Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh)
قلنا نعم ولكن لا نجعل الدوران دليل صحة العلة وإنما نجعل كونه مؤثرا في الأصول دليل صحة العلة ولا يتحقق معنى دوران الحكم مع هذا الأثر في جميع الأصول فأما دوران الحكم مع العلة وجودا وعدما يكون اتفاقا فأما الذين قالوا من أصحاب الشافعي بأن الأثر الذي هو دليل صحة العلة أن يكون مخيلا حجتهم أن هذا الأثر مما لا يحس بطريق الحس ولكنه يعقل فيكون طريق الوقوف عليه تحكيم القلب حتى إذا تخايل في القلب به أثر القبول والصحة كان ذلك حجة للعمل به بمنزلة التحري في باب القبلة عند انقطاع سائر الأدلة فإن تحكيم القلب فيه جائز ويجب العمل بما يقع في قلب من ابتلي به من أنه جهة الكعبة وعليه دل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لوابصة بن معبد رضي الله عنه ضع يدك على صدرك واستفت قلبك فما حك في صدرك فدعه وإن أفتاك الناس به فعرفنا أن العدالة تحصل بصفة الإخالة ثم العرض على الأصول بعد ذلك احتياط والعمل به قبله جائز بمنزلة ما لو كان الشاهد معلوم العدالة عند القاضي فإن العمل بشهادته جائز له والعرض على المزكين بعد ذلك نوع احتياط فإن لم يعجل ورجع إلى المزكين فهو احتياط أخذ به لجواز أن يظهر له بالرجوع إليهم ما لم يكن معلوما له قال وهذا بخلاف شهادة الشاهد فإن بصفة الصلاحية هناك لا تثبت العدالة لأن الشاهد مبتلى بالأمر والنهي وهو أمين فيما اؤتمن من حقوق الشرع ويتوهم منه أداء الأمانة فيكون عدلا به والخيانة فلا يكون عدلا معه وإذا لم يكن أداء الأمانة منه معلوم القاضي لا يصير عدلا عنده ما لم يعرض حاله على المزكين فأما الوصف الذي هو علة بعدما علم صفة الصلاحية فيه تصير عدالته معلومة إذ ليس فيه توهم الخيانة فلهذا كان العرض على الأصول هنا احتياطا فإن سلم عما يناقضه ويعارضه بكونه مطردا في الأصول فحكم وجوب العمل به يزداد وكادة وإن ورد عليه نقض فذلك النقض جرح بمنزلة الشاهد الذي هو معلوم العدالة إذا ظهر فيه طعن من بعض المزكين فإن ذلك يكون جرحا في عدالته إلا أن يتبين له أنه لم يكن عدلا والمعارضة دفع بمنزلة شاهد آخر يشهد بخلاف ما شهد به العدل وأما الفريق الثاني فإنهم قالوا كونه مخيلا أمر باطن لا يمكن إثباته على الخصم وما لم تثبت صفة العدالة بما يكون حجة على الخصم لا يمكن إلزام الخصم به وأثبتنا صفة العدالة فيه بما أثبتنا صفة الصلاحية وهو الملاءمة فإن ذلك يكون بالعرض على العلل المنقولة عن السلف حتى إذا علم الموافقة كان صالحا وبعد صفة الصلاحية يحتمل أن لا يكون حجة لأن العلل الشرعية لا توجب الحكم بذواتها فلا بد من إثبات صفة العدالة فيه بالعرض على الأصول حتى إذا كان مطردا سالما عن النقوض والمعارضات فحينئذ تثبت عدالته من قبل أن الأصول شهادة لله على أحكامه كما كان الرسول في حال حياته فيكون العرض على الأصول وامتناع الأصول من رده بمنزلة العرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته وسكوته عن الرد وذلك دليل عدالته باعتبار أن السكوت بعد تحقق الحاجة إلى البيان لا يحل فعرفنا أن بالعرض على الأصول تثبت العدالة كما أن عدالة الشاهد تثبت بعرض حاله على المزكين
والفرق الثاني الذي قالوا ليس بقوي فإن بعد ثبوت صفة الصلاحية للشاهد إنما بقي احتمال الكذب في أدائه وهنا بعد ثبوت صفة الصلاحية بقي الاحتمال في أصله أن الشرع جعله علة للحكم أم لا فإنه إن ورد عليه نقض أو معارضة يتبين به أن الشرع ما جعله علة للحكم لأن المناقضة اللازمة لا تكون في الحجج الشرعية قال الله تعالى ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا وكذلك المعارضة اللازمة لا تكون في الحجج الشرعية فإذا كان هناك مع بقاء الاحتمال في الوصف لا يكون حجة للعمل به فهنا مع بقاء الاحتمال في الأصل لأن لا يكون حجة كان أولى وكما أن طريق رفع ذلك الاحتمال هناك العرض على المزكين والأدنى فيه اثنان فالطريق هنا العرض على الأصول وأدنى ذلك أصلان إذ لا نهاية للأعلى وفي الوقوف على ذلك حرج بين وبهذا التقرير يتبين أن العرض على جميع الأصول ليس بشرط عنده كما ذهب إليه بعض شيوخنا استقصى في العرض فالخصم يقول وراء هذا أصل آخر ( هو ) معارض أو ناقض لما يدعيه فلا يجد بدا من أن يقول لم يقم عندي دليل النقض والمعارضة ومثل هذا لا يصلح حجة لإلزام الخصم على ما نبينه في بابه قالوا والذي يحقق ما ذكرنا أن المعجزة التي أوجبت علم اليقين كان طريق ثبوتها السلامة عن النقوض والمعارضات كما قال تعالى قل لئن اجتمعت وشيوخه فإن من شرط ذلك لم يجد بدا من العمل بلا دليل لأنه وإن الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله قال تعالى ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا فبهذا يتبين أن طريق إثبات الحجة لما لا نحس هذا وأما علماؤنا إنهم يقولون حاجتنا إلى إثبات دليل الحجة فيما لا يحس ولا يعاين وطريق ذلك أثره الذي ظهر في موضع من المواضع ألا ترى أن الطريق في معرفة عدالة الشاهد هذا وهو أن ينظر إلى أثر دينه في منعه عن ارتكاب ما يعتقد فيه الحرمة فإذا ظهر أثر ذلك في سائر المواضع يترجح جانب الصدق في شهادته بطريق الاستدلال بالأثر وهو أن الظاهر أنه ينزجر عن شهادة الزور لاعتقاده الحرمة فيه وكذلك الدلالة على إثبات الصانع تكون بآثار صنعته بطريق الوصف والبيان على وجه مجمع عليه كما نبينه في موضعه وكذلك في المحسوسات كالجرح ونحو ذلك فإنه يستدل عليه بأثره حسا والاستدلال بالمحسوس لغير المحسوس يكون بالأثر أيضا فتبين أن ما به يصير الوصف حجة بعد الصلاحية بالملاءمة على ما قرره الخصم وهو ظهور أثره في الأصول فأما الإخالة فهو عبارة عن مجرد الظن إذ الخيال والظن واحد والظن لا يغني من الحق شيئا وأحسن العبارات فيه أن يجعل بمنزلة الإلهام وهو لا يصلح للإلزام على الغير على ما نبينه ثم هذا شيء في الباطن لا يطلع عليه غير صاحبه ومثله لا يكون حجة على الغير كالتحري الذي استشهد به فإن ما يؤدي إليه تحري الواحد لا يكون حجة على أصحابه حتى لا يلزمهم اتباعه في تلك الجهة وكلامنا فيما يكون حجة لإلزام الغير العمل به ثم كل خصم يتمكن من أن يقول يخايل في قلبي أثر القبول والصحة للوصف الذي دعاه بل للحكم الذي هو المقصود وصفة التعارض لا يجوز أن يكون لازما في الحجج الشرعية كصفة المناقضة وكذلك الاطراد لا يستقيم أن يجعل دليل كونه حجة لأنه عبارة عن عموم شهادة هذا الوصف في الأصول فيكون نظير كثرة أداء الشهادة من الشاهدين في الحوادث عند القاضي أو تكرار الأداء منه في حادثة واحدة وذلك لا يكون موجبا عدالته
قوله بأن الأصول مزكون كالرسول قلنا لا كذلك بل كل أصل شاهد فالأصول كجماعة الشهود أو عدد الرواة للخبر ودليل صحة الخبر وكونه حجة إنما يطلب من متن الحديث فالأثر للوصف بمنزلة دليل الصحة من متن الخبر والاطراد في الأصول بمنزلة كثرة الرواة فكيف يستقيم أن يجعل الأصول مزكين ولا معرفة لهم بهذا الوصف وحاله وأنى تكون التزكية ممن لا خبرة له ولا معرفة بحال الشاهد وما قالوا إن المعجزة بمثل هذا صارت حجة فهو غلط وإنما صارت حجة بكونها خارجة عن حد مقدور البشر فإن القرآن بهذه الصفة ولكن الكفار كانوا يتعنتون فيقولون إنه من جنس كلام البشر كما أخبر الله تعالى عنهم قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا فطولبوا بالإتيان بمثله ليظهر به تعنتهم فإنهم لو قدروا على ذلك ما صبروا على الامتناع عنه إلى القتال وفيه ذهاب نفوسهم وأموالهم فإن قيل في اعتبار الأثر اعتبار ما لا يمكن الوقوف فيه على حد معلوم يعقل أو يظهر للخصوم قلنا لا كذلك فإن الأثر فيما يحس معلوم حسا كأثر المشي على الأرض وأثر الجراحة على البدن وأثر الإسهال في الدواء المسهل وفيما يعقل معلوم بطريق اللغة نحو عدالة الشاهد فإنه يعلم بأثر دينه في المنع كما بينا وهذا الأثر الذي ادعيناه يظهر للخصم بالتأمل فإنه عبارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والسلف من الفقهاء رضوان الله عليهم أجمعين فمن ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهرة إنها من الطوافين عليكم والطوافات لأنها علة مؤثرة فيما يرجع إلى التخفيف لأنه عبارة عن عموم البلوى والضرورة في سؤره وقد ظهر تأثير الضرورة في إسقاط حكم الحرمة أصلا بالنص وهو قوله تعالى فمن اضطر غير باغ ولا عاد عن أثر ظاهر في بعض المواضع سوى المتنازع فيه وهو موافق للعلل المنقولة فلا إثم عليه والإشارة إليه لدفع نجاسة