İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn
مع التصديق وكفر إعراض وكفر شك وكفر نفاق فأما كفر التكذيب : فهو اعتقاد كذب الرسل وهذا القسم قليل في الكفار فإن الله تعالى أيد رسله وأعطاهم من البراهين والآيات على صدقهم ما أقام به الحجة وأزال به المعذرة قال الله تعالى عن فرعون وقومه وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا [ النمل : 14 ] وقال لرسوله : فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون [ الأنعام : 33 ] وإن سمي هذا كفر تكذيب أيضا فصحيح إذ هو تكذيب باللسان وأما كفر الإباء والاستكبار : فنحو كفر إبليس فإنه لم يجحد أمر الله ولا قابله بالإنكار وإنما تلقاه بالإباء والاستكبار ومن هذا كفر من عرف صدق الرسول وأنه جاء بالحق من عند الله ولم ينقد له إباء واستكبارا وهو الغالب على كفر أعداء الرسل كما حكى الله تعالى عن فرعون وقومه : أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون [ المؤمنون : 47 ] وقول الأمم لرسلهم : إن أنتم إلا بشر مثلنا [ إبراهيم : 10 ] وقوله كذبت ثمود بطغواها [ الشمس : 11 ] وهو كفر اليهود كما قال تعالى : فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به [ البقره : 89 ] وقال يعرفونه كما يعرفون أبناءهم [ البقره : 146 ] وهو كفر أبي طالب أيضا فإنه صدقه ولم يشك في صدقه ولكن أخذته الحمية وتعظيم آبائه أن يرغب عن ملتهم ويشهد عليهم بالكفر وأما كفر الإعراض : فأن يعرض بسمعه وقلبه عن الرسول لا يصدقه ولا يكذبه ولا يواليه ولا يعاديه ولا يصغي إلى ما جاء به ألبتة كما قال أحد بني عبد ياليل للنبي : والله أقول لك كلمة إن كنت صادقا فأنت أجل في عيني من أن أرد عليك وإن كنت كاذبا فأنت أحقر من أن أكلمك وأما كفر الشك : فإنه لا يجزم بصدقه ولا بكذبه بل يشك في أمره وهذا لا يستمر شكه إلا إذا ألزم نفسه الإعراض عن النظر في آيات صدق الرسولجملة فلا يسمعها ولا يلتفت إليها وأما مع إلتفاته إليها ونطره فيها : فإنه لا يبقى معه شك لأنها مستلزمة للصدق ولا سيما بمجموعها فإن دلالتها على الصدق كدلالة الشمس على النهار وأما كفر النفاق : فهو أن يظهر بلسانه الإيمان وينطوي بقلبه على التكذيب فهذا هو النفاق الأكبر وسيأتى بيان أقسامه إن شاء الله تعالى فصل وكفر الجحود نوعان : كفر مطلق عام وكفر مقيد خاص فالمطلق : أن يجحد جملة ما أنزله الله وإرساله الرسول والخاص المقيد : أن يجحد فرضا من فروض الإسلام أو تحريم محرم من محرماته أو صفة وصف الله بها نفسه أو خبرا أخبر الله به عمدا أو تقديما لقول من خالفه عليه لغرض من الأغراض وأما جحد ذلك جهلا أو تأويلا يعذر فيه صاحبه : فلا يكفر صاحبه به كحديث الذي جحد قدرة الله عليه وأمر أهله أن يحرقوه ويذروه في الريح ومع هذا فقد غفر الله له ورحمه لجهله إذ كان ذلك الذي فعله مبلغ علمه ولم يجحد قدرة الله على إعادته عنادا أو تكذيبا فصل وأما الشرك فهو نوعان : أكبر وأصغر فالأكبر : لا يغفره الله إلا
بالتوبة منهوهو أن يتخذ من دون الله ندا يحبه كما يحب الله وهو الشرك الذي تضمن تسوية آلهة المشركين برب العالمين ولهذا قالوا لآلهتهم في النار : الله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين [ الشعراء : 9798 ] مع إقرارهم بأن الله وحده خالق كل شيء وربه ومليكه وأن آلهتهم لا تخلق ولا ترزق ولا تحيي ولا تميت وإنما كانت هذه التسوية في المحبة والتعظيم والعبادة كما هو حال أكثر مشركي العالم بل كلهم يحبون معبوداتهم ويعظمونها ويوالونها من دون الله وكثير منهم بل أكثرهم يحبون آلهتهم أعظم من محبة الله ويستبشرون بذكرهم أعظم من استبشارهم إذا ذكر الله وحده ويغضبون لمنتقص معبوديهم وآلهتهم من المشايخ أعظم مما يغضبون إذا انتقص أحد رب العالمين وإذا انتهكت حرمة من حرمات آلهتهم ومعبوداتهم غضبوا غضب الليث إذا حرد وإذا انتهكت حرمات الله لم يغضبوا لها بل إذا قام المنتهك لها بإطعامهم شيئا رضوا عنه ولم تتنكر له قلوبهم وقد شاهدنا هذا نحن وغيرنا منهم جهرة وترى أحدهم قد اتخذ ذكر إلهه ومعبوده من دون الله على لسانه ديدنا له إن قام وإن قعد وإن عثر وإن مرض وإن استوحش فذكر إلهه ومعبوده من دون الله هو الغالب على قلبه ولسانه وهو لا ينكر ذلك ويزعم أنه باب حاجته إلى الله وشفيعه عنده ووسيلته إليه وهكذا كان عباد الأصنام سواء وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم وتوارثه المشركون بحسب اختلاف آلهتهم فأولئك كانت آلهتهم من الحجر وغيرهم اتخذوها من البشر قال الله تعالى حاكيا عن أسلاف هؤلاء المشركين : والذين اتخذوا من دونه أولياء : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون [ الزمر : 3 ] ثم شهد عليهم بالكفر والكذب وأخبر : أنه لا يهديهم فقال : إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار [ الزمر : 3 ] فهذه حال من اتخذ من دون الله وليا يزعم أنه يقربه إلى الله وما أعز من يخلص من هذا بل ما أعز من لا يعادي من أنكره والذي في قلوب هؤلاء المشركين وسلفهم : أن آلهتهم تشفع لهم عند الله وهذا عين الشرك وقد أنكر الله عليهم ذلك في كتابه وأبطله وأخبر أن الشفاعة كلها له وأنه لا يشفع عنده أحد إلا لمن أذن الله أن يشفع فيه ورضي قوله وعمله وهم أهل التوحيد الذين لم يتخذوا من دون الله شفعاء فإنه سبحانه يأذن لمن شاء في الشفاعة لهم حيث لم يتخذهم شفعاء من دونه فيكون أسعد الناس بشفاعة من يأذن الله له : صاحب التوحيد الذي لم يتخذ شفيعا من دون الله ربه ومولاه و الشفاعة التي أثبتها الله ورسوله : هي الشفاعة الصادرة عن إذنه لمن وحده والتي نفاها الله : هي الشفاعة الشركية التي في قلوب المشركين المتخذين من دون الله شفعاء فيعاملون بنقيض قصدهم من شفعائهم ويفوز بها الموحدون وتأمل قول النبيلأبي هريرة وقد سأله : من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله قال : أسعد الناس بشفاعتي : من قال لا إله إلا الله خالصا من مكبه كيف جعل أعظم الأسباب التي تنال بها شفاعته : تجريد التوحيد عكس ما عند المشركين : أن الشفاعة تنال باتخاذهم أولياءهم شفعاء وعبادتهم وموالاتهم من دون الله فقلب النبيما باتخاذهم أولياءهم شفعاء وعبادتهم ومولاتهم من دون الله فقلب النبي ما في زعمهم الكاذب وأخبر أن سبب الشفاعة : هو تجريد التوحيد فحينئذ يأذن الله للشافع أن يشفع ومن جهل المشرك : اعتقاده أن من اتخذه وليا أو شفيعا : أنه يشفع له وينفعه عند الله كما يكون خواص الملوك والولاة تنفع شفاعتهم من ولاهم والهم ولم يعلموا أن الله ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه ولا يأذن في الشفاعة إلا لمن رضي قوله وعمله كما قال تعالى في الفصل الأول : من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه [ البقره : 255 ] وفي الفصل الثاني ولا يشفعون إلا لمن ارتض [ الأنبياء : 28 ] وبقي فصل ثالث وهو أنه لا يرضى من القول والعمل إلا التوحيد واتباع الرسول وعن هاتين الكلمتين يسأل الأولين والآخرين كما قال أبو العالية : كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون : ماذا كنتم تعبدون وماذا أجبتم المرسلين ا فهذه ثلاثة أصول تقطع شجرة الشرك من قلب من وعاها وعقلها : لا شفاعة إلا بإذنه ولا يأذن إلا لمن رضي قوله وعمله ولا يرضى من القول والعمل إلا توحيده واتباع رسوله فالله تعالى : لا يغفر شرك العادلين به غيره كما قال تعالى : ثم الذين كفروا بربهم يعدلون [ الأنعام : 1 ] وأصح القولين : أنهم يعدلون به غيره في العبادة والموالاة والمحبة كما في الآية الأخرى الله إن كنا لفى ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين [ الشعراء : 9798 ] وكما فى آية البقرة ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله [ البقره : 165 ] وترى المشرك يكذب حاله وعمله قوله فإنه يقول : لا نحبهم كحب الله ولا نسويهم بالله ثم يغضب لهم ولحرماتهم إذا انتهكت أعظم مما يغضب لله ويستبشر بذكرهم ويتبشبش به سيما إذا ذكر عنهم ماليس فيهم : من إغاثة اللهفات وكشف الكربات وقضاء الحاجات وأنهم الباب بين الله وبين عباده فإنك ترى المشرك يفرح ويسر ويحن قلبه وتهيج منه لواعج التعظيم والخضوع لهم والموالاة وإذا ذكرت له الله وحده وجردت توحيده لحقته وحشة وضيق وحرج ورماك بنقص الإلهية التي له وربما عاداك رأينا والله منهم هذا عيانا ورمونا بعداوتهم وبغوا لنا الغوائل والله مخزيهم في الدنيا والآخرة ولم تكن حجتهم إلا أن قالوا كما قال إخوانهم : عاب آلهتنا فقال هؤلاء : تنقصتم مشايخنا وأبواب حوائجنا إلى الله وهكذا قال النصارى للنبي لما قال لهم : بإن المسيح عبد الله قالوا : تنقصت المسيح وعبته وهكذا قال أشباه المشركين لمن منع اتخاذ القبور أوثانا تعبد ومساجد تقصد وأمر بزيارتها على الوجه الذي أذن الله فيه ورسوله قالوا : تنقصت أصحابها فانظر إلى هذا التشابه بين قلوبهم حتى كأنهم قد تواصوا به ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا [ الكهف : 17 ] وقد قطع الله تعالى كل الأسباب التي تعلق بها المشركون جميعا قطعا يعلم من تأمله وعرفه : أن من اتخذ من دون الله وليا أو شفيعا فهو كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت [ العنكبوت : 41 ] فقال تعالى : قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له [ سبأ : 2223 ] فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما يعتقد أنه يحصل له به من النفع والنفع لا يكون إلا ممن فيه خصلة من هذه الأربع : إما مالك لما يريده عابده منه فإن لم يكن مالكا كان شريكا للمالك فإن لم يكن شريكا له كان معينا له وظهيرا فإن لم يكن معينا ولا ظهيرا كان شفيعا عنده فنفى سبحانه المراتب الأربع نفيا مترتبا متنقلا من الأعلى إلى ما دونه فنفى الملك والشركة والمظاهرة والشفاعة التي يظنها المشرك وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك وهي الشفاعة بإذنه فكفى بهذه الآية نورا وبرهانا ونجاة وتجريدا للتوحيد وقطعا لأصول الشرك ومواداه لمن عقلها والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته وتضمنه له ويظنونه في نوع وفي قوم قد خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثا وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن ولعمر الله إن كان أولئك قد خلوا فقد ورثهم من هو مثلهم أو شر منهم أو دونهم وتناول القرآن لهم كتناوله لأولئك ولكن الأمر كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية وهذا لأنه إذا لم يعرف الجاهلية والشرك وما عابه القرآن وذمه : وقع فيه وأقره ودعا إليه وصوبه وحسنه وهو لا يعرف : أنه هو الذي كان عليه أهل الجاهلية أو نظيره أو شر منه أو دونه فينقض بذلك عرى الإسلام عن قلبه ويعود المعروف منكرا والمنكر معروفا والبدعة سنة والسنة بدعة ويكفر الرجل بمحض الإيمان وتجريد التوحيد ويبدع بتجريد متابعة الرسولومفارقة الأهواء والبدع ومن له بصيرة وقلب حي يرى ذلك عيانا والله المستعان
