Qur'an&Sunnah

Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh)

قسم V01/P043–V01/P046

وقال رحم الله امرأ سهل البيع والشراء سهل القضاء سهل الاقتضاء ويتبين هذا في المغصوب رد الغاصب عينه تسليم نفس الواجب عليه بالغصب ورد المثل بعد هلاك العين إسقاط الواجب بمثل من عنده فيسمى الأول أداء والثاني قضاء لحقه وقد يدخل النفل في قسم الأداء على قول من يقول مقتضى الأمر الندب أو الإباحة لأنه يسلم عين ما ندب إلى تسليمه ولا يدخل في قسم القضاء لأنه إسقاط الواجب بمثل من عنده ولا وجوب هناك وقد تستعمل عبارة القضاء في الأداء مجازا لما فيه من إسقاط الواجب قال الله تعالى فإذا قضيتم مناسككم وقال تعالى فإذا قضيت الصلاة وقد تستعمل عبارة الأداء في القضاء مجازا لما فيه من التسليم إلا أن حقيقة كل عبارة ما فسرناها به ففي الأداء معنى الاستقصاء وشدة الرعاية في الخروج عما لزمه وذلك بتسليم عين الواجب وليس في القضاء من معنى الاستقصاء وشدة الرعاية شيء بل فيه إشارة إلى معنى التقصير من المأمور وذلك بإقامة مثل من عنده مقام المأمور به بعد فواته واختلف مشايخنا في أن وجوب القضاء بالسبب الذي وجب به الأداء أم بدليل آخر غير الأمر الذي به وجب الأداء ( فالعراقيون يقولون وجوب القضاء بدليل آخر غير الأمر الذي به وجب الأداء ) لأن الواجب بالأمر أداء العبادة ولا مدخل للرأي في معرفة العبادة فإذا كان نص الأمر مقيدا بوقت كان عبادة في ذلك الوقت ومعنى العبادة إنما يتحقق في امتثال الأمر وفي المقيد بالوقت لا تصور لذلك بعد فوات الوقت عرفنا أن الوجوب بدليل مبتدأ وهو قوله تعالى في الصوم فعدة من أيام أخر وقوله عليه السلام في الصلاة من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها يوضحه أن الأداء بفعل من المأمور والفعل الذي يوجد منه في وقت غير الفعل الذي يوجد منه في وقت آخر فإذا كان الأمر مقيدا بوقت لا يتناول فعل الأداء في وقت آخر كمن استأجر أجيرا في وقت معلوم لعمل فمضي ذلك الوقت لا يلزمه تسليم النفس لإقامة العمل بحكم ذلك العقد وهذا لأن في التنصيص على التوقيت إظهار فضيلة الوقت وذلك لا يحصل بالأداء بعد مضي الوقت فعرفنا أنه إن فات بمضي الوقت فإنما يفوت على وجه لا يمكن تداركه فلا يجب القضاء إلا بدليل آخر وأكثر مشايخنا رحمهم الله على أن القضاء يجب بالسبب الذي به وجب الأداء عند فواته وهو الأصح فإن الشرع لما نص على القضاء في الصلاة والصوم كان المعنى فيه معقولا وهو أن مثل المأمور به في الوقت مشروع حقا للمأمور بعد خروج الوقت وخروج الوقت قبل الأداء لا يكون مسقطا لأداء الواجب في الوقت بعينه بل باعتبار الفوات فيتقدر بقدر ما يتحقق فيه الفوات وهو فضيلة الوقت فلا يبقى ذلك مضمونا عليه بعد مضي الوقت إلا في حق الإثم إذا تعمد التفويت فأما في أصل العبادة التفويت لا يتحقق بمضي الوقت لكون مثله مشروعا فيه للعبد متصور الوجود منه حقيقة وحكما وما يكون سقوطه للعجز بسبب الفوات يتقدر بقدر ما يتحقق فيه الفوات فيبقى هو مطالبا بإقامة المثل من عنده مقام نفس الواجب بالأمر وهو الأداء في الوقت وإذا عقل هذا المعنى في المنصوص عليه تعدى به الحكم إلى الفرع وهي الواجبات بالنذر الموقت من الصوم والصلاة والاعتكاف وهذا أشبه بأصول علمائنا رحمهم الله فإنهم قالوا لو أن قوما فاتتهم صلاة من صلوات الليل فقضوها بالنهار بالجماعة جهر إمامهم بالقراءة ولو فاتتهم صلاة من صلوات النهار فقضوها بالليل لم يجهر إمامهم بالقراءة ومن فاتته صلاة في السفر فقضاها بعد الإقامة صلى ركعتين ولو فاتته حين كان مقيما فقضاها في السفر صلى أربعا وهذا لأن الأداء صار مستحقا بالأمر في الوقت ونحن نعلم أنه ليس المقصود عين الوقت فمعنى العبادة في كونه عملا بخلاف هوى النفس أو في كونه تعظيما لله تعالى وثناء عليه وهذا لا يختلف باختلاف الأوقات وبعدما صار مضمون التسليم لا يسقط ذلك عنه بترك الامتثال بل يتقرر به حكم الضمان إلا أن بقدر ما يتحقق العجز عن أدائه بالمثل الذي هو قائم مقامه يسقط ضرورة وما وراء ذلك يبقى ولهذا قلنا من فاتته صلاة من أيام التكبير فقضاها بعد أيام التكبير لم يكبر عقيبها لأن الجهر بالتكبير دبر الصلاة غير مشروع للعبد في غير أيام التكبير بل هو منهي عنه لكونه بدعة فبمضي الوقت يتحقق الفوات فيه فيسقط أصل الصلاة مشروع له بعد أيام التكبير فيبقى الواجب باعتباره وكذلك من فاتته الجمعة لم يقضها بعد مضي الوقت لأن إقامة الخطبة مقام ركعتين غير مشروع للعبد في غير ذلك الوقت فبمضي الوقت يتحقق العجز فيه وتلزمه صلاة الظهر لأن مثله مشروع للعبد بعد مضي الوقت

قسم V01/P046–V01/P047

ومن نصر القول الأول استدل بما ذكره محمد رحمه الله في الجامع أن من نذر أن يعتكف شهر رمضان فصام ولم يعتكف ثم قضى اعتكافه في الرمضان الثاني لا يجزيه عن المنذور ولو كان وجوب القضاء بما وجب به الأداء وهو الأمر بالوفاء بالنذر لجاز لأن الثاني مثل الأول في كون الصوم مشروعا فيه مستحقا عليه وصحة أداء الاعتكاف به فعرفنا أنه إنما لم يجز لأن وجوب القضاء بدليل آخر وهو تفويت الواجب في الوقت عند مضيه على وجه هو مقدور فيه وهذا السبب يوجب الاعتكاف دينا في ذمته فيلتحق باعتكاف يجب بالنذر مطلقا عن الوقت فلا يتأدى بالاعتكاف في رمضان ولكنا نقول أصل النذر أوجب عليه الاعتكاف ولوجوب الاعتكاف أثر في وجوب الصوم باعتبار أنه شرط فيه وشرط الشيء تابع له فموجب الأصل يكون موجبا لتبعه إلا أنه امتنع وجوب الصوم به لعارض على شرف الزوال وهو اتصاله بوقت لا يجوز أن يجب الصوم فيه بإيجاب من العبد فبمضي الوقت قبل أن يعتكف زال هذا الاتصال وتحقق وجوب الصوم لوجوب الاعتكاف في ذمته ثم الصوم الواجب في الذمة لا يتأدى بصوم رمضان وإنما لم يجب عليه الصوم لاتصال حكم الأداء بصوم رمضان وقد انقطع ذلك حين صام في الرمضان الأول ولم يعتكف حتى إنه لو لم يصم ولم يعتكف ثم اعتكف في قضاء الصوم خرج عن عهدة المنذور لبقاء الاتصال حين لم يصم في رمضان وإن تحقق مضي الوقت وبهذا تبين فساد ما ذهبوا إليه لأن وجوب القضاء لو كان بدليل آخر كان سببا آخر والنذر بالاعتكاف ما كان متصلا به فلا يتأدى باعتباره كما لا يتأدى في الرمضان الثاني وإن صامه يقرره أن امتناع وجوب الصوم عليه بالنذر لمعنى شرف الوقت المضاف إليه النذر وقد بينا أن شرف الوقت يفوت بمضيه على وجه لا يمكن تداركه فبفواته ينعدم ما كان متعلقا به وهو امتناع وجوب الصوم بالنذر بالاعتكاف حتى قال أبو يوسف رحمه الله في رواية يبطل نذره لأنه يبقى اعتكافا بغير صوم وذلك لا يكون واجبا وقلنا يجب الصوم لوجوب الاعتكاف لأن بانعدام التبع لا ينعدم الأصل وبوجوب الأصل يجب التبع عند زوال المانع قال رضي الله عنه واعلم بأن الأداء في الأمر الموقت يكون في الوقت وفي غير الموقت يكون الأداء في العمر لأن جميع العمر فيه بمنزلة الوقت فيما هو موقت وهو أنواع ثلاثة كامل وقاصر وأداء يشبه القضاء حكما فالكامل هو الأداء المشروع بصفته كما أمر به والقاصر بأن يتمكن نقصان في صفته وذلك مثل الصلاة المكتوبة بالجماعة فهي أداء محض والأداء من المنفرد يكون قاصرا لنقصان في صفة الأداء فإنه مأمور بالأداء بالجماعة ولهذا لا يكون الجهر بالقراءة عزيمة في حق المنفرد في صلاة الليل لأن ذلك من شبه الأداء المحض ومن اقتدى بالإمام من أول الصلاة وأداها معه كان ذلك أداء محضا ولو اقتدى به في القعدة الأخيرة ثم قام وأدى الصلاة كان ذلك أداء قاصرا لأنه يؤديها في الوقت ولكنه منفرد فيما يؤدي لأن اقتداءه بالإمام فيما فرغ الإمام من أدائه لا يتحقق فكان منفردا في الأداء وإن كان مقتديا في التحريمة لأنه أدركها مع الإمام ولهذا لا يصح اقتداء الغير به وتلزمه القراءة وسجود السهو لو سها لكونه منفردا وأداء المنفرد قاصر ولهذا لا يجهر بالقراءة

