Qur'an&Sunnah

İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn

قسم V03/P427–V03/P429

قوله وقطع الإشارة هو من جنس قوله ما أسقط التفرقة قال أهل الإلحاد لما كانت الإشارة نسبة بين شيئين مشير ومشار إليه كانت مستلزمة للثنوية فإذا جاءت الوحده جمعية وذهبت الثنوية انقطعت الإشارة وقال أهل التوحيد إنما تنقطع الإشارة عند كمال الجمعية على الله فلا يبقى في صاحب هذه الجمعية موضع للإشارة لأن جمعيته على المطلوب المراد غيبته عن الإشارة إليه وأيضا فإن جمعيته أفنته عن نفسه وإشارته ففي مقام الفناء تنقطع الإشارة لأنها من أحكام البشرية قوله وشخص عن الماء والطين هذا يحتمل معنيين أحدهما أن يريد بالماء والطين بني آدم ونفسه من جملتهم أي شخص عن النظر إلى الناس والالتفات إليهم وتعلق القلب بهم بالكلية وخصهم بالذكر لأن أكثر العلائق وأصعبها وأشدها قطعا لصاحبها هي علائقهم فإذا شخص قلبه عنهم بالكلية فعن غيرهم ممن هو أبعد إليه منهم أولى وأحرى وفي ذكر الماء والطين تقرير لهذا الشخوص عنهم وتنبيه على تعينه ووجوبه فإن المخلوق من الماء والطين بشر ضعيف لا يملك لنفسه ولا لمن تعلق به جلب منفعة ولا دفع مضرة فإن الماء والطين منفعل لا فاعل وعاجز مهين لا قوي متين كما قال تعالى فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب وأخبر أنه خلقنا من ماء مهين فحقيق بابن الماء والطين أن يشخص عنه القلب لا إليه وأن يعول على خالقه وحده لا عليه وأن يجعل رغبته كلها فيه وفيما لديه والمعنى الثاني الذي يحتمله كلامه أن يشخص عن أحكام الطبيعة السفلية الناشئة من الماء الطين وعن متعلقاتها إلى أحكام الأرواح العلوية ولما كان الله سبحانه وتعالى بحكمته وعجيب صنعه قد جعل الإنسان مركبا من جوهرين جوهر طبيعي كثيف وهو الجسم وجوهر روحاني لطيف وهو الروح ومن شأن كل شكل أن يميل إلى شكله ومن طبع كل مثل أن ينجذب إلى مثله صار الإنسان ينجذب إلى العالم الطبيعي بما فيه من الكثافة وإلى العالم الروحاني بما فيه من اللطافة فصار في الإنسان قوتان متضادتان إحداهما تجذبه سفلا والثانية تجذبه علوا فمن شخص عن طبيعة الماء والطين إلى محل الأرواح العلوية التي ليست من هذا العالم السفلي كان من أهل هذا الجمع المحمود الذي جمعه من متفرقات النفس والطبع قوله بعد صحة التمكين والبراءة من التلوية والخلاص من شهود الثنوية معناه أن العبد لا يمكنه أن يشخص عن الماء والطين إلا بعد صحة تمكنه في المعرفة وبراءته من التلوين فشرط الشيخ حصول التمكين له وانتفاء التلوين عنه وخلاصه من شهود الثنوية فالتلوين تلونه لإجابة دواعي الطبع والنفس وشهود الثنوية عبارة مجملة محتملة وقد حملها الملحد على أن يشهد عبدا وربا وقديما وحديثا وخالقا ومخلوقا والتوحيد المحض أن يتخلص من ذلك بشهوده وحدة الوجود ومتى شهد تعدد الوجود كان ثنويا عند الملاحدة وأما الموحدون فالثنوية التي يجب التخلص منها أن يتخذ إلهين اثنين فيشهد مع الله إلها آخر وأما كونه يشهد مع الله موجودا غيره هو موجده وخالقه وفاطره فليس بثنوية بل هو توحيد خالص ولا يتم له التوحيد إلا بهذا الشهود ليصح له نفي الإلهية عنه وإلا فكيف ينفي الآلهة عما لا يشهده ويشهد نفيها عنه والمقصود أن صاحب الجمع إذا شهد ربا وعبدا وخالقا ومخلوقات وآمرا وفاعلا منفذا ومحركا ومتحركا ووليا وعدوا كان ذلك موجب عقد التوحيد وصحة التمكين هي حفظ الأصل الذي هو بقاء شهود الرسوم في مرتبتها

قسم V03/P429–V03/P431

وكأنه نبه بذلك على الاحتراز من القوم الذي تخطفهم لوائح شهود الجمع وتمكنهم ضعيف فينكرون صور الخلق حتى يقول أحدهم أنا نور من نور ربي لما يغلب على أحدهم من شهود الجمع وعدم تمكنه في البقاء وهذا قد يعرض للصادق أحيانا فيعلم أنه غالط فيرجع إلى الأصل ويحكم العلم على الحال فإذا صحا علم أنه غالط مخطئ وفي مثل هذا الحال قال أبو يزيد سبحاني وما في الجبة إلا الله ونحو ذلك فأخذ قوم هذه الشحطات فجعلوها غاية يجرون إليها ويعملون عليها فالشيخ شرط أنه لا يثبت شهود الجمع إلا لمن تمكن في شهود طور البقاء قوله والتنافي من الإحساس بالاعتلال الاعتلال عندهم هو التفرقة في الأسباب والوقوف مع الربط الواقع بين المسببات وأسبابها وذلك عقد لا يحله إلا شهود الجمع ولا يخفى ما في هذه العبارة من العجم والتعقيد وكذلك قوله والتنافي من شهود شهودها ومراده أن ينتفي عنه شهود هذه الأشياء التي ذكرها كلها وأن يفنى عن هذا الشهود فإنه إن لم يفن عنها كلها وعن شهود فنائه وإلا فهو معها لأنه يحس بها ولا يقع الإحساس إلا بما هو موجود عند صاحب الإحساس فإذا غاب عن شهودها ثم عن شهود الشهود فقد استقر قدمه في حضرة الجمع وقد تقدم غير مرة أن هذا ليس بكمال ولا مقصود في نفسه ولا يعطي كمالا ولا فيه معرفة ولا عبودية ولا دعت إليه الرسل ألبتة ولا اشار إليه القرآن ولا وصفه أهل الطريق المتقدمون وغايته أن يشبه صاحبه بالغائب عن عقله وحسه وإدراكه وغايته أن يكون عارضا من عوارض الطريق ليس بلازم فضلا عن أن يكون غاية ولما جعله من جعله غاية مطلوبة يشمر إليها السالكون دخل بسبب ذلك من الفساد على من شمر إليه ما يعلمه الراسخون في العلم من أئمة هذا الشأن والله المستعان والعبودية المطلوبة من العبد بمعزل عن ذلك وبالله التوفيق قوله وهو على ثلاث درجات جمع علم ثم جمع وجود ثم جمع عين فأما جمع العلم فهو تلاشي علوم الشواهد في العلم اللدني صرفا وأما جمع الوجود فهو تلاشي نهاية الاتصال في عين الوجود محقا وأما جمع العين فهو تلاشي كل ما تقله الإشارة في ذات الحق حقا علوم الشواهد هي ما حصلت من الاستدلال بالأثر على المؤثر وبالمصنوع على الصانع فالمصنوعات شواهد وأدلة وآثار وعلوم الشواهد هي المستندة إلى الشواهد الحاصلة عنها والعلم اللدني هو العلم الذي يقذفه الله في القلب إلهاما بلا سبب من العبد ولا استدلال ولهذا سمي لدنيا قال الله تعالى وعلمناه من لدنا علما والله تعالى هو الذي علم العباد مالا يعلمون كما قال تعالى علم الإنسان مالم يعلم ولكن هذا العلم أخص من غيره ولذلك أضافه إليه سبحانه كبيته وناقته وبلده وعبده ونحو ذلك فتضمحل العلوم المستندة إلى الأدلة والشواهد في العلم اللدني الحاصل بلا سبب ولا استدلال هذا مضمون كلامه ونحن نقول إن العلم الحاصل بالشواهد والأدلة هو العلم الحقيقي وأما ما يدعي حصوله بغير شاهد ولا دليل فلا وثوق به وليس بعلم نعم قد يقوى العلم الحاصل بالشواهد ويتزايد بحيث يصير المعلوم كالمشهود والغائب كالمعاين وعلم اليقين كعين اليقين فيكون الأمر شعورا أولا ثم تجويزا ثم ظنا ثم علما ثم معرفة ثم علم يقين ثم حق يقين ثم عين يقين ثم تضمحل كل مرتبة في التي فوقها بحيث يصير الحكم لها دونها فهذا حق