سؤره أو لإثبات حكم التخفيف في سؤره يكون استدلالا له بعلة مؤثرة وكذلك قوله عليه السلام إنها دم عرق انفجر فإنه استدلال بعلة مؤثرة في نقض الطهارة وهو أن الدم في نفسه نجس وبالانفجار يصل إلى موضع يجب تطهير ذلك الموضع منه ووجوب التطهير لا يكون إلا بعد وجود ما يعدم الطهارة فإن قيل هذا ليس بتعليل منه لانتقاض الطهارة بدم الاستحاضة بل لبيان أنه ليس بدم الحيض قلنا قد قال أولا ليست بالحيضة وهذا اللفظ كاف لهذا المقصود فلا بد من أن يحمل قوله ( ولكنها دم عرق انفجر ) على فائدة جديدة وليس ذلك إلا بيان علة للحدث الموجب للطهارة وقال عليه السلام لعمر رضي الله عنه في القبلة أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته أكان يضرك فهذا إشارة إلى علة مؤثرة أي الفطر ضد الصوم وإنما يتأدى الصوم بالكف عن اقتضاء الشهوتين فكما أن اقتضاء شهوة البطن بما يصل إلى الحلق لا بما يصل إلى الفم حتى لا تكون المضمضة موجبة للفطر فكذلك اقتضاء شهوة الفرج يكون بالإيلاج أو الإنزال لا بمجرد القبلة التي هي المقدمة وكذلك قوله للخثعمية أرأيت لو كان على أبيك دين الحديث هو إشارة إلى العلة المؤثرة وهو أن صاحب الحق يقبل من غير من عليه الحق إذا جاء بحقه فأداه على سبيل الإحسان والمساهلة مع من عليه الحق والله هو المحسن المتفضل على عباده فهو أحق من أن يقبل منك وقال في حرمة الصدقة على بني هاشم أرأيت لو تضمضت بماء أكنت شاربه ففيه إشارة إلى علة مؤثرة وهو أن الصدقة من أوساخ الناس لكونها مطهرة من الذنوب فهي كالغسالة المستعملة والامتناع من شرب ذلك يكون بطريق الأخذ بمعالي الأمور فكذلك حرمة الصدقة على بني هاشم يكون على وجه التعظيم والإكرام لهم ليكون لهم خصوصية بما هو من معالي الأمور
وكذلك الصحابة حين اختلفوا في الجد مع الإخوة اشتغلوا بالتعليل لإظهار صفة القرب بالوادي الذي تتشعب منه الأنهار والشجرة التي ينبت منها الأغصان وما ذلك إلا باعتبار المؤثر في العلم بتفاوت القرب بطريق محسوس و ابن عباس علل في ذلك بقوله ألا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل أب الأب أبا فهو استدلال المؤثر من حيث اعتبار أحد الطرفين بالطرف الآخر في القرب وقال عمر لعبادة بن الصامت حين قال ما أرى النار تحل شيئا في الطلاء أليس يكون خمرا ثم يكون خلا فتشربه فهذا استدلال بمؤثر وهو التغيير بالطباع وعلل محمد في كتاب الطلاق فيمن قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا ثم طلقها ثلاثا أن اليمين لا يبقى لأنه ذهب تطليقات ذلك الملك كله وهذا تعليل بوصف مؤثر فإن اليمين لا تنعقد إلا في الملك باعتبار تطليقات مملوكة أو مضافة إلى الملك والإضافة إلى الملك لم توجد هنا فعرفنا أنها انعقدت على التطليقات المملوكة وقد أوقع كلها والكل من كل شيء لا يتصور فيه تعدد فعرفنا أنه لم يبق شيء من الجزاء واليمين شرط وجزاء فكما لا يتصور انعقادها بدون الجزاء لا يتصور بقاؤها إذا لم يبق شيء من الجزاء وقال أبو حنيفة رحمه الله فيمن اشترى قريبه مع غيره حتى عتق نصيبه منه لا يضمن لشريكه شيئا لأن شريكه رضي بالذي وقع به العتق بعينه يعني ملك القريب الذي هو متمم لعلة العتق وهذا تعليل بوصف مؤثر فإن ضمان العتق إنما يجب بالإفساد أو الإتلاف لملك الشريك فيكون واجبا بطريق الجبران له ورضاه بالسبب يغني عن الحاجة إلى الجبران لأن الحاجة إلى ذلك لدفع الضرر عنه وقد اندفع ذلك حكما حين رضي به كما لو أذن له نصا أن يعتقه وقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله فيمن أودع صبيا مالا فاستهلكه لا ضمان عليه لأنه سلطه على ما فعل أي حين مكنه من المال فقد سلطه على إتلافه حسا والتسليط يخرج فعل المسلط من أن يكون جناية في حق المسلط ثم بقوله احفظ جعل التسليط مقصورا على الحفظ بطريق العقد وهذا في حق البالغ صحيح وفي حق الصبي لا يصح أصلا وفي حق العبد المحجور لا يصح في حالة الرق وعلل الشافعي في الزنا أنه لا يوجب حرمة المصاهرة وقال الزنا فعل رجمت عليه والنكاح أمر حمدت عليه فهذا استدلال في الفرق بوصف مؤثر أي ثبوت حرمة المصاهرة بطريق النعمة والكرامة فيجوز أن يكون سبب الكرامة ما يحمد المرء عليه ولا يجوز أن يكون سببه ما يعاقب المرء عليه وهو الزنا الموجب للرجم وقال النكاح لا يثبت بشهادة النساء مع الرجال لأن النكاح ليس بمال وهذا تعليل بوصف مؤثر يعني أن المال مبتذل وملك النكاح مصون عن الابتذال وفي شهادة النساء مع الرجال ضرب شبهة أو هي حجة ضرورة فما يكون مبتذلا تجري المساهلة فيه وتكثر البلوى والحاجة إليه فيمكن إثباته بحجة فيها شبهة أو بما هو حجة ضرورة فأما ما يكون مصونا عن الابتذال فإن البلوى لا تكثر فيه وهو عظيم الخطر أيضا فلا يثبت إلا بحجة أصلية خالية عن الشبهة فعرفنا أن طريق تعليل السلف هو الإشارة إلى الوصف المؤثر فعلى هذا النمط يكون أكثر ما عللنا به في الخلافيات منها أن علماءنا قالوا في أنه لا يشترط التكرار في المسح بالرأس لإكمال السنة إنه مسح فلا يسن تكراره ( كالمسح بالخف والتيمم
وقال الشافعي هو ركن أصلي في الطهارة فيسن فيه التكرار ) كالغسل في المغسولات فكان المؤثر ما قلنا لأن في لفظ المسح ما يدل على التخفيف فإن المسح يكون أيسر من الغسل لا محالة وتأدى الفرض في هذا المحل بفعل المسح دليل التخفيف أيضا وكون الاستيعاب فيه ليس بشرط بخلاف المغسولات تخفيف آخر والاكتفاء بالمرة الواحدة لإقامة الفرض والسنة من باب التخفيف ففي قولنا مسح إشارة إلى ما هو مؤثر فيه وليس في قوله ركن إشارة إلى ما ينفيه ثم المقصود بالسنة الإكمال وفي الممسوح لما لم يكن الاستيعاب شرطا فبالمرة الواحدة مع الاستيعاب يحصل الإكمال فعرفنا أنه يصير به مؤديا الفريضة والسنة وفي المغسولات لما كان الاستيعاب شرطا لا يحصل بالمرة إلا إقامة الفرض فلا بد من التكرار لإقامة السنة وليس في قوله ركن إشارة إلى هذا الفرق وفي قولنا مسح إشارة إليه فكان المؤثر ما قلنا وقلنا في صوم الشهر بمطلق النية إنه يتأدى لأنه صوم عين وهو يقول لا بد من نية الفرض لأنه صوم فرض فكان المؤثر ما قلنا لأن المقصود بالنية في الأصل التمييز ولا يراد بنية الجهة إلا التمييز بين تلك الجهة وغيرها وإذا كان المشروع في هذا الزمان عينا ليس معه غيره يصاب بمطلق الاسم فارتفعت الحاجة إلى الجهة للتمييز وليس في صفة الفرضية ما ينفي هذا التعيين حتى يثبت به مساس الحاجة إلى نية الجهة للتمييز وقلنا في الضرورة إذا حج بنية النفل لا يقع حجة عن الفرض لأنها عبادة تتأدى بأركان معلومة بأسبابها كالصلاة وهذا إشارة إلى وصف مؤثر وهو أن تتأدى هذه العبادة بمباشرة أركانها لا بوقتها فصحة أداء هذه الأركان في الوقت فرضا لا ينفي صحة أدائها نفلا وإذا بقي الأداء بصفة النفلية مشروعا من هذا الوجه فتعيينه جهة النفل بالنية صادق محله فيجب اعتباره لا محالة بخلاف الصوم في الشهر وعللنا في الثيب الصغيرة أن الأب يزوجها لأنها صغيرة ولا يزوج البكر البالغة إلا برضاها لأنها بالغة والخصم قال في الثيب الصغيرة لا يزوجها أبوها من غير رضاها لأنها ثيب وفي البكر البالغة يزوجها من غير رضاها لأنها بكر فكان المؤثر ما قلنا لأن ثبوت ولاية الاستبداد بالعقد يكون على وجه النظر للمولى عليه باعتبار عجزه عن مباشرة ذلك بنفسه مع حاجته إلى مقصوده كالنفقة والمؤثر في ذلك الصغر والبلوغ دون الثيابة والبكارة وكذلك في سائر المواضع إنما ظهر الأثر للصغر والبلوغ في الولاية لا للثيابة والبكارة يعني الولاية في المال والولاية على الذكر فعرفنا أنا سلكنا طريق السلف في الاستدلال بالوصف ( المؤثر ) فإن قيل كيف يستقيم هذا والقياس لا يكون إلا بفرع وأصل فإن المقايسة تقدير الشيء بالشيء وبمجرد ذكر الوصف بدون الرد إلى الأصل لا يكون قياسا قلنا قد قال بعض مشايخنا هذا النوع من التعليل عند ذكر الأصل يكون مقايسة وبدون ذكر الأصل يكون استدلالا بعلة مستنبطة بالرأي بمنزلة ما قاله الخصم إن تعليل النص بعلة تتعدى إلى الفرع يكون مقايسة وبعلة لا تتعدى لا يكون مقايسة لكن يكون بيان علة شرعية للحكم قال رضي الله عنه والأصح عندي أن نقول هو قياس على كل حال فإن مثل هذا الوصف يكون له أصل في الشرع لا محالة ولكن يستغنى عن ذكره لوضوحه وربما لا يقع الاستغناء عنه فنذكره فمما يقع الاستغناء عن ذكره ما قلنا في إيداع الصبي لأنه سلطه على ذلك فإنه بهذا الوصف يكون مقيسا على أصل واضح وهو أن من أباح لصبي طعاما فتناوله لم يضمن لأنه بالإباحة سلطه على تناوله وتركنا ذكر هذا الأصل لوضوحه