قسم V01/P047–V01/P049

ولو اقتدى بالإمام في أول الصلاة ثم نام خلفه حتى فرغ الإمام أو سبقه الحدث فذهب وتوضأ ثم جاء بعد فراغ الإمام فهو مؤد يشبه أداؤه القضاء في الحكم لأن باعتبار بقاء الوقت هو مؤد وباعتبار أنه التزم أداء الصلاة مع الإمام حين تحرم معه كان هو قاضيا لما فاته بفراغ الإمام ولهذا جعلناه في حكم المقتدي حتى لا تلزمه القراءة ولو سها لا يلزمه سجود السهو لأن القضاء بصفة الأداء واجب بما وجب به الأداء فإن قيل هذا على العكس فصاحب الشرع جعل المسبوق قاضيا بقوله عليه السلام وما فاتكم فاقضوا فكيف يستقيم جعل المسبوق مؤديا وجعل اللاحق قاضيا حكما قلنا قد بينا أن استعمال إحدى العبارتين مكان الأخرى مجازا جائز وإنما سمي المسبوق قاضيا مجازا لما في فعله من إسقاط الواجب أو سماه قاضيا باعتبار حال الإمام وإليه أشار في قوله وما فاتكم فاقضوا ونحن إنما نجعله مؤديا أداء قاصرا باعتبار حاله وعلى هذا الأصل قلنا لو أن مسافرا اقتدى بمسافر ونام خلفه ثم استيقظ ونوى الإقامة وهو في موضع الإقامة أو سبقه الحدث فرجع إلى مصره وتوضأ فإن كان ذلك قبل فراغ الإمام من صلاته صلى أربع ركعات وإن كان بعد فراغه صلى ركعتين إلا أن يتكلم فحينئذ يصلي أربعا لأنه بمنزلة القاضي في الإتمام حكما ووجوب القضاء بالسبب الذي به وجب الأداء فلا يتغير إلا بما يتغير به الأصل وقبل فراغ الإمام نية الإقامة ( ودخول موضع الإقامة ) مغير للفرض في حق الأصل وهو الإمام فيكون مغيرا في حق من يقضي ذلك الأصل وبعد الفراغ نية الإقامة ودخول المصر غير مغير للفرض في حق الأصل فكذلك لا يغير في حق من يقضي ذلك الأصل إلا أن يتكلم فحينئذ ينعدم معنى القضاء لخروجه بالكلام من تحريمة المشاركة وهو المؤدي لبقاء الوقت فيتغير فرضه بنية الإقامة ولو كان مسبوقا صلى أربعا في الوجهين لأنه مؤد إتمام صلاته أداء قاصرا سواء تكلم أو لم يتكلم فرغ الإمام أو لم يفرغ كانت نية الإقامة مغيرة للفرض لكونه مؤديا باعتبار بقاء الوقت وأما القضاء فهو نوعان بمثل معقول كما بينا وبمثل غير معقول كالفدية في حق الشيخ الفاني مكان الصوم وإحجاج الغير بماله عند فوات الأداء بنفسه لعجزه فإن ذلك ثابت بالنص قال الله تعالى وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين أي لا يطيقونه هكذا نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما وفي الحج حديث الخثعمية حيث قالت يا رسول الله إن فريضة الله تعالى على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة أفيجزىء أن أحج عنه فقال أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان يقبل منك فقالت نعم فقال عليه السلام الله أحق أن يقبل ثم لا مماثلة بين الصوم وبين الفدية صورة ولا معنى وكذلك لا مماثلة بين دفع المال إلى من ينفق على نفسه في طريق الحج وبين مباشرة أداء الحج وسقوط الواجب عن المأمور باعتبار ذلك فأما أصل الأعمال يكون من الحاج دون المحجوج عنه فهو قضاء بمثل غير معقول وما يكون بهذه الصفة لا يتأتى تعدية الحكم فيه إلى الفروع فيقتصر على مورد النص ولهذا قلنا إن النقصان الذي يتمكن في الصلاة بترك الاعتدال في الأركان لا يضمن بشيء سوى الإثم لأنه ليس لذلك الوصف منفردا عن الأصل مثل صورة ولا معنى ولذلك قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله فيمن له مائتا درهم جياد فأدى زكاتها خمسة زيوفا لا يلزمه شيء آخر لأنه ليس لصفة الجودة التي تحقق فيها الفوات مثل صورة ولا معنى من حيث القيمة فإنها لا تتقوم شرعا عند المقابلة بجنسها

قسم V01/P049–V01/P051

وقال محمد رحمه الله يلزمه أداء الفضل احتياطا لأن سقوط قيمة الجودة في حكم الربا للحاجة إلى جعل الأموال أمثالا متساوية قطعا ومعنى الربا لا يتحقق فيما وجب عليه أداؤه لله تعالى بمثله في صفة المالية حقيقة ويقوم مقامه في أداء الواجب به احتياطا وعلى هذا نقول رمي الجمار يسقط بمضي الوقت لأنه ليس له مثل معقول صورة ولا معنى فإنه لم يشرع قربة للعبد في غير ذلك الوقت فإن قيل كيف يستقيم وقد أوجبتم الدم عليه باعتبار ترك رمي الجمار قلنا إيجاب الدم عليه لا بطريق أنه مثل للرمي قائم مقامه بل لأنه جبر لنقصان تمكن في نسكه بترك الرمي وجبر نقصان النسك بالدم معلوم بالنص قال الله تعالى ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإن قيل فقد جعلتم الفدية مشروعة مكان الصلاة بالقياس على الصوم ولو كان ذلك غير معقول المعنى لم يجز تعدية حكمه إلى الصلاة بالرأي قلنا لا نعدي ذلك الحكم إلى الصلاة بالرأي ولكن يحتمل أن يكون فيه معنى معقول وإن كنا لا نقف عليه والصلاة نظير الصوم في القوة أو أهم منه ويحتمل أنه ليس فيه معنى معقول فإن ما لا نقف عليه لا يكون علينا العمل به فلاحتمال الوجه الأول يفدي مكان الصلاة ولاحتمال الوجه الثاني لا يجب الفداء وإن فدى لم يكن به بأس فأمرناه بذلك احتياطا لأن التصدق بالطعام لا ينفك عن معنى القربة وقال عليه السلام أتبع السيئة الحسنة تمحها ولهذا لا نقول في الفدية عن الصلاة إنها جائزة قطعا ولكنا نرجو القبول من الله فضلا وقال محمد في الزيادات يجزيه ذلك إن شاء الله وكذلك قال في أداء الوارث عن المورث بغير أمره في الصوم يجزيه إن شاء الله تعالى وعلى هذا الأصل حكم الأضحية فالتقرب بإراقة الدم عرف بنص غير معقول المعنى فيفوت بمضي الوقت لأن مثله غير مشروع قربة للعبد في غير ذلك الوقت فإن قيل فعندكم يجب التصدق بالقيمة بعد مضي أيام النحر وما ذاك إلا باعتبار إقامة القيمة مقام ما يضحي به وقد أثبتم ذلك بالرأي قلنا لا كذلك ولكن يحتمل أن يكون المقصود بما هو الواجب في الوقت إيصال منفعة اللحم إلى الفقراء إلا أن الشرع أمره بإراقة الدم لما فيها من تطييب اللحم وتحقيق معنى الضيافة فالناس أضياف الله تعالى بلحوم الأضاحي في هذه الأيام ويحتمل أن يكون المقصود إراقة الدم الذي هو نقصان للمالية عند محمد رحمه الله وتفويت للمالية عند أبي يوسف رحمه الله يتبين ذلك بالشاة الموهوبة إذا ضحى بها الموهوب له فإن الواهب لا يرجع فيها عند أبي يوسف رحمه الله وله أن يرجع فيها عند محمد رحمه الله لأنها نقصان محض إلا أن الاحتمال ساقط الاعتبار في مقابلة النص ففي أيام النحر هو قادر على أداء المنصوص عليه بعينه فلا يصار إلى الاحتمال بإقامة القيمة مقامه وبعد مضي أيام النحر قد تحقق العجز عن أداء المنصوص عليه فجاء أوان اعتبار الاحتمال واحتمال الوجه الأول يلزمه التصدق بالقيمة لأن ذلك قربة مشروعة له في غير أيام النحر والمعنى فيه معقول والأخذ بالاحتياط في باب العبادات أصل فلاعتبار هذا الاحتمال ألزمناه التصدق بالقيمة لا ليقوم ذلك مقام إراقة الدم وعلى هذا الأصل قال أبو يوسف رحمه الله من أدرك الإمام في الركوع في صلاة العيد لا يأتي بالتكبيرات في الركوع لأن محلها القيام وقد فات ومثل الفائت غير مشروع له في حالة الركوع ليقيمه مقام ما عليه بطريق القضاء فيتحقق الفوات فيه

قسم V01/P051–V01/P052

وقال أبو حنيفة و محمد رحمهما الله حال الركوع مشبه بحالة القيام لاستواء النصف الأسفل في الركوع وبه يفارق القائم القاعد فباعتبار هذا الشبه لا يتحقق الفوات وتكبير الركوع محسوب من تكبيرات العيد وهو مؤدي في حالة الانتقال فإذا كانت هذه الحالة محلا لبعض تكبيرات العيد نجعلها عند الحاجة محلا لجميع التكبيرات احتياطا وعلى هذا لو ترك قراءة الفاتحة والسورة في الأوليين قضاها في الأخريين وجهر لأن محل أداء ركن القراءة القيام الذي هو ركن الصلاة إلا أنه تعين القيام في الأوليين لذلك بدليل موجب للعمل وهو خبر الواحد والقيام في الأخريين مثل القيام في الأوليين في كونه ركن الصلاة ولهذه المشابهة لا يتحقق الفوات ويقضي القراءة في الأخريين ولو قرأ الفاتحة في الأوليين ولم يقرأ السورة قضى السورة في الأخريين لاعتبار هذا الشبه أيضا والقيام في الأخريين غير محل لقراءة السورة أداء وهو محل لقراءة السورة قضاء بالمعنى الذي بينا ولو قرأ السورة في الأوليين ولم يقرأ الفاتحة لم يقض الفاتحة في الأخريين لأن القيام في الأخريين محل للفاتحة أداء فلو قرأها على وجه القضاء كان مغيرا به ما هو مشروع في صلاته مع وجود حقيقة الأداء وذلك ليس في ولاية العبد فيتحقق فوات قراءة الفاتحة بتركها في الأوليين لا إلى خلف فلا بد من القول بسقوطها عنه إذ لا مثل لها صورة أو معنى ليقام مقامها وهذه الأقسام كلها تتحقق في حقوق العباد أيضا أما بيان الأداء المحض فهو في تسليم عين المغصوب إلى المغصوب منه على الوجه الذي غصبه وتسليم عين المبيع إلى المشتري على الوجه الذي اقتضاه العقد ويتفرع عليه ما لو باع الغاصب المغصوب من المغصوب منه أو وهبه له وسلمه فإنه يكون أداء العين المستحق بسببه ويلغو ما صرح به وكذلك لو أن المشتري شراء فاسدا باع المبيع من البائع بعد القبض أو وهبه وسلمه يكون أداء العين المستحق بسبب فساد البيع وعلى هذا قلنا لو أطعم الغاصب المغصوب منه الطعام المغصوب أو ألبسه الثوب المغصوب وهو لا يعلم به فإنه يكون ذلك أداء للعين المستحق بالغصب ويتأكد ذلك بإتلاف العين فلا يبقى بعد ذلك للمغصوب منه عليه شيء والشافعي أبى ذلك في أحد قوليه لأن أداء المستحق مأمور به شرعا والموجود منه غرور فلا يجعل ذلك أداء للمأمور ولكن يجعل استعمالا منه للمغصوب منه في التناول فكأنه تناول لنفسه فيتقرر عليه الضمان وهذا ضعيف فالغرور في إخباره أنه طعامه وأداء الواجب في وضع الطعام بين يديه وتمكينه منه وهما غيران وبالقول إنما جاء الغرور بجهل المغصوب منه لا لنقصان في تمكينه فلا يخرج به من أن يكون فعله أداء لما هو المستحق كما لو اشترى عبدا ثم قال البائع للمشتري أعتق عبدي هذا وأشار إلى المبيع فأعتقه المشتري وهو لا يعلم به فإنه يكون قابضا وإن كان هو مغرورا بما أخبره البائع به ولكن قبضه بالإعتاق وخبر البائع وجهل المشتري غير مؤثر في ذلك فبقي إعتاقه قبضا تاما ومن الأداء التام تسليم المسلم فيه وبدل الصرف فإن ذلك أداء المستحق بسببه حكما بطريق أن الاستبدال متعذر فيه شرعا قبل القبض فيجعل كأن المقبوض عين ما تناوله العقد حكما وإن كان غيره في الحقيقة لأن العقد تناول الدين والمقبوض عين

