Qur'an&Sunnah

Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh)

قسم V02/P044–V02/P045

والثاني أن أصل الكلام عامل باعتبار أصل الوضع وإنما انعدم هذا الوصف منه بطريق الضرورة فيقتصر على ما تحقق فيه الضرورة وهذه الضرورة ترتفع بصرفه إلى ما يليه بخلاف الشرط فإنه تبديل ولا يخرج به أصل الكلام من أن يكون عاملا إنما يتبدل به الحكم كما بينا ومطلق العطف يقتضي الاشتراك فلهذا أثبتنا حكم التبديل بالتعليق بالشرط في جميع ما سبق ذكره مع أن فيه كلاما في الفرق بين ما إذا عطفت جملة تامة على جملة تامة وبين ما إذا عطفت جملة ناقصة على جملة تامة ثم تعقبها شرط ولكن ليس هذا موضع بيان ذلك فأما قوله تعالى إلا الذين تابوا فلأجل دليل في نص الكلام صرفناه إلى جميع ما تقدم وذلك التقييد بقوله تعالى من قبل أن تقدروا عليهم فإن التوبة في محو الإثم ورجاء المغفرة والرحمة به في الآخرة لا تختلف بوجودها بعد قدرة الإمام على التائب أو قبل ذلك وإنما تختلف في حكم إقامة الحد الذي يكون مفوضا إلى الإمام فعرفنا بهذا التقييد أن المراد ما سبق من الحد وقد يتغير حكم مقتضى الكلام لدليل فيه ألا ترى أن مقتضى مطلق الكلام الترتيب على أن يجعل المتقدم في الذكر متقدما في الحكم ثم يتغير ذلك بدليل مغير كما في قوله تعالى الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما فإن المراد أنزله قيما ولم يجعل له عوجا وكذلك في قوله تعالى ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى فإن معناه ولولا سبقت من ربك كلمة وأجل مسمى لكان لزاما وضمة اللام دلنا على ذلك فهذا نظيره وإذا تقرر هذا الأصل قلنا البيان المغير والمبدل يصح موصولا ولا يصح مفصولا لأنه متى كان بيانا كان مقررا للحكم الثابت بصدر الكلام كبيان التقرير وبيان التفسير وإنما يتحقق ذلك إذا كان موصولا فأما إذا كان مفصولا فإنه يكون رفعا للحكم الثابت بمطلق الكلام أما في الاستثناء فإن الكلام يتم موجبا لحكمه بآخره وذلك بالسكوت عنه أو الانتقال إلى كلام آخر والاستثناء الموصول ليس بكلام آخر فإنه غير مستقل بنفسه فأما إذا سكت فقد تم الكلام موجبا لحكمه ثم الاستثناء بعد ذلك يكون نسخا بطريق رفع الحكم الثابت فلا يكون بيانا مغيرا وأما الشرط فهو مبدل باعتبار أنه يمتنع الوصول إلى المحل وهو العبد في كلمة الإعتاق ويجعل محله الذمة وإنما يتحقق هذا إذا كان موصولا فأما المفصول يكون رفعا عن المحل يعتبر هذا في المحسوسات فإن تعليق القنديل بالحبل في الابتداء يكون مانعا من الوصول إلى مقره من الأرض مبينا أن إزالة اليد عنه لم يكن كسرا فأما بعد ما وصل إلى مقره من الأرض تعليقه بالقنديل يكون رفعا عن محله فتبين بهذا أن الشرط إذا كان مفصولا فإنه يكون رفعا للحكم عن محله بمنزلة النسخ وهو لا يملك رفع الطلاق والعتاق عن المحل بعدما استقر فيه فلهذا لا يعمل الاستثناء والشرط مفصولا وعلى هذا قلنا إذا قال لفلان علي ألف درهم وديعة فإنه يصدق موصولا ولا يصدق إذا قاله مفصولا لأن قوله وديعة بيان فيه تغيير أو تبديل فإن مقتضى قوله علي ألف درهم الإخبار بوجوب الألف في ذمته وقوله وديعة فيه بيان أن الواجب في ذمته حفظها وإمساكها إلى أن يؤديها إلى صاحبها لا أصل المال فإما أن يكون تبديلا للمحل الذي أخبر بصدر الكلام أنه التزمه لصاحبه أو تغييرا لما اقتضاه أول الكلام لأنه لازم عليه للمقر له من أصل المال إلى الحفظ فإذا كان موصولا كان بيانا صحيحا وإذا كان مفصولا كان نسخا فيكون بمنزلة الرجوع عما أقر به

قسم V02/P045–V02/P047

وعلى هذا لو قال لغيره أقرضتني عشرة دراهم أو اسلفتني أو أسلمت إلي أو أعطيتني إلا أني لم أقبض فإن قال ذلك مفصولا لم يصدق وإن قال موصولا صدق استحسانا لأن هذا بيان تغيير فإن حقيقة هذه الألفاظ تقتضي تسليم المال إليه ولا يكون ذلك إلا بقبضه إلا أنه يحتمل أن يكون المراد به العقد مجازا فقد تستعمل هذه الألفاظ للعقد فكان قوله لم أقبض تغييرا للكلام عن الحقيقة إلى المجاز فيصح موصولا ولا يصح مفصولا وإذا قال دفعت إلي ألف درهم أو نقدتني إلا أني لم أقبض فكذلك الجواب عند محمد لأن الدفع والنقد والإعطاء في المعنى سواء فتجعل هاتان الكلمتان كقوله أعطيتني ويصدق فيهما إذا كان موصولا لا إذا كان مفصولا بطريق أنه بيان تغيير و أبو يوسف قال فيهما لا يصدق موصولا ولا مفصولا لأن الدفع والنقد اسم للفعل لا يتناول العقد مجازا ولا حقيقة فكان قوله إلا أني لم أقبض رجوعا والرجوع لا يعمل موصولا ولا مفصولا فأما الإعطاء قد سمي به العقد مجازا يقال عقد الهبة وعقد العطية وقال أبو حنيفة رضي الله عنه إذا قال لفلان علي ألف درهم إلا أنها زيوف لم يصدق موصولا ولا مفصولا وقال أبو يوسف ومحمد يصدق موصولا لأن قوله إلا أنها زيوف بيان تغيير فإن مطلق تسمية الألف في البيع ينصرف إلى الجياد لأنه هو النقد الغالب وبه المعاملة بين الناس وفيه احتمال الزيوف بدون هذه العادة فكان كلامه بيان تغيير فيصح موصولا لا مفصولا كما في قوله إلا أنها وزن خمسة وكما في الفصول المتقدمة بل أولى فإن ذلك نوع من المجاز وهذا حقيقة لأن إسم الدراهم للزيوف حقيقة كما أنها للجياد حقيقة و أبو حنيفة يقول مقتضى عقد المعاوضة وجوب المال بصفة السلامة والزيافة في الدراهم عيب لأن الزيافة إنما تكون بغش في الدراهم والغش عيب فكان هذا رجوعا عن مقتضى أول كلامه والرجوع لا يعمل موصولا ولا مفصولا وصار دعوى العيب في الثمن كدعوى العيب في البيع بأن قال بعتك هذه الجارية معيبا بعيب كذا وقال المشتري بل اشتريتها سليمة فإن البائع لا يصدق سواء قاله موصولا أو مفصولا بخلاف قوله إلا أنها وزن خمسة فإن ذلك استثناء لبعض المقدار بمنزلة قوله إلا مائتين وبخلاف قوله لفلان علي كر حنطة من ثمن بيع إلا أنها ردية لأن الرداءة ليست بعيب في الحنطة فالعيب ما يخلو عنه أصل الفطرة والرداءة في الحنطة تكون بأصل الخلقة فكان هذا بيان النوع لا بيان العيب فيصح موصولا كان أو مفصولا وعلى هذا لو قال لفلان علي ألف درهم من ثمن خمر فإن عند أبي يوسف ومحمد هذا بيان تغيير من حقيقة وجوب المال إلى ( بيان ) مباشرة سبب الالتزام صورة وهو شراء الخمر فيصح موصولا لا مفصولا و أبو حنيفة يقول هذا رجوع لأن أول كلامه تنصيص على وجوب المال في ذمته وثمن الخمر لا يكون واجبا في ذمة المسلم بالشراء فيكون رجوعا

قسم V02/P047–V02/P048

وعلى هذا لو قال لفلان علي ألف درهم من ثمن جارية باعنيها إلا أني لم أقبضها فإن على قول أبي يوسف ومحمد يصدق إذا كان موصولا وإذا كان مفصولا يسأل المقر له عن الجهة فإن قال الألف لي عليه بجهة أخرى سوى البيع فالقول قوله والمال لازم على المقر وإن قال بجهة البيع ولكنه قبضها فالقول حينئذ قول المقر أنه لم يقبضها لأن هذا بيان تغيير فإنه يتأخر به حق المقر له في المطالبة بالألف إلى أن يحضر الجارية ليسلمها بمنزلة شرط الخيار أو الأجل في العقد يكون مغير لمقتضى مطلق العقد ولا يكون ناسخا لأصله فيصح هذا البيان منه موصولا وإذا كان مفصولا فإن صدقه في الجهة فقد ثبتت الجهة بتصادقهما عليه ثم ليس في إقراره بالشراء ووجوب المال عليه بالعقد إقرار بالقبض فكان المقر له مدعيا عليه ابتداء تسليم المبيع وهو منكر ليس براجع عما أقر به فجعلنا القول قول المنكر وإذا كذبه في الجهة لم تثبت الجهة التي ادعاها وقد صح تصديقه له في وجوب المال عليه وبيانه الذي قال إنه من ثمن جارية لم يقبضها بيان تغيير فلا يصح مفصولا وأبو حنيفة يقول هذا رجوع عما أقر به لأنه أقر بأول كلامه أن المال واجب له دينا في ذمته وثمن جارية لا يوقف على أثرها لا تكون واجبة عليه إلا بعد القبض فإن المبيعة قبل التسليم إذا صارت بحيث لا يوقف على عينها بحال بطل العقد ولا يكون ثمنها واجبا وقوله من ثمن جارية باعنيها ولكني لم أقبضها إشارة إلى هذا فإن الجارية التي هي غير معينة لا يوقف على أثرها وما من جارية يحضرها البائع إلا وللمشتري أن يقول المبيعة غيرها فعرفنا أن آخر كلامه رجوع عما أقر به من وجوب المال دينا في ذمته والرجوع لا يصح موصولا ولا مفصولا وعلى هذا قال أصحابنا في كتاب الشركة إذا قال لغيره بعت منك هذا العبد بألف درهم إلا نصفه فإنه يجعل هذا بيعا لنصف العبد بجميع الألف ولو قال علي أن لي نصفه يكون بائعا نصف العبد بخمسمائة لأنه إذا قيد كلامه بالاستثناء يصير عبارة عما وراء المستثنى وإنما أدخله على المبيع دون الثمن وما وراء المستثنى من المبيع نصف العبد فيصير بائعا لذلك بجميع الألف فأما قوله على أن لي نصفه فهو معارض بحكمه لصدر الكلام ويصير بائعا جميع العبد من نفسه ومن المشتري بالألف وبيعه من نفسه معتبر إذا كان مفيدا ألا ترى أن المضارب يبيع مال المضاربة من رب المال فيجوز لكونه مفيدا وإذا كان كل واحد من البدلين مملوكا له فهنا أيضا إيجابه لنفسه مفيد في حق تقسيم الثمن فيعتبر ويتبين به أنه صار بائعا نصفه من المشتري بنصف الألف كما لو باع منه عبدين بألف درهم وأحدهما مملوك له يصير بائعا عبد نفسه منه بحصته من الثمن إذا قسم على قيمته وقيمة العبد الذي هو ملك المشتري وعلى هذا الأصل قال أبو يوسف فيمن أودع صبيا محجورا عليه مالا فاستهلكه إنه يكون ضامنا لأن تسليطه إياه على المال بإثبات يده عليه يتنوع نوعين استحفاظ وغير استحفاظ فيكون قوله أحفظه بيانا منه لنوع ما كان من جهته وهو التمكين وبيانه تصرف منه في حق نفسه مقصورا عليه غير متناول لحق الغير فينعدم ما سوى الاستحفاظ لانعدام علته وينعدم نفوذ الاستحفاظ لانعدام ولايته على المحل وكون الصبي ممن لا يحفظ وبعد انعدام النوعين يصير كأنه لم يوجد تمكينه من المال أصلا فإذا استهلكه كان ضامنا كما لو كان المال في يد صاحبه على حاله فجاء الصبي واستهلكه

