Qur'an&Sunnah

İbn Abbâd er-Rundî — Gaysü'l-Mevâhib (Şerhu'l-Hikemi'l-Atâiyye)

فيستعجل بذلك راحة نفسه » والاستغناء عن بني جنسه » ويحصل له بذلك حلاوة الزهد في الأمور العاجلة » وتجافي القلب عن زهراتها فإن طلب الزيادة من الدنيا ولم يقنع بما قسم له منها خيف عليه من اقتحام المهالك ؛ إذ يجره الحرص والطمع إلى ذلك . قال بعض العارفين : « كلّ من لا يعرف قدر ما روي عنه من الدنيا ابتلى بأحد (1 ) سعد بن أبي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف القرشي الزهري ( 23 ق ه - 55 - 0 - 675 م ) أبو إسحاق الصحابي الأمير » فاتح العراق » ومدائن كسرى ؛ وأحد الستة الذين عينهم عمر للخلافة وأول من رمى بسهم في سبيل الله » وأحد العشرة المبشرين بالجنة » ويقال له : فارس الإسلام » أسلم وهو ابن 17 سنة » وشهد بدرا وافتح القادسية » ونزل أرض الكوفة فجعلها خططا لقبائل العرب وظل واليا عليها مدة عمر بن الخطاب فعاد إلى المدينة وفقد بصره » ومات في قصره بالعقيق . له ( 271 ) حديثا . ( الأعلام 3 / 87 » وحلية الأولياء 1 / 2 » وتهذيب الكمال 7 / 112 ) . (2 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( 1 » 172 ٠ 180 ٠»‏ 187 ) . (3 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( 5 » 197 ) . 008 009 » 267 « وجهين : إِمّا بحرص مع فقر يتقطع به حسرات » أو رغبة في غنى تنسيه شكر ما أنعم به عليه » وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « ليس الغنى عن كثرة العرض . » وإنما الغنى غنى النفس « 1 » » . وغنى النفس عن الدنيا شرف الأولياء المختارين » وعزٌ أهل التقوى من المؤمنين المحسنين » ولقد صدق الشاعر في قوله : غنى النفس ما يكفيك من سد 1023:5155 فإن زنك قينا 12 اذك القت ققرا يحكى عن بنان الحمّال » رضي الله عنه » أنه قال : « كنت مطروحا طاويا على باب « بني شيبة » سبعة أيام لم أذق شيئا » فنوديت في سرّي إِنّ من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أعمى الله عيني قلبه » . وقال عبد الواحد بن زيد » رضي الله عنه : « ذكر لي أنّ في خراب « الأبّلة » « 3 » جارية مجنونة تنطق بالحكمة » فلم أزل أطلبها حتى وجدتها في خربة جالسة على حجر وعليها جبة صوف » وهي محلوقة الرأس » فلما نظرت إلىّ قالت من غير أن أكلمها : مرحبا بك يا عبد الواحد . فقلت لها : رحّب الله بك . ْ وعجبت من معرفتها بي » ولم ترني قبل ذلك فقالت : ما الذي جاء بك هاهنا ؟ قلت : جئت لتعظيني . 1 قالت : وا عجبا لواعظ يوعظ . ثم قالت : يا عبد الواحد » إعلم أنّ العبد إذا كان في كفاية » ثم مال الى الذيا ليه انه كانه و تعالى كلذو انرق فيطل حيران رانها ؛ فال كن له عد الله حيبي عاتبه وحيا في سره ٠‏ فقال : عبدي أردت أن أرفع قدرك عند ملائكتي وحملة عرشي ؛ وأجعلك دليلا لأوليائي وأهل طاعتي في أرضي » فملت إلى عرض من أعراض الدنيا وتركتني فورّئتك بذلك الوحشة بعد الأنس ٠‏ والذلَ بعد العرّ » والفقر بعد الغنى » عبدي ارجع إلى ما كنت عليه ارجع عليك ما كنت تعرفه من نفسك » . قال : ثم تركتني وولت عنّي ؛ فانصرفت وبقلبي حسرة منها . . وفي بعض الكتب : « إِنْ أهون ما أصنع بالعالم إذا مال إلى الدنيا أن أسلبه حلاوة مناجاتي » . (1 ) أخرجه البخاري ( رقاق » 15 ) » ومسلم ( زكاة » 120 ) » والترمذي ( زهد .

40 ) وابن ماجة ( زهد , 9 ) » وأحمد بن حنبل ( 2 » 243 ٠ 438 ٠ 390 ٠» 315 » 261 ٠‏ 443 ٠‏ 539 540 ) . (2 ) الخلة : الفقر والحاجة . 4110 411 « 268 » وذكر أبو إبراهيم إسحق بن إبراهيم النجيبي القرطبي المالكي » رحمه الله » في كتاب « النصائح » له عن ابن عبد ربّه الشامي ثم الدمشقي , أنه كان أكثر أهل دمشق مالا » فخرج مسافرا » فأمسى إلى جانب نهر ومرعى » فنزل به . قال : فسمعت صوتا يكثر حمد الله تعالى في ناحية « المرج » فاتبعته » فوافيت رجلا ملفوفا في فقال : رجل من المسلمين . فقلت : فما حالك هذه ؟ قال : حال نعمة يجب عليّ حمد الله عليها . فقلت : وكيف » وإنما أنت في حصير ؟ قال : ومالي لا أحمد الله تعالى وقد خلقني فأحسن خلقي » وجعل منشيء ومولدي في الإسلام : وألبسني العافية في أركاني وستر عليّ ما أكره ذكره ونشره » فمن أعظم نعمة ممن أمسى في 5 قال ولوأ قلت : لتصيب من الطعام ونعطيك ما يغنيك عن لبس الحصير ! ! قال : ما لي حاجة . فراودته « 1 » على أن يتبعني » فأبى » فانصرفت وقد تقاصرت في نفسي » ومقنّها إذلم أخلف بدمشق رجلا يكاثرني في غنى وأنا ألتمس الزيادة ! ! 0001 فقلت : اللهم إني أتوب إليك من سوء ما أنا فيه . فبت لا يعلم إخواني ما أجمعت عليه » فلما كان من السحر رحلوا كنحو ارحلتهم فيما مضى ء وقدّموا إليّ دابتي فصرفتها إلى دمشق » وقلت : ما انا بصادق في التوبة إن مضيت إلى متجري . لساك ممت رم بده عق لل ع مد وجدوا عنده إلا قدر ثمن الكفن . زاد غير أبي إبراهيم : وكان يقول - يعني ابن عبد ربّه المذكور - واللّه » لو أنّ نهركم - يعني نهر « دمشق » - سال ذهبا ما خرجت إليه » ولا أخذت شيئا منه » ولو قيل لي : من من هذا العمود عات لثمت إليه و عائققه شوقا إلى الله ورسوله . 8 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( ليقل ما تفرح به يقل ما تحزن عليه ) . درء المفاسد عن العقلاء أهمّ من جلب المصالح ؛ فمن زوى الله عنه فضول الدنيا فرضى بذلك وقنع منها باليسير ولم يتطلّع إلى زيادة من مال أو جاه فهو كامل العقل حسن النظر لنفسه » لأنه دفع عن نفسه وجود الحزن بتركه لما يفيد حصول مصلحة الفرح الذي يزول عن قرب » واعتاض من ذلك الرائحة الدائمة » كما قيل : ومن سرّه أن لا يرى ما يسوؤه فلا يتخذ شيئا يخاف له فقدا فإن صلاح المرء يرجع كله فسادا إذا الإنسان جاز به الحدّا 412 413 » 269 « وقيل لبعضهم : لم لا تغتمٌ ؟ فقال : لأني لا أقتني ما يغمني فقده ؛ فالمفروح به هو المحزون عليه إن قليلا فقليل » وإن كثيرا فكثير » كما قيل : على قدر ما أولعت بالشيء حزنه ويصعب نزع السهم مهما تمكّنا يحكى أنّ رجلا حمل إلى بعض الملوك قدحا من « فيروزج » « 1 » مرصعا بالجواهر ء لم ير له نظير » ففرح الملك به فرحا شديدا . فقال لبعض الحكماء عنده : كيف ترى هذا ؟ قال : أراه مصيبة وفقرا ! ! قال : وكيف ذلك ؟ قال : إن انكسر كان مصيبة لا جبر لها » وإن سرق صرت فقيرا إليه ولم تجد مثله » وكنت قبل أن يحمل إليك في أمن من المصيبة والفقر .