قسم V01/P052–V01/P054

وأما الأداء القاصر وهو رد المغصوب مشغولا بالدين أو الجناية بسبب كان منه عند الغاصب ومعنى القصور فيه أنه أداه لا على الوصف الذي استحق عليه أداؤه فلوجود أصل الأداء قلنا إذا هلك في يد المالك قبل الدفع إلى ولي الجناية برىء الغاصب ولقصور في الصفة قلنا إذا دفع إلى ولي الجناية أو بيع في الدين يرجع المالك على الغاصب بقيمته كأن الرد لم يوجد فكذلك البائع إذا سلم المبيع وهو مباح الدم فهذا أداء قاصر لأنه سلمه على غير الوصف الذي هو مقتضى العقد فإن هلك في يد المشتري لزمه الثمن لوجود أصل الأداء وإن قتل بالسبب الذي صار مباح الدم رجع بجميع الثمن عند أبي حنيفة رحمه الله لأن الأداء كان قاصرا فإذا تحقق الفوات بسبب يضاف إلى ما به صار الأداء قاصرا جعل كأن الأداء لم يوجد وقال أبو يوسف و محمد رحمهما الله الأداء قاصر لعيب في المحل فإن حل الدم في المملوك عيب وقصور الأداء بسبب العيب يعتبر ما بقي المحل قائما فأما إذا فات بسبب عيب حدث عند المشتري لم ينتقض به أصل الأداء وقد تلف هنا بقتل أحدثه القاتل عند المشتري باختياره ولكن أبو حنيفة رحمه الله قال استحقاق هذا القتل كان بالسبب الذي به صار الأداء قاصرا فيحال بالتلف على أصل السبب ومن الأداء القاصر إيفاء بدل الصرف أو رأس مال السلم إذا كان زيوفا فإنه قاصر باعتبار أنه دون حقه في الصفة ولهذا قال أبو حنيفة و محمد رحمهما الله له أن يرد المقبوض في المجلس ويطالبه بالجياد ولو هلك المقبوض في يده قبل أن يرده لم يرجع بشيء لأن باعتبار الأصل كان فعله أداء فما لم ينفسخ ذلك الفعل لا ينعدم معنى الأداء فيه وبعد هلاكه تعذر فسخ الأداء في الهالك ولا يمكن إيجاب مثله لأن المقبوض ملك القابض فلا يكون مضمونا عليه وصفة الجودة منفردة عن الأصل ليس لها مثل لا صورة ولا معنى في أموال الربا فسقط حقه وقال أبو يوسف رحمه الله أستحسن أن يرد مثل المقبوض ( لأن حقه في الصفة مرعي وتتعذر رعايته منفصلا عن الأصل فيرد مثل المقبوض ) حتى يقام ذلك مقام رد العين عند تعذر رد العين وينعدم به أصل الأداء فيطالبه بالأداء المستحق بسببه قال وهذا بخلاف الزكاة فيما قبض الفقير هناك لا يمكن أن يجعل مضمونا عليه لأنه في الحكم كأنه بقبضه كفاية له من الله تعالى لا من المعطي وبدون رد المثل يتعذر اعتبار الجودة منفردة عن الأصل ألا ترى أن المقبوض وإن كان قائما في يده لا يتمكن من رده ومن الأداء الذي هو بمنزلة القضاء حكما أن يتزوج امرأة على عبد لغيره بعينه ثم يشتري ذلك العبد فيسلمه إليها فإن ذلك يكون أداء للعين المستحق بسببه وهو التسمية في العقد ولهذا لا يكون لها أن تمتنع من القبول وهذا لأن كون المسمى مملوكا لغير الزوج لا يمنع صحة التسمية وثبوت الاستحقاق بها على الزوج ألا ترى أنه تلزمه القيمة إذا تعذر تسليم العين وما ذلك إلا لاستحقاق الأصل غير أن هذا أداء هو في معنى القضاء حكما فإن ما اشتراه الزوج قبل أن يسلم إليها مملوك له حتى لو تصرف فيه بالإعتاق ينفذ تصرفه ولو أعتقته المرأة قبل التسليم إليها لا ينفد عتقها ولو كان أباها لم يعتق عليها فهذا التسليم من الزوج أداء مال من عنده مكان ما استحق عليه فمن هذا الوجه يشبه القضاء ولو قضى القاضي لها بالقيمة قبل أن يتملكه الزوج ثم تملكه فسلمه إليها لم يكن ذلك أداء مستحقا بالتسمية ولكن يكون مبادلة بالقيمة التي تقرر حقها فيه حتى إنها إذا لم ترض بذلك لا يكون للزوج أن يجبرها على القبول بخلاف ما قبل القضاء لها بالقيمة

قسم V01/P054–V01/P055

وأما القضاء بمثل معقول فبيانه في ضمان الغصوب والمتلفات فإن الغاصب يؤدي مالا من عنده وهو مثل لما كان مستحقا عليه بسبب الغصب وهو نوعان مثل صورة ومعنى كما في المكيل والموزون ومثل معنى لا صورة والمقصود جبران حق المتلف عليه وفي المثل صورة ومعنى هذا المقصود أتم منه في المثل معنى فلا يصار إلى المثل معنى لا صورة إلا عند الضرورة كما لا يصار إلى المثل إلا عند تعذر رد العين فلو أراد أداء القيمة مع وجود المثل في أيدي الناس كان للمغصوب منه أن يمتنع من قبوله وإذا انقطع المثل من أيدي الناس فحينئذ تتحقق الضرورة في اعتبار المثل في معنى المالية وسقط اعتبار المثل صورة لتحقق فواته ثم قال محمد رحمه الله تعتبر قيمته في آخر أوقات وجوده لأن الضرورة تتحقق عند انقطاعه من أيدي الناس وقال أبو حنيفة رحمه الله تعتبر وقت الخصومة لأن المثل قائم بالذمة حكما وأداء المثل بصورته موهوم بأن يصبر إلى أوانه فإنما تتحقق الضرورة عند المطالبة وذلك وقت قضاء القاضي وقال أبو يوسف رحمه الله بالانقطاع يتحقق الفوات وذلك غير موجب للضمان إنما الموجب أصل الغصب فتعتبر قيمته وقت الغصب وهذا لأن القيمة خلف عن رد العين ولهذا كان قضاء والخلف إنما يكون واجبا بالسبب الذي به كان الأصل واجبا وفيما ليس له مثل صورة يجب قيمته وقت الغصب ويكون ذلك قضاء بالمثل معنى لما تعذر اعتبار المثل صورة حتى إن فيما يتعذر اعتبار المثل صورة ومعنى بتحقق الفوات غير موجب شيئا سوى الإثم وذلك بأن يغصب زوجة إنسان أو ولده فإن الأداء مستحق عليه ولو مات في يده لم يضمن شيئا لتحقق الفوات بانعدام المثل صورة ومعنى وعلى هذا الأصل قلنا المنافع لا تضمن بالمال بطريق العدوان المحض لأن ضمان العدوان مقدر بالمثل نصا ولا مماثلة بين العين والمنفعة صورة ولا معنى لأن من ضرورة كون الشيء مثلا لغيره أن يكون ذلك الغير مثلا له ثم العين لا تضمن بالمنفعة بطريق العدوان قط فعرفنا أنه لا مماثلة بينهما وكذلك المنفعة لا تضمن بالمنفعة فإن الحجر المبنية على تقطيع واحد وتؤاجر بأجرة واحدة لا تكون منفعة إحداهما مثلا لمنفعة الأخرى في ضمان العدوان مع وجود المشابهة صورة ومعنى في الظاهر فلأن لا يضمن المنفعة بالعين ولا مشابهة بينهما صورة ولا معنى كان أولى وانتفاء المشابهة صورة لا يخفى

قسم V01/P055–V01/P057

وأما المعنى فلأن المنافع أعراض لا تبقى وقتين والعين تبقى وبين ما يبقى وبين ما لا يبقى تفاوت عظيم في المعنى وبهذا تبين أنه لا مالية في المنفعة حقيقة لأن المالية لا تسبق الوجود وبعد الوجود تثبت بالإحراز والتمول وذلك لا يتصور فيما لا يبقى وقتين وبهذا تبين أيضا أن الإتلاف والغصب لا يتحقق في المنفعة فإن المعدوم ليس بشيء فلا يتحقق فيه فعل هو غصب أو إتلاف وكما يوجد يتلاشى وفي حال تلاشيه لا يتصور فيه الغصب والإتلاف إلا أن الشرع في حكم العقد جعل المعدوم حقيقة من المنفعة كالموجود أو أقام العين المنتفع به مقام المنفعة للحاجة إلى ذلك وهذه الحاجة إنما تتحقق في العقد فيثبت هذا الحكم فيما يترتب على العقد من الضمان جائزا كان أو فاسدا لأن الفاسد لا يمكن أن يجعل أصلا بنفسه ليعرف حكمه من عينه فلا بد من أن يرد حكمه إلى الجائز ثم ضمان العقد فاسدا كان أو جائزا يبتنى على التراضي لا على التساوي نصا والتراضي يتحقق مع انعدام المماثلة فلهذا كان مضمونا بالعقد فاسدا كان أو جائزا ووجوب الضمان يلزمه الخروج عنه بالأداء فيكون ذلك بحسب الإمكان يوضحه أن قوام الأعراض بالأعيان والعين يقوم بنفسه ولا مماثلة بين ما يقوم بنفسه وبين ما يقوم بغيره بل ما يقوم بنفسه أزيد في المعنى لا محالة ولكن هذه الزيادة يسقط اعتبارها في ضمان العقد لوجود التراضي فاسدا كان العقد أو جائزا ولا وجه لإسقاط اعتبار هذه الزيادة في ضمان العدوان لأن بظلم الغاصب لا تسقط حرمة ماله فلو أوجبنا عليه هذه الزيادة أهدرناها في حقه ولو لم نوجب الضمان لم يهدر حق المغصوب منه بل يتأخر إلى الآخرة وضرر التأخير دون ضرر الإهدار وإذا ألزمناه أداء الزيادة كان ذلك مضافا إلينا وإذا لم نوجب الضمان لتعذر إيجاب المثل صورة ومعنى لا يكون سقوط حق المغصوب منه في حق أحكام الدنيا مضافا إلينا بمنزلة من ضرب إنسانا ضربا لا أثر له أو شتمه شتيمة لا عقوبة بها في الدنيا وعلى هذا الأصل قال أبو حنيفة رحمه الله إذا قطع يد إنسان عمدا ثم قتله عمدا قبل البرء يتخير الولي لأن القطع ثم القتل مثل الأول صورة ومعنى والقتل بدون القطع مثل معنى فالرأي إلى الولي في ذلك وقال أبو يوسف و محمد رحمهما الله القتل بعد القطع قبل البرء تحقيق لموجب الفعل الأول والقتل به من الولي يكون مثلا كاملا فلا يصار إلى القطع وقال أبو حنيفة رحمه الله هذا باعتبار المعنى فأما من حيث الصورة المثل الأول هو القطع ثم القتل والقتل بعد القطع تارة يكون محققا لموجب الفعل الأول وتارة يكون ماحيا أثر الفعل الأول حتى إذا كان القاتل غير القاطع كان القصاص في النفس على الثاني خاصة فلا يسقط اعتبار المماثلة صورة بهذا المعنى فأما القضاء بمثل غير معقول فهو ضمان المحترم المتقوم الذي ليس بمال بما هو مال معنى ضمان النفس والأطراف بالمال في حالة الخطأ فإنه ثابت بالنص من غير أن يعقل فيه المعنى لأنه لا مماثلة بين الآدمي والمال صورة ولا معنى فالآدمي مالك للمال والمال مخلوق لإقامة مصالح الآدمي به ثم الشرع أوجب الدية في القتل خطأ فما عقل من ذلك إلا معنى المنة على القاتل بتسليم نفسه له لعذر الخطأ ومعنى المنة على المقتول لصيانة دمه عن الهدر وإيجاب مال يقضي به حوائجه أو حوائج ورثته الذين يخلفونه ولهذا لا يوجبه مع إمكانه إيجاب المثل بصفته وهو القصاص لأنه هو المثل صورة ومعنى فالمعنى المطلوب هو الحياة وفي القصاص حياة لا في المال فإذا لم تكن هذه الحالة في معنى المنصوص عليه من كل وجه يتعذر إلحاقها به وإيجاب المال