فصل وأما الشرك الأصغر : فكيسير الرياء والتصنع للخلق والحلف بغير
الله كما ثبت عن النبيأنه قال : من حلف بغير الله فقد أشرك وقول الرجل للرجل : ما شاء الله وشئتا و هذا من الله ومنا و أنا بالله وبك و مالي إلا الله وأنتا و بأنا متوكل على الله وعليك و لولا أنت لم يكن كذا وكذاا وقد يكون هذا شركا أكبر بحسب قائله ومقصده وصح عن النبيأنه قال لرجل قال له : ما شاء الله وشئت : أجعلتنى لله ندا قل : ما شاء الله وحده وهذا اللفظ أخف من غيره من الألفاظ ومن أنواع الشرك : سجود المريد للشيخ فإنه شرك من الساجد والمسجود له والعجب : أنهم يقولون : ليس هذا سجود وإنما هو وضع الرأس قدام الشيخ احتراما وتواضعا فيقال لهؤلاء : ولو سميتموه ما سميتموه فحقيقة السجود : وضع الرأس لمن يسجد له وكذلك السجود للصنم وللشمس وللنجم وللحجر كله وضع الرأس قدامه ومن أنواعه : ركوع المتعممين بعضهم لبعض عند الملاقاة وهذا سجود في اللغة وبه فسر قوله تعالى : ادخلوا الباب سجدا [ البقره : 58 ] أي منحنين وإلا فلا يمكن الدخول بالجبهة على الأرض ومنه قول العرب : سجدت الأشجار إذا أمالتها الريح ومن أنواعه : حلق الرأس للشيخ فإنه تعبد لغير الله ولا يتعبد بحلق الرأس إلا في النسك لله خاصة ومن أنواعه : التوبة للشيخ فإنها شرك عظيم فإن التوبة لا تكون إلا لله كالصلاة والصيام والحج والنسك فهي خالص حق الله وفي المسند : أن رسول اللهأتى بأسير فقال : اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد فقال رسول الله : عرف الحق لأهله فالتوبة عبادة لا تنبغي إلا لله كالسجود والصيام ومن أنواعه : النذر لغير الله فإنه شرك وهو أعظم من الحلف بغير الله فإذا كان من حلف بغير الله فقد أشرك فكيف بمن نذر لغير الله مع أن في السنن من حديث عقبة بن عامر عنه النذر حلفة ا ومن أنواعه : الخوف من غير الله والتوكل على غير الله والعمل لغير الله والإنابة والخضوع والذل لغير الله وابتغاء الرزق من عند غيره وحمد غيره على ما أعطى والغنية بذلك عن حمده سبحانه والذم والسخط على ما لم يقسمه ولم يجر به القدر وإضافة نعمه إلى غيره واعتقاد أن يكون في الكون ما لا يشاؤه ومن أنواعه : طلب الحوائج من الموتى والاستغانة بهم والتوجه إليهم وهذا أصل شرك العالم فإن الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا فضلا عمن استغاث به وسأله قضاء حاجته أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها وهذا من جهله بالشافع والمشفوع له عنده كما تقدم فإنه لا يقدر أن يشفع له عند الله إلا بإذنه والله لم يجعل استغاثته وسؤاله سببا لإذنه وإنما السبب لإذنه : كمال التوحيد فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن وهو بمنزلة من استعان في حاجة بما يمنع حصولها وهذه حالة كل مشرك والميت محتاج إلى من يدعو له ويترحم عليه ويستغفر له كما أوصانا النبي إذا زرنا قبور المسلمين : أن نترحم عليهم ونسأل لهم العافية والمغفرة ا فعكس المشركون هذا وزاروهم زيارة العبادة واستقضاء الحوائج والاستغاثة بهم وجعلوا قبورهم أوثانا تعبد وسموا قصدها حجا واتخذوا عندها الوقفة وحلق الرأس فجمعوا بين الشرك بالمعبود الحق وتغيير دينه ومعاداة أهل التوحيد ونسبة أهله إلى التنقص للأموات وهم قد تنقصوا الخالق بالشرك وأولياءه الموحدين له الذين لم يشركوا به شيئا بذمهم وعيبهم ومعاداتهم وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص إذ ظنوا أنهم راضون منهم بهذا وأنهم أمروهم به وأنهم يوالونهم عليه وهؤلاء هم أعداء الرسل والتوحيد في كل زمان ومكان وما أكثر المستجيبين لهم ولله خليله إبراهيم عليه السلام حيث يقول واجنبني وبني أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من جرد توحيده لله وعادى المشركين في الله وتقرب بمقتهم إلى الله واتخذ الله وحده وليه وإلهه ومعبوده فجرد حبه لله وخوفه لله ورجاءه لله وذله لله وتوكله على الله واستعانته بالله والتجاءه إلى الله واستغاثته بالله وأخلص قصده لله متبعا لأمره متطلبا لمرضاته إذا سأل سأل الله وإذا استعان استعان بالله وإذا عمل عمل لله فهو لله وبالله ومع الله والشرك أنواع كثيرة لا يحصيها إلا الله ولو ذهبنا نذكر أنواعه لاتسع الكلام أعظم اتساع ولعل الله أن يساعد بوضع كتاب فيه وفي أقسامه وأسبابه ومباديه ومضرته وما يندفع به فإن العبد إذا نجا منه ومن التعطيل وهما الداءان اللذان هلكت بهما الأمم فما بعدهما أيسر منهما وإن هلك بهما فبسبيل من هلك ولا آسى على الهالكين
فصل وأما النفاق : فالداء العضال الباطن الذى يكون الرجل ممتلئا منه وهو لا يشعر فإنه أمر خفي على الناس وكثيرا ما يخفى على من تلبس به فيزعم أنه مصلح وهو مفسد وهو نوعان : أكبر وأصغر فالأكبر : يوجب الخلود في النار في دركها الأسفل وهو أن يظهر للمسلمين إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وهو في الباطن منسلخ من ذلك كله مكذب به لا يؤمن بأن الله تكلم بكلام أنزله على بشر جعله رسولا للناس يهديهم بإذنه وينذرهم بأسه ويخوفهم عقابه وقد هتك الله سبحانه أستار المنافقين وكشف أسرارهم في القرآن وجلى لعباده أمورهم ليكونوا منها ومن أهلها على حذر وذكر طوائف العالم الثلاثة فى أول سورة البقرة : المؤمنين والكفار والمنافقين فذكر في المؤمنين أربع آيات وفي الكفار آيتين وفي المنافقين ثلاث عشرة آية لكثرتهم وعموم الابتلاء بهم وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله فإن بلية الإسلام بهم شديدة جدا لأنهم منسوبون إليه وإلى نصرته وموالاته وهم أعداؤه في الحقيقة يخرجون عداوته في كل قالب يظن الجاهل أنه علم وإصلاح وهو غاية الجهل والإفساد فلله كم من معقل للإسلام قد هدموه وكم من حصن له قد قلعوا أساسه وخربوه وكم من علم له قد طمسوه وكم من لواء له مرفوع قد وضعوه وكم ضربوا بمعاول الشبه فى أصول غراسه ليقلعوها وكم عموا عيون موارده بآرائهم ليدفنوها ويقطعوها فلا يزال الإسلام وأهله منهم فى محنة وبلية ولا يزال يطرقه من شبههم سرية بعد سرية ويزعمون أنهم بذلك مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون [ البقره : 12 ] يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون [ الصف : 8 ] اتفقوا على مفارقة الوحي فهم على ترك الاهتداء به مجتمعون وتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون [ المؤمنون : 53 ] يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا [ الأنعام : 112 ] ولأجل ذلك اتخذوا هذا القرآن مهجورا [ الفرقان : 30 ] درست معالم الإيمان في قلوبهم فليسوا يعرفونها ودثرت معاهده عندهم فليسوا يعمرونها وأفلت كواكبه النيرة من قلوبهم فليسوا يحيونها وكسفت شمسه عند اجتماع ظلم آرائهم وأفكارهم فليسوا يبصرونها لم يقبلوا هدى الله الذي أرسل به رسوله ولم يرفعوا به رأسا ولم يروا بالإعراض عنه إلى آرائهم وأفكارهم بأسا خلعوا نصوص الوحي عن سلطنة الحقيقة وعزلوها عن ولاية اليقين وشنوا عليها غارات التأويلات الباطلة فلا يزال يخرج عليها منهم كمين بعد كمين نزلت عليهم نزول الضيف على أقوام لئام فقايلوها بغير ما ينبغي لها من القبول والإكرام وتلقوها من بعيد ولكن بالدفع فى الصدور منها والأعجاز وقالوا : ما لك عندنا من عبور وإن كان لا بد فعلى سبيل الاجتياز أعدوا لدفعها أصناف العدد وضروب القوانين وقالوا لما حلت بساحتهم : مالنا ولظواهر لفظية لا تفيدنا شيئا من اليقين وعوامهم قالوا : حسبنا ما وجدنا عليه خلفنا من المتأخرين فإنهم أعلم بها من السلف الماضين وأقوم بطرائق الحجج والبراهين وأولئك غلبت عليهم السذاجة وسلامة الصدور ولم يتفرغوا لتمهيد قواعد النظر ولكن صرفوا هممهم إلى فعل المأمور وترك المحظور فطريقة المتأخرين : أعلم وأحكم وطريقة السلف الماضين : أجهل لكنها أسلم أنزلوا نصوص السنة والقرآن منزلة الخليفة في هذا الزمان اسمه على السكة وفي الخطبة فوق المنابر مرفوع والحكم النافذ لغيره فحكمه غير مقبول ولا مسموع لبسوا ثياب أهل الإيمان على قلوب أهل الزيغ والخسران والغل والكفران فالظواهر ظواهر الأنصار والبواطن قد تحيزت إلى الكفار فألسنتهم ألسنة المسالمين وقلوبهم قلوب المحاربين ويقولون آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين [ البقره رأس مالهم الخديعة والمكر وبضاعتهم الكذب والختر وعندهم العقل المعيشي أن الفريقين عنهم راضون وهم بينهم آمنون يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون [ البقره : 9 ] قد نهكت أمراض الشبهات والشهوات قلوبهم فأهلكتها وغلبت القصود السيئة على إراداتهم ونياتهم فأفسدتها ففسادهم قد ترامى إلى الهلاك فعجز عنه الأطباء العارفون في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون [ البقره : 10 ] من علقت مخالب شكوكهم بأديم إيمانه مزقته كل تمزيق ومن تعلق شرر فتنتهم بقلبه ألقاه في عذاب الحريق ومن دخلت شبهات تلبيسهم في مسامعه حال بين قلبه وبين التصديق ففسادهم في الأرض كثير وأكثر الناس عنه غافلون وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا : إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون [ البقره : 1112 ] المتمسك عندهم بالكتاب والسنة صاحب ظواهر مبخوس حظه من المعقول والدائر مع النصوص عندهم كحمار يحمل أسفارا فهمه في حمل المنقول وبضاعة تاجر الوحي لديهم كاسدة وما هو عندهم بمقبول وأهل الاتباع عندهم سفهاء فهم في خلواتهم ومجالسهم بهم يتطيرون وإذا قيل لهم : آمنوا كما آمن الناس قالوا : أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون [ البقره : 13 ] لكل منهم وجهان وجه يلقى به المؤمنين ووجه ينقلب به إلى إخوانه من الملحدين وله لسانان : أحدهما يقبله بظاهره المسلمون والآخر يترجم به عن سره المكنون وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا : آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا : إنا معكم إنما نحن مستهزئون [ البقره : 14 ] قد أعرضوا عن الكتاب والسنة استهزاء بأهلهما واستحقارا وأبوا أن ينقادوا لحكم الوحيين فرحا بما عندهم من العلم الذى لا ينفع الاستكثار منه أشرا واستكبارا فتراهم أبدا بالمتمسكين بصريح الوحى يستهزئون الله يستهزىء بهم ويمدهم فى ظغيانهم يعمهون [ البقره : 15 ] خرجوا في طلب التجارة البائرة في بحار الظلمات فركبوا مراكب الشبه والشكوك تجري بهم في موج الخيالات فلعبت بسفنهم الريح العاصف فألقتها بين سفن الهالكين أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين [ البقره : 16 ] أضاءت لهم نار الإيمان فأبصروا في ضوئها مواقع الهدى والضلال ثم طفىء ذلك النور وبقيت نارا تأجج ذات لهب واشتعال فهم بتلك النار معذبون وفي تلك الظلمات يعمهون مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله : ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون [ البقره : 17 ] أسماع قلوبهم قد أثقلها الوقر فهي لا تسمع منادي الإيمان وعيون بصائرهم عليها غشاوة العمى فهي لا تبصر حقائق القرآن وألسنتهم بها خرس عن الحق فهم به لا ينطقون صم بكم عمي فهم لا يرجعون [ البقره : 18 ] صاب عليهم صيب الوحي وفيه حياة القلوب والأرواح فلم يسمعوا منه إلا رعد التهديد والوعيد والتكاليف التي وظعت عليهم في المساء والصباح فجعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وجدوا فى الهرب والطلب فى آثارهم والصياح فنودي عليهم على رءوس الأشهاد وكشفت حالهم للمستبصرين وضرب لهم مثلان بحسب حال الطائفتين منهم : المناظرين والمقلدين فقيل : أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين [ البقره : 19 ] ضعفت أبصار بصائرهم عن احتمال ما في الصيب من بروق أنواره وضياء معانيه وعجزت أسماعهم عن تلقي وعوده وعيده وأوامره ونواهيه فقاموا عند ذلك حيارى في أودية التيه لا ينتفع بسمعه السامع ولا يهتدي ببصره البصير كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير [ البقره : 20 ] لهم علامات يعرفون بها مبينة في السنة والقرآن بادية لمن تدبرها من أهل بصائر الإيمان قام بهم والله الرياء وهو أقبح مقام قامه الإنسان وقعد بهم الكسل عما أمروا به من أوامر الرحمن فأصبح الإخلاص عليهم لذلك ثقيلا وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا [ النساء : 142 ] أحدهم كالشاة العائرة بين الغنمين تيعر إلى هذه مرة وإلى هذه مرة ولا تستقر مع إحدى الفئتين فهم واقفون بين الجمعين ينظرون أيهم أقوى وأعز قبيلا مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا [ النساء : 143 ] يتربصون الدوائر بأهل السنة والقرآن فإن كان لهم فتح من الله قالوا : إلم تكن معكم واقسموا على ذلك بالله جهد ايمانهم وان كان لأعداء الكتاب والسنة من النصرة نصيب قالوا : ألم تعلموا أن عقد الإخاء بيننا محكم وان النسب بيننا قريب فيا من يريد معرفتهم خذ صفتهم من كلام رب العالمين فلا تحتاج بعده دليلا : الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين بيلا [ النساء : ] يعجب السامع قول أحدهم لحلاوته ولينه ويشهد الله على ما في قلبه من كذبه ومينه فتراه عند الحق نائما وفي الباطل على الأقدام فخذ وصفهم من قول القدوس السلام : ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام [ البقره : 204 ] أوامرهم التي يأمرون بها أتباعهم متضمنة لفساد البلاد والعباد ونواهيهم عما فيه صلاحهم في المعاش والمعاد وأحدهم تلقاه بين جماعة أهل الإيمان في الصلاة والذكر والزهد والاجتهاد وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد [ البقره : 205 ] فهم جنس بعضه يشبه بعضا يأمرون بالمنكر بعد أن يفعلوه وينهون عن المعروف بعد أن يتركوه ويبخلون بالمال في سبيل الله ومرضاته أن ينفقوه كم ذكرهم الله بنعمه فأعرضوا عن ذكره ونسوه وكم كشف حالهم لعباده المؤمنين ليتجنبوه فاسمعوا أيها المؤمنون المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا لله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون [ التوبه : 67 ] إن حاكمتهم إلى صريح الوحي وجدتهم عنه نافرين وإن دعوتهم إلى حكم كتاب الله وسنة رسولهرأيتهم عنه معرضين فلو شهدت حقائقهم لرأيت بينها وبين الهدى أمدا بعيدا ورأيتها معرضة عن الوحي إعراضا شديدا وإذا قيل لهم : تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا [ النساء : 61 ] فكيف لهم بالفلاح والهدى بعد ما أصيبوا في عقولهم وأديانهم وأنى لهم التخلص من الضلال والردى وقد اشترا الكفر بإيمانهم فما أخسر تجارتهم البائرة وقد استبدلوا بالرحيق المختوم حريقا فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله : إن أردنا لا إحسانا وتوفيقا [ النساء : 62 ] نشب زقوم الشبه والشكوك فى قلوبهم فلا يجدون له مسيغا أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا [ النساء : 63 ] تبا لهم ما أبعدهم عن حقيقة الإيمان وما أكذب دعواهم للتحقيق والعرفان فالقوم فى شأن وأتباع الرسول في شأن لقد أقسم الله جل جلاله في كتابه بنفسه المقدسة قسما عظيما يعرف مضمونه أولو البصائر فقلوبهم منه على حذر إجلالا له وتعظيما فقال تعالى تحذيرا لأوليائه وتنبيها على حال هؤلاء وتفهيما فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك في شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما تسبق يمين أحدهم كلامه من غير أن يعترض عليه لعلمه أن قلوب أهل الإيمان لا تطمئن إليه فيتبرأ بيمينه من سوء الظن به وكشف ما لديه وكذلك أهل الريبة يكذبون ويحلفون ليحسب السامع أنهم صادقون اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون [ المنافقون : 2 ] تبا لهم برزوا إلى البيداء مع ركب الإيمان فلما رأوا طول الطريق وبعد الشقة نكصوا على أعقابهم ورجعوا وظنوا أنهم يتمتعون بطيب العيش ولذة المنام في ديارهم فما متعوا به ولا بتلك الهجعة انتفعوا فما هو إلا أن صاح بهم الصائح فقاموا عن موائد أطعمتهم والقوم جياع ما شبعوا فكيف حالهم عند اللقاء وقد عرفوا ثم أنكروا وعموا بعد ما عاينوا الحق وأبصروا ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون [ المنافقون : 3 ] أحسن الناس أجساما وأخلبهم لسانا وألطفهم بيانا وأخبثهم قلوبا وأضعفهم جنانا فهم كالخشب المسندة التى لا ثمر لها قد قلعت من مغارسها فتساندت إلى حائط يقيمها لئلا يطأها السالكون وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون [ المنافقون : 4 ] يؤخرون الصلاة عن وقتها الأول إلى شرق الموتى فالصبح عند طلوع الشمس والعصر عند الغروب وينقرونها نقر الغراب إذ هي صلاة الأبدان لا صلاة القلوب ويلتفتون فيها التفات الثعلب إذ يتيقن أنه مطرود مطلوب ولا يشهدون الجماعة بل إن صلى أحدهم ففي البيت أو الدكان وإذا خاصم فجر وإذا عاهد غدر وإذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان هذه معاملتهم للخلق وتلك معاملتهم للخالق فخذ وصفهم من أول المطففين وآخر والسماء والطارق [ الطارق : 1 ] فلا ينبئك عن أوصافهم مثل خبير يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير [ التوبه : 73 ] فما أكثرهم وهم الأقلون وما أجبرهم وهم الأذلون وما أجهلهم وهم المتعالمون وما أغرهم بالله إذ هم بعظمته جاهلون ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون [ التوبة : 56 ] إن أصاب أهل الكتاب والسنة عافية ونصر وظهور ساءهم ذلك وغمهم وإن أصابهم ابتلاء من الله وامتحان يمحص به ذنوبهم ويكفر به عنهم سيئاتهم أفرحهم ذلك وسرهم وهذا يحقق إرثهم وإرث من عداهم ولا يستوي من موروثه الرسول ومن موروثهم المنافقون إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا : قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون قل : لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون [ التوبه : 5051 ] وقال تعالى فى شأن السلفين المختلفين والحق لا يندفع بمكابرة أهل الزيغ والتخليط إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط [ آل عمران : 120 ] كره الله طاعاتهم لخبث قلوبهم وفساد نياتهم فثبطهم عنها وأقعدهم وأبغض قربهم منه وجواره لميلهم إلى أعدائه فطردهم عنه وأبعدهم وأعرضوا عن وحيه فأعرض عنهم وأشقاهم وما أسعدهم وحكم عليهم بحكم عدل لا مطمع لهم في الفلاح بعده إلا أن يكونوا من التائبين فقال تعالى ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين ثم ذكر حكمته في تثبيطهم وإقعادهم وطردهم عن بابه وإبعادهم وأن ذلك من لطفه بأوليائه وإسعادهم فقال وهو أحكم الحاكمين لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين
ثقلت عليهم النصوص فكرهوها وأعياهم حملها فألقوها عن أكتافهم ووضعوها وتفلتت منهم السنن أن يحفظوها فأهملوها وصالت عليهم نصوص الكتاب والسنة فوضعوا لها قوانين ردوها بها ودفعوها ولقد هتك الله أستارهم وكشف أسرارهم وضرب لعباده أمثالهم واعلم أنه كلما انقرض منهم طوائف خلفهم أمثالهم فذكر أوصافهم لأوليائه ليكونوا منها على حذر وبينها لهم فقال ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم هذا شأن من ثقلت عليه النصوص فرآها حائلة بينه وبين بدعته وهواه فهي في وجهه كالبنيان المرصوص فباعها بمحصل من الكلام الباطل واستبدل منها بالفصوص فأعقبهم ذلك أن أفسد عليهم إعلانهم وإسرارهم ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم أسروا سرائر النفاق فأظهرها الله على صفحات الوجوه منهم وفلتات اللسان ووسمهم لأجلها بسيماء لا يخفون بها على أهل البصائر والإيمان وظنوا أنهم إذ كتموا كفرهم وأظهروا إيمانهم راجوا على الصيارف والنقاد كيف والناقد البصير قد كشفها لكم أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم فكيف إذا جمعوا ليوم التلاق وتجلى الله جل جلاله للعباد وقد كشف عن ساق ودعوا إلى السجود فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون أم كيف بهم إذا حشروا إلى جسر جهنم وهو أدق من الشعرة وأحد من الحسام وهو دحض مزلة مظلم لا يقطعه أحد إلا بنور يبصر به مواطيء الأقدام فقسمت بين الناس الأنوار وهم على قدر تفاوتها في المرور والذهاب وأعطوا نورا ظاهرا مع أهل الإسلام كما كانوا بينهم في هذه الدار يأتون بالصلاة والزكاة والحج والصيام فلما توسطوا الجسر عصفت على أنوارهم أهوية النفاق فأطفأت ما بأيديهم من المصابيح فوقفوا حيارى لا يستطيعون المرور فضرب بينهم وبين أهل الإيمان بسور له باب ولكن قد حيل بين القوم وبين المفاتيح باطنه الذي يلي المؤمنين فيه الرحمة وما يليهم من قبلهم العذاب والنقمة ينادون من تقدمهم من وفد الإيمان ومشاعل الركب تلوح على بعد كالنجوم تبدو لناظر الإنسان انظرونا نقتبس من نوركم لنتمكن في هذا المضيق من العبور فقد طفئت أنوارنا ولا جواز اليوم إلا بمصباح من النور قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا حيث قسمت الأنوار فهيهات الوقوف لأحد في مثل هذا المضمار كيف نلتمس الوقوف في هذا المضيق فهل يلوي اليوم أحد على أحد في هذا الطريق وهل يلتفت اليوم رفيق إلى رفيق فذكروهم باجتماعهم معهم وصحبتهم لهم في هذه الدار كما يذكر الغريب صاحب الوطن بصحبته له في الأسفار ألم نكن معكم نصوم كما تصومون ونصلي كما تصلون ونقرأ كما تقرؤون ونتصدق كما تصدقون ونحج كما تحجون فما الذي فرق بيننا اليوم حتى انفردتم دوننا بالمرور قالوا بلى ولكنكم كانت ظواهركم معنا وبواطنكم مع كل ملحد وكل ظلوم كفور ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير لا تستطل أوصاف القوم فالمتروك والله أكثر من المذكور كاد القرآن أن يكون كله في شأنهم لكثرتهم على ظهر الأرض وفي أجواف القبور فلا خلت بقاع الأرض منهم لئلا يستوحش المؤمنون في الطرقات وتتعطل بهم أسباب المعايش وتخطفهم الوحوش والسباع في الفلوات سمع حذيفة رضي الله عنه رجلا يقول اللهم أهلك المنافقين فقال يا ابن أخي لو هلك المنافقون لاستوحشتم في طرقاتكم من قلة السالك
تالله لقد قطع خوف النفاق قلوب السابقين الأولين لعلمهم بدقة وجله وتفاصيله وجمله ساءت ظنونهم بنفوسهم حتى خشوا أن يكونوا من جملة المنافقين قال عمر بن الخطاب لحذيفة رضي الله عنهما يا حذيفة نشدتك بالله هل سماني لك رسول الله منهم قال لا ولا أزكي بعدك أحدا وقال ابن أبي مليكة أدركت ثلاثين من أصحاب محمد كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم أحد يقول إن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل ذكره البخاري وذكر عن الحسن البصري ما أمنه إلا منافق وما خافه إلا مؤمن ولقد ذكر عن بعض الصحابة أنه كان يقول في دعائه اللهم إني أعوذ بك من خشوع النفاق قيل وما خشوع النفاق قال أن يرى البدن خاشعا والقلب ليس بخاشع تالله لقد ملئت قلوب القوم إيمانا ويقينا وخوفهم من النفاق شديد وهمهم لذلك ثقيل وسواهم كثير منهم لا يجاوز إيمانهم حناجرهم وهم يدعون أن إيمانهم كإيمان جبريل وميكائيل زرع النفاق ينبت على ساقيتين ساقية الكذب وساقية الرياء ومخرجهما من عينين عين ضعف البصيرة وعين ضعف العزيمة فإذا تمت هذه الأركان الأربع استحكم نبات النفاق وبنيانه ولكنه بمدارج السيول على شفا جرف هار فإذا شاهدوا سيل الحقائق يوم تبلى السرائر وكشف المستور وبعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور تبين حينئذ لمن كانت بضاعته النفاق أن حواصله التي حصلها كانت كالسراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب قلوبهم عن الخيرات لاهية وأجسادهم إليها ساعية والفاحشة في فجاجهم فاشية وإذا سمعوا الحق كانت قلوبهم عن سماعه قاسية وإذا حضروا الباطل وشهدوا الزور انفتحت أبصار قلوبهم وكانت آذانهم واعية فهذه والله أمارات النفاق فاحذرها أيها الرجل قيل أن تنزل بك القاضية إذا عاهدوا لم يفوا وإن وعدوا أخلفوا وإن قالوا لم ينصفوا وإن دعوا إلى الطاعة وقفوا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول صدفوا وإذا دعتهم أهواؤهم إلى أغراضهم أسرعوا إليها وانصرفوا فذرهم وما اختاروا لأنفسهم من الهوان والخزي والخسران فلا تثق بعهودهم ولا تطمئن إلى وعودهم فإنهم فيها كاذبون وهم لما سواها مخالفون ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه بما كانوا يكذبون فصل وأما الفسوق فهو في كتاب الله نوعان مفرد مطلق ومقرون بالعصيان والمفرد نوعان أيضا فسوق كفر يخرج عن الإسلام وفسوق لا يخرج عن الإسلام فالمقرون كقوله تعالى ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون والمفرد الذي هو فسوق كفر كقوله تعالى يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله الآية وقوله عز وجل ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون وقوله وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها الآية فهذا كله فسوق كفر
وأما الفسوق الذي لا يخرج عن الإسلام فكقوله تعالى وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم الآية وقوله يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ الآية فإن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط لما بعثه رسول الله إلى بني المصطلق بعد الوقعة مصدقا وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية فلما سمع القوم بمقدمه تلقوه تعظيما لأمر رسول الله فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله فهابهم فرجع من الطريق إلى رسول الله فقال إن بني المصطلق منعوا صدقاتهم وأرادوا قتلى فغضب رسول الله وهم أن يغزوهم فبلغ القوم رجوعه فأتوا رسول الله فقالوا يا رسول الله سمعنا برسولك فخرجنا نتلقاه ونكرمه ونؤدي إليه ما قبلنا من حق الله فبدا له في الرجوع فخشينا أنه إنما رده من الطريق كتاب جاء منك لغضب غضبته علينا وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله فاتهمهم رسول الله وبعث خالد بن الوليد خفية في عسكر وأمره أن يخفي عليهم قدومه وقال له انظر فإن رأيت منهم ما يدل على إيمانهم فخذ منهم زكاة أموالهم وإن لم تر ذلك فاستعمل فيهم ما تستعمل في الكفار ففعل ذلك خالد ووافاهم فسمع منهم أذان صلاتي المغرب والعشاء فأخذ منهم صدقاتهم ولم ير منهم إلا الطاعة والخير فرجع إلى رسول الله وأخبره الخبر فنزل يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا الآية والنبأ هو الخبر الغائب عن المخبر إذا كان له شأن والتبين طلب بيان حقيقة والإحاطة بها علما وههنا فائدة لطيفة وهي أنه سبحانه لم يأمر برد خبر الفاسق وتكذيبه ورد شهادته جملة وإنما أمر بالتبين فإن قامت قرائن وأدلة من خارج تدل على صدقه عمل بدليل الصدق ولو أخبر به من أخبر فهكذا ينبغي الإعتماد في رواية الفاسق وشهادته وكثير من الفاسقين يصدقون في أخبارهم ورواياتهم وشهاداتهم بل كثير منهم يتحرى الصدق غاية التحري وفسقه من جهات أخر فمثل هذا لا يرد خبره ولا شهادته ولو ردت شهادة مثل هذا وروايته لتعطلت أكثر الحقوق وبطل كثير من الأخبار الصحيحة ولا سيما من فسقه من جهة الإعتقاد والرأي وهو متحر للصدق فهذا لا يرد خبره ولا شهادته وأما من فسقه من جهة الكذب فإن كثر منه وتكرر بحيث يغلب كذبه على صدقه فهذا لا يقبل خبره ولا شهادته وإن ندر منه مرة ومرتين ففي رد شهادته وخبره بذلك قولان للعلماء وهما روايتان عن الإمام أحمد رحمه الله والمقصود ذكر الفسوق الذي لا يخرج إلى الكفر والفسوق الذي تجب التوبة منه أعم من الفسوق الذي ترد به الرواية والشهادة وكلامنا الآن فيما تجب التوبة منه وهو قسمان فسق من جهة العمل وفسق من جهة الإعتقاد ففسق العمل نوعان مقرون بالعصيان ومفرد فالمقرون بالعصيان هو ارتكاب ما نهى الله عنه والعصيان هو عصيان أمره كما قال الله تعالى لا يعصون الله ما أمرهم وقال موسى لأخيه هرون عليهما السلام ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعني أفعصيت أمري وقال الشاعر أمرتك أمرا جازما فعصيتني فأصبحت مسلوب الإمارة نادما فالفسق أخص بارتكاب النهى ولهذا يطلق عليه كثيرا كقوله تعالى وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم والمعصية أخص بمخالفة الأمر كما تقدم ويطلق كل منهما على صاحبه كقوله تعالى إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه فسمى مخالفته للأمر فسقا وقال وعصى آدم ربه فغوى فسمى ارتكابه للنهي معصية فهذا عند الإفراد فإذا اقترنا كان أحدهما لمخالفة الأمر والآخر لمخالفة النهي والتقوى اتقاء مجموع الأمرين وبتحقيقها تصح التوبة من الفسوق والعصيان بأن يعمل العبد بطاعة الله على نور من الله يرجو ثواب الله ويترك معصية الله على نور من الله يخاف عقاب الله وفسق الإعتقاد كفسق أهل البدع الذين يؤمنون بالله ورسوله واليوم الآخر ويحرمون ما حرم الله ويوجبون ما أوجب الله ولكن ينفون كثيرا مما أثبت الله ورسوله جهلا وتأويلا وتقليدا للشيوخ ويثبتون ما لم يثبته الله ورسوله كذلك وهؤلاء كالخوارج المارقة وكثير من الروافض والقدرية والمعتزلة وكثير من الجهمية الذين ليسوا غلاة في التجهم