قسم V02/P048–V02/P050

و أبو حنيفة ومحمد رضي الله عنهما قالا التسليط فعل مطلق وليس بعام حتى يصار فيه إلى التنويع وقوله احفظ كلام ليس من جنس الفعل ليشتغل بتصحيحه بطريق الاستثناء ولكنه معارض لأن الدفع إليه تسليط مطلقا وقوله احفظ معارض بمنزلة دليل الخصوص أو بمنزلة ما قاله الخصم في الاستثناء وإنما يكون معارضا إذا صح منه هذا القول شرعا كدليل الخصوص إنما يكون معارضا إذا صح شرعا ولا خلاف أن قوله احفظ غير صحيح في حكم الاستحفاظ شرعا فيبقى التسليط مطلقا فالاستهلاك بعد تسليط من له الحق مطلقا لا يكون موجبا للضمان على الصبي ولا على البالغ وما يخرج من المسائل على هذا الأصل يكثر تعدادها فمن فهم ما أشرنا إليه فهو يهديه إلى ما سواها والله أعلم فصل وأما بيان الضرورة فهو نوع من البيان يحصل بغير ما وضع له في الأصل وهو على أربعة أوجه منه ما ينزل منزلة المنصوص عليه في البيان ومنه ما يكون بيانا بدلالة حال المتكلم ومنه ما يكون بيانا بضرورة دفع الغرور ومنه ما يكون بيانا بدلالة الكلام فأما الأول فنحو قوله وورثه أبواه فلأمه الثلث فإنه لما أضاف الميراث إليهما في صدر الكلام ثم بين نصيب الأم كان ذلك بيانا أن للأب ما بقي فلا يحصل هذا البيان بترك التنصيص على نصيب الأب بل بدلالة صدر الكلام يصير نصيب الأب كالمنصوص عليه وعلى هذا قال أصحابنا في المضاربة إذا بين رب المال حصة المضارب من الربح ولم يبين حصة نفسه جاز العقد قياسا واستحسانا لأن المضارب هو الذي يستحق بالشرط وإنما الحاجة إلى بيان نصيبه خاصة وقد وجد ولو بين نصيب نفسه من الربح ولم يبين نصيب المضارب جاز العقد استحسانا لأن مقتضى المضاربة الشركة بينهما في الربح فببيان نصيب أحدهما يصير نصيب الآخر معلوما ويجعل ذلك كالمنطوق به فكأنه قال ولك ما بقي وكذلك في المزارعة إذا بين نصيب من البذر من قبله ولم يبين نصيب الآخر جاز العقد استحسانا لهذا المعنى وكذلك لو قال في وصيته أوصيت لفلان وفلان بألف درهم لفلان منها أربعمائة فإن ذلك بيان أن للآخر ستمائة بمنزلة ما لو نص عليه وكذلك لو قال أوصيت بثلث مالي لزيد وعمرو لزيد من ذلك ألف درهم فإنه يجعل هذا بيانا منه أن ما يبقى من الثلث لعمرو كما لو نص عليه وأما النوع الثاني فنحو سكوت صاحب الشرع عن معاينة شيء عن تغييره يكون بيانا منه لحقيته باعتبار حاله فإن البيان واجب عند الحاجة إلى البيان فلو كان الحكم بخلافه لبين ذلك لا محالة ولو بينه لظهر وكذلك سكوت الصحابة عن بيان قيمة الخدمة للمستحق على المغرور يكون دليلا على نفيه بدلالة حالهم لأن المستحق جاء يطلب حكم الحادثة وهو جاهل بما هو واجب له وكانت هذه أول حادثة وقعت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مما لم يسمعوا فيه نصا عنه فكان يجب عليهم البيان بصفة الكمال والسكوت بعد وجوب البيان دليل النفي وعلى هذا قلنا إذا ولدت أمة الرجل ثلاثة أولاد في بطون مختلفة فقال الأكبر ابني فإنه يكون ذلك بيانا منه أن الآخرين ليسا بولدين له لأن نفي نسب ولد ليس منه واجب ودعوى نسب ولد هو منه ليتأكد به على وجه لا ينتفي واجب أيضا فالسكوت عن البيان بعد تحقق الوجوب دليل النفي فيجعل ذلك كالتصريح بالنفي وعلى هذا قلنا البكر إذا بلغها نكاح الولي فسكتت يجعل ذلك إجازة منها باعتبار حالها فإنها تستحي فيجعل سكوتها دليلا على جواب يحول الحياء بينها وبين التكلم به وهو الإجازة التي يكون فيها إظهار الرغبة في الرجال فإنها إنما تستحي من ذلك

قسم V02/P050–V02/P052

وأما النوع الثالث فنحو سكوت المولى عن النهي عند رؤية العبد يبيع ويشتري فإنه يجعل إذنا له في التجارة لضرورة دفع الغرور عمن يعامل العبد فإن في هذا الغرور إضرارا بهم والضرر مدفوع ولهذا لم يصح الحجر الخاص بعد الإذن العام المنتشر والناس لا يتمكنون من استطلاع رأي المولى في كل معاملة يعاملونه مع العبد وإنما يتمكنون من التصرف بمرأى العين منه ويستدلون بسكوته على رضاه فجعلنا سكوته كالتصريح بالإذن لضرورة دفع الغرور وكذلك سكوت الشفيع عن طلب الشفعة بعد العلم بالبيع يجعل بمنزلة إسقاط الشفعة لضرورة دفع الغرور عن المشتري فإنه يحتاج إلى التصرف في المشتري فإذا لم يجعل سكوت الشفيع عن طلب الشفعة إسقاطا للشفعة فإما أن يمتنع المشتري من التصرف أو ينقض الشفيع عليه تصرفه فلدفع الضرر والغرور جعلنا ذلك كالتنصيص منه على إسقاط الشفعة وإن كان السكوت في أصله غير موضوع للبيان بل هو ضده وكذلك نكول المدعى عليه عن اليمين يجعل بمنزلة الإقرار منه إما لدفع الضرر عن المدعي فيكون من النوع الثالث أو لحال الناكل وهو امتناعه من اليمين المستحقة عليه بعد تمكنه من إيفائه وأما النوع الرابع فبيانه فيما إذا قال لفلان علي مائة ودرهم أو مائة ودينار فإن ذلك بيان للمائة أنها من جنس المعطوف عندنا وعند الشافعي يلزمه المعطوف والقول في بيان جنس المائة قوله وكذلك لو قال مائة وقفيز حنطة أو ذكر مكيلا أو موزونا آخر واحتج فقال إنه أقر بمائة مجملا ثم عطف ما هو مفسر فيلزمه المفسر ويرجع إليه في بيان المجمل كما لو قال مائة وثوب أو مائة وشاة أو مائة وعبد وهذا لأن المعطوف غير المعطوف عليه فلا يكون العطف تفسيرا للمعطوف عليه بعينه وكيف يكون تفسيرا وهو في نفسه مقر به لازم إياه ولو كان تفسيرا له لم يجب به شيء لأن الوجوب بالكلام المفسر لا بالتفسير ولكنا نقول قوله ودرهم بيان للمائة عادة ودلالة أما من حيث العادة فلأن الناس اعتادوا حذف ما هو تفسير عن المعطوف عليه في العدد إذا كان المعطوف مفسرا بنفسه كما اعتادوا حذف التفسير عن المعطوف عليه والاكتفاء بذكر التفسير للمعطوف فإنهم يقولون مائة وعشرة دراهم على أن يكون الكل من الدراهم وإنما اعتادوا ذلك لضرورة طول الكلام وكثرة العدد والإيجاز عند ذلك طريق معلوم عادة وإنما اعتادوا هذا فيما يثبت في الذمة في عامة المعاملات كالمكيل والموزون دون ما لا يثبت في الذمة إلا في معاملة خاصة كالثياب فإنها لا تثبت في الذمة قرضا ولا بيعا مطلقا وإنما يثبت في السلم أو فيما هو في معنى السلم كالبيع بالثياب الموصوفة مؤجلا وأما من حيث الدلالة فلأن المعطوف مع المعطوف عليه كشيء واحد من حيث الحكم والإعراب بمنزلة المضاف مع المضاف إليه ثم الإضافة للتعريف حتى يصير المضاف معرفا بالمضاف إليه فكذلك العطف متى كان صالحا للتعريف يصير المعطوف عليه معرفا بالمعطوف باعتبار أنهما كشيء واحد ولكن هذا فيما يجوز أن يثبت في الذمة عند مباشرة السبب بذكر المعطوف بالمعطوف عليه كالمكيل والموزون فأما ما ليس بمقدر لا يثبت دينا في الذمة بذكر المعطوف ( والمعطوف ) عليه مع إلحاق التفسير بالمعطوف عليه ولكن يحتاج إلى ذكر شرائط أخر فلهذا لم نجعل المعطوف عليه مفسرا بالمعطوف هناك واتفقوا أنه لو قال لفلان علي مائة وثلاثة دراهم أنه تلزمه الكل من الدراهم وكذلك لو قال مائة وثلاثة أثواب أو ثلاثة أفراس أو ثلاثة أعبد لأنه عطف إحدى الجملتين على الأخرى ثم عقبهما بتفسير والعطف للاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه فالتفسير المذكور يكون تفسيرا لهما وكذلك لو قال له علي أحد وعشرون درهما فالكل دراهم لأنه عطف العدد المبهم على ما هو واحد مذكور على وجه الإبهام وقوله درهما مذكور على وجه التفسير فيكون تفسيرا لهما والاختلاف في قوله له مائة ودرهمان كالاختلاف في قوله ودرهم