ومما يذكر فيه الأصل ما قال علماؤنا في طول الحرة إنه لا يمنع نكاح الأمة لأن كل نكاح يصح من العبد بإذن المولى فهو صحيح من الحر كنكاح حرة وهذا إشارة إلى معنى مؤثر وهو أن الرق ينصف الحل الذي يبتنى عليه عقد النكاح شرعا ولا يبدله بحل آخر فيكون الرقيق في النصف الباقي بمنزلة الحر في الكل لأنه ذلك الحل بعينه ولكن في هذا المعنى بعض الغموض فتقع الحاجة إلى ذكر الأصل وكذلك عللنا في جواز نكاح الأمة الكتابية للمسلم قلنا كل امرأة يجوز لمسلم نكاحها إذا كانت مسلمة يجوز له نكاحها إذا كانت كتابية كالحرة وهذا إشارة إلى معنى مؤثر وهو أن تأثير الرق في تنصيف الحل وما يبتنى على الحل الذي في جانب المرأة غير متعدد ليتحقق معنى التنصيف في عدد فإن المرأة لا تحل إلا لرجل واحد فيظهر حكم التنصيف في الأحوال وهو أن الأمة من المحللات منفردة عن الحرة ومن المحرمات مضمومة إلى الحرة فلا يتزوجها على حرة ويتزوجها إذا لم يكن تحته حرة ثم النصف الباقي في جانب الأمة هو الثابت في حق الحرة فإذا كان بهذا الحل يتزوج الحرة مسلمة كانت أو كتابية عرفنا أنه يتزوج الأمة مسلمة كانت أو كتابية ولكن في هذا الكلام بعض الغموض فيذكر الأصل عند التعليل فعرفنا أن جميع ما ذكرنا استدلال بالقياس في الحقيقة وأنه موافق لطريق السلف في تعليل الأحكام الشرعية فصل الحكم حكم العلة التي نسميها قياسا أو علة ثابتة بالرأي تعدية حكم النص بها إلى فرع لا نص فيه عندنا وعلى قول الشافعي حكمها تعلق الحكم في المنصوص بها فأما التعدية بها جائز وليس بواجب حتى يكون التعليل بدونها صحيحا وإنما يتبين هذا بفصلين سبق بيانهما أحدهما تعليل الأصل بما لا يتعدى لمنع قياس غيره عليه عندنا لا يكون صحيحا وعنده يصح والثاني التعدية بالتعليل إلى محل منصوص عليه لا يصح عندنا خلافا له ثم حجته في هذه المسألة اعتبار العلل الشرعية بالعلل العقلية كما أن الوجود هناك يتعلق بما هو علة له فالوجوب في العلل الشرعية يتعلق بالعلة ويكون هو الحكم المطلوب بها دون التعدية وإنما نعني بالوجوب وجوب العمل على وجه يبقى فيه احتمال الخطأ واعتبر العلة المستنبطة من النص بالعلة المنصوص عليها في الشرع فكما أن الحكم هناك يتعلق بالعلة وتكون علة صحيحة بدون التعدية فكذلك هنا ألا ترى أن الأسباب الموجبة للحدود والكفارات جعلت سببا شرعا ليتعلق الحكم بها بالنص من غير تعدية إلى محل آخر فكذلك العلل الشرعية يتعلق الحكم بها في المنصوص تعدى بها إلى محل آخر أو لم يتعد والجواب ما هو حجتنا أن نقول ما ينازعنا فيه من العلة لا يكون حجة للحكم إلا بعد النص كما قال عليه الصلاة والسلام في حديث معاذ فإن لم تجده في الكتاب والسنة قال اجتهد رأيي
وما يكون عاملا بعد النص كان شرط عمله انعدام النص في المحل الذي يعمل فيه فعرفنا أنه لا عمل له في محل منصوص وإذا لم يجز أن يكون عاملا على وجه المعارضة بحكم النص بخلافه عرفنا أنه لا عمل له في موضع النص فلا يمكن أن يجعل حكمه تعلق حكم الشرع به في المنصوص يوضحه أن بالإجماع هذه العلة لا يجوز أن يتغير بها حكم النص ومعلوم أن التغيير دون الإبطال فإذا كان الحكم في المنصوص مضافا إلى النص قبل التعليل فلو قلنا بالتعليل يصير مضافا إلى العلة كان إبطالا ولا شك أنه يكون تغييرا على معنى أن فيه إخراج سائر أوصاف النص من أن يكون الحكم مضافا إليها وكما لا يجوز إخراج بعض المحال الذي تناوله النص من حكم النص بالتعليل لا يجوز إخراج بعض الأوصاف عن ذلك بالتعليل يوضحه أن العلة ما يتغير بها حكم الحال ومعلوم أن حكم النص لا يتغير بالعلة في نفسه فعرفنا أنه يتغير بها الحال في محل آخر وهو المحل الذي تعدى إليه الحكم فيثبت فيه بها بعد أن لم يكن ثابتا وهذا لا يتحقق في علة لا توجب تعدية الحكم فهذا تبين أن حكم العلة على الخصوص تعدية الحكم لا إيجاب الحكم بها ابتداء بمنزلة الحوالة فإنها لما كانت مشتقة من التحويل كان حكمها الخاص تحول الدين الواجب بها من ذمة إلى ذمة من غير أن تكون مؤثرة في إيجاب الدين بها ابتداء ومن فهم هذا سقط عنه مؤنة الحفظ في ثلاثة أرباع ما يستعمل الناس القياس فيه لأن جميع ما يتكلم الناس فيه على سبيل المقايسة أربعة أقسام الموجب للحكم وصفته وما هو شرط في العلة وصفته والحكم الثابت في الشرع وصفته والحكم المتفق على كونه مشروعا معلوما بصفته أهو مقصور على المحل الذي ورد فيه النص أم تعدى إلى غيره من المحال الذي يماثله بالتعليل وإنما يجوز استعمال القياس في القسم الرابع فأما الأقسام الثلاثة فلا مدخل للقياس فيها في الإثبات ولا في النفي لأن الموجب ما جعله الشرع موجبا على ما بينا أن العلل الشرعية لا تكون موجبة بذواتها بل بجعل الشرع إياها موجبة فلا مجال للرأي في معرفة ذلك وإنما طريق معرفته السماع ممن ينزل عليه الوحي وصفة الشيء معتبر بأصله وكما لا يكون موجبا بدون ركنه لا يكون موجبا بدون شرطه ولا مدخل للرأي في معرفة شرطه ولا صفة شرطه كما لا مدخل للرأي في أصله وكذلك نصب الحكم ابتداء إلى الشرع وكما ليس إلى العباد ولاية نصب الأسباب فليس إليهم ولاية نصب الأحكام لأنها مشروعة بطريق الابتلاء فأنى يهتدى بالرأي إليه كيف يتحقق معنى الابتلاء فيما يستنبط بالرأي ابتداء فعرفنا أن التعليل في هذه الأقسام لا يصادف محلها والأسباب الشرعية لا تصح بدون المحل كالبيع المضاف إلى الحر والنكاح المضاف إلى محرمة ولأن حكم التعليل التعدية ففي هذه المواضع الثلاثة لا تتحقق التعدية فكان استعمال القياس في هذه المواضع الثلاثة بمنزلة الحوالة قبل وجوب الدين وذلك باطل لخلوه عن حكمه وهو التحويل وكما لا يجوز استعمال القياس لإثبات الحكم في هذه المواضع لا يجوز للنفي لأن المنكر لذلك يدعي أنه غير مشروع وما ليس بمشروع كيف يمكن إثباته بدليل شرعي وإن كان يدعي رفعه بعد الثبوت وهو نسخ وإثبات النسخ بالتعليل بالرأي لا يجوز فعرفنا أن ما يصنعه بعض الناس من استعمال القياس في مثل هذه المواضع ليس بفقه وأنه يكون من قلة التأمل يتبين ذلك عند النظر وأما بيان الموجب في مسائل
منها ( أن ) الجنس بانفراده هل يحرم النسأ فإن الكلام فيه بطريق القياس للإثبات أو للنفي باطل وإنما طريق إثباته الرجوع إلى النص أو دلالته أو إشارته أو مقتضاه لأن الثابت بهذه الوجوه كالثابت بالنص والموجب للحكم لا يعرف إلا بالنص كالحكم الواجب فإنه إذا وقع الاختلاف في الوتر هل هي بمنزلة الفريضة زيادة على الخمس كان الاشتغال بإثباته بطريق القياس خطأ وإنما أثبت ذلك أبو حنيفة رحمه الله بالنص المروي فيه وهو قوله عليه السلام إن الله تعالى زادكم صلاة ألا وهي الوتر فصلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر فكذلك طريق إثبات كون الجنس علة الرجوع إلى النص ودلالته وهو أنه قد ثبت بالنص حرمة الفضل الخالي عن العوض إذا كان مشروطا في العقد وباشتراط الأجل يتوهم فضل مال خال عن المقابلة باعتبار صفة الحلول في أحد الجانبين ولم يسقط اعتباره بالنص لكونه حاصلا بصنع العباد والشبهة تعمل عمل الحقيقة فيما بني أمره على الاحتياط فكما أن حقيقة الفضل تكون ربا فكذلك شبهة الفضل وللجنسية أثر في إظهار ذلك وكما أن القياس لا يكون طريقا للإثبات هنا لا يكون طريقا للنفي لأن من ينفي إنما يتمسك بالعدم الذي هو أصل فعليه الاشتغال بإفساد دليل خصمه لأنه متى ثبت أن ما ادعاه الخصم دليل صحيح لا يبقى له حق التمسك بعدم الدليل فأما الاشتغال بالقياس ليثبت العدم به يكون ظاهر الفساد ونظيره الاختلاف في أن السفر هل يكون مسقطا شطر الصلاة فإنه لا مدخل للقياس هنا في الإثبات ولا في النفي وإنما يعرف ذلك بالنص ودلالته وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ولا معنى للتصدق هنا سوى الإسقاط ولا مرد لما أسقطه الله عن عباده بوجه وكذلك الخلاف في أن استتار القدم بالخف هل يكون مانعا من سراية الحدث إلى القدم لا مدخل للقياس فيه في النفي ولا في الإثبات وإنما يثبت ذلك بالنص ودلالته وهو قوله عليه السلام إني أدخلتهما وهما طاهرتان ففي هذا إشارة إلى أن الحدث ما سرى إلى القدمين لاستتارهما بالخف وكذلك الخلاف في أن مجرد الإسلام بدون الإحراز بالدار هل يوجب تقوم النفس والمال أم لا وأن خبر الواحد هل يكون موجبا للعلم وأن القياس هل يكون موجبا للعمل به هذا كله لا مدخل للتعليل بالرأي في إثباته ولا في نفيه وأما بيان صفته فنحو الاختلاف الواقع في النصاب أنه موجب للزكاة