فاتّفق أن انكسر القدح يوما » فعظمت مصيبة الملك فيه » وقال : صدق الحكيم ٠‏ ليته لم يحمل إلينا ١ ‏ وأمثال هذه المصيبة وأعظم منها نازلة بكل من له علاقة بشيء من أسباب الدنيا » فإنها إن لم تؤخذ مه بغصب أو سرقة أو جائحة « 2 » نازلة فلا بِدَ له أن يؤخذ هو عنها بالموت الهازم لللذات » المنخص للشهوات »؛. فإن كان له ألف محبوب مثلا نزل به عند الموت ألف:مصيبة فى وقت واحد ؛ لأنه كان يحبها كلها وقد سلبت منه في كرة واحدة » ولذلك كان الزهد في الدنيا من قضايا العقل. . قال سهل بن عبد الله » رضي الله تعالى عنه : « للعقل ألف اسم » ولكل اسم منها ألف اسم » وأوّل كل اسم منها ( ترك الدنيا ) » . قال الحسن » رضي الله تعالى عنه : « كيف يسمى عاقلا من يمسى ويصبح في الدنيا » ومباهاة أهلها في المطاعم والمشارب والملابس والمراكب أولئك هم الخاسرون » و 2 أولئك هم الغافلون » و « أولئك هم الجاهلون » . وانتدوا أيها المرء إِنّ دنياك بحر طافح موجه فلا تأمننها وسبيل النجاة فيها بيّن وهو أخذ الكفاف والقوت منها وقال أبو عليّ الثقفي » رضي الله عنه : « أفّ من أشغال الدنيا إذا أقبلت » وأفّ من حسراتها إذا أدبرت » والعاقل من لا يركن إلى شيء إذا أقبل كان شغلا » وإذا أدبر كان حسرة وقد قيل معناه : ومن يحمد الدنيا لشيء يسرّه فسوف لعمري عن قليل يلومها (1 ) الفيروزج : حجر كريم غير شفاف » أزرق اللون بلون السماء أو أميل إلى الخضرة يتحلى به( مع). 2١‏ الحدقة 31 ااي 7ه ات الل م 414 « 2/70 » إذا أدبرت كانت على المرء حسرة وإن أقبلت كانت كثيرا همومها وقيل لأبي القاسم الجنيد » رضي الله عنه : « متى يكون الرجل موصوفا بالعقل ؟ فقال : إذا كان للأمور مميّزا » ولها متصفحا » وعمًا يوجبه عليه العقل باحثا » يلتمس بذلك طلب الذي هو أولى ليعمل به ويؤثره على ما سواه . فإذا كان كذلك فمن صفته ركوب الفضل في كلّ أحواله بعد إحكام العمل بما فرض الله عليه وليس من صفة العقلاء إغفال النظر عمّا هو أحقّ وأولى » ولا من صفتهم الرضا بالنقص والتقصير » فمن كانت هذه صنته رعذ إحكامه لما يجب عليه من عمذه ؛ وترك التشاغل بما يزول وترك العمل بما يفنى وينقضى وذلك صفة لكل ما احتوت عليه الدنيا كذلك لا يرضى أن يشغل نفسه بقليل زائل ويسير حائل يصده التشاغل به والعمل له عن أمور الآخرة التي يدوم نعيمها ونفعها » ويتأبدٌ سرورها » ويتصل بقاؤها . ولك أن الحن يدو فده :و يني على العامل له اح رما وري لق لج الأمور بعقله والأخذ منها بأوفرها . قناقن تك الزية بتكبقر القو قيكقرق الشتكة رليك التيق اهداق الله اراتك هد أولوا الألباب[ الزمر : 8 ] 8 بذلك وصفهم الله تعالى . وذوو الألباب هم ذوو العقول » وإنما وقع الثناء عليهم بما وصفهم الله به للأخذ بأحسن الأمور عند استماعها . وأحسن الأمور هو أفضلها وأبقاها على أهلها نفعا في العاجل والآجل » وإلى ذلك ندب الله عزٌ وجل من عقل في كتابه » انتهى كلام الجنيد » رضي الله عنه » وهو في غاية الحسن ونهاية وفيه مناسبة لما كنا بصدده من التنبيه على كلام المؤلف رحمه الله تعالى فرأيت ذكره هاهنا لائقا » واللّه تعالى الموفقٌ للعمل بمنّه وكرمه . وإن أردت أن لا تعزل فلا تتول ولاية لا تدوم لك . هذه من أمثلة ما تقدّم ؛ لأن الولاية مآلها إلى الحزن ؛ بسبب وقوع العزل عنها . ومقتضى نظر العقل ترك الولاية المفروح بها لئلا يقع في العزل المحزون به .

1 1599 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( إن رغبتك البدايات زهدتك النهايات » إن دعاك إليها ظاهر نهاك عنها باطن ) . بدايات الأمور وظواهرها ترغْب الجاهل فيها ؛ وتدعوه إليها ؛ لأنها رائقة الحسن » مليحة الظاهر فيغترٌ الجاهل بذلك فتقوده إلى ما فيه ضرره وهلاكه . 415 416 » 2/1 « ظاهرها غرة وباطنها عبرة ) . قال وهب بن منبّه » رضي الله تعالى عنه : « صحب رجل بعض الرهبان سبعة أيام ليستفيد منه شيئا » فوجده مشغولا عنه بذكر الله تعالى » والفكر » لا يفترٌ » ثم التفت له في اليوم السابع فقال : يا هذا » قد علمت ما تريد : حبّ الدنيا رأس كل خطيئة » والزهد فيها رأس كل خير » والتوفيق نجاح كل برّء فاحذر رأس كلّ خطيئة » وارغب في رأس كل خير ؛ وتضوّع إلى ربك أن يهب لك نجاح كل بن . قال : وكيف أعرف ذلك ؟ قال : كان جدّي رجلا من الحكماء قد شبّه الدنيا بسبعة أشياء ؛ شبهها بالماء المالح يغرّ ولا يروى ويضرٌ ولا ينفع » وبظلَ الغمام يغرٌ ويخذل . ل بنضرته ثم يصفر فتراه هشيما « 2 » » وبأحلام النائم يرى السرور في منامه فإذا استيقظ لم يجد سا ل ل يي ار للد ةي سرك فتدبرت هذه الأحرف السبعة سبعين سنة ثم زدت فيها حرفا واحدا فشبهتها بالغول « 4 » التي تهلك من أجابها وتترك من أعرض عنها . فرأيت جدّي في المنام فقال لي : يا بنيّ أنت مني وأنا منك فقلت له : فبأيّ شيء يكون الزهد في الدنيا ؟ قال : باليقين » واليقين بالصبر » والصبر بالعبر » والعبر بالفكر . ثم وقف الراهب وقال : خذها ولا أراك خلفي إِلّا متجرّدا بفعل دون قول » فكان ذلك آخر العهد به وقال محمد بن علي الترمذي » رضي الله عنه لوك ال عابيو اس لبج تي العقلاء منهم » وطالبوها مهانون عند الحكماء الماضين » وما قام داع في أمة إلا وقد حذر من متابعة الدنيا وجمعها والحبٌ لها » ألا ترى مؤمن آل فرعون كيف قال :انبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشْادٍ [ غافر : 38 ] » وقال :إنّما هذهٍ الحياة الدنيا مَتاعٌ [ غافر : 39 ] أي : لن تصل إلى سبيل الرشاد وفي قلبك محبة الدنيا وطلب لها . والحكايات والآثار في أحوال الدنيا » وغرورها » وشرورها أكثر من أن تحصى ء ولا شيء أبين في ذلك من قول الله تعالى في صفتها :اغلَمُوا أَنّمَا الحياةُ الدِّيا لَجبٌ وَلَهْوُ وَِيِنَةٌ وَتَفاخْرٌ بَيْنَكُم وتكائرٌ في الْأَمُوالٍ وَالْأَولادٍ كَمَتلِ غَيِثٍ أَغجَبَ الكُفَارَ نباثه نُمَ هيج قتراةُ مُصْفْرًا ثم يَكُونُ خطاماً وَفِي الْآخِرَةٍ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ الله وَرِضْوانٌ » وَمَا (1 ) البرق الخلب : أي البرق الكاذب لا مطر فيه ( ج ) بروق . ( 2 ) الهشيم : النبت اليابس المتكسر . (3 ) السم الزعاف : سريع القتل . ( 4 ) الغول : الهلكة أو حيوان وهمي لا وجود له ( ج ) غيلان . 417 418 » 2/2 « الْحَياةٌ الدنيا إِلّا مَتاحٌ الْغْرُورِ[ الحديد : 20 ] . إنما جعلها محلا للأغيار ومعدنا للأكدار تزهيدا لك فيها .

ورود الأغيار والأكدار الدنيوية على العبد نعم من الله تعالى عليه ؛ لأن ذلك - لا محالة - يدعوه إلى الزهادة في الدنيا والتجافي عنها » ويصرف عنه وجود الغباوة والجهالة لأجل تمسكه بالخيال » وما يستضرٌ به في الحال والمآل ؛ لأن الموجب لرغبته فيها وحرصه على نيلها إنما هو ما يتوهمه فيها من الحصول على منيته وبغيته وقضاء غرضه من شهوته ونهمته من غير مكذّر ولا منغص » ولو تصوّر له حصوله على هذه الأشياء على حسب ما يحبه ويهواه كان ينبغي له أن يرغب عنها عوضا عن الرغبة فيها إن كان عاقلا ؛ لأن مآل أمرها إلى الفناء والزوال »؛ والافتقار والانقضاء والارتحال » وقد قالوا : « شر لا يدوم خير من خير لا يدوم » . وقال الشاعر : أرئ الدنيا على من كان فيها: تدور فلا تديم. عليه حال ثم هي مانعة له من سعادة الآخرة » والقرب من الله عر وجلّ » الذي هو غاية طلب الطالبين ونهاية رغبة الراغبين » فكيف وهو معرّض فيها لأنواع المصائب والفجائع » ووقوع الأغيار والأكدار » فما من أحد فيها إلا وهو في كل حال ووقت غرض لاسهم ثلاثة : سهم بليّة » وسهم رزيّة » وسهم منيّة » فإذا نزل به ذلك عادت النعمة نقمة » وانقلبت الحبرة « 1 » عبرة » وصارت الفرحة ترحة « 2 » ٠»‏ وهكذا شأن الدنيا أبدا » فلا يفي مرجوّها بمخوّفها » ولا يقوم خيرها بشرّها » ولقد صدق الشاعر في قوله : إن الليالي لم تحسن إلى أحد إلا أساءث إليه بعد إحسان وصدق أيضا من قال : ماقام خيرك يا زمان بشرّه أولى بنا ما قل منك وما كفى زمن إذا أعطى استردّ عطاءه وإذا استقام بدا له فتحرّفا وقد كتب عليّ بن أبي طالب إلى سلمان » رضي الله عنهما : « إنما مثل الدنيا كمثل الحيّة ليّن ملمسها » قاتل سمّها » فأعرض عنها وعمًا يعجبك منها » لقلة ما يصحبك منها » ودع عنك همومها لما تيقنت من فراقها » وكن أسرٌّ ما تكون فيها أحذر ما تكون منها » فإن صاحبها كلما اطمأن فيها إلى سرور أشخص « 3 » منها إلى مكروه » . (1 ) الحبر : السرور والنعمة وسعة العيش . (2 ) الترحة : المرة الواحدة من الترح وهو الهم وضد الفرح . (3 ) أشخص فلان : حان سيره وذهابه . 419 « 2/3 » وقال بعض البلغاء : « دار الدنيا كأحلام المنام » وسرورها كظل الغمام » وأحداثها كصوائب السهام » وشهواتها كشرب السمام » وفتنتها كالأمواج الطوام » . وقال أبو العتاهية « 1 » : هي الدار دار الأذى والقذى ودار الفناء ودار الغير « 2 » ولو نلتها بحذافيرها لمث ولم تقض منها الوطر « 3 » أيا من يؤمّل طول البقاء وطول الخلود عليه ضرر إذا ما كبرت وفات الشباب فلا خير في العيش بعد الكبر وأنشد أبو منصور الثعالبي « 4 » ٠»‏ رحمه اللّه » في ذمّ الدنيا : تنح عن الدنيا فلا تخطبتها ولا تخطبن قتّالة من تناكح فليس يفي مرجوّها بمخوفها ومكروهها إن تأمّلت راجح لقد قال فيها الواصفون وأكثروا وعندي لها وصف لعمريّ صالح سلاف قصارها زعاف ومركب شهيّ إذا استلذذته فهو جامح « 5 » وشخص جميل يؤنس الناس حسنه ولكن له أسرار سوء قبائح فإذا علم العبد هذا كلّه علم اليقين » وتمكّن من قلبه غاية التمكين » لم يتصوّر منه مع ذلك وجود رغبة البتة ؛ لأنه إذ ذاك يجمع بين خيبتين وخسارتين » ويأتيه الموت وهو صفر « 6 » اليدين من منافع الدارين وذلك هو الخسران المبين .