قسم V03/P431–V03/P432

وأما دعوى وقوع نوع من العلم بغير سبب من الاستدلال فليس بصحيح فإن الله سبحانه ربط التعريفات بأسبابها كما ربط الكائنات بأسبابها ولا يحصل لبشر علم إلا بدليل يدله عليه وقد أيد الله سبحانه رسله بأنواع الأدلة والبراهين التي دلتهم على أن ما جاءهم هو من عند الله ودلت أممهم على ذلك وكان معهم أعظم الأدلة والبراهين على ان ما جاءهم هو من عند الله وكانت براهينهم أدلة وشواهد لهم وللأمم فالأدلة والشواهد التي كانت لهم ومعهم أعظم الشواهد والأدلة والله تعالى شهد بتصديقهم بما أقام عليه من الشواهد فكل علم لا يستند إلى دليل فدعوى لا دليل عليها وحكم لا برهان عند قائله وما كان كذلك لم يكن علما فضلا عن أن يكون لدنيا فالعلم اللدني ما قام الدليل الصحيح عليه أنه جاء من عند الله على لسان رسله وما عداه فلدني من لدن نفس الإنسان منه بدأ وإليه يعود وقد انبثق سد العلم اللدني ورخص سعره حتى ادعت كل طائفة أن علمهم لدني وصار من تكلم في حقائق الإيمان والسلوك وباب الأسماء والصفات بما يسنح له ويلقيه شيطانه في قلبه يزعم أن علمه لدني فملاحدة الاتحادية وزنادقة المنتسبين إلى السلوك يقولون إن علمهم لدني وقد صنف في العلم اللدني متهوكو المتكلمين وزنادقة المتصوفين وجهلة المتفلسفين وكل يزعم أن علمه لدني وصدقوا وكذبوا فإن اللدني منسوب إلى لدن بمعنى عند فكأنهم قالوا العلم العندي ولكن الشأن فيمن هذا العلم من عنده ومن لدنه وقد ذم الله تعالى بأبلغ الذم من ينسب إليه ما ليس من عنده كما قال تعالى ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون وقال تعالى فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله وقال تعالى ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء فكل من قال هذا العلم من عند الله وهو كاذب في هذه النسبة فله نصيب وافر من هذا الذم وهذا في القرآن كثير يذم الله سبحانه من أضاف إليه مالا علم له به ومن قال عليه مالا يعلم ولهذا رتب سبحانه المحرمات أربع مراتب وجعل أشدها القول عليه بلا علم فجعله آخر مراتب المحرمات التي لا تباح بحال بل هي محرمة في كل ملة وعلى لسان كل رسول فالقائل إن هذا علم لدني لما لا يعلم أنه من عند الله ولا قام عليه برهان من الله أنه من عنده كاذب مفتر على الله وهو من أظلم الظالمين وأكذب الكاذبين قوله وأما جمع الوجود فهو تلاشي نهاية الاتصال في عين الوجود محقا تلاشي نهاية الاتصال هو فناء العبد في الشهود ونهاية الاتصال هو ما ذكره في الدرجة الثالثة من باب الاتصال أنه لا يدرك منه نعت ولا مقدار إلا اسم معار ولمح إليه مشار فحقيقة الجمع في هذه الدرجة تلاشى ذلك في عين الوجود أي في حقيقته ويريد بالوجود ما أشار إليه في الدرجة الثانية من باب الوجود وهو قوله وجود الحق وجود عين منقطعا عن مساغ الإشارة فتضمحل نهاية الاتصال في هذا الوجود محقا أي ذوبانا وفناء قوله وأما جمع العين فهو تلاشي كل ما تقله الإشارة في ذات الحق حقا تقله الإشارة أي تحمله وتقوم به والإشارة تارة تكون باليد والرأس فتكون إيماء وتارة تكون بالعين فتكون رمزا وتارة تكون باللفظ فيسمى تعريضا وتارة تكون بالذهن والعقل فتضمحل كل هذه الأنواع وتبطل عند شهود العين في حضرة الجمع وظهور جلال الذات المقدسة والذات هي الحاملة للصفات والأفعال

قسم V03/P432–V03/P434

فعرفت من هذا أنه في الدرجة الأولى يغيب عن جميع العلوم المتعلقة بالأدلة والشواهد بالعلم اللدني وفي الدرجة الثانية يغيب عن اتصاله وشهود اتصاله بالوجود فإن الوجود فوق الاتصال كما تقدم وهذا كما يغيب الواجد الذي قد ظفر بموجوده عن شهود وصوله إليه واتصاله به فتفنيه عين وجوده عن شهود نفسه وصفاتها وفي الدرجة الثالثة يضمحل كل ما تحمله الإشارة إلى ذات أو إلى صفة أو حال أو مقام في ذات الحق سبحانه فلا يبقى هناك ما يشار إليه سواه قوله والجمع غاية مقامات السالكين وهو طرف بحر التوحيد وجه ذلك أن السالك ما دام في سلوكه فهو في تفرقة الاستدلال وطلب الشواهد فإذا وصل إلى مقام المعرفة وصار همه هما واحدا لله وفي الله وبالله ينزل في منزلة الجمع ويشمر لركوب بحر التوحيد الذي يتلاشى فيه كل ما سوى الواحد القهار فالجمع عنده نهاية سفر السالكين إلى الله وهذا موضع غير مسلم له على إطلاقه وإنما غاية مقام السالكين التوبة التي هي بدايات منازلهم ولعل سمعك ينفر من هذا غاية النفور وتقول هذا كلام من لم يعرف شيئا من طريق القوم ولا نزل في منازل الطريق ولعمر الله أن كثيرا من الناس ليوافقك على هذا ويقول أين كنا وأين صرنا نحن قد قطعنا منزلة التوبة وبيننا وبينها مائة مقام فترجع من مائة مقام إليها ونجعلها غاية مقام السالكين فاسمع الآن وعيه ولا تعجل بالإنكار ولا تبادر بالرد وافتح ذهنك لمعرفة نفسك وحقوق ربك وما ينبغي له منك وماله من الحق عليك ثم أنسب أعمالك وأحوالك وتلك المنازل التي نزلتها والمقامات التي قمت فيها لله وبالله إلى عظيم جلاله وما يستحقه وما هو له أهل فإن رأيتها وافية بذلك مكافئة له فلا حاجة حينئذ إلى التوبة والرجوع إليها رجوع عن المقامات العلية وانحطاط من علو إلى سفل ورجوع من غاية إلى بداية وما ذلك ببعيد من كثير من المنتسبين إلى هذا الشأن المغرورين بأحوالهم ومعارفهم وإشاراتهم وإن رأيت أن أضعاف أضعاف ما قمت به من صدق وإخلاص وإنابة وتوكل وزهد وعبادة لا يفي بأيسر حق له عليك ولا يكافئ نعمة من نعمه عندك وأن ما يستحقه لجلاله وعظمته أعظم وأجل وأكبر ما يقوم به الخلق فاعلم الآن أن التوبة نهاية كل عارف وغاية كل سالك وكما أنها بداية فهي نهاية والحاجة إليها في النهاية أشد من الحاجة إليها في البداية بل هي في النهاية في محل الضرورة

قسم V03/P434–V03/P435

فاسمع الآن ما خاطب الله به رسوله في آخر الأمر عند النهاية وكيف كان رسول الله في آخر حياته أشد ما كان استغفارا وأكثره قال الله تعالى لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب الله عليهم إنه بهم رؤوف رحيم وهذا أنزله الله سبحانه بعد غزوة تبوك وهي آخر الغزوات التي غزاها بنفسه فجعل الله سبحانه التوبة عليهم شكرانا لما تقدم من تلك الأعمال وذلك الجهاد وقال تعالى في آخر ما أنزل على رسوله إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا وفي الصحيح أنه ما صلى صلاة بعد ما نزلت عليه هذه السورة إلا قال فيها سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي وذلك في نهاية أمره صلوات الله وسلامه عليه ولهذا فهم منها علماء الصحابة كعمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم أنه أجل رسول الله أعلمه الله إياه فأمره سبحانه بالاستغفار في نهاية أحواله وآخر أمره على ما كان عليه مقاما وحالا وآخر ما سمع من كلامه عند قدومه على ربه اللهم اغفر لي وألحقني بالرفيق الأعلى وكان يختم كل عمل صالح بالاستغفار كالصوم والصلاة والحج والجهاد فإنه كان إذا فرغ منه وأشرف على المدينة قال آيبون تائبون لربنا حامدون وشرع أن يختم المجلس بالاستغفار وإن كان مجلس خير وطاعة وشرع أن يختم العبد عمل يومه بالاستغفار فيقول عند النوم أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه وأن ينام على سيد الاستغفار والعارف بالله وأسمائه وصفاته وحقوقه يعلم أن العبد أحوج ما يكون إلى التوبة في نهايته وأنه أحوج إلى التوبة من الفناء والاتصال وجمع الشواهد وجمع الوجود وجمع العين وكيف يكون ذلك أعلى مقامات السالكين وغاية مطلب المقربين ولم يأت له ذكر في القرآن ولا في السنة ولا يعرفه إلا النادر من الناس ولا يتصوره أكثرهم إلا بصعوبة ومشقة ولو سمعه أكثر الخلق لما فهموه ولا عرفوا المراد منه إلا بترجمة فأين في كتاب الله أو سنة رسوله أو كلام الصحابة الذين نسبة معارف من بعدهم إلى معارفهم كنسبة فضلهم ودينهم وجهادهم إليهم ما يدل على ذلك أو يشير إليه فصار المتأخرون أرباب هذه الاصطلاحات الحادثة بالألفاظ المجملة والمعاني المتشابهة أعرف بمقامات السالكين ومنازل السائرين وغاياتها من أعلم الخلق بالله بعد رسله هذا من أعظم الباطل وهؤلاء في باب الإرادة والطلب والسلوك نظير أرباب الكلام من المعتزلة والجهمية ومن سلك سبيلهم في باب العلم والخبر عن الله وأسمائه وصفاته فالطائفتان بل وكثير من المصنفين في الفقه من المتكلفين أشد التكلف وقد قال الله تعالى لرسوله قل لا أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا يؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم

قسم V03/P435–V03/P437

فلا تجد هذا التكلف الشديد والتعقيد في الألفاظ والمعاني عند الصحابة أصلا وإنما يوجد عند من عدل عن طريقهم وإذا تأمله العارف وجده كلحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقي ولا سمين فينتقل فيطول عليك الطريق ويوسع لك العبارة ويأتي بكل لفظ غريب ومعنى أغرب من اللفظ فإذا وصلت لم تجد معك حاصلا طائلا ولكن تسمع جعجعة ولا ترى طحنا فالمتكلمون في جعاجع الجواهر والأعراض والاكوان والألوان والجوهر الفرد والأحوال والحركة والسكون والوجود والماهية والانحياز والجهات والنسب والإضافات والغيرين والخلافين والضدين والنقيضين والتماثل والاختلاف والعرض هل يبقى زمانين وما هو الزمان والمكان ويموت أحدهم ولم يعرف الزمان والمكان ويعترف بأنه لم يعرف الوجود هل هو ماهية الشيء أو زائد عليها ويعترف أنه شاك في وجود الرب هل هو وجود محض أو وجود مقارن للماهية ويقول الحق عندي الوقف في هذه المسألة ويقول أفضلهم عند نفسه عند الموت أخرج من الدنيا وما عرفت إلا مسألة واحدة وهي أن الممكن يفتقر إلى واجب ثم قال الافتقار أمر عدمي فأموت ولم أعرف شيئا وهذا أكثر من أن يذكر كما قال بعض السلف أكثر الناس شكا عند الموت أرباب الكلام وآخرون أعظم تكلفا من هؤلاء وأبعد شيء عن العلم النافع وهم أرباب الهيولي والصورة والاصطقصات والأركان والعلل والأربعة والجواهر العقلية والمفارقات والمجردات والمقولات العشر والكليات الخمس والمختلطات والموجهات والقضايا المسوارات والقضايا المهملات فهو أعظم الطوائف تكلفا وأقلهم تحصيلا للعلم النافع والعمل الصالح وكذلك المتكلفون من أصحاب الإرادة والسلوك وأرباب الحال والمقام والوقت والمكان والبادي والباذه والوارد والخاطر والواقع والقادح واللامع والغيبة والحضور والمحق والحق والسكر واللوائح والطوالع والعطش والدهش والتلبيس والتمكين والتلوين والاسم والرسم والجمع وجمع الجمع وجمع الشواهد وجمع الوجود والأثر والكون والبون والاتصال والانفصال والمسامرة والمشاهدة والمعاينة والتجلي والتخلي وأنا بلا أنا وأنت بلا أنت ونحن بلا نحن وهو بلا هو وكل ذلك أدنى إشارة إلى تكلف هؤلاء الطوائف وتنطعهم وكذلك كثير من المنتسبين إلى الفقه لهم مثل هذا التكلف وأعظم منه فكل هؤلاء محجوبون بما لديهم موقوفون على ما عندهم خاضوا بزعمهم بحار العلم وما ابتلت أقدامهم وكدوا أفكارهم وأذهانهم وخواطرهم وما استنارت بالعلم الموروث عن الرسل قلوبهم وأفهامهم فرحين بما عندهم من العلوم راضين بما قيدوا به من الرسوم فهم في واد ورسول الله وأصحابه رضي الله عنهم في واد والله يعلم أنا لم نتجاوز فيهم القول بل قصرنا فيما ينبغي لنا أن نقوله فذكرنا غضبا من فيض وقليلا من كثير وهؤلاء كلهم داخلون تحت الرأي الذي اتفق السلف على ذمه وذم أهله