بصفة النماء أم بدون هذا الوصف موجب وفي اليمين أنها موجبة للكفارة بصفة أنها مقصودة أم بصفة أنها معقودة وفي القتل بغير حق أنه موجب للكفارة بصفة أنه حرام أم اشتماله على الوصفين الحظر والإباحة من وجهين وكفارة الفطر أنها واجبة بفعل موصوف بأنه جماع أو هو فطر بجناية متكاملة فإن هذا كله مما لا مدخل للرأي في إثبات الوصف المطلوب به ولا في نفيه وبيان الشرط فنحو اختلاف العلماء في اشتراط الشهود في النكاح للحل واختلافهم في اشتراط التسمية في الذكاة للحل فإنه لا مدخل للرأي في معرفة ما هو شرط في السبب شرعا لا في الإثبات ولا في النفي كما لا مدخل له في أصل السبب بأن بالشرط يرتفع الحكم قبل وجوده فإذا لم يكن للرأي مدخل فيما يثبته عرفنا أنه لا مدخل للرأي فيما يرفعه أو يعدمه وكذلك الخلاف في أن البلوغ عن عقل هل يكون شرطا لوجوب حقوق الله تعالى المالية نحو الزكوات والكفارات ولإيجاب ما هو عقوبة مالية نحو حرمان الميراث بالقتل أو دفع الاختلاف في أن البلوغ عن عقل هل يكون شرطا لصحة الأداء فيما لا يحتمل النسخ والتبديل فإن هذا لا مدخل للقياس فيه في الإثبات والنفي وكذلك في أن بلوغ الدعوة هل تكون شرطا لإهدار النفوس والأموال بسبب الكفر فإن هذا مما لا يمكن معرفته بالقياس والتعليل بالرأي فيه للإثبات أو النفي يكون ساقطا
وكذلك الاختلاف في اشتراط الولي في النكاح فأما في ثبوت الولاية للمرأة على نفسها يجوز استعمال القياس لأن المعنى الذي به تثبت الولاية للمرء على نفسه معقول وهو متفق عليه في الأصل وهو الرجل فيستقيم تعدية الحكم به إلى المرأة فإن قيل فقد اختلفنا في التقابض في المجلس أنه هل يشترط في بيع الطعام بالطعام وقد تكلمتم بالقياس وإليه أشار محمد فقال من قبل أنه حاضر ليس له أجل قلنا لأن هناك قد وجد أصل كان هذا الحكم وهو بقاء العقد بعد الافتراق عن المجلس من غير قبض فيه ثابت بالاتفاق وهو بيع الطعام وسائر الأمتعة بالدراهم فأمكن تعليل ذلك الأصل لتعدية الحكم به إلى الفرع والخصم وجد أصلا للحكم الذي ادعاه وهو فساد العقد بعد الافتراق من غير قبض كما في الصرف استقام تعليله أيضا لتعدية الحكم به إلى الفرع ومثله لا يوجد في اشتراط التسمية في الذكاة فإن الخصم لا يجد فيه أصلا يسقط فيه اشتراط التسمية لحل الذبيحة فإن أصله الناسي ونحن لا نقول هناك سقط شرط التسمية ولكن نجعل الناسي كالمسمى حكما بدلالة النص كما يجعل الناسي كالمباشر لركن الصوم وهو الإمساك حكما بالنص وهذا معلول عن القياس وتعليل مثله لتعدية الحكم لا يجوز وكذلك في النكاح فإنه لا يجد أصلا يكون فيه اتفاق على صحة النكاح وثبوت الحل به بغير شهود حتى لعلل ذلك الأصل فيتعدى الحكم فيه إلى هذا الفرع فإن قيل لا كذلك فإن النكاح عقد معاملة حتى يصح من الكافر والمسلم وقد وجدنا أصلا في عقود المعاملات يسقط اشتراط الشهود لصحته شرعا وهو البيع وإن كان يترتب عليه حل الاستمتاع فنعلل ذلك الأصل لتعدية الحكم به إلى الفرع قلنا من حيث إن النكاح معاملة أمد لا يشترط فيه الشهود فخصم هذا المعلل يقول بموجب علته وإنما يدعي شرط الشهود فيه اعتبار أنه عقد مشروع للتناسل وأنه يرد على محل له خطر وهو مصون عن الابتذال فلإظهار خطره يختص شرط الشهود ولا نجد أصلا في المشروعات بهذه الصفة لتعليل ذلك الأصل فيعدى الحكم به إلى الفرع وأما بيان صفته فنحو الاختلاف في صفة العدالة في شهود النكاح وفي صفة الذكورة وفي صفة الموالاة والترتيب والنية في الوضوء فإن الوضوء شرط الصلاة فكما لا مدخل للرأي في إثبات أصل الشرط به فكذلك في إثبات الصفة فيما هو شرط وأما بيان الحكم فنحو الاختلاف في الركعة الواحدة أهي صلاة مشروعة أم لا وفي القراءة المشروعة في الأخريين بالاتفاق أهي فريضة أم لا وفي القراءة المفروضة في الأوليين أتتعين الفاتحة ركنا أم لا فإنه لا مدخل للرأي في إثبات هذا الحكم وفي المسح بالخف والمسح على الجرموق وعلى العمامة أهو جائز أم لا وأمثلة هذا في الكتب تكثر فإن كل موضع يكون الكلام فيه في الحكم ابتداء أهو ثابت شرعا أم لا لا مدخل للرأي في ذلك حتى يشتغل فيه بالتعليل للإثبات أو للنفي وأما بيان صفته فنحو الاختلاف في صفة صدقة الفطر والأضحية والوتر والاختلاف في صفة الإبانة بالطلاق عند القصد إليه من غير جعل وفي صفة الملك الثابت بالنكاح وهو الذي يقابله البدل أهو مشترك بين الزوجين أم يختص الرجل به وفي صفة ملك النكاح أنه في حكم ملك المنفعة أو في حكم ملك العين وفي صفة الطلاق المشروع أنه مباح بأصل الوضع أو مكروه والإباحة صفة عارضة فيه للحاجة وفي صفة البيع المشروع حال بقاء المتعاقدين في المجلس ( أنه لازم بنفس العقد أو متراخ إلى قطع المجلس ) وفي صفة الملك الثابت بعقد الرهن أنه ملك اليد من جنس ما يثبت به حقيقة الاستيفاء أو ملك المطالبة بالبيع في الدين من جنس ما يثبت بالكفالة وأمثلة هذه الفصول في الكتب أكثر من أن تحصى ذكرنا من كل قسم طرفا لبيان الطريق للمتأمل فيه
وأما بيان القسم الرابع فنحو الاختلاف في المسح بالرأس أنه هل يسن تثليثه فإنه يوجد في الطهارة ما هو مسح ولا يكون التكرار فيه مسنونا فيمكن تعليل ذلك المتفق عليه لتعدية الحكم به إلى الفرع المختلف فيه ويوجد في أعضاء الطهارة ما يكون التكرار فيه مسنونا بالاتفاق فيمكن تعليل ذلك لتعدية الحكم به إلى الفرع فيكون القياس في موضعه من الجانبين ثم الكلام بعد ذلك يقع في الترجيح وكذلك إذا وقع الاختلاف في اشتراط تعيين النية في الصوم فإن هناك أصلا متفقا عليه يتأدى فيه الصوم بمطلق النية وهو النفل الذي هو عين مشروعا في وقته فيمكن تعليل ذلك لتعدية الحكم به إلى الفرع وهناك أصل في الصوم الذي هو فرض لا يتأدى إلا بتعيين النية وهو صوم القضاء فيمكن تعليل ذلك لتعدية الحكم به إلى الفرع فيكون القياس في موضعه من الجانبين ثم الكلام في الترجيح بعد ذلك فإن قيل فقد تكلمتم بالقياس في العذر بصوم يوم النحر وكون الصوم فيه مشروعا أم لا حكم لا مدخل للرأي فيه ثم اشتغلتم بالمقايسة فيه قلنا لأنا وجدنا أصلا متفقا عليه في كون الصوم مشروعا فيه وهو سائر الأيام فأمكن تعدية الحكم بتعليله إلى الفرع ثم يبقى وراء ذلك الكلام في أن النهي الذي جاء لمعنى في صفة هذا اليوم وهو أنه يوم عيد عمله يكون في إفساد المشروع مع بقائه في الأصل مشروعا أو في رفع المشروع وانتساخه وهذا لا نثبته بالرأي وإنما نثبته بدليل النص وهو الرجوع إلى موجب النهي أنه الانتهاء على وجه يبقى للمنتهي اختيار فيه كما قررنا وقد تبين بما ذكرنا أن المجيب متى اشتغل بالتعليل بالرأي فالذي يحق على السائل أن ينظر أولا أن المتنازع فيه هل هو محل له وأن ما نذكره من العلة هل يتعدى الحكم به إلى الفرع فإن لم يكن بهذه الصفة لا يشتغل بالاعتراض على علته ولكن يتبين له بطريق الفقه أن هذا التعليل في غير موضعه وأنه مما لا يصلح أن يكون حجة حتى يتحول المجيب إلى شيء آخر أو يبين بطريق الفقه أنه تعليل صحيح في محله موافق لطريق السلف في تعليلاتهم ليكون ما يجري بعد ذلك بينهما على طريق الفقه فصل في بيان القياس والاستحسان قال رضي الله عنه اعلم بأن القسم الرابع الذي بيناه في الفصل المتقدم يشتمل على هذين الوجهين وهو القياس والاستحسان عندنا وقد طعن بعض الفقهاء في تصنيف له على عبارة علمائنا في الكتب إلا أنا تركنا القياس واستحسنا وقال القائلون بالاستحسان يتركون العمل بالقياس الذي هو حجة شرعية ويزعمون أنهم يستحسنون ذلك وكيف يستحسن ترك الحجة والعمل بما ليس بحجة لاتباع هوى أو شهوة نفس فإن كانوا يريدون ترك القياس الذي هو حجة فالحجة الشرعية هو حق وماذا بعد الحق إلا الضلال وإن كانوا يريدون ترك القياس الباطل شرعا فالباطل مما لا يشتغل بذكره وقد ذكروا في كتبهم في بعض المواضع أنا نأخذ بالقياس فإن كان المراد هذا فكيف يجوزون الأخذ بالباطل وذكر من هذا الجنس ما يكون دليل قلة الحياء وقلة الورع وكثرة التهور لقائله فنقول وبالله التوفيق الاستحسان لغة وجود الشيء حسنا يقول الرجل استحسنت كذا أي اعتقدته حسنا على ضد الاستقباح أو معناه طلب الأحسن للاتباع الذي هو مأمور به كما قال تعالى فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وهو في لسان الفقهاء نوعان العمل بالاجتهاد وغالب الرأي في تقدير ما جعله الشرع موكولا إلى آرائنا نحو المتعة المذكورة في قوله تعالى متاعا بالمعروف حقا على المحسنين أوجب ذلك بحسب اليسار والعسرة وشرط أن يكون بالمعروف فعرفنا أن المراد ما يعرف استحسانه بغالب الرأي وكذلك قوله تعالى وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ولا يظن بأحد من الفقهاء أنه يخالف هذا النوع من الاستحسان