قسم V02/P052–V02/P053

وقد روي عن أبي يوسف أنه إذا قال له علي مائة وثوب أو مائة وشاة فالمعطوف يكون تفسيرا للمعطوف عليه بخلاف ما إذا قال مائة وعبد لأن في قوله مائة ودرهم إنما جعلناه تفسيرا باعتبار أن المعطوف والمعطوف عليه كشيء واحد وهذا يتحقق في كل ما يحتمل القسمة فإن معنى الاتحاد بالعطف في مثله يتحقق فأما ما لا يحتمل القسمة مطلقا كالعبد لا يتحقق فيه معنى الاتحاد بسبب العطف فلا يصير المجمل بالمعطوف فيه مفسرا والله أعلم باب النسخ جوازا وتفسيرا قال رضي الله عنه اعلم بأن الناس تكلموا في معنى النسخ لغة فقال بعضهم هو عبارة عن النقل من قول القائل نسخت الكتاب إذا نقله من موضع إلى موضع وقال بعضهم هو عبارة عن الإبطال من قولهم نسخت الشمس الظل أي أبطلته وقال بعضهم هو عبارة عن الإزالة من قولهم نسخت الرياح الآثار أي أزالتها وكل ذلك مجاز لا حقيقة فإن حقيقة النقل أن تحول عين الشيء من موضع إلى موضع آخر ونسخ الكتاب لا يكون بهذه الصفة إذ لا يتصور نقل عين المكتوب من موضع إلى موضع آخر وإنما يتصور إثبات مثله في المحل الآخر وكذلك في الأحكام فإنه لا يتصور نقل الحكم الذي هو منسوخ إلى ناسخه وإنما المراد إثبات مثله مشروعا في المستقبل أو نقل المتعبد من الحكم الأول إلى الحكم الثاني وكذلك معنى الإزالة فإن إزالة الحجر عن مكانه لا يعدم عينه ولكن عينه باق في المكان الثاني وبعد النسخ لا يبقى الحكم الأول ولو كان حقيقة النسخ الإزالة لكان يطلق هذا الاسم على كل ما توجد فيه الإزالة وأحد لا يقول بذلك وكذلك لفظ الإبطال فإن بالنص لا تبطل الآية وكيف تكون حقيقة النسخ الإبطال وقد أطلق الله تعالى ذلك في الإثبات بقوله تعالى إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون فعرفنا أن الاسم شرعي عرفناه بقوله تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها وأوجه ما قيل فيه إنه عبارة عن التبديل من قول القائل نسخت الرسوم أي بدلت برسوم أخر وقد استبعد هذا المعنى بعض من صنف في هذا الباب من مشايخنا وقال في إطلاق لفظ التبديل إشارة إلى أنه رفع الحكم المنسوخ وإقامة الناسخ مقامه وفي ذلك إيهام البداء والله تعالى يتعالى عن ذلك قال رضي الله عنه وعندي أن هذا سهو منه وعبارة التبديل منصوص عليه في القرآن قال تعالى وإذا بدلنا آية مكان آية وإذا كان اسم النسخ شرعيا معلوما بالنص فجعله عبارة عما يكون معلوما بالنص أيضا يكون أولى الوجوه ثم هو في حق الشارع بيان محض فإن الله تعالى عالم بحقائق الأمور لا يعزب عنه مثقال ذرة ثم إطلاق الأمر بشيء يوهمنا بقاء ذلك على التأبيد من غير أن نقطع القول به في زمن من ينزل عليه الوحي فكان النسخ بيانا لمدة الحكم المنسوخ في حق الشارع وتبديلا لذلك الحكم بحكم آخر في حقنا على ما كان معلوما عندنا لو لم ينزل الناسخ بمنزلة القتل فإنه انتهاء الأجل في حق من هو عالم بعواقب الأمور لأن المقتول ميت بأجله بلا شبهة ولكن في حق القاتل جعل فعله جناية على معنى أنه يعتبر في حقه حتى يستوجب به القصاص وإن كان ذلك موتا بالأجل المنصوص عليه في قوله تعالى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ومن فهم معنى التبديل بهذه الصفة عرف أنه ليس فيه من إيهام البداء شيء ثم المذهب عند المسلمين أن النسخ جائز في الأمر والنهي الذي يجوز أن يكون ثابتا ويجوز أن لا يكون على ما نبينه في فصل محل النسخ وعلى قول اليهود النسخ لا يجوز أصلا وهم في ذلك فريقان فريق منهم يأبى النسخ عقلا وفريق يأبى جوازه سمعا وتوقيفا وقد قال بعض من لا يعتد بقوله من المسلمين إنه لا يجوز النسخ أيضا وربما قالوا لم يرد النسخ في شيء أصلا

قسم V02/P053–V02/P055

ولا وجه للقول الأول إذا كان القائل ممن يعتقد الإسلام فإن شريعة هذا القول منه مع اعتقاده لهذه الشريعة والثاني باطل نصا فإن قوله تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها نأت محمد صلى الله عليه وسلم ناسخة لما قبلها من الشرائع فكيف يتحقق بخير منها وقوله وإذا بدلنا آية مكان آية نص قاطع على جواز النسخ وانتساخ التوجه إلى بيت المقدس بفرضية التوجه إلى الكعبة أمر ظاهر لا ينكره عاقل فقول من يقول لم يوجد باطل من هذا الوجه فأما من قال من اليهود إنه لا يجوز بطريق التوقيف استدل بما يروى عن موسى صلى الله عليه وسلم أنه قال تمسكوا بالسبت ما دامت السموات والأرض وزعموا أن هذا مكتوب في التوراة عندهم وقالوا قد ثبت عندنا بالطريق الموجب للعلم وهو خبر التواتر عن موسى صلى الله عليه وسلم أنه قال إن شريعتي لا تنسخ كما تزعمون أنتم أن ذلك ثبت عندكم بالنقل المتواتر عمن تزعمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبهذا الطريق طعنوا في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا من أجل العمل في السبت لا يجوز تصديقه ولا يجوز أن يأتي بمعجزة تدل على صدقه ومن أنكر منهم ذلك عقلا قال الأمر بالشيء دليل على حسن المأمور به والنهي عن الشيء دليل على قبح المنهي عنه والشيء الواحد لا يجوز أن يكون حسنا وقبيحا فالقول بجواز النسخ قول بجواز البداء وذلك إنما يتصور ممن يجهل عواقب الأمور والله تعالى يتعالى عن ذلك يوضحه أن مطلق الأمر يقتضي التأبيد في الحكم وكذلك مطلق النهي ولهذا حسن منا اعتقاد التأبيد فيه فيكون ذلك بمنزلة التصريح بالتأبيد ولو ورد نص بأن العمل في السبت حرام عليكم أبدا لم يجز نسخه بعد ذلك بحال فكذلك إذا ثبت التأبيد بمقتضى مطلق الأمر إذ لو كان ذلك موقتا كما قلتم لكان تمام البيان فيه بالتنصيص على التوقيت فما كان يحسن إطلاقه عن ذكر التوقيت وفي ذلك إيهام الخلل فيما بينه الله تعالى فلا يجوز القول به أصلا وحجتنا فيه من طريق التوقيف اتفاق الكل على أن جواز النكاح بين الإخوة والأخوات قد كان في شريعة آدم عليه الصلاة والسلام وبه حصل المرء قد كان في شريعته فإن حواء رضي الله عنها خلقت منه وكان يستمتع بها ثم انتسخ ذلك الحكم حتى لا يجوز لأحد أن يستمتع بمن هو بعض منه بالنكاح نحو ابنته ولأن اليهود مقرون بأن يعقوب عليه السلام حرم شيئا من المطعومات على نفسه وأن ذلك صار حراما عليهم كما أخبرنا الله تعالى به في قوله كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما التناسل وقد انتسخ ذلك بعده وكذلك جواز الاستمتاع بمن هو بعض من حرم إسرائيل على نفسه الآية والنسخ ليس إلا تحريم المباح أو إباحة الحرام وكذلك العمل في السبت كان مباحا قبل زمن موسى عليه السلام فإنهم يوافقوننا على أن حرمة العمل في السبت من شريعة موسى وإنما يكون من شريعته إذا كان ثبوته بنزول الوحي عليه فأما إذا كان ذلك قبل شريعته على هذا الوجه أيضا فلا فائدة في تخصيصه أنه شريعته فإذا جاز ثبوت الحرمة في شريعته بعد ما كان مباحا جاز ثبوت الحل في شريعة نبي آخر قامت الدلالة على صحة نبوته ومن حيث المعقول الكلام من وجهين أحدهما أن النسخ في المشروعات التي يجوز أن تكون مشروعا ويجوز أن لا تكون ومعلوم أن هذه المشروعات شرعها الله تعالى على سبيل الابتلاء لعباده حتى يميز المطيع من العاصي