وأما غالية الجهمية فكغلاة الرافضة ليس للطائفتين في الإسلام نصيب ولذلك أخرجهم جماعة من السلف من الثنتين والسبعين فرقة وقالوا هم مباينون للملة وليس مقصودنا الكلام في أحكام هؤلاء وإنما المقصود تحقيق التوبة من هذه الأجناس العشرة فالتوبة من هذا الفسوق بإثبات ما أثبته الله لنفسه ورسوله من غير تشبيه ولا تمثيل وتنزيهه عما نزه نفسه عنه ونزهه عنه رسوله من غير تحريف ولا تعطيل وتلقى النفي والإثبات من مشكاة الواحي لا من آراء الرجال ونتائج أفكارهم التي هي منشأ البدعة والضلالة فتوبة هؤلاء الفساق من جهة الإعتقادات الفاسدة بمحض اتباع السنة ولا يكتفى منهم بذلك أيضا حتى يبينوا فساد ما كانوا عليه من البدعة إذ التوبة من ذنب هي بفعل ضده ولهذا شرط الله تعالى في توبة الكاتمين ما أنزل الله من البينات والهدى البيان لأن ذنبهم لما كان بالكتمان كانت توبتهم منه بالبيان قال الله تعالى إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم وذنب المبتدع فوق ذنب الكاتم لأن ذاك كتم الحق وهذا كتمه ودعا إلى خلافه فكل مبتدع كاتم ولا ينعكس وشرط في توبة المنافق الإخلاص لأن ذنبه بالرياء فقال تعالى إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ثم قال إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤتي الله المؤمنين أجرا عليما ولذلك كان الصحيح من القولين أن توبة القاذف إكذابه نفسه لأنه ضد الذنب الذي ارتكبه وهتك به عريض المسلم المحصن فلا تحصل التوبة منه إلا بإكذابه نفسه لينتفي عن المقذوف العار الذي ألحقه به بالقذف وهو مقصود التوبة وأما من قال إن توبته أن يقول أستغفر الله من القذف ويعترف بتحريمه فقول ضعيف لأن هذا لا مصلحة فيه للمقذوف ولا يحصل له به براءة عرضه مما قذفه به فلا يحصل به مقصود التوبة من هذا الذنب فإن فيه حقين حقا لله وهو تحريم القذف فتوبته منه باستغفاره واعترافه بتحريم القذف وندمه عليه وعزمه على أن لا يعود وحقا للعبد وهو إلحاق العار به فتوبته منه بتكذيبه نفسه فالتوبة من هذا الذنب بمجموع الأمرين فإن قيل إذا كان صادقا قد عاين الزنا فأخبره به فكيف يسوغ له تكذيب نفسه وقذفها بالكذب ويكون ذلك من تمام توبته قيل هذا هو الإشكال الذي قال صاحب هذا القول لأجله ما قال إن توبته الإعتراف بتحريم القذف والإستغفار منه وهو موضع يحتاج فيه إلى بيان الكذب الذي حكم الله به على القاذف وأخبر أنه كاذب عنده ولو كان خبره مطابقا للواقع فنقول الكذب يراد به أمران أحدهما الخبر غير المطابق لمخبره وهو نوعان كذب عمد وكذب خطأ فكذب العمد معروف وكذب الخطأ ككذب أبي السنابل بن بعكك في فتواه للمتوفى عنها إذا وضعت حملها أنها لا تحل حتى تتم لها أربعة أشهر وعشرا فقال النبي كذب أبو السنابل ومنه قوله كذب من قالها لمن قال حبط عمل عامر حيث قتل نفسه خطأ ومنه قول عبادة بن الصامت كذب أبو محمد حيث قال الوتر واجب فهذا كله من كذب الخطأ ومعناه أخطأ قائل ذلك والثاني من أقسام الكذب الخبر الذي لا يجوز الإخبار به وإن كان خبره مطابقا لمخبره كخبر القاذف المنفرد برؤية الزنا والإخبار به فإنه كاذب في حكم الله وإن كان خبره مطابقا لمخبره ولهذا قال تعالى فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون فحكم الله في مثل هذا أن يعاقب عقوبة المفترى الكاذب وإن كان خبره مطابقا وعلى هذا فلا تتحقق توبته حتى يعترف بأنه كاذب عند الله كما أخبر الله تعالى به عنه فإذا لم يعترف بأنه كاذب وجعله الله كاذبا فأي توبة له وهل هذا إلا محض الإصرار والمجاهرة بمخالفة حكم الله الذي حكم به عليه فصل واختلف في توبة السارق إذا قطعت يده هل من شرطها ضمان العين المسروقة لربها
وأجمعوا على أن من شرط صحة توبته أداؤها إليه إذا كانت موجودة بعينها وإنما اختلفوا إذا كانت تالفة فقال الشافعي وأحمد من تمام توبته ضمانها لمالكها ويلزمه ذلك موسرا كان أو معسرا وقال أبو حنيفة إذا قطعت يده وقد استهلكت العين لم يلزمه ضمانها ولا تتوقف صحة توبته على الضمان لأن قطع اليد هو مجموع الجزاء والتضمين عقوبة زائدة عليه لا تشرع قال وهذا بخلاف ما إذا كانت العين قائمة فإن صاحبها قد وجد عين ماله فلم يكن أخذها عقوبة ثانية بخلاف التضمين فإنه غرامة وقد قطع طرفه فلا نجمع عليه غرامة الطرف وغرامة المال قالوا ولهذا لم يذكر الله في عقوبة السارق والمحارب غير إقامة الحد عليهما ولو كان الضمان لما أتلفوه واجبا لذكره مع الحد ولما جعل مجموع جزاء المحاربين ما ذكره من العقوبة بأداة إنما التي هي عندكم للحصر فقال إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا الآية ومدلول هذا الكلام عند من يجعل أداة إنما للحصر أنه لا جزاء لهم غير ذلك قالوا وقد روى النسائي في سننه عن عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه عن النبي أنه قضى في السارق إذا أقيم عليه الحد أنه لا غرم عليه قالوا وهذا هو المستقر في فطر الناس وعليه عملهم أنهم يقعطون السراق ولا يغرمونهم ما أتلفوه من أموال الناس وما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن قالوا ولأنها لو ثبتت في ذمته بعد القطع لكان قد ملكها إذ لا يجتمع لربها البدل والمبدل وثبوت بدلها في ذمته يستلزم تقدير ملكها وهو شبهة في إسقاط القطع وأصحاب القول الأول يقولون هذه العين تعلق بها حقان حق لله وحق لمالكها وهما حقان متغايران لمستحقين متباينين فلا يبطل أحدهما الآخر بل يستوفيان معا لأن القطع حق لله والضمان حق للمالك ولهذا لا يسقط القطع بإسقاطه بعد الرفع إلى الإمام ولو أسقط الضمان سقط وهذا كما إذا أكره أمة غيره على الزنا لزمه الحد لحق الله والمهر لحق السيد وكذلك إذا أكره الحرة على الزنا أيضا بل لو زنا بأمة ثم قتلها لزمه حد الزنا وقيمتها لمالكها وهو نظير ما إذا سرقها ثم قتلها قطعت يده لسرقتها وضمنها لمالكها قالوا وكذلك إذا قتل في الإحرام صيدا مملوكا لمالكه فعليه الجزاء لحق الله وقيمة الصيد لمالكه وكذلك إذا غصب خمر ذمي وشربها لزمه الحد حقا لله ولزمه عندكم ضمانها للذمي ولم يلزمه ضمان عند الجمهور لأنها ليست بمال فلا تضمن بالإتلاف كالميتة قالوا وأما قولكم إن قطع اليد مجموع الجزاء إن أردتم أنه مجموع العقوبة فصحيح فإنه لم يبق عليه عقوبة ثانية ولكن الضمان ليس بعقوبة للسرقة ولهذا يجب في حق غير الجاني كمن أتلف مال غيره خطأ أو إكراها أو في حال نومه أو أتلفه إتلافا مأذونا له فيه كالمضطر إلى أكله أو المضطر إلى إلقائه في البحر لإنجاء السفينة ونحو ذلك فليس الضمان من العقوبة في شيء وأما قولكم إن الله لم يذكر في القرآن تضمين السارق والمحارب فهو لم ينفه أيضا وإنما سكت عنه فحكمه مأخوذ من قواعد الشرع ونصوصه كقوله فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم وهذا قد اعتدى بالإتلاف فيعتدى عليه بالتضمين ولهذا أوجبنا رد العين إذا كانت قائمة ولم يذكر في القرآن وليس هذا من باب الزيادة على النص بل من باب إعمال النصوص كلها لا يعطل بعضها ويعمل ببعضها وكذلك الجواب عن قوله تعالى في المحاربين إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله أي عقوبتهم قالوا وأما حديث عبدالرحمن بن عوف فمنقطع لا يثبت يرويه سعد بن إبراهيم عن منصور وقد طعن في الحديث ابن المنذر فقال سعد بن إبراهيم مجهول وقال ابن عبدالبر الحديث ليس بالقوي
وأما استقرار ذلك في فطر الناس فمن قال إنه مستقر في فطرهم أن الغني الواجد إذا سرق مال فقير محتاج أو يتيم وأتلفه وقطعت يده أنه لا يضمن مال هذا الفقير واليتيم مع تمكنه من الضمان وقدرته عليه وضرورة صاحبه وضعفه وهل المستقر في فطر الناس إلا عكس هذا وأما قولكم لو ثبت في ذمته بعد القطع لكان قد ملكها فضعيف جدا لأنها بالإتلاف قد استقرت في ذمته ولهذا له المطالبة ببذلها اتفاقا وهذا الإستقرار في ذمته لا يمنع القطع فإنه يقطع بعد إتلافها واستقرارها في ذمته فكيف يزيل القطع ما ثبت في ذمته ويكون مبرئا له منه وتوسط فقهاء المدينة مالك وغيره بين القولين فقالوا إن كان له مال ضمنها بعد القطع وإن لم يكن له مال فلا ضمان عليه وهذا استحسان حسن جدا وما أقر به من محاسن الشرع وأولاه بالقبول والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما الإثم والعدوان فهما قرينان قال الله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان وكل منهما إذا أفرد تضمن الآخر فكل إثم عدوان إذ هو فعل ما نهى الله عنه أو ترك ما أمر الله به فهو عدوان على أمره ونهيه وكل عدوان إثم فإنه يأثم به صاحبه ولكن عند اقترانهما فهما شيئان بحسب متعلقهما ووصفهما فالإثم ما كان محرم الجنس كالكذب والزنا وشرب الخمر ونحو ذلك والعدوان ما كان محرم القدر والزيادة فالعدوان تعدى ما أبيح منه إلى القدر المحرم والزيادة كالإعتداء في أخذ الحق ممن هو عليه إما بأن يتعدى على ماله أو بدنه أو عرضه فإذا غصبه خشبة لم يرض عوضها إلا داره وإذا أتلف عليه شيئا أتلف عليه أضعافه وإذا قال فيه كلمة قال فيه أضعافها فهذا كله عدوان وتعد للعدل وهذا العدوان نوعان عدوان في حق الله وعدوان في حق العبد وعدوان في حق العبد فالعدوان في حق الله كما إذا تعدى ما أباح الله له من الوطء الحلال في الأزواج والمملوكات إلى ما حرم عليه من سواهما كما قال تعالى والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون وكذلك تعدى ما أبيح له من زوجته وأمته إلى ما حرم عليه منها كوطئها في حيضها أو نفاسها أو في غير موضع الحرث أو في إحرام أحدهما أو صيامه الواجب ونحو ذلك
وكذلك كل من أبيح له منه قدر معين فتعداه إلى أكثر منه فهو من العدوان كمن أبيح له إساغة الغصة بجرعة من خمر فتناول الكأس كلها أو أبيح له نظرة الخطبة والسوم والشهادة والمعاملة والمداواة فأطلق عنان طرفه في ميادين محاسن المنظور وأسام طرف ناظره في تلك الرياض والزهور فتعدى المباح إلى القدر المحظور وحام حول الحمى المحوط المحجور فصار ذا بصر حائر وقلب عن مكانه طائر أرسل طرفه رائدا يأتيه بالخبر فخامر عليه وأقام في تلك الخيام فبعث القلب في آثاره فلم يشعر إلا وهو أسير يحجل في قيوده بين تلك الخيام فما أقلعت لحظات ناظره حتى تشحط بينهن قتيلا وما برحت تنوشه سيوف تلك الجفون حتى جندلته تجديلا هذا خطر العدوان وما أمامه أعظم وأخطر وهذا فوت الحرمان وما حرمه من فوات ثواب من غض طرفه لله عز وجل أجل وأكبر سافر الطرف في مفاوز محاسن المنظور إليه فلم يربح إلا أذى السفر وغرر بنفسه في ركوب تلك البيداء وما عرف أن راكبها على أعظم الخطر يا لها من سفرة لم يبلغ المسافر منها ما نواه ولم يضع فيها عن عاتقه عصاه حتى قطع عليه فيها الطريق وقعد له فيها الرصد على كل نقب ومضيق لا يستطيع الرجوع إلى وطنه والإياب ولا له سبيل إلى المرور والذهاب يرى هجير الهاجرة من بعيد فيظنه برد الشراب حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب وتيقن أنه كان مغرورا بلامع السراب تالله ما استوت هذه الذلة وتلك اللذة في القيمة فيشتريها بها العارف الخبير ولا تقاربا في المنفعة فيتحير بينهما البصير ولكن على العيون غشاوة فلا تفرق بين مواطن السلامة ومواضع العثور والقلوب تحت أغطية الغفلات راقدة فوق فرش الغرور فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ومن أمثلة العدوان تجاوز ما أبيح من الميتة للضرورة إلى ما لم يبح منها إما بأن يشبع وإنما أبيح له سد الرمق على أحد