(1 ) أبو العتاهية ( 130 - 211 ه - 748 - 826 م ) إسماعيل بن القاسم بن سويد العيني العنزي بالولاء » أبو إسحاق الشهير بأبي العتاهية » شاعر مكثر » سريع الخاطر » في شعره إبداع وهو يعد من مقدمي المولدين » كان جيد القول في الزهد والمديح وأكثر أنواع الشعر في عصره ء ولد في « عين التمر » ونشأ في الكوفة » وسكن بغداد » كان يبيع الجرار ثم اتصل بالخلفاء فعلت مكانته . توفي في بغداد . ( الأعلام 1 / 321 » ولسان الميزان 1 / 426 » ووفيات الأعيان 1 / 219 - 226 ) . (2 ) القذى : يقال هو يفضي على القذى أي يسكت على الذل والضيم ولا يشكو الغير : غير الدهر : أحداثه وأحواله المتغيرة من الصلاح إلى الفساد . (3 ) الوطر : الحاجة والبغية ( ج ) أوطار » حذافير الشيء : جوانبه وأعاليه ونواحيه . ( 4 ) أبو منصور الثعالبي ( 350 - 429 ه - 961 - 1038 م ) عبد الملك بن محمد بن إسماعيل » من أئمة اللغة والأدب من أهل نيسابور . كان فرّاءا يخيط جلود الثعالب فنسب إلى صناعته » واشتغل بالأدب والتاريخ فنبغ . صنف الكتب الكثيرة منها « يتيمة الدهر » و « فقه اللغة » وغيرهما . ( الأعلام 4 / 163 » وشذرات الذهب 3 / 246 » ووفيات الأعيان 3 / 8 . 00 ( 5 ) السلاف : الخمر أول ما تعصر . وما سال وما تحلّب من عصير العنب قبل العصر ء وأخلص الخمر وأفضلها . القصارى : الجهد والغاية . ( 6 ) صفر اليدين : أي ليس في يده شيء . : « 274 » قال أبو هاشم الزاهد » رضي الله عنه : « إن الله وسم الدنيا بالوحشية ؛ ليكون أنس المريدين به دونها » وليقبل المطيعون إليه بالإعراض عنها » وأهل المعرفة باللّه من الدنيا مستوحشون » وإلى الآخرة مشتاقون » وقيل : أوحى الله تعالى إلى الدنيا تضيّقي وتشددي على أوليائي » وترفهي وتوسعي على أعدائي : تضيّقي على أوليائي حتى لا يتعرفوا بك عني » وتوسعي على أعدائي حتى يشتغلوا بك عني » فلا يتفرغوا لذكري . 0 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( علم أنك لا تقبل النصح المجرد فذؤقك من ذواقها ما يسهّل عليك وجود فراقها ). النصح المجرّد لا يقبله إلا من لم يستحكم فيه حب العاجلة والأنس بلذاتها الفانية » وكان كريم الطبع سهل القياد وأمّا من رسخت فيه تلك الخبائث » وتمكنت من باطنه » وكان لثيم السجيّة صعب المقادة » فلا بد في قصد هدايته وإرشاده من زيادة على النصح والوعظ » وهو : وجود ما يقهره ويجبره » وليس ذلك إلا ما ذكرناه » فاعرف قدر النعمة عليك بذلك » واعمل بمقتضاها » وسلّم لربك في حكمته وقدرته وحسن ظنَّك به . وقد تقدّم هذا المعنى عند قوله : ( من لم يقبل على الله بملاطفة الإحسان قيّد إليه بسلاسل الامتحان 1 1 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( العلم النافع هو الذي ينبسط في الصدر شعاعه . وينكشف به عن القلب قناعه ). العلم النافع هو العلم باللّه تعالى وصفاته وأسمائه » والعلم بكيفية التعبّد له والتأدب بين يديه » فهذا عنه الشكوك والأوهام .

وفي حكمة داود » عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام » « العلم في الصدر كالمصباح في البيت 4 وقال محمد بن علي الترمذي » رضي الله عنه : « العلم النافع هو الذي تمكن في الصدور وتصور » وذلك أن النور إذا أشرق في الصدور تصوّرت الأمور حسنها وسيئها » ووقع بذلك ظل في الصدور فهو صورة الأمور فيأتي حسنها ويجتنب سيئها » فذلك العلم النافع من نور القلب خرجت تلك العلائم إلى الصدور ٠‏ وهي علامات الهدى . ا ا ا ا ا قد أطاحت به وأذهبت بظلمتها ضوءه . 0101 002 « 2/75 » وقال مالك بن أنس « 1 » رضي الله عنه : « ليس العلم بكثرة الرواية » وإنما هو نور يقذفه الله تعالى في القلوب » . وإنما منفعة العلم أن يقرّب العبد من ربه » ويبعده عن رؤية نفسه » وذلك غاية سعادته ومنتهى 5500 قال الجنيد » رضي الله تعالى عنه : « العلم : أن تعرف ربّك » ولا تعدو قدرك » . وهذه عبارة مختصرة وجيزة » جمع فيها - رحمه الله - مقصود علوم الصوفية » وهي : معرفة الله تعالى ء وحسن الأدب بين يديه وهذه هي العلوم التي ينبغي للإنسان أن يستغرق فيها عمره الطويل » ولا يقنع منها بكثير ولا قليل . وقد قال سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه : من لم يتغلغل في هذه العلوم - يعني علوم الصوفية - مات مصرًا على الكبائر وهو لا يعلم وما سوى هذه العلوم قد لا يحتاج إليها » وربما أضرّ بصاحبها مداومته عليها » وقد استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخبر المشهور عنه « من علم لا ينفع » . ثم ذكر المؤلف » رحمه الله تعالى » عبارة أخرى في بيان العلم النافع وتعريفه بلازمه ‏ 2 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( خير العلم ما كانت الخشية معه ). خير العلوم ما يلزم وجود الخشية لله تعالى ؛ لأن الله تعالى أثنى على العلماء بذلك » قار عر فين قال :إنّما يَحْشَى اللَّهَ مِنْ عِبِادِهِ الْعْلَماءُ فاطر : 28 ] فكل علم لا خشية معه فلا خير فيه » بل لا يسمى صاحبه عالما على الحقيقة . قال الربيع بن أنس « 2 » » رحمه الله » في قوله تعالى :نما يَحْشَى الله مِنْ عِبِادِهٍ الْعْلَماءُ من ليخد الله فلي بعالم » الا ترى أن داوة - علية و على نينا الفيااة والسلاء - قال + 3لكا بأنك جعلت العلم خشيتك والحكمة الإيمان بك فما علم من لم (1 ) مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحميري ( 93 - 179 ه - 712 - 795 م ) أبو عبد الله إمام دار الهجرة . وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة » وإليه تنسب المالكية » مولده ووفاته بالمدينة » كان صلبا في دينه » بعيدا عن الأمراء والملوك . صنف « الموطأ » وله رسالة « الوعظ » وغيرهما . ( الأعلام 5 / 257 » وحلية الأولياء 6 / 316 » ووفيات الأعيان 4 / 5 - 139 » وتهذيب الكمال 17 / 381 ) . (2 ) الربيع بن أنس البكري , البصري ثم الخراساني » ثقة » صدوق » روى عن أبيه وعن جده ؛ وروى عنه فليح بن سليمان ومصعب بن الأسقع وغيرهما . مات في خلافة أبي جعفر المنصور وقيل : مات في سجن مرو . وذكر الذهبي أنه توفي سنة ( 139 ) أو ( 140 ) ( تهذيب الكمال 6 / 125 ) . 013 1014 « 276 » يخشك » ولا حكمة لمن لم يؤمن بك ! » .

: ' قال في « لطائف المنن » : « فشاهد العلم الذي هو مطلوب الله الخشية لله تعالى » وشاهد الخشية موافقة الأمر أما علم تكون معه الرغبة في الدنيا والتملق لأربابها » وصرف الهمّة لاكتسابها . والجمع والادخار والمباهاة والاستكثار وطول الأمل ونسيان الآخرة » فما أبعد من هذا العلم علمه من أن يكون من ورثة الأنبياء ؛ وهل ينتقل الشيء الموروث إلى الوارث إلا بالصفة التي كان بها عند الموروث عنه ؟ ١ش ١‏ ومل من هذه الاورحاتك اانه 1 نلعتل الف ل فلن عر 1 لكر 1 انننتا! جعل الله العلم الذي علمه من هذا وصفه حجة عليه وسببا في تكثير العقوبة لديه » اه . كان سيل ب عدا رصن ا عي ينون 200 تدرا اع عن امو اليو 70 بمشررة العلماء تحمدوا العاقبة نع الله تعالن : فيل باذأبا محف : من العلماء © قال : الذين يؤثرون الآخرة على الدنيا » ويؤثرون الله تعالى على نفوسهم » . وقد قال عمر بن الخطاب » رضي الله تعالى عنه » في وصيته : « وشاور في أمرك الذين يخشون الله تعالى » . وقال الواسطي » رضي الله تعالى عنه : « أرحم الناس العلماء ؛ لخشيتهم من الله تعالى وإشفاقهم مما علّمهم الله عرٍّ وجل » ا 5 : « طلب العلم تكفل الله له برزقه » 0 العلم حيث ما تكرر في الكتاب العزيز أو في السنة إنما المراد به العلم النافع الذي تقارنه الخشية وتكتنفه المخافة قال الله سبحانه :إِنَّما يَخْشَى الله مِنْ عِبادِهٍ الْعُلَماءُ فاطر : 8 ] فبيّن أن الخشية تلازم العلم . وفهم من هذا أن العلماء إنما هم أهل الخشية » وكذلك قول الله تعالى :قال الَّذِينَ أوتُوا الْعلَم [ القصص : 80 ] وَكُلْ رَبّ زِدْنِي عِلْمأَرَطه 4 ] وَالرَّاسِحُونَ فِي الْعِلْم [ آل عمران 7] وقوله صلى الله عليه وسلم : « إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم » « 1 » وقوله : « العلماء ورثة الأنبياء » « 2 » وقوله هنا : « طالب العلم تكفل اللّه برزقه » إنما المراد بالعلم في هذه المواطن : العلم النافع القاهر للهوى » القامع للشهوة ؛ وذلك متعيّن ارو ل قا ا رلا لل ارا لي ار ل 2 وقد بينا ذلك في غير هذا الكتاب - والعلم النافع هو الذي يستعان به على (1 ) أخرجه أبو داود ( علم » 1 ) والترمذي ( علم » 9 ) » والنسائي ( طهارة » 112 ) » وابن ماجة ( مقدمة » 17 ) » وأحمد بن حنبل ( 4 » 239 ٠ 5 » 241 ٠ 240 ٠‏ 196 ) . (2 ) أخرجه البخاري ( علم » 10 ) [ في الترجمة ] » وأبو داود ( علم » 1 ) وابن ماجة ( مقدمة » 17 ) والدارمي ( مقدمة » 32 ) » وأحمد بن حنبل ( 5 ٠‏ 196 ) . 4025 « 2/7/7 » طاعة الله عزّ وجل » ويلزمك المخافة من الله تعالى » والوقوف على حدود الله » وهو علم المعرفة باللّه » ويشمل العلم النافع العلم باللّه والعلم بما أمر الله به إذا كان تعلّمه لله تعالى » اه .

