Qur'an&Sunnah

Ahmed Zerrûk — Uddetü'l-Mürîdi's-Sâdık (tasavvuf âdâbı)

قسم V01/P142–V01/P146

الثالث: ما في ذلك من اعتقاد بعض الناس تحريم حلقه، والمبالغة في ذلك، وتعلقهم بنهي عمر (ض)، وأنه من شعار المجوس، وقد يكون بذلك ابتداعا بإحداث حكمه، فلذلك أفتى شيوخ بلادنا لما نظروا في شأنهم أن يحلقوه مرة حتى يعرف عدم اعتقادهم لوجوبه، وكان ذلك باتفاقهم بحضرة السلطان، في حكاية يطول ذكرها، وكان شيخنا أبو عبد الله القوري (ض) يقول، وسمعته من غيره غير مرة: ورد في الحديث أن # النبي (ص) تنور بالنورة وجلس على المنصة وحلق ما تحت اللحية (¬1)، فإن صح هذا فهو الحجة، ثم لهم في التمسك بالسنة أقوى مستند، وأكبر معتمد، لمن قويت نيته، وعلت همته، وبالله التوفيق. ومن ذلك أن طريق المصامدة حلق رأس التائب بالمقص، وبعضهم بالموسى، وهو شيء لا أصل له، غير ما يذكر من أن رسول الله (ص) قال لرجل أسلم وعليه شعر: "انزع عنك شعر الكفرة" (¬2) لكن يعارضه ما في # الصحيح من سيما الخوارج، وأن سيماهم التحليق، أو قال: التسبيد (¬1)، يعني حلق شعر الرأس، فوجب إبقاؤه لذلك، ولقد بالغوا في ذلك حتى إن بعضهم يرى أن من لم يفعل ذلك فليس بتائب، نسأل الله العافية. ومن ذلك أخذهم من كل مذهب بطرف، كالشافعي في النافلة جماعة، والحنفي في تأخير الصبح إلى الإسفار الأعلى، إلى غير ذلك وهو أمر جائز إن سلم من تتبع الرخص، وقصد المعاندة، إذا كان وجه المذهب المأخوذ به محققا عند العامل به، وهذا في بلاد المغرب معدوم، إذ لا يعرف فيه إلا مذهب مالك، والأخذ بغيره من غير تحقيق هو تلاعب بالدين، وكذلك أفتى أئمة المذهب أنه لا يفتى بغيره في بلاد المغرب، وفي المسألة اختلاف ليس هذا موضع تحقيقه، وقد تكلم ابن العريف في كتابه مفتاح السعادة على شيء من هذا، ووقع لنا كلام على قولهم الصوفي: لا مذهب له، أو مذهبه مذهب أصحاب الحديث، مستوفى في القواعد، فانظره (¬2) وفي آداب المريدين للسهروردي كفاية لمن نظر أوله، وبالله التوفيق. ... 44 - فصل في تحقيق القصد في الجواب والرد. اعلم أن كل ما أنكرناه أو رددناه فإنما هو بحسب ما انتهى إليه علمنا، ولسنا ممن ندعي الإحاطة، ولكن ممن يبدي ما عنده، فإن قبل فالمنة لله تعالى، وإن رد فنحن أهل للخطأ وقلة الإصابة، ولكن ينبغي للمتكلم بالحق أن يبين وجهه ودليله، وإلا فهو مردود عليه، إذ لا أجهل من متعصب بالباطل، أو منكر لما هو به جاهل، والاعتقاد ولاية، والاعتراض جناية (¬1) فإن عرفت فاتبع، وإن جهلت فسلم، ومن كان بريئا مما أنكرناه مما لا يمكن رده فلا كلام لنا معه، إنما كلامنا مع الشيء حيث يثبت، ويكون فيه محل للنكير بوجه واضح، فإن الحق أبلج، والباطل لجلج. ولقد سمعت عن بعض أهل هذا الطريق أنه قال: لو نزل ملك من السماء يقول: ليس بصحيح، ما قبلت قوله في ذلك، هذا منه إعلام بأنه على بصيرة في الأمر، ولا بصيرة إلا بالعلم، ولا علم، ثم في تعبيره من إساءة الأدب ما لا خفاء به، نسأل الله السلامة. وقال لي آخر: ليس لنا إلا تقليد شيخنا واتباعه، وهو أبصر بحقائق ما يأتينا به وبأصوله، لأنه عالم، وهذا كلام لا عبرة به، لخروجه عن التبصر في الدين المأمور به، والتقليد بغير دليل شرعي فيما يقتفيه، وقد قال تعالى: {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} (¬2) وقال مولانا جلت قدرته: {قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} (¬3) فالتبصر في الدين واجب، وطلب الحق لازم، والعمل بغير علم حرام، # {ولا ثقف ما ليس لك به علم} (¬1) فإن قالوا: دلتنا شواهد الأحوال على أن الشيخ المذكور من أهل الحق، قلنا: لا دلالة إلا بعلم، وغالب أتباعكم الجهال، ووجود المستند غير واضح، لكن الكرامة لا تفيده، وكثرة العمل كذلك، بل قد قالت عائشة رضي الله عنها: إذا أعجبك عمل رجل فقل:

قسم V01/P146–V01/P148

{اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمومنون} (¬2) ولا يستخفنك أمر، هذا في العمل بالواضحات، فكيف بالمجهولات ومفارقة الواضح لأجلها، أعاذنا الله من الفتن بمنه. وقد جاء رجل إلى عبد السلام بن مشيش (ض)، فقال: يا سيدي وظف علي وظائف وأعمالا ألتزمها، فغضب الشيخ رحمه الله وقال: أرسول أنا، فأوجب الواجبات، الفرائض معلومة، والمحرمات مشهورة، فكن للفرائض حافظا، وللمعاصي رافضا، واحفظ قلبك من إرادة الدنيا، وحب النساء، وحب الجاه، وإيثار الشهوات، واقنع من ذلك كله بما قسم الله لك، إذا خرج لك مخرج الرضى فكن لله فيه شاكرا، وإذا خرج لك مخرج السخط فكن عليه صابرا، وحب الله (¬3)، قطب تدور عليه الخيرات، وأصل جامع لأنواع الكرامات، وحضوة ذلك كلمه أربعة: صدق الورع، وحسن النية، وإخلاص العمل، وصحة العلم، ولا تتم لك هذه الجملة إلا بصحبة أخ صالح، أو شيخ ناصح، قلت: فالشيخ مراد للعمل بما علم، وتعلم ما لم يعلم، وخروج النفس عن مرادها لمراد الحق بواسطة التحقيق في الأخذ، والتدقيق في النظر، لا للاتباع رماية في عماية، وعمل من غير سبق هداية، فحيح، بان الحق والباطل فليس إلا الترك والفعل، وإن خالف ذلك أمر الشيخ أو مراده أو قصده، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (¬4) وحيث أشكل أو احتمل فبصيرة الشيخ مقدمة، # والاتباع لازم، والاعتراض حرمان، وعليه يتنزل قولهم، من قال لأستاذه: لم؟ لا يفلح أبدا، وهذا كله بعد تحقيق المشيخة له، والله سبحانه أعلم. ... 45 - فصل في صفة الشيخ المعتبر عند القوم جملة وتفصيلا. والمشايخ ثلاثة في الجملة؛ شيخ تعليم، وشيخ تربية، وشيخ ترقية. فأما شيخ التعليم فيحتاج فيه لثلاثة: أولها: علم صحيح، بحيث يجوز مبنيا على الكتاب والسنة، مؤيدا بالقضايا العقلية والوجوه المفهمة المسلمة بالأدلة الصحيحة المقدمة. الثاني: لسان فصيح بحيث يبين به عن المقاصد من غير احتمال ولا قصور، لأن العبارة هي التي تفيد المقاصد وتدفعها، وقد قال ابن العريف رحمه الله: الطالب يسأل ليعلم، فحقه أن يسأل عن مسألة بمسألة أخرى، والعامي (يسأل ليعمل) (¬1) فحقه أن يذكر النازلة، وعلى العالم أن يبين بيانا يمنع السائل من التأويل، انتهى، وهو عجيب. الثالث: عقل رجيح يميز به مواضع العلم، ويقي به نفسه عن كل وصف منقص في دينه ودنياه، فيكون تقيا نقيا، وعلامته في ذلك وجود الإنصاف حيث يكون الحق مع غيره، والوقوف مع الحق، بحيث لا أحد يقابله بلزوم لا أدري فيما لا يدري، والتبرؤ من مواضع التهم قولا وفعلا واعتقادا. وقد قال الشيخ أبو عبد الله بن عباد (¬2) (ض): أوصيكم بوصية لا يعرفها إلا من عقل وجرب، ولا يهملها إلا من غفل فحجب، وهو ألا تأخذوا في # هذا العلم مع متكبر، ولا صاحب بدعة، ولا مقلد، أما الكبر فطابع يمنع من فهم الآيات والعبر، وأما البدعة فتوقع في البلايا الكبر، وأما التقليد فقال: يمنع من بلوغ الوطر، ونيل الظفر، قال: ولا تجعلوا لأهل الظاهر حجة على الباطن، قلت: بل يحرصون بأن يجعلوا أهل الظاهر حجة لهم، لأن الباطن لا بد له من نسبة في الظاهر بالعكس، فلذلك قال بن العريف: كل باطن باطل، وجيده من الحقيقة عاطل (¬1)، انتهى وهو عجيب، فاعرف حقه، وبالله التوفيق. وأما شيخ التربية فيحتاج فيه إلى ثلاثة أمور: أحدها: معرفة النفوس وأحوالها الظاهرة والباطنة، وما يكتسب به كمالها ونقصها، وأسباب دوام ذلك وزواله على وجه من العلم والتجربة لا ينتقص ولا يختل في أصله، وغالب فرعه. الثاني: معرفة الوجود وتقلباته، وحكم الشرع والعادة فيما يجريان فيه نصا وتجربة، ومشاهدة وتحقيقا، وذوقا للأجسام الكثيفة، والأرواح اللطيفة، حتى يعامل كلا بما يليق به.