القولين في مذهب أحمد والشافعي وأبي حنيفة وأباح مالك له الشبع والتزود إذا احتاج إليه فإذا استغنى عنها وأكلها واقيا لماله وبخلا عن شراء المذكى ونحوه كان تناولها عدوانا قال تعالى فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم قال قتادة والحسن لا يأكلها من غير اضطرار ولا يعدو شبعه وقيل غير باغ غير طالبها وهو يجد غيرها ولا عاد أي لا يتعدى ما حد له منها فيأكل حتى يشبع ولكن سد الرمق وقال مقاتل غير مستحل لها ولا متزود منها وقيل لا يبغى بتجاوز الحد الذي حد له منها ولا يتعدى بتقصيره عن تناوله حتى يهلك فيكون قد تعدى حد الله بمجاوزته أو التقصير عنه فهذا آثم وهذا آثم وقال مسروق من اضطر إلى الميتة والدم ولحم الخنزير فلم يأكل ولم يشرب حتى مات دخل النار وهذا أصح القولين في الآية وقال ابن عباس وأصحابه والشافعي غير باغ على السلطان ولا عاد في سفره فلا يكون سفر معصية وبنوا على ذلك أن العاصي بسفره لا يترخص والقول الأول أصلح لعشرة أوجه ليس هذا موضع ذكرها إذ الآية لا تعرض فيها للسفر بنفي ولا إثبات ولا للخروج على الإمام ولا هي مختصة بذلك ولا سيقت له وهي عامة في حق المقيم والمسافر والبغي والعدوان فيها يرجعان إلى الأكل المقصود بالنهي لا إلى أمر خارج عنه لا تعلق له بالأكل ولأن نظير هذا قوله تعالى في الآية الأخرى فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فهذا هو الباغي العادي والمتجانف للإثم المائل إلى القدر الحرام من أكلها وهذا هو الشرط الذي لا يباح له بدونه ولأنها إنما أبيحت للضرورة فتقدرت الإباحة بقدرها وأعلمهم أن الزيادة عليها بغي وعدوان وإثم فلا تكون الإباحة للضرورة سببا لحله والله أعلم
والإثم والعدوان هما الإثم والبغي المذكوران في سورة الأعراف مع أن البغي غالب استعماله في حقوق العباد والإستطالة عليهم وعلى هذا فإذا قرن البغي بالعدوان كان البغي ظلمهم بمحرم الجنس كالسرقة والكذب والبهت والإبتداء بالأذى والعدوان تعدى الحق في استيفائه إلى أكبر منه فيكون البغي والعدوان في حقهم كالإثم والعدوان في حقهم كالإثم والعدوان في حدود الله فههنا أربعة أمور حق لله وله حد وحق لعباده وله حد فالبغي والعدوان والظلم تجاوز الحدين إلى ما رواءهما أو التقصير عنهما فلا يصل إليهما فصل وأما الفحشاء والمنكر فالفحشاء صفة لموصوف قد حذف تجريدا لقصد الصفة وهي الفعلة الفحشاء والخصلة الفحشاء وهي ما ظهر قبحها لكل أحد واستفحشه كل ذي عقل سليم ولهذا فسرت بالزنا واللواط وسماها الله فاحشة لتناهي قبحهما وكذلك القبيح من القول يسمى فحشا وهو ما ظهر قبحه جدا من السب القبيح والقذف ونحوه وأما المنكر فصفة لموصوف محذوف أيضا أي الفعل المنكر وهو الذي تستنكره العقول والفطر ونسبته إليها كنسبة الرائحة القبيحة إلى حاسة الشم والمنظر القبيح إلى العين والطعم المستكره إلى الذوق والصوت المستنكر إلى الأذن فما اشتد إنكار العقول والفطر له فهو فاحشة كما فحش إنكار الحواس له من هذه المدركات فالمنكر لها ما لم تعرفه ولم تألفه والقبيح المستكره لها الذي تشتد نفرتها عنه هو الفاحشة ولذلك قال ابن عباس الفاحشة الزنا والمنكر ما لم يعرف في شريعة ولا سنة فتأمل تفريقه بين ما لم يعرف حسنه ولم يؤلف وبين ما استقر قبحه في الفطر والعقول وأما القول على الله بلا علم فهو أشد هذه المحرمات تحريما وأعظمها إثما ولهذا ذكر في المرتبة الرابعة من المحرمات التي اتفقت عليها الشرائع والأديان ولا تباح بحال بل لا تكون إلا محرمة وليست كالميتة والدم ولحم الخنزير الذي يباح في حال دون حال فإن المحرمات نوعان محرم لذاته لا يباح بحال ومحرم تحريما عارضا في وقت دون وقت قال الله تعالى في المحرم لذاته قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ثم انتقل منه إلى ما هو أعظم منه فقال والإثم والبغي بغير الحق ثم انتقل منه إلى ما هو أعظم منه فقال وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون فهذا أعظم المحرمات عند الله وأشدها إثما فإنه يتضمن الكذب على الله ونسبته إلى ما لا يليق به وتغيير دينه وتبديله ونفي ما أثبته وإثبات ما نفاه وتحقيق ما أبطله وإبطال ما حققه وعداوة من والاه وموالاة من عاداه وحب ما أبغضه وبغض ما أحبه ووصفه بما لا يليق به في ذاته وصفاته وأقواله وأفعاله فليس في أجناس المحرمات أعظم عند الله منه ولا أشد إثما وهو أصل الشرك والكفر ووعليه أسست البدع والضلالات فكل بدعة مضلة في الدين أساسها القول على الله بلا علم ولهذا اشتد نكير السلف والأئمة لها وصاحوا بأهلها من أقطار الأرض وحذروا فتنتهم أشد التحذير وبالغوا في ذلك ما لم يبالغوا مثله في إنكار الفواحش والظلم والعدوان إذ مضرة البدع وهدمها للدين ومنافاتها له أشد وقد أنكر تعالى على من نسب إلى دينه تحليل شيء أو تحريمه من عنده بلا برهان من الله فقال ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب الآية فكيف بمن نسب إلى أوصافه سبحانه وتعالى ما لم يصف به نفسه أو نفى عنه منها ما وصف به نفسه قال بعض السلف ليحذر أحدكم أن يقول أحل الله كذا وحرم الله كذا فيقول الله كذبت لم أحل هذا ولم أحرم هذا يعني التحليل والتحريم بالرأي المجرد بلا برهان من الله ورسوله
وأصل الشرك والكفر هو القول على الله بلا علم فإن المشرك يزعم أن من اتخذه معبودا من دون الله يقر به إلى الله ويشفع له عنده ويقضى حاجته بواسطته كما تكون الوسائط عند الملوك فكل مشرك قائل على الله بلا علم دون العكس إذ القول على الله بلا علم قد يتضمن التعطيل والإبتداع في دين الله فهو أعم من الشرك والشرك فرد من أفراده ولهذا كان الكذب على رسول الله موجبا لدخول النار واتخاذ منزلة منها مبوءا وهو المنزل اللازم لا يفارقه صاحبه لأنه متضمن للقول على الله بلا علم كصريح الكذب عليه لأن ما انضاف إلى الرسول فهو مضاف إلى المرسل والقول على الله بلا علم صريح افتراء الكذب عليه ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا فذنوب أهل البدع كلها داخلة تحت هذا الجنس فلا تتحقق التوبة منه إلا بالتوبة من البدع وأتى بالتوبة منها لمن لم يعلم أنها بدعة أو يظنها سنة فهو يدعو إليها ويحض عليها فلا تنكشف لهذا ذنوبه التي تجب عليه التوبة منها إلا بتضلعه من السنة وكثرة اطلاعه عليها ودوام البحث عنها والتفتيش عليها ولا ترى صاحب بدعة كذلك أبدا فإن السنة بالذات تمحق البدعة ولا تقوم لها وإذا طلعت شمسها في قلب العبد قطعت من قلبه ضباب كل بدعة وأزالت ظلمة كل ضلالة إذ لا سلطان للظلمة مع سلطان الشمس ولا يرى العبد الفرق بين السنة والبدعة ويعينه على الخروج من ظلمتها إلى نور السنة إلا المتابعة والهجرة بقلبه كل وقت إلى الله بالإستعانة والإخلاص وصدق اللجإ إلى الله والهجرة إلى رسوله بالحرص على الوصول إلى أقواله وأعماله وهديه وسنته فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن هاجر إلى غير ذلك فهو حظه ونصيبه في الدنيا والآخرة والله المستعان فصل ومن أحكام التوبة أن من تعذر عليه أداء الحق الذي فرط فيه ولم يمكنه تداركه ثم تاب فكيف حكم توبته وهذا يتصور في حق الله سبحانه وحقوق عباده فأما في حق الله فكمن ترك الصلاة عمدا من غير عذر مع علمه بوجوبها وفرضها ثم تاب وندم فاختلف السلف في هذه المسألة فقالت طائفة توبته بالندم والإشتغال بأداء الفرائض المستأنفة وقضاء الفرائض المتروكة وهذا قول الأئمة الأربعة وغيرهم وقالت طائفة توبته باستئناف العمل في المستقبل ولا ينفعه تدارك ما مضى بالقضاء ولا يقبل منه فلا يجب عليه وهذا قول أهل الظاهر وهو مروى عن جماعة من السلف وحجة الموجبين للقضاء قول النبي من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها قالوا فإذا وجب القضاء على النائم والناسي مع عدم تفريطهما فوجوبه على العامد والمفرط أولى قالوا ولأنه كان يجب عليه أمران الصلاة وإيقاعها في وقتها فإذا ترك أحد الأمرين بقي الآخر قالوا ولأن القضاء إن قلنا يجب عليه بالأمر الأول فظاهر وإن قلنا يجب عليه بأمر جديد فأمر النائم والناسي به تنبيه على العامد كما تقدم قالوا ولأن مصلحة الفعل إن لم يمكن العبد تداركها تدارك منها ما أمكن وقد فاتت مصلحة الفعل في الوقت فيتدارك ما أمكن منها وهو الفعل في خارج الوقت قالوا وقد قال النبي إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم وهذا قد استطاع الإتيان بالمأمور خارج الوقت وقد تعذر عليه الإتيان به في وقته فيجب عليه الإتيان بالمستطاع قالوا وكيف يظن بالشرع أنه يخفف عن هذا المتعمد المفرط العاصي لله ورسوله بترك الوجوب ويوجبه على المعذور بالنوم أو النسيان قالوا ولأن الصلاة خارج الوقت بدل عن الصلاة في الوقت والعبادة إذا كان لها بدل وتعذر المبدل انتقل المكلف إلى البدل كالتيمم مع الوضوء وصلاة القاعد عند تعذر القيام والمضطجع عند تعذر القعود وإطعام العاجز عن الصيام لكبر أو مرض غير مرجو البرء عن كل يوم مسكينا ونظائر ذلك كثيرة في الشرع قالوا ولأن الصلاة حق مؤقت فتأخيره عن وقته لا يسقط إلا بمبادرته خارج الوقت كديون الآدميين المؤجلة