وقد تقدّم المعيار الصادق على صحة دعوى التعلّم وال” لتعليم لله عند قوله ( إذا التبس عليك أمران ) وقال الشيخ أبو عبد الرحمن 70 لال 0 : « كل علم لا يورث صاحبه الخشية والتواضع والنصيحة للخلق والشفقة عليهم » ولا يحمله على حسن معاملة الله تعالى ودوام مراقبته وطلب الحلال وحفظ الجوارح وأداء الأمانة ومخالفة النفس ومباينة الشهوات فذلك العلم الذي لا ب و الى انس يه اي على اه عليه رسلم نور" » أعوذ بك من علم لا ينفع » « 1 » ووصف الله تعالى العلماء بَالخشية فقال : « إنما يخشى الله من عباده العلماء » . وقال رجل للشعبي : أيها العالم » فقال : اسكت » العالم من يخشى الله تعالى . وقال بعض السلف : « من ازداد علما فليزدد خشوعا » . وقال رجل للجنيد » رضي الله عنه : أيّ العلم أنفع ؟ قال : « ما دلّك على الله تعالى » وأبعدك عن نفسك » . قال : والعلم النافع : ما يدل صاحبه على التواضع » ودوام المجاهدة » ورعاية السرّ » ومراقبة الظاهر » والخوف من اله » والإعراض عن الدنيا وعن طالبيها » والتقلل منها » ومجانبة أربابها » وترك ما فيها على من فيها من أهلها » والنصيحة للخلق » وحسن الخلق معهم » ومجالسة الفقراء » وتعظيم أولياء الله تعالى » والإقبال على ما يعنيه » فإن العالم إذا أحب الدنيا وأهلها وجمع منها فوق الكفاية يغفل عن الآخرة وعن طاعة الله تعالى بقدر ذلك » وقد قال الله عر وجل يَعْلَمُونَ ظاهراً مِنَ الْحَياةٍ الذَّنِياوَهُمْ عَنِ الْآخِرَةٍ هُمْ غافِلُونَ [ الروم 7 وقال النبي صلى الله عليه وسلم : « من أحبّ دنياه أضرّ بآخرته ومن أحبّ أخرته أضرٌ بدنياه ؛ ألا فآثروا ما يبقى على ما يفنى » « 2 » . وقال الفضيل بن عياض » رضي الله تعالى عنه : « العالم طبيب الدّين وحبٌ الدنيا داء الدين ؛ انا كن اليك بكر الذاء إلى تيه فى بوره غيره 76 (1 ) أخرجه صاحب ( ميزان الاعتدال 4119 )‏ والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 1 / 007 (2 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( 4 » 412 ) . 006 » 2/8 « فإذا وفّق الله العالم من العلماء للإقبال على الله وعلى أوامره » والإعراض عن الدنيا وما فيها اه 1 1 فأوّل ما يلزمه أن يعرف نعم الله عليه في ذلك ويقوم بواجب الشكر » ويزيد تواضعا واجتهادا ؛ ويعلم أنه محمول على ذلك » وأن ذلك بتوفيق من الله تعالى » لا بمجاهدة منه ؛ فإن مجاهدته أيضا ومعرفته لنعم الله عليه بزيادة توفيق الله . فإذا كان العامل بهذا المحل من الدين كان إماما يقتدى به في أحكام الظاهر وأحوال الباطن » يهتدي بنوره كل من صحبه » ويستضيء بعلمه كلّ من اتّبعه ويكون حجّة لله على عباده » وبركة فى بلاده . ومن قاده علمه إلى طالب الدنيا وطلب العلوٌ فيها » وطلب اتّباع الرياسة واستتباع الخلق فهو العلم الذي هو غير النافع » وهو المغترٌ به » ولا حسرة أعظم من أن يهلك العالم بما يرجو به نجاته . ونحن نعود بالله من الخذلان » انتهى ‏ ثم عبّر المؤلف » رحمه الله تعالى » بعبارة أخرى من معنى ما تقدّم فقال :العلم إن قارنته الخشية فلك وإلا فعليك . العلم الذي تلازمه الخشية لك ؛ لأنك تنتفع به في دنياك وآخرتك . وليس ذلك إلا ما ذكرناه . والعلم الذي لا خشية فيه عليك » لأنك تستضرّ به فيهما . وهذا هو الفرق بين علماء الآخرة وعلماء الدنيا » من حيث إن علماء الآخرة موصوفون بالخشية والرهبة » وعلماء الدنيا موسومون بالأمن والغرّة .

وقد بيّن علماؤنا » رضي الله عنهم » حال الفريقين وأوضحوا أمرهم بالنعوت والعلامات » وأطالوا في ذلك النفس » لما شاهدوا من انتشار الفساد في الأرض بسبب جهل الناس بالعلم النافع أي شيء هو ! ! فمن أراد الشفاء في ذلك واستيفاء الكلام عليه » وما في ذلك من الأخبار والآثار فعليه بالنظر في كتاب « العلم » من كتاب « إحياء علوم الدين » « 1 » لأبي حامد الغزالي » رضي الله تعالى عنه » ولباب ذلك ما ذكره المؤلف ٠»‏ رحمه الله » هاهنا . وقد قال الفضيل بن عياض . رضي الله عنه : « كان العلماء ربيع الناس إذا نظر إليهم (1 ) كتاب « إحياء علوم الدين » من أجل كتب المواعظ وأعظمها » وهو مرتب على أربعة أقسام ربع العبادات وربع العادات المهلكات وربع المنجيات في كل منها عشرة كتب ( كشف الخنون 2307/21). 107 4018 » 2/9 « المريض لم يسرّه أن يكون صحيحا , وإذا نظر إليهم الفقير لم يودّ أن يكون غنيا » وقد صاروا اليوم فتنة على الناس » . قال هذا في زمانه الصالح » فكيف لو أدرك زماننا هذا ؟ ! فإنًا لله وإنا إليه راجعون . واعلم أنه قد ورد في الكتاب والسنة من فضل العلم والعلماء ما لا يحصى كثرة » ولا يرجى حصول ذلك إلا لمن صحّت فيه نيّته وصحّة نيّته في ذلك أن يكون غرضه فيه طلب مرضة الله تعالى واستعماله فيما ينفع عنده » وإيثاره الخروج عن ظلمة الجهل إلى نور العلم » فهذه هي النية الصحيحة التي تحمد عاقبتها آجلا » وتجتنى ثمرتها في طاعة الله عاجلا . وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « كلّ يوم لا ازداد فيه علما يقرّبني من الله عز وجل فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم » « 1 » . وقال الحسن » رضي الله تعالى عنه : « كان الرجل إذا طلب العلم لم يلبث أن يرى ذلك في تخشعه ولباسه وبصره ولسانه وصلاته وهديه وزهده » وإن كان الرجل ليصيب الباب من أبواب العلم فيعمل به فيكون خيرا له من الدنيا بما فيها لو كانت له ليضعفها في الآخرة وليأتين على الناس زمان يشتبه فيه الحق والباطل » فإذا كان ذلك لم ينفع فيه إلا دعاء كدعاء الغريق » . وقال سفيان الثوري » رضي الله عنه : « إنما يتعلم العلم ليتقي به الله » وإنما فضل العلم على غيره ؛ لأنه يتقي الله به » . فإن اختل هذا المقصد . وفسدت نية طالبه : بأآن يستشعر به التوصل إلى منال دنيوي » من مال أو جاه » فقد بطل أجره » وحبط عمله » وخسر خسرانا مبينا . قال الله عر وجل »مَنْ كان يُرِيدُ حَرْتَ الْآخِرَةٍ نَزِذ لَهُ في حَرْيِهِ ٠‏ وَمَنْ كان يُرِيدُ حَرْتَ الذُنِيا نُوْتِه مِنها وَما لَهُ فِي الآخِرَةٍ مِنْ نصِيي[ الشورى : 20 ] . م مما يبتغي به وجه الله تعالى لا يتعلمه إلا ليصيب به غرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة » يعني : ريحها . وكان الحسن » رضي الله عنه » يقول : « واللّه ما طلب هذا العلم أحد إلا كان حظّه منه ما أراد به » . (1 ) أخرجه العجلوني في ( كشف الخفاء 2 / 183 ) » والفتني في ( تذكرة الموضوعات 22 ). 4029 0030 « 280 » وقال الحسن : « عقوبة العالم موت القلب فقيل له : وما موت القلب ؟ قال : طلب الدنيا بعمل الآخرة » .