قسم V03/P437–V03/P439

فهم أهل الرأي حقا الذين قال فيهم عمر بن الخطاب رضي الله عنهم إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا وقال أيضا أصحاب الرأي أعداء السنن أعيتهم أن يعوها وتفلتت عليهم أن يرووها فاشتغلوا عنها بالرأي وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إن قلت في كتاب الله برأيي أو بما لا أعلم وقال عمر رضي الله عنه يا أيها الناس إن الرأي كان من رسول الله مصيبا لأن الله عز وجل كان يريه وإنما هو منا الظن والتكلف وقال ابن عباس رضي الله عنهما من أحدث رأيا ليس في كتاب الله ولم تمض به سنة من رسول الله لم يرد ما هو على ما هو منه إذا لقي الله عز وجل وقال عمر رضي الله عنه يا أيها الناس اتهموا رأيكم على الدين فقد رأيتني وإني لأرد أمر رسول الله برأيي أجتهد والله ما آلو ذلك يوم أبي جندل والكتاب يكتب فقالوا تكتب باسمك اللهم فرضي رسول الله وأبيت فقال يا عمر تراني قد رضيت وتأبى وقال في الحديث الذي رويناه من طريق مسدد حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج أخبرني سليمان بن عتيق عن طلق بن حبيب عن الأحنف بن قيس عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي قال ألا هلك المتنطعون ألا هلك المتنطعون ألا هلك المتنطعون فإن لم تكن هذه الألفاظ والمعاني التي نجدها في كثير من كلام هؤلاء تنطعا فليس للتنطع حقيقة والله سبحانه وتعالى أعلم فصل فإن لم يسمح قلبك بكون التوبة غاية مقامات السالكين ولم تصغ إلى شيء مما ذكرنا وأبيت إلا أن يكون تلاشي نهاية الاتصال في عين الوجود محقا وتلاشى علوم الشواهد في العلم اللدني صرفا وجمع الوجود وجمع العين هو نهاية مقامات السالكين إلى الله بحيث يدخل في ذلك كل سالك فاعلم أن هذا الجمع المذكور بمجرد لا يعطي عبودية ولا إيمانا فضلا عن أن يكون غاية كل نبي وولي وعارف فإن هذا الجمع يحصل للصديق والزنديق وللملاحدة والإتحادية منه حظ كبير وحوله يدندنون وهو عندهم نهاية التحقيق فأين تحقيق العبودية والقيام بأعبائها واحتمال فرائضها وسننها وأدائها والجهاد لأعداء الله والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحمل الأذى في الله في هذا الجمع وأين معرفة الأسماء والصفات فيه مفصلا وأين معرفة ما يحبه الرب تعالى ويكرهه فيه مفصلا وأين معرفة خير الخيرين وشر الشرين فيه وأين العلم بمراتب العبودية ومنازلها فيه فالحق أن نهاية السالكين تكميل مرتبة العبودية صرفا وهذا مما لا سبيل إليه لبني الطبيعة وإنما خص بذلك الخليلان عليهما الصلاة والسلام من بين سائر الخلق أما إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه فإن الله عز وجل شهد له بأنه وفي وأما سيد ولد آدم صلوات الله وسلامه عليه فإنه كمل مرتبة العبودية فاستحق التقديم على سائر الخلائق فكان صاحب الوسيلة والشفاعة التي يتأخر عنها جميع الرسل ويقول هو أنا لها ولهذا ذكره الله سبحانه وتعالى بالعبودية في أعلى مقاماته وأشرف أحواله كقوله تعالى سبحان الذي أسرى بعبده ليلا وقوله وأنه لما قام عبد الله يدعوه وقوله وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا وقوله تبارك الله الذي نزل الفرقان على عبده ولهذا يقول المسيح حين يرغب إليه في الشفاعة اذهبوا إلى محمد عبد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فاستحق تلك الرتبة العليا بتكميل عبوديته لله وبكمال مغفرة الله له فرجع الأمر إلى أن غاية المقامات ونهايتها هو التوبة والعبودية المحضة لا جمع العين ولا جمع الوجود ولا تلاشي الاتصال فإن قلت فهذا الجمع إنما يحصل لمن قام بحقيقة التوبة والعبودية

قسم V03/P439–V03/P441

قيل ليس كذلك بل الجمع الذي يحصل لمن قام بذلك هو جمع الرسل وخلفائهم وهو جمع الهمة على الله سبحانه محبة وإنابة وتوكلا وخوفا ورجاء ومراقبة وجمع الهمة على تنفيذ أوامر الله في الخلق ودعوة وجهادا فهما جمعان جمع القلب على المعبود وحده وجمع الهم له على محض عبوديته فإن قلت فأين شاهد هذين الجمعين قلت في القرآن كله فخذه من فاتحة الكتاب في قوله إياك نعبد وإياك نستعين وتأمل ما في قوله إياك التخصيص لذاته المقدسة بالعبادة والاستعانة وما في قوله نعبد الذي هو للحال والاستقبال وللعبادة الظاهرة والباطنة من استيفاء أنواع العبادة حالا واستقبالا قولا وعملا ظاهرا وباطنا والاستعانة على ذلك به لا بغيره ولهذا كانت الطريق كلها في هاتين الكلمتين وهي معنى قولهم الطريق في إياك أريد بما تريد فجمع المراد في واحد والإرادة في مراده الذي يحبه ويرضاه فالى هذا دعت الرسل من أولهم إلى آخرهم وإليه شخص العاملون وتوجه المتوجهون وكل الأحوال والمقامات من أولها إلى آخرها مندرجة في ضمن ذلك ومن ثمراته وموجباته فالعبودية تجمع كمال الحب في كمال الذل وكمال الانقياد لمراضي المحبوب وأوامره فهي الغاية التي ليس فوقها غاية وإذا لم يكن إلى القيام بحقيقتها كما يجب سبيل فالتوبة هي المعول والآخية وقد عرفت بهذا وبغيره أن الحاجة إليها في النهاية أشد من الحاجة إليها في البداية ولولا تنسم روحها لحال اليأس بين ابن الماء والطين وبين الوصول إلى رب العالمين هذا لو قام بما ينبغي عليه أن يقوم به لسيده من حقوقه فكيف والغفلة والتقصير والتفريط والتهاون وإيثار حظوظه في كثير من الأوقات على حقوق ربه لا يكاد يتخلص منها ولا سيما السالك على درب الفناء والجمع لأن ربه يطالبه بالعبودية ونفسه تطالبه بالجمع والفناء ولو حقق النظر مع نفسه وحاسبها حسابا صحيحا لتبين له أن حظه يريد ولذته يطلب نعم كل أحد يطلب ذلك لكن الشأن في الفرق بين من صار حظه نفس مرضاة الله ومحابه أحبت ذلك نفسه أو كرهته وبين من حظه ما يريد من ربه فالأول حظه مراد ربه الديني الشرعي منه وهذا حظه مراده من ربه وبالله التوفيق فإن قيل هذا الباب مسلم لأهل الذوق وأنتم تتكلمون بلسان العلم لا بلسان الذوق والذائق واجد والواجد لا يمكنه إنكار موجوده فلا يرجع إلى صاحب العلم بل يدعوه إلى ذوق ما ذاقه ويقول اقول للائم المهدي ملامته ذق الهوى وإن اسطعت الملام لم قيل لم ينصف من أحال على الذوق فإنها حوالة على محكوم عليه لا على حاكم وعلى مشهود له لا على شاهد وعلى موزون لا على ميزان ويا سبحان الله هل يدل مجرد ذوق الشيء على حكمه وأنه حق أو باطل وهل جعل الله ورسوله الأذواق والمواجيد حججا وأدلة يميز بها بين ما يحبه ويرضاه وبين ما يكرهه ويسخطه ولو كان ذلك كذلك لاحتج كل مبطل على باطله بالذوق والوجد كما تجده في كثير من أهل الباطل والإلحاد فهؤلاء الاتحادية وهم أكفر الخلق يحتجون بالذوق والوجد على كفرهم وإلحادهم حتى ليقول قائلهم يا صاحبي أنت تنهاني وتأمرني والوجد أصدق نهاء وأمار فإن أطعك وأعص الوجد رحت عم عن اليقين إلى أوهام أخبار وعين ما أنت تدعوني إليه إذا حققته بدل المنهي يا جار ويقول هذا القائل ثبت عندنا بالكشف والذوق ما يناقض صريح العقل وكل معتقد لأمر جازم به مستحسن له يذوق طعمه فالملحد يذوق طعم الاتحاد والانحلال من الدين والرافضي يذوق طعم الرفض ومعاداة خيار الخلق والقدري يذوق طعم إنكار القدر ويعجب ممن يثبته والجبري عكسه والمشرك يذوق طعم الشرك حتى إنه ليستبشر إذا ذكره إلهه ومعبوده من دون الله ويشمئز قلبه إذا ذكر الله وحده

