة في مطالعة صفات الكمال ونعوت الجمال وصاحب هذه المحبة الثالثة قد ارتقى عن هاتين الدرجتين وأخذ منه وغيب عنه وهذا مبنى على أصله في كون الفناء غاية وقد عرفته وقوله ونادت عليها الألسن أي وصفتها الألسن فأكثرت صفاتها وتمكنت من التعبير عنها وادعتها الخليقة بخلاف الدرجة الثالثة فإنه لا وصول لأحد إليها إلا بالحق تعالى فهي غير كسبية ولا تنال بسبب فلا يمكن فيها الدعوى فإن شأنها أجل من ذلك قوله وأوجبتها العقول يريد أن العقل يحكم بوجوبها وهو كما قال فإن العقول تحكم بوجوب تقديم محبة الله على محبة النفس والأهل والمال والولد وكل ما سواه وكل من لم يحكم عقله بهذا فلا تعبأ بعقله فإن العقل والفطرة والشرعة والاعتبار والنظر تدعو كلها إلى محبته سبحانه بل إلى توحيده في المحبة وإنما جاءت الرسل بتقرير ما في الفطر والعقول كما قيل هب الرسل لم تأت من عنده ولا أخبرت عن جمال الحبيب أليس من الواجب المست حق محبته في اللقا والمغيب فمن لم يكن عقله آمرا بذا ماله في الحجى من نصيب وإن العقول لتدعو إلى محبة فاطرها من قريب أليست على ذاك مجبولة ومفطورة لا بكسب غريب أليس الجمال حبيب القلوب لذات الجمال وذات القلوب أليس جميلا يحب الجمال تعالى إله الورى عن نسيب أما بعد ذلك إحسانه بداع إليه لقلب المنيب أليس إذا كملا أوجبا كمال المحبة للمستجيب فمن ذا يشابه أوصافه تعالى إله الورى عن ضريب ومن ذا يكافىء إحسانه فيألهه قلب عبد منيب وهذا دليل على أنه إلى كل ذي الخلق أولى حبيب فيا منكرا ذاك والله أن ت عين الطريد وعين الحريب ويامن يحب سواه كمث ل محبته أنت عبد الصليب ويامن يوحد محبوبه ويرضيه في مشهد أو مغيب ولو سخط الخلق في وجهه لقال هوانا ولو بالنسيب حظيت وخابوا فلا تبتئس بكيد العدو وهجر الرقيب فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الغيرة قال الله تعالى قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن وفي الصحيح عن أبي الأحوص عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله ما أحد أغير من الله ومن غيرته حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن وما أحد أحب إليه المدح من الله ومن أجل ذلك أثنى على نفسه وما أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين / ح / وفي الصحيح أيضا من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال إن الله يغار وإن المؤمن يغار وغيرة الله أن يأتي العبد ما حرم عليه / ح / وفي الصحيح أيضا أن النبي قال أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه والله أغير مني / ح /

قسم V03/P042–V03/P044

ومما يدخل في الغيرة قوله تعالى وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا قال السري لأصحابه أتدرون ما هذا الحجاب حجاب الغيرة ولا أحد أغير من الله إن الله تعالى لم يجعل الكفار أهلا لفهم كلامه ولا أهلا لمعرفته وتوحيده ومحبته فجعل بينهم وبين رسوله وكلامه وتوحيده حجابا مستورا عن العيون غيرة عليه أن يناله من ليس أهلا له والغيرة منزلة شريفة عظيمة جدا جليلة المقدار ولكن الصوفية المتأخرين منهم من قلب موضوعها وذهب بها مذهبا آخر باطلا سماه غيرة فوضعها في غير موضعها ولبس عليه أعظم تلبيس كما ستراه والغيرة نوعان غيرة من الشيء وغيرة على الشيء والغيرة من الشيء هي كراهة مزاحمته ومشاركته لك في محبوبك والغيرة على الشيءهي شدة حرصك على المحبوب أن يفوز به غيرك دونك أو يشاركك في الفوز به والغيرة أيضا نوعان غيرة العبد من نفسه على نفسه كغيرته من نفسه على قلبه ومن تفرقته على جمعيته ومن إعراضه على إقباله ومن صفاته المذمومة على صفاته الممدوحة وهذه الغيرة خاصية النفس الشريفة الزكية العلوية وما للنفس الدنية المهينة فيها نصيب وعلى قدر شرف النفس وعلو همتها تكون هذه الغيرة ثم الغيرة أيضا نوعان غيرة الحق تعالى على عبده وغيرة العبد لربه لا عليه فأما غيرة الرب على عبده فهي أن لا يجعله للخلق عبدا بل يتخذه لنفسه عبدا فلا يجعل له فيه شركاء متشاكسين بل يفرده لنفسه ويضن به على غيره وهذه أعلى الغيرتين وغيرة العبد لربه نوعان أيضا غيرة من نفسه وغيرة من غيره فالتي من نفسه أن لا يجعل شيئا من أعماله وأقواله وأحواله وأوقاته وأنفاسه لغير ربه والتي من غيره أن يغضب لمحارمه إذا انتهكها المنتهكون ولحقوقه إذا تهاون بها المتهاونون وأما الغيرة على الله فأعظم الجهل وأبطل الباطل وصاحبها من أعظم الناس جهلا وربما أدت بصاحبها إلى معاداته وهو لا يشعر وإلى انسلاخه من أصل الدين والإسلام وربما كان صاحبها شرا على السالكين إلى الله من قطاع الطريق بل هو من قطاع طريق السالكين حقيقة وأخرج قطع الطريق في قالب الغيرة وأين هذا من الغيرة لله التي توجب تعظيم حقوقه وتصفية أعماله وأحواله لله فالعارف يغار لله والجاهل يغار على الله فلا يقال أنا أغار على الله ولكن أنا أغار لله وغيرة العبد من نفسه أهم من غيرته من غيره فإنك إذا غرت من نفسك صحت لك غيرتك لله من غيرك وإذا غرت له من غيرك ولم تغر من نفسك فالغيرة مدخولة معلولة ولا بد فتأملها وحقق النظر فيها فليتأمل السالك اللبيب هذه الكلمات في هذا المقام الذي زلت فيه أقدام كثير من السالكين والله الهادي والموفق المثبت كما حكى عن واحد من مشهوري الصوفية أنه قال لا أستريح حتى لا أرى من يذكر الله يعني غيرة عليه من أهل الغفلة وذكرهم والعجب أن هذا يعد من مناقبه ومحاسنه وغاية هذا أن يعذر فيه لكونه مغلوبا على عقله وهو من أقبح الشطحات وذكر الله على الغفلة وعلى كل حال خير من نسيانه بالكلية والألسن متى تركت ذكر الله الذي هو محبوبها اشتغلت بذكر ما يبغضه ويمقت عليه فأي راحة للعارف في هذا وهل هو إلا أشق عليه وأكره إليه وقول آخر لا أحب أن أرى الله ولا أنظر إليه فقيل له كيف قال غيرة عليه من نظر مثلي فانظر إلى هذه الغيرة القبيحة الدالة على جهل صاحبها مع أنه في خفارة ذله وتواضعه وانكساره واحتقاره لنفسه ومن هذا ما يحكى عن الشبلي أنه لما مات ابنه دخل الحمام ونور لحيته حتى أذهب شعرها كله فكل من أتاه معزيا قال إيش هذا يا أبا بكر قال وافقت أهلي في قطع شعورهم فقال له بعض أصحابه أخبرني لم فعلت هذا فقال علمت أنهم يعزونني على الغفلة ويقولون آجرك الله ففديت ذكرهم لله على الغفلة بلحيتي