قسم V02/P055–V02/P057

ومعنى الابتلاء يختلف باختلاف أحوال الناس وباختلاف الأوقات فإن في هذا الابتلاء حكمة بالغة وليس ذلك إلا منفعة للعباد في ذلك عاجلا أو آجلا لأن الله تعالى يتعالى عن أن يلحقه المضار والمنافع وما لا منفعة فيه أصلا يكون عبثا ضدا للحكمة ثم قد تكون المنفعة في إثبات شيء في وقت وفي نفيه في وقت آخر كإيجاب الصوم في النهار إلى غروب الشمس أو طلوع النجوم كما هو مذهبهم ونفي الصوم بعد ذلك ويختلف ذلك باختلاف أحوال الناس كوجوب اعتزال المرأة في حالة الحيض وانتفاء ذلك بعدما طهرت ألا ترى أنه لو نص على ذكر الوقت فيه بأن قال حرمت عليكم العمل في السبت ألف سنة ثم هو مباح بعد ذلك كان مستقيما وكان معنى الابتلاء فيه متحققا ولم يكن فيه من معنى البداء شيء فكذلك عند إطلاق اللفظ في التحريم حين شرعه لا يكون فيه من معنى البداء شيء بل يكون امتحانا للمخاطبين في الوقتين جميعا وهو بمنزلة تبديل الصحة بالمرض والمرض بالصحة وتبديل الغنى بالفقر والفقر بالغنى فإن ذلك ابتلاء بالطريق الذي قلنا إليه أشار الله تعالى فيما أنزله على نبينا صلى الله عليه وسلم وقال إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه والثاني أن ثم النسخ بعد ذلك إذا انتهت مدة التحريم الذي كان معلوما عند الشارع النسخ بيان مدة بقاء الحكم وذلك غيب عنا لو بينه لنا في وقت الأمر كان حسنا لا يشوبه من معنى القبح شيء فكذلك إذا بينه بعد ذلك بالنسخ وإنما قلنا ذلك لأن النسخ إنما يكون فيما يجوز أن يكون مشروعا ويجوز أن لا يكون مشروعا ومع الشرع مطلقا يحتمل أن يكون موقتا ويحتمل أن يكون مؤبدا احتمالا على السواء لأن الأمر يقتضي كونه مشروعا من غير أن يكون موجبا بقاءه مشروعا وإنما البقاء بعد الثبوت بدليل آخر سبق أو بعدم الدليل المزيل فأما أن يكون ذلك واجبا بالأمر فلا لأن إحياء الشريعة بالأمر به كإحياء الشخص وذلك لا يوجب بقاءه وإنما يوجب وجوده ثم البقاء بعد ذلك بإبقاء الله تعالى إياه أو بانعدام سبب الفناء فكما أن الإماتة بعد الإحياء لا يكون فيه شيء من معنى القبح ولا يكون دليل البداء والجهل بعواقب الأمور بل يكون ذلك بيانا لمدة بقاء الحياة الذي كان معلوما عند الخالق حين خلقه وإن كان ذلك غيبا عنا فكذلك النسخ في حكم الشرع فإن قيل فعلى هذا بقاء الحكم قبل أن يظهر ناسخه لا يكون مقطوعا به لأنه ما لم يكن هناك دليل موجب له لا يكون مقطوعا به ولا دليل سوى الأمر به قلنا أما في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكذلك نقول بقاءه بعد الأمر إنما يكون باستصحاب الحال لجواز نزول الوحي بما ينسخه ويبين به مدة بقائه إلا أن الواجب علينا التمسك بما ظهر عندنا لا بما هو غيب عنا فما لم تظهر لنا مدة البقاء بنزول الناسخ يلزمنا العمل به وكذلك بعد نزول الناسخ قبل أن يعلم المخاطب به وهو نظير حياة المفقود بعدما غاب عنا فإنه يكون ثابتا باستصحاب الحال لا بدليل موجب لبقائه حيا ولكنا نجعله في حكم الأحياء بناء على ما ظهر لنا حتى يتبين انتهاء مدة حياته بظهور موته فأما بعد وفاة الرسول عليه السلام فلم يبق احتمال النسخ وصار البقاء ثابتا بدليل مقطوع به وهو أن النسخ لا يكون إلا على لسان من ينزل عليه الوحي ولا توهم لذلك بعدما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن قيل فعلى هذا لا يكون النسخ في أصل الأمر لأن الحكم الثابت بالأمر غير الأمر فببيان مدته لا يثبت تبديل الأمر بالنهي قلنا وهكذا نقول فإنه ليس في النسخ تعرض للأمر بوجه من الوجوه بل للحكم الثابت به ظاهرا بناء على ما هو معلوم لنا فإنه كان يجوز البقاء بعد هذه المدة باعتبار الإطلاق الذي كان عندنا

قسم V02/P057–V02/P058

فأما في حق الشارع فهو بيان مدة الحكم كما كان معلوما له حقيقة ولا يتحقق منه توهم التعرض للأمر ولا لحكمه كالإماتة بعد الإحياء فإنه بيان المدة من غير أن يكون فيه تعرض لأصل الإحياء ولا لما يبتنى عليه من مدة البقاء فاعتبار ما هو ظاهر لنا يكون فيه تبديل صفة الحياة بصفة الوفاة وإنما تتحقق المنافاة بين القبح والحسن في محل واحد في وقت واحد فأما في وقتين ومحلين فلا يتحقق ذلك ألا ترى أنه لا يتوجه الخطاب على من لا يعقل من صبي أو مجنون ثم يتوجه عليه الخطاب بعدما عقل ويكون كل واحد منهما حسنا لاختلاف الوقت أو لاختلاف المحل وهذا لأن أحوالنا تتبدل فيكون النسخ تبديلا بناء على ما يتبدل من أحوالنا من العلم مدة البقاء والجهل به لا يكون مؤديا إلى الجمع بين صفة القبح والحسن والله يتعالى عن ذلك فكان في حقه بيانا محضا لمدة بقاء المشروع بمنزلة المنصوص عليه حين شرعه وما استدلوا به من السمع لا يكاد يصح عندنا بعدما ثبت رسالة رسل بعد موسى عليه السلام بالآيات المعجزة والدلائل القاطعة ودعواهم أن ذلك في التوراة غير مسموعة منهم لأنه ثبت عندنا على لسان من ثبتت رسالته أنهم حرفوا التوراة وزادوا فيها ونقصوا ولأن كلام الله تعالى لا يثبت إلا بالنقل المتواتر وذلك لا يوجد في التوراة بعدما فعل بختنصر ببني إسرائيل ما فعل من القتل الذريع وإحراق أسفار التوراة وفي المسألة كلام كثير بين أهل الأصول ولكنا اقتصرنا هنا على قدر ما يتصل بأصول الفقه والمقصود من بيان هذه المسألة هنا ما يترتب عليها من أصول الفقه والله الموفق للإتمام فصل في بيان محل النسخ قد بينا أن جواز النسخ مختص بما يجوز أن يكون مشروعا ويجوز أن لا يكون مشروعا وهو مما يحتمل التوقيت نصا مع كونه مشروعا لأنه بيان مدة بقاء الحكم وبعد انتهاء المدة لا يبقى مشروعا فلا بد من أن يكون فيه احتمال الوصفين وبهذا البيان يظهر أنه إذا كان موقتا فلا بد من أن يكون محتملا للتوقيت نصا وفي هذا بيان أنه ليس في أصل التوحيد احتمال النسخ بوجه من الوجوه لأن الله تعالى بأسمائه وصفاته لم يزل كان ولا يزال يكون ومن صفاته أنه صادق حكيم عالم بحقائق الأمور فلا احتمال للنسخ في هذا بوجه من الوجوه ألا ترى أن الأمر بالإيمان بالله وكتبه ورسله لا يحتمل التوقيت بالنص وأنه لا يجوز أن يكون غير مشروع بحال من الأحوال وعلى هذا قال جمهور العلماء لا نسخ في الأخبار أيضا يعنون في معاني الأخبار واعتقاد كون المخبر به على ما أخبر به الصادق الحكيم بخلاف ما يقوله بعض أهل الزيغ من احتمال النسخ في الأخبار التي تكون في المستقبل لظاهر قوله تعالى يمحو الله ما يشاء ويثبت ولكنا نقول الأخبار ثلاثة خبر عن وجود ما هو ماض وذلك ليس فيه احتمال التوقيت ولا احتمال أن لا يكون موجودا وخبر عما هو موجود في الحال وليس فيه هذا الاحتمال أيضا وخبر عما هو كائن في المستقبل نحو الإخبار بقيام الساعة وليس فيه احتمال ما بينا من التردد فتجويز النسخ في شيء من ذلك يكون قولا بتجويز الكذب والغلط على المخبر به ألا ترى أنه لا يستقيم أن يقال اعتقدوا الصدق في هذا الخبر إلى وقت كذا ثم اعتقدوا فيه الكذب بعد ذلك والقول بجواز النسخ في معاني الأخبار يؤدي إلى هذا لا محالة وهو البداء والجهل الذي تدعيه اليهود في أصل النسخ فأما قوله تعالى يمحو الله ما يشاء ويثبت فقد فسره الحسن رضي الله عنه بالإحياء والإماتة وفسره زيد بن أسلم رضي الله عنه قال يمحو الله ما يشاء مما أنزله من الوحي ويثبت بإنزال الوحي فيه

قسم V02/P058–V02/P060

فعلى هذا يتبين أن المراد ما يجوز أن يكون مؤقتا أو أن المراد التلاوة ونحن نجوز ذلك في الأخبار أيضا بأن تترك التلاوة فيه حتى يندرس وينعدم حفظه من قلوب العباد كما في الكتب المتقدمة وإنما لا يجوز ذلك في معاني الأخبار على ما قررنا وإنما محل النسخ الأحكام المشروعة بالأمر والنهي مما يجوز أن لا يكون مشروعا ويجوز أن يكون مشروعا موقتا وذلك ينقسم أربعة أقسام قسم منه ما هو مؤبد بالنص وقسم منه ما يثبت التأبيد فيه بدلالة النص وقسم منه ما هو موقت بالنص فهذه الأقسام الثلاثة ليس فيها احتمال النسخ أيضا وإنما احتمال النسخ في القسم الرابع وهو المطلق الذي يحتمل أن يكون موقتا ويحتمل أن يكون مؤبدا احتمالا على السواء فأما بيان القسم الأول في قوله تعالى وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ففيه تنصيص على التأبيد وكذلك في قوله تعالى خالدين فيها أبدا لأن بعد التنصيص على التأبيد بيان التوقيت فيه بالنسخ لا يكون إلا على وجه البداء وظهور الغلط والله تعالى يتعالى عن ذلك وما ثبت التأبيد فيه بدلالة النص فبيانه في الشرائع بعدما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم مستقرا عليها فإنه ليس فيها احتمال النسخ لأن النسخ لا يكون إلا على لسان من ينزل عليه الوحي وقد ثبت بدليل مقطوع به أن رسول الله خاتم النبيين وأنه لا نسخ لشريعته فلا يبقى احتمال النسخ بعد هذه الدلالة فيما كان شريعة له حين قبض ونظيره من المخلوقات الدار الآخرة فقد ثبت بدليل مقطوع به أنه لا فناء لها وأما القسم الثالث فبيانه في قول القائل أذنت لك في أن تفعل كذا إلى مائة سنة فإن النهي قبل مضي تلك المدة يكون من باب البداء ويتبين به أن الإذن الأول كان غلطا منه لجهله بعاقبة الأمر والنسخ الذي يكون مؤديا إلى هذا لا يجوز القول به في أحكام الشرع ولم يرد شرع بهذه الصفة فأما القسم الرابع فبيانه في العبادات المفروضة شرعا عند أسباب جعلها الشرع سببا لذلك فإنها تحتمل التوقيت نصا يعني في الأداء اللازم باعتبار الأمر وفي الأسباب التي جعلها الله تعالى سببا لذلك فإنه لو قال جعلت زوال الشمس سببا لوجوب صلاة الظهر عليكم إلى وقت كذا كان مستقيما ولو قال جعلت شهود الشهر سببا لوجوب الصوم عليكم إلى وقت كذا كان مستقيما وهذا كله في الأصل مما يجوز أن يكون مشروعا ويجوز أن لا يكون فكان النسخ فيه بيانا لمدة بقاء الحكم وذلك جائز باعتبار ما بينا من المعنيين أحدهما أن معنى الابتلاء والمنفعة للعباد في شيء يختلف باختلاف الأوقات واختلاف الناس في أحوالهم والثاني أن دليل الإيجاب غير موجب للبقاء بمنزلة البيع يوجب الملك في المبيع للمشتري ولا يوجب بقاء الملك بل بقاؤه بدليل آخر مبق أو بعدم دليل المزيل وهو موجب الثمن في ذمة المشتري ولا يوجب بقاء الثمن في ذمته لا محالة ولا يكون في النسخ تعرضا للأمر ولا للحكم الذي هو موجبه وامتناع جواز النسخ فيما تقدم من الأقسام كان لاجتماع معنى القبح والحسن وإنما يتحقق ذلك في وقت واحد لا في وقتين حتى إن ما يكون حسنا لعينه لا يجوز أن يكون قبيحا لعينه بوجه من الوجوه فإن قيل أليس أن الخليل صلى الله عليه وسلم أمر بذبح ولده وكان الأمر دليلا على حسن ذبحه ثم انتسخ ذلك فكان منهيا عن ذبحه مع قيام الأمر حتى وجب ذبح الشاة فداء عنه ولا شك أن النهي عن ذبح الولد الذي به يثبت الانتساخ كان دليلا على قبحه وقد قلتم باجتماعهما في وقت واحد قلنا لا كذلك فإنا لا نقول بأنه انتسخ الحكم الذي كان ثابتا بالأمر وكيف يقال به وقد سماه الله محققا رؤياه بقوله تعالى وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا أي حققت ما أمرت به