قسم V03/P441–V03/P443

وهذا الاحتجاج قد سلكه أرباب السماع المحدث الشيطاني الذي هو محض شهوة النفس وهواها واحتجوا على إباحة هذا السماع بما فيه من الذوق والوجد واللذة وأنت تجد النصراني له في تثليثه ذوق ووجد وحنين بحيث لو عرض عليه أشد العذاب لاختاره دون أن يفارق تثليثه لما له فيه من الذوق وحينئذ فيقال هب أن الأمر كما تقول وأن المتكلم المنكر لم يتكلم بلسان الذوق فهل يصح أن يكون ذوق الذائق لذلك حجة صحيحة نافعة له بينه وبين الله ولو فرضنا أن هذا المنكر قال نعم أنا محجوب عن الوصول إلى ما أنكرته غير ذائق له وأنت ذائق واصل فما علامة ما ذقته ووصلت إليه وما الدليل عليه وأنا لا أنكر ذوقك له ووجدك به ولكن الشأن في المذوق لافي الذوق وإن ذاق المحب العاشق طعم محبته وعشقه لمحبوبه ما كان غاية ذلك إلا أن يدل على وجود محبته وعشقه لا على كون ذلك نافعا له أو ضارا أو موخبا لكماله أو نقصه وبالله التوفيق فصل قال صاحب المنازل باب التوحيد قال الله تعالى شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم التوحيد تنزيه الله عز وجل عن الحدث وإنما نطق العلماء بما نطقوا به وأشار المحققون بما أشاروا به في هذا الطريق لقصد تصحيح التوحيد وما سواه من حال أو مقام فكله مصحوب بالعلل قلت التوحيد أول دعوة الرسل وأول منازل الطريق وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله تعالى قال تعالى لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره وقال هود لقومه اعبدوا الله مالكم من إله غيره وقال صالح لقومه اعبدوا الله مالكم من إله غيره وقال شعيب لقومه اعبدوا الله مالكم من إله غيره وقال تعالى ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فالتوحيد مفتاح دعوة الرسل ولهذا قال النبي لرسوله معاذ ابن جبل رضي الله عنه وقد بعثه إلى اليمن إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله وحده فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة وذكر الحديث وقال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ولهذا كان الصحيح أن أول واجب يجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا الله لا النظر ولا القصد إلى النظر ولا الشك كما هي أقوال لأرباب الكلام المذموم فالتوحيد أول ما يدخل به في الإسلام وآخر ما يخرج به من الدنيا كما قال النبي من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة فهو أول واجب وآخر واجب فالتوحيد أول الأمر وآخره قوله التوحيد تنزيه الله عن الحدث هذا الحد لا يدل على التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه وينجو به العبد من النار ويدخل به الجنة ويخرج من الشرك فإنه مشترك بين جميع الفرق وكل من أقر بوجود الخالق سبحانه أقر به فعباد الأصنام والمجوس والنصارى واليهود والمشركون على اختلاف نحلهم كلهم ينزهون الله عن الحدث ويثبتون قدمه حتى أعظم الطوائف على الإطلاق شركا وكفرا وإلحادا وهم طائفة الاتحادية فإنهم يقولون هو الوجود المطلق وهو قديم لم يزل وهو منزه عن الحدث ولم تزل المحدثات تكتسي وجوده تلبسه وتخلعه والفلاسفة الذين هم أبعد الخلق عن الشرائع وما جاءت به الأنبياء يثبتون واجب الوجود قديما منزها عن الحدث والمشركون عباد الأصنام الذين يعبدون معه آلهة أخرى يثبتون قديما منزها عن الحدث فالتنزيه عن الحدث حق لكن لا يعطي إسلاما ولا إيمانا ولا يدخل في شرائع الأنبياء ولا يخرج من نحل أهل الكفر ومللهم ألبتة وهذا القدر لا يخفى على شيخ الإسلام ومحله من العلم والمعرفة محله

قسم V03/P443–V03/P446

ومع هذا فقد سئل سيد الطائفة الجنيد عن التوحيد فقال هو إفراد القديم عن المحدث والجنيد أشار إلى أنه لا تصح دعوى التوحيد ولا مقامه ولا حاله ولا يكون العبد موحدا إلا إذا أفرد القديم عن المحدث فإن كثيرا ممن ادعى التوحيد لم يفرده سبحانه من المحدثات فإن من نفى مباينته لخلقه فوق سمواته على عرشه وجعله في كل مكان بذاته لم يفرده عن المحدث بل جعله حالا في المحدثات مخالفا لها موجودا فيها بذاته وصوفية هؤلاء وعبادهم هم الحلولية الذين يقولون إن الله عز وجل يحل بذاته في المخلوقات وهم طائفتان طائفة تعم الموجودات بحلوله فيها وطائفة تخص به بعضها دون بعض قال الأشعري في كتاب المقالات هذه حكاية قول قوم من النساك وفي الأمة قوم ينتحلون النسك يزعمون أنه جائز على الله تعالى الحلول في الأجسام وإذا رأوا شيئا يستحسنونه قالوا لا ندري لعله ربنا قلت وهذه الفرقة طائفتان إحداهما تزعم أنه سبحانه يحل في الصورة الجميلة المستحسنة والثانية تزعم أنه سبحانه يحل في الكمل من الناس وهم الذين تجردت نفوسهم عن الشهوات واتصفوا بالفضائل وتنزهوا عن الرذائل والنصارى تزعم أنه حل في بدن المسيح وتدرع به والاتحادية تزعم أنه وجود مطلق أكتسته الماهيات فهو عين وجودها فكل هؤلاء لم يفردوا القديم عن المحدث فصل وهذا الإفراد الذي أشار إليه الجنيد نوعان أحدهما إفراد في الإعتقاد والخبر وذلك نوعان أيضا أحدهما إثبات مباينة الرب تعالى للمخلوقات وعلوه فوق عرشه من فوق سبع سموات كما نطقت به الكتب الإلهية من أولها إلى آخرها وأخبرت به جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم والثاني إفراده سبحانه بصفات كماله وإثباتها له على وجه التفصيل كما أثبتها لنفسه وأثبتها له رسله منزهة عن التعطيل والتحريف والتمثيل والتكييف والتشبيه بل تثبت له سبحانه حقائق الأسماء والصفات وتنفي عنه فيها مماثلة المخلوقات إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تحريف ولا تعطيل ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وفي هذا النوع يكون إفراده سبحانه بعموم قضائه وقدره لجميع المخلوقات أعيانها وصفاتها وأفعالها وأنها كلها واقعة بمشيئته وقدرته وعلمه وحكمته فيباين صاحب هذا الإفراد سائر فرق أهل الباطل من الاتحادية والحلولية والجهمية الفرعونية الذين يقولون ليس فوق السموات رب يعبد ولا على العرش إله يصلى له ويسجد والقدرية الذين يقولون إن الله لا يقدر على أفعال العباد من الملائكة والإنس والجن ولا على أفعال سائر الحيوانات بل يقع في ملكه مالا يريد ويريد مالا يكون فيريد شيئا لا يكون ويكون شيء بغير إرادته ومشيئته والله سبحانه أعلم فصل والنوع الثاني من الإفراد إفراد القديم عن المحدث بالعبادة من التأله والحب والخوف والرجاء والتعظيم والإنابة والتوكل والاستعانة وابتغاء الوسيلة إليه فهذا الإفراد وذلك الإفراد بهما بعثت الرسل وأنزلت الكتب وشرعت الشرائع ولأجل ذلك خلقت السموات والأرض والجنة والنار وقام سوق الثواب والعقاب فتفريد القديم سبحانه عن المحدث في ذاته وصفاته وأفعاله وفي إرادته وحده ومحبته وخوفه ورجائه والتوكل عليه والاستعانة والحلف به والنذر له والتوبة إليه والسجود له والتعظيم والإجلال وتوابع ذلك ولذلك كانت عبارة الجنيد عن التوحيد عبارة سادة مسددة فشيخ الإسلام إن أراد ما أراد أبو القاسم فلا إشكال وإن أراد أن ينزه الله سبحانه عن قيام الأفعال الاختيارية به التي يسميها نفاة أفعاله حلول الحوادث ويجعلون تنزيه الرب تعالى عنها من كمال التوحيد بل هو أصل التوحيد عندهم فكأنه قال التوحيد تنزيه الرب تعالى عن حلول الحوادث وحقيقة ذلك أن التوحيد عندهم تعطيله عن أفعاله ونفيها بالكلية وأنه لا يفعل شيئا ألبتة فإن إثبات فاعل من غير فعل يقوم به ألبتة محال في العقول والفطر ولغات الأمم ولا يثبت كونه سبحانه ربا للعالم مع نفي ذلك أبدا فإن قيام الأفعال به هو معنى الربوبية وحقيقتها ونافى هذه المسألة ناف لأصل الربوبية جاحد لها رأسا