فإذا انضاف إلى هذا الغرض أن يتصدّى به إلى تولّي الأعمال السلطانية كائنة ما كانت » أو يتوصّل به إلى اكتساب مال من حرام أو شبهة » فقد تعرّض لغضب الله تعالى وسخطه وباء بإثمه وآثام المقتدين به » وكان الجهل إذ ذاك خيرا له من العلم وأحمد عاقبة . وقال أبو عمر بن عبد البرّء رحمه الله تعالى : « . . وروينا عن الأوزاعي « 1 » » رضي الله عنه » قال : شكت النواويس إلى الله عرّ وجل » ما تجد من نتن جيف الكفار » فأوحى الله تعالى إليها : « بطون علماء السوء أنتن مما أنتم فيه » قال : وروينا عن الفضيل بن عياض ٠‏ وأسد بن الفرات « 2 » » قال : بلغني أن الفسقة من العلماء ومن حملة القرآن يبدأ بهم يوم القيامة قبل عبدة الأوثان « 3 » » قال الفضيل بن عياض ٠»‏ رضي الله عنه : لأن من علم ليس كمن لم يعلم » . قلت : والغالب على طلبة العلم في هذه الأعصار هذا الوصف المذموم ؛ لأن حب الدنيا قد ولذلك أمارات وعلامات لا تحصى ولا تخفى » وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « يخرج في آخر الزمان رجال يختلسون الدنيا بالدين » يلبسون للناس جلود الضأن من اللين » ألسنتهم أحلى من العسل » وقلوبهم قلوب الذئاب » يقول الله تَعالى : أبي تغترّون » أم علي تجترئون » فبي حلفت لأبعثنَ على أولئك فتنة تدع الحليم منهم حيران » « 4 » رواه أبو هريرة رضي الله عنه . وروى أبو الدرداء » رضي الله تعالى عنه » عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « أنزل (10 )الأدراغي (880- 157 ه - 774-707 ) عبد الرحمن بن عمرو بن يَكَند الأوزاعي ٠‏ أبو عمرو إمام الديار الشامية في الفقه والزهد » وأحد الكتاب المترسلين » ولد في بعلبك ونشأ في البقاع وسكن بيروت وتوفي بها . وعرض عليه القضاء فامتنع » له كتاب « السنن » في الفقه . ( الأعلام 3 / 320 ٠‏ وشذرات الذهب 1 / 241 ٠‏ ووفيات الأعيان 3 / ااة (2 ) أسد بن الفرات ( 142 - 213 ه - 759 - 828 م ) بن سنان مولى بني سليم ‏ أبو عبد الله قاضي القيروان وأحد القادة الفاتحين . أصله من خراسان . ولد بحرّان » ونشأ بالقيروان ثم بتونس » ورحل إلى المشرق في طلب الحديث » ثم ولي قضاء القيروان » وكان شجاعا حازما صاحب رأي . فتح جزيرة صقلية » وهو مصنف « الأسدية » في فقه المالكية . ( الأعلام 1 / ل 5" الوثن 10 01031 002 » 281 « تعالى في بعض الكتب - أو أوحى الله تعالى إلى بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - قل للذين يتفقهون لغير الدين ويتعلمون لغير العمل ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة ويلبسون للناس مسوك « 1 » الكباش وقلوبهم كقلوب الذئاب السنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمرّ من الصبر إِيَاي يخادعون وبي يستهزئون لاتيحنّ لهم فتنة تدع الحليم فيهم حيران » « 2 » .

وفي بعض الأخبار المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يأتي على الناس زمان لا يبقى من القرآن إلا رسمه » ولا من الإسلام إلا اسمه » قلوبهم خربة من الهدى » ومساجدهم عامرة من أبدانهم » شر من تظل السماء يومئذ علماؤهم » منهم تخرج الفتنة وإليهم تعود "0 واعلم أنّ العلم النافع المتفق عليه فيما سلف وخلف إنما هو العلم الذي يؤدي بصاحبه إلى الخوف والخشية » وملازمة التواضع والذلة » والتخلّق بأخلاق الإيمان » وتوافق الإسرار والإعلان » إلى ما يتبع ذلك من بغض الدنيا والزهادة فيها » وإيثار الآخرة عليها » والموالاة في الله » والمعاداة فيه » والحرص على التفطن للأسباب الباعثة له على الاستقامة » ولزوم الأدب بين يدي الله تعالى فيراعيها حفظا وطلبا » ومعرفة الأسباب المضادة له عن ذلك فيرفضها رفضا وهربا » إلى غير ذلك من الصفات العلية والمناجي السنيّة » فبهذا كلّه يحصل له فوائد العلم وثمراته الدنيوية والأخروية . فإذا خلا طالب العلم عنها » أو عن بعضها » فإن كان ما يطلبه علما حقيقيا كان حجة عليه » وإن كان رسميا كان وبالا واصلا إليه . والعياذ بالله من ذلك . قال في « لطائف المنن » : « ربما غرّ الغافل من طلبة العلم من قال : طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا الله » وليس في قول هذا القائل ما يستروح إليه من طلب العلم للرياسة والمنافسة به وإنما أخبر هذا القائل عن أمر منّ به عليه . وفتنة سلّمه الله منها » لا يلزم أن يقاس عليه فيها غيره » وذلك بمثابة من به مرض مزمن في المعى أعيا علاجه الأطباء وضاق عليه خلقه » فأخذ خنجرا وضرب به مراق بطنه ليقتل نفسه . فصادف ذلك المعى فقطعه . فخرج الداء منه » فهذا لا يستصوب العقلاء فعله » وأنه نجحت عاقبته » وليست سلامة العواقب رافعة للعتب عن الملقين أنفسهم للتهلكة : (1 ) المسك : الجلد ( ج ) مسك ومسوك . (2 ) أخرجه البخاري ( علم » 16 ٠ ) 44 ٠» 19 ٠‏ ( بدء الخلق 16 ) » ( أنبياء » 54 ) ٠‏ ( تفسير سورة » 18 »2 » 4 » 33 » 8 ) » ( توحيد » 31 ) » ومسلم ( سلام » 17 » 149 » 0 ) توبةء 49 ) » وأبو داود ( أدب » 164 ) » والترمذي ( تفسير سورة » 11 » 7 ٠‏ 18 2١» 85 » ٠‏ )»ء والنسائي ( صيد » 38 ) » نساء » 3 ) » وابن ماجة ( صيد » 10 ) ( أنبياء » 7 ( فتن 33) ؛ واحمد بن حنيل (:2: 170 347-313 ١3-١403‏ 178 5: 6 11251101186 0013 » 282 « وقال في موضع آخر : « . . . ولا يغرّنك أن يكون به انتفاع للبادي والحاضر , فقد قال صلى الله عليه وسلم : « إن الله تعالى يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر » « 1 » . ومثل من تعلّم العلم لاكتساب الدنيا وتحصيل الرفعة فيها كمثل من رفع العذرة بملعقة من الياقوت » فما أشرف الوسيلة وما أخس المتوسّل إليه ! ! ومثل من قطع الأوقات في طلب العلم فمكث أربعين سنة أو خمسين سنة يتعلّم العلم ولا يعمل به كمثل من قعد هذه المذة يتطهّر ويجدد الطهارة فلم يصلّ صلاة واحدة ! ! إذ المقصود العلم العمل » كما أنّ المقصود بالطهارة وجود الصلاة . ولقد سأل رجل الحسن البصري عن مسألة فأفتاه فيها » فقال الرجل للحسن : قد خالفك الفقهاء ! ! فزجره الحسن وقال : ويحك ! ! وهل رأيت فقيها ؟ ! إنما الفقيه الذي فقه عن الله أمره ونهيه .

قال : وسمعت شيخنا أبا العباس يقول : « الفقيه من انفتق الحجاب عن عين قلبه » والرجل الذي سأل الحسن البصري هو « فرقد لسنجيّ » » والله أعلم . وقد روي عنه في صفة الفقهاء كلام أتمّ مما ذكره صاحب كتاب « لطائف المنن » . قال فرقد السنجي : « سألت الحسن عن مسألة فأجابني عنها » فقلت له : إن الفقهاء يخالفونك ! ! فقال لي : ثكلتك أمَّك فريقد ! ! وهل رأيت فقيها بعينك ؟ ! إنما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة . البصير بدينه المداوم على عبادة ربّه » الورع الكافت نفسه عن أعراض المسلمين » العفيف عن أموالهم الناصح لجماعتهم » المجتهد في العبادة دونه » ولا يأخذ على علم علّمه الله له حطاما » . قلت : وعلى المعلم أن يتفقد أحوال من يتعلم منه . فلا يبذل علمه إلا لمن يتوسم فيه الخير والصلاح ؛ إذ بذلك تستقيم له النيات والمقاصد التي ذكرناها » ولا يبذله لمن سوى هذا ممن علم حاله أو جهله . قال رجل لسفيان الثوري » رضي الله عنه : « إنك إن نشرت ما معك من العلم (1 ) أخرجه البخاري ( جهاد ؛ء 182 ) ٠‏ ( مغازي 38 ) » ( قدر »ء 5 ) » ومسلم ( إيمان . 8) وابن ماجة ( فتن » 35 ) » والدارمي ( سير » 73 ) » وأحمد بن حنبل ( 2 » 309 » 5 0 114 » 283 « رجوت أن ينفع به الله بعض عباده وتؤجر على ذلك . فقال سفيان الثوري : واللّه لو أعلم بالذي يطلب هذا العلم لا يريد به إلا ما عند الله لكنت أنا الذي آتيه في منزله ؛ فأحدّئه بما عندي ممن أرجو أن ينفعه اللَّه به » . وقد سئل بعض العلماء عن شيء فلم يجب » فقال له السائل : أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من كتم علما نافعا جاء يوم القيامة ملجما بلجام من النار « 1 » ؟ ! فقال له : اترك اللجام واذهب » فإن جاء من يستحقه وكتمته فليلجمني به » . وفي قوله عرّ من قائل :ولا تُؤتُوا السّفَهاءَ أَمُوَالَكُمُ[ النساء : 5 ] تنبيه على أن حفظ العلم ممن يفسده ويستضرٌ به أولى » كما قيل : ومن منح الجهّال علما أضاعه ومن منع المستوجبين فقد ظلم وقد حكى عن بعض الأمم السابقة أنهم كانوا يختبرون المتعلّم مدة في أخلاقه ؛ فإن وجدوا فيه خلقا رديئا منعوه من العلم أشدّ المنع » وقالوا : إنه يستعين بالعلم على مقتضى الخلق الرديء فيصير العلم آلة شرّ في حقّه . وقد قالت الحكماء : « زيادة العلم في الرجل السوء كزيادة الماء في أصول الحنظل 5002 كلما ازداد ريا ازداد مرارة » . وهذا كلّه صحيح مجرّب ء فينبغي إذن للعالم أن لا يهمله بل يراعيه ٠‏ ويمتثله » ولا اعتبار بما يتوهمه في تعليمهم من وجود المصالح على تقدير حصول توفيق الله تعالى لهم لأن يعملوا ببعض فإنّ المفاسد التي تقع بسبب ذلك لهم في خاصة أنفسهم » والمفاسد التي تتعدى منهم إلى غيرهم أكثر » ودرء المفاسد أهمّ عند العقلاء من جلب المصالح » أمّا المفاسد التي تختصْ بهم فهي تقوية صفاتهم الذميمة وأخلاقهم اللثيمة بما يطلبونه من العلم » لأنهم يستشعرون بذلك التوصل إلى جميع مطالبهم الدنيوية على غاية الكمال والتمام : فإذا استشعروا بذلك توجهوا بهممهم إليه » وعكفوا بالجدّ والاجتهاد عليه » ولولا هذا الاستشعار لم المذكورة فرحوا بذلك واغتبطوا به » » لأن ذلك متعلق بأسباب الدنيا » وهي بمنزلة السمّ القاتل الذي يوجب موت قلوبهم وقسوتها وبعدها عن (1 ) أخرجه ابن ماجة ( مقدمة » 24 ) » وأحمد بن حنبل ( 2 ٠ 499 ٠ 296 ٠‏ 508 ) .