والنوع الآخر هو الدليل الذي يكون معارضا للقياس الظاهر الذي تسبق إليه الأوهام قبل إنعام التأمل فيه وبعد إنعام التأمل في حكم الحادثة وأشباهها من الأصول يظهر أن الدليل الذي عارضه فوقه في القوة فإن العمل به هو الواجب فسموا ذلك استحسانا للتمييز بين هذا النوع من الدليل وبين الظاهر الذي تسبق إليه الأوهام قبل التأمل على معنى أنه يمال بالحكم عن ذلك الظاهر لكونه مستحسنا لقوة دليله وهو نظير عبارات أهل الصناعات في التمييز بين الطرق لمعرفة المراد فإن أهل النحو يقولون هذا نصب على التفسير وهذا نصب على المصدر وهذا نصب على الظرف وهذا نصب على التعجب وما وضعوا هذه العبارات إلا للتمييز بين الأدوات الناصبة وأهل العروض يقولون هذا من البحر الطويل وهذا من البحر المتقارب وهذا من البحر المديد فكذلك استعمال علمائنا عبارة القياس والاستحسان للتمييز بين الدليلين المتعارضين وتخصيص أحدهما بالاستحسان لكون العمل به مستحسنا ولكونه مائلا عن سنن القياس الظاهر فكان هذا الاسم مستعارا لوجود معنى الاسم فيه بمنزلة الصلاة فإنها اسم للدعاء ثم أطلقت على العبادة المشتملة على الأركان من الأفعال والأقوال لما فيها من الدعاء عادة ثم استحسان العمل بأقوى الدليلين لا يكون من اتباع الهوى وشهوة النفس في شيء وقد قال الشافعي في نظائر هذا أستحب ذلك وأي فرق بين من يقول أستحسن كذا وبين من يقول أستحبه بل الاستحسان أفصح اللغتين وأقرب إلى موافقة عبارة الشرع في هذا المراد وظن بعض المتأخرين من أصحابنا أن العمل بالاستحسان أولى مع جواز العمل بالقياس في موضع الاستحسان وشبه ذلك بالطرد مع المؤثر فإن العمل بالمؤثر أولى وإن كان العمل بالطرد جائزا قال رضي الله عنه وهذا وهم عندي فإن اللفظ المذكور في الكتب في أكثر المسائل إلا أنا تركنا هذا القياس والمتروك لا يجوز العمل به وتارة يقول إلا أني أستقبح ذلك وما يجوز العمل به من الدليل شرعا فاستقباحه يكون كفرا فعرفنا أن الصحيح ترك القياس أصلا في الموضع الذي نأخذ بالاستحسان وبه يتبين أن العمل بالاستحسان لا يكون مع قيام المعارضة ولكن باعتبار سقوط الأضعف بالأقوى أصلا وقد قال في كتاب السرقة إذا دخل جماعة البيت وجمعوا المتاع فحملوه على ظهر أحدهم فأخرجه وخرجوا معه في القياس القطع على الحمال خاصة وفي الاستحسان يقطعون جميعا وقال في كتاب الحدود إذا اختلف شهود الزنا في والزاويتين في بيت واحد في القياس لا يحد المشهود عليه وفي الاستحسان يقام الحد ومعلوم أن الحد يسقط بالشبهة وأدنى درجات المعارض ايراث الشبهة فكيف يستحسن إقامة الحد في موضع الشبهة وكذلك قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تصحح ردة الصبي استحسانا ومعلوم أن عند قيام دليل المعارضة يرجح الموجب للإسلام وإن كان هو أضعف كالمولود بين كافر ومسلمة وكيف يستحسن الحكم بالردة مع بقاء دليل موجب الإسلام فعرفنا أن القياس متروك أصلا في الموضع الذي يعمل فيه بالاستحسان وإنما سميناهما تعارض الدليلين باعتبار أصل الوضع في كل واحد من النوعين لا أن بينهما معارضة في موضع واحد والدليل على أن المراد هذا ما قال في كتاب الطلاق إذا قال لامرأته إذا حضت فأنت طالق فقالت قد حضت فكذبها الزوج فإنها لا تصدق في القياس باعتبار الظاهر وهو أن الحيض شرط الطلاق كدخولها الدار وكلامها زيدا وفي الاستحسان تطلق لأن الحيض شيء في باطنها لا يقف عليه غيرها فلا بد من قبول قولها فيه بمنزلة المحبة والبغض قال وقد يدخل في هذا الاستحسان بعض القياس يعني به أن في سائر الأحكام المتعلقة بالحيض قبلنا قولها نحو حرمة الوطء وانقضاء العدة فاعتبار هذا الحكم بسائر الأحكام نوع قياس ثم ترك القياس الأول أصلا لقوة دليل الاستحسان وهو أنها مأمورة بالإخبار عما في رحمها منهية عن الكتمان قال تعالى ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ومن ضرورة النهي عن الكتمان كونها أمينة في الإظهار وإليه أشار أبي بن كعب رضي الله عنه فقال من الأمانة أن تؤتمن المرأة على ما في رحمها
فصار ذلك القياس متروكا باعتراض هذا الدليل القوي الموجب للعمل به فالحاصل أن ترك القياس يكون بالنص تارة وبالإجماع أخرى وبالضرورة أخرى فأما تركه بالنص فهو فيما أشار إليه أبو حنيفة رحمه الله في أكل الناسي للصوم لولا قول الناس لقلت يقضي يعني به رواية الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نص يجب العمل به بعد ثبوته واعتقاد البطلان في كل قياس يخالفه وهذا اللفظ نظير ما قال عمر رضي الله عنه في قصة الجنين لقد كدنا أن نعمل برأينا فيما فيه أثر وكذلك القياس يأبى جواز السلم باعتبار أن المعقود عليه معدوم عند العقد تركناه بالنص وهو الرخصة الثابتة بقوله عليه السلام ( ورخص في السلم ) وأما ترك القياس بدليل الإجماع فنحو الاستصناع فيما فيه للناس تعامل فإن القياس يأبى جوازه تركنا القياس للإجماع على التعامل به فيما بين الناس من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا ( وهذا ) لأن القياس فيه احتمال الخطأ والغلط فبالنص أو الإجماع يتعين فيه جهة الخطأ فيه فيكون واجب الترك لا جائز العمل به في الموضع الذي تعين جهة الخطأ فيه وأما الترك لأجل الضرورة فنحو الحكم بطهارة الآبار والحياض بعدما نجست والحكم بطهارة الثوب النجس إذا غسل في الإجانات فإن القياس يأبى جوازه لأن ما يرد عليه النجاسة يتنجس بملاقاته تركناه للضرورة المحوجة إلى ذلك لعامة الناس فإن الحرج مدفوع بالنص وفي موضع الضرورة يتحقق معنى الحرج لو أخذ فيه بالقياس فكان متروكا بالنص وكذلك جواز عقد الإجارة فإنه ثابت بخلاف القياس لحاجة الناس إلى ذلك فإن العقد على المنافع بعد وجودها لا يتحقق لأنها لا تبقى زمانين فلا بد من إقامة العين المنتفع بها مقام الإجارة في حكم جواز العقد لحاجة الناس إلى ذلك ثم كل واحد منهما نوعان في الحاصل فأحد نوعي القياس ما ضعف أثره وهو ظاهر جلي والنوع الآخر منه ما ظهر فساده واستتر وجه صحته وأثره وأحد نوعي الاستحسان ما قوي أثره وإن كان خفيا والثاني ما ظهر أثره وخفي وجه الفساد فيه وإنما يكون الترجيح بقوة الأثر لا بالظهور ولا بالخفاء لما بينا أن العلة الموجبة للعمل بها شرعا ما تكون مؤثرة وضعيف الأثر يكون ساقطا في مقابلة قوي الأثر ظاهرا كان أو خفيا بمنزلة الدنيا مع العقبى فالدنيا ظاهرة والعقبى باطنة ثم ترجح العقبى حتى وجب الاشتغال بطلبها والإعراض عن طلب الدنيا لقوة الأثر من حيث البقاء والخلود والصفاء فكذلك القلب مع النفس والعقل مع البصر وبيان ما يسقط اعتباره من القياس لقوة الأثر الاستحسان الذي هو القياس المستحسن في سؤر سباع الطير فالقياس فيه النجاسة اعتبارا بسؤر سباع الوحش بعلة حرمة التناول وفي الاستحسان لا يكون نجسا لأن السباع غير محرم الانتفاع بها فعرفنا أن عينها ليست بنجسة وإنما كانت نجاسة سؤر سباع الوحش باعتبار حرمة الأكل لأنها تشرب بلسانها وهو رطب من لعابها ولعابها يتجلب من لحمها وهذا لا يوجد في سباع الطير لأنها تأخذ الماء بمنقارها ثم تبتلعه ومنقارها عظم جاف والعظم لا يكون نجسا من الميت فكيف يكون نجسا من الحي ثم تأيد هذا بالعلة المنصوص عليها في الهرة فإن معنى البلوى يتحقق في سؤر سباع الطير لأنها تنقض من الهواء ولا يمكن صون الأواني عنها خصوصا في الصحارى وبهذا يتبين أن من ادعى أن القول بالاستحسان قول بتخصيص العلة فقد أخطأ لأن بما ذكرنا تبين أن المعنى الموجب لنجاسة سؤر سباع الوحش الرطوبة النجسة في الآلة التي تشرب بها وقد انعدم ذلك في سباع الطير فانعدم الحكم لانعدام العلة وذلك لا يكون من تخصيص العلة في شيء وعلى اعتبار الصورة يتراءى ذلك ولكن يتبين عند التأمل انعدام العلة أيضا لأن العلة وجوب التحرز عن الرطوبة النجسة التي يمكن التحرز عنها من غير حرج وقد صار هذا معلوما بالتنصيص على هذا التعليل في الهرة ففي كل موضع ينعدم بعض أوصاف العلة كان انعدام الحكم لانعدام العلة فلا يكون تخصيصا