قسم V01/P148–V01/P153

الثالث: معرفة التصرف بذلك وتصريفه، بأن يضع كل شيء في محله على قدره ووجهه، من غير هوى ولا ميل لحظ، ولا يتم له ذلك إلا بورع صادق في تصرفه، ينتجه عدم رضاه عن نفسه، وزهد كامل نشأ عن حقيقة إيمانية تهديه لترك ما سوى الحق سبحانه، وتأدب كامل بمن صح أدبه، وقد قال أبو علي الثقفي (¬2) (ض): فلو أن رجلا جمع العلوم، وصحب طوائف الناس، فلا يقتدى به حتى يأخذ أدبه عن شيخ أو إمام. وقال الجنيد (ض): علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، فمن لم يسمع الحديث ويجالس الفقهاء، ويأخذ أدبه من المتأدبين، أفسد من اتبعه، وقال في حكم ابن عطاء الله (ض): لا تصحب من لا ينهضك حاله، ولا يدلك على الله مقاله، ربما كنت مسيئا فأراك الإحسان منك صحبتك إلى من هو أسوأ حالا منك انتهى، وإليه أشار بقوله: ولأن تصحب جاهلا لا يرضى عن نفسه خير لك من أن تصحب عالما يرضى عن نفسه. قال في التنوير: وليس يدل على فهم العبد كثرة علمه، ولا مداومته على ورده، إنما يدل على فهمه نوره وغناه بربه، وانحياشه إليه بقلبه، وتحرره من رقة الطمع، وتحليه بحلية الورع، فبذلك تحسن الأعمال وتزكو الأحوال، قال الله تعالى: {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها} (¬1) انتهى غرضنا من كلامه، فانظره إن شئت، وبالله التوفيق. وأما شيخ الترقية، فعلامته ثلاثا: أولها: أن رؤيته زيادة في العمل، ومنه قولهم: كنا إذا فترنا نظرنا إلى محمد بن واسع فعملنا عليه أسبوعا (¬2). الثاني: إن خطابه تنمية للحال، وإليه إشارة الشيخ أبي محمد عبد السلام بن مشيش (ض)، حيث يقول: لا تصحب من يؤثر نفسه عليك، فإنه لئيم، ولا من يؤثرك على نفسه، فإنه قل ما يدوم، واصحب من إذا ذكر ذكر الله، فالله يغني به إذا شهد، وينوب عنه إذا فقد، ذكره نور القلوب، ومشاهدته مفاتيح الغيوب انتهى، وهو عجيب. الثالث: إن مخالطته مثيرة للأنوار في بساط الكمال، فيرحم الله ابن عباد فيقول: في رجزه للحكم: إن التواخي فضله لا ينكر ... وإن خلا من شرطه لا يشكر والشرط فيه إن تواخى العارفا ... عن الحظوظ واللحوظ صارفا مقاله وحاله سيان ... ما دعوا إلا إلى الرحمن أنواره دائمة السراية ... تقيك وفد حفت بك الرعاية وقاصد الفاقد هذا الشرطا ... بصحبة يعقدها قد أخطا لكونه يرى بها محاسنه ... فنفسه ذات اغترار آمنة انتهى وهو جامع لمقاصد الشروط، وبالله سبحانه التوفيق. ... 46 - فصل في مستند المشيخة ودلالتها وتعرف آثارها ووجه إفادتها (¬1). أما شيخ التعليم فمستنده واضح، لأن لا علم إلا بتعلم، ولا تعلم إلا # من معلم، وقد تكفي دونه الكتب للحاذق الفهم، مع نقص في إدراكه وحظه، كما قيل: ولا بد من شيخ يريك شخوصها ... فتعرفها بالاسم والعين أقطع وإلا فنصفا العلم عندك حاصل ... ونصف إذا حاولته يتمنع وقد قال تعالى: {بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم} (¬1) الآية، وقال الغزالي في المنهاج ما معناه: إن الكتب كافية، ولكن الشيخ فاتح، والله أعلم. وأما شيخ التربية فدليله: {واتبع سبيل من أناب إلي} (¬2) وكان (ص) يربي أصحابه في دينهم ودنياهم على حسب ما يراه لهم، فأباح لقوم سرد الصوم، ومنع قوما منه، وتفقد فاطمة وعليا لقيام الليل، وعائشة تعترض بين يديه اعتراض الجنازة، وأسر إلى بعض أصحابه أذكارا، وأطلق بعضها في العموم، وكان يحدث حذيفة بالحوادث لاستعداده لقبولها، ولا يسرها لغيره، إلى غير ذلك مما يطول ذكره، ولا يخفى على متأمله، وقيل في قوله تعالى: {كونوا ربانيين} (¬3) علماء حكماء، قال ابن عباس: والرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره، ذكره البخاري (¬4)، وغيره.

قسم V01/P153–V01/P156

وأما شيخ الترقية فمستنده قول أنس (ض): ما نفضنا التراب عن أيدينا من دفنه (ص) حتى وجدنا النقص في قلوبنا (¬1)، فأفاد أن رؤية شخصه الكريم كان مفيدا لهم، فكذلك من له نسبة منه بطريق الوراثة العلمية، ومن ثم كان النظر إلى العالم عبادة (¬2)، وجاء في الخبر: إن لله عبادا من نظر إليهم نظرة سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا (¬3)، وفي الصحيح: "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (¬4) وما ذاك إلا لاختصاصهم برؤيته (ص) على القرب، ثم رؤية من رآه كذلك، فافهم، وقال الشيخ أبو العباس المرسى (¬5) (ض): إذا كانت السلحفاة تربي ولدها بالنظر فكيف بالعارف أو الولي، وقال شيخنا أبو العباس الحضرمي (ض): فهنيئا مريئا لمن ذاق أو ذاق # بعض ما ذاق أو رأى من ذاق، فقد قيل: المطر قريب عهد بربه (¬1) فيستحب البروز فيه، والتبرك عند نزول المطر، هكذا ذكر الشارع (ص) وهو مطر من السحاب، فما ظنك بالمؤمن العارف بالله، قلت: وهذا إذا كان نظره من حيث خصوصيته، لا من حيث، العموم، لأن الانتفاع بحسب النية على قدر الهمة، لا مجردا عن القصد، إذ أكمل كل عمل وتأمله بحسن النية فيه، فافهم. قال في لطائف المنن: وإنما يكون الاقتداء بشيخ دلك الله عليه، وأطلعك على ما أودعه من الخصوصية لديه، فطوى عنك شهود بشريته في وجود خصوصيته، فألقيت إليه القياد، فسلك بك سبيل الرشاد، يعرفك برعونات نفسك، وكمائنها ودفائنها، ويدلك على الجمع على الله، ويعلمك الفرار مما سوى الله، ويسايرك في طريقك حتى تصل إلى الله تعالى، يوقفك على إساءة نفسك، ويعرفك بإحسان الله إليك، فيفيدك معرفة إساءة نفسك الهرب منها، ويفيدك العلم بإحسان الله إليك الإقبال عليه والقيام بالشكر إليه، والدوام على ممر الساعات بين يديه (¬2). فإن قلت: فأين من هذا وصفه ولقد دللتني على أغرب من عنقاء مغرب، فاعلم أنه لا يعوزك وجود الدالين، ولكن قد يعوزك وجود الصدق في طلبهم، جد صدقا تجد مرشدا، وتجد ذلك في آيتين من كتاب الله تعالى: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه} (¬3) وقال سبحانه: {فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم} (¬4) فلو اضطررت إلى من يوصلك إلى الله تعالى اضطرار الظمآن إلى الماء البارد، والخائف للأمن _ لوجدت ذلك أقرب إليك من # وجود طلبك، ولو اضطررت إلى الله اضطرار الأم لولدها إذا فقدته لوجدت الله منك قريبا ولك مجيبا، ولوجدت الوصول غير متعذر عليك، ولتوجه الحق تعالى بتيسير ذلك إليك، قال ابن عباد رحمه الله تعالى: وفي كلامه تنبيه على أن الشيخ من منح الله تعالى وهداياه للعبد المريد إذا صدق في إرادته، وبذل في مناصحة مولاه جهد استطاعته، لا على ما قد يتوهمه من لا علم له، وعند ذلك يوفقه الله تعالى لاستعمال الأدب معه، لما أشهده من عالي مرتبته، ورفيع درجته انتهى، وهو حسن جدا، وبالله التوفيق، ومنه الهداية. 47 - فصل في العلامة التي يستدل بها المريد على حاله من الشيخ الذي قصده، أو فتح له به أنه ينتفع به. وهي سريان نورانية الشيخ في نورانيته، وانبساط حقيقته على عوالم ظلمته، فلا يبقى منه شيء إلا دخله منه محبة وإجلال، وأنس لا يصحبه إذلال، بل كلما ازداد بسطا تزايدت عظمته، وكلما ظهر بالجلال تأكدت محبته، ولا يزال به ذلك حتى ينتج له موافقته طوعا أو كرها، دون توقف ولا تردد، واحترامه على كل حال دون اعتلال، ولا أنس بعلم ولا عمل، ولا حال ولا طمع (¬1) ولا معاملة ولا غيرها، فقد قال الشيخ أبو مدين (ض): الشيخ من شهدت له ذاتك بالتقديم، وسرك بالتعظيم، الشيخ من هذبك بأخلاقه، وأدبك بأطرافه، وأنار باطنك بإشراقه، الشيخ من جمعك في حضوره، وحفظك في مغيبه (¬2).

قسم V01/P156–V01/P157

قال في لطائف المنن: وليس شيخك من سمعت منه، وإنما شيخك من أخذت عنه، وليس شيخك من واجهتك عباراته، وإنما شيخك الذي سرت فيك إشارته، وليس شيخك من دعاك إلى الباب، إنما شيخك من رفع بينك وبينه الحجاب، وليس شيخك من واجهك مقاله، إنما شيخك الذي نهض بك حاله، شيخك الذي أخرجك من سجن الهوى، ودخل بك على المولى، شيخك هو الذي ما زال يجلو مرآة قلبك حتى تجلت فيه أنوار ربك، نهض بك إلى الله فنهضت إليه، وسار بك حتى وصلت إليه، ولا زال محاذيا لك حتى ألقاك بين يديه، فزج بك في نور الحضرة، وقال: ها أنت وربك ... انتهى، وهو عجيب. ثم اعلم أن هذا الأمر قد يجده الشخص من شخص فينتفع به، ويجد منه غيره نقيضه فيتضرر به، وقد يجده الجمع الكبير، وقد لا يجده إلا الواحد والاثنان، فكما أن من أرباب الأصلاب من يكون عقيما في الولادة، مع توفر قواه، كذلك من أرباب الحقائق والأحوال من يوجد عقيما مع علو مقامه، فتمسك بمن تنتفع به، ودع ما وراء ذلك، ولا تنتقل عنه ولو رأيت من هو أعلى منه، فتحرم بركة الأول والثاني، ولذلك كان المشايخ يمنعون أصحابهم من صحبة غيرهم من المشايخ، بل من زيارتهم، فاعرف ذلك: خد ما تراه ودع شيئا تسمع (¬1) به ... في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل وقد قال في الحكم: العبارات قوت لعائلة المستمعين، وليس لك إلا ما أنت له آكل، أي: ما انتفعت به، لا ما انتفع به غيرك، وقال (ص): "من رزق من باب فليلزمه" (¬2). اللهم إلا أن يعترض حق شرعي يمنع من وجود الاقتداء، لضرر يلحقك # في نفسك أو يلحق غيرك في دينه ودنياه، فلك في التخلف وجه، وهو تحقيق المناط، والتمسك بما لا خفاء به من أمر الأول كما تقدم، وبالله التوفيق. 48 - فصل في أوصاف المدعين وحركاتهم وما يجري منهم وبسببهم. وهم أنواع كثيرة لا تكاد تنضبط بزمام، قد تقدم منها جملة، ونذكر هنا ما تيسر في ذلك، فمنهم من يدعي العلم بالسنة، ويتعلقون بالأحاديث الباطلة، ويحملون الناس على العمل بها، فتنقاد لهم النفوس لغربة ما أتوا به، وعظيم ما يسمعون من ثوابه مع خفته، وقد تكلم على ذلك جماعة من العلماء، حتى لقد قال القاضي أبو بكر بن العربي (ض): اعلموا رحمكم الله تعالى أن الله سلط على الخلق، لجهلهم بالحق، وحرصهم على الخير، قوما نالوا خدمة العلم وليسوا من أهله، فأدخلوا على النبي (ص) أحاديث ما أنزل الله بها من سلطان، وساقوها لهم في معرض الخير، وطريق الشر، ليلحقوهم بالأخسرين أعمالا، فكانوا بذلك من عباد الشيطان، لا من عباد الرحمن، فحذار أن يأخذ العامي إلا بما في كتب الإسلام الخمسة؛ البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي والموطأ (¬1) فإنه روحها وتاجها، ذكره في العارضة والسراج.

