Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh)
الأمر ليس كما توهمتم فإن إلقاء شبه المسيح على غيره غير مستبعد في القدرة ولا في الحكمة بل فيه حكمة بالغة وهو دفع شر الأعداء عن المسيح فقد كانوا عزموا على قتله وفي هذا دفع عنه مكروه القتل بوجه لطيف ولله لطائف في دفع الأذى عن الرسل عليهم السلام والذين قصدوه بالقتل قد علم الله منهم أنهم لا يؤمنون به فألقى شبهه على غيره على سبيل الاستدراج لهم ليزدادوا طغيانا ومرضا إلى مرضهم ومثل ذلك لا يتوهم في حق قوم يأتون الرسل ليؤمنوا به ويتعظوا بوعظه فظهر أن الفاسد قول من يقول بأن هذا يؤدي إلى إبطال المعارف والتكذيب بالرسل ويرد ظاهر قوله تعالى ولكن شبه لهم وبيان أن هذا غير مستبعد ظهر إبليس عليه اللعنة مرة في صورة شيخ من أهل نجد ومرة في صورة سراقة بن مالك وكلم المشركين فيما كانوا هموا به في باب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه نزل قوله تعالى وإذ يمكر بك الذين كفروا في القدرة غير مشكل فإن إلقاء الشبه دون إيجاد الأصل لا محالة وقد الآية ورأت عائشة رضي الله عنها دحية الكلبي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أخبرته بذلك قال كان معي جبريل عليه السلام ورأى ابن عباس رضي الله عنهما جبريل أيضا في صورة دحية الكلبي ورأته الصحابة حين أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة أعرابي ثائر الرأس يسأله معالم الدين فعرفنا أن مثل هذا غير مستبعد في زمن الرسل وأرى الله تعالى المشركين في أعين المسلمين قليلا يوم بدر مع كثرة عددهم لأنه لو أراهم كثرتهم وعدتهم لامتنعوا من قتالهم فأراهم بصفة القلة حتى رغبوا في قتالهم وقتلوهم كما قال تعالى ليقضي الله أمرا كان مفعولا فعرفنا أن مثله غير مستبعد فأما نقل المجوس ما نقلوه عن زرادشت فذلك كله تخييلات بمنزلة فعل المشعوذين أو لعب النساء والصبيان إلا ما ينقل أنه أدخل قوائم فرس الملك كشتاسب في بطنه ثم أخرجه وهذا إنما ينقل أنه فعله في مجلس الملك بين يدي خواصه وأولئك يتصور منهم الاجتماع على الكذب فلا يثبت ( به ) النقل المتواتر كيف وقد روي أن الملك لما اختبره وعلم خبثه ودهاءه وواطأه على أن يؤمن به ويجعل هو أحد أركان دينه دعاه الناس إلى تعظيم الملوك وتحسين أفعالهم ومراعاة حقوقهم في كل حق وباطل ويكون هو من ورائه بالسيف يجبر الناس على الدخول في دينه وحملهم على هذه المواطأة حاجتهم إلى ذلك فإنه لم يكن لذلك الملك بيت قديم في الملك فكان الناس لا يعظمونه فاحتالوا بهذه الحيلة ثم نقلوا عنه أمورا بعد ذلك بين يدي الملك وخاصته وكل ذلك كذب لا أصل له فإن قيل مثل هذه المواطأة لا تنكتم عادة فكيف انكتم في ذلك الوقت حتى اتفقوا على الإيمان به وكذلك من بعدهم إلى زمان طويل وجعلوا ينقلون ذلك نقلا متواترا قلنا إنما لا تنكتم المواطأة التي تكون بين جمع عظيم فأما ما يكون بين الملك وخواصه تنكتم فإنهم رصد لحفظ الأسرار وإنما يخصهم الملك بهذا الشرط لأن تدبير الملك لا يتم مستويا إلا بحفظ الأسرار وهذا معروف في عادة أهل كل زمان أن المواطأة التي تكون بين الملك وخواصه لا تظهر للعوام فعرفنا أنه لا يوجد النقل الموجب لعلم اليقين في شيء من هذه الأخبار فأما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم فقد كانوا من قبائل مختلفة وكانوا عددا لا يتوهم اجتماعهم وتواطؤهم على الاختراع عادة لكثرتهم فعرفنا أن ما نقلوه عنه بمنزلة المسموع منه في كونه موجبا علم اليقين لأنه لما انتفى تهمة احتمال المواطأة تعين جهة السماع
فإن قيل مع هذا توهم الاتفاق على الكذب غير منقطع لأنه ليس شرط التواتر اجتماع أهل الدنيا وإذا اجتمع أهل بلدة أو عامتهم على شيء يثبت به التواتر كيف وقد نقل الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه وهم كانوا عسكره لما تحقق منهم الاجتماع على صحبته مع تباين أمكنتهم فذلك يوهم الاتفاق منهم على نقل ما لا أصل له قلنا مثل هذا الاتفاق من الجمع العظيم خلاف العادة وهو نادر غاية وعادة والبناء على ما هو معتاد البشر ألا ترى أن المعجزات توجب العلم بالنبوة قطعا لكونها خارجة عن حد معتاد البشر ولو أن واحدا قال في زماننا صعدت السماء وكلمت الملائكة نقطع القول بأنه كاذب لكون ما يخبر به خارجا عما هو المعتاد والتوهم بعد ذلك غير