قسم V01/P057–V01/P059

وعلى هذا الأصل لو قتل من عليه القصاص إنسان آخر لا يضمن لمن له القصاص شيئا لأن ملك القصاص الثابت له ليس بمال فلا يكون المال مثلا له لا صورة ولا معنى وكذلك لو قتل زوجة إنسان لا يضمن للزوج شيئا باعتبار ما فوت عليه من ملك النكاح لأن ذلك ليس بمال فلا يكون المال مثلا له صورة ومعنى وهذا لأن ملك النكاح مشروع للسكن والنسل والمال بذلة لإقامة المصالح فكيف يكون بينهما مماثلة وإذا تحقق انعدام المثل تحقق الفوات وعلى هذا الأصل قلنا شهود العفو عن القصاص إذا رجعوا لم يضمنوا شيئا وكذلك المكره للولي على العفو بغير حق لا يضمن شيئا لأنه أتلف عليه ما ليس بمال متقوم ولا وجه لإيجاب الضمان هنا صيانة لملكه في القصاص فالعفو مندوب إليه شرعا وإهدار مثله لا يقبح وكذلك قلنا شهود الطلاق بعد الدخول إذا رجعوا لم يضمنوا للزوج شيئا والمكره على الطلاق بعد الدخول كذلك والمرأة إذا ارتدت لا تضمن للزوج شيئا ولو جامعها ابن الزوج لا يضمن للزوج شيئا لأنه أتلف عليه ملك النكاح وذلك ليس بمال متقوم فلا يكون المال مثلا له صورة ولا معنى والصيانة هنا للمحل المملوك لا للملك الوارد عليه ألا ترى أن إزالة هذا الملك بالطلاق صحيح من غير شهود وولي وعوض ولهذا قلنا إن البضع لا يتقوم عند الخروج من ملك الزوج وإن كان يتقوم عند الدخول في ملكه لأن معنى الخطر للمحل ووقت التملك وقت الاستيلاء على المحل بإثبات الملك فيكون متقوما لإظهار خطره فأما وقت الخروج فهو وقت إطلاق المحل وإزالة الاستيلاء عنه فلا يظهر حكم التقوم فيه ولا يدخل على ما قلنا شهود الطلاق قبل الدخول إذا رجعوا فإنهم يضمنون نصف الصداق للزوج لأنهم لا يضمنون شيئا من قيمة ما أتلفوا وهو البضع فقيمته مهر المثل ولا يضمنون شيئا منه ولكن سقوط المطالبة بتسليم البضع قبل الدخول يكون مسقطا للمطالبة بالعوض المسمى إذا لم يكن ذلك بسبب مضاف إلى الزوج فهما بالإضافة إلى الزوج بشهادتهما على الطلاق كالملزمين له نصف الصداق حكما أو كأنهما فوتا عليه يده في ذلك النصف بعد فوات تسليم البضع فيكونان بمنزلة الغاصبين في حقه ومن القضاء الذي هو في حكم الأداء ما إذا تزوج امرأة على عبد بغير عينه فأتاها بالقيمة أجبرت على القبول وكان ذلك قضاء بالمثل المسمى من عنده وهو في معنى الأداء لأن العبد المطلق معلوم الجنس مجهول الوصف فباعتبار كونه معلوم الجنس يكون أداء للمسمى بتسليم العبد ولهذا لو أتاها به أجبرت على القبول ومن حيث إنه مجهول الوصف يتعذر عليها المطالبة بعين المسمى فيكون تسليم القيمة قضاء في حكم الأداء فتجبر على قبولها بخلاف العبد إذا كان بعينه ( أو المكيل أو الموزون إذا كان موصوفا أو معينا لأن المسمى معلوم بعينه ) ووصفه فتكون القيمة بمقابلته قضاء ليس في معنى الأداء فلا تجبر على القبول إذا أتاها به إلا عند تحقق العجز عن تسليم ما هو المستحق كما في ضمان الغصب على ما قررنا والله أعلم فصل في بيان مقتضى الأمر في صفة الحسن للمأمور به قال رضي الله عنه اعلم أن مطلق مقتضى الأمر كون المأمور به حسنا شرعا وهذا الوصف غير ثابت للمأمور به بنفسه فإنه أحد تصاريف الكلام فيتحقق في القبيح والحسن جميعا لغة كسائر التصريفات ولا نقول إنه ثابت عقلا كما زعم بعض مشايخنا رحمهم الله لأن العقل بنفسه غير موجب عندنا وبيان كونه ثابتا شرعا أن الله تعالى لم يأمر بالفحشاء كما نص عليه في محكم تنزيله والأمر طلب إيجاد المأمور به بأبلغ الجهات ولهذا كان مطلقة موجبا شرعا والقبيح واجب الإعدام شرعا فما هو واجب الإيجاد شرعا تعرف صفة الحسن فيه شرعا ثم هو في صفة الحسن نوعان حسن لمعنى في نفسه وحسن لمعنى في غيره والنوع الأول قسمان حسن لعينه لا يحتمل السقوط بحال وحسن لعينه قد يحتمل السقوط في بعض الأحوال

قسم V01/P059–V01/P061

والقسم الثاني نوعان أيضا حسن لمعنى في غيره وذلك مقصود في نفسه لا يحصل منه ما لأجله كان حسنا وحسن لمعنى في غيره يتحقق بوجوده ما لأجله كان حسنا وأما النوع الأول من القسم الأول فهو الإيمان بالله تعالى وصفاته فإنه مأمور به قال الله تعالى آمنوا بالله ورسوله وهو حسن لعينه وركنه التصديق بالقلب والإقرار باللسان فالتصديق لا يحتمل السقوط بحال ومتى بدله بغيره فهو كفر منه على أي وجه بدله والإقرار حسن لعينه وهو يحتمل السقوط في بعض الأحوال حتى إنه إذا بدله بغيره بعذر الإكراه لم يكن ذلك كفرا منه إذا كان مطمئن القلب بالإيمان وهذا لأن اللسان ليس بمعدن التصديق ولكن يعبر اللسان عما في قلبه فيكون دليل التصديق وجودا وعدما فإذا بدله بغيره في وقت يكون متمكنا من إظهاره يكون كافرا وإذا زال تمكنه من الإظهار بالإكراه لم يصر كافرا لأن سبب الخوف على نفسه دليل ظاهر على بقاء التصديق بالقلب وأن الحامل له على هذا التبديل حاجته إلى دفع الهلاك عن نفسه لا تبديل الاعتقاد فأما في وقت التمكن تبديله دليل تبدل الإعتقاد فكان ركن الإيمان وجودا وعدما وإن كان دون التصديق بالقلب لاحتماله السقوط في بعض الأحوال ومن هذا النوع الصلاة فإنها حسنة لأنها تعظيم لله تعالى قولا وفعلا بجميع الجوارح وهي تحتمل السقوط في بعض الأحوال فكانت في صفة الحسن نظير الإقرار ولكنها ليست بركن الإيمان في جميع الأحوال فالإقرار دليل التصديق وجودا وعدما والصلاة لا تكون دليل التصديق وجودا وعدما وقد تدل على ذلك إذا أتى بها على هيئة مخصوصة ولهذا قلنا إذا صلى الكافر بجماعة المسلمين يحكم بإسلامه ومما يشبه هذا النوع معنى الزكاة والصوم والحج فالزكاة حسنة لما فيها من إيصال الكفاية إلى الفقير المحتاج بأمر الله والصوم حسن لما فيه من قهر النفس الأمارة بالسوء في منع شهوتها بأمر الله تعالى والحج حسن بمعنى شرف البيت بأمر الله تعالى غير أن هذه الوسائط لا تخرجها من أن تكون حسنة لعينها فحاجة الفقير كان بخلق الله تعالى إياها على هذه الصفة لا بصنع باشره بنفسه وكون النفس أمارة بخلق الله تعالى إياها على هذه الصفة لا لكونها جانية بنفسها وشرف البيت بجعل الله تعالى إياه مشرفا بهذه الصفة فعرفنا أنها في المعنى من النوع الذي هو حسن لعينه ولهذا جعلناها عبادة محضة وشرطنا للوجوب فيها الأهلية الكاملة وحكم هذا القسم واحد وهو أنه إذا وجب بالأمر لا يسقط إلا بالأداء أو بإسقاط من الآمر فيما يحتمل السقوط وبيان القسم الثاني في السعي إلى الجمعة فإنه حسن لمعنى في غيره وهو أنه يتوصل به إلى أداء الجمعة وذلك المعنى مقصود بنفسه لا يصير موجودا بمجرد وجود المأمور به من السعي وحكمه أنه يسقط بالأداء إذا حصل المقصود به ولا يسقط إذا لم يحصل المقصود به حتى إنه إذا حمله إنسان إلى موضع مكرها بعد السعي قبل أداء الجمعة ثم خلى عنه كان السعي واجبا عليه وإذا حصل المقصود بدون السعي بأن حمل مكرها إلى الجامع حتى صلى الجمعة سقط اعتبار السعي ولا يتمكن بانعدامه نقصان فيما هو المقصود وإذا سقط عنه الجمعة لمرض أو سفر سقط عنه السعي