قسم V02/P060–V02/P061

وبعد النسخ لا يكون هو محققا ما أمر به ولكنا نقول الشاة كانت فداء كما نص الله عليه في قوله وفديناه بذبح عظيم على معنى أنه يقدم على الولد في قبول حكم الوجوب بعد أن كان الإيجاب بالأمر مضافا إلى الولد حقيقة كمن يرمي سهما إلى غيره فيفديه آخر بنفسه بأن يتقدم عليه حتى ينفذ فيه بعد أن يكون خروج السهم من الرامي إلى المحل الذي قصده وإذا كان فداء من هذا الوجه كان هو ممتثلا للحكم الثابت بالأمر فلا يستقيم القول بالنسخ فيه لأن ذلك يبتنى على النهي الذي هو ضد الأمر فلا يتصور اجتماعهما في وقت واحد فإن قيل فإيش الحكمة في إضافة الإيجاب إلى الولد إذا لم يجب به ذبح الولد قلنا فيه تحقيق معنى الابتلاء في حق الخليل عليه السلام حتى يظهر منه الانقياد والاستسلام والصبر على ما به من حرقة القلب على ولده وفي حق الولد بالصبر والمجاهدة على معرة الذبح إلى حال المكاشفة لرب العالمين وللولد بأن يكون قربانا لله وإليه أشار الله تعالى في قوله فلما أسلما ثم استقر حكم الوجوب في الشاة بطريق الفداء وفيه إظهار معنى الكرامة والفضيلة للخليل عليه السلام بالإسلام للولد كما قال وفديناه بذبح عظيم والفداء اسم لما يكون واجبا بالسبب الموجب للأصل فبه يتبين انعدام النسخ هنا لانعدام ركنه فإنه بيان مدة بقاء الواجب وحين وجبت الشاة فداء كان الواجب قائما والولد حرام الذبح فعرفنا أنه لا وجه للقول بأنه كان نسخا ثم على مذهب علمائنا يجوز نسخ الأخف بالأثقل كما يجوز نسخ الأثقل بالأخف وذكر الشافعي في كتاب الرسالة أن الله تعالى فرض فرائض أثبتها وأخرى نسخها رحمة وتخفيفا لعباده فزعم بعض أصحابه أنه أشار بهذا إلى وجه الحكمة في النسخ وقال بعضهم بل أراد به أن الناسخ أخف من المنسوخ وكان لا يجوز نسخ الأخف بالأثقل واستدلوا فيه بقوله تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها وبالاتفاق ليس المراد أن الناسخ أفضل من المنسوخ فعرفنا أن المراد أنه خير من حيث إنه أخف وعليه نص في موضع آخر فقال الآن خفف الله عنكم الآية ولكنا نستدل بقوله يمحو الله ما يشاء ويثبت فالتقييد بكون الناسخ أخف من المنسوخ يكون زيادة على هذا النص من غير دليل ثم المعنى الذي دل على جواز النسخ وهو ما أشرنا إليه من الابتلاء والنقل إلى ما فيه منفعة لنا عاجلا أو آجلا لا يفصل بينهما فقد يكون المنفعة تارة في النقل إلى ما هو أخف على البدن وتارة في النقل إلى ما هو أشق على البدن ألا ترى أن الطبيب ينقل المريض من الغذاء إلى الدواء تارة ومن الدواء إلى الغذاء تارة بحسب ما يعلم من منفعته فيه ثم هو بيان مدة بقاء الحكم على وجه لو كان مقرونا بالأمر لكان صحيحا مستقيما وفي هذا لا فرق بين الأثقل والأخف ولا حجة لهم في قوله الآن خفف الله عنكم فإن النسخ في ذلك الحكم بعينه كان نقلا من الأثقل إلى الأخف وهذا يدل على أن كل نسخ يكون بهذه الصفة ألا ترى أن حد الزنا كان في الابتداء هو الحبس والأذى باللسان ثم انتسخ ذلك بالجلد والرجم ولا شك أن الناسخ أثقل على البدن وجاء عن معاذ وابن عمر رضي الله عنهم في قوله تعالى وأن تصوموا خير لكم أن حكمه كان هو التخيير للصحيح بين الصوم والفدية ثم انتسخ ذلك بفرضية الصوم عزما بقوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه ثم لا شك أنه قد افترض على العباد بعض ما كان مشروعا لا بصفة الفرضية وإلزام ما كان مباحا يكون أشق لا محالة

قسم V02/P061–V02/P063

وبهذا يتبين أنه ليس المراد من قوله نأت بخير منها الأخف على وانتسخ حكم إباحة الخمر بالتحريم وهو أشق على البدن البدن فإن الحج ما كان لازما قبل نزول قوله تعالى ولله على الناس حج البيت وكان كل مسلم مندوبا إلى أدائه ثم صار الأداء لازما بهذه الآية وهذا أشق على البدن يوضحه أن ترك الخروج للحج يكون أخف على البدن من الخروج ولا إشكال أن الخروج إلى أداء الحج بعد التمكن خير من الترك فبهذا يتبين ضعف استدلالهم فصل في بيان شرط النسخ قال رضي الله عنه اعلم بأن شرط جواز النسخ عندنا هو التمكن من عقد القلب فأما الفعل أو التمكن من الفعل فليس بشرط وعلى قول المعتزلة التمكن من الفعل شرط وحاصل المسألة أن النسخ بيان لمدة عقد القلب والعمل بالبدن تارة ولأحدهما وهو عقد القلب على الحكم تارة فكان عقد القلب هو الحكم الأصلي فيه والعمل بالبدن زيادة يجوز أن يكون النسخ بيانا للمدة فيه ويجوز أن لا يكون عندنا وعلى قولهم النسخ يكون بيانا لمدة الحكم في حق العمل به وذلك لا يتحقق إلا بعد الفعل أو التمكن منه حكما لأن الترك بعد التمكن فيه تفريط من العبد فلا ينعدم به معنى بيان مدة العمل بالنسخ قالوا لأن العمل هو المقصود بالأمر والنهي ألا ترى أن ورودهما بذكر الفعل معنى قول القائل افعلوا كذا ولا تفعلوا كذا وتحقيق معنى الابتلاء في الفعل أيضا فعرفنا أنه هو المقصود والنسخ قبل التمكن من الفعل لا يكون إلا بطريق البداء ألا ترى أن الإنسان يقول قد أمرت عبدي أن يفعل غدا كذا ثم بدا لي فنهيته عنه وهذا لأنه إنما ينتهي عما أمر بفعله قبل التمكن من الفعل بأن يظهر له من حال المأمور به ما لم يكن معلوما حين يأمره به لعلمنا أنه بالأمر إنما طلب من المأمور إيجاد الفعل بعد التمكن منه لا قبله إذ التكليف لا يكون إلا بحسب الوسع والبداء على الله تعالى لا يجوز يقرره أن القول بجواز النسخ قبل التمكن يؤدي إلى أن يكون الشيء الواحد حسنا وقبيحا في وقت واحد لأن الأمر دليل على حسن فعل المأمور به عند الإمكان والنهي قبل التمكن دليل على قبح فعله في ذلك الوقت بعينه يوضحه أن النسخ بيان مدة بقاء الحكم على وجه يجوز أن يكون مقرونا بالأمر ولهذا جاز النسخ في الأمر والنهي دون الخبر والنسخ قبل التمكن لا يصح مقرونا بالأمر فإنه لا يستقيم أن يقول افعل كذا إلى أن لا يكون متمكنا منه ثم لا يفعله بعد ذلك فعرفنا أن النسخ قبل التمكن لا يجوز وحجتنا في ذلك الحديث المشهور إن الله تعالى فرض على عباده خمسين صلاة في ليلة المعراج ثم انتسخ ما زاد على الخمس لسؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان ذلك نسخا قبل التمكن من الفعل إلا أنه كان بعد عقد القلب عليه فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأصل لهذه الأمة ولا شك أنه عقد قلبه على ذلك ولا معنى لقولهم إن الله تعالى ما فرض ذلك عزما وإنما جعل ذلك إلى رأي رسوله ومشيئته لأن في الحديث أن رسول الله عليه السلام سأل التخفيف عن أمته غير مرة وما زال يسأل ذلك ويجيبه ربه إليه حتى انتهى إلى الخمس فقيل له لو سألت التخفيف أيضا فقال أنا أستحي من ربي وفي هذا بيان أنه لم يكن ذلك مفوضا إلى اختياره بل كان نسخا على وجه التخفيف بسؤاله بعد الفرضية