قسم V03/P446–V03/P448

وإن أراد تنزيه الرب تعالى عن سمات المحدثين وخصائص المخلوقين فهو حق ولكنه تقصير في التعبير عن التوحيد فإن إثبات صفات الكمال أصل التوحيد ومن تمام هذا الإثبات تنزيهه سبحانه عن سمات المحدثين وخصائص المخلوقين وقد استدرك عليه الاتحادي في هذا الحد فقال شهود التوحيد يرفع الحدوث أصلا ورأسا فلا يكون هناك وجودان قديم ومحدث فالتوحيد هو أن لا يرى مع الوجود المطلق سواه والله سبحانه أعلم فصل وقد تقسمت الطوائف التوحيد وسمى كل طائفة باطلهم توحيدا فأتباع أرسطوا وابن سينا والنصير الطوسي عندهم التوحيد إثبات وجود مجرد عن الماهية والصفة بل هو وجود مطلق لا يعرض لشيء من الماهيات ولا يقوم به وصف ولا يتخصص بنعت بل صفاته كلها سلوب وإضافات فتوحيد هؤلاء هو غاية الإلحاد والجحد والكفر وفروع هذا التوحيد إنكار ذات الرب والقول بقدم الأفلاك وأن الله لا يبعث من في القبور وأن النبوة مكتسبة وأنها حرفة من الحرف كالولاية والسياسة وأن الله لا يعلم عدد الأفلاك ولا الكواكب ولا يعلم شيئا من الموجودات المعينة ألبتة وأنه لا يقدر على قلب شيء من أعيان العالم ولا شق الأفلاك ولا خرقها وأنه لا حلال ولا حرام ولا أمر ولا نهي ولا جنة ولا نار فهذا توحيد هؤلاء وأما الاتحاديه فالتوحيد عندهم أن الحق المنزه هو عين الخلق المشبه وأنه سبحانه هو عين وجود كل موجود وحقيقته وماهيته وأنه آية كل شيء وله فيه آية تدل على أنه عينه وهذا عند محققيهم من خطإ التعبير بل هو نفس الآية ونفس الدليل ونفس المستدل ونفس المستدل عليه فالتعدد بوجود اعتبارات وهمية لا بالحقيقة والوجود فهو عندهم عين الناكح وعين المنكوح وعين الذابح وعين المذبوح وعين الآكل وعين المأكول وهذا عندهم هو السر الذي رمزت إليه هوامس الدهور الأولية ورامت إفادته الهداية النبوية كما قاله محققهم وعارفهم ابن سبعين ومن فروع هذا التوحيد أن فرعون وقومه مؤمنون كاملوا الإيمان عارفون بالله على الحقيقة ومن فروعه أن عباد الأصنام على الحق والصواب وأنهم إنما عبدوا عين الله سبحانه لا غيره ومن فروعه أن الحق أن لا فرق في التحريم والتحليل بين الأم والأخت والأجنبية ولا فرق بين الماء والخمر والزنا والنكاح الكل من عين واحدة بل هو العين الواحدة وإنما المحجوبون عن هذا السر قالوا هذا حرام وهذا حلال نعم هو حرام عليكم لأنكم في حجاب عن حقيقة هذا التوحيد ومن فروعه أن الأنبياء ضيقوا الطريق على الناس وبعدوا عليهم المقصود والأمر وراء ما جاءوا به ودعوا إليه وأما الجهمية فالتوحيد عندهم إنكار علو الله على خلقه بذاته واستوائه على عرشه وإنكار سمعه وبصره وقوته وحياته وكلامه وصفاته وأفعاله ومحبته ومحبة العباد له فالتوحيد عندهم هو المبالغة في إنكار التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه وأما القدرية فالتوحيد عندهم هو إنكار قدر الله وعموم مشيئته للكائنات وقدرته عليها ومتأخروهم ضموا إلى ذلك توحيد الجهمية فصار حقيقة التوحيد عندهم إنكار القدر وإنكار حقائق الأسماء الحسنى والصفات العلى وربما سموا إنكار القدر والكفر بقضاء الرب وقدره عدلا وقالوا نحن أهل العدل والتوحيد وأما الجبرية فالتوحيد عندهم هو تفرد الرب تعالى بالخلق والفعل وأن العباد غير فاعلين على الحقيقة ولا محدثين لأفعالهم ولا قادرين عليها وأن الرب تعالى لم يفعل لحكمة ولا غاية تطلب بالفعل وليس في المخلوقات قوى وطبائع وغرائز وأسباب بل ما ثم إلا مشيئة محضة ترجح مثلا على مثل بغير مرجح ولا حكمة ولا سبب ألبتة وأما صاحب المنازل ومن سلك سبيله فالتوحيد عندهم نوعان أحدهما غير موجود ولا ممكن وهو توحيد العبد ربه فعندهم ما وحد الواحد من واحد إذ كل من وحده جاحد والثاني توحيد صحيح وهو توحيد الرب لنفسه وكل من ينعته سواه فهو ملحد فهذا توحيد الطوائف ومن الناس إلا أولئك والله سبحانه أعلم فصل وأما التوحيد الذي دعت إليه رسل الله ونزلت به كتبه فوراء ذلك كله وهو نوعان توحيد في المعرفة والإثبات وتوحيد في المطلب والقصد

قسم V03/P448–V03/P450

فالأول هو حقيقة ذات الرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وعلوه فوق سمواته على عرشه وتكلمه بكتبه وتكليمه لمن شاء من عباده وإثبات عموم قضائه وقدره وحكمه وقد أفصح القرآن عن هذا النوع جد الإفصاح كما في أول سورة الحديد وسورة طه وآخر سورة الحشر وأول سورة تنزيل السجدة وأول سورة آل عمران وسوة الإخلاص بكمالها وغير ذلك النوع الثاني مثل ما تضمنته سورة قل يا أيها الكافرون وقوله قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم الآية وأول سورة تنزيل الكتاب وآخرها وأول سورة يونس ووسطها وآخرها وأول سورة الأعراف وآخرها وجملة سورة الأنعام وغالب سور القرآن بل كل سورة في القرآن فهي متضمنة لنوعي التوحيد بل نقول قولا كليا إن كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد شاهدة به داعية إليه فإن القرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله فهو التوحيد العلمي الخبري وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع كل ما يعبد من دونه فهو التوحيد الإرادي الطلبي وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته في نهيه وأمره فهي حقوق التوحيد ومكملاته وإما خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة فهو جزاء توحيده وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب فهو خبر عمن خرج عن حكم التوحيد فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم ف الحمد لله توحيد رب العالمين توحيد الرحمن الرحيم توحيد مالك يوم الدين توحيد إياك نعبد توحيد وإياك نستعين توحيد اهدنا الصراط المستقيم توحيد متضمن لسؤال الهداية إلى طريق أهل التوحيد الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين الذين فارقوا التوحيد ولذلك شهد الله لنفسه بهذا التوحيد وشهد له به ملائكته وأنبياؤه ورسله قال شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام فتضمنت هذه الآية الكريمة إثبات حقيقة التوحيد والرد على جميع هذه الطوائف والشهادة يبطلان أقوالهم ومذاهبهم وهذا إنما يتبين بعد فهم الآية ببيان ما تضمنته من المعارف الإلهية والحقائق الإيمانية فتضمنت هذه الآية أجل شهادة وأعظمها وأعدلها وأصدقها من أجل شاهد بأجل مشهود به وعبارات السلف في شهد تدور على الحكم والقضاء والإعلام والبيان والإخبار قال مجاهد حكم وقضى وقال الزجاج بين وقالت طائفة أعلم وأخبر وهذه الأقوال كلها حق لا تنافي بينها فإن الشهادة تتضمن كلام الشاهد وخبره وقوله وتتضمن إعلامه وإخباره وبيانه فلها أربع مراتب فأول مراتبها علم ومعرفة واعتقاد لصحة المشهود به وثبوته وثانيها تكلمه بذلك ونطقه به وإن لم يعلم به غيره بل يتكلم به مع نفسه ويذكرها وينطق بها أو يكتبها وثالثها أن يعلم غيره بما شهد به ويخبره به ويبينه له ورابعها أن يلزمه بمضمونها ويأمره به فشهادة الله سبحانه لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط تضمنت هذه المراتب الأربعة علم الله سبحانه بذلك وتكلمه به وإعلامه وإخباره لخلقه به وأمرهم وإلزامهم به أما مرتبة العلم فإن الشهادة بالحق تتضمنها ضرورة وإلا كان الشاهد شاهدا بما لا علم له به قال الله تعالى إلا من شهد بالحق وهم يعلمون وقال النبي على مثلها فاشهد وأشار إلى الشمس

قسم V03/P450–V03/P452

وأما مرتبة التكلم والخبر فمن تكلم بشيء وأخبر به فقد شهد به وإن لم يتلفظ بالشهادة قال تعالى قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم وقال تعالى وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم سنكتب شهادتهم ويسألون فجعل ذلك منهم شهادة وإن لم يتلفظوا بلفظ الشهادة ولم يؤدوها عند غيرهم قال النبي عدلت شهادة الزور الإشراك بالله وشهادة الزور هي قول الزور كما قال تعالى واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به وعند نزول هذه الآية قال رسول الله عدلت شهادة الزور الإشراك بالله \ ح \ فسمى قول الزور شهادة وسمى الله تعالى إقرار العبد على نفسه شهادة قال تعالى يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم فشهادة المرء على نفسه هي إقراره على نفسه وفي الحديث الصحيح في قصة ماعز الأسلمي فلما شهد على نفسه أربع مرات رجمه رسول الله وقال تعالى قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين وهذا وأضعافه يدل على أن الشاهد عند الحاكم وغيره لا يشترط في قبول شهادته أن يتلفظ بلفظ الشهادة كما هو مذهب مالك وأهل المدينة وظاهر كلام أحمد ولا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين اشتراط ذلك وقد قال ابن عباس شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر أن رسول الله نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس ومعلوم أنهم لم يتلفظوا بلفظ الشهادة والعشرة الذين شهد لهم رسول الله بالجنة لم يتلفظ في شهادته لهم بلفظ الشهادة بل قال أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعلي في الجنة الحديث وأجمع المسلمون على أن الكافر إذا قال لا إله إلا الله محمد رسول الله فقد دخل في الإسلام وشهد شهادة الحق ولم يتوقف إسلامه على لفظ الشهادة وأنه قد دخل في قوله حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وفي لفظ آخر حتى يقولوا لا إله إلا الله فدل على أن مجرد قولهم لا إله إلا الله شهادة منهم وهذا أكثر من أن تذكر شواهده من الكتاب والسنة فليس مع من اشترط لفظ الشهادة دليل يعتمد عليه والله أعلم فصل وأما مرتبة الإعلام والإخبار فنوعان إعلام بالقول وإعلام بالفعل وهذا شأن كل معلم لغيره بأمر تارة يعلمه بقوله وتارة بفعله ولهذا كان من جعل دارا مسجدا وفتح بابها لكل من دخل إليها وأذن بالصلاة فيها معلما أنها وقف وأن لم يتلفظ به وكذلك من وجد متقربا إلى غيره بأنواع المسار معلما له ولغيره أنه يحبه وإن لم يتلفظ بقوله وكذلك بالعكس وكذلك شهادة الرب جل جلاله وبيانه وإعلامه يكون بقوله تارة وبفعله تارة أخرى فالقول هو ما أرسل به رسله وأنزل به كتبه ومما قد علم بالاضطرار أن جميع الرسل أخبروا عن الله أنه شهد لنفسه بأنه لا إله إلا هو وأخبر بذلك وأمر عباده أن يشهدوا به وشهادته سبحانه أن لا إله إلا هو معلومة من جهة كل من بلغ عنه كلامه وأما بيانه وإعلامه بفعله فهو ما تضمنه خبره تعالى عن الأدلة الدالة على وحدانيته التي تعلم دلالتها بالعقل والفطرة وهذا أيضا يستعمل فيه لفظ الشهادة كما يستعمل فيه لفظ الدلالة والإرشاد والبيان فإن الدليل يبين المدلول عليه ويظهره كما يبينه الشاهد والمخبر بل قد يكون البيان بالفعل أظهر وأبلغ وقد يسمى شاهد الحال نطقا وقولا وكلاما لقيامه مقامه وأدائه مؤداه كما قيل وقالت له العينان سمعا وطاعة وحدرتا بالدر لما يثقب وقال الآخر شكا إلي جملي طول السرى صبرا جميلي فكلانا مبتلى وقال الآخر امتلأ الحوض وقال قطني مهلا رويدا قد ملأت بطني ويسمى هذا شهادة أيضا كما في قوله تعالى ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر فهذه شهادة منهم على أنفسهم بما يفعلون من أعمال الكفر وأقواله فهي شهادة بكفرهم وهم شاهدون على أنفسهم بما شهدت به