قسم V01/P061–V01/P062

ومن هذا النوع الوضوء فإنه حسن لمعنى في غيره وهو التمكن من أداء الصلاة وما هو المقصود لا يصير مؤدى بعينه ولهذا جوزنا الوضوء والاغتسال بغير النية وممن ليس بأهل للعبادة أداء وهو الكافر ولا ينكر معنى القربة في الوضوء حتى إذا قصد به التقرب وهو من أهله بأن توضأ وهو متوضىء كان مثابا على ذلك وكذلك إذا توضأ وهو محدث على قصد التقرب فإنه تطهير والتطهير حسن شرعا كتطهير المكان والثياب قال الله تعالى أن طهرا بيتي للطائفين وقال تعالى وثيابك فطهر إلا أن ما هو شرط أداء الصلاة يتحقق بدون هذا الوصف وهو قصد التقرب لأن شرط أداء الصلاة أن يقوم إليها طاهرا عن الحدث وبدون هذا الوصف يزول الحدث وهو معنى قولنا إنه يتمكن من أداء الصلاة بالوضوء وإن لم ينوه ولكنه لا يكون مثابا عليه ثم حكمه حكم السعي كما بينا إلا أن مع انعدام السعي يتم أداء الجمعة وبدون الوضوء لا يجوز أداء الصلاة من المحدث لأن من شرط الجواز الطهارة عن الحدث وبيان النوع الآخر في الصلاة على الميت وقتال المشركين وإقامة الحدود فالصلاة على الميت حسنة لإسلام الميت وذلك معنى في غير الصلاة مضاف إلى كسب واختيار كان من العبد قبل موته وبدون هذا الوصف يكون قبيحا منهيا عنه يعني الصلاة على الكفار والمنافقين قال الله تعالى ولا تصل على أحد منهم مات أبدا وكذلك القتال مع المشركين حسن لمعنى في غيره وهو كفر الكافر أو قصده إلى محاربة المسلمين وذلك مضاف إلى اختياره وكذلك القتال مع أهل البغي حسن لدفع فتنتهم ومحاربتهم عن أهل العدل وكذا إقامة الحدود حسن لمعنى الزجر عن المعاصي وتلك المعاصي تضاف إلى كسب واختيار ممن تقام عليه ولكن لا يتم إلا بحصول ما لأجله كان حسنا وحكم هذا النوع أنه يسقط بعد الوجوب بالأداء وبانعدام المعنى الذي لأجله كان يجب حتى إذا تحقق الانزجار عن ارتكاب المعاصي أو تصور إسلام الخلق عن آخرهم لا تبقى فرضيته إلا أنه خلاف للخبر لأنه لا يتحقق انعدام هذا المعنى في الظاهر وكذلك الصلاة على الميت تسقط بعارض مضاف إلى اختياره من بغي أو غيره وإذا قام به الولي مع بعض الناس يسقط عن الباقين وكذلك القتال إذا قام به البعض سقط عن الباقين لحصول المقصود وإذا تحقق صفة الحسن للمأمور به قد ذهب بعض مشايخنا إلى أن عند إطلاق الأمر يثبت النوع الثاني من الحسن ولا يثبت النوع الأول إلا بدليل يقترن به لأن ثبوت هذه الصفة بطريق الاقتضاء وإنما ثبت بهذا الطريق الأدنى على ما نبينه في باب الاقتضاء والأدنى هو الحسن لمعنى في غيره لا لعينه قال رضي الله عنه والأصح عندي أن بمطلق الأمر يثبت حسن المأمور به لعينه شرعا فإن الأمر لطلب الإيجاد وبمطلقه يثبت أقوى أنواع الطلب وهو الإيجاب فيثبت أيضا أعلى صفات الحسن لأنه استعباد فإن قوله أقيموا الصلاة و اعبدوني هما في المعنى سواء والعبادة لله تعالى حسنة لعينها ولأن ما يكون حسنا لمعنى في غيره فهذه الصفة له شبه المجاز لأنه ثابت من وجه دون وجه وما يكون حسنا لعينه فهذه الصفة له حقيقة وبالمطلق تثبت الحقيقة دون المجاز وإذا ثبت هذا قلنا اتفق الفقهاء على ثبوت صفة الجواز مطلقا للمأمور به كما قررنا أن مقتضى الأمر حسن المأمور به حقيقة وذلك لا يكون إلا بعد جوازه شرعا ولأن مقتضى مطلقه الإيجاب ولا يجوز أن يكون واجب الأداء شرعا إلا بعد أن يكون جائزا شرعا وعلى قول بعض المتكلمين بمطلق الأمر لا يثبت جواز الأداء حتى يقترن به دليل

قسم V01/P062–V01/P064

واستدلوا على هذا بالظان عند تضايق الوقت أنه على طهارة فإنه مأمور بأداء الصلاة شرعا لا يكون جائزا إذا أداها على هذه الصفة ومن أفسد حجه فهو مأمور بالأداء شرعا ولا يكون المؤدى جائزا إذا أداه وهذا سهو منهم فإن عندنا من كان عنده أنه على طهارة فصلى جازت صلاته نص عليه في كتاب التحري فيما إذا توضأ بماء نجس فقال صلاته جائزة ما لم يعلم فإذا علم أعاده فإن قيل فإذا جازت صلاته كيف تلزمه الإعادة والأمر لا يقتضي التكرار قلنا المؤدى جائز حتى لو مات قبل أن يعلم لقي الله ولا شيء عليه فأما إذا علم فقد تبدل حاله ووجوب الأداء بعد تبدل الحال لا يكون تكرارا وتحقيقه أن الأمر يتوجه بحسب التوسع قال الله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها فإذا كان عنده أنه على طهارة يثبت الأمر في حقه على حسب ما يليق بحاله ومن ضرورته الجواز على تلك الحالة وإذا تبدل حاله بالعلم ثبت الأمر بالأداء كما يليق بحاله ولكن لما كان له طريق يتوصل به إلى هذه الحالة إذا تحرز وأحسن النظر لم يسقط الواجب في هذه الحالة بالأداء الأول وإن كان معذورا فيه لدفع الحرج عنه والحج بمعزل مما قلنا فالثابت بالأمر وجوب أداء الأعمال بصفة الصحة وأما بعد الإفساد فالثابت وجوب التحلل عن الإحرام بطريقه وهذا أمر آخر سوى الأول والمأمور به في هذا الأمر مجزى فإن التحلل بأداء الأعمال بعد الإفساد جائز شرعا ويحكى عن أبي بكر الرازي رحمه الله أنه كان يقول صفة الجواز وإن كانت تثبت بمطلق الأمر شرعا فقد تتناول الأمر على ما هو مكروه شرعا أيضا واستدل على ذلك بأداء عصر يومه بعد تغير الشمس فإنه جائز مأمور به شرعا وهو مكروه أيضا وكذلك قوله سبحانه وتعالى وليطوفوا بالبيت العتيق يتناول طواف المحدث عندنا حتى يكون طوافه ركن الحج وذلك جائز مأمور به شرعا ويكون مكروها قال رضي الله عنه والأصح عندي أن بمطلق الأمر كما تثبت صفة الجواز والحسن شرعا يثبت انتفاء صفة الكراهة لأن الأمر استعباد ولا كراهة في عبادة العبد لربه وانتفاء الكراهة تثبت بالإذن شرعا ومعلوم أن الإذن دون الأمر في طلب إيجاد المأمور به فلأن يثبت انتفاء الكراهة بالأمر أولى فأما الصلاة بعد تغير الشمس والكراهة ليست للصلاة ولكن للتشبه بمن يعبد الشمس والمأمور به هو الصلاة وكذلك الطواف الكراهة ليست في الطواف الذي فيه تعظيم البيت بل لوصف في الطواف وهو الحدث وذلك ليس من الطواف في شيء ثم تكلم مشايخنا رحمهم الله فيما إذا انعدم صفة الوجوب للمأمور به لقيام الدليل هل تبقى صفة الجواز أم لا فالعراقيون من مشايخنا يقولون هو على هذا الخلاف عندنا لا تبقى وعلى قول الشافعي تبقى فيثبتون هذا الخلاف في قوله عليه السلام من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر يمينه ثم ليأت بالذي هو خير فإن صيغة الأمر بهذه الصفة توجب التكفير سابقا على الحنث وقد انعدم هذا الوجوب بدليل الإجماع فبقي الجواز عنده ولم يبق عندنا وحجته في ذلك أن من ضرورة وجوب الأداء جواز الأداء والثابت بضرورة النص كالمنصوص وليس من ضرورة انتفاء الوجوب انتفاء الجواز فيبقى حكم الجواز بعدما انتفى الوجوب بالدليل واستدل عليه بصوم عاشوراء فبانتساخ وجوب الأداء فيه لم ينتسخ جواز الأداء ولكنا نقول موجب الأمر أداء هو متعين على وجه لا يتخير العبد بين الإقدام عليه وبين تركه شرعا والجواز فيما يكون العبد مخيرا فيه وبينهما مغايرة على سبيل المنافاة فإذا قام الدليل على انتساخ موجب الأمر لا يجوز إبقاء غير موجب الأمر مضافا إلى الأمر

قسم V01/P064–V01/P065

قال رضي الله عنه والأصح عندي أن بانتفاء حكم الوجوب لقيام الدليل ينتسخ الأمر ويخرج من أن يكون أمرا شرعا والمصير إلى بيان موجبه ابتداء وبقاء في حال ما يكون أمرا شرعا فأما بعد خروجه من أن يكون أمرا شرعا فلا معنى للاشتغال بهذا التكليف وبعدما انتسخ الأمر بصوم عاشوراء لا نقول جواز الصوم في ذلك اليوم موجب ذلك الأمر بل هو موجب كون الصوم مشروعا فيه للعبد كما في سائر الأيام وقد كان ذلك ثابتا قبل إيجاب الصوم فيه بالأمر شرعا فبقي على ما كان حتى إذا بقي الأمر يبقى حكم الجواز عندنا ولهذا قلنا الصحيح المقيم إذا صلى الظهر في بيته يوم الجمعة جازت صلاته والواجب عليه في المصر أداء الجمعة بعدما شرعت الجمعة ولكن بقي أصل أمر أداء الظهر ولهذا يلزمه بعد مضي الوقت قضاء الظهر ولو شهد الجمعة بعد الظهر كان مؤديا فرض الوقت فبه تبين أن الواجب أداء الجمعة دون أداء الظهر إذ الواجب إسقاط فرض الوقت بأداء الجمعة فكذلك يجب نقض الظهر المؤدي بأداء الجمعة ولهذا سوينا بذلك بين المعذور وغير المعذور لأن جواز ترك أداء الجمعة للمعذور رخصة فلا يتغير به حكم ما هو عزيمة والله أعلم فصل في بيان صفة الحسن لما هو شرط أداء اللازم بالأمر قال رضي الله عنه اعلم أن من شرط وجوب أداء المأمور به القدرة التي بها يتمكن المأمور من الأداء لقوله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ولأن الواجب أداء ما هو عبادة وذلك عبارة عن فعل يكتسبه العبد عن اختيار ليكون معظما فيه ربه فينال الثواب وذلك لا يتحقق بدون هذه القدرة غير أنه لا يشترط وجودها وقت الأمر لصحة الأمر لأنه لا يتأدى المأمور الأداء وذلك غير موجود سابقا على الأداء فإن الاستطاعة لا تسبق الفعل وانعدامها عند الأمر لا يمنع صحة الأمر ولا يخرجه من أن يكون حسنا بمنزلة انعدام المأمور فإن النبي عليه السلام كان رسولا إلى الناس كافة قال الله تعالى وما أرسلناك إلا كافة للناس وقال تعالى بالقدرة الموجودة وقت الأمر بحال وإنما يتأدى بالموجود منها عند نذيرا للبشر ولا شك أنه أمر جميع من أرسل إليهم بالشرائع ثم صح الأمر في حق الذين وجدوا بعده ويلزمهم الأداء بشرط أن يبلغهم فيتمكنون من الأداء قال تعالى لأنذركم به ومن بلغ وكما يحسن الأمر قبل وجود المأمور به يحسن قبل وجود القدرة التي يتمكن بها من الأداء ولكن بشرط التمكن عند الأداء ألا ترى أن التصريح بهذا الشرط لا يعدم صفة الحسن في الأمر فإن المريض يؤمر بقتال المشركين إذا برىء فيكون ذلك حسنا قال تعالى فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة وهذا الشرط نوعان مطلق وكامل