قسم V01/P157–V01/P160

ومنهم قوم يدعون مقامات الرجال، وهم خلو من العلم والعمل والحال، وإليهم يشير الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمه الله حيث قال: عشرة وأي عشرة فاحتفظ بها: إذا رأيت رجلا يدعي حالة مع الله تخرجه عن أمر الشرع فلا تقربن منه، وإذا رأيت رجلا يركن إلى غير أبناء جنسه فلا تقربن # منه، وإذا رأيت رجلا يسكن إلى الرئاسة والتعظيم فلا تقربن منه، ولا ترجو فلاحه، وإذا رأيت فقيرا عاد إلى الدنيا فلو مت جوعا فلا تقربن منه، ولا تركن إلى رفقه فإن رفقه يقسي قلبك أربعين صباحا، وإذا رأيت رجلا يستغني بعلمه فلا تأمنن جهله، وإذا رأيت رجلا يرضى عن نفسه ويسكن إلى وقته فاتهمه واحذره أشد الحذر، وإذا رأيت مريدا يسمع القصائد ويميل إلى المراثة (¬1) فلا ترجون فلاحه، وإذا رأيت فقيرا لا يحضر عند السماع، يعني سماع ما يلقى إليه، فاعلم أنه حرم بركات ذلك بتشتيت باطنه، وتبديل فهمه، وقد قال في الحكم: رب عبر عن المقام من استشرف عليه، وربما عبر عنه من وصل إليه، وذلك ملتبس إلا على صاحب بصيرة، فالكلام لا يدل على وجود المقام، لكن لكل شيء علامة ودليل. قال في الحكم: من أذن له في التعبير فهمت في مسامع الخلق عبارته، وحببت إليهم إشارته، وقال أيضا: ربما برزت الحقائق مكسوفة الأنوار، إذا لم يؤذن لك فيها بالإظهار، وقال الشيخ أبو العباس المرسي (ض): كلام المأذون له يخرج وعليه حلاوة وطلاوة، وكلام غير المأذون له يخرج وعليه كسفة، حتى أن الرجلين يتكلمان بالحقيقة الواحدة فيتقبل من أحدهما وترد من الآخر، قلت: وربما ظهر ذلك من الشخص الواحد، فتقبل منه في محل وترد عليه في غيره، ومن علامة المدعي عدم انبساطه بزمام الحق وشواهد الحقيقة، فتجده تارة يدعي العلم، وتارة يدعي العمل، وتارة يدعي أنه من أهل الكرامات، وتارة يستظهر بأوصاف الأحوال، وقد يلتزم حالة واحدة لا ينتقل عنها، والصادق تختلف حركاته ولا يختلف قصده، ولا يختل أصله، بل ترد كل شيء منه لأصل واحد فينتظم، سواء في باب العلم أو العمل أو الحال، لأن الحق واحد وطرقه متعددة، والباطل متراجع كله، فافهم. قالوا: والمرائي يدوم على حالة واحدة أربعين سنة والصادق يتقلب في الساعة الواحدة أربعين مرة، مع لزومه العلم والأدب في كل ذلك. ما كل من زار الحمى سمع الندا ... من أهله أهلا بذاك الزائر وقد قال سهل بن عبد الله (ض): احذر صحبة ثلاثة أصناف من الناس: الجبابرة الغافلين، والقراء المداهنين، والمتصوفة الجاهلين، انتهى، وهو من أجمع الوصايا وأنفعها وأتمها وأحسنها في بابه، وبالله سبحانه التوفيق. ... 49 - فصل في الاعتقاد والانتقاد وطرق الناس فيه (¬1). قال الجنيد (ض): الإيمان بطريقنا هذا ولاية، قال ابن عطاء الله (ض): وذلك لأن الإيمان بالفتح لا يكون إلا بالفتح، وقال بعض الصالحين المتأخرين: الاعتقاد ولاية والاعتراض جناية، فإن عرفت فاتبع، وإن جهلت فسلم، وكان بعض المشايخ (ض) يقول: اعتقد (¬2) ولا تنتقد ولا تطمئن لأحد، وقد قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي (ض): أكرم المؤمنين ولو كانوا عصاة فاسقين، وأقم عليهم الحدود واهجرهم رحمة بهم لا تعززا عليهم، ولا تقتد بمن يتورع مما تناله أيد المؤمنين ولا يتورع مما مسته أيد الكافرين، وقد علم ما نال الحجر من أيد المشركين فاسود لذلك (¬3) وقد تقدم قول عائشة رضي الله عنها: إذا أعجبك عمل رجل فقل: {اعملوا} # إلى آخره، وقال في الحكم: إذا رأيت عبدا أقامه الله بوجود الأوراد، وأدامه عليها مع طول الإمداد، فلا تستحقرن ما منحه الله، لأنك لم تر عليه سيما العارفين ولا بهجة المحبين، فلولا وارد ما كان ورد.

قسم V01/P160–V01/P163

قلت: بل لولا وارد ما كان انتساب ولو كان صاحبه كاذبا، لأن وجود انتسابه شاهد لتعظيمه للجناب الذي انتسب إليه في نظره، ولذلك ما تعرض أحد قط لمنتسب لله بهوى إلا أصابه منه ضرر، (لأن الحق سبحانه يغار لهتك جنابه، إلا بأمر منه فإذا وقع المنتسب) (¬1) في أمر فيه حق من حقوق الله أقيم عليه الحد، وحفظت حرمته في نسبته، لحديث: "لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله" (¬2) الحديث، وقد ورد في الخبر: "خصلتان ليس فوقهما شيء من الشر، سوء الظن بالله، وسوء الظن بعباد الله؛ وخصلتان ليس فوقهما شيء من الخير، حسن الظن بالله، وحسن الظن بعباد الله" (¬3) ومما أنشد بعض المجاذيب في حكاية ذكرت عنه، وقد كان خاملا فيما قبلها، فاشتهر لذلك: ستبدو لك الأسرار بعد اكتتامها ... كأن الذي قد صانها عنك يخبر # فسلم لهم فالقوم أهل عناية ... وخاملهم في الوصف لا يتحقر (¬1) وإن كنت يا هذا بهم متمسكا ... فتبقى بطول الدهر لا تتغير (قلت: وذلك انبساط حرمة الله عليهم، وحرمة الجناب إذا انبسطت لم تتوقف على من واجهته، بل تتعدى لكل من له منه نسبة والله أعلم (¬2)، وبالجملة، فالاعتقاد خير كله، والانتقاد شر كله (¬3)، والاغترار أصل كل غواية، والحذر أصل كل هداية، رقد جاء في الحديث ما يؤيد هذه الجملة مفرقا، غير أن مذهب الفقهاء تقديم سوء الظن للحذر، حتى يتحقق الرافع، ومذهب الصوفية تقديم حسن الظن، عملا بسلامة الصدر، حتى يتحقق الرافع، والحذر عند كل منهما واجب، لقوله (ص): "الحزم سوء الظن" (¬4)، و"المؤمن كيس فطن حذر" (¬5)، الحديث، وإذا كان الله حذر المؤمنين من بعض أزواجهم وأولادهم فكيف بغيرهم، فالحذر شأن ذوي العزم، لكن مع # سلامة الصدر، وطلاقة الوجه، واستعمال المعروف بغاية الجهد، كما ورد معناه في الأخبار، فاعرف ذلك. ثم المنكر بحق كالمصدق بحق، لأن كلا منهما مستند لحق، هو ما أداه إليه اجتهاده الذي لا يجوز له تعديه، فلذلك قال الشيخ أبو العباس الحضرمي (ض) بعد كلام ذكره في الحقائق: والجاحد لمن يوحى إليه شيء من هذا الكلام وما يفهمه هو معذور، مسلم له حاله، من باب الضعف والتفصير والسلامة، وهو مؤمن إيمان الخائفين، ومن يفهم شيئا من ذلك فهو لقوة إيمان معه، واتساع دائرة، ومشهده مشهد واسع، سواء كان معه نور أو ظلمة، بحسب ما في الودائع الموضوعة، على أي نوع كان، انتهى. قالوا: وما مثال الفقيه إلا كبواب الملك، والصوفي المحقق صاحب سره، فإذا حدث الصوفي عن خبايا بيت الملك، نادى عليه الفقيه إنما أنت سارق أو كذاب أو متجاسر، فإن أتى بأمارة من الملك، وإلا فحجة البواب عليه قائمة، وإنكاره صحيح، فمن ثم صح إنكار الفقيه على الصوفي، ولم يصح إنكار الصوفي عليه، فاعرف ذلك، ثم لا أعظم جهلا ممن يجعل سر الحق سبحانه موقوفا على زمان أو عين أو جهة، فتثبت الخصوصية في الجملة وينكرها في الأعيان، أو يثبتها للماضين وينكرها في الزمان، أو يثبتها في الزمان وينفيها في الأشخاص، قياما مع وجود وهمه الذي سد عليه باب فهمه، وهذا الأخير هو الغالب على الناس في هذه الأزمنة، لبعدهم عن الأفهام، وتعلقهم بالأوهام، فافهم. ثم أعظم منه جهلا من يغتر بكل من يراه، ويتبع كل معتقد ويعتمده في دينه قبل اختبار مرتبته من الدين، أو يطرح اعتقاده بما يظهر له من موانع الاقتداء، فإن لكل شيء وجها، وقد قال رسول الله (ص): "في كل واد من قلب ابن آدم شعبة فمن تتبع قلبه تلك الشعاب لم يبال الله في أي واد أهلكه" (¬1) # الحديث، فعليكم باتباع الجادة واعتقاد أهل السنة والتسليم للسادة واحترام القادة، أعني حملة الشريعة وأهل العلم والديانة من غير غض ولا اغترار، وبالله التوفيق. ... 50 - فصل في أنواع المعتقدة ووجوه الاعتقاد وهم أنواع كثيرة لا يكاد يحاط بها لكثرتهم، لكن أمهاتها خمس:

قسم V01/P163–V01/P165

أحدها: طائفة اعتقدت وجود الخصوصية وثبوتها في الجملة، ولم تتعرض لنفي ولا لإثبات (¬1) لا في زمانهم ولا فيما تقدمهم، بل إذا ذكر الصالحون ومن في معناهم قالوا: نفعنا الله بهم وأعاد علينا من بركاتهم، وإذا ذكر الواحد بعينه قالوا: نفعنا الله بالصالحين، وهذه الطائفة سالمة إلا أنها ناقصة يضيق عطنها (¬2)، عن فهم الاختصاص في الآحاد والأشخاص، ولو لم يكن من نقصهم إلا حرمانهم من رؤية بعض أهل الاختصاص والدخول في حزبهم بوجود الموالاة. الثانية: طائفة اعتقدت وجود الخصوصية واختصاصها ببعض الأزمنة دون بعض، فإذا ذكر المتقدون قالوا: نفعنا الله بهم، وهكذا كان الناس يفعلون، وإذا ذكر أكبر أهل الوقت وأوفاهم حالا وعملا، قالوا: ما رأينا شيئا، هيهات، أين الناس؟ وهم أنقص حالا من الذين من قبلهم، لتخصيصهم الزمان وما علموا أن رب الأولين والآخرين واحد، و"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق" (¬3) إلى غير ذلك مما ينادي عليهم بالجهل والحرمان، والله أعلم. الثالثة: طائفة اعتقدت الاختصاص ببعض الجهات، فإذا ذكر صلحاء المغرب مثلا لم يقبلوا شيئا من أحوالهم، وإذا ذكر صلحاء المشرق، قالوا: نعم، أولئك هم الناس، من شأنهم كذا ومن شأنهم كذا، وبالعكس، وهذا لا تجده إلا في أهل كل جهة ينكرون من معهم ويعتقدون الغائب عنهم، لوجود الألفة بهذا، واستغراب هذا، وهو من قوة دائرة الوهم، وقد تكون من كون العصبية في النفس (¬1)، مما هو شأن أولاد المرابطين وذريتهم، والله أعلم. الرابعة: طائفة اعتقدت الاختصاص ببعض الصفات والأعمال، وأعظمهم في ذلك جماعة اعتقدت وجود العصمة في الولاية (¬2) فاطرحوا كل من رأوه موصوما بوصف البشرية، أو من وقع في أمر ربما يتنقص به حاله من مكروه أو شبهة، فحرموا بذلك من بركات ما عاينوه من السادة. وطائفة على العكس من هذا، اعتقدوا الإباحة للولي في كل ما يتناوله أو يأتيه، حتى لو رأوه على محرم ما أنكروا عليه، وربما دخل عليهم فيه بعض الناس، فكان ضالا مضلا، وهو فيما وقع فيه إما عاص إن وقع مرة بحسب غلبة الشهوة والقدر الجاري، أو فاسق إن تكرر منه ذلك ودام مع الإصرار، وذلك ينفي الولاية، أو صاحب حال يسلم له ولا يقتدى به، ويطلب منه حق الله، ولا يهزأ به، أو محكوم له بحكم المجانين في ظاهره، بحيث تسقط عنه الأحكام، ويعتنى به لما قام بقلبه. فقد قال بعض المحققين: ما زال يختلج في نظري أن المجذوب فاقد عقل التكليف، فكيف تنسب له الولاية، حتى فتح الله سبحانه: بأن العقل الذي ناط به الشرع التكليف، هو عقل تدبير المعاش، فإذا فقد عاد الإنسان كالبهيمة في العالم، يعرف مصالح جسمه الحالية دون غيرها، فصار له # حكمها في سقوط الاعتبار، إلا أن العقل إن فقد بخيالات وهمية كان صاحبه مطرحا ظاهرا وباطنا، وإن فقد بحقيقة إلهية كان له حكمها، فيعظم صاحبها من حيث أنه صار محلا لمعنى شريف، ولأن تلفه كان في الله، فتعين تعظيمه لله تعالى كما تقدم (¬1). وقد قال رسول الله (ص) للمجنونة التي سألته الدعاء: "إن شئت صبرت ولك الجنة" (¬2) مع أنها اشتكت الانكشاف، فافهم. ويعرف حال المجذوب من المجنون بإشارتهما، فكل من أشار إلى حقيقة مجموعة فهو مجذوب، وإن كانت صورتها أجنبية عن مقصده، ومن تفرقت إشارته، فهو مجنون، {ولتعرفنهم في لحن القول} (¬3) فافهم الإشارة.