(2 ) الحنظل : نبات عشبي بري حولي معترش من فصيلة القرعيات ثمرته في حجم البرتقالة ولونها فيها لب شديد المرارة » كان ولا يزال يستعمل في الطب ويزرع في الحدائق الطبية . 005 006 » 284 « التأثر بالمواعظ والحكم » كما قيل : إذا قسا القلب لم تنفعه موعظة كالأرض إن سبخت لم ينفع المطر « 1« وعند ذلك تنتعش نفوسهم » وتتقوى صفاتها » وتظهر آثار ذلك على ظواهرهم من التكالب على الدنيا » والركون إلى من هي عنده من أبنائها المترفين » وليس لهم ما يتوسلون به إليهم سوى علمهم » فيحتالون على تحصيل إقبالهم عليهم » وصرف وجوههم إليهم بالتفنن عندهم بأنواع من الحيل ؛» ولا يسلمون في ذلك من الرياء والتصنع والنفاق والدهان » ويجزهم ذلك إلى أنواع من المحظورات وضروب من العصيان مع ما يحل بهم في ذلك من الذل والهوان » فإذا نالوا ذلك أو بعضه حصل لهم مقصود نفوسهم » وتمكنوا من جميع حظوظهم » فخرجوا من الحرية إلى امتساد الاخيار : واستبداوا بالجيل السافع العله الحكار ‏ وقد قال الفضيل بن عياض : « لو أن أهل العلم أكرموا أنفسهم وشحًّوا على دينهم » وأعزوا العلم » وصانوه » وأنزلوه حيث أنزله الله لخضعت لهم رقاب الجبابرة » وانقاد لهم الناس » وكانوا لهم تبعاء وعرّ الإسلام وأهله » ولكنهم أذْلُوا أنفسهم » ولم يبالوا بما نقص من دينهم إذ سلمت لهم دنياهم » فبذلوا علمهم لأبناء الدنيا ليصيبوا بذلك ما في أيدي الناس ٠‏ فذلّوا وهانوا على الناس » لشفي وله جر الشباعره رحده انه : حيط برل : ١ ٠ , : يقولون لي‎ فيك انقباض وإنما راوا رجلا عن موقف الذل أحجما ‏ . إذا قيل هذا مورد قلت : قد أرى ولكن نفس الحرٌ تحتمل الظما قاع برق لاع ل لور 228 رض كن اهن بار مل رجا ا ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي لأخدم من لاقيت إلا لأخدما أأغرسه عزا وأجنيه ذلّة إذن فاتّباع الجهل قد كان أحزما . ولو أنّ أهل العلم صانوه صانهم ولو عظموه في النفوس لعظّما ولكن أهانوه فهانوا » ودنّسوا محيّاه بالأطماع حتى تجهّما وقال وهب بن منبه رضي الله عنه » لعطاء الخراساني : « كان العلماء قبلنا قد استغنوا بعلمهم عن دنيا غيرهم » وكانوا لا يلتفتون إلى دنيا غيرهم » وكان أهل الدنيا يبذلون لهم دنياهم رغبة في علمهم » فأصبح أهل العلم فيها اليوم يبذلون لأهل الدنيا علمهم رغبة في دنياهم » فأصبح أهل الدنيا قد زهدوا في علمهم لما رأوا من سوء موضعه عندهم » . وقال ذو النون المصري » رضي الله عنه : « كان الرجل من أهل العلم يزداد بعلمه بغضا للدنيا » وتركا لها » فاليوم يزداد الرجل بعلمه للدنيا حبّا » ولها طلبا » وكان الرجل ينفق ماله على علمه ويكسب الرجل اليوم بعلمه مالا » وكان يرى على طالب العلم زيادة (1 ) سبخت الأرض : كان ذات سباخ فهي سبخة » والسبخة أرض ذات نز وملح لا تكاد تنبت . 4137 » 285 « في باطنه وظاهره » فاليوم يرى على كثير من أهل العلم فساد في الباطن والظاهر » . فانظر - رحمك الله - إلى ما ذكره هؤلاء الفضلاء تجده لازما لطلبة هذا الزمان » « وليس الخبر كالعيان » . ثم بعد وقوع هذه المفاسد بهم » وتوغلهم بها في سوء أدبهم يتعذر عليهم بعد ذلك سلوك طريق الحق لما استحكم في قلوبهم من علامات سوء الخلق ؛ فقد قيل : التعمق في الباطل قطع لآمال الرجوع عنه » فكلما كان بعد المسافة من الحق أتم كان اليأس من الرجعة أوجب . ٠‏ وأعظم الوبال عليهم اغترارهم بحالهم » واستحسانهم لسيء أعمالهم .

واعتقادهم أنهم سالكون سبيل النجاة في الدار الآخرة ونيل الثواب فيها ‏ وأنهم هم الذين حازوا الرتب الشريفة » والمناقب المنيفة » التي اختص بنيلها العلماء الذين هم ورثة الأنبياء » وليس عندهم من المعرفة وعلوم التحقيق ما يخرجون به من هذا الغرور ؛ لأنهم لم يسلكوا طريق ذلك » ولم يهتدوا لما هنالك ٠‏ فهذا هو الفساد الذي يختص بهم ولا يشاركون غيرهم فيه . وأمّا الفساد الذي يتعدّى إلى غيرهم فأظهر من كل ظاهر » وناهيك بمن ملكته نفسه أشدّ ملك » واستعبدته أشدّ استعباد هل يبقى عليه شيء من الشر أو نوع من أنواع الفساد إِلّا ويقع فيه إذا 5 00 ومن دقيق ما يسري عنهم من الفساد من غير قصد منهم لذلك وقوع الاغترار للجهلة والأغمار بمشاهدة حالهم » فإنهم يشاهدونهم قد حازوا من رتب الدنيا ما أرادوه ويتوهمون انهم نالوا شرف الآخرة بما أفادوه واستفادوه » فيحملهم ذلك على الاقتداء بهم في طلب العلم إن كانوا ممن فيه قابلية لذلك » فيقعوا فيما وقعوا فيه من المهالك ٠‏ أو يؤدّيهم ذلك إلى محبتهم » وموالاتهم » واتخاذهم أربابا يسمعون منهم ويطيعونهم في أوامرهم ونواهيهم » ثم يخرج بهم استحسان حالهم إلى الداء الدفين « 1 » » وهو مسارقة طباعهم الدنيئة وأخلاقهم الرديئة فإن نفوس العامة قابلة لذلك » ومهيّأة له » بمنزلة الصبي الذي ترسخ فيه أخلاق آيائه » ومنازعهم » ومذاهبهم » وعند ذلك يبطل في حقهم ما هو مقصود من بعثة الرسل من التزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة » وحبٌ الفقر والمسكنة » وإيثار التواضع والذلة ؛ ٠ ١‏ والتخلّق بأخلاق الإيمان والإسلام » وشدة الحذر من ارتكاب المناهي والآثام : ثم يؤول بهم ذلك إلى الشرك الخفيّ والجليّ » ثم يحيق بهم المكر السيء » والعياذ باللّه تعالى . ويكون وبال جميع ذلك راجعا إلى العالم لتيسير أسباب ذلك على يديه » ولقد صدق ابن المبارك رحمه الله حيث يقول : (1 ) الداء الدفين : لا يعلم به . 01038 0019 « 292 » وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها فباعوا النفوس ولم يربحوا ولم تغل في البيع أثمانها لقد رتع القوم في جيفة يبين لذي العقل أنتانها وروى عن حذيفة بن اليمان « 1 » ٠‏ رضي الله تعالى عنه : « أنه أخذ حصاة بيضاء فوضعها في كفّه » ثم قال : إن الدين قد استضاء إضاءة هذه » ثم أخذ كفًا من تراب » فجعل يذره على الحصاة حتى واراها « 2 » » ثم قال : والذي نفسي بيده ليجيئن أقوام يدفنون الدين هكذا كما دفنت هذه الحصاة » ولتسلكنٌ سبيل الذين كانوا من قبلكم حذو القدم بالقدم والنعل بالنعل » . قلت : ومنشأ وجود هذه المفاسد خراب بواطنهم » وظلمة قلوبهم بسبب فقد اليقين منها » وانكساف أنوار الإيمان فيها » وإفلاسهم من حقائق ذلك » وعدم اختصاصهم بشيء منه » فصاروا بذلك مأسورين لأهوائهم » منقادين لأغراضهم وآرائهم » ففسدت بذلك نياتهم ومقاصدهم ٠‏ « والأعمال بالنيات » « 3 » ؛ فإذا كانت النيات صالحة كانت الأعمال صالحة » وترتب عليها آثار الصلاح » وانعطف من ذلك على القلوب مزيد إشراق وحميد أخلاق يؤذن ذلك بوجود القرب من الله » ونيل درجة الحبّ منه » وإذا كانت النيّات فاسدة كانت الأعمال أيضا فاسدة » وترتب عليها آثار فاسدة وانعطف من ذلك على القلوب زيادة ظلمة ورداءة همّة تقتضي البعد من الله تعالى وحصول المقت منه .