قسم V03/P452–V03/P455

والمقصود أن الله سبحانه يشهد بما جعل آياته المخلوقة دالة عليه فإن دلالتها إنما هي بخلقه وجعله ويشهد بآياته القولية الكلامية المطابقة لما شهدت به آياته الخلقية فتتطابق شهادة القول وشهادة الفعل كما قال تعالى سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أي أن القرآن حق فأخبر أنه يدل بآياته الأفقية والنفسية على صدق آياته القولية الكلامية وهذه الشهادة الفعلية قد ذكرها غير واحد من أئمة العربية والتفسير قال ابن كيسان شهد الله بتدبيره العجيب وأموره المحكمة عند خلقه أنه لا إله إلا هو فصل وأما المرتبة الرابعة وهي الأمر بذلك والإلزام به وإن كان مجرد الشهادة لا يستلزمه لكن الشهادة في هذا الموضع تدل عليه وتتضمنه فإنه سبحانه شهد به شهادة من حكم به وقضى وأمر وألزم عباده به كما قال تعالى وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وقال تعالى وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد وقال تعالى وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين وقال تعالى لا تجعل مع الله إلها آخر وقال الله سبحانه وتعالى ولا تدع مع الله إلها آخر والقرآن كله شاهد بذلك ووجه استلزام شهادته سبحانه لذلك أنه إذا شهد أنه لا إله إلا هو فقد أخبر وبين وأعلم وحكم وقضى أن ما سواه ليس بإله وأن إلهية ما سواه أبطل الباطل وإثباتها أظلم الظلم فلا يستحق العبادة سواه كما لا تصلح الإلهية لغيره وذلك يستلزم الأمر باتخاذه وحده إلها والنهي عن اتخاذ غيره معه إلها وهذا يفهمه المخاطب من هذا النفي والإثبات كما إذا رأيت رجلا يستفتى أو يستشهد أو يستطب من ليس أهلا لذلك ويدع من هو أهل له فتقول هذا ليس بمفت ولا شاهد ولا طبيب المفتي فلان والشاهد فلان والطبيب فلان فإن هذا أمر منك ونهي وأيضا فإن الأدلة قد دلت على أنه سبحانه وحده المستحق للعبادة فإذا أخبر أنه هو وحده المستحق للعبادة تضمن هذا الإخبار أمر العباد وإلزامهم بأداء ما يستحقه الرب تعالى عليهم وأن القيام بذلك هو خالص حقه عليهم فإذا شهد سبحانه أنه لا إله إلا هو تضمنت شهادته الأمر والإلزام بتوحيده وأيضا فلفظ الحكم والقضاء يستعمل في الجمل الخبرية فيقال للجملة الخبرية قضية وحكم وقد حكم فيها بكيت وكيت قال تعالى ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون أصطفى البنات على البنين مالكم كيف تحكمون فجعل هذا الإخبار المجرد منهم حكما وقال في موضع آخر أفنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم كيف تحكمون لكن هذا حكم لا الزام الإلزام معه والحكم والقضاء بأنه لا إله إلا هو متضمن للإلزام والله سبحانه أعلم فصل وقوله تعالى قائما بالقسط القسط هو العدل فشهد الله سبحانه أنه قائم بالعدل في توحيده وبالوحدانية في عدله والتوحيد والعدل هما جماع صفات الكمال فإن التوحيد يتضمن تفرده سبحانه بالكمال والجلال والمجد والتعظيم الذي لا ينبغي لأحد سواه والعدل يتضمن وقوع أفعاله كلها على السداد والصواب وموافقة الحكمة فهذا توحيد الرسل وعدلهم إثبات الصفات والأمر بعبادة الله وحده لا شريك له وإثبات القدر والحكم والغايات المطلوبة المحمودة بفعله وأمره لا توحيد الجهمية والمعتزلة والقدرية الذي هو إنكار الصفات وحقائق الأسماء الحسنى وعدلهم الذي هو التكذيب بالقدر أو نفي الحكم والغايات والعواقب الحميدة التي يفعل الله لأجلها ويأمر وقيامه سبحانه بالقسط في شهادته يتضمن أمورا أحدها أنه قائم بالقسط في هذه الشهادة التي هي أعدل شهادة على الإطلاق وإنكارها وجحودها أعظم الظلم على الإطلاق فلا أعدل من التوحيد ولا أظلم من الشرك فهو سبحانه قائم بالعدل في هذه الشهادة قولا وفعلا حيث شهد بها وأخبر وأعلم عباده وبين لهم تحقيقها وصحتها وألزمهم بمقتضاها وحكم به وجعل الثواب والعقاب عليها وجعل الأمر والنهي من حقوقها وواجباتها فالدين كله من حقوقها والثواب كله عليها والعقاب كله على تركها

قسم V03/P455–V03/P457

وهذا هو العدل الذي قام به الرب تعالى في هذه الشهادة فأوامره كلها تكميل لها وأمر بأداء حقوقها ونواهيه كلها صيانة لها عما يهضمها ويضادها وثوابه كله عليها وعقابه كله على تركها وترك حقوقها وخلقه السموات والأرض وما بينهما كان بها ولأجلها وهي الحق الذي خلقت به وضدها هو الباطل والعبث الذي نزه نفسه عنه وأخبر أنه لم يخلق به السموات والأرض قال تعالى ردا على المشركين المنكرين لهذه الشهادة وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار وقال تعالى حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون وقال وهو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق وقال أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون وقال وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ماخلقناهما إلا بالحق وهذا كثير في القرآن والحق الذي خلقت به السموات والأرض ولأجله هو التوحيد وحقوقه من الأمر والنهي والثواب والعقاب فالشرع والقدر والخلق والأمر والثواب والعقاب قائم بالعدل والتوحيد صادر عنهما وهذا هو الصراط المستقيم الذي عليه الرب سبحانه وتعالى قال تعالى حكاية عن نبيه هود إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم فهو سبحانه على صراط مستقيم في قوله وفعله فهو يقول الحق ويفعل العدل وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل فالصراط المستقيم الذي عليه ربنا تبارك وتعالى هو مقتضى التوحيد والعدل قال تعالى وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم فهذا مثل ضربه الله لنفسه وللصنم فهو سبحانه الذي يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم والصنم مثل العبد الذي هو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير والمقصود أن قوله تعالى قائما بالقسط هو كقوله إن ربي على صراط مستقيم وقوله قائما بالقسط نصب على الحال وفيه وجهان أحدهما أنه حال من الفاعل في شهد الله والعامل فيها الفعل والمعنى على هذا شهد الله حال قيامه بالقسط أنه لا إله إلا هو والثاني أنه حال من قوله هو والعامل فيها معنى النفي أي لا إله إلا هو حال كونه قائمة بالقسط وبين التقديرين فرق ظاهر فإن التقدير الأول يتضمن أن المعنى شهد الله متكلما بالعدل مخبرا به آمرا به فاعلا له مجازيا به أنه لا إله إلا هو فإن العدل يكون في القول والفعل والمقسط هو العادل في قوله وفعله فشهد الله قائما بالعدل قولا وفعلا أنه لا إله إلا هو وفي ذلك تحقيق لكون هذه الشهادة شهادة عدل وقسط وهي أعدل شهادة كما أن المشهود به أعدل شيء وأصحه وأحقه وذكر ابن السائب وغيره في سبب نزول الآية ما يشهد بذلك وهو أن حبرين من أحبار الشأم قدما على النبي فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه ما أشبه هذه المدينة بمدينة النبي الذي يخرج في آخر الزمان فلما دخلا على النبي قالا له أنت محمد قال نعم وأحمد قال نعم قالا نسألك عن شهادة فإن أخبرتنا بها آمنا بك قال سلاني قالا أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله فنزلت شهد الله أنه لا إله إلا هو الآية وإذا كان القيام بالقسط يكون في القول والفعل كان المعنى أنه كان سبحانه يشهد وهو قائم بالعدل عالم به لا بالظلم فإن هذه الشهادة تضمنت قولا وعملا فإنها تضمنت أنه هو الذي يستحق العبادة وحده دون غيره وأن الذين عبدوه وحده هم المفلحون السعداء وأن الذين أشركوا به غيره هم الضالون الأشقياء فإذا شهد قائما بالعدل المتضمن جزاء المخلصين بالجنة وجزاء المشركين بالنار كان هذا من تمام موجب الشهادة وتحقيقها وكان قوله قائما بالقسط تنبيها على جزاء الشاهد بها والجاحد لها والله أعلم