قسم V01/P165–V01/P168

واعلم أن ما يقع ممن له بقية من عقله ممن ثبتت له الخصوصية في نظر معتقده، لا يخلو إما أن يكون مما لا يباح بوجه، كاللواط والزنى بالمعينة وشرب الخمر إدمانا، ونحو ذلك، فهذا لا يصح تأويله، وهو فيه إما عاص غير فاسق إن وقع مرة، أو فاسق إن أصر عليه، وذلك لا يصرفه عن مرتبته إلا في الحال، لحديث: "لا يزني الزاني وهو مؤمن" (¬4) أي: كامل الإيمان، وفيما بعد ذلك تعود حرمته بتوبته، فإن "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" (¬5)، أن # يباح بوجه ما، وذلك مما يحسن فيه التأويل على فاعله المعتقد بأن يكون إنما فعله لوجهه المباح، كأخذ مال من شخص، لاحتمال استحقاقه، وضربه لاحتمال وجوبه عليه، وقتله لاحتمال تعلقه عليه، هذا كله مع إقامة الحق الشرعي علميه، فلا يريبنك (¬1) الحق عن الاعتقاد ولا بالعكس، لأن كلا منهما حق، وأصل ما ذكرنا في ذلك مأخوذ من قصة الخضر وموسى عليهما السلام (¬2) وقد نبه عليه ابن عباد في رسالته الكبرى، فانظره. الخامسة: طائفة وقفت مع الصور دون الحقائق، فاعتقدوا أصحاب النواميس وكثرة الأعمال، وأصحاب الأحوال المستغربة من الأقوال المزخرفة، والأعمال المحرفة، التي بعضها ضلال، وبعضها محال، لكنهم قد يقعون على بعض من وافق ظاهره باطنه، وقليل ما هم، لا سيما في هذه الأزمنة التي غلب فيها إفراد الوجه (¬3) فلا تكاد تجد صاحب ظاهر إلا خلا عن الباطن، ولا صاحب باطن إلا ناقصا في الظاهر، فإنه لا يلزم من العلم العمل، ولا من الحال بلوغ الأمل، وقل أن تظهر حالة على صادق في نهايته، بل في بدايته لغلبتها عليه، فلذلك تجد غالب الناس يعتقد المريدين والمبتدئين دون المشايخ، ولو كان العلم ضامنا للعمل ما ضل إبليس بعد علمه بالصراط المستقيم الذي هو الشكر، حتى قعد عليه، فقال: {ولا تجد أكثرهم شاكرين} (¬4) بعد قوله: {لأقعدن لهم صراطك المستقيم} (¬5) وفي قصة بلعام وبرصيص وغيرهما (¬6) ما ينبه على ذلك، بل يصرح به، # فاعرف هذه الجملة حقها، واعتقد الخير في الكل مع اتباع الشرع في الكل، تجد السلامة مع الكل، وبالله التوفيق. ... 51 - فصل فيما يصنع من ادعيت له المشيحة وليس بأهل لها، ويخاف على من تعلق به أن يهلك في اتباع الجهلة، أو يتبطل جملة، لظنهم توقف الأمر على الشيخ مع اعتقادهم فقد هذه المرتبة، وهو مما عمت به البلوى في هذه الأزمنة. اعلم أن كل من اعتقد جهة رأى مشيختها، وظن أنها توصله، فيتعين على من اعتقد له ذلك، ولم ير نفسه أهلا لذلك، ولم يجد محيصا عنه، خمسة أمور: أولها: أن يبين لمن تعلق به حال نفسه، وأنه ليس بشخ ولا يصلح للمشيخة، ويظهر له دلائل ذلك من نفسه بما يسلمه ولا يرده حسب إمكانه (¬1) ويدله على من يصلح لذلك إن علمه ممكنا له، فإن أبى دخل معه على الأخوة الخاصة التي تقتضي وجود النصح بغاية الوسع وإسقاط الحق والكلفة، ويعامله بذلك، ويدعه وما اعتقد من مشيخة أو غيرها، لينتفع باعتقاده ويستريح معه في أخوته، فإنه متى نزل لاعتقاد المساواة لم ينتفع به، كما أنه إذا اعتقد الآخر وجود المشيحة تعدى في التصرف، فافهم. الثاني: تزله منزلة نفسه في الشفقة على دينه ودنياه، فلا يتركه لتساهل في الدين ولا لتضييق على النفس، ولا لتوسيع عليها، ولا لمخل بمروءة، ولا لتضييع في دنيا، ولا لإضرار في الحال، بل يكون مرآة له، يريه حسنه من سيئه، ليحمد الله تعالى على الحسن ويجد فيه، ويأنس به، ويستغفر من # سيئه، ويتبرأ من فعله، ويعمل بما يصلح له، ويعينه في ذلك بما أمكنه من مال أو جاه، أو حال أو دعاء، أو نصيحة، أو علم أو عمل، أو حركة أو همة، أو غير ذلك، لأنه قد باع نفسه منه، فوجب حقه عليه، ولا خير في صحبة من لا يرى لك (مثل الذي ترى له) (¬1).

قسم V01/P168–V01/P170

الثالث: أن يرفع عنه كلفته بغاية جهده، بل يرفع عنه ما استطاع من الأمور اللازمة له، حسب إمكانه، فلا يكلفه بما يطيق، لأنه مشغل له عما هو أولى به، ولا بما لا يطيق إلا ألا يجد عنه مندوحة، ولا بما يحار فيه لأنه مشوش له، وهو إنما قصد لتفريغ قلبه من مشغلات الوقت، فمن شغله فقد جار عليه، إلا فيما يكون صارفا له عما هو به من تشتيت ونحوه، فافهم. الرابع: أن يتتبع جميع حركاته وسكناته بالنظر والبحث، تارة بسؤاله عن حاله، وتارة بالتفظن لدقيق حركاته، وتارة بالالتفات لتقلب حالاته، فلا يسمح له في شيء يخاف عليه عاقبته في دين ولا دنيا، ولا يناقشه فيما لا يتعلق به أدب من حقوقه، ولا يتم له ذلك إلا بمصافاة لا يكتم معها سرا، ولا يعصي معها أمرا، فيجب للتابع عليه كتمان سره حتى عن زواره، وإيثاره عن غيره. قيل لبعضهم: من نصحب؟ قال: من يعلم منك ما يعلمه الله منك (¬2) ويسترك كما يسترك الله، ويأمرك كما يأمرك الله، وينهاك كما ينهاك الله، فهو ينهاك ولا يقطع عنك إحسانه، ويأمرك ولا يعاجلك بالعقوبة إن خالفت، بل يرشدك ويمهلك ويعدك ولا يهملك، فاعرف ذلك وتأمله. الخامس: أن يسلك بك طريق الجادة، بأن يقرر فيه شروط التوبة، ويأمره بعلم حاله، وملازمة التقوى في حركاته وسكناته، وينبهه على مواقعها من نفسه، وآكد ما يجب منها عليه ليتمسك به، ويأخذه بما تحتمله قواه من # الاستقامة، التي هي طريق السنة والجماعة في باب التحلي والتخلي، ويعرفه أنه في ذلك معه على لسان العلم في ذلك كله، لا على لسان التربية، وعلى طريق الأخوة لا على وجه المشيحة، ليبرأ من عهدة الدعوى، وتنتفي عنه العزة، ويتوسع صاحبه في الأدب، ويتأدب مع من يلقى بأكثر من غيره، وهو في ذلك كله يعتقد أنه متطيب لا طبيب، ومتشيخ لا شيخ، ومتعلم لا معلم، ومعين لا مفيد، وهذه صورة المشيخة، وقد تسمى به من حيث اصطلاح الوقت والحال فلا تضر، لأنها كما قال سيدي محمد بن عباد (¬1) في هذا المعنى وأجاد: مريدك والزمان وأنت شيخ ... قريب من قريب في قريب رزقنا الله القيام بحقوق الإخوان، وعافانا من كل جرم وهذيان، بمنه وكرمه. ... 52 - فصل في بيان طريق الجادة وما احتوت عليه من فائدة ومادة وطريق الجادة هو الذي لا ينكره ظاهر، ولا يستغني عنه باطن، يفتقر إليه المبتدئ في بدايته، ولا بد للمنتهي منه في نهايته، ومداره على أربعة أمور: أولها: تصحيح التوبة بإقامة شروطها الثلاثة، التي هي الندم على ما فات، والإقلاع في الحال، والنية أن لا يعود، وتحصيل فرائضها الأربع، التي هي رد المظالم، وقضاء الفوائت، واجتناب المحارم، وتعميم القصد. وكمالاتها الست التي هي: مصاحبة العلم، وملازمة العمل، وصدق التوجه، ودوام اللجا، واتهام النفس، وشدة الحذر. وقد قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي (ض): ليكن همك ثلاثا: التوبة والتقوى والحذر، وقوها بثلاث: الذكر والاستغفار والصمت عبودية لله، وحصن هذه الستة بأربع: الحب والرضى والزهد والتوكل، وإذا فاتتك التقوى في الاستقامة فلا يفوتنك في التوبة والإنابة انتهى، وهو عجيب جامع لأصول التوجه فاعرف حقه. الثاني: تحقيق التقوى باتباع الأوامر والانكفاف عن الزواجر، وهو معنى اجتناب المحارم المذكور في التوبة، فبين التقوى والتوبة تداخل، غير أن منتهاها مبتداه، ومنتهاه (¬1) ترك ما لا بأس به حذرا مما به البأس، بل ترك ما يحيك في الصدر، لقوله (ص): "الإثم حزاز القلوب" (¬2) ولا يبلغ الرجل درجة المتقين حتى يدع ما حاك في الصدر، وقال (ص): "التقوى هاهنا" (¬3) وأشار إلى صدره، وحاصل هذا الباب ترك المحرمات المشهورة المتفق عليها، والتحفظ في ذلك حتى تنطع به النفس، ثم الاعتناء بترك الشبهات حتى لا يقبلها القلب، تم التبرؤ من مواقع الاشتباه بالإمكان، وهي درجة الورع، رزقنا الله ذلك بمنه وكرمه. الثالث: وجود الاستقامة في جميع الأحوال باتباع السنة دون تأول ولا ترخص، ولا تشديد يخرج عن الحق، بل بإقامة الحقوق، والإعراض عن كل مخلوق، ومدار ذلك على أربعة أمور:

قسم V01/P170–V01/P174

ضبط الأوقات، والتحرر من الآفات، والتحصن من التقلبات، والتأدب مع الحالات. فضبط الأوقات بمراعاة كل ما يليق به (¬1) وقد قال (ص): "إن مما في صحف إبراهيم: وعلى العاقل أن تكون له أربع ساعات؛ ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلي فيها بين نفسه وبين شهواتها المباحة، وساعة يفضي فيها إلى إخوانه الذين يبصرونه بعيوبه ويدلونه على ربه" (¬2). قلت: فساعة المناجاة من السحر إلى طلوع الشمس، وساعة المحاسبة من العصر إلى المغرب، وساعة الإخوان ساعة الفراغ من الضروريات، وأحسنها بعد الظهر، فإن عدم شرطهم فكتاب يقوم مقامهم، وما عدى ذلك فللأمور المباحة، هذا ما دلت عليه السنة، والله أعلم. والتحرز من الآفات بمراقبة الحركات والسكنات، إذ لكل وقت سهم من العبودية، يقتضيه الحق منك بحكم الربوبية، وهو أربعة لا خامس لها. قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي (ض): العاقل من عقل عن الله ما أراد به ومنه شرعا، والذي يريد الله تعالى بالعبد أربعة أشياء: إما نعمة، أو بلية، أو طاعة، أو معصية، فإذا كنت في النعمة فالله تعالى يقتضي منك الشكر شرعا، (وإذا أراد الله بك البلية فالله تعالى يقتضي منك الصبر شرعا) (¬1)، وإذا أراد الله بك الطاعة فالله تعالى يقتضي منك شهود المنة شرعا، ورؤية التوفيق شرعا، وإذا أراد الله منك معصية فالله تعالى يقتضي منك التوبة والإنابة شرعا، فمن فعل ذلك فهو عبد على الحقيقة، بدليل قوله (ص): "من أعطي فشكر، وابتلي فصبر، وظلم فغفر، وظلم فاستغفر"، ثم سكت، قالوا: ماذا له يا رسول الله؟ قال: "أولائك لهم الأمن وهم مهتدون" (¬2). قال سيدي أبو العباس المرسي (ض): أولئك لهم الأمن في الآخرة، وهم مهتدون في الدنيا (¬3). قلت: وهذه المعاملات لا تصح إلا بقلب حاضر للحركات، أو متيقظ للوقائع بعد النزول، فاعرف ذلك فإنه مهم. والتحصن من التقلبات إنما هو بتبعيد القلب عن المألوفات، وهي أربعة: الشبع، والنوم، والكلام، والخلطة. قال ابن القسطلاني (¬4) (ض) ناقلا عن أحمد بن عاصم الأنطاكي (¬5) (ض): أعداؤك أربعة: الدنيا، وسلاحها لقاء الخلق، وسجنها العزلة، والنفس، وسلاحها النوم، وسجنها السهر، والشيطان، وسلاحه # الشبع، وسجنه الجوع، والهوى، وسلاحه الكلام، وسجنه الصمت. قلت: وفي كل هذه آفات لا ينتبه لها إلا حازم يعامل كل شيء على قدر الحاجة إليه، فلا يفرط ولا يفرط، لأن الإفراط مضر كالتفريط، والخير كله في التوسط، فيتعين العمل عليه، وذلك بأن يكون كل واحد أهم، لا أنه ينفرد لمقابله، لأن آفة الترك كالفعل، ومن كان الجوع أهم إليه من الشبع، لم يأكل فوق ما يكفيه، ومن كان السهر أهم إليه من النوم، لم ينم فوق ما يحتاج إليه، ومن كان الصمت أهم إليه من الكلام، لم يتكلم فيما لا يعنيه، ومن كانت الخلوة أهم عليه من الجلوة، تفرغ لما يريده، ومن لم تكن هذه من همته، فقل أن يصلح حاله، وإن صلح فلا يدوم، وإن دام فلا يجد له أثرا، فقد قال بعض السادة: من يكثر الأكل، لا يجد للطاعة لذة، ومن يكثر النوم، لا يجد للعمر بركة، ومن يطلب رضى الناس، فلا ينتظر رضى الله، ومن يكثر الكلام بفضول أو غيبة، فلا يخرج من الدنيا على الإسلام (¬1). والتأدب في الحالات جار بحسبها، وأهم ما في ذلك قد جمعه الشيخ أبو الحسن الشاذلي (ض) حيث قال: أربعة آداب إذا خلا الفقير المتجرد عنها، فاجعله والتراب سواء: الرحمة للأصاغر والحرمة للأكابر، والإنصاف من النفس، وترك الإنصاف لها. وأربعة آداب إذا خلا الفقير المتسبب عنها فلا تعبأن به، وإن كان أحدهم أعلم البرية؛ مجانبة الظلمة، وإيثار أهل الآخرة، ومواساة ذوي الفاقة، ومواظبة الخمس في الجماعة. وقال (ض): أوصاني حبيبي (¬2) فقال: لا تنقل قدميك إلا حيث ترجو ثواب الله، ولا تجلس إلا حيث تأمن غالبا من معصية الله، ولا تصحب إلا من تستعين به على طاعة الله، ولا تصطفي لنفسك إلا من تزداد به يقينا، وقليل ما هم.

قسم V01/P174–V01/P176

قال بعض المشايخ يوصي بعض إخوانه: عليك بالذكر عند البسط، وبالفكر عند القبض، وبالحمد على كل حال، ووردك لا تغفل عنه، إن فاتك بالليل أخلفه بالنهار، وإن سافرت فاجعل وردك في الذكر، أو اتركه على حاله، ولا تغفل عن طلب العلم، فبه يصعد السعيد إلى المراتب العلية، وبالعمل يثبتون عليها، وقد صح أن العلم يفيد الكمالات، كما أن العمل الصالح يحفظها، والزمان الذي يتوسط لك بين أوقات الواجبات تصرفه في العمل الصالح على أي وجه كان، واجعل أكثره في طلب العلم، وصل صلواتك الخمس في جامع الخطبة، ولا تعاشر أحدا قبل إخوانك، واهجر منهم من أهمل الأدب، حتى يستغفر الله عز وجل، وعليك باحترام كل مسلم، ولا تسمح في قليل المنكر ولا كثيره، وأقل من البسط فإنه يجذب السالك إلى خلف، ويخرب على الواصل نظام كماله الأول، والله يديم تناولكم العافية في الدنيا والآخرة بمنه وكرمه، والسلام. الرابع: رفع الهمة عن الخلائق، وإشخاص القلب للحقائق. ومقدمة ذلك: بصيرة نافذة وأنوار متزايدة نشأت، عن بصيرة مستقيمة، وآداب سليمة، وقد سئل الجنيد (ض): كيف السبيل إلى الانقطاع إلى الله تعالى؟ قال: بتوبة تزيل الإصرار، وخوف يزيل التسويف، ورجاء يبعث السالك على العمل، وإهانة النفس بقربها من الأجل، وبعدها من الأمل، قيل له: فبماذا يصل العبد إلى هذا؟ قال: بقلب مفرد، فيه توحيد مجرد. وقال الشيخ أبو الحسن (ض): عمى البصيرة في ثلاثة أشياء: إرسال الجوارح في معاصي الله، والتصنع بطاعة الله، والطمع في الخلق، فمن ادعى البصيرة مع واحدة من هذه فقلبه هدف لظنون النفس ووسواس الشيطان، وقال (ض) اجعل التقوى وطنا، ولا يضرك مرح النفس ما لم تصر على الذنب، أو ترضى بالعيب، أو تسقط منك الخشية بالغيب. وقال أيضا (ض): من فارق المعاصي في ظاهره، ونبذ حب الدنيا من باطنه، ولزم حفظ جوارحه، ومراعاة سره، أتته الزوائد من ربه، ووكل به حارس يحرسه من عنده، وجمعه في سره، وأخذ الله بيده خفضا ورفعا في جميع أموره، قال: والزوائد زوائد العلم واليقين والمعرفة. وقال (ض): سمعت قائلا يقول: ما صبر من أفشى (¬1) ولا سلم من تكلف، ولا رضي من سأل، ولا فوض من دبر، ولا توكل من دعا، وهي خمس، وما أحوجك لهذه الخمس أن تموت عليها، وقل: {ربي إني لما أنزلت إلي من خير فقير} (¬2) فزدني من فضلك وإحسانك، واجعلني من الشاكرين لنعمائك. وقال (ض): رأيت الصديق في المنام، وقال لي: تدري ما علامة خروج حب الدنيا من القلب، قلت: لا، قال؛ بذلها عند الوجد، ووجود الراحة عند الفقد، وقال (ض) يحكي عن أستاذه (¬3) رحمه الله في قوله (ص): "يسروا ولا تعسروا، وسكنوا ولا تنفروا" (¬4) أنه يعني: دلوهم على الله ولا تدلوهم على غيره، فإن من دلك على الدنيا، فقد غشك، ومن دلك على العمل، فقد أتعبك، ومن دلك على الله فقد نصحك، وفي الخبر: ليس الزهد بتحريم الحلال، ولا بإضاعة المال، إنما الزهد أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك. وقال الشيخ أبو الحسن (ض): قف بباب واحد لا لتفتح لك الأبواب، تفتح لك الأبواب، واخضع لسيد واحد لا لتخضع لك الرقاب، تخضع لك الرقاب، قال الله تعالى: {وإن من شيء إلا عندنا خزائنه} (¬5). وقال أيضا (ض): يئست من نفع نفسي لنفسي، فكيف، لا أيأس من نفع غيري لنفسي، ورجوت الله لغيري، فكيف لا أرجوه لنفسي، وسئل عن الكيمياء (¬6) فقال: اقطع طمعك من الله أن يعطيك غير ما قسم لك، # ومن الخلق أن ينفعوك أو يضروك، وقال (ض): من طلب الحمد من الناس بترك الأخذ من الناس، فإنما يعبد نفسه والناس، وليس من الله في شيء، وقال أيضا: لأن يغنيك الله عن الدنيا خير لك من أن يغنيك بها، فوالله ما استغنى بها أحد قط، وكيف يستغنى بها بعد قوله تعالى: {قل متاع الدنيا قليل} (¬1).

قسم V01/P176–V01/P179

وقال: كل شهوة تدعوك إلى الرغبة في مثلها، فهي عدة الشيطان وسلاحه، وكل شهوة تدعوك إلى طاعة الله والرغبة في سبيل الخيرات، فهي محمودة، وقال (ض): أشقى الناس من يحب أن يعامله الناس بكل ما يريد، وهو لا يجد من نفسه بعض ما يريد، فطالب نفسك بإكرامهم، ولا تطالبهم بإكرامهم لك، {لا تكلف إلا نفسك} (¬2). وقال (ض): أوصاني أستاذي رحمه الله فقال: الله الله والناس، نزه لسانك عنهم، وقلبك عن التماثيل من قبلهم، وعليك بحفظ الجوارح وأداء الفرائض، وقد تمت ولاية الله عندك، فلا تذكرهم إلا بواجب حق الله عليك، وقد تم ورعك، وقل: اللهم أرحني من ذكرهم، ومن العوارض من قبلهم، ونجني من شرهم، واغنني بخيرك عن خيرهم، وتولني بالخصوصية من بينهم، إنك على كل شيء قدير انتهى، وهو عجيب، وكذا كل ما قبله، وهي جملة جامعة لوجوه الآداب وأصول التحقق في رفع الهمة، فتمسك بها حتى يأتيك الفتح من الله مجردا عن الوسائط، أو بواسطة ولي من أوليائه، وهو أتم لمن قضي له به، وبالله سبحانه التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ... 53 - فصل فيما يستعان به على سلوك طريق الجادة من العلوم والقواعد والكتب المفيدة اعلم أن أصول القوم دائرة على قواعد أربع: أحدها: اتباع السنة بالأدب، وهي داخلة في العقود والقصود والأقوال والأفعال، والظواهر والبواطن، وتحقيق ذلك من كتب التوحيد بتحرير الاعتقاد وتأييده، وكتب الفقه بتحقيق المناط وتحريره، وذلك مبثوث في كتب المحاسبي، ومدخل ابن الحاج، ومن جرى مجراهما من الأئمة. الثاني: شهود المنة باستصحاب الشكر، ويجري ذلك في الجلب والدفع دينا ودنيا، علما وعملا وحالا، وعليه مدار طريق الشاذلية، وتحريرها في كتب ابن عطاء الله، وزبدتها في رسائل ابن عباد وشرحه، وما جرى مجرى ذلك. الثالث: الإعراض عن الخلق وعن كل شيء منهم، حتى عن نفسك التي بين جنبيك، وذلك مبثوث في كتاب (منهاج العابدين)، و (بداية الهداية) (¬1) بوجه يجمع الظاهر والباطن في ذلك، ولابن عطاء الله إلمام به من حيث الباطن، والله أعلم. الرابع إفراد الوجه لله سبحانه، وهو مقصود كل قوم بما أرادوه من طريقهم، لكن دخول الشاذلية فيه بأول قدم، وعليه دار كلامهم، قياما بقوله (ص): "واعبد الله كأنك تراه" (¬2) كما عمل غيرهم على أنه يراك والكل في بيان (¬3) الحق بالصدق، والله أعلم. وقد أشبع في ذلك ابن عطاء الله (ض)، ونقح وهذب وحرر المقصود # منه، لا سيما في كتابه (التنوير في إسقاط التدبير)، فإن فيه ما في كتب الصوفية المطولة والمختصرة، مع زيادة البيان واختصار الألفاظ، والمسلك الذي سلك فيه مسلك توحيد لا يمكن لأحد إنكاره ولا الطعن فيه، ولا يدعى للمتصف به صفة حميدة إلا أكسبه إياها، ولا صفة ذميمة إلا أزالها عنه وطهره منها، كذا قال سيدي أبو عبد الله محمد بن عباد رحمه الله في رسائله، وصدق (ض)، وقال في (التنبيه) (¬1): تحصيله متعين على كل مريد نجيب، وقال (¬2) في (فصول السلمي (¬3) في عيوب النفس): صغير الجرم عظيم الفائدة والعلم أو كلاما هذا معناه، وأثنى على نصائح المحاسبي ثناء عظيما، ثم قال: وقد كان أوحد زمانه علما وعبادة، ونخبة أوانه ورعا وزهاده، سيدي الحاج أبو العباس أحمد بن عاشر رحمة الله عليه ورضوانه، يكثر من التحريض على مطالعة ذلك الكتاب، والعمل بما تضمنه من حق وصواب، قال: وأظنني سمعته ذات يوم يقول: لا يعمل بما فيه إلا ولي، أو كلاما هذا معناه، فليتخذ المريد مطالعته وردا، وليحرص على العمل بما تضمنه مستعينا بالله تعالى، وسائلا منه توفيقا ورشدا، لينصح لمولاه في مراعاة إصلاح باطنه، والقيام على قدم الصدق في مواطنه، وليجعل هجيراه مطالعة كتب التصوف، وموالاة أهله بالتألف والتعرف، فبذلك تتقوى أنوار إيمانه ويقينه، وتنتفى عنه العزة في العمل بوظائف دينه، ولا يقدم على ذلك إلا فرض العين وما يستجم به نفسه من التعب والأين، ولا يشغل نفسه بعلم يغير في وجه مقصوده، ويوجب له انتكاث مواثقه وعهوده، وهو ما أكب الناس عليه اليوم، وحادوا به عن سنن القوم، حتى تطرق لهم بذلك من رذائل الصفات، وعظائم الآفات، ما أصارهم إلى الهلاك والشقاء، وأعقبهم النفاق في قلوبهم إلى يوم اللقاء، وسجل عليهم بالكذب في دعواهم أنهم قاصدون بذلك رضى مولاهم، فإياك وإياهم.