قسم V02/P063–V02/P065

ومنهم من استدل بقوله فقدموا بين يدي نجواكم صدقة إلى قوله فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فإن هذا نسخ الأمر قبل الفعل ولكنهم يقولون كان هذا النسخ بعد التمكن من الفعل وإن كان قبل مباشرة الفعل ولا خلاف في جواز ذلك والأصح هو الأول ولأن النسخ جائز بعد وجود جزء مما تناوله الأمر بالفعل فإن قول القائل افعلوا كذا في مستقبل أعماركم يجوز نسخه بالنهي عنه بعد مضي جزء من العمر ولولا النسخ لكان أصل الكلام متناولا لجميع العمر فبالنسخ يتبين أنه كان المراد الابتلاء بالعمل في ذلك الجزء خاصة ولا يتوهم فيه معنى البداء أو الجهل بعاقبة الأمر فكذلك النسخ بعد عقد القلب على الحكم واعتقاد الحقية فيه قبل التمكن من العمل يكون بيانا أن المراد كان عقد القلب عليه إلى هذا الوقت واعتقاده الفرضية فيه دون مباشرة العمل وإنما يكون مباشرة العمل مقصودا لمن ينتفع به والله يتعالى عن ذلك وإنما المقصود فيما يأمر الله به عباده الابتلاء والابتلاء بعزيمة القلب واعتقاد الحقية لا يكون دون الابتلاء بالعمل وربما يكون ذلك أهم ألا ترى أن في المتشابه ما كان الابتلاء إلا بعقد القلب عليه واعتقاد الحقية فيه وكذلك في المجمل الذي لا يمكن العمل به إلا بعد البيان يكون الابتلاء قبل البيان بعقد القلب عليه واعتقاد الحقية فيه ويكون ذلك حسنا لا يشوبه من معنى القبح شيء فكذلك الأمر الذي يرد النسخ عقيبه قبل التمكن من الفعل ويعتبر هذا بإحياء الشخص فقد تبين انتهاء مدة حياته بالموت قبل أن يصير منتفعا بحياته إما في بطن أمه بأن ينفصل ميتا أو بعد الانفصال قبل أن ينتفع بحياته وأحد لا يقول إنه يتمكن فيه معنى البداء أو إنه يجتمع فيه معنى الحسن والقبح يوضحه أن الواحد منا قد يأمر عبده ومقصوده من ذلك أن يظهر عند الناس حسن طاعته وانقياده له ثم ينهاه عن ذلك بعد حصول هذا المقصود قبل أن يتمكن من مباشرة الفعل ولا يجعل ذلك دليل البداء منه وإن كان ممن يجوز عليه البداء فلأن لا يجعل النسخ قبل التمكن من الفعل بعد عزم القلب واعتقاد الحقية موهما للبداء في حق من لا يجوز عليه البداء أولى وإنما يجتمع الحسن والقبح في شيء واحد إذا كان مأمورا به ومنهيا عنه في وقت واحد وذلك لا يكون مع أن الحسن مطلقا ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع يقرره أن تمام الحسن على ما يزعمون إنما يظهر عند مباشرة العمل والإطلاق يقتضي صفة الكمال ثم بالاتفاق يجوز النسخ بعد التمكن من الفعل قبل حقيقة الفعل لأن معنى الحسن فيه كامل من حيث عقد القلب واعتقاد الحقية فيه فكذلك قبل التمكن ولا نقول بأن مثل هذا البيان لا يجوز مقرونا بالأمر فإنه لو قال افعل كذا في وقت كذا ( إن لم أنسخه عنك كان ذلك أمرا مستقيما بمنزلة قوله افعل كذا في وقت كذا ) إن تمكنت منه وتكون الفائدة في الحال هو القبول بالقلب واعتقاد الحقية فيه فكذلك يجوز مثله بعد الأمر بطريق النسخ والله الموفق فصل في بيان الناسخ قال رضي الله عنه اعلم بأن الحجج أربعة الكتاب والسنة والإجماع والقياس ولا خلاف بين جمهور العلماء في أنه لا يجوز نسخ الكتاب والسنة بالقياس وكان ابن سريج من أصحاب الشافعي يجوز ذلك و الأنماطي من أصحابه كان يقول لا يجوز ذلك بقياس الشبه ويجوز بقياس مستخرج من الأصول وكل قياس هو مستخرج من القرآن يجوز نسخ الكتاب به وكل قياس هو مستخرج من السنة يجوز نسخ السنة به لأن هذا في الحقيقة نسخ الكتاب بالكتاب ونسخ السنة بالسنة فثبوت الحكم بمثل هذا القياس في الحقيقة يكون محالا به على الكتاب والسنة وهذا قول باطل باتفاق الصحابة فقد كانوا مجمعين على ترك الرأي بالكتاب والسنة حتى قال عمر رضي الله عنه في حديث الجنين كدنا أن نقضي فيه برأينا وفيه سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

قسم V02/P065–V02/P067

وقال علي رضي الله عنه لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره ولكني رأيت رسول الله يمسح على ظاهر الخف دون باطنه ولأن القياس كيفما كان لا يوجب العلم فكيف ينسخ به ما هو موجب للعلم قطعا وقد بينا أن النسخ بيان مدة بقاء الحكم وكونه حسنا إلى ذلك الوقت ولا مجال للرأي في معرفة انتهاء وقت الحسن وما ادعاه من أن هذا الحكم يكون ثابتا بالكتاب فكلام ضعيف فإن الوصف الذي به يرد الفرع إلى الأصل المنصوص عليه في الكتاب والسنة غير مقطوع بأنه هو المعنى في الحكم الثابت بالنص وأحد من القائسين لا يقول بأن حكم الربا فيما عدا الأشياء الستة يكون ثابتا بالنص الذي فيه ذكر الأشياء الستة وأما النسخ بالإجماع فقد جوزه بعض مشايخنا بطريق أن الإجماع موجب علم اليقين كالنص فيجوز أن يثبت النسخ به والإجماع في كونه حجة أقوى من الخبر المشهور وإذا كان يجوز النسخ بالخبر المشهور كما أشرنا إليه في الزيادة على النص فجوازه بالإجماع أولى وأكثرهم على أنه لا يجوز ذلك لأن الإجماع عبارة عن اجتماع الآراء على شيء وقد بينا أنه لا مجال للرأي في معرفة نهاية وقت الحسن والقبح في الشيء عند الله تعالى ثم أوان النسخ حال حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم لاتفاقنا على أنه لا نسخ بعده وفي حال حياته ما كان ينعقد الإجماع بدون رأيه وكان الرجوع إليه فرضا وإذا وجد البيان منه فالموجب للعلم قطعا هو البيان المسموع منه وإنما يكون الإجماع موجبا للعلم بعده ولا نسخ بعده فعرفنا أن النسخ بدليل الإجماع لا يجوز ثم الأقسام بعد هذا أربعة نسخ الكتاب بالكتاب ونسخ السنة بالسنة ونسخ الكتاب بالسنة ونسخ السنة بالكتاب ولا خلاف بين العلماء في جواز القسمين الأولين ويختلفون في القسمين الآخرين فعندنا يجوز نسخ الكتاب بالسنة المتواترة أو المشهورة على ما ذكره الكرخي عن أبي يوسف أنه يجوز نسخ الكتاب بمثل خبر المسح على الخفين وهو مشهور وكذلك يجوز نسخ السنة بالكتاب وعلى قول الشافعي لا يجوز نسخ الكتاب بالسنة ولا نسخ السنة بالكتاب فإنه قال في كتاب الرسالة وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينسخها إلا سنة كما لا ينسخ الكتاب إلا الكتاب فمن أصحابه من يقول مراده نفي الجواز ومنهم من يقول مراده نفي الوجود أي لم يوجد في الشريعة نسخ الكتاب بالسنة ولا نسخ السنة بالكتاب فيحتاج إلى إثبات الفصلين بالحجة فأما هو احتج بقوله تعالى قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي وفي هذا تنصيص على أنه كان متبعا لكل ما يوحى إليه ولم يكن مبدلا لشيء منه والنسخ تبديل قال تعالى لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون فأخبر أنه مبين لما هو المنزل حتى يعمل الناس بالمنزل بعدما تبين لهم ببيانه وفي تجويز نسخ الكتاب بالسنة رفع هذا الحكم لأن العمل بالناسخ يكون فإذا كان الناسخ من السنة لا يكون العمل به عملا بالمنزل وقوله تعالى ولعلهم يتفكرون أي يتفكرون في المنزل ليعملوا به بعد بيانه وفي الناسخ في المنسوخ التفكر في التاريخ بينهما ليجعل المتقدم منسوخا بالمتأخر لا في المنزل ليعمل به وقال تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ولا شك أن السنة لا تكون مثلا للقرآن ولا خيرا منه والقرآن كلام الله غير محدث ولا مخلوق وهو معجز والسنة كلام مخلوق وهو غير معجز فعرفنا أن نسخ الكتاب لا يجوز بالسنة وقال عليه السلام إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فما وافق كتاب الله فاقبلوه وما خالف كتاب الله فردوه ومع هذا البيان من رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يجوز نسخ الكتاب بالسنة ولأن ما قلته أقرب إلى صيانة رسول الله عن طعن الطاعنين فيه وبالاتفاق يجب المصير في باب بيان أحكام الشرع إلى طريق يكون أبعد عن الطعن فيه

قسم V02/P067–V02/P069

وبيان ذلك أنه إذا جاز منه أن يقول ما هو مخالف للمنزل في الظاهر على وجه النسخ له فالطاعن يقول هو أول قائل وأول عامل بخلاف ما يزعم أنه أنزل إليه فكيف يعتمد قوله فيه وإذا ظهر منه قول ثم قرأ ما هو مخالف لما ظهر منه من القول فالطاعن يقول قد كذبه ربه فيما قال فكيف نصدقه وإلى هذا أشار الله تعالى في قوله وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر ثم نفى عنه هذا الطعن بقوله قل نزله روح القدس من ربك بالحق ففي هذا بيان أنه ليس في نسخ الكتاب بالكتاب تعريضه للطعن وفي نسخ الكتاب بالسنة تعريضه للطعن من الوجه الذي قاله الطاعنون فيجب سد هذا الباب لعلمنا أنه مصون عما يوهم الطعن فيه واستدل على نفي جواز نسخ ( السنة ) بالكتاب بقوله ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء والسنة شيء فيكون الكتاب تبيانا لحكمه لا رافعا له وذلك في أن يكون مؤيدا إن كان موافقا ومبينا للغلط فيها إن كان مخالفا ولهذا لا يجوز إلا عند وروده ليكون بيانا محضا فإن رسول الله كان لا يقر على الخطأ والبيان المحض ما يكون مقارنا ولأن النبي عليه السلام إذا أمر بشيء وتقرر ذلك فقد توجه علينا الأمر من الله تعالى بتصديقه في ذلك واتباعه فلا يجوز القول بأن ينزل في القرآن بعد ذلك ما يكون مخالفا له حقيقة أو ظاهرا فإن ذلك يؤدي إلى القول بأنه لا يفترض تصديقه فيما يخبر به لجواز أن ينزل القرآن بخلافه وذلك خلاف النص وخلاف قول المسلمين أجمع يقرره أن السنة نوع حجة لإثبات حكم الشرع والكتاب كذلك وحجج الشرع لا تتناقض وإنما يتأيد وما يستدل به على أنه من عند غير الله قال تعالى ولو كان من عند نوع منها بنوع آخر لأن في التناقض ما يؤدي إلى تنفير الناس عن قبوله غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا فبهذا يتبين أن أحد النوعين يتأيد بالآخر ولا يتمكن فيما بين النوعين تناقض والقول بجواز نسخ السنة بالكتاب والكتاب بالسنة يؤدي إلى هذا وحجتنا في ذلك من أصحابنا من استدل بقوله تعالى كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين ففي هذا تنصيص على أن الوصية للوالدين والأقربين فرض ثم انتسخ ذلك بقوله عليه السلام لا وصية لوارث وهذه سنة مشهورة ولا يجوز أن يقال إنما انتسخ ذلك بآية المواريث لأن فيها إيجاب حق آخر لهم بطريق الإرث وإيجاب حق بطريق الإرث لا ينافي حقا آخر ثابتا بطريق آخر وبدون المنافاة لا يثبت النسخ ولا يجوز أن يقال لعل ناسخه مما أنزل في القرآن ولكن لم يبلغنا لانتساخ تلاوته مع بقاء حكمه لأن فتح هذا الباب يؤدي إلى القول بالوقف في جميع أحكام الشرع فإنه يقال ما من حكم إلا ويتوهم فيه أن يكون ناسخه قد نزل ثم لم يبلغنا لانتساخ تلاوته ومع ذلك يؤدي هذا إلى مذهب الروافض فإنهم يقولون قد نزلت آيات كثيرة فيها تنصيص على إمامة علي ولم يبلغنا ذلك ويقولون إن لظاهر ما نزل من القرآن باطنا لا نعقله وقد كان يعقله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته فيزعمون أن كثيرا من الأحكام قد خفي علينا ويجب الرجوع فيها إلى أهل البيت للوقوف على ذلك وقد أجمع المسلمون على بطلان القول بهذا فكل سؤال يؤدي إلى القول بذلك فهو ساقط ولكن هذا الاستدلال مع هذا ليس بقوي من وجهين أحدهما أن في آية المواريث تنصيصا على ترتيب الإرث على وصية منكرة فإنه قال من بعد وصية يوصي بها أو دين والتي كانت مفروضة من الوصية هي الوصية المعهودة المعرفة بالألف واللام فإنه قال الوصية للوالدين فلو كانت تلك الوصية باقية عند نزول آية المواريث لكان فيها ترتيب الميراث على الوصية المعهودة وفي التنصيص على ترتيب الإرث على وصية مطلقة دليل نسخ الوصية المعهودة لأن الإطلاق بعد التقييد نسخ كما أن التقييد بعد الإطلاق نسخ