قالوا ولأن غايته أنه أثم بالتأخير وهذا لا يسقط القضاء كمن أخر الزكاة عن وقت وجوبها تأخيرا أثم به أو أخر الحج تأخيرا ثم به قالوا ولو ترك الجمعة حتى صلاها الإمام عمدا عصى بتأخيرها ولزمه أن يصلى الظهر ونسبة الظهر إلى الجمعة كنسبة صلاة الصبح بعد طلوع الشمس إلى صلاتها قبل الطلوع قالوا وقد أخر النبي صلاة العصر يوم الأحزاب إلى أن صلاها بعد غروب الشمس فدل على أن فعلها ممكن خارج الوقت في العمد سواء كان معذورا به كهذا التأخير وكتأخير من أخرها من الصحابة يوم بنى قريظة إلى بعد غروب الشمس أو لم يكن معذورا به كتأخير المفرط فتأخيرهما إنما تختلف في الإثم وعدمه لا في وجوب التدارك بعد الترك قالوا ولو كانت الصلاة خارج الوقت لا تصح ولا تجب لما أمر النبي الصحابة يوم بني قريظة بتأخير صلاة العصر إلى أن يصلوها فيهم فأخرها بعضهم حتى صلاها فيهم بالليل فلم يعنفهم ولم يعنف من صلاها في الطريق لاجتهاد الفريقين قالوا ولأن كل تائب له طريق إلى التوبة فكيف تسد عن هذا طريق التوبة ويجعل إثم التضييع لازما له وطائرا في عنقه فهذا لا يليق بقواعد الشرع وحكمته ورحمته ومراعاته لمصالح العباد في المعاش والمعاد فهذا أقصى ما يحتج به لهذه المقالة قال أصحاب القول الآخر العبادة إذا أمر بها على صفة معينة أو في وقت بعينه لم يكن المأمور ممتثلا للأمر إلا إذا أوقعها على الوجه المأمور به من وصفها ووقتها وشرطها فلا يتناولها الأمر بدونه قالوا وإخراجها عن وقتها كإخراجها عن استقبال القبلة مثلا وكالسجود على الخد بدل الجبهة والبروك على الركبة بدل الركوع ونحوه قالوا والعبادات التي جعل لها ظرف من الزمان لا تصح إلا فيه كالعبادات التي جعل لها ظرف من المكان فلو أراد نقلها إلى أمكنة أخرى غيرها لم تصح إلا في أمكنتها ولا يقوم مكان مقام مكان آخر كأمكنة المناسك من عرفة ومزدلفة والجمار والسعي بين الصفا والمروة والطواف بالبيت فنقل العبادة إلى أزمنة غير أزمنتها التي جعلت أوقاتا لها شرعا إلى غيرها كنقلها عن أمكنتها التي جعلت لها شرعا إلى غيرها لا فرق بينهما في الإعتداد وعدمه كما لا فرق بينهما في الإثم قالوا فنقل الصلاة المحدودة الوقت أولا وآخرا عن زمنها إلى زمن آخر كنقل الوقوف بعرفة عن زمنه إلى مزدلفة ونقل أشهر الحج عن زمنها إلى زمن آخر قالوا فأي فرق بين من نقل صوم رمضان إلى شوال أو صلى العصر نصف الليل وبين من حج في المحرم ووقف فيه فكيف تصح صلاة هذا وصيامه دون حج هذا وكلاهما مخالف لأمر الله تعالى عاص آثم قالوا فحقوق الله المؤقتة لا يقبلها الله في غير أوقاتها فكما لا تقبل قبل دخول أوقاتها لا تقبل بعد خروج أوقاتها فلو قال أنا أصوم شوال عن رمضان كان كما لو قال أنا أصوم شعبان الذي قبله عنه قالوا فإن الحق الليلي لا يقبل بالنهار والنهاري لا يقبل بالليل ولهذا جاء في وصية الصديق لعمر رضي الله عنهما التي تلقاها بالقبول هو وسائر الصحابة واعلم أن لله حقا بالليل لا يقبله بالنهار وحقا بالنهار لا يقبله بالليل قالوا ولأنها إذا فات وقتها المحدود لها شرعا لم تبق تلك العبادة بعينها ولكن شيء آخر غيرها فإذا فعلت العصر بعد غروب الشمس لم تكن عصرا فإن العصر صلاة هذا الوقت المحدود وهذه ليست عصرا فلم يفعل مصليها العصر ألبتة وإنما أتى بأربع ركعات صورتها صورة صلاة العصر لا أنها هي قالوا وقد ثبت عن النبي أنه قال من ترك صلاة العصر حبط عمله وفي لفظ الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله فلو كان له سبيل إلى التدارك وفعلها صحيحة لم يحبط عمله ولم يوتر أهله وماله مع صحتها منه وقبولها لأن معصية التأخير عندكم لا تحقق الترك والفوات لاستدراكه بالفعل في الوقت الثاني
قالوا وهذه الصلاة مردودة بنص الشارع فلا يسوغ أن يقال بقبولها وصحتها مع تصريحه بردها وإلغائها كما ثبت في الصحيح عنه من حديث عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد وفي لفظ كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد وهذا عمل على خلاف أمره فيكون ردا والرد بمعنى المردود كالخلق بمعنى المخلوق والضرب بمعنى المضروب وإذا ثبت أن هذه الصلاة مردودة فليست بصحيحة ولا مقبولة قالوا ولأن الوقت شرط في سقوط الإثم وامتثال الأمر فكان شرطا في براءة الذمة والصحة كسائر شروطها من الطهارة والإستقبال وستر العورة فالأمر تناول الشروط تناولا واحدا فكيف ساغ التفريق بينها مع استوائها في الوجوب والأمر والشرطية قالوا وليس مع المصححين لها بعد الوقت لا نص ولا إجماع ولا قياس صحيح وسنبطل جميع أقيستهم التي قاسوا عليها ونبين فسادها قالوا وفي مسند الإمام أحمد وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي أنه قال من أفطر يوما من رمضان لغير عذر لم يقضه عنه صيام الدهر فكيف يقال يقضيه عنه يوم مثله قالوا ولأن صحة العبادة إن فسرت بموافقة الأمر فلا ريب أن هذه العبادة غير موافقة له فلا تكون صحيحة وإن فسرت بسقوط القضاء فإنما يسقط القضاء ما وقع على الوجه المأمور به وهذا لم يقع كذلك ولا سبيل إلى وقوعه على الوجه المأمور به فلا سبيل إلى صحته وإن فسرت بما أبرأ الذمة فهذه لم تبريء الذمة من الإثم قطعا ولم يثبت بدليل يجب المصير إليه إبراؤها للذمة من توجه المطالبة بالمأمور قالوا ولأن الصحيح من العبادات ما اعتبره الشارع ورضيه وقبله وهذا لا يعلم إلا بإخباره عن صحتها أو بموافقتها أمره وكلاهما منتف عن هذه العبادة فكيف يحكم لها بالصحة قالوا فالصحة والفساد حكمان شرعيان مرجعهما إلى الشارع فالصحيح ما شهد له بالصحة أو علم أنه وافق أمره أو كان مماثلا لما شهد له بالصحة فيكون حكم المثل مثله وهذه العبادة قد انتفى عنها كل واحد من هذه الأمور ومن أفسد الإعتبار اعتبارها بالتأخير المعذور به أو المأذون فيه وهو اعتبار الشيء بضده وقياسه على مخالفه في الحقيقة والشرع وهو من أفسد القياس كما سيأتي قالوا وأما استدلالكم بقول النبي من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فأوجب القضاء على المعذور فالمفرط أولى فهذه الحجة إلى أن تكون عليكم أقرب منها أن تكون لكم فإن صاحب الشرع شرط في فعلها بعد الوقت أن يكون الترك عن نوم أو نسيان والمعلق على الشرط يعدم عند عدمه فلم يبق معكم إلا مجرد قياس المفرط العاصي المستحق للعقوبة على عذره الله ولم ينسب إلى تفريط ولا معصية كما ثبت عنه في الصحيح ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة أن يؤخر صلاة حتى يدخل وقت التي بعدها وأي قياس في الدنيا أفسد من هذا القياس وأبطل قالوا وأيضا فهذا لم يؤخر الصلاة عن وقتها بل وقتها المأمور به لمثله حين استيقظ وذكر كما قال النبي من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها فإن الله يقول أقم الصلاة لذكري وهذه اللام عند كثير من النحاة اللام الوقتية أي عند ذكري أو في وقت ذكري قالوا والنبي ما صلى الصبح يوم الوادي بعد طلوع الشمس إلا في وقتها حقيقة قالوا والأوقات ثلاثة أنواع وقت للقادر المستيقظ الذاكر غير المعذور فهي خمسة ووقت للذاكر المستيقظ المعذور وهي ثلاثة فإن في حقه وقت الظهر والعصر واحد ووقت المغرب والعشاء واحد ووقت الفجر واحد فالأوقات في حق هذا ثلاثة وإذا أخر الظهر إلى أن فعلها فين وقت العصر فإنما صلاها في وقتها ووقت في حق غير المكلف بنوم أو نسيان فهو غير محدود ألبتة بل الوقت في حقه عند يقظته وذكره لا وقت له إلا ذلك هذا الذي دلت عليه نصوص الشرع وقواعده وهذا المفرط المضيع خارج عن هذه الأقسام وهو قسم رابع فبأيها تلحقونه
قالوا وقد شرع الله سبحانه قضاء رمضان لمن أفطره لعذر من حيض أو سفر أو مرض ولم يشرعه قط لمن أفطره متعمدا من غير عذر لا بنص ولا بإيماء ولا تنبيه ولا تقتضيه قواعده وإنما غاية ما معكم قياسه على المعذور مع إطراد قواعد الشرع على التفريق بينهما بل قد أخبر الشارع أن صيام الدهر لا يقضيه عن يوم يفطره بلا عذر فضلا عن يوم مثله قالوا وأما قولكم إنه كان يجب عليه أمران العبادة وإيقاعها في وقتها فإذا ترك أحدهما بقي عليه الآخر فهذا إنما ينفع فيما إذا لم يكن أحد الأمرين مرتبطا بالآخر ارتباط الشرطية كمن أمر بالحج والزكاة فترك أحدهما لم يسقط عنه الآخر أما إذا كان أحدهما شرطا في الآخر وقد تعذر الإتيان بالشرط الذي لم يؤمر بالمشروط إلا به فكيف يقال إنه يؤمر بالآخر بدونه ويصح منه بدون وصفه وشرطه فأين أمره الله بذلك وهل الكلام إلا فيه قالوا وإن قلنا إنما يجب القضاء بأمر جديد فلا أمر معكم بالقضاء في محل النزاع وقياسه على مواقع الإجماع ممتنع كما بيناه وإن قلنا يجب بالأمر الأول فهذا فيما إذا كان القضاء نافعا ومصلحته كمصلحة الأداء كقضاء المريض والمسافر والحائض للصوم وقضاء المغمى عليه والنائم والناسي أما إذا كان القضاء غير مبريء للذمة ولا هو معذور بتأخير الواجب عن وقته فهذا لم يتناوله الأمر الأول ولا أمر ثان وإنما هو القياس الذي علم افتراق الأصل والفرع فيه في وصف ظاهر التأثير مانع للإلحاق قالوا وأما قولكم إنه إذا لم يمكن تدارك مصلحة الفعل تدارك منها ما أمكن فهذا إنما يفيد إذا لم يمكن حصول المصلحة على شرط تزول المصلحة بزواله والتدارك بعد فوات شرطه وخروجه عن الوجه المأمور به ممتنع إلا بأمر آخر من التوبة وتكثير النوافل والحسنات وأما تدارك غير هذا الفعل فكلا ولما قالوا وأما قوله إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم فقد أبعد النجعة من احتج به فإن هذا إنما يدل على أن المكلف إذا عجز عن جملة المأمور به أتى بما يقدر عليه منه كمن عجز عن القيام في الصلاة أو عن إكمال غسل أعضاء الوضوء أو عن إكمال الفاتحة أو عن تمام الكفاية في الإنفاق الواجب ونحو ذلك أتى بما يقدر عليه ويسقط عنه ما عجز عنه أما من ترك المأمور به حتى خرج وقته عمدا وتفريطا بلا عذر فلا يتناوله الحديث ولو كان الحديث متناولا له لما توعده بإحباط عمله وتشبيهه بمن سلب أهله وماله وبقى بلا أهل ولا مال قالوا وأما قولكم إنه لا يظن بالشرع تخفيفه عن هذا العامد المفرط بعدم إيجاب القضاء عليه وتكليف المعذور به فكلام بعيد عن التحقيق بين البطلان فإن هذا المعذور إنما فعل ما أمر به في وقته كما تقدم فهو في فعل ما أمر به كغير المعذور الذي صلى في وقته ونحن لم نسقط القضاء عن العامد المفرط تخفيفا عنه بل لأنه غير نافع له ولا مقبول منه ولا مأمور به فلا سبيل له إلى تحصيل مصلحة ما تركه فأين التخفيف عنه قالوا وأما قولكم إن الصلاة خارج الوقت بدل عن الصلاة في الوقت وإذا تعذر المبدل انتقل إلى بدله فهل هذا إلا مجرد دعوى وهل وقع النزاع إلا في هذا فما الدليل على أن صلاة هذا المفرط العامد بدل ونحن نطالبكم بالأمر بها أولا وبكونها مقبولة نافعة ثانيا وبكونها بدلا ثالثا ولا سبيل لكم إلى إثبات شيء من ذلك ألبتة وإنما يعلم كون الشيء بدلا بجعل الشارع له كذلك كشرعه التيمم عند العجز عن استعمال الماء والإطعام عند العجز عن الصيام وبالعكس كما في كفارة اليمين فأين جعل الشرع قضاء هذا المفرط المضيع بدلا عن فعله العبادة في الوقت وهذ ذلك إلا القياس الذي قد تبين فساده