قسم V01/P179–V01/P181

لقد أسمعت لو ناديت حيا ... ولكن لا حياة لمن تنادي قلت: وما وصفه من العلوم الناقصة المنقصة يدخل فيه الاشتغال بدقائق علوم القوم، من حيث ما يقصر به، لا من حيث هو. وقد قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي (ض) من لم يتغلغل (¬1) في هذه العلوم مات مصرا على الكبائر وهو لا يعلم، يعني: علوم القوم الدالة على الآداب والمعاملات، والله أعلم. وقال: كتاب الأحياء يورثك العلم، وكتاب قوت القلوب يورثك النور. قلت: ولا ينتفع بهما إلا من له أصل من غيرهما يرجع إليه بهما، لاتساع موردهما وموقعهما، وبالله سبحانه التوفيق. 54 - فصل في العلوم النورانية والظلمانية والمتشابهة وذلك بحسب القصد والفيض والهمة، ومقاصد العلوم ومراصدها، فكل علم خبث قصده، وخبث القصد به، فهو ظلمة، وكل علم حسن القصد به، وقصده فهو نور، وكل علم حسن قصده، وخبث القصد به، كان ظلمة بوجه قصده، نورا بعين مقصوده، فلذلك قال الحسن (¬2) (ض): ما قصد هذا العلم أحد إلا كان حظه منه ما أراده، وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي (ض): العلوم على القلوب كالدراهم والدنانير في الأيدي، إن شاء الله نفعك بها، وإن شاء ضرك معها، قال رسول الله (ص): "والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبائع نفسه، فمعتقها أو موبقها" (¬3). وسئل الجنيد (ض) عن العلم النافع فقال: هو أن تعرف ربك ولا تعدو قدرك، قال في (التنوير): والعلم النافع، هو الذي يستعان به على طاعة الله، ويلزمك المخافة من الله، والوقوف على حدود الله، وهو علم المعرفة بالله، ويشمل ذلك العلم بالله والعلم بما به أمر الله، إذا كان تعلمه لله، وقال في موضوع آخر: الذي يطلب العلم لله إذا قيل له: غدا تموت، لا يضع الكتاب من يده. قلت: وذلك لقيامه بحق وقته، وخلوه عن الفضول حتى لا يرى أفضل مما هو فيه، فاختار أن يلقى الله عليه، والله أعلم. والعلوم المعينة على تنوير القلب أربعة: أولها: علم التوحيد والإيمان، وأقل ما يجزئ منه عقيدة مجردة عن البرهان، محررة في البيان، كترجمة العقيدة للإمام الغزالي (¬1)، وما جرى مجراها، وأوسطه ما في رسالته القدسية، وأعلاه معرفة أصول المذهب الحق وقواعده، وأضر ما فيه فرض الشبه والاشتغال بأنواع التأويل من غير احتجاج لذلك، لأنه مشتت للقلب، مشوش للذهن، موهن للإيمان، مضعف لحرمة الربوبية من القلب، إلا في حق كامل منتصر للشريعة بما أوتيه من العلم والبيان، فيقوم بذلك دفعا لأهل الاعتراض، ومداواة لذوي القلوب المرضى، لا لخلي سليم غير محتاج إليه، ولا قادر على القيام عليه، والله أعلم. الثاني: علم الفقه والأركان، وأقل ما يكفي فيه معرفة عقود الأبواب وشروطها، وأوسطه ما يتسع به النظر في الأحكام، وأعلاه ما تثبت به الحجة والمحجة من العلم، بالتوجيه والتنظير والدليل والتعليل، وأنواع التقسيم إلى غير ذلك، وأضر ما فيه التشدق (¬2) في المجالس، وتشتيت، # الذهن بالخلافيات، واتساع التأويل في الحركات، ورؤية النفس بالتحصيل، مع مصاولة الأقران ومكائد الإخوان، والاشتغال بوجوه الهذيان، فتعلم مستمعا ساكتا، مقتصرا على محل الفائدة، متبرئا من الدعوى ورؤية النفس، تسلم من آفاته، وبالله التوفيق. الثالث: علم التصوف والأحوال، وفائدته تحقيق العبودية، والنظر في وجه تعظيم الربوبية، بإقامة الحقوق، والإعراض بالحق عن كل مخلوق، وأقل ما يجزئ فيه (بداية الهداية) للغزالي، وأوسطه منهاجه أو بعض كتب المحاسبي، وأعلاه كتب ابن عطاء الله ومن نحا نحوه، وأما كتب الحاتمي (¬1) وابن سبعين وابن الفارض (¬2) وأبي العباس البوني (¬3)، ومن جرى مجراهم، فلها رجال لهم في الحقائق مجال، وعندهم في التمييز مقال، فلا يشتغل بها في البداية إلا غوي، ولا في النهاية إلا خلي، ولا في التوسط إلا ذكي (¬4) يأخذ بما بان رشده، ويسلم ما وراء ذلك، ليسلم من آفاته، وما هو إلا كما قال بعضهم في ترجمة من كتاب له: بحر طامس، يحتاج لبحري غاطس، وقد أولع به قوم فضلوا وأضلوا، وفارقوا العمل بما توهموه، فزلوا وربما ادعوا ما فهموه أو تنسموه حالا لأنفسهم، فافتضحوا بشواهد الأحوال، كما قيل:

قسم V01/P181–V01/P184

من تحلى بحلية ليست فيه ... فضحته شواهد الامتحان # أعاذنا الله من البلاء بمنه وكرمه. الرابع: علم الإيضاح والدلالة والبيان والتحقيق، ومداره على أربعة: العربية، لغة ونحوا وما يجري مجراها، والمراد بها ما يقع به الفهم والتفهيم على أتم الوجوم بأقرب ما تحصل به، فهي كالملح إن كثر ضر، وإن قل فسد الطعام بنقص لذته، بل عدمها، والله أعلم. والاصطلاحات الحديثية والفقهية وغيرها لا سيما اصطلاح الصوفية، فإنه مهم لغرابة ألفاظه، ودلالته على معانيه الواضحة المعروفة عندهم، التي من جهلها اعترض بالباطل، أو بقي جيده من التحقيق عاطلا، فمعرفة الاصطلاحات لازم بكل حال، والله أعلم. وفقه الحديث لتعرف مواقعه، وعلم التفسير كذلك، ولكل منهما ظاهر وباطن، وحد ومطلع، فالظاهر للنحاة والقراء، والباطن للمفسرين وأصحاب المعاني، والحد للفقهاء والعلماء، والمطلع للعارفين والأولياء، ولا تصح رتبة دون التي قبلها، والله أعلم. والعلوم التي حواها الكتاب والسنة في الجملة ثمانية: علم اللسان وهو العربية، وعلم الأديان وهو التوحيد، وعلم الأركان وهو الفقه، وعلم الأبدان وهو الطب، وعلم الحساب وهو التنجيم، وعلم السلطان وهو السياسة، وعلم الإخوان وهو علم المعاشرة، وعلم الجنان وهو التصوف، ولكل علم منها مشرب وحقيقة، وعلى المريد منها حظ في العبودية لا بد له منه، ونوع من الفتح على حسب ما أهل له، فاعرف ذلك، تجده إن شاء الله، وبالله التوفيق، وإذا علمت العلوم المنورة فقد بانت لك العلوم المكدرة، ولا يسع هذا المختصر أكثر من هذا، والسلام. 55 - فصل في الاكتفاء بالكتب في سلوك الطريق وعدمه، وكذا المشيخة والتعلق بالأموات أما الاكتفاء بالكتب فقد وقعت في آخر المائة الثامنة بين فقراء (¬1) الأندلس فيها مشاجرة، حتى تضاربوا بالنعال، ثم كتبوا إلى البلاد واشتهرت مسألتهم، فأجاب فيها كل أحد على قدر نظره. فكان جواب سيدي أبي عبد الله بن عباد رحمه الله: إن ذلك باعتبار الأشخاص والأحوال، فشيخ التعليم تكفي عنه الكتب لمن له ذكاء وعقل، وشيخ التربية يكون واجبا في حق الغبي متأكدا في حق غيره، لأنه إن وصل بلا شيخ لم تفارقه رعونته وإن بلغ ما بلغ. وعند الإمام الغزالي في (المنهاج): قد يكون ذلك بلا شيخ ولكن الشيخ فاتح. وأجاب ابن خلدون (¬2): بأن ذلك يختلف باختلاف المجاهدات، فمجاهده التقوى لا يحتاج فيها إلى شيخ، ووجوده أحسن، ومجاهدة الاستقامة يكون فيها آكد، ومجاهده الكشف أعني تجريد الحقيقة النفسانية لتمكين الحقيقة الإيمانية هو فيه واجب، لعدم العلم بهما، أو لما يطرأ فيهما من شبه ووقائع، وهذا هو الحق الذي لا مرية فيه، لأن التقوى معلومة والسنة مشهورة، وخبايا النفوس وتحف الحق غير معلومة ولا معروفة، ولا بد فيها من عالم يرجع إليه في معالمها، وأصله رجوعه (ص) في عرض ما أتحف به من مبادئ الوحي على ورقة (¬3) (ض)، حيث كان عالما بذلك، والله أعلم. وأما المشيخة فتكتفي بذي الطريقة السديدة في المقامين الأولين، لأن الثالث يحتاج إلى همة عالية، وحالة سامية، وذوق صحيح، وعلم واسع، ونظر دقيق، وإن كان المتشيخ على طريقة ناقصة، فإن كانت بينة الغي أو بقاؤه معه (¬1) مضرا بالعبد في دينه أو دنياه، بالاغترار به ونحوه، فيفارقه ويتبع الجادة، ويتمسك مما أمره به بما يوافق الحق، وإلا صحبه على ما هو عليه، وتحفظ منه، لأن تغيره عليه بعد تعلقه به يوجب ظهور أثر فيه بحكم سنة الله تعالى وإن كان كاذبا في حاله، ومن هذا الوجه ظهرت آثار على جماعة من المدعين في معتقديهم دون غيرهم، ولذلك أصل ليس هذا محل تقريره فنقتصر دونه، ثم المريد ينتفع بصدقه وإن كان الشيخ مخالفا، ما لم يتبعه في مخالفته، فيضل أعظم من ضلاله، فاعرف هذا الأمر حقه، فإنه مهم، واعتبره بقصة الخضير (س)، إذ لم يأمر موسى (س) بما يفعله، ولا شرط عليه (قبوله إن أمره به) (¬2) بل شرط الصبر عليه وأنكر منه الإنكار لما التزمه من وجود الاصطبار، والله سبحانه أعلم. وقد نبه الغزالي على ذلك في (بداية الهداية) فانظره.