وطلب العلم عمل من الأعمال » معرّض للصحة والاعتلال ؛ وليت شعري : هؤلاء الذين استغرقوا أعمارهم في طلب العلم والأثر » وأتعبوا أنفسهم بالدراسة والنظر ء وقطعوا أيامهم ولياليهم بالجوع والسهر » وسمحت نفوسهم بفراق ملذوذاتها والبعد عن جميع مألوفاتها » هل بعثهم على ذلك باعث الدين أو باعث الهوى ٠‏ ولا شكَ أن باعث الدين غير متصور منهم » بل هو (1 ) حذيفة بن حسل بن جابر العبسي ( توفي سنة 36 ه - 656 م ) أبو عبد الله » واليمان لقب حسل . صحابي من الولاة الشجعان الفاتحين » كان صاحب سر النبي صلى الله عليه وسلم في المنافقين لم يعلمهم أحد غيره . وولاه عمر المدائن بفارس وأقام بينهم وأصلح بلادهم » وهاجم نهاوند سنة ( 22 ه ) فصالحه صاحبها على مال يؤديه في كل سنة » وغزا الدينور وماه سندان » فافتتحها عنوة ثم غزا همذان الري فافتتحهما عنوة . توفي بالمدائن » له في كتب الحديث ( 225 حديثا ) » ( الأعلام 2 / 171 » وحلية الأولياء 1 / 270 ٠»‏ وتهذيب الكمال 4 / 191 . (2 ) ذرّ الشيء : بدده وفرقه ونثره . وأراها : سترها وأخفاها . ( 3 ) أخرجه البخاري ( بدء الوحي » 1 ) ٠‏ ( إيمان » 41 ) إكراه [ في الترجمة ] » ( نكاح » 5 ) ( طلاق :11 ) » مناقب الأنصار » 45 ) ٠‏ ( عتق » 6 ) » ( أيمان » 23 ) » ( حيل » 1 ) ومسلم ( إمارة » 155 ) » وأبو داود ( طلاق ٠‏ 11 ) » والترمذي ( فضائل الجهاد . 16 ) والنسائي طهارة » 59 ) » ( طلاق » 24 ) » ( أيمان » 19 ) ٠»‏ وابن ماجة ( زهد . 26 ) وأحمد 440 101 » 287/7 « محال في حقّهم ؛ لما قدّمناه من خراب البواطن وظلمة القلوب » وكيف يتصوّر ذلك منهم وهم لم يعملوا على تخلّصهم من التكاليف الواجبة عليهم في ظواهرهم وبواطنهم » بل لم يعرفوا ذلك البتة ٠‏ وإن ادّعوا أنهم على أحوال لا يجب عليهم فيها حكم يحتاجون إلى تعرّفه والقيام به فهم مخدوعون » ومن أين لهم ذلك » والعلم به لا يحمصل ضرورة » فلا بد لهم من استفادته » ولا عناية لهم بهذا أيضا » وإنما كان يتصوّر منهم باعث الدين لو توفرت أغراضهم كلها عليه , ووصلوا إلى ما يمكنهم الوصول إليه من شهواتهم ولذاتهم بسبب ما » من أسباب الدنيا » ثم يصرفون ما فضل من أوقاتهم عن محاولة هذه المطالب ونيلها إلى طلب العلم عوضا عن البطالة « 1 » التي يتبرّم « 2 » بها صاحبها » ويدعوه فراغه من أشغال دنياه إلى قطع ذلك الوقت بلهو ولعب » أو ارتكاب معصية وذنب , لا البطالة التي يكون فيها استراحة لنفسه » واستجمام « 3 » لعقله وحسّه » ففي هذه الحال قد يصحّ باعث الدين من أمثال هؤلاء . وأمال الحال التي وصفناها فلا يتصوّر عليها باعث إِلَّا الدنيا المجرّدة الجاوزة للحدّ في الذم ل ل ات ل ا 0 فيما يوصله إلى ذلك وإن كان فيه هلاكه : فتراه يرتكب الأخطار » ويخوض لجج « 4 » البحار » ويجوب البراري والقفار » ويهون عليه - في جنب ما يأمله - كلّ مشقّة تصيبه وبليّة تنزل به . ولو لم يفعل هذا لم يحصل إِلَّا على سدّ الرمق « 5 » ٠‏ والاقتصار على التبلّغ والعلق « 6 » . فكذلك هؤلاء الذين كلامنا فيهم » لو لم يتصوّروا في خواطرهم الحصول على كليات أغراضهم : يبلغوا ذلك المبلغ في الاجتهاد » ولاقتصروا على بعضه .

ا 500 2 : وص ا ل يي ع دك ل 1 نار ان الرمق : بقية ا وبقية الروح أو القليل من العيش الذي يحفظ الحياة . اد لجج اس : الماء الكثير تصطخب أمواجه . ولحج البحر : عرضه . ( 6 ) العليق : ما تعلفه الدابة من شعير ونحوه . 002 113 » 288 « قبل الحق » ثم يرجعون في سائر أوقاتهم إلى مألوفاتهم ومعتاداتهم . وإنما المانع لهم من ذلك انفراد الله تعالى بالمشيئة والقدرة » واستئثاره بالخذلان والنصرة ؛ فإذا أراد الله تعالى أن يضلٌ عبدا من عباده لم ينصره عقل » ولم ينفعه علم » قال الله عر وجل وَمَنْ يَرِدٍ لله فنَتَتَهُ كن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ الله شَيّْئاة[ المائدة : 41 ] . وفي مثل هذا الموطن تبطل أحكام الأسباب » ويتحقق أرباب الحقائق العظمة والجلال » والعزة الكل نرت الأريات , فليعتبر بما ذكرناه أرباب الأبصار » وليسلموا أحكام الواحد القهّار ؛ لعلهم بذلك يهتدون إلى منهج التحقيق حين يضل غيرهم عن سواء الطريق :مصائب قوم عند قوم فوائد وليقل العبد المؤمن إذا نظر إليهم » واعتبر بما جرى من سوء القضاء عليهم : « الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاهم به » وفضلني عليهم تفضيلا » « 1 » » فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « من رأى مبتلى فقال : الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به هذا » وفضلني عليه وعلى كثير ممن خلق تفضيلا عافاه الله من ذلك البلاء كائنا ما كان » « 2 » . فعلى المعلّم الناصح لنفسه » السالم في عقله وحدسه ؛ العامل على تصحيح أعماله وهممه » المشفق على دينه الذي هو منوط « 3 » بلحمه ودمه » أن يتأمل هذه المفاسد » ويقيس بها ما توهمه من المصالح الناشئة عن تعليمه بزعمه » ويدقق النظر في ذلك كما يدققه في أكثر المسائل التي لا يحتاج إليها » ولا يقدم على التعليم في هذه الأزمنة ذوات العلل المزمنة حتى يقطع بوجوب ذلك عليه من غير تردد ولا تجويز وقوع خطأ في نظر . ولا سبيل له إلى هذا ولا يسعه خلاف ذلك إن كان منصفا . قال بعضهم : « رأيت سفيان الثوري حزينا ؟ فسألته عن ذلك ٠»‏ فقال : وهو برم » ما صرنا إلا متجرا لأبناء الدنيا » ! ! قلت : وكيف ذلك ؟ قال : يلزمنا أحدهم إذا عرف بنا » وحمل عنا » وجعل عاملا أو حاجبا » أو قهرمانا « 4 » أو جابيا « 5 » » يقول حدثنا سفيان الثوري ! ! . (1 ) أخرجه ابن ماجة ( دعاء » 22 ) ٠»‏ والترمذي ( دعوات 20 ٠»‏ 37 ) . (2 ) أخرجه ابن ماجة ( دعاء » 22 ) » والترمذي ( دعوات 37 ) . ( 3 ) المناط : مناط الشيء : موضع تعليقه أو ربطه . ( 4 ) القهرمان : فارسي معرب وهو المسيطر الحفيظ على من تحت يديه أو هو كالخازن والوكيل الحافظ لما تحت يده والقائم بأمور الرجل بلغة الفرس . الحي: ‏ الدى ينوم اتح السير اد والخر اج 444 445 « 289 » وعليه أيضا أن يحرص على مخالفة نفسه فيما تدعوه إليه من التعليم ؛ لأن كلّ ما تستحليه النفس ويوافق غرضها مصحوب بالآفات والعلل التي تقدح في إخلاص الأعمال » وإخلاص الأعمال شرط في وجوب القبول » وعند ذلك يذهب عمله باطلا » ولا ينال بسعيه طائلا » وقد تقدم من كلام علي بن أبي طالب » رضي الله عنه ( كونوا لقبول العمل أشدّ اهتماما منكم للعمل ) عند قوله [ ما قل عمل برز من قلب زاهد ] .