قالوا وأما قياسكم فعلها خارج الوقت على صحة أداء ديون الآدميين بعد وقتها فمن هذا النمط لأن وقت الوجوب في حقه ليس محدود الطرفين كوقت الصلاة فالوجوب في حقه ليس مؤقتا محدودا بل هو على الفور كالزكاة والحج عند من يراه على الفور فلا يتصور فيه إخراج عن وقت محدود هو شرط لفعله نعم أولى الأوقات به الوقت الأول على الفور وتأخيره عنه لا يوجب كونه قضاء فإن قيل فما تصنعون بقضاء رمضان فإنه محدود على جهة التوسعة بما بين رمضانين ولا يجوز تأخيره مع القدرة إلى رمضان آخر ومع هذا لو أخره لزمه فعله وإطعام كل يوم مسكينا كما أفتى به الصحابة رضي الله عنهم وهذا دليل على أن العبادة المؤقتة لا يتعذر فعلها بعد خروج وقتها المحدود لها شرعا قيل قد فرق الشارع بين أيام رمضان وبين أيام القضاء فجعل أيام رمضان محدودة الطرفين لا يجوز تقدمها ولا تأخرها وأطلق أيام قضائه فقال سبحانه كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر فأطلق العدة ولم يوقتها وهذا يدل على أنها تجزيء في أي أيام كانت ولم يجيء نص عن الله ولا عن رسوله ولا إجماع على تقييدها بأيام لا تجزيء في غيرها وليس في الباب إلا حديث عائشة رضي الله عنها كان يكون على الصوم من رمضان فلا أقضيه إلا في شعبان من الشغل برسول الله ومعلوم أن هذا ليس صريحا في التوقيت بما بين الرمضانين كتوقيت أيام رمضان بما بين الهلالين فاعتبار أحدهما بالآخر ممتنع وجمع بين ما فرق الله بينهما فإنه جعل أيام رمضان محدودة بحد لا تتقدم عنه ولا تتأخر وأطلق أيام القضاء وأكد إطلاقها بقوله أخر وأفتى من أفتى من الصحابة بالإطعام لمن أخرها إلى رمضان آخر جبرا لزيادة التأخير عن المدة التي بين الرمضانين ولا تخرج بذلك عن كونها قضاء بل هي قضاء وإن فعلت بعد رمضان آخر فحكمها في القضاء قبل رمضان وبعده واحد بخلاف أيام رمضان يوضح هذا انه لو أفطر يوما من أيام رمضان عمدا بغير عذر لم يتمكن أن يقيم مقامه يوما آخر مثله ألبتة ولو أفطر يوما من أيام القضاء قام اليوم الذي بعد مقامه وسر الفرق أن المعذور لم يتعين في حقه أيام القضاء بل هو مخير فيها وأي يوم صامه قام مقام الآخر وأما غير المعذور فأيام الوجوب متعينة في حقه لا يقوم غيرها مقامها قالوا وأما من ترك الجمعة عمدا فإنما أوجبنا عليه الظهر لأن الواجب في هذا الوقت أحد الصلاتين ولا بد إما الجمعة وإما الظهر فإذا ترك الجمعة فوقت الظهر قائم وهو مخاطب بوظيفة الوقت قالوا ولا سيما عند من يجعل الجمعة بدلا من الظهر فإنه إذا فاته البدل رجع إلى الأصل وهذا إن كان القضاء ثابتا بالإجماع أو بالنص وإن كان فيه خلاف أجبنا بالجواب المركب فنقول إن كان ترك الجمعة مساويا لترك الصلاة حتى يخرج وقتها فالحكم في الصورتين واحد ولا فرق حينئذ عملا بما ذكرنا من الدليل وإن كان بينهما فرق مؤثر بطل الإلحاق فامتنع القياس فعلى التقديرين بطل القياس قالوا وأما تأخير النبي صلاة العصر يوم الأحزاب إلى غروب الشمس فللناس في هذا التأخير هل هو منسوخ أم لا قولان فقال الجمهور كأحمد والشافعي ومالك هذا كان قبل نزول صلاة الخوف ثم نسخ بصلاة الخوف وكان ذلك التأخير كتأخير صلاة الجمع بين الصلاتين فلا يجوز اعتبار الترك المحرم به ويكون الفرق بينهما كالفرق بين تأخير النائم والناسي وتأخير المفرط بل أولى فإن هذا التأخير حينئذ مأمور به فهو كتأخير المغرب ليلة جمع إلى مزدلفة القول الثاني أنه ليس بمنسوخ بل هو باق وللمقاتل تأخير الصلاة حال القتال واشتغاله بالحرب والمسايفة وفعلها عند تمكنه منها وهذا قول أبي حنيفة ويذكر رواية عن أحمد
وعلى التقديرين فلا يصح إلحاق تأخير العامد المفرط به وكذلك تأخير الصحابة العصر يوم بني قريظة فإنه كان تأخيرا مأمورا به عند طائفة من أهل العلم كأهل الظاله أو تأخيرا سائغا للتأويل عند بعضهم ولهذا لم يعنف النبي من صلاها في الطريق في وقتها ولا من أخرها إلى الليل حتى صلاها في بني قريظة لأن هؤلاء تمسكوا بظاهر الأمر وأولئك نظروا إلى المعنى والمراد منهم وهو سرعة السير واختلف علماء الإسلام في تصويب أي الطائفتين فقالت طائفة لو كنا مع القوم لصلينا في الطريق مع الذين فهموا المراد وعقلوا مقصود الأمر فجمعوا بين إيقاع الصلاة في وقتها وبين المبادرة إلى العدول ولم يفتهم مشهدهم إذ المقدار الذي سبقهم به أولئك لحقوهم به لما اشتغلوا بالصلاة وقت النزول في بني قريظة قالوا فهؤلاء أفقه الطائفتين جمعوا بين الامتثال والاجتهاد والمبادرة إلى الجهاد مع فقه النفس وقالت طائفة لو كنا معهم لأخرنا الصلاة مع الذين أخروها إلى بني قريظة فهم الذين أصابوا حكم الله قطعا وكان هذا التأخير واجبا لأمر رسول الله به فهو الطاعة لله ذلك اليوم خاصة والله يأمر بما يشاء فأمره بالتأخير في وجوب الطاعة كأمره بالتقديم فهؤلاء كانوا أسعد بالنص وهم الذين فازا بالأجرين وإنما لم يعنف الآخرين لأجل التأويل والاجتهاد فإنهم إنما قصدوا طاعة الله ورسوله وهم أهل الأجر الواحد وهم كالحاكم الذي يجتهد فيخطىء الحق والمقصود أن إلحاق المفرط العاصي بالتأخير بهؤلاء في غاية الفساد قالوا وأما قولكم هذا تائب نادم فكيف تسد عليه طريق التوبة ويجعل إثم التضييع لازما له وطائرا في عنقه فمعاذ الله أن نسد عليه بابا فتحه الله لعباده المذنبين كلهم ولم يغله عن أحد إلى حين موته أو إلى وقت طلوع الشمس من مغربها وإنما الشأن في طريق توبته وتحقيقها هل يتعين لها القضاء أم يستأنف العمل ويصير ما مضى لا له ولا عليه ويكون حكمه حكم الكافر إذا أسلم في استئناف العمل وقوبل التوبة فإن ترك فريضة من فراض الإسلام لا يزيد على ترك الإسلام بجملته وفرائضه فإذا كانت توبة تارك الإسلام مقبولة صحيحة لا يشترط في صحتها إعادة ما فاته في حال إسلامه أصليا كان أو مرتدا كما أجمع عليه الصحابة في ترك أمر المرتدين لما رجعوا إلى الإسلام بالقضاء فقبول توبة تارك الصلاة وعدم توقفها على القضاء أولى والله أعلم فصل وأما في حقوق العباد فيتصور في مسائل إحداها من غصب أموالا ثم تاب وتعذر عليه ردها إلى أصحابها أو إلى ورثتهم لجهله بهم أو لانقراضهم أو لغير ذلك فاختلف في توبة مثل هذا فقالت طائفة لا توبة له إلا بأداء هذه المظالم إلى أربابها فإذا كان ذلك قد تعذر عليه فقد تعذرت عليه التوبة والقصاص أمامه يوم القيامة بالحسنات والسيئات ليس إلا قالوا فإن هذا حق للآدمي لم يصل إليه والله سبحانه لا يترك من حقوق عباده شيئا بل يستوفيها لبعضهم من بعض ولا يجاوزه ظلم ظالم فلا بد أن يأخذ للمظلوم حقه من ظالمه ولو لطمة ولو كلمة ولو رمية بحجر قالوا وأقرب ما لهذا في تدارك الفارط منه أن يكثر من الحسنات ليتمكن من الوفاء منها يوم لا يكون الوفاء بدينار ولا بدرهم فيتجر تجارة يمكنه الوفاء منها ومن أنفع ما له الصبر على ظلم غيره له وأذاه وغيبته وقذفه فلا يستوفى حقه في الدنيا ولا يقابله ليحيل خصمه عليه إذا أفلس من حسناته فإنه كما يؤخذ منه ما عليه يستوفى أيضا ماله وقد يتساويان وقد يزيد أحدهما عن الآخر ثم اختلف هؤلاء في حكم ما بيده من الأموال فقالت طائفة يوقف أمرها ولا يتصرف فيها ألبتة وقالت طائفة يدفعها إلى الإمام أو نائبه لأنه وكل أربابها فيحفظها لهم ويكون حكمها حكم الأموال الضائعة
وقالت طائفة أخرى بل بال التوبة مفتوح لهذا ولم يغلقه الله عنه ولا عن مذنب وتوبته أن يتصدق بتلك الأموال عن أربابها فإذا كان يوم استيفاء الحقوق كان هلم الخيار بين أن يجيزا ما فعل وتكون أجورها لهم وبين أن لا يجيزوا ويأخذوا من حسناته بقدر أموالهم ويكون ثواب تلك الصدقة له إذ لا يبطل الله سبحانه ثوابها ولا يجمع لأربابها بين العوض والمعوض فيغرمه إياها ويجعل أجرها لهم وقد غرم من حسناته بقدرها وهذا مذهب جماعة من الصحابة كما هو مروى عن ابن مسعود ومعاوية وحجاج بن الشاعر فقد روى أن ابن مسعود اشترى من رجل جارية ودخل يزن له الثمن فذهب رب الجارية فانتظره حتى يئس من عوده فتصدق بالثمن وقال اللهم هذا عن رب الجارية فإن رضى فالأجر له وإن أبى فالأجر لي وله من حسناتي بقدره وغل رجل من الغنيمة ثم تاب فجاء بما غله إلى أمي الجيش فأبى أن يقبله منه وقال كيف لي بإيصاله إلى الجيش وقد تفرقوا فأتى حجاج بن الشاعر فقال يا هذا إن الله يعلم الجيش وأسماءهم وأنسابهم فادفع خمسه إلى صاحب الخمس وتصدق بالباقي عنهم فإن الله يوصل ذلك إليهم أو كما قال ففعل فلما أخبر معاوية قال لأن أكون أفيتتك بذلك أحب إلي من نصف ملكي قالوا وكذلك اللقطة إذا لم يجد ربها بعد تعريفها ولم يرد أن يتملكها تصدق بها عنه فإن ظهر مالكها خيره بين الأجر والضمان قالوا وهذا لأن المجهول في الشرع كالمعدوم فإذا جهل الملك صار بمنزلة المعدوم وهذا مال لم يعلم له مالك معين ولا سبيل إلى تعطيل الانتفاع به لما فيه من المفسدة والضرر بمالكه وبالفقراء وبمن هو في يده أما المالك فلعدم وصول نفعه إليه وكذلك الفقراء وأما من هو في يده فلعدم تمكنه من الخلاص من إثمه فيغرمه يوم القيامة من غير انتفاع به ومثل هذا لا تبيحه شريعة فضلا عن أن تأمر به وتوجبه فإن الشرائع مبناها على المصالح بحسب الإمكان وتكميلها وتعطيل المفاسد بحسب الإمكان وتقيلها وتعطيل هذا المال ووقفه ومنعه عن الانتفاع به مفسدة محضة لا مصلحة فيها فلا يصار إليه قالوا وقداستقرت قواعد الشرع على أن الإذن العرفي كاللفظي فمن رأى رأى بمال غيره موتا وهو مما يمكن استدراكه بذبحه فذبحه إحسانا إلى مالكه ونصحا له فهو مأذون له فيه عرفا وإن كان المالك سفيها فإذا ذبحه لمصلحة مالكه لم يضمنه لأنه محسن و ما على المحسنين من سبيل وكذلك إذا غصبه ظالم أو خاف عليه منه فصالحه عليه ببعضه ليس الباقي لمالكه وهو غائب عنه أو رآه آيلا إلى تلف محض فباعه وحفظ ثمنه له ونحو ذلك فإن هذا كله مأذون فيه عرفا من المالك وقد باع عروة بن الجعد البارقي وكيل النبي ملك النبي بغير إذنه لفظا واشترى له ببعض ثمنه مثل ما وكله في شرائه بذلك الثمن كله ثم جاءه بالثمن وبالمشترى فقبله النبي ودعا له وأشكل هذا على بعض الفقهاء وبناه على تصرف الفضولي فأورد عليه أن الفضولي لا يقبض ولا يقبض وهذا قبض وأقبض وبناه آخرون على أنه كان وكيلا مطلقا في كل شيء وهذا أفسد من الأول فإنه لا يعرف عن رسول الله أنه وكل أحدا وكالة مطلقة ألبتة ولا نقل ذلك عنه مسلم والصواب أنه مبني على هذه القاعدة أن الإذن العرفي كالإذن اللفظي ومن رضي بالمشتري وخرج ثمنه عن مكله فهو بأن يرضى به ويحصل له الثمن أشد رضى ونظير هذا مريض عجز أصحابه في السفر أو الحضر عن استئذانه في إخراج شيء من ماله في علاجه وخيف عليه فإنهم يخرجون من ماله ما هو مضطر إليه بدون استئذانه بناء على العرف في ذلك ونظائر ذلك مما مصلحته وحسنه مستقر في فطر الخلق ولا تأتي شريعة بتحريمه كثير