قسم V01/P184–V01/P187

وأما التمسك بالأموات فهو من قلة الاعتقاد في الأحياء، وذلك من نقص الهمة، اللهم إلا أن يكون ذلك على سبيل التعرض لنفحات الرحمة بالزيارة لطلب الزيادة، فمدد الميت أقوى من مدد الحي، لأنه في بساط الحق، ولأن التعلق به عري عن الأغراض والعوارض، من الاستئناس ونحوه، كما قال لنا شيخنا أبو العباس الحضرمي (ض)، وكرامة الله لأوليائه لا تنقطع بموتهم، بل ربما زادت كما هو معلوم في كثير منهم، وسيأتي هذا النوع إن شاء الله تعالى، والسلام. ... 56 - فصل في أنواع المتعلقين بالمشايخ والمتشيخة وأنواع الطرق وذلك بحسب المتمسكين وهم ثلاث طوائف: أولها: طائفة المحبين، وحقهم وجود المحبة، لأن جزاء المحب أن يحب، ومن لوازم المحبة وجود الشفقة على كل حال، والإكرام بكل وجه، فيأمره بما يزكيه، وينهاه عما يؤذيه، ويوقيه مما يرديه، ويقيده بما ينفعه في دينه ودنياه، حسب إمكانه قياما بحق وده على قدره. الثانية: طائفة المنتسبين وحقهم وجود الاحترام، لأن حفظ الحرمة يقابل بكريم الخدمة، ولذلك أشار الشيخ أبو الحسن الشاذلي (ض) بقوله في حزبه الكبير: من قرأه فله ما لنا وعليه ما علينا، أي: له ما لنا من الحرمة، وعليه ما علينا من الرحمة، قاله ابن عباد رحمه الله. الثالثة: طائفة الصادقين، وحقهم وجود السياسة، وحفظ الرئاسة، والقيام بالنصيحة، والتحذير من كل شنيعة وفضيحة فيما لهم وعليهم، وهي المرتبة التي يحتاج فيها إلى تدقيق النظر وتحقيق المناط في جميع المواقف، لأن مطلب صاحبها الكمال، وكل ينال من الحق بنيته على قدر همته، فالمحب محبوب، والمنتسب محترم، والصادق مصان، ولن يجعل الله لأحد على وليه من فضيلة، بل يجازيه عليها ما هو أعظم على قدر حاله، فافهم. وحق الشيخ ومن يقوم مقامه أن يطالب كل أحد بما تقتضيه قواه، من غير زائد على ذلك، فالعامي بالتقوى، والفقيه بالاستقامة، والمريد بالصدق، والعارف بالورع، إذ عامي لا تقوى له فاجر، وفقيه لا استقامة له مقصر، ومريد لا صدق له متلاعب، وعارف لا ورع له ناقص، ومطالبة الشخص بخلاف ما تقتضيه قواه جور عليه، وللرجال في أوصاف النفوس ومعاملاتها مجال رحب، أحسنه النظر في حقائق النفوس، والعمل على مقتضى حالها، ولهم في ذلك ثلاث طرق: الطريق الأول: طريق المغاربة، ومبناه على أوصاف النفوس المركبة فيها، وما أفسد حسنها وقوي سيئها، فإذا عرفوا ذلك قابلوه بما يصلح لإزالته أو إضعافه، وجريهم في ذلك على طريق أصحاب التدبير، مستندين لقوله (ص): ((الناس معادن كمعادن الذهب والفضة)) (¬1)، الحديث، قالوا: فأصل النفوس كلها الطهارة والاستقامة، كما أن أصل المعادن الذهب والفضة، ودخلت على هذه أوصاف البشرية المناقضة للعبودية، فأفسدتها كما دخلت الكباريت على الأخرى فأفسدتها، فيحتاج إلى النظر في تمييز العيب، ثم العمل في إزالته بوجهه الخاص به على مراتبه وترتيبه. الطريق الثاني: طريق أهل اليمن، وهو أنهم يرون القلوب أراضي، فمنها ما يصلح للحرث، ومنها ما يصلح لاستجماع الماء، ومنها ما لا يصلح لشيء من ذلك، فيعاملون كلا بما يليق به، عملا بقوله (ص): ((مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرض)) (¬2) الحديث، وبقوله تعالى: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها} (¬3) الآية، فهي كالحجارة أو أشد قسوة، فيحتاجون إلى تمييز الصالح من غيره، وحينئذ يلقون فيه ما يليق به من البذور، ويعملون فيه بما ينميه ويصلحه. الطريق الثالث: طريق الأعجام، وهو أنهم يرون القلوب أواني، فينظرون لما ألقي فيها، فينمونه، لقوله (ص): ((القلوب أواني الله، فخيرها ما رق وصفا، وشرها ما غلظ وجفا)) (¬4) الحديث، ولذلك كان مشايخهم # يختبرون المريد، فإن وجدوه خليا طردوه، وعلى ذلك حكايات المشايخ في قولهم: من لم يكن فيه كذا، أو لم يصبر على كذا، فالزموه السوق (¬1). وكان السهروردي رحمه الله تعالى، إذا جاءه المريد عرض عليه الأسماء الحسنى، فإن تأثر عند واحد منها سلكه به، وإلا أعاد عليه إلى الثلاث، فإن لم يتأثر صرفه عنه في الحال، لاعتقاده أن العمل فيه تعب بلا حاصل، ولكل طريق من هذه الطرق تفصيل نذكر بعضه الآن، وبالله التوفيق.

قسم V01/P187–V01/P190

... 57 - فصل في أنواع النفوس عند المغاربة وكيفية المعاملة فيها وذلك أنهم يرون غالب النفوس كالمعادن السبعة المطرقة، التي يدخلها الانفعال بما يلقى إليها، فتعود لأصلها. فالنفس الأولى: كالذهب في صفائها وخلوصها ونفعها وخاصيتها، وهي الخالية عن الشوائب والشواغب المحبوبة بالطبع، النافعة بمجرد الرؤية والصرف، لكنها ناقصة باعتبار ما فوقها، إذ لا تقلب عينا كالإكسير، ولا تقيم شيئا (¬2) فتحتاج للرياضة حتى تتضاعف قواها، فتصير إكسيرا لا تقع على شيء إلا قلبت عينه، لما هي به أو لما يراد منه، وهذه رتبة الولي الذي إذا أراد أغنى، وإذا نظر نفع. الثانية: نفس كالفضة في النقاء والصفاء والخلوص، ولكنها غير متمكنة فيه، لخفة وزنها، ورقة عينها، وقلة زينها، ووجود انفعالها بالمخالطة، حتى ينقص خاصيتها، فتحتاج إلى ما ينقلها عن ذلك للرتبة التي # فوقها، بأن تصير جاذبة لما هي به كالإكسير، وكاملة كالذهب، لا تؤثر فيها العوارض ولا غيرها، وهذه رتبة العارف الذي إذا توجه نفع، ويصل إليها بالرياضة وصدق التوجه، والله أعلم. الثالثة: نفس كالحديد، صالحة للنفع والرفع، غير أنها مصحوبة بسواد الشهوات والمعاصي، وقساوة الغفلات والكبر، فتحتاج إلى التطهير حتى تصير خالصة، ثم إلى التليين حتى تصير منطبعة قابلة للخاصية الفضية، ثم الخاصية الذهبية، وهذه نفوس أكثر المغاربة من المصامدة ومن جرى مجراهم، إلا من حفظه الله، وقليل ما هم. الرابعة: نفس كالنحاس، وفيه ما في الذي قبله بزيادة النتن، وهي تزكية النفس ورؤيتها أهلا للكمالات، فتحتاج للتطهير بالتقوى، ثم للتليين بالتواضع والحضور، ثم للتنقية برؤية المنة لله سبحانه، وحينئذ يصلح لأن يكون فضة خالصة، أو ما يقرب منها، فافهم. الخامسة: نفس كالرصاص، وفيه السواد واللين والنتن، فسواده عيبه وذنبه، ولينه انقطاعه وميله، ونتنه رؤيته نفسه، فيحتاج للتنظيف (¬1) ثم للتقسية حتى لا ينطبع إلا بقدر الحاجة، ثم للتنقية حتى لا تبقى لنفسه رائحة، وهذا حال المخالطين للفقراء من الجند، فإذا انتقل صلح لأن يكون ذهبا أو فضة، وهو أبعد، والله أعلم. السادسة: نفس هي كالقصدير، وفيه سبع علل ظاهرة، وسبع علل باطنة، هي في غرضنا معاصي الجوارح السبعة، التي هي: العين والأذن والفم والبطن واليدان والرجلان والفرج، وأخلاق القلب السبعة، التي هي: الكبر والبخل والحد والحقد والحرص والطمع والهوى، فإذا خلا من هذه صفا ظاهره بالتقوى، وخلص باطنه بالإخلاص، فلم تبق فيه بقية لغير مولاه، بل صار فضة خالصة، لا شوب فيها بالحقيقة، فاعرف ذلك حقه. السابعة: نفس كالزاوق (¬1) ظاهره أبيض وباطنه أسود، إن أردت ضبطه تفلت، وإن أردت جمعه تشتت، لا تكاد تطلبه في بساط الحق إلا وجدته، ولا في بساط الباطل إلا وجدته، وأصله السواد، وصورته البياض، وهذا حال أكثر من يخالط الفقراء، وينتمي إليهم في هذه الأزمنة ممن لهم ذكاء وفطنة، يقولون من قول خير البرية، ويمرقون كما يمرق السهم من الرمية (¬2) كما ورد في الحديث، فهم أشكل الأنواع وأبعدهم من موارد الانتفاع، وأكثر ما يوجد هذا النوع في أولاد أولئك النوع ممن للناس عليه إقبال، فإياك وإياهم فإنهم يتعبونك ولا ينفعونك، بل لا ينتفعون منك إلا القليل عند المصادفة (¬3) فاعرف ذلك. وأصل التدبير في ذلك كله بتلطيف النفوس بإصلاح التقوى، ثم تلطيف الأرواح بكباريت الاستقامة بعد تطهيرها من أوساخ البدع، ثم تلطيف الأجساد بأنواع التوجهات، وما هو إلا تهذيب، ثم تأديب، ثم تدريج ينتج وجود التقرب لكل من أهل له، وغير ما ذكر من النفوس لا عبرة به، فإهماله لازم وتركه واجب، لوجود الضرر به، ثم هذا الطريق مخطر لما فيه من الأطوار والأنواع والأخطار، وقل أن ينتج إلا مع صاحب همة وعزيمة، ويرحم الله من صنف في فن الأصل، فكان كلما ذكر المسألة قال: وعند اللقاء تبقى، ومبدأ هذا الطريق الموت، ومنتهاه الفوت، ونسماته من ريح الدبور، الذي هو أصل إهلاك قوم عاد، فهو طريق الإهلاك، فصاحبه لا يلتذ بالحق إلا من حيث استشعاره الاستهلاك فيه، فافهم. ... 58 - فصل في بيان طريق العجم، وما لهم فيها من رسوخ قدم وزلل قدم والنفوس عندهم أواني، والأواني ثلاثة:

قسم V01/P190–V01/P192

الأولى: آنية خالية من الخير والشر، فهي تقبل ما يلقى فيها وإليها، قال ابن أبي زيد (ض): واعلم أن خير القلوب أوعاها للخير، وأرجى القلوب للخير ما لم يسبق الشر إليه، ومعاملتهم في هذه النفس بتعميرها بالذكر والأدب مجردا عما سواه، ولذلك تشير طريق الفتحية في أصلها، بناء على أن نفوس المتوجهين خلية بأول التوجه، ولكن التعميم أخل بمتأخريهم مع أمور أخرى من الجهل، والله أعلم. الثانية: آنية عامرة بالخير، فهي لا تقبل غير ما فيها، إلا ما كان من نسبته فيلقون له على حسب حاله لتنمية همته، والزيادة في تربيته، تارة بالخلوة والذكر، وتارة بالجلوة والخدمة، فإن خير السلوك وأسهله ما أعانت عليه الطبيعة، وكانت الخفيفة منصبغة ببعضه، وإلى هذا يشير كثير من أصحاب الخلوات، فافهم. الثالثة: آنية عامرة بالخير والشر (معا، وهذ5 التي يحتاج فيها للمعالجة القوية، فإن داعي الخير يحتاج إلى التثبيت) (¬1) وداعي الشر يحتاج إلى النفي، وهما في الشخص كالخلط النازل، والقوة الفاعلة، يتحرك الخلط فيقوى الألم، وتدفعه القوى فتظهر الصحة، فلا يتبين لصاحبه صحة ولا سقم، ومن هنا ألزموا مريدهم المشاق، وسلوك طريق الانتفاع والتجريد في عالم الأجسام والمعقول والمحسوس، وارتكبوا أهوال الجوع والسهر وكثرة الأعمال، كما درج عليه مشايخهم وشدد بعضهم في ذلك إلى ما علم من ربط نفسه بالحديد، وكي جسمه بالنار، إلى غير ذلك، مما هو جهل بالحقيقة، وضرر بالصورة، وصدق عند من لا علم عنده، وهو طريق لا # يصل صاحبه للحق إلا من حيث استشعار الاستهلاك (¬1) فيه، ولذلك قال بعض المشايخ في حق بعض من تقدمه منهم: لو أدرك أحدا من صبياننا لأسلم على يديه (¬2). وقال الحسين (¬3) بن المنصور: لما بلغه شأن الخواص وانقطاعه لتحقيق التوكل: أين هو من الفناء في الله، وقال الواسطي لأصحاب أبي عثمان رحمه الله - لما قالوا له: يأمرنا بالعمل ورؤية التقصير فيه -: أمركم بالمجوسية المحضة، هلا أمركم بالغيبة عنها بشهود منشيها ومجريها، أو كما قال، وتكلم عليه الإمام القشيري في ذلك كلاما حسنا، فانظره، وبالله التوفيق. ... 59 - فصل في بيان طريقة أهل اليمن وما ظهر منها وما كمن والنفوس عندهم أراضي لا يصلح حرثها إلا بسابقة مطر هو التوفيق، فمن وجد عندهم منه نكثة ولو في بساط الظلمات اعتبروه، ومن لا أهملوه، فأي نفس رأوها قابلة للحرث حرثوا فيها ما تقبله بحسب قواها، فهم يربون العالم بالعلم، والعابد بالعمل، والمريد بالذكر، والصادق الساذج بالهمة، لا يخرجون أحدا عما أهلته له الحكمة الإلهية، بل يعينونه فيه، ويجعلون سلوكه منه ليكون أعون له على ما يريده، فإن من سار إلى الله بطبعه، كان الوصول أقرب إليه من طبعه، ومن سار إلى الله بالخروج عن طبعه، كان وصوله على قدر بعده من طبعه.

قسم V01/P192–V01/P194

وقد عرف أن الفلاح العارف إذا وجد الأرض مشغولة بما لا منفعة فيه أزاله عنها (¬1) ثم حرث فيها ما فيه منفعة على حسب ما تقتضيه، فكذلك العارف من هذه الطائفة، يجرد النفوس عن شوك المحرمات، ثم يشق أرضها بوجود الصدق وأسباب الاعتقاد، حتى إذا تأهلت لبذر الذكر، ألقي فيها منه ما يصلح لها وتحمله قواها، وجعلوا الأمر عند الله فيما ينمي ذلك من مطر التوفيق والتنزلات الموهبية، غير أنهم يهيئون السواقي التي هي الأسباب الشرعية من العمل ونحوه، وينقون الحجر، واللفيف من الربيع والشوك ونحوه، مثل الرياء والعجب وما في معناه، خوفا من آفته، ثم لا تزال هممهم متعلقة بفضل الله وكرمه في توصيل المقصد والمراد على أتم الوجوه وأكملها، فلذلك كان طريقهم مصحوبا بالتنعم بالحق من أول قدم، لأنه لا تعريج لهم على غيره من أول الأمر إلى آخره، وذلك مقتضى الإيمان والحكمة، فلذلك قال (ص): ((الإيمان يمان والحكمة يمانية))، وهو أيضا طريق الرحمة والسهولة التي أشار لها عليه الصلاة والسلام بقوله: ((إني لأجد نفس الرحمن من ناحية اليمن)) (¬2)، يعنى تنفس الرحمة، وهو بساط النصر في قوله: ((نصرت بالصبا)) (¬3) الحديث، فاعرف ما أنت فيه، ثم اسلك على منهاجه تبلغ مرادك في أقرب مدة إن صدقت وأهلت، وذلك بأن تنظر # في قواك، فما وجدته غالبا عليك من شهوة أو غضب أخذت في تقويته بالأذكار اللائقة به، والأعمال الموافقة له، والحركات المؤثرة له، ثم لا تزال كذلك حتى يبدو الأثر فيك، ثم يبدو عليك، ثم يبدو منك، وعلى هذه الطريقة يحوم الشيخ أبو العباس البوني رحمه الله في كتبه، وأحسنها في ذلك (القبس) (¬1) وهو أخفها مؤنة، وقد عرف أن كل اسم فخاصيته من معناه، وتصريفه في مقتضاه، وسره في عدده، وتأثيره على قدر قول صاحبه، ونفوذه على قدر القيام بمناسبته من الشريعة، فاعرف ذلك، وسر به تجد الأمر كأنه طوع يدك. واعلم أن معاقل الطريق أربعة: أولها: موقف الانتباه، وأذكاره ما يقتضي التنصل (¬2) من الاستغفار والاعتراف ونحوه. الثاني: موقف الدخول لبساط العبودية، ويناسبه ما ينعش الهمة، مثل ذكر سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، ونحو ذلك. الثالث: موقف التطلب والاستفادة، ويناسبه ما يقتضي ذلك، مثل الحي القيوم، فإن فيهما سر الحياة والقيام وما جرى مجراه. الرابع: موقف التحقق ويناسبه ما يقتضي الفناء والاستغراق، مثل العظيم والكبير وما في معناهما، ولهذه الإشارة شرح لا تقوم به السطور، ولا تحيط به الصدور، وله مناسبة في الأفعال، وتصريف من بساط الحكمة، دون قصد الأشخاص، وعليه مدار الخمس من الشرعيات والوجوديات، واجمع الهمة واصدق الطلب تدرك المراد بجملته، ولا تتبع أهواء الباطلين الذين لا عزم ولا همة ولا خدمة، حتى حذر الناصحون من طرائقهم في ذلك عموما، فقالوا: (باين البوني وأشكاله، ووافق خير # النساج (¬1) وأمثاله)، والبركة كلها في ألفاظ الشارع وأعماله وأقواله وتأديباته، وبالله التوفيق. ... 60 - فصل في طريق الخدمة والهمة وحفظ الحرمة أما طريق الخدمة فهو طريق الجادة، وهو طريق أهل البدايات من المتوجهين بالأعمال، وغالب جريانه لمتفقه أو أصولي أو محدث أو من جرى مجراهم ممن له بالعلم إلمام، وهو أصلح الطرق لأهل البداية، وعوام أهل الحاضرة، وخصوصا المتصدرين في العلم والعمل والسياسة، لبيانه وإلف النفوس له، وقد تقدم تفصيله. (وأما طريق الهمة) (¬2) فهي أسهل الطرق وأيسرها وأقربها وأبينها، ولكنه خاص لمخصوصين، والسلوك فيه على حسب التوجه من علم أو عمل أو حال، وجامع ذلك في التوجه في الحركات الواقعة، وعليه مدار كلام الشيخ ابن عباد، وهو طريق الأذكياء والظرفاء من أهل الحاضرة والأتقياء، وقد ذكر تفصيله في رسائله الصغرى، فلنأت بكلامه على وجهه، فإنه نور كله، فنقول: قال (ض): وصية يحتاج إليها كل مريد طالب للمزيد من العزيز الحميد.

قسم V01/P194–V01/P196

الحمد لله، من أراد الاستقامة على سبيل الحق في دينه، والتحصن من عدوه، والتخلص من وساوس النفوس وضيقها وتقلبها، والحصول على شرح الصدر، فليصحح مقام الأدب مع الله تعالى ظاهرا وباطنا في جميع أحواله، فذلك هو الشكر الموجب للمزيد، وينبني ذلك على أصلين: معرفته بعظمة ربه وكبريائه، واتصافه بالصفات العلية والنعوت القدسية، وعلمه # بخسة نفسه، وضعتها وعيوبها وآفاتها، فإذا أحاط علما بهذين الأصلين نظر إلى نفسه وإلى ما أجرى الحق تعالى عليه من الأفعال والأقوال، وما صرفه فيه من الأحوال، فسيرى حينئذ من لطف الله تعالى به ورحمته وعنايته وفضله ما لا مطمع لأحد في إدراكه وفهمه، فيوجب ذلك له محبة وحياء يحملانه على الشكر لله تعالى بشهود النعم منه وحسن الأدب معه، فإذا رأى نفسه على طاعة فرح بمنة الله تعالى عليه من غير استحقاق ولا وسيلة، وكم من شخص لم يعطها، وليستعمل حينئذ حسن الأدب في تحسينها ونفي الآفات عنها وإخلاصه فيها ربه عز وجل، فيكون حينئذ بهذه الرؤية والأدب أفضل ممن استغرق أوقاته في الطاعات وأنواع العبادات، مع فقدان ذلك، وكذلك إن رأى نفسه بحال نعمة، من صحة بدن ونيل رزق وإن قل، فليفرح بذلك ويشكر ربه عليه لعلمه أنه لا يستأهل ذلك ولا يليق به، ويستعمل حينئذ حسن الأدب في الاستعانة بها على طاعة الله عز وجل، ولا يستعملها في معصية، وكم من شخص مبتلى بمرض أو فقر يتمنى ذلك ولا يجده، وكذلك إذا ابتلي بفقر أو أصيب بمرض من مصائب الدنيا فليفرح بذلك، لأنه سلك به مسلك الأولياء والصالحين، وليفرح بمنة ربه عز وجل في أن لم تكن أكثر من ذلك، كما ابتلي به طوائف من الناس، وليستعمل حسن الأدب في الصبر والرضى ونفي الجزع والشكوى، والدعاء إلى الله تعالى في سعة الرزق وكشف الضر وسؤال العافية في الدين والدنيا، وإن أمكنه السبب لاكتساب ما يغنيه والتطبب لبرئه، فيفعل ذلك فهو من حسن الأدب، وليشكر الله تعالى على تمكينه من ذلك وإذنه له فيه، وكذلك إن ابتلي بذنب أو غفلة أو سوء أدب فلا يغفل عن اللطف وخفي السنة بذلك، فقد يكون ذلك سببا لخوفه ونفي عجبه والتجائه ربه، كما ورد في الخبر في قوله (ص): ((لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أشد من ذلك العجب)) (¬1) وكم نت شخص مرتكب للكبائر مستحل لها، فرح بها. وليستعمل حينئذ حسن الأدب في المبادرة إلى التوبة وتذكر الخوف وكثرة الاستغفار والدعاء والبكاء، وكذلك إن كان على مذهب إمام من أهل الدين مجمع على إمامته وهو يجد في الحال من يأخذ عنه ممن تقف به من أهل الدين وقد أخذه عن شيوخه، وشيوخه عن شيوخهم إلى أن ينتهي إلى ذلك الإمام، فليفرح بذلك وليشكر الله عليه، وكم من شخص قد قلد مبتدعا أو ابتدع هو من تلقاء نفسه فهلك بذلك. وليستعمل حينئذ حسن الأدب معه في توقيره واتباعه في كل ورد وصدر، إلا إن رأى في اتباع غيره من الأئمة المجمع على إمامتهم ما يقتضي احتياطا، إن قوي عليه، أو يقتضي رخصة إن احتاج إليه، ولم يكن في مذهب إمامه إنكار على من فعل ذلك، فليفعله ولا يسقطه ذلك عن درجة الأدب، وكذلك إن ظفر بشيخ من شيوخ الصوفية، سالك سبيل السنة، فليفرح بذلك، وليشكر الله عليه، وكم من شخص لعبت به أيدي الضالين والمبتدعين، فهلك بذلك.