قسم V01/P065–V01/P067

فالمطلق أدنى ما يتمكن به من أداء المأمور به ماليا كان أو بدنيا لأن هذا شرط وجوب الأداء في كل أمر فضلا من الله تعالى ورحمة خصوصا في حق هذه الأمة فقد رفع الله عنهم الحرج ووضع عنهم الإصر والأغلال وفي لزوم الأداء بدون هذه القدرة من الحرج والثقل ما لا يخفى وعلى هذا وجوب الطهارة بالماء فإنه لا يثبت في حال عدم الماء لانعدام هذه القدرة وكذلك في حال العجز عن الاستعمال إلا بحرج بأن يخاف زيادة المرض أو العطش أو يلحقه نوع حرج في ماله بأن لا يباع منه بثمن مثله وكذلك أداء الصلاة لا يجب بدون هذه القدرة ولهذا كان وجوب الأداء بحسب ما يتمكن منه قائما أو قاعدا أو بالإيماء وكذلك وجوب أداء الحج لا يكون إلا بهذه القدرة بملك الزاد والراحلة لأن التمكن من السفر الذي يتوصل به إلى الأداء لا يكون إلا به وكذلك وجوب أداء الصدقة المالية لا يكون إلا بهذا الشرط فإنه لا يتمكن من الأداء عبادة إلا بملك المال ولهذا لا يعتبر التمكن منه بمال غيره وإن أذن له في ذلك في وجوب الأداء بخلاف الطهارة فصفة العبادة هناك غير مقصودة وهنا مقصودة ومع ذلك صفة الغني في المؤدى معتبر هنا قال عليه السلام لا صدقة إلا عن ظهر غنى وبدون ملك المال لا تثبت صفة الغنى ولهذا قال زفر والشافعي رحمهما الله إذا أسلم الكافر أو بلغ الصبي أو أفاق المجنون أو طهرت الحائض في آخر الوقت بحيث لا يتمكنون من أداء الفرض فيما بقي من الوقت لا يلزمهم الأداء لانعدام الشرط وهو التمكن ولكن علماءنا رحمهم الله قالوا يلزمهم أداء الصلاة استحسانا لأن السبب الموجب جزء من الوقت وشرط وجوب الأداء كون القدرة على الأداء متوهم الوجود لا كونه متحقق الوجود فإن ذلك لا يسبق الأداء وهذا التوهم موجود ههنا لجواز أن يظهر في ذلك الجزء من الوقت امتداد بتوقف الشمس فيسع الأداء كما كان لسليمان صلوات الله عليه فيثبت وجوب الأداء به ثم العجز عن الأداء فيه ظاهر لينتقل الحكم إلى ما هو خلف عن الأداء وهو القضاء بمنزلة الحلف على مس السماء تنعقد موجبة للبر لتوهم الكون فيما خلف عليه ثم بالعجز الظاهر ينتقل الواجب في الحال إلى ما هو خلف عنه وهو الكفارة وكذلك الحدث في وقت الصلاة ممن كان عادما للماء يكون موجبا للطهارة بالماء لتوهم القدرة عليها ثم تتحول إلى التراب باعتبار العجز الظاهر في الحال غير أن في فصل الحائض بشرط حقيقة الطهر في جزء من الوقت بأن تكون أيامها عشرة أو الحكم بالطهر بدليل شرعي بأن تكون أيامها دون العشرة فينقطع الدم والباقي من الوقت مقدار ما يمكنها أن تغتسل فيه وتحرم للصلاة وهذا لأن في أوامر العباد صفة الحسن ولزوم الأداء يثبت بهذا القدر من القدرة فإن من قال لامرىء اسقني ماء غدا يكون أمرا صحيحا موجبا للأداء فلا يتعين للحال فإنه يقدر على ذلك في غد لجواز أن يموت قبله أو يظهر عارض يحول بينه وبين التمكن من الأداء فكذلك في أوامر الشرع وجوب الأداء يثبت بهذا القدر ثم هذا الشرط مختص بالأداء دون القضاء فإنه شرط الوجوب ولا يتكرر الوجوب في واجب واحد فلا يشترط بقاء هذا التمكن لبقاء الواجب ولكن إن كان الفوات بمضي الوقت لا عن تقصير منه بقي الأداء واجبا على أن يتأتى بالخلف وهو القضاء وإن كان عن تقصير منه فهو متعد في ذلك وباعتبار تعديه يجعل الشرط كالقائم حكما ولهذا قلنا إذا هلك المال بعد وجوب الحج وصدقة الفطر لا يسقط الواجب عنه بذلك لأن التمكن من الأداء بملك المال كان شرط وجوب الأداء فيبقى الواجب وإن انعدم هذا الشرط

قسم V01/P067–V01/P069

وأما الكامل منه فالقدرة الميسرة للأداء وهي زائدة على الأولى بدرجة كرامة من الله تعالى وفرق ما بينهما أنه لا يتغير بالأولى صفة الواجب فكان شرط الوجوب فلا يعتبر بقاؤها لبقاء الواجب والثانية يغير صفة الواجب فيجعلها سمحا سهلا لينا ولهذا يشترط بقاؤها ببقاء الواجب لأنه متى وجب الأداء بصفة لا يبقى الأداء واجبا إلا بتلك الصفة ولا يكون الأداء بهذه الصفة بعد انعدام القدرة الميسرة للأداء وبيان هذا أن الزكاة تسقط بهلاك المال بعد التمكن من الأداء لأن الشرع إنما أوجب الأداء بصفة اليسر ولهذا خصه بالمال النامي وما أوجب الأداء إلا بعد مضي حول ليتحقق النماء فيكون المؤدى جزءا من الفضل قليلا من كثير وذلك غاية في اليسر فأما أصل التمكن من الأداء يثبت بكل مال فلو بقي الواجب بعد هلاك المال لم يكن المؤدى بصفة اليسر بل يكون بصفة الغرم فلا يكون الباقي ذلك الذي وجب ولا وجه لإيجاب غيره إلا بسبب متجدد ولهذا لو استهلك المال بقي عليه وجوب الأداء لأنه صار النصاب مشغولا بحق المستحق للزكاة فالاستهلاك تعد منه على محل الحق بالتفويت وذلك سبب موجب للغرم عليه كالعبد الجاني إذا استهلكه مولاه وهو لا يعلم بجنايته يصير غارما لقيمته وإن صادف فعله ملكه باعتبار هذا المعنى فلوجود سبب آخر أمكن إيجاب الأداء لا بالصفة التي بها وجب ابتداء ولا يدخل على هذا ما إذا هلك بعض النصاب فإن الواجب يبقى بقدر ما بقي منه وإن كان كمال النصاب شرط الوجوب في الابتداء لأن اشتراط كمال النصاب ليس لأجل اليسر حتى يتغير به صفة الواجب فإن أداء درهم من أربعين وأداء خمسة من مائتين في معنى اليسر سواء إذ كل واحد منهما أداء ربع العشر ولكن شرط كمال النصاب ليثبت به صفة الغنى فيمن يجب عليه فالمطلوب بالأداء إغناء المحتاج وإنما يتحقق الإغناء بصفة الحسن من الغني كما يتحقق التمليك من المالك وأحوال الناس تختلف في صفة الغنى بالمال فجعل الشرع لذلك حدا وهو ملك النصاب تيسيرا ثم هذا الغنى شرط وجوب الأداء بمنزلة أدنى التمكن الذي هو شرط وجوب الأداء من غير أن يكون مغيرا صفة الواجب فلهذا لا يشترط بقاؤه لبقاء الواجب ولكن بقدر ما بقي من المال يبقى الواجب بصفته لبقاء صفة اليسر فيه وعلى هذا قلنا يسقط العشر بهلاك الخارج قبل الأداء لأن القدرة الميسرة شرط الأداء فيه فالعشر مؤونة الأرض النامية ولا يجب إلا بعد تحقق الخارج فإنما يجب قليل من كثير من النماء فيكون الأداء بصفة اليسر وذلك لا يبقى بعد هلاك الخارج وكذلك الخراج لا يبقى إذا اصطلم الزرع آفة لأن وجوب الأداء باعتبار القدرة الميسرة ولهذا يتقدر الواجب بحسب الربع حتى إذا قل الخارج لا يجب من الخارج أكثر من نصف الخارج إلا أن عند التمكن من الزراعة إذا لم يفعل جعلت القدرة الميسرة كالموجود حكما بتقصير كان منه في الزراعة وذلك لا يوجد فيما إذا اصطلم الزرع آفة فلو بقي الخراج كان غرما ولهذا قلنا لا يسقط العشر بموت من عليه مع بقاء الخارج لأن القدرة الميسرة لأداء المالي بالمال تكون وهو باق بعد موته فيجعل هو كالحي حكما باعتبار خلفه ويكون أداء الواجب بالصفة التي يثبت بها الوجوب ابتداء وكذلك الزكاة لا تسقط بموته في أحكام الآخرة ولهذا يؤمر بالإيصاء به وتؤدى من ثلث ماله بعد موته إذا أوصى لبقاء القدرة الميسرة وباعتبار حياته حكما وبقاء المحل الذي هو خالص حقه وهو الثلث فيكون الأداء منه بصفة اليسر إلا أنه إذا لم يوص لا يبقى في أحكام الدنيا بعد موته لأن الواجب أداء العبادة وباعتبار الخلافة التي تثبت بعد موته لا يمكن تحقيق هذا الوصف لأن ذلك يثبت من غير اختيار له منه وفي العشر معنى العبادة لما لم يكن مقصودا بقي بعد موته وإن لم يوص به وكذلك الخراج إذا حصل الخارج ثم هلك قبل أدائه وعلى هذا قلنا إن الحانث في يمينه إذا عجز عن التكفير بالمال يجوز له أن يكفر بالصوم لأن وجوب الكفارة باعتبار القدرة الميسرة ألا ترى أنه ثبت التخير شرعا في أنواع التكفير بالمال والواجب أحد الأنواع عند أهل الفقه بخلاف ما يقوله بعض المتكلمين أن الكل واجب لاستواء الكل في صيغة الأمر والتخيير لإسقاط الواجب بما يعينه منها ويجعلون الأمر مثل قياس النهي فإن مثل هذا التخيير في النهي لا يخرج حكم النهي من أن يكون متناولا جميع ما تناوله الصيغة فكذلك الأمر ولكنا نقول في النهي يتحقق وجوب الانتهاء في الكل مع ذكر حرف أو لأن ذلك في موضع النفي وحرف أو في موضع النفي يوجب التعميم قال الله تعالى ولا تطع منهم آثما أو كفورا فأما في باب الكفارة ذكر حرف أو في موضع الإثبات فإنما يفيد الإيجاب في أحد الأنواع ألا ترى أنه لو كفر بالأنواع كلها لم يكن مؤديا للواجب في جميعها ويستحيل أن يكون واجبا قبل الأداء ثم إذا أدى يكون المؤدى نفلا لا واجبا ويتأدى الواجب بنوع واحد وهذا النوع منصوص عليه فلا يكون خلفا عن غيره ولو كان الكل واجبا لم يسقط الواجب في البعض بدون أدائه أو أداء ما هو خلف عنه فعرفنا أن الواجب أحد الأنواع والتخيير ليكون الأداء بصفة اليسر ولهذا تحول إلى الصوم عند العجز عن الأداء بالمال والمعتبر فيه العجز للحال لا تحقق العجز بعجز مستدام في العمر فإن في قوله تعالى فصيام ثلاثة أيام ما يدل على أنه يعتبر العجز في الحال إذ لو اعتبر العجز في جميع العمر لم يتحقق أداء الصوم بعد هذا العجز وكذلك التكفير بالطعام في الظهار يعتبر العجز في الحال عن التكفير بالصوم ولهذا لو مرض أياما فكفر بالإطعام جاز