وتقدّم أيضا الكلام على اتهام النفس في دعائها إلى ما ظاهره خير عند قوله [ إذا التبس عليك امران [ : ٍ وليتعلم الجزم في ذلك من بشر بن الحارث الحافي » رضي الله عنه » كان يقول : » أنا أشتهي أن أحدّث » ولو ذهبت عني شهوة الحديث لحدّثت » . وكان سبب تركه طلب الحديث أنه سمع أبا داود الطيالسي 1 » يحدّث عن شعبة « 2 » » أنه كان يقول : الإكثار من الحديث يصدّكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ! فلما سمعه منه قال : انتهينا . . انتهينا » ثم ترك الرحلة في طلب الحديث وأقبل على العبادة . وروى أيضا مثل هذا الكلام عن مسعر بن كدام « 3 » . فإذا كان الإكثار من طلب الحديث بهذه المثابة عند إمامي المحدّثين في زمانيهم مع ما فيه من الفوائد الأخروية » فما ظنَك بغيره من محدثات العلوم ومبتدعاتها ؟ ولقد ذكر الشيخ الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ » رحمه الله » بإسناده إلى عبد الله بن (1 ) هو سليمان بن داود بن الجارود مولى قريش ( 133 - 204 ٠‏ - 750 - 819 م ) أبو داود الطيالسي من كبار حفاظ الحديث » فارسي الأصل . سكن البصرة وتوفي بها كان يحدّث من له « مسند » جمعه بعض الحفاظ الخراسانيين . ( الأعلام 3 / 125 » وتاريخ بغداد 9 / 24 »2 وتهذيب الكمال 8 / 34 ) . (2 ) شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي الأزدي ( 82 - 160 ه - 701 - 776 م ) مولاهم » الواسطي ثم البصري ٠‏ أبو بسطام » من أئمة رجال الحديث ٠‏ ولد ونشأ بواسط » وسكن البصرة إلى أن توفي » وهو أول من فتش بالعراق عن أمر المحدثين » وجانب الضعفاء والمتروكين . له كتاب « الغرائب » في الحديث . ( الأعلام 3 / 164 » وحلية الأولياء 7 / 144 » وتهذيب الكمال 8 / 344 . ( 3 ) مسعر بن كدام بن ظهير الهلالي العامري الرواسي ( توفي 152 ه - 769 م ) أبو سلمة من ثقات أهل الحديث » كوفي , كان يقال له « المصحف » لعظم الثقة بما يرويه » وكان مرجئا وعنده نحو ألف حديث » وخرّج له الستة » توفي بمكة . ( الأعلام 7 / 216 » وحلية الأولياء 7 ١ 209 /‏ وتهذيب الكمال 18 / 51 . 1446 117 « 290 » مسلمة العقنبي « 1 » ٠»‏ رحمه الله » قال : دخلت على مالك بن أنس » رضي الله عنه » فوجدته باكيا » فسلّمت عليه » فرد السلام » ثم سكت عنّي يبكي : ْ لدان با عد اس عا الى كاف اق ري ل ليتني جلدت بكل كلمة تكلّمت بها في هذا الأمر بسوط » ولم يكن فرط مني ما فرط من هذا الرأي وهذه المسائل ولقد كان لي سعة فيما سبقت إليه » . قال هذا فيما كان آخذا فيه من المسائل المحققة المبنية على أصول صحيحة غير ملفقة » فما الظنٌ ا لي اليد الي عار حك اليد رفي الي ير الى لشيس وتقليد الرؤساء الجهال دينا قويما وصراطا مستقيما ؟ ! وعلى كل واحد من العالم والمتعلّم أن يشتغل بما هو عليه مما هو مأمور به ومسؤول عنه من م ل ل ل 2 ذكر ربّه » عز وجل . قال وهب بن منبّه : « ذكر طلب العلم عند مالك بن أنس » فقال : إن طلبه لحسن إذا صحّت فيه النية » ولكن انظر ماذا يلزمك من حين تصبح إلى حين تمسى » ومن حين تمسى إلى حين تصبح وكان سفيان الثوري يقول لأهل العلم الظاهر : « طلب هذا ليس من زاد الآخرة » .

وكان يقول : « ليس طلب الحديث من عذة الموت» لكنه غلة يتشاغل به الرحل » ؛ وكان يقول : « لولا أن للشيطان فيه حظًا ما ازدحمتم عليه » يعني العلم . ١‏ فهذه نبذة قصدت إلى بثها في الموضع اللائق بها من هذا التنبيه ليتنبه بها من سبق له من الله زوال العمى عن بصره . ١‏ ومراجعة خوفه وحذره من المعلمين والمتعلمين » وليتبين بها كلام المؤلف رحمه الله غاية التبيين » وبالله الذي لا إله سواه نستعين . 3 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( من آلمك إقبال الناس عليك ٠‏ أو توجههم بالذم إليك فارجع إلى علم الله فيك ؛ فإن كان لا يقنعك علمه فمصيبتك بعدم قناعتك بعلمه أشدّ من مصيبتك بوجود الأذى منهم ١‏ إنما أجرى الأذى على أيديهم كي لا تكون ساكنا إليهم؛ أن أراد أن يزعجك عن كل شيء حتى لا يشغلك [متى آلمك عدم إقبال الناس عليك] العبد لا ينبغي أن يكون مطمح نظره إِلّا إلى مولاه » فلا يفرح إِلّا بإقباله عليه , عبد انين مسلمة بن قعنب الحارثي ( توفي 221 ٠ه‏ - 835 م ) من رجال الحديث الثقات من أهل المدينة » سكن البصرة » وتوفي فيها أو بطريق مكة » روى عنه البخاري ( 123 ) 18 449 » 291 « ولا يحزن إِلَّا لإعراضه عنه » ولا ينظر إلى المخلوقين في إقبال ولا إعراض » ولا مدح » ولا [ غب عن نظر الخلق إليك ينظر الله إليلك » وغب عن إقبالهم عليك بشهود إقباله عليك ] . فمتى آلمه عدم إقبالهم عليه » أو توجههم بالذم إليه فليرجع إلى ما بينه وبين ربه » فإن كان قانعا بعمله » راضيا بقسمته كان له في ذلك أعظم سلوان عما يفوته من جهة المخلوقين » بل لا يجد رقع فى قي امال إن بكرن مير من إقدال أن عر اكد وإ لك بكر اضياو نايا عرف سر ذلك على ما يذكره المؤلف الآن رحمه الله تعالى . قال إبراهيم التيمي » رضي الله تعالى عنه » لبعض أصحابه : ما يقول الناس فيّ ؟ فقالوا : يقولون إنك مراء . فقال : الآن طاب العمل . فقال بشر رضي الله عنه : اكتفي واللّه بعلم اله » فلم يحب أن يدخل مع علم الله علم غيره . وقال بشر الحافي : « سكون النفس إلى قبول المدح لها أشدّ عليها من المعاصي » . إنما أجرى الأذى على أيديهم كيلا تكون ساكنا إليهم . أراد أن يزعجك عن كل شيء حتى لا يشغلك عنه شيء . وجود أذى الناس للعبد نعمة عظيمة عليه ٠‏ لا سيما من اعتاد منه الملاطفة والإكرام » والمبرّة والاحترام ؛ لأن ذلك يفيده عدم السكون إليهم » وترك الاعتماد عليهم » وفقد الأنس بهم » فيتحقق بذلك عبوديته لربه عز وجل . قال سيدي أبو الحسن الشاذلي » رضي الله تعالى عنه : « آذاني إنسان مرّة » فضقت ذرعا بذلك ؛ فنمت فرأيت كأنني يقال لي : من علامات الصذيقية كثرة أعدائها ثم لا يبالي بهم » . تقال قفن القار قن :"رز افيف در ان سوط له يرك 2 افر 17 اكات ار 1 لا ذلك لرقد القلب في ظلّ العرّ والجاه » وهو حجاب عن الله عظيم » . وقال سيدي أبو محمد عبد السلام شيخ سيدي أبي الحسن الشاذلي » رضي الله عنهما » في دعائه : « اللهم إن قوما سألوك أن تسخْر لهم خلقك فسخرت لهم خلقك . فرضوا منك بذلك » اللهم إني أسألك اعوجاج الخلق علي حتى لا يكون لي ملجأ إلا إليك » . وقال أبو الحسن الورّاق النيسابوري » رضي الله عنه : « الأنس بالخلق وحشة » والطمأنينة إليهم حمق » والسكون إليهم عجز .

والاعتماد عليهم وهن » والثقة بهم ضياع » ل أمك « 292 » وإذا أراد الله بعبد خيرا جعل أنسه به وبذكره وتوكلّه عليه » وصان سرّه عن النظر إليهم . وظاهره عن الاعتماد عليهم 5 وقد قالوا : " الزهاد يخرجون المال عن القن نكوي إلى اش ناكل العلفاء يكرحورن الخلق والمعار فا من القلب تحلقا لله عز جل "2 قال في « لطائف المنن » : 0 . اعلم أن أولياء الله تعالى حكمهم في بداياتهم أن يسلّط الخلق ل هذا الخلق باعتماد » أو يميلوا إليهم باستناد ومن آذاك فقد أعتقك ومن رقّ إحسانه » ومن أحسن إليك فقد استرقك بوجود امتنانه ؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : « من أسدى إليكم معروفا فكافئوه » فإن لم تقدروا فادعوا له » كل ذلك ليتخلص القلب من رق إحسان الخلق » وليتعلق بالملك الحق » قال : وقد قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه : « اهرب من خير الناس أكثر مما تهرب من شرّهم ؛ فإن خيرهم يصيبك في قلبك » وشرّهم يصيبك في بدنك » ولأن تصاب في بدنك خير من أن تصاب في قلبك » ولعدو تصل به إلى الله خير لك من حبيب يقطعك عن الله » وعدّ إقبالهم عليك ليلا وإعراضهم عنك نهارا » ألا تراهم إذا أقبلوا فتنوا » قال : وتسليط الخلق على أولياء الله في مبدأ طرقهم سنة الله في أحبابه وأصفيائه . قال الشيخ أبو الحسن » رضي الله تعالى عنه : « اللهم إن القوم قد حكمت عليهم بالل حتى عزوا » وحكمت عليهم بالفقد حتى وجدوا » فكل عز يمنع دونك فنسألك بدله ذلا تصحبه لطائف رحمتك ؛ وكل وجد يحجب عنك فنسألك عوضه فقدا تصحبه أنوار معرفتك " قال : ومما يدل على أن ذلك سنة الله في أحبابه وأصفيائه قوله تعالى وَرَلْزِلُوا . . الآية [ البقرة : 214 ] وقوله حَنّى إِذَا اسْتَيآَسَ الرُسُْلُ . . . الآية [ يوسف : 110 ] وقوله تعالى وَنْرِيدُ أن نَمُنَّ عَلَى الَذِينَ اه الآيتين [ القصص :5] وقوله أَذْنَ لِلَذِينَ يُقاتلُونَ بأَنّهُمْ ظَلِمُوا . الع 397 إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذا المعنى ا( وكذلك من استحلى حالا أو ساكن مقاما فمن سنة الله تعالى مع أوليائه تشويش ذلك عليهم » من غيرته على قلوبهم لئلا تستأنس بغيره » ولتلا تتقيد بسواه . قال الإمام أبو القاسم القشيري » رضي الله تعالى عنه : « ومن المقاطع المشكلة السكون إلى استحلاء ما يلاقيك به من فنون تقريبك ١‏ وكأنه من خلال ما يناجيك يعاتبك » فإنه بكل لطيفة يصفك ويطربك وتحتها خدع خافية » ومن أدركته السعادة كاشفة بشهود جلاله وجماله » لا بإثباته ف احيف احراله . وها بخصنةه عر افخاله و اقداله راداء الطاعاك على رجه ارا سسهادء معدود عندهم من الشهوة الحقئة ». , ومن هذا المعنى ما ذكر عن سيدي أبي الحسن الشاذلي » رضي الله عنه » لما دخل على شيخه أبي محمد عبد السلام في أول 1 ١‏ 1 0101 002 « 293 » ما لقيه وسأله عن حاله » فقال له : أشكوا إلى الله من برد الرضا والتسليم كما تشكو أنت من حرٌ التدبير والاختيار . فقال له الشيخ أبو الحسن : أما شكواي من حر التدبير والاختيار فقد ذقته وأنا الآن فيه » وأما شكواك من برد الرضا والتسليم فلم أفهمه ؟