وبيان الاستحسان الذي يظهر أثره ويخفى فساده مع القياس الذي يستتر أثره ويكون قويا في نفسه حتى يؤخذ فيه بالقياس ويترك الاستحسان فيما يقول في كتاب الصلاة إذا قرأ المصلي سورة في آخرها سجدة فركع بها في القياس تجزيه وفي الاستحسان لا تجزيه عن السجود وبالقياس نأخذ فوجه الاستحسان أن الركوع غير السجود وضعا ألا ترى أن الركوع في الصلاة لا ينوب عن سجود الصلاة فلا ينوب عن سجدة التلاوة بطريق الأولى لأن القرب بين ركوع الصلاة وسجودها أظهر من حيث إن كل واحد منهما موجب التحريمة ولو تلا خارج الصلاة فركع لها لم يجز عن السجدة ففي الصلاة أولى لأن الركوع هنا مستحق لجهة أخرى وهناك لا وفي القياس قال الركوع والسجود يتشابهان قال تعالى وخر راكعا أي ساجدا ولكن هذا من حيث الظاهر مجاز محض ووجه الاستحسان من حيث الظاهر اعتبار شبه صحيح ولكن قوة الأثر للقياس مستتر ووجه الفساد في الاستحسان خفي وبيان ذلك أنه ليس المقصود من السجدة عند التلاوة عين السجدة ولهذا لا تكون السجدة الواحدة قربة مقصودة بنفسها حتى لا تلزم بالنذر إنما المقصود إظهار التواضع وإظهار المخالفة للذين امتنعوا من السجود استكبارا منهم كما أخبر الله عنهم في مواضع السجدة قلنا ومعنى التواضع يحصل بالركوع ولكن شرطه أن يكون بطريق هو عبادة وهذا يوجد في الصلاة لأن الركوع فيها عبادة كالسجود ولا يوجد خارج الصلاة ولقوة الأثر من هذا الوجه أخذنا بالقياس وإن كان مستترا وسقط اعتبار الجانب الآخر في مقابلته وكذلك قال في البيوع إذا وقع الاختلاف بين المسلم إليه ورب السلم في ذرعان المسلم فيه في القياس يتحالفان وبالقياس نأخذ وفي الاستحسان القول قول المسلم إليه ووجه الاستحسان أن المسلم فيه مبيع فالاختلاف في ذرعانه لا يكون اختلافا في أصله بل في صفته من حيث الطول والسعة وذلك لا يوجب التحالف كالاختلاف في ذرعان الثوب المبيع بعينه ووجه القياس أنهما اختلفا في المستحق بعقد السلم وذلك يوجب التحالف ثم أثر القياس مستتر ولكنه قوي من حيث إن عند السلم إنما يعقد بالأوصاف المذكورة لا بالإشارة إلى العين فكان الموصوف بأنه خمس في سبع غير الموصوف بأنه أربع في ستة فبهذا يتبين أن الاختلاف هنا في أصل المستحق بالعقد فأخذنا بالقياس لهذا وقال في الرهن إذا ادعى رجلان كل واحد منهما عينا في يد رجل أنه مرهون عنده بدين له عليه وأقاما البينة ففي الاستحسان يقضي بأنه مرهون عندهما بمنزلة ما لو رهن عينا من رجلين وهو قياس البيع في ذلك وفي القياس تبطل البينتان لأنه تعذر القضاء بالرهن لكل واحد منهما في جميعه فإن المحل يضيق عن ذلك وفي نصفه لأن الشيوع يمنع صحة الرهن وأخذنا بالقياس لقوة أثره المستتر وهو أن كل واحد منهما هنا إنما يثبت الحق لنفسه بتسمية على حدة وكل واحد منهما غير راض بمزاحمة الآخر معه في ملك اليد المستفاد بعقد الرهن بخلاف الرهن من رجلين فهناك العقد واحد فيمكن إثبات موجب العقد به متحدا في المحل وذلك لا يمكن هنا وهذا النوع يعز وجوده في الكتب لا يوجد إلا قليلا فأما النوع المتقدم فهو في الكتب أكثر من أن يحصى ثم فرق ما بين الاستحسان الذي يكون بالنص أو الإجماع وبين ما يكون بالقياس الخفي المستحسن أن حكم هذا النوع يتعدى وحكم النوع الآخر لا يتعدى لما بينا أن حكم القياس الشرعي التعدية فهذا الخفي وإن اختص باسم الاستحسان لمعنى فهو لا يخرج من أن يكون قياسا شرعيا فيكون حكمه التعدية والأول معدول به عن القياس بالنص وهو لا يحتمل التعدية كما بينا
وبيانه فيما إذا اختلف البائع والمشتري في مقدار الثمن والمبيع غير مقبوض في القياس القول قول المشتري لأن البائع يدعي عليه زيادة في حقه وهو الثمن والمشتري منكر واليمين بالشرع في جانب المنكر والمشتري لا يدعي على البائع شيئا في الظاهر إذ المبيع صار مملوكا له بالعقد ولكن في الاستحسان يتخالفان لأن المشتري يدعي على البائع وجوب تسليم المبيع إليه عند إحضار أقل الثمنين والبائع منكر لذلك والبيع كما يوجب استحقاق الملك على البائع يوجب استحقاق اليد عليه عند وصول الثمن إليه ثم هذا الاستحسان لكونه قياسا خفيا يتعدى حكمه إلى الإجازة وإلى النكاح في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وإلى ما لو وقع الاختلاف بين الورثة بعد موت المتبايعين وإلى ما بعد هلاك السلعة إذا أخلف بدلا بأن قتل العبد المبيع قبل القبض ولو كان الاختلاف في الثمن بينهما بعد قبض المبيع فإن حكم التخالف عند قيام السلعة فيه يثبت بالنص بخلاف القياس فلا يحتمل التعدية حتى إذا كان بعد هلاك السلعة لا يجري التخالف سواء أخلف بدلا أو لم يخلف وفي الإجازة بعد استيفاء المعقود عليه لا يجري التخالف وإن كان الاختلاف بين الورثة بعد قبض السلعة لا يجري التخالف وقد يكون القياس الذي في مقابلة الاستحسان الذي قلنا أصله مستحسن ثابت بالأثر نحو ما قال في الصلاة وإذا نام في صلاته فاحتلم في القياس يغتسل ويبني كما إذا سبقه الحدث وذلك مستحسن بالأثر وفي الاستحسان لا يبني وفي هذا النوع المأخوذ به هو الاستحسان على كل حال لأنه في الحقيقة رجوع إلى القياس الأصلي ببيان يظهر به أن هذا ليس في معنى المعدول به من القياس الأصلي بالأثر من كل وجه فلو ثبت الحكم فيه كان بطريق التعدية والمعدول به عن القياس بالأثر لا يحتمل التعدية وذلك البيان أن الحدث الصغرى لا يحوجه إلى كشف العورة ولا إلى عمل كثير وتكثر البلوى فيه من الصلاة بخلاف الحدث الكبرى فإذا لم يكن في معناه من كل ما له كان إثبات الحكم فيه بطريق التعدية لا بالنص بعينه وذلك لا وجه له فتبين بجميع ما ذكرنا أن القول بالاستحسان لا يكون تخصيص العلة في شيء ولكن في اعتبار حدة العبادة اتباع الكتاب والسنة والعلماء من السلف وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وكثيرا ما كان يستعمل ابن مسعود هذه العبارة ومالك بن أنس في كتابه ذكر لفظ الاستحسان في مواضع وقال الشافعي رحمه الله أستحسن في المتعة ثلاثين درهما فعرفنا أنه لا طعن في هذه العبارة ومن حيث المعنى هو قول بانعدام الحكم عند انعدام العلة وأحد لا يخالف هذا فإنا إذا جوزنا دخول الحمام بأجر بطريق الاستحسان فإنما تركنا القول بالفساد الذي يوجبه القياس لانعدام علة الفساد وهو أن فساد العقد بسبب جهالة المعقود عليه ليس لعين الجهالة بل لأنها تفضي إلى منازعة مانعة عن التسليم والتسلم وهذا لا يوجد هنا وفي نظائره فكان انعدام الحكم لانعدام العلة لا أن يكون بطريق تخصيص العلة فصل في بيان فساد القول بجواز التخصيص في العلل الشرعية قال رضي الله عنه زعم أهل الطرد أن الذي يقولون بالعلل المؤثرة ويجعلون التأثير مصححا للعلل الشرعية لا يجدون بدا من القول بتخصيص العلل الشرعية وهو غلط عظيم كما نبينه وزعم بعض أصحابنا أن التخصيص في العلل الشرعية جائز وأنه غير مخالف لطريق السلف ولا لمذهب أهل السنة وذلك خطأ عظيم من قائله فإن مذهب من هو مرضي من سلفنا أنه لا يجوز التخصيص في العلل الشرعية ومن جوز ذلك فهو مخالف لأهل السنة مائل إلى أقاويل المعتزلة في أصولهم وصورة التخصيص أن المعلل إذا أورد عليه فصل يكون الجواب فيه بخلاف ما يروم إثباته بعلته يقول موجب علتي كذا إلا أنه ظهر مانع فصار مخصوصا باعتبار ذلك المانع بمنزلة العام الذي يخص منه بعض ما يتناوله بالدليل الموجب للتخصيص ثم من جوز ذلك قال التخصيص غير المناقضة لغة وشرعا وفقها وإجماعا
أما اللغة فلأن النقض إبطال فعل قد سبق بفعل نشأه كنقض البنيان والتخصيص بيان أن المخصوص لم يدخل في الجملة فكيف يكون نقضا ألا ترى أن ضد النقض البناء والتأليف وضد الخصوص العموم ومن حيث السنة التخصيص جائز في النصوص الشرعية من الكتاب والسنة والتناقض لا يجوز فيهما بحال ومن حيث الإجماع فالقياس الشرعي يترك العمل به في بعض المواضع بالنص أو الإجماع أو الضرورة وذلك يكون تخصيصا لا مناقضة ولهذا بقي ذلك القياس موجبا للعمل في غير ذلك الموضع والقياس المنتقض فاسد لا يجوز العمل به في موضع ومن حيث المعقول إن المعلل متى ذكر وصفا صالحا وادعى أن الحكم متعلق بذلك الوصف فيورد عليه فصل يوجد فيه ذلك الوصف ويكون الحكم بخلافه فإنه يحتمل أن يكون ذلك لفساد في أصل علته ويحتمل أن يكون ذلك لمانع منع ثبوت الحكم ألا ترى أن سبب وجوب الزكاة ملك النصاب النامي ثم يمتنع وجوب الزكاة بعد وجوده لمانع وهو انعدام حصول النماء بمضي الحول ولم يكن ذلك دليل فساد السبب والبيع بشرط الخيار يمنع ثبوت الملك به لمانع وهو الخيار المشروط لا لفساد أصل السبب وهو البيع فأما إذا قال هذا الموضع صار مخصوصا من علتي لمانع فقد ادعى شيئا محتملا فيكون مطالبا بالحجة فإن أبرز مانعا صالحا فقد أثبت ما ادعاه بالحجة فيكون ذلك مقبولا منه وإلا فقد سقط احتجاجه لأن المحتمل لا يكون حجة وبه فارق المدعي التخصيص في