قسم V03/P457–V03/P459

فصل وأما التقدير الثاني وهو أن يكون قوله قائما حالا مما بعد إلا فالمعنى أنه لا إله إلا هو قائما بالعدل فهو وحده المستحق الإلهية مع كونه قائما بالقسط قال شيخنا وهذا التقدير أرجح فإنه يتضمن أن الملائكة وأولي العلم يشهدون له بأنه لا إله إلا هو وأنه قائم بالقسط قلت مراده أنه إذا كان قوله قائما بالقسط حالا من المشهود به فهو كالصفة له فإن الحال صفة في المعنى لصاحبها فإذا وقعت الشهادة على ذي الحال وصاحبها كان كلاهما مشهودا به فيكون الملائكة وأولوا العلم قد شهدوا بأنه قائم بالقسط كما شهدوا بأنه لا إله إلا هو والتقدير الأول لا يتضمن ذلك فإنه إذا كان التقدير شهد الله قائما بالقسط أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم يشهدون أنه لا إله إلا هو كان القيام بالقسط حالا من اسم الله وحده وأيضا فكونه قائما بالقسط فيما شهد به أبلغ من كونه حالا من مجرد الشهادة فإن قيل فإذا كان حالا من هو فهلا اقترن به ولم فصل بين صاحب الحال وبينها بالمعطوف فجاء متوسطا بين صاحب الحال وبينها قلت فائدته ظاهرة فإنه لو قال شهد الله أنه لا إله إلا هو قائما بالقسط والملائكة وأولو العلم لأوهم عطف الملائكة وأولي العلم على الضمير في قوله قائما بالقسط ولا يحسن العطف لأجل الفصل وليس المعنى على ذلك قطعا وإنما المعنى على خلافه وهو أن قيامه بالقسط مختص به كما أنه مختص بالإلهية فهو وحده الإله المعبود المستحق العبادة وهو وحده المجازي المثيب المعاقب بالعدل قوله لا إله إلا هو ذكر محمد بن جعفر أنه قال الأولى وصف وتوحيد والثانية رسم وتعليم أي قولوا لا إله إلا هو ومعنى هذا أن الأولى تضمنت أن الله سبحانه شهد بها وأخبر بها والتالي للقرآن إنما يخبر عن شهادته هو وليس في ذلك شهادة من التالي نفسه فأعاد سبحانه ذكرها مجردة ليقولها التالي فيكون شاهدا هو أيضا وأيضا فالأولى خبر عن الشهادة بالتوحيد والثانية خبر عن نفس التوحيد وختم بقوله العزيز الحكيم فتضمنت الآية توحيده وعدله وعزته وحكمته فالتوحيد يتضمن ثبوت صفات كماله ونعوت جلاله وعدم المماثل له فيها وعبادته وحده لا شريك له والعدل يتضمن وضعه الأشياء موضعها وتنزيلها منازلها وأنه لم يخص شيئا منها إلا بمخصص اقتضى ذلك وأنه لا يعاقب من لا يستحق العقوبة ولا يمنع من يستحق العطاء وإن كان هو الذي جعله مستحقا والعزة تتضمن كمال قدرته وقوته وقهره والحكمة تتضمن كمال علمه وخبرته وأنه أمر ونهى وخلق وقدر لما له في ذلك من الحكم والغايات الحميدة التي يستحق عليها كمال الحمد فاسمه العزيز يتضمن الملك واسمه الحكيم يتضمن الحمد وأول الآية يتضمن التوحيد وذلك حقيقة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وذلك أفضل ما قاله رسول الله والنبيون من قبله والحكيم الذي إذا أمر بأمر كان حسنا في نفسه وإذا نهى عن شيء كان قبيحا في نفسه وإذا أخبر بخبر كان صدقا وإذا فعل فعلا كان صوابا وإذا أراد شيئا كان أولى بالإرادة من غيره وهذا الوصف على الكمال لا يكون إلا لله وحده فتضمنت هذه الآية وهذه الشهادة الدلالة على وحدانيته المنافية للشرك وعدله المنافي للظلم وعزته المنافية للعجز وحكمته المنافية للجهل والعيب ففيها الشهادة له بالتوحيد والعدل والقدرة والعلم والحكمة ولهذا كانت أعظم شهادة ولا يقوم بهذه الشهادة على وجهها من جميع الطوائف إلا أهل السنة وسائر طوائف أهل البدع لا يقومون بها فالفلاسفة أشد الناس إنكارا وجحودا لمضمونها من أولها إلى آخرها وطوائف الاتحادية هم أبعد خلق الله عنها من كل وجه وطائفة الجهمية تنكر حقيقتها من وجوه منها أن الإله هو الذي تألهه القلوب محبة له واشتياقا إليه وإنابة وعندهم أن الله لا يحب ولا يحب ومنها أن الشهادة كلامه وخبره عما شهد به وهو عندهم لا يقول ولا يتكلم ولا يشهد ولا يخبر

قسم V03/P459–V03/P462

ومنها أنها تتضمن مباينته لخلقه بذاته وصفاته وعند فرعونيهم أنه لا يباين الخلق ولا يحايثهم وليس فوق العرش إله يعبد ولا رب يصلى له ويسجد وعند حلوليتهم أنه حال في كل مكان بذاته حتى في الأمكنة التي يستحي من ذكوها فهؤلاء مثبتة الجهمية وأولئك نفاتهم ومنها أن قيامه بالقسط في أفعاله وأقواله وعندهم أنه لم يقم ولا يقوم به فعل ولا قول ألبتة وأن قوله مخلوق من بعض المخلوقات وفعله هو المفعول المنفصل وأما أن يكون له فعل يكون به فاعلا حقيقة فلا ومنها أن القسط عندهم لا حقيقة له بل كل ممكن فهو قسط وليس في مقدوره ما يكون ظلما وقسطا بل الظلم عندهم هو المحال الممتنع لذاته والقسط هو الممكن فنزه الله سبحانه نفسه على قولهم عن المحال الممتنع لذاته الذي لا يدخل تحت القدرة ومنها أن العزة هي القوة والقدرة وعندهم لا يقوم به صفة ولا له صفة وقدرة تسمى قدرة وقوة ومنها أن الحكمة هي الغاية التي يفعل لأجلها وتكون هي المطلوبة بالفعل ويكون وجودها أولى من عدمها وهذا عندهم ممتنع في حقه سبحانه فلا يفعل لحكمة ولا غاية بل لا غاية لفعله ولا أمره وما ثم إلا محض المشيئة المجردة عن الحكمة والتعليل ومنها أن الإله هو الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى وهو الذي يفعل بقدرته ومشيئته وحكمته وهو الموصوف بالصفات والأفعال المسمى بالأسماء التي قامت بها حقائقها ومعانيها وهذا لا يثبته على الحقيقة إلا أتباع الرسل وهم أهل العدل والتوحيد فصل فالجهمية والمعتزلة تزعم أن ذاته لا تحب ووجهه لا يرى ولا يلتذ بالنظر إليه ولا تشتاق القلوب إليه فهم في الحقيقة منكرون الإلهية والقدرية تنكر دخول أفعال الملائكة والجن والإنس وسائر الحيوان تحت قدرته ومشيئته وخلقه فهم منكرون في الحقيقة لكمال عزته وملكه والجبرية تنكر حكمته وأن يكون له في أفعاله وأوامره غاية يفعل ويأمر لأجلها فهم منكرون في الحقيقة لحكمته وحمده وأتباع ابن سينا والنصير الطوسي وفروخهما ينكرون أن يكون ماهية غير الوجود المطلق وأن يكون له وصف ثبوتي زائد على ماهية الوجود فهم في الحقيقة منكرون لذاته وصفاته وأفعاله لا يتحاشون من ذلك والاتحادية أدهى وأمر فإنهم رفعوا القواعد من الأصل وقالوا ما ثم وجود خالق ووجود مخلوق بل الخلق المشبه هو عين الحق المنزه كل ذلك من عين واحدة بل هو العين الواحدة فهذه الشهادة العظيمة كل هؤلاء هم بها غير قائمين وهي متضمنة لإبطال ما هم عليه ورده كما تضمنت إبطال ما عليه المشركون ورده وهي مبطلة لقول طائفتي الشرك والتعطيل ولا يقوم بهذه الشهادة إلا أهل الإثبات الذين يثبتون لله ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات وينفون عنه مماثلة المخلوقات ويعبدونه وحده لا يشركون به شيئا فصل وإذا كانت شهادته سبحانه تتضمن بيانه للعباد ودلالتهم وتعريفهم بما شهد به وإلا فلو شهد شهادة لم يتمكنوا من العلم بها لم ينتفعوا ولم يقم عليهم بها الحجة كما أن الشاهد من العباد إذا كانت عنده شهادة ولم يبينها بل كتمها لم ينتفع بها أحد ولم تقم بها حجة وإذا كان لا ينتفع بها إلا ببيانها فهو سبحانه قد بينها غاية البيان بطرق ثلاثة السمع والبصر والعقل أما السمع فبسمع آياته المتلوة القولية المتضمنة لإثبات صفات كماله ونعوت جلاله وعلوه على عرشه فوق سبع سمواته وتكلمه بكتبه وتكليمه لمن شاء من عباده تكلما وتكليما حقيقة لا مجازا