معتبر ولهذا قلنا لو شهد شاهدان على رجل أنه طلق امرأته يوم النحر بمكة وآخران أنه أعتق عبده في ذلك اليوم بعينه بكوفة لا تقبل الشهادة لأن كون الإنسان في يوم واحد بمكة وكوفة مستحيل عادة فيسقط ما وراءه من التوهم يوضحه أنه لو كان هنا توهم الاتفاق على الكذب لظهر ذلك في عصرهم أو بعد ذلك إذا تطاول الزمان فقد كانوا ثلاثين ألفا أو أكثر والمواطأة فيما بين مثل هذا الجمع العظيم لا ينكتم عادة بل يظهر كيف وقد اختلط بهم المنافقون وجواسيس الكفرة كما قال تعالى وفيكم سماعون لهم وقد كان في المسلمين أيضا من يلقي إلى الكفار بالمودة ويظهر لهم سر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحرب وغيره والإنسان يضيق صدره عن سره حتى يفشيه إلى غيره ويستكتمه ثم السامع يفشيه إلى غيره حتى يصير ظاهرا عن قريب فلو كان هنا توهم المواطأة لظهر ذلك فالقول بأنه كان بينهم مواطأة وانكتم أصلا شبه المحال وهو بمنزلة قول من يزعم أن الكفار عارضوا القرآن بمثله ثم انكتم ذلك فإن هذا الكلام بالاتفاق بين المسلمين شبه المحال لأن النبي عليه السلام تحداهم في محافلهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن أو سورة منه فلو قدروا على ذلك لما أعرضوا عنه إلى بذل النفوس والأموال والحرم في غزواته ولو عارضوه به لما خفي ذلك فقد كان المشركون يومئذ أكثر من المسلمين ولو لم يظهر الآن فيما بين المسلمين لظهر في ديار الشرك إذ لا خوف لهم وتلك المعارضة حجة لهم لو كانت والإنسان على نقل الحجة يكون أحرص منه على نقل الشبهة كيف وقد نقلت كلام مسليمة ومخاريق المتنبئين من غير أن يكون لشيء من ذلك أصل فكما تبين بهذا التقرير انقطاع توهم المعارضة وكون القرآن حجة موجبة للعلم قطعا فكذلك ينقطع هذا التوهم في المتواتر من الأخبار فإن قيل لكونه خلاف العادة أثبتنا علم طمأنينة القلب به ولكون الاتفاق متوهما لم نثبت به علم اليقين كما ذكرنا من حال من رأى آثار الموت في دار إنسان وأخبر بموته
قلنا طمأنينة القلب في الأصل إنما تكون بمعرفة حقيقة الشيء فإن امتنع ثبوت ذلك في موضع فذلك لغفلة من الناظر حيث اكتفى بالظاهر ولو تأمل وجد في طلب الباطن لظهر عنده التلبيس والفساد كما يكون في حق المخبر بموت الميت وإنما تتحقق هذه الغفلة في موضع يكون وراء ما غايته حد آخر بمنزلة ما يراه النائم في منامه فإن عنده أن ما يراه هو الحقيقة في ذلك الوقت ولكن لما كان وراء هذا الحد حد آخر للمعرفة فوقه وهو ما يكون في حالة اليقظة فباعتبار هذه المقابلة يظهر أن ما يراه في النوم لم يكن موجبا للمعرفة حقيقة فأما هنا ليس وراء الطمأنينة الثابتة بخبر التواتر حد آخر للعلم فوقه على ما بينا أن الثابت بخبر التواتر والثابت بالمعاينة في وقوع العلم به سواء فالموجب للعلم هنا معنى في قوة الدليل وهو انقطاع توهم المواطأة ومثل هذا كلما ازداد المرء التأمل فيه ازداد يقينا فالتشكيك فيه يكون دليل نقصان العقل بمنزلة التشكيك في حقائق الأشياء المحسوسة والطمأنينة التي تكون باعتبار كمال العقل تكون عبارة عن معرفة الشيء حقيقة لا محالة وبهذا يتبين فساد قولهم إنه ليس في الجماعة إلا اجتماع الأفراد لأن مثل هذه الطمأنينة لا تثبت بخبر الفرد وتوهم الكذب في ذلك الخبر غير خارج عن حد المعتاد ثم هذا باطل فإن الواحد منا يمكنه أن يتكلم بحروف الهجاء كلها وهل لقائل أن يقول لقدرته على ذلك يتوهم منه أن يأتي بمثل القرآن ففيه تلك الحروف بعينها وكذلك الغبي منا يمكنه أن يتكلم بكل حكمة من شعر امرىء القيس وغيره ثم لا يقول أحد إنه لقدرته على ذلك يقدر على ( إنشاء ) قصيدة مثل تلك القصيدة وقد يتكلم الإنسان عن ظن وفراسة فيصيب مرة ثم لا يقول أحد إنه يصيب في كل ما يتكلم ( به ) بهذا الطريق اعتبارا للجملة بالفرد واتفاق مثل هذا الجمع على الصدق كان بجامع جمعهم عليه وهو دعاء الدين والمروءة على الصدق وإنما تدعي انقطاع توهم اتفاقهم مع اختلاف الطبائع والأهواء من غير جامع يجمعهم على ذلك فأما عند وجود الجامع فهو موافق للمعتاد فإن قيل لو تواتر الخبر عند القاضي بأن الذي في يد زيد ملك عمرو لم يقض له بالملك بدون إقامة البينة ولو ثبت له علم اليقين بذلك لتمكن من القضاء به قلنا هذا أولا يلزم الخصم فإنه يثبت علم طمأنينة القلب بخبر التواتر وبه يتمكن من القضاء لأن بشهادة الشاهدين