النص فإنه لا يطالب بإقامة الدليل على ما يدعي أنه صار مخصوصا مما استدل به من عموم الكتاب والسنة لأنه ليس فيما استدل به احتمال الفساد فكان جهة التخصيص متعينا فيه بالإجماع وهنا في علته احتمال الفساد فما لم يتبين دليل الخصوص فيما ادعى أنه مخصوص من علة لا ينتفي عنه معنى الفساد فلهذا لا يقبل منه ما لم يتبين المانع ثم جعل القائل الموانع خمسة أقسام ما يمنع أصل العلة وما يمنع تمام العلة وما يمنع ابتداء الحكم وما يمنع تمام الحكم وما يمنع لزوم الحكم وذلك يتبين كله حسا وحكما فمن حيث الحس يتبين هذا كله في الرمي فإن انقطاع الوتر أو انكسار فوق السهم يمنع أصل الفعل الذي هو رمي بعد تمام قصد الرامي إلى مباشرته وإصابة السهم حائطا أو شجرة ترده عن سننه يمنع تمام العلة بالوصول إلى المرمى ودفع المرمي إليه عن نفسه بترس يجعله أمامه يمنع ابتداء الحكم الذي يكون الرمي لأجله بعد تمام العلة بالوصول إلى المقصد وذلك الجرح والقتل ومداواته الجراحة بعدما أصابه حتى اندمل وبرأ يمنع تمام الحكم وإذا صار به صاحب فراش ثم تطاول حتى أمن الموت منه يمنع لزوم الحكم بمنزلة صاحب الفالج إذا تطاول ما به وأمن الموت منه كل بمنزلة الصحيح في تصرفاته وفي الحكميات إضافة البيع إلى الحر يمنع انعقاد أصل العلة وإضافته إلى مال الغير يمنع انعقاد تمام العلة في حق المالك حتى تيعين جهة البطلان فيه بموته واشتراط الخيار من المالك لنفسه في البيع يمنع ابتداء الحكم وثبوت خيار الرؤية للمشتري يمنع تمام الحكم حتى لا تتم الصفقة بالقبض معه وثبوت خيار العيب يمنع لزوم الحكم حتى يتمكن من رده بعد تمام الصفقة بالقبض والحجة لعلمائنا في إبطال القول بتخصيص العلة الإستدلال بالكتاب والمعقول والبيان الذي لا يمكن إنكاره
أما الكتاب فقوله تعالى قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ففيه مطالبة الكفار ببيان العلة فيما ادعوا فيه الحرمة على وجه لا مدفع لهم فصاورا محجوجين به وذلك الوجه أنهم إذا بينوا أحد هذهه المعانى أن الحرمة لأجله انتقض عليهم بإقرارهم بالحل في الموضع الآخر مع وجود ذلك المعنى فيه ولو كان التخصيص في علل الأحكام الشرعية جائزا ما كانوا محجوجين فإن أحدا لا يعجز من أن يقول امتنع ثبوت حكم الحرمة في ذلك الموضع لمانع وقد كانوا عقلاء يعتقدون الحل في الموضع الآخر لشبهة أو معنى تصور عندهم وفي قوله تعالى نبئوني بعلم إشارة إلى أن المصير إلى تخصيص العلل الشرعية ليس من العلم في شيء فيكون جهلا وأما المعقول فلأن العلل الشرعية حكمها التعدية كما قررنا وبدون التعدية لا تكون صحيحة أصلا لأنها خالية عن موجبها وإذا جاز قيام المانع في بعض المواضع الذي يتعدى الحكم إليه بهذه العلة جاز قيامه في جميع المواضع فيؤدى إلى القول بأنها علة صحيحة من غير أن يتعدى الحكم بها إلى شيء من الفروع وقد أثبتنا فساد هذا القول بالدليل ثم إن كان تعدية الحكم بها إلى فرع دليل صحتها فانعدام الحكم بها إلى فرع آخر توجد فيه تلك العلة دليل فسادها ومع مساواة دليل الصحة والفساد لا تثبت الحجة الشرعية موجبة للعمل يقرره أن المانع الذى يدعى في الموضع المخصوص لا بد أن يكون ثابتا بمثل ما ثبتت به العلة الموجبة للحكم لأنه إذا كان دونه لا يصلح دافعا له ولا مانعا لحكمه وإذا كان مثلا له فذلك المانع يمكن تعليله بعلة توجب تعدية حكم النفى إلى سائر الفروع مثل الأصل الذي علله المعلل بما أشار إليه من الوصف لإثبات الحكم فيه فتحقق المعارضة بينهما من هذا الوجه وأى مناقضة أبين من التعارض على وجه المضادة بصفة التساوى ثم قد بينا فيما سبق أن دليل الخصوص يشبه النسخ بصيغته والإستثناء بحكمه فإنه مستقل بنفسه كدليل النسخ ولا يكون ذلك إلا مقارنا معنى كالإستثناء وواحد من هذين الوجهين لا يتحقق في العلل فإن نسخ العلة بالعلة لا يجوز والخصم يجوز أن يكون المانع علة مثل العلة التى يدعى تخصيصها وكيف يجوز النسخ والعلة فيما احتمال الفساد لكونها مستنبطة بالرأى فإذا ظهر ما يمنع العمل بها أصلا تتعين جهة الفساد فيها بخلاف النص فإنه لا يحتمل جهة الفساد فالنسخ يكون بيانا لمدة العمل به ولهذا نوع بيان آخر فإن الخصوص يتبين أنه معمول به في بعض المحال دون البعض وذلك إنما يجوز فيما يجوز القول فيه بالنسخ مع صحته حتى يقال إنه معمول به في بعض الأوقات دون البعض والإستثناء إنما يكون في العبارات ليتبين به أن الكلام عبارة عما وراء المستثنى وذلك لا يتحقق في المعانى الخالصة فيتبين بما ذكرنا أن القول بالتخصيص مستقيم في النصوص من حيث إن بدليل الخصوص لا تتمكن شبهة الفساد في النص بوجه بل يتبين أن اسم النص لم يكن متناولا للموضع المخصوص مع كون العام صحيحا موجبا للعمل قطعا قبل قيام دليل الخصوص فمن جوز تخصيص العلة لا يجد بدا من القول بتصويب المجتهدين أجمع وعصمة الإجتهاد عن احتمال الخطأ والفساد كعصمة النص من ذلك وهذا تصريح بأن كل مجتهد مصيب لما هو الحق حقيقة وأن الاجتهاد يوجب علم اليقين وفيه قول بوجوب الأصلح وفيه من وجه آخر قول بالمنزلة بين المنزلتين وبالخلود في النار لأصحاب الكبائر إذا ماتوا قبل التوبة فهذا معنى قولنا إن في القول بجواز تخصيص العلة ميلا إلى أصول المعتزلة من وجوه ولكنا نقول انعدام الحكم لا يكون إلا بعد نقصان وصف أو زيادة وصف وهو الذي يسمونه مانعا مخصصا وبهذه الزيادة والنقصان تتغير العلة لا محالة فيصير ما هو علة الحكم منعدما حكما وعدم الحكم عند انعدام العلة لا يكون من تخصيص العلة في شيء
وبيان هذا أن الموجب للزكاة شرعا هو النصاب النامي الحولي عرف بقوله عليه السلام ( لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول ) والمراد نفي الوجوب والعلل الشرعية لا توجب الحكم بذواتها بل بجعل الشرع إياها موجبة على ما بينا أن الموجب هو الله تعالى والإضافة إلى العلة لبيان أن الشرع جعلها موجبة تيسيرا علينا فإذا كانت بهذا الوصف موجبة شرعا عرفنا أن عند انعدام هذا الوصف ينعدم الحكم لانعدام العلة الموجبة ولا يلزمنا جواز الأداء لأن العلة الموجبة غير العلة المجوزة للأداء وقد قررنا هذا فيما سبق أن الجزء الأول من الوقت مجوز أداء الصلاة فرضا وإن لم يكن موجبا للأداء عينا مع أن هذا الوصف مؤثر فإن النماء الذي هو مقصود إنما يحصل بمضي المدة ألا ترى أن الوجوب يتكرر بتكرر الحول لتجدد معنى النماء بمضي كل حول وكذلك البيع بشرط الخيار فإن الموجب للملك شرعا البيع المطلق ومع شرط الخيار لا يكون مطلقا بل بهذه الزيادة يصير البيع في حق الحكم كالمتعلق بالشرط وقد بينا أن المتعلق بالشرط غير المطلق ولصفة الإطلاق تأثير أيضا فإن الموجب للملك بالنص التجارة عن تراض وتمام الرضا يكون عند إطلاق الإيجاب لا مع شرط الخيار فظهر أن العلة تنعدم بزيادة وصف أو نقصان وصف وهو الحاصل الذي يجب مراعاته فإنهم يسمون هذا المعنى المغير مانعا مخصصا فيقولون انعدام الحكم مع بقاء العلة بوجود مانع وذلك تخصيص كالنص العام يلحقه خصوص فيبقى نصا فيما وراء موضع الخصوص ونحن نقول تنعدم العلة حين ثبت المغير فينعدم الحكم لانعدام العلة وهذا في العلل مستقيم بخلاف النصوص فإن بالنص الخاص لا ينعدم النص العام وعلى هذا الطريق ما استحسنه علماؤنا من القياس في كتبهم فإن الاستحسان قد يكون بالنص وبوجود النص تنعدم العلة الثابتة بالرأي لأنه لا معتبر بالعلة أصلا في موضع النص ولا في معارضة حكم النص وكذلك الاستحسان إذا كان بسبب الإجماع لأن الإجماع كالنص من كتاب أو سنة في كونه موجبا العلم وكذلك ما يكون عن ضرورة فإن موضع الضرورة مجمع عليه أو منصوص عليه ولا يعتبر بالعلة في موضع النص فكان انعدام الحكم في هذه المواضع لانعدام العلة وكذلك إذا كان الاستحسان بقياس مستحسن ظهر قوة أثره لما بينا أن الضعيف في معارضة القوي معدوم حكما وبيان ما ذكرنا في أن النائم إذا صب في حلقه ماء وهو صائم لم يفسد صومه على قول زفر لأنه معذور كالناسي أو أبلغ منه وفسد صومه عندنا لفوات ركن الصوم والعبادة لا تتأدى بدون ركنها فيلزم على هذا الناسي فمن يجوز تخصيص العلة يقول انعدم الحكم هناك لوجود مانع وهو الأثر فكان مخصوصا من هذه العلة بهذا الطريق مع بقاء العلة ونحن نقول انعدم الحكم في الناسي لانعدام العلة حكما فإن النسيان لا صنع فيه لأحد من العباد وقد ثبت بالنص أن الله تعالى أطعمه وسقاه وصار فعله في الأكل ساقط الاعتبار وتفويت الركن إنما يكون بفعل الأكل فإذا لم يبق فعله في الأكل شرعا كان ركن الصوم قائما حكما وإنما لم يحصل الفطر هنا لانعدام العلة الموجبة للفطر ثم النائم ليس في معناه لأن الفعل الذي يفوت به ركن الصوم مضاف إلى العباد هنا فيبقى معتبرا مفوتا ركن الصوم بخلاف إذا كان مضافا إلى من له الحق وكذلك قلنا إن المغصوب يصير مملوكا للغاصب عند تقرر الضمان عليه لأن بهذا السبب لما تقرر الملك في ضمان القيمة وهو حكم شرعى فيقرر الملك فيما يقابله فيلزم على هذا فصل المدبر من حيث إنه يتقرر الملك في قيمته للمغصوب منه ولا يثبت الملك في المدبر للغاصب فمن يرى تخصيص العلة يقول امتنع ثبوت الحكم في المدبر مع وجود العلة لمانع وهو أنه غير محتمل للنقل من ملك إلى ملك