قسم V01/P069–V01/P070

فتبين بهذا كله أن المعتبر في الكفارة القدرة الميسرة للأداء وبعد هلاك المال لا يبقى ذلك لو بقي التكفير بالمال عينا فجوزنا له التكفير بالصوم ولا تفصيل هنا بين أن يهلك المال بصنعه أو بغير صنعه لأن الواجب لا يصادف المال قبل الأداء ولا يجعل المال مشغولا به فلا يكون الاستهلاك تعديا على محل مشغول بحق المستحق ولهذا لا يسقط بهلاك المال حتى إنه إذا أيسر بمال آخر يلزمه التكفير بالمال لأن القدرة الميسرة تثبت بملك المال ولا تختص بمال دون مال فكان المال المستفاد فيه والمال الذي عنده سواء ولهذا لا يعتبر فيه كون المال ناميا ولا يعتبر صفة الغنى فيمن يجب عليه لأن بالواجب ليس من نماء المال وإنما الشرط فيه القدرة الميسرة للأداء على وجه ينال الثواب بالأداء فيكون ذلك ساترا لما لحقه لارتكاب المحظور وفي هذا يستوي المال النامي وغير النامي ويخرج على ما بينا أنه إذا هلك المال بعد وجوب الحج بأن كان مالكا للزاد والراحلة وقت خروج القافلة من بلدته فإنه لا يسقط عنه الحج لأن الشرط هناك أدنى التمكن دون اليسر فاليسر في سفر الحج يكون بالخدم والمراكب والأعوان وذلك ليس بشرط وأدنى التمكن شرط وجوب الأداء فلا يشترط بقاؤه لبقاء الواجب وكذلك لو هلك المال بعد وجوب صدقة الفطر أو هلك من وجب عليه بعد وجوب الأداء فإنه لا يسقط الواجب لأن شرط الوجوب هناك أدنى التمكن وصفة الغنى فيمن يجب عليه الأداء دون اليسر ولهذا لو ملك من مال البذلة والمهنة فضلا على حاجته ما يساوي نصابا يجب عليه وبهذا النوع من المال يحصل أدنى التمكن والغنى إذا بلغ نصابا فأما صفة اليسر فهو مختص بالمال النامي ليكون الأداء من فضل المال وذلك ليس بشرط هنا فعرفنا أن التمكن والغنى شرط وجوب الأداء باعتبار أنه غني قال عليه السلام أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم والإغناء إنما يتحقق من الغنى ولم يتغير صفة المؤدى بهذا الشرط فلا يشترط بقاؤه لبقاء الواجب وعلى هذا الأصل قلنا لا تجب الزكاة في مال المديون بقدر ما عليه من الدين لأن الوجوب باعتبار الغنى واليسر وذلك ينعدم بالدين والغنى إنما يحصل بفضل عن حاجته وحاجته إلى قضاء الدين حاجة أصلية فلا يحصل الغنى بملك ذلك القدر من المال ولهذا حل له أخذ الصدقة وهي لا تحل لغني وإنما تيسر الأداء إذا كان المؤدى فضل مال غير مشغول بحاجته

قسم V01/P070–V01/P072

وكذلك لا تجب صدقة الفطر على المديون إذا لم يملك نصابا فضلا عن دينه لأن الغني يملك المال معتبر في إيجاب صدقة الفطر على ما بينا أنه إغناء للمحتاج وبحاجته إلى قضاء الدين تنعدم صفة الغنى وإن كان الدين على العبد الذي هو عبد للخدمة فعلى المولى أن يؤدي عنه صدقة الفطر لأن صفة الغنى ثابت له بملك من النصاب سوى هذا القدر وأصل المالية غير معتبرة فيمن يجب الأداء عنه ولهذا تجب عن ولده الحر وكذلك الغنى به غير معتبر فإنه يجب الأداء عن المدبر وأم الولد وإن لم يكن هو غنيا بملكه فيهما فكذلك إذا كان العبد مشغولا بالدين لأن ذلك الدين على العبد يوجب استحقاق ماليته فيخرج المولى من أن يكون غنيا به ولو كان هذا العبد المديون للتجارة لم يجب على المولى أن يؤدي عنه زكاة التجارة لأن الغنى بالمال الذي يجب أداء الزكاة عنه شرط ليكون الأداء بصفة اليسر وذلك ينعدم بقيام الدين على العبد ولا يدخل على ما ذكرنا وجوب كفارة الموسر على المديون مع اعتبار صفة اليسر في التكفير بالمال لأن المذكور في كتاب الأيمان أنه إذا حنث في يمين وله ألف درهم وعليه مثلها دين فإنه يكفر بالصوم بعدما يقضي دينه بالمال ولم يتعرض لما قبل قضاء الدين أنه بماذا يكفر فقال بعض مشايخنا يكفر بالصوم أيضا لأن ما في يده من المال مستحق بدينه مشغول بحاجته وفي التكفير بالمال صفة اليسر معتبر بدليل التخيير المثابت بالنص وبسبب الدين ينعدم اليسر فيكفر بالصوم ومنهم من يقول يلزمه التكفير بالمال لأن الكفارة أوجبت ساترة أو زاجرة وما أوجبت شكرا للنعمة فلا تشبه الزكاة من هذا الوجه فإنها أوجبت شكرا للنعمة والغنى ولهذا يشترط لإيجابها أتم وجوه الغنى وذلك بالمال النامي وحاجته إلى قضاء الدين بالمال يعدم تمام الغنى ولا يعدم معنى حصول الثواب له إذا تصدق به ليكون ذلك ساترا للإثم الذي لحقه بارتكاب محظور اليمين وهو المقصود بالكفارة قال تعالى إن الحسنات يذهبن السيئات يوضحه أن معنى الإغناء غير معتبر في التكفير بالمال ألا ترى أنه يحصل بالإعتاق وليس فيه إغناء ولهذا قلنا يحصل التكفير بالمال بطعام الإباحة وإن كان الإغناء لا يحصل به فعرفنا أن المعتبر في التكفير بالمال أصل اليسر لا نهايته وتيسير الأداء قائم بملك المال مع قيام الدين عليه ، فأما في الزكاة المعتبر هو الإغناء ، ولهذا لا يتأدى إلا بتمليك المال والإغناء لا يتحقق ممن ليس بغني كامل الغنى وبسبب الدين ينعدم الغنى ولهذا يمتنع وجوب أداء الزكاة وصدقة الفطر على المديون فصل في بيان موجب الأمر في حق الكفار لا خلاف أنهم مخاطبون بالإيمان لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى الناس كافة ليدعوهم إلى الإيمان قال تعالى قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا إلى قوله تعالى فآمنوا بالله ورسوله فهذا الخطاب منه يتناولهم لا محالة ولا خلاف أنهم مخاطبون بالمشروع من العقوبات ولهذا تقام على أهل الذمة عند تقرر أسبابها لأنها تقام بطريق الخزي والعقوبة لتكون زاجرة عن الإقدام على أسبابها وباعتقاد حرمة السبب يتحقق ذلك ولا تنعدم الأهلية لإقامة ذلك عليه بطريقه بل هو جزاء وعقوبة فبالكفار أليق منه بالمؤمنين ولا خلاف أن الخطاب بالمعاملات يتناولهم أيضا لأن المطلوب بها معنى دنيوي وذلك بهم أليق فقد آثروا الدنيا على الآخرة ولأنهم ملتزمون لذلك فعقد الذمة يقصد به التزام أحكام المسلمين فيما يرجع إلى المعاملات فيثبت حكم الخطاب بها في حقهم كما يثبت في حق المسلمين لوجود الالتزام إلا فيما يعلم لقيام الدليل أنهم غير ملتزمين له ولا خلاف أن الخطاب بالشرائع يتناولهم في حكم المؤاخذة في الآخرة لأن موجب الأمر اعتقاد اللزوم والأداء وهم ينكرون اللزوم اعتقادا وذلك كفر منهم بمنزلة إنكار التوحيد فإن صحة التصديق والإقرار بالتوحيد لا يكون مع إنكار شيء من الشرائع