قسم V03/P462–V03/P464

وفي هذا إبطال لقول من قال إنه لم يرد من عباده ما دلت عليه آياته السمعية من إثبات معانيها وحقائقها التي وضعت لها ألفاظها فإن هذا ضد البيان والإعلام ويعود على مقصود الشهادة بالإبطال والكتمان وقد ذم الله من كتم شهادة عنده من الله وأخبر أنه من أظلم الظالمين فإذا كانت عند العبد شهادة من الله تحقق ما جاء به رسوله من أعلام نبوته وتوحيد الرسل وأن إبراهيم وأهل بيته كانوا على الإسلام كلهم وكتم هذه الشهادة كان من أظلم الظالمين كما فعله أعداء رسول الله من اليهود الذين كانوا يعرفونه كما يعرفون أبنائهم فكيف يظن بالله سبحانه أنه كتم شهادة الحق التي يشهد بها الجهمية والمعتزلة والمعطلة ولا يشهد بها لنفسه ثم يشهد لنفسه بما يضادها ويناقضها ولا يجامعها بوجه ما سبحانك هذا بهتان عظيم فإن الله سبحانه شهد لنفسه بأنه استوى على العرش وبأنه القاهر فوق عباده وبأن ملائكته يخافونه من فوقهم وأن الملائكة تعرج إليه بالأمر وتنزل من عنده به وأن العمل الصالح يصعد إليه وأنه يأتي ويجيء ويتكلم ويرضى ويغضب ويحب ويكره ويتأذى ويفرح ويضحك وأنه يسمع ويبصر وأنه يراه المؤمنون بأبصارهم يوم لقائه إلى غير ذلك مما شهد به لنفسه وشهد له به رسله وشهدتوشهدت له الجهمية بضد ذلك وقالوا شهادتنا أصح وأعدل من شهادة النصوص فإن النصوص تضمنت كتمان الحق وإظهار خلافه فشهادة الرب تعالى تكذب هؤلاء أشد التكذيب وتتضمن أن الذي شهد به قد بينه وأوضحه وأظهره حتى جعله في أعلى مراتب الظهور والبيان وأنه لو كان الحق فيما يقوله المعطلة والجهمية لم يكن العباد قد انتفعوا بما شهد به سبحانه فإن الحق في نفس الأمر عندهم لم يشهد به لنفسه والذي شهد به لنفسه وأظهره وأوضحه فليس يجوز بحق ولا يجوز أن يستفاد منه الحق واليقين وأما آياته العيانية الخلقية والنظر فيها والاستدلال بها فإنها تدل على ما تدل عليه آياته القولية السمعية وآيات الرب هي دلائله وبراهينه التي بها يعرفه العباد وبها يعرفون أسماءه وصفاته وتوحيده وأمره ونهيه فالرسل تخبر عنه بكلامه الذي تكلم به وهو آياته القولية ويستدلون على ذلك بمفعولاته التي تشهد على صحة ذلك وهي آياته العيانية والعقل يجمع بين هذه وهذه فيجزم بصحة ما جاءت به الرسل فتتفق شهادة السمع والبصر والعقل والفطرة وهو سبحانه لكمال عدله ورحمته وإحسانه وحكمته ومحبته للعذر وإقامته للحجة لم يبعث نبيا من الأنبياء إلا ومعه آية تدل على صدقه فيما أخبر به قال تعالى لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وقال تعالى وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر وقال تعالى قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤوا بالبينات والزبر والكتاب المنير وقال تعالى وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وقال تعالى وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير حتى إن من أخفى آيات الرسل آيات هود عليه السلام حتى قال له قومه يا هود ما جئتنا ببينة ومع هذا فبينته من أظهر البينات وقد أشار إليها بقوله إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فيكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم فهذا من أعظم الآيات أن رجلا واحدا يخاطب أمة عظيمة بهذا الخطاب غير جزع ولا فزع ولا خوار بل واثق مما قاله جازم به قد أشهد الله أولا على براءته من دينهم ومما هم عليه إشهاد واثق به معتمد عليه معلم لقومه أنه وليه وناصره وأنه غير مسلطهم عليه ثم أشهدهم إشهاد مجاهر لهم بالمخالفة أنه بريء من دينهم وآلهتهم التي يوالون عليها ويعادون ويبذلون دماءهم وأموالهم في نصرتها

قسم V03/P464–V03/P466

ثم أكد عليهم ذلك بالاستهانة بهم واحتقارهم وازدرائهم وأنهم لو يجتمعون كلهم على كيده وشفاء غيظهم منه ثم يعاجلونه ولا يمهلونه وفي ضمن ذلك أنهم أضعف وأعجز وأقل من ذلك وأنكم لو رمتموه لانقلبتم بغيظكم مكبوتين مخذولين ثم قرر دعوته أحسن تقرير وبين أن ربه تعالى وربهم الذي نواصيهم بيده هو وليه ووكيله القائم بنصره وتأييده وأنه على صراط مستقيم فلا يخذل من توكل عليه وآمن به ولا يشمت به أعدائه ولا يكون معهم عليه فإن صراطه المستقيم الذي هو عليه في قوله وفعله يمنع ذلك ويأباه وتحت هذا الخطاب أن من صراطه المستقيم أن ينتقم ممن خرج عنه وعمل بخلافه وينزل به بأسه فإن الصراط المستقيم هو العدل الذي عليه الرب تعالى ومنه انتقامه من أهل الشرك والإجرام ونصره أولياءه ورسله على أعدائهم وأنه يذهب بهم ويستخلف قوما غيرهم ولا يضره ذلك شيئا وأنه القائم سبحانه على كل شيء حفظا ورعاية وتدبيرا وإحصاء فأي آية وبرهان دليل أحسن من آيات الأنبياء وبراهينهم وأدلتهم وهي شهادة من الله سبحانه لهم بينها لعباده غاية البيان وأظهرها لهم غاية الإظهار بقوله وفعله وفي الصحيح عنه أنه قال ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة ومن أسمائه تعالى المؤمن وهو في أحد التفسيرين المصدق الذي يصدق الصادقين بما يقيم لهم من شواهد صدقهم فهو الذي صدق رسله وأنبياءه فيما بلغوا عنه وشهد لهم بأنهم صادقون بالدلائل التي دل بها على صدقهم قضاء وخلقا فإنه سبحانه أخبر وخبره الصدق وقوله الحق أنه لا بد أن يرى العباد من الآيات الأفقية والنفسية ما يبين لهم أن الوحي الذي بلغته رسله حق فقال تعالى سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أي القرآن فإنه هو المتقدم في قوله قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به ثم قال أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد فشهد سبحانه لرسوله بقوله أن ما جاء به حق ووعده أن يرى العباد من آياته الفعلية الخلقية ما يشهد بذلك أيضا ثم ذكر ما هو أعظم من ذلك وأجل وهو شهادته سبحانه على كل شيء فإن من أسمائه الشهيد الذي لا يغيب عنه شيء ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء بل هو مطلع على كل شيء مشاهد له عليم بتفاصيله وهذا استدلال بأسمائه وصفاته والأول استدلال بقوله وكلماته والاستدلال بالآيات الأفقية والنفسية استدلال بأفعاله ومخلوقاته فإن قلت قد فهمت الاستدلال بكلماته والاستدلال بمخلوقاته فبين لي كيفية الاستدلال بأسمائه وصفاته فإن ذلك أمر لا عهد لنا به في تخاطبنا وكتبنا قلت أجل هو لعمر الله كما ذكرت وشأنه أجل وأعلى فإن الرب تعالى هو المدلول عليه وآياته هي الدليل والبرهان فاعلم أن الله سبحانه في الحقيقة هو الدال على نفسه بآياته فهو الدليل لعباده في الحقيقة بما نصبه لهم من الدلالات والآيات وقد أودع في الفطر التي لم تتنجس بالتعطيل والجحود أنه سبحانه الكامل في أسمائه وصفاته وأنه الموصوف بكل كمال المنزه عن كل عيب ونقص فالكمال كله والجمال والجلال والبهاء والعزة والعظمة والكبرياء كله من لوازم ذاته يستحيل أن يكون على غير ذلك فالحياة كلها له والعلم كله له والقدرة كلها له والسمع والبصر والإرادة والمشيئة والرحمة والغنى والجود والإحسان والبر كله خاص له قائم به وما خفي على الخلق من كماله أعظم وأعظم مما عرفوه منه بل لا نسبة لما عرفوه من ذلك إلى ما لم يعرفوه

قسم V03/P466–V03/P468

ومن كماله المقدس اطلاعه على كل شيء وشهادته عليه بحيث لا يغيب عنه وجه من وجوه تفاصيله ولا ذرة من ذراته باطنا وظاهرا ومن هذا شأنه كيف يليق بالعباد أن يشركوا به وأن يعيدوا معه غيره وأن يجعلوا معه إلها آخر وكيف يليق بكماله أن يقر من يكذب عليه أعظم الكذب ويخبر عنه بخلاف ما الأمر عليه ثم ينصره على ذلك ويؤيده ويعلي كلمته ويرفع شأنه ويجيب دعوته ويهلك عدوه ويظهر على يديه من الآيات والبراهين والأدلة ما تعجز عن مثله قوى البشر وهو مع ذلك كاذب عليه مفتر ساع في الأرض بالفساد ومعلوم أن شهادته سبحانه على كل شيء وقدرته على كل شيء وحكمته وعزته وكماله المقدس يأبى ذلك كل الإباء ومن ظن ذلك به وجوزه عليه فهو من أبعد الخلق من معرفته وإن عرف منه بعض صفاته كصفة القدرة وصفة المشيئة والقرآن مملوء من هذه الطريق وهي طريق الخاصة بل خاصة الخاصة هم الذين يستدلون بالله على أفعاله وما يليق به أن يفعله وما لا يفعله وإذا تدبرت القرآن رأيته ينادي على ذلك فيبديه ويعبده لمن له فهم وقلب واع عن الله قال الله تعالى ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين أفلا تراه كيف يخبر سبحانه أن كماله وحكمته وقدرته تأبى أن يقر من تقول عليه بعض الأقاويل بل لا بد أن يجعله عبرة لعباده كما جرت بذلك سنته في المتقولين عليه وقال تعالى أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك ههنا انتهى جواب الشرط ثم أخبر خبرا جازما غير متعلق أنه يمحو الله الباطل ويحق الحق وقال تعالى وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء فأخبر أن من نفى عنه الإرسال والكلام لم يقدره حق قدره ولا عرفه كما ينبغي ولا عظمه كما يستحق فكيف من ظن أنه ينصر الكاذب المفتري عليه ويؤيده ويظهر على يديه الآيات والأدلة وهذا في القرآن كثير جدا يستدل بكماله المقدس وأوصافه وجلاله على صدق رسله وعلى وعده ووعيده ويدعو عباده إلى ذلك كما يستدل بأسمائه وصفاته على وحدانيته وعلى بطلان الشرك كما في قوله هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون وأضعاف أضعاف ذلك في القرآن ويستدل سبحانه بأسمائه وصفاته على بطلان ما نسب إليه من الأحكام والشرائع الباطلة وأن كماله المقدس يمنع من شرعها كقوله وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله مالا تعلمون وقوله عقيب ما نهى عنه وحرمه من الشرك والظلم والفواحش والقول عليه بلا علم كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها فأعلمك أن ما كان سيئة في نفسه فهو يكرهه وكماله يأبى أن يجعله شرعا له ودينا فهو سبحانه يدل عباده بأسمائه وصفاته على ما يفعله ويأمر به وما يحبه ويبغضه ويثيب عليه ويعاقب عليه ولكن هذه الطريق لا يصل إليها إلا خاصة الخاصة فلذلك كانت طريقة الجمهور الدلالات بالآيات المشاهدة فإنها أوسع وأسهل تناولا والله سبحانه يفضل بعض خلقه على بعض ويرفع درجات من يشاء وهو العليم الحكيم