قسم V02/P069–V02/P070

والثاني أن النسخ في الشرع نوعان أحدهما إثبات الحكم مبتدأ على وجه يكون دليلا على انتهاء الوقت في حكم كان قبله والثاني نسخ بطريق التحويل للحكم من شيء إلى شيء بمنزلة تحويل فرض التوجه عند أداء الصلاة من بيت المقدس إلى الكعبة وانتساخ الوصية للوالدين والأقربين بآية الميراث من النوع الثاني فإن الله تعالى فوض بيان نصيب كل فريق إلى من حضره الموت على أن يراعى الحدود في ذلك ويبين حصة كل واحد منهم بحسب قرابته ثم تولى بيان ذلك بنفسه في آية المواريث وإليه أشار في قوله تعالى يوصيكم الله وإنما تولى بيانه بنفسه لأن الموصي ربما كان يقصد إلى المضارة في ذلك وإلى ذلك أشار في قوله تعالى غير مضار وصية من الله وربما كان لا يحسن التدبير في مقدار ما يوصى لكل واحد منهم بجهله فبين الله تعالى نصيب كل واحد منهم على وجه يتيقن بأنه هو الصواب وأن فيه الحكمة البالغة وإلى ذلك أشار في قوله تعالى لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا وما هذا إلا نظير من أمر غيره بإعتاق عبده ثم يعتقه بنفسه فينتهي به حكم الوكالة لما باشره الموكل بنفسه فهنا حين بين الله تعالى نصيب كل قريب لم يبق حكم الوصية إلى الوالدين والأقربين لحصول المقصود بأقوى الطرق وإليه أشار النبي عليه السلام بقوله إن الله تعالى أعطى كل ذي حق حقه ألا لا وصية لوارث وكان النسخ بهذا الطريق بمنزلة الحوالة فإن الدين إذا تحول من ذمة إلى ذمة حتى اشتغلت الذمة الثانية به فرغ منه الذمة الأولى وإن لم يكن بين وجوب الدين في الذمتين معنى المنافاة كما يكون بطريق الكفالة ولكنا نقول بهذا الطريق يجوز أن يثبت انتهاء حكم وجوب الوصية للوالدين والأقربين فأما انتهاء حكم جواز الوصية لهم لا يثبت بهذا الطريق ألا ترى أن بالحوالة وإن لم يبق الدين واجبا في الذمة الأولى فقد بقيت الذمة محلا صالحا لوجوب الدين فيها وليس من ضرورة انتفاء وجوب الوصية لهم انتفاء الجواز كالوصية للأجانب فعرفنا أنه إنما انتسخ انتفاء وجوب الوصية لهم لضرورة نفي أصل الوصية لهم وذلك ثابت بالسنة وهو قوله عليه السلام لا وصية لوارث فمن هذا الوجه يتقرر الاستدلال بهذه الآية ومنهم من استدل بحكم الحبس في البيوت والأذى باللسان في حق الزاني فإنه كان بالكتاب ثم انتسخ بالسنة وهو قوله عليه السلام البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة وهذا ليس بقوي أيضا فقد ثبت برواية عمر رضي الله عنه أن الرجم مما كان يتلى في القرآن على ما قال لولا أن الناس يقولون إن عمر زاد في كتاب الله لكتبت على حاشية المصحف الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة الحديث فإنما كان هذا نسخ الكتاب بالكتاب ثم الآية التي فيها بيان حكم الحبس والأذى باللسان فيها بيان توقيت ذلك الحكم بما هو مجمل وهو قوله تعالى أو يجعل الله لهن سبيلا فإنما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك المجمل وإليه أشار في قوله عليه السلام خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا ولا خلاف أن بيان المجمل في كتاب الله تعالى بالسنة يجوز ومنهم من استدل بقوله تعالى فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا فإن هذا حكم منصوص في القرآن فقد انتسخ وناسخه لا يتلى في القرآن فعرفنا أنه ثابت بالسنة وهذا ضعيف أيضا وبين أهل التفسير كلام فيما هو المراد بهذه الآية وأثبت ما قيل فيه أن من ارتدت زوجته وهربت إلى دار الحرب فقد كان على المسلمين أن يعينوه من الغنيمة بما يندفع به الخسران عنه وذلك بأن يعطوه مثل ما ساق إليها من الصداق وإلى ذلك وقعت الإشارة في قوله تعالى فعاقبتم أي عاقبتم المشركين بالسبي والاسترقاق واغتنام أموالهم وكان ذلك بطريق الندب على سبيل المساواة ولم ينتسخ هذا الحكم

قسم V02/P070–V02/P072

فبهذا تبين أنه لا يؤخذ نسخ حكم ثابت بالكتاب بحكم هو ثابت بالسنة ابتداء وإنما يؤخذ من ذلك الزيادة بالسنة على الحكم الثابت بالكتاب نحو ما ذهب إليه الشافعي في ضم التغريب إلى الجلد في حد البكر فإنه أثبته بقوله ( البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ) ومثل هذه الزيادة عندنا نسخ وعنده بيان بطريق التخصيص ولا يكون نسخا فعلى هذا الكلام يبتنى على ذلك الأصل وسنقرر هذا بعد هذا ثم الحجة لإثبات جواز نسخ الكتاب بالسنة قوله تعالى وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم فإن المراد بيان حكم غير متلو في الكتاب مكان حكم آخر وهو متلو على وجه يتبين به مدة بقاء الحكم الأول وثبوت حكم الثاني والنسخ ليس إلا هذا والدليل على أن المراد هذا لا ما توهمه الخصم في بيان الحكم المنزل في الكتاب أنه قال تعالى ما نزل إليهم ولو كان المراد الكتاب لقال ما نزل إليك كما قال تعالى بلغ ما أنزل إليك من ربك والمنزل إلى الناس الحكم الذي أمروا باعتقاده والعمل به وذلك يكون تارة بوحي متلو وتارة بوحي غير متلو وهو ما يكون مسموعا من رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يقال إنه سنته فقد ثبت بالنص أنه كان لا يقول ذلك إلا بالوحي قال تعالى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ومعنى قوله لعلهم يتفكرون أي يتفكرون في حجج الشرع ليقفوا بتفكرهم على الحكمة البالغة في كل حجة أو ليعرفوا الناسخ من المنسوخ ووجه الحكمة في تبديل المنسوخ بالناسخ ما يترتب عليه من المنافع للمخاطبين في الدنيا والآخرة أو يتبين لهم إرادة اليسر والتوسعة للأمر عليهم أو ما يكون لهم فيه من عظيم الثواب وفي هذا كله لا فرق بين ما يكون ثبوته بوحي متلو وبين ما يكون ثبوته بوحي غير متلو وفيما تلا من الآية إشارة إلى ما قلنا فإنه قال تعالى قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي فعرفنا أن المراد بيان أنه لا يبدل شيئا من تلقاء نفسه بناء على متابعة الهوى وإنما يوحى إليه فيتبع ما يوحى إليه ويبينه للناس فيما ليس بمنزل في القرآن ولكن العبارة فيه مفوض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيبينه بعبارته وهو حكم ثابت من الله تعالى بدليل مقطوع به بمنزلة الحكم المتلو في القرآن ودليل كونه مقطوعا به ما قال إن تصديقنا إياه فرض علينا من الله تعالى وكذلك أتباعه لازم بقوله تعالى وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا وقال تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله فبهذا التقرير يتبين أن بالوحي الذي هو غير متلو ( يجوز أن يتبين مدة بقاء الحكم المتلو كما يجوز أن يتبين ذلك بالوحي الذي هو متلو ) والنسخ ليس إلا هذا ألا ترى أنا لو سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحكم هو ثابت بوحي متلو قد كان هذا الحكم ثابتا إلى الآن وقد انتهى وقته فلا تعملوا به بعده يلزمنا تصديقه في ذلك والكف عن العمل به وتكفير من يكذبه في ذلك فكذلك إذا ثبت ذلك عندنا بالنقل المتواتر عنه فإن قيل مع هذا في الآية إشارة إلى ( أن رسول الله مبين للحكم وفي النسخ بيان حكم ورفع حكم مشروع وليس في الآية إشارة إلى ) أنه رافع لحكم ثابت بوحي متلو قلنا نحن نقول هو مبين ولكن في حق الحكم الأول مبين تأويلا وتبليغا وفي حق الحكم الثاني تبليغا وتأويلا