قسم V01/P072–V01/P074

وقال محمد رحمه الله في السير الكبير من أنكر شيئا من الشرائع فقد أبطل قول لا إله إلا الله فقد ذكر بعض من لا يعتمد على قوله من أهل زماننا في تصنيف له أن المسلم إذا أنكر شيئا من الشرائع فهو كافر فيما أنكره مؤمن فيما سوى ذلك وهو شبه المحال من الكلام يبتلى ذلك هو مخالف للرواية المنصوصة عن المتقدمين من أصحابنا رحمهم الله فإذا ثبت أنه ترك ذلك استحلالا وجحودا يكون كفرا منه ظهر أنه معاقب عليه في الآخرة كما هو معاقب على أصل الكفر وهو المراد بقوله تعالى وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة أي لا يقرون بها وقال تعالى المرء بمثله لقلة التأمل أو إعجابه بنفسه أعاذنا الله من ذلك ومع ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين قيل في التفسير من المسلمين المعتقدين فرضية الصلاة فهذا معنى قولنا إن الخطاب يتناولهم فيما يرجع إلى العقوبة في الآخرة فأما في وجوب الأداء في أحكام الدنيا فمذهب العراقيين من مشايخنا رحمهم الله أن الخطاب يتناولهم أيضا والأداء واجب عليهم فإنهم لا يعاقبون على ترك الأداء إذا لم يكن الأداء واجبا عليهم وظاهر ما تلونا يدل على أنهم يعاقبون في الآخرة على الامتناع من الأداء في الدنيا ولأن الكفر رأس المعاصي فلا يصلح سببا لاستحقاق التخفيف ومعلوم أن سبب الوجوب متقرر في حقهم وصلاحية الذمة لثبوت الواجب فيها بسببه موجود في حقهم وشرط وجوب الأداء التمكن منه وذلك غير منعدم في حقهم فلو سقط الخطاب بالأداء كان ذلك تخفيفا والكفر لا يصلح تخفيفا لذلك ولا معنى لقول من يقول إن التمكن من الأداء على هذه الصفة لا يتحقق حتى لو أدى لم يكن ذلك معتدا به لأنه يتمكن به من الأداء بشرط أن يقدم الإيمان والخطاب به ثابت في حقه فهو نظير الجنب والمحدث يتمكن من أداء الصلاة بشرط الطهارة وهو مطالب بذلك فيكون متمكنا من أداء الصلاة يتوجه عليه الخطاب بأدائها مع أن انعدام التمكن من الأداء بإصراره على الكفر وهو جان في ذلك فيجعل التمكن قائما حكما إذا كان انعدامه بسبب جنايته ألا ترى أن زوال التمكن بسبب الشكر لا يسقط الخطاب بأداء العبادات وكذلك انعدام التمكن بسبب الجهل إذا كان بتقصير منه لا يسقط الخطاب بالأداء فبسبب الكفر أولى ومشايخ ديارنا يقولون إنهم لا يخاطبون بأداء ما يحتمل السقوط من العبادات وجواب هذه المسألة غير محفوظ من المتقدمين من أصحابنا رحمهم الله نصا ولكن مسائلهم تدل على ذلك فإن المرتد إذا أسلم لا يلزمه قضاء الصلوات التي تركها في حال الردة عندنا وتلزمه عند الشافعي والمرتد كافر واستدل بعض أصحابنا على أن الخلاف بيننا وبين الشافعي أن تنصيص علمائنا أن ذلك لا يلزمه القضاء بعد الإسلام دليل على أنه لم يكن مخاطبا بأدائها في حالة الكفر وهذا ضعيف فسقوط القضاء عن المرتد والكافر الأصلي بعد الإسلام بوجود الدليل المسقط وهو قوله تعالى إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وقال عليه السلام الإسلام يجب ما قبله والسقوط بإسقاط من له الحق لا يكون دليل انتفاء أصل الوجوب ومنهم من استدل على ذلك بمن صلى في أول الوقت ثم ارتد ثم أسلم في آخر الوقت فعليه أداء فرض الوقت عندنا لأن بالردة ينعدم خطاب الأداء في حقه والاعتداد بما مضى كان بناء عليه فإذا أسلم وقد بقي شيء من الوقت يثبت الوجوب باعتباره ويصير مخاطبا بالأداء ابتداء وعلى قول الشافعي لا يلزمه الأداء لأن الخطاب بالأداء لا ينعدم في حقه بالردة فبقي المؤدى معتدا به وعلى هذا لو حج ثم ارتد ثم أسلم ولكن هذا ضعيف أيضا فإن المؤدى إنما لا يكون معتدا به بعد الردة لأن الردة تحبط العمل قال الله تعالى ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله يعني ما اكتسب من العبادات وما حبط لا يكون معتدا فلهذا ألزمناه الأداء ثانيا

قسم V01/P074–V01/P076

ومنهم من جعل هذه المسألة فرعا لأصل معروف بيننا وبينهم أن الشرائع عندهم من نفس الإيمان وهم مخاطبون بالإيمان ( فيخاطبون بالشرائع وعندنا الشرائع ليست من نفس الإيمان وهم مخاطبون بالإيمان ) فلا يخاطبون بالأداء بالشرائع التي تبتنى على الإيمان ما لم يؤمنوا وهذا ضعيف أيضا فإنهم مخاطبون بالعقوبات والمعاملات وليس شيء من ذلك من نفس الإيمان أيضا فالذي يصح من الاستدلال لمشايخنا رحمهم الله على هذا المذهب لفظ مذكور في الكتاب وهو أن من نذر أن يصوم شهرا ثم ارتد ثم أسلم فليس عليه من الصوم المنذور شيء لأن الردة تبطل كل عبادة ومعلوم أنه لم يرد بهذا التعليل العبادة المؤداة فهو ما أدى المنذور بعد فعرف أن الردة تبطل وجوب أداء كل عبادة فيكون هذا شبه التنصيص عن أصحابنا أن الخطاب بأداء الشرائع التي تحتمل السقوط لا يتناولهم ما لم يؤمنوا والدليل على صحة هذا القول أن النبي عليه السلام لما بعث معاذا إلى اليمن فقال ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله فإن هم أجابوك فأعلمهم أن الله تعالى فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة الحديث ففي هذا تنصيص على أن وجوب أداء الشرائع يترتب على الإجابة إلى ما دعوا إليه من أصل الدين والدليل على ذلك من طريق المعنى أن الأمر بأداء العبادة لينال به المؤدي الثواب في الآخرة حكما من الله تعالى ( كما وعده في محكم تنزيله والكافر ليس بأهل لثواب العبادة عقوبة له على كفره حكما من الله تعالى ) كما أن العبد لا يكون أهلا لملك المال حكما من الله تعالى والمرأة لا تكون أهلا لثبوت ملك المتعة لها على الرجل بسبب النكاح أو بسبب ملك الرقبة حكما من الله تعالى وإذا تحقق انعدام الأهلية للكافر فيما هو المطلوب بالأداء يظهر به انعدام الأهلية للأداء وبدون الأهلية لا يثبت وجوب الأداء وبه فارق الخطاب بالإيمان فإنه بالأداء يصير أهلا لما وعد الله المؤمنين فبه تبين الأهلية للأداء أيضا فإن قيل هو بالإيمان يصير أهلا لما هو موعود على أداء العبادات وهو مطالب بالإيمان فينبغي أن يجعل في حكم توجه الخطاب بالأداء عليه كأن ما هو مطالب به بالإيمان موجود في حقه كما جعل النطفة في الرحم كالحي حكما في حق الإرث والوصية والإعتاق ويجعل البيض كالصيد حكما في وجوب الجزاء على المحرم بكسره وإن لم يكن فيها معنى الصيدية حقيقة قلنا هذا أن لو كان مآل أمره الإيمان باعتبار الظاهر كالبيض والنطفة فمآلهما إلى الحياة والصيدية ما لم يفسدا ومآل أمر الكافر ليس للإيمان ظاهرا بل الظاهر من حال كل معتقداته يستديم اعتقاده ثم هذا المعنى إنما يستقيم اعتباره إذا كان عند إيمانه يتقرر وجوب الأداء فيما يتقرر سببه في حال الكفر فيقال يخاطب بالأداء على أن يسلم فيتقرر وجوب الأداء كما في النطفة والبيض فإن حكم العتق والملك والصيدية يتقرر إذا تحقق صفة الحياة فيهما وههنا ينعدم بالاتفاق فإنه بعد الإيمان لا يبقى وجوب الأداء في شيء مما سبق في حالة الكفر فإن قيل أليس أن العبد من أهل مباشرة التصرف الموجب لملك المال وإن لم يكن أهلا لملك المال فكذلك يجوز أن يكون الكافر يخاطب بأداء العبادات وإن لم يكن أهلا لما هو المقصود بالآداء

قسم V01/P076–V01/P077

قلنا صحة ذلك التصرف من المملوك على أن يخلفه المولى في حكمه أو على أن يتقرر الحكم له إذا أعتق كالمكاتب فأما هنا لا تثبت أهلية الأداء في حقه على أن يخلفه غيره فيما هو المبتغي بالأداء أو على أن يتقرر ذلك له بعد إيمانه وهذا بخلاف الجنب والمحدث في الخطاب بأداء الصلاة لأن الأهلية لما هو موعود للمصلين لا ينعدم بالجنابة والحدث ولكن الطهارة شرط الأداء وبانعدام الشرط لا تنعدم الأهلية لأداء الأصل وما هذا إلا نظير من يقول لغيره أعتق عبدك عني على ألف درهم فأعتقه يصح إعتاقه عن الآمر باعتبار أن الملك في المحل شرط الإعتاق فانعدامه عند الأمر لا يمنع صحة الأمر على أن يكون موجبا للحكم له إذا وجد الشرط عند إيجاد العتق ولو قال المولى لعبده أعتق عن نفسك عبدا فأعتق لم يصح هذا الأمر ولم يكن الإعتاق عن العبد لأنه بصفة الرق يخرج من أن يكون أهلا للإعتاق عن نفسه فلا يصح أمره إياه بالإعتاق عن نفسه مع انعدام الأهلية وتبين بهذا أن سقوط الخطاب بالأداء عنهم ليس للتخفيف عليهم كما ظنوا بل لتحقق معنى العقوبة والنقمة في حقهم فإن الإخراج من الأهلية لثواب العبادة يكون نقمة يوضحه أن الأمر لطلب أداء العبادة وهو مع صفة الكفر لا يكون أهلا للعبادة بل يحبط عمله كما قال الله تعالى وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ومعلوم أن في العبادة المنفعة للمؤدي المأمور لا للآمر قال الله تعالى ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون والكافر لا يستحق هذا النظر والمنفعة عقوبة له على كفره فكيف يكون فيه معنى التخفيف عليه والإيجاب من الآمر نظر من الشرع للمأمور فعسى أن يقصر فيما لا يكون واجبا عليه ولا يقصر في أداء ما هو واجب عليه والكافر غير مستحق لهذا النظر فقولنا وجوب الأداء لا يتناوله يكون تغليظا عليه لا تخفيفا ولهذا أثبتنا حكم وجوب الأداء فيما يرجع إلى العقوبة في الآخرة في حقه ثم هو بإصراره على الكفر متلف نفسه حكما فيما يرجع إلى ما هو المقصود بالعبادات فيكون بمنزلة من قتل نفسه حقيقة ولا يجعل قاتل النفس حقيقة كالحي حكما في توجه الخطاب عليه بأداء العبادات لا للتخفيف عليه فكذلك الكافر لا يجعل متمكنا من الأداء حكما مع إصراره على الكفر لا بطريق التخفيف عليه ولكن تجعل ذمته كالمعدومة حكما في الصلاحية لوجوب أداء العبادات فيها تحقيقا لمعنى الهوان في حقهم الله تعالى قال إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ثم الخطاب وهو أن يلحقهم بالبهائم التي لا ذمة لها في هذا الحكم كما وصفهم بأداء العبادات ليسعى المرء بأدائها في فكاك نفسه قال عليه السلام الناس غاديان بائع نفسه فموبقها ومشتر نفسه فمعتقها يعني بالائتمار بالأوامر والقول بأن الكافر ليس بأهل للسعي في فكاك نفسه ما لم يؤمن لا يكون تخفيفا عليه وهو نظير أداء بدل الكتابة لما كان ليتوصل به المكاتب إلى فكاك نفسه فإسقاط المولى هذه المطالبة عنه عند عجزه بالرد في الرق لا يكون تخفيفا عليه فإن ما بقي فيه من ذل الرق فوق ضرر المطالبة بالأداء وإنما استنبطنا هذا من تعليل محمد رحمه الله في قوله ما فيه من الشرك أعظم من ذلك علل به في أنه لا يلزمه كفارة الظهار وكفارة اليمين وإن حنث وفي الكفارات معنى العبادة على ما بينا أنه ينال به الثواب فيكون مكفرا للذنب والكافر ليس بأهل لذلك فلا يثبت في حقه الخطاب بأداء الكفارة كما لا يثبت في حق العبد الخطاب بالتكفير بالمال لأنه ليس بأهل لذلك

Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh) · 2 · Qur'an & Sunnah