ونحن نقول انعدمت العلة الموجبة للملك في المدبر فينعدم الحكم لانعدام العلة وهذا لأن العلة تقرر الملك في قيمة هي بدل عن العين وقيمة المدبر ليس ببدل عن عينها لأن شرط كون القيمة بدلا عن العين أن تكون العين محتملا للتمليك وذلك لا يوجد في المدبر لأن المدبر جرى فيه عتق من وجه والعتق في المحل يمنع وجوب قيمة العين بسبب الغصب ولكن الضمان واجب باعتبار الجناية التى تمكنت من الغاصب بتفويت يده لأن مع جريان العتق فيه من وجه قد بقيت اليد والمالية مستحقة للمالك فإن انعدام ذلك يعتمد ثبوت العتق في المحل من كل وجه فعرفنا أنه إنما انعدم الحكم لانعدام العلة بوجود ما يغيرها وكذلك إذا قلنا في الزنا إنه ثبتت به حرمة المصاهرة لأن ثبوت الحرمة في الأصل باعتبار الولد الذي يتخلق من الماءين فيصير بواسطة الولد أمهاتها وبناتها في حقه كأمهاته وبناته وأبناؤه وآباؤه في حقها كآبائها وأبنائها ثم الوطء في محل الحرث سبب لحصول هذا الولد فيقام مقامه ويلزم على هذا أنه لا يتعدى الحرمة إلى الأخوات والعمات والخالات من الجانبين فمن يقول بتخصيص العلة يقول امتنع ثبوت الحكم مع قيام العلة في هذه المواضع للنص أو الإجماع ونحن نقول إنما انعدم الحكم لانعدام العلة لأن في النص الموجب لحرمة المصاهرة ذكر الأمهات والبنات والآباء والأبناء خاصة فامتداد الحرمة إلى الأخوات والعمات والخالات يكون تغييرا وإثباتا احرمة أخرى لأن المقصود غير الممتد وإنما يعلل المنصوص ولا يجوز تبديل المنصوص بالتعليل فكان انعدام الحكم في هذه المواضع لانعدام العلة لا لمانع مع قيام العلة وكذلك إن ألزم أن الموطوءة لا تحرم على الواطىء بواسطة الولد والقرب بينهما أمس فالتخريج هكذا أنه إنما انعدم الحكم هناك لانعدام العلة باعتبار مورد النص كما قررنا وهذا أصل كبير وفقه عظيم من ترك التعنت وتأمل عن إنصاف يخرج له جميع ما لم يذكر بما هو من نظائر ما ذكرنا عليه وعمدة هذا الفقه معرفة الخصوص فإن النصين إذا كان أحدهما عاما والآخر خاصا فالعام لا ينعدم بالخاص حقيقة ولا حكما وليس في واحد من النصين توهم الفساد فعرفنا أن الخاص كان مخصصا للموضع الذى تناوله من حكم العام مع بقاء العام حجة فيما وراء ذلك وإن تمكن فيه نوع شبهة من حيث إنه صار كالمستعار فيما هو حقيقة حكم العام فأما العلة وإن كانت مؤثرة ففيها احتمال الفساد والخطأ وهي تحتمل الإعدام حكما فإذا جاء ما يغيرها جعلناها معدومة حكما في ذلك الموضع ثم انعدم الحكم لانعدام العلة ولا يكون فيها شيء من معنى التناقض ولا يكون من التخصيص في شيء والله أعلم باب وجوه الإحتجاج بما ليس بحجة مطلقا قال رضى الله عنه فهذا الباب يشتمل على فصول فالذي نبدأ به الإحتجاج بلا دليل فإن العلماء اختلفوا فيه على أقاويل قال بعضهم لا دليل حجة للنافى على خصمه ولا يكون حجة للمثبت وقال بعضهم هي حجة دافعة لا موجبة والذي دل عليه مسائل الشافعي رحمه الله أنها حجة دافعة لإبقاء ما ثبت بدليله لا لإثبات ما لم يعلم ثبوته بدليله والذى دل عليه مسائل أصحابنا أن هذا في حق الله تعالى فأما في حق العباد لا تكون هي حجة لأحد الخصمين على الآخر في الدفع ولا في الإيجاب لا في الإبقاء ولا في الإثبات ابتداء
فأما الفريق الأول احتجوا وقالوا أقوى المناظرة ما يكون في إثبات التوحيد وفي أمور النبوة فقد علمنا الله تعالى الاحتجاج بلا دليل على نفي الشرك بقوله ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجادل المشركين في إثبات نبوته وكانوا ينفون ذلك وهو يثبت ثم كانوا لا يطالبون على هذا النفي بشيء فوق قولهم لا دليل على نبوته واشتغل بعد جحودهم بإثبات نبوته بالآيات المعجزة والبراهين القاطعة فعرفنا بهذا أن لا دليل حجة للنافي على خصمه إلى أن يثبت الخصم ما يدعي ثبوته بالدليل وهذا لأن النافي إنما لا يطالب بدليل لكونه متمسكا بالأصل وهو عدم الدليل الموجب أو المانع والمحرم أو المبيح ووجوب التمسك بالأصل إلى أن يظهر الدليل المغير له طريق في الشرع ولهذا جعل الشرع البينة في جانب المدعي لا في جانب المنكر لأنه متمسك بالأصل وهو أنه لا حق للغير في ذمته ولا في يده وذلك حجة له على خصمه في الكف عن التعرض له ما لم يقم الدليل وأيد ما ذكرنا قوله تعالى قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما الآية فقد علم نبيه عليه السلام الاحتجاج بعدم الدليل الموجب للحرمة على الذين كانوا يثبتون الحرمة في أشياء كالسائبة والوصيلة والحام والبحيرة فثبت بهذا أن لا دليل حجة للنافي على خصمه وهذا الذي ذهبوا إليه غير موافق لشيء من العلل المنقولة عن السلف في نفي الحكم وإثباته وهو ينتهي إلى الجهل أيضا فإنا نقول لهذا القائل لا دليل على الإثبات عندك أو عند غيرك فإن خصمك يدعي قيام الدليل عنده وكما أن دعواه الدليل عنده لا يكون حجة عليك حتى تبرزه فدعواك عليه أن لا دليل عندي لا يكون حجة عليه وإن قلت لا دليل عندي فهذا إقرار منك بالجهل والتقصير في الطلب فكيف يكون حجة على غيرك وإن انعدم منك التقصير في الطلب فأنت معذور إذا لم تقف على الدليل وعذرك لا يكون حجة على الغير أصلا ألا ترى أن في زمان النبي عليه السلام كان الناسخ ينزل فيبلغ ذلك بعض الناس دون البعض ومن لم يبلغه يكون معذورا في العمل بالمنسوخ ولا يكون ذلك حجة له على غيره فإن قيل قولكم هذا غير موافق لتعليل السلف فاسد وقد قال أبو حنيفة رضي الله عنه لا خمس في العنبر لأن الأثر لم يرد به وهذا احتجاج بلا دليل قلنا هذا أن لو ذكر هذا اللفظ على سبيل الاحتجاج على من يوجب فيه الخمس وليس كذلك بل إنما ذكره على وجه بيان العذر لنفسه ثم علل فيه بعلة مؤثرة في موضع الاحتجاج على الغير على ما ذكر محمد رحمه الله فإنه قال لا خمس في اللؤلؤ والعنبر قلت لم قال لأنه بمنزلة السمك قلت وما بال السمك لا يجب فيه الخمس قال لأنه بمنزلة الماء وهو إشارة إلى مؤثر فإن الأصل في الخمس الغنائم وإنما يوجب الخمس فيما يصاب مما كان أصله في يد العدو ووقع في يد المسلمين بإيجاف الخيل والركاب فيكون في معنى الغنيمة والمستخرج من البحار لم يكن في يد العدو قط لأن قهر الماء مانع قهرا آخر على ذلك الموضع ثم القياس أن لا يجب الخمس في شيء وإنما أوجب الخمس في بعض الأموال بالأثر فبين أن ما لم يرد فيه الأثر يؤخذ فيه بأصل القياس وهذا لا يكون احتجاجا بلا دليل
ثم نقول لهذا القائل إنك بهذه المقالة تثبت شيئا لا محالة وهو صحة اعتقادك أن لا دليل يوجب إثبات الحكم في هذه الحادثة فعليك الدليل لإثبات ما تدعي صحته عندك ولا دليل على خصمك لأنه ينفي صحة اعتقادك هذا ولا دليل على النافي بزعمك ثم قولك لا دليل شيء تقوله عن علم أو لا عن علم فإن زعمت أنك تقوله عن علم فالعلم الذي يحدث للمرء لا يكون إلا بدليل وإن زعمت أنك تقوله لا عن علم فقد نهيت عن ذلك قال تعالى وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون وقال تعالى بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه جعلناه هكذا لأنه يتعذر اعتبار معنى التخيير فيه للنفي في أحد الجانبين ويتعذر إثبات معنى العطف لعدم المجانسة بين المذكورين فيجعل بمعنى الغاية لأن حرمة الدخول الثابت باليمين يحتمل الامتداد فيليق به ذكر الغاية كما في قوله تعالى ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم فإنه لا يمكن حمل الكلمة على العطف إذ الفعل لا يعطف على الاسم والمستقبل لا يعطف على الماضي ونفي الأمر يحتمل الامتداد فيجعل قوله أو يتوب بمعنى الغاية ولأنه نفى الدخول في الدار الأولى فإذا دخل فيها أولا يجعل كأن المذكور آخرا من جنسه نفى فيحنث بالدخول فيها لهذا وأثبت الدخول في الدار الثانية فإذا دخلها أولا يجعل كأن الأخير من جنسه إثبات كما في قوله لأدخلن هذه الدار أو لأدخلن هذه الدار فصل