قسم V02/P072–V02/P074

وبيان هذا أنا قد ذكرنا أن الدليل الموجب لثبوت الحكم وهو الوحي المتلو لا يكون موجبا بقاء الحكم وبالنسخ إنما يرتفع بقاء الحكم الأول ولم يكن ذلك ثابتا بوحي متلو حتى يكون في بيانه رفع الحكم المتلو مع أنه ليس في النسخ رفع الحكم ولكنه بيان مدة بقاء الحكم ثم الوقت لا يبقى بعد مضي وقته كما لو كان التوقيت فيه مذكورا في النص المثبت فعلى هذا التقرير يكون هو مبينا للوقت فيما هو منزل فإن قيل فعلى هذا اختلاط البيان بالنسخ وبالاتفاق بين البيان والنسخ فرق قلنا لا كذلك فإن كلا واحد منهما في الحقيقة بيان إلا أن البيان المحض يجوز أن يكون مقترنا بأصل الكلام كدليل الخصوص في العموم فإنه لا يكون إلا مقارنا وبيان المجمل فإنه يجوز أن يكون مقارنا فأما النسخ ( بيان ) لا يكون إلا متأخرا وبهذه العلامة يظهر الفرق بينهما فأما أن يكون النسخ غير البيان فلا فإن قيل الحكم الثابت بالسنة يضاف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقال إنه سنته وما يكون طريقه الوحي فهو مضاف إلى الله تعالى كالثابت بالوحي المتلو ففي إضافته إلى رسول الله دليل على أنه ليس ببيان لما هو المنزل بطريق الوحي وإذا تقرر هذا فنقول في النسخ بيان انتهاء مدة كون الحكم حسنا عند الله تعالى وذلك مما لا يمكن معرفته إلا بوحي من الله فكيف يجوز إثبات نسخ الكتاب بالسنة قلنا قد بينا أن ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنما يبينه عن وحي والإضافة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن العبارة في ذلك له فمن هذا الوجه يقال إنه سنته فأما حقيقة الحكم من الله تعالى وقف عليه رسول الله بطريق الوحي ثم بينه للناس وبهذا يتبين أنه ما عرف انتهاء مدة الحسن في ذلك الحكم إلا بوحي من الله تعالى وما هو إلا نظير بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة الحياة لحي قد أحياه الله تعالى فإن أحدا لا يظن أنه بين ذلك من غير طريق الوحي وما كانت الإضافة إليه إلا نظير قوله تعالى أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون فإن إضافة الإمناء إلى العباد لا يمنع القول بأن الشخص مخلوق خلقه الله تعالى فكذلك إضافة السنة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق أنه ظهر لنا بعبارته لا يكون دليلا على أن الحكم غير ثابت بطريق الوحي من الله تعالى وكما أن الكتاب والسنة كل واحد منهما حجة موجبة للعلم فآيات الكتاب كلها حجة موجبة للعلم ثم القول بجواز نسخ الكتاب بالكتاب لا يؤدي إلى القول بالتناقض في الحجة فكذلك في السنن فإن جواز نسخ السنة بالسنة لا يؤدي إلى التناقض وتطرق الطاعنين إلى الطعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم فكذلك جواز نسخ الكتاب بالسنة لا يؤدي إلى ذلك بل يؤدي ذلك إلى تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى قرب منزلته من حيث إن الله تعالى فوض بيان الحكم الذي هو وحي في الأصل إليه ليبينه بعبارته وجعل لعبارته من الدرجة ما يثبت به مدة الحكم الذي هو ثابت بوحي متلو حتى يتبين به انتساخه والدليل عليه أنه لا خلاف بيننا وبين الخصم على جواز نسخ التلاوة دون الحكم ونسخ تلاوة الكتاب إنما يكون بغير الكتاب إما بأن يرفع حفظه من القلوب أو لا يبقى أحد ممن كان يحفظه نحو صحف إبراهيم ومن تقدمه من الأنبياء عليهم السلام وهذا نسخ الكتاب بغير الكتاب وقد جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في صلاته سورة المؤمنين فأسقط منها آية ثم قال بعد الفراغ ألم يكن فيكم أبي فقال نعم يا رسول الله فقال هلا ذكرتنيها فقال ظننت أنها نسخت

قسم V02/P074–V02/P075

فقال لو نسخت لأنبأتكم بها فقد اعتقد نسخ الكتاب بغير الكتاب ولم ينكر ذلك عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا ثبت جواز نسخ التلاوة بغير الكتاب فكذلك جواز نسخ الحكم لأن وجوب التلاوة والعمل بحكمه كل واحد منهما حكم ثابت بالكتاب والدليل على جواز نسخ الحكم الثابت بالكتاب بغيره أن قوله تعالى لا يحل لك النساء من بعد قد انتسخ باتفاق الصحابة على ما روي عن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما أنهما قالا ما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا حتى أبيح له النساء وناسخ هذا لا يتلى في الكتاب فعرفنا أنهم اعتقدوا جواز نسخ الكتاب بغير الكتاب فأما قوله تعالى نأت بخير منها أو مثلها فهو يخرج على ما ذكرنا من التقرير فإن كل واحد من الحكمين ثابت بطريق الوحي وشارعه علام الغيوب وإن كانت العبارة في أحدهما من حيث الظاهر لرسول الله فيستقيم إطلاق القول بأن الحكم الثاني مثل الأول أو خير منه على معنى زيادة الثواب والدرجة فيه أو كونه أيسر على العباد أو أجمع لمصالحهم عاجلا وآجلا إلا أن الوحي المتلو نظمه معجز والذي هو غير متلو نظمه ليس بمعجز لأنه عبارة مخلوق وهو عليه السلام وإن كان أفصح العرب فكلامه ليس بمعجز ألا ترى أنه ما تحدى الناس إلى الإتيان بمثل كلامه كما تحداهم إلى الأتيان بمثل سورة من القرآن ولكن حكم النسخ لا يختص بالمعجز ألا ترى أن النسخ يثبت بما دون الآية وبآية واحدة واتفاق العلماء على صفة الإعجاز في سورة وإن تكلموا فيما دون السورة فعرفنا أن حكم النسخ لا يختص بالمعجز وما روي من قوله عليه السلام فاعرضوه على كتاب الله تعالى فقد قيل هذا الحديث لا يكاد يصح لأن هذا الحديث بعينه مخالف لكتاب الله تعالى فإن في الكتاب فرضية اتباعه مطلقا وفي هذا الحديث فرضية اتباعه مقيدا بأن لا يكون مخالفا لما يتلى في الكتاب ظاهرا ثم ولئن ثبت فالمراد أخبار الآحاد لا المسموع منه بعينه أو الثابت عنه بالنقل المتواتر وفي اللفظ ما دل عليه وهو قوله عليه السلام إذا روي لكم عني حديث ولم يقل إذا سمعتم مني وبه نقول إن بخبر الواحد لا يثبت نسخ الكتاب لأنه لا يثبت كونه مسموعا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعا ولهذا لا يثبت به علم اليقين على أن المراد بقوله وما خالف فردوه عند التعارض إذا جعل التاريخ بينهما حتى لا يوقف على الناسخ والمنسوخ منهما فإنه يعمل بما في كتاب الله تعالى ولا يجوز ترك ما هو ثابت في كتاب الله نصا عند التعارض ونحن هكذا نقول وإنما الكلام فيما إذا عرف التاريخ بينهما والدليل على جواز نسخ السنة بالكتاب قوله تعالى ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء فإن السنة شيء ومطلقها يحتمل التوقيت والتأبيد فناسخها يكون مبينا معنى التوقيت فيها والله تعالى بين أن القرآن تبيان لكل شيء فبه يظهر جواز نسخ السنة بالكتاب والدليل عليه جواز نسخ السنة بالسنة فإن كل واحد منهما ثابت بوحي غير متلو فإذا جاز نسخ السنة بوحي غير متلو فلأن يجوز نسخها بوحي متلو كان أولى والدليل على وجود ذلك أن النبي عليه السلام بعدما قدم المدنية كان يصلي إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا وهذا الحكم ليس يتلى في القرآن وإنما يثبت بالسنة ثم انتسخ بقوله تعالى فول وجهك شطر المسجد الحرام

قسم V02/P075–V02/P077

فإن قيل لا كذلك بل ثبوت هذا الحكم بالكتاب فإنه كان في شريعة من قبلنا وعندي شريعة من قبلنا تلزمنا حتى يقوم الدليل على انتساخه وهذا حكم ثابت بالكتاب وهو قوله تعالى أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قلنا عندك شريعة من قبلنا تلزمنا بطريق أنه تصير شريعة لنا بسنة رسول الله قولا أو عملا فلا يخرج بهذا من أن يكون نسخ السنة بالكتاب مع أن الناسخ ما كان في شريعة من قبلنا قد ثبت بفعل رسول الله حين كان بمكة فإنه كان يصلي إلى الكعبة ثم بعدما قدم المدينة لما صلى إلى بيت المقدس انتسخت السنة بالسنة ثم لما نزلت فرضية التوجه إلى الكعبة انتسخت السنة بالكتاب ولا خلاف أن ما كان في شريعة من قبلنا ثبت انتساخه في حقنا بقول أو فعل من رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلافه وهذا نسخ الكتاب بالسنة والدليل عليه أن النبي عليه السلام صالح قريشا عام الحديبية على أن يرد عليهم من جاءه منهم مسلما ثم انتسخ بقوله فلا ترجعوهن إلى الكفار الآية وهذا نسخ السنة بالكتاب وكذلك حكم إباحة الخمر في الابتداء فإن كان ثابتا بالسنة ثم انتسخ بالكتاب وهو قوله تعالى فاجتنبوه وحكم حرمة الأكل والشرب والجماع بعد النوم في زمان الصوم كان ثابتا بالسنة ثم انتسخ بقوله تعالى فالآن باشروهن الآية ولهذا أمثلة كثيرة وأما نسخ الكتاب بالكتاب فنحو وجوب الصفح والإعراض عن المشركين فإنه كان ثابتا بالكتاب وهو قوله تعالى فاصفح الصفح الجميل ثم انتسخ ذلك بالكتاب بقوله تعالى فاقتلوا المشركين وحرمة فرار الواحد مما دون العشرة من المشركين حكما ثابتا بالكتاب وهو قوله وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا ثم انتسخ بالكتاب وهو قوله الآن خفف الله عنكم وأما نسخ السنة بالسنة فبيانه فيما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه وكنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي أن تمسكوها فوق ثلاثة أيام فأمسكوا وادخروا ما بدا لكم وكنت نهيتكم عن الشرب في الدباء والحنتم والمزفت فاشربوا في الظروف فإن الظروف لا تحل شيئا ولا تحرمه ولا تشربوا مسكرا ثم إنما يجوز نسخ الكتاب بالسنة المتواترة أو المشهورة على وجه لو جهل التاريخ بينهما يثبت حكم التعارض فأما بخبر الواحد لا يجوز النسخ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن التعارض به لا يثبت بينه وبين الكتاب فإنه لا يعلم بأنه كلام رسول الله عليه السلام لتمكن الشبهة في طريق النقل ولهذا لا يوجب العلم فلا يتبين به أيضا مدة بقاء الحكم الثابت بما يوجب علم اليقين فأما في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان يجوز أن يثبت نسخ الكتاب بخبر الواحد ألا ترى أن أهل قباء تحولوا في خلال الصلاة من جهة بيت المقدس إلى جهة الكعبة بخبر الواحد ولم ينكر عليهم ذلك رسول الله وهذا لأن في حياته كان احتمال النسخ والتوقيت قائما في كل حكم لأن الوحي كان ينزل حالا فحالا فأما بعده فلا احتمال للنسخ ابتداء ولا بد من أن يكون ما يثبت به النسخ مستندا إلى حال حياته بطريق لا شبهة فيه وهو النقل المتواتر أو ما يكون في حيز التواتر على الوجه الذي قررنا فيما سبق والله أعلم فصل في بيان وجوه النسخ وهذه وجوه أربعة نسخ التلاوة والحكم جميعا ونسخ الحكم مع بقاء التلاوة ونسخ رسم التلاوة مع بقاء الحكم والنسخ بطريق الزيادة على النص فأما الوجه الأول فنحو صحف إبراهيم ومن تقدمه من الرسل عليهم السلام فقد علمنا بما يوجب العلم حقيقة أنها قد كانت نازلة تقرأ ويعمل بها قال تعالى إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى وقال تعالى وإنه لفي زبر الأولين ثم لم يبق شيء من ذلك في أيدينا تلاوة ولا عملا به فلا طريق لذلك سوى القول بانتساخ التلاوة والحكم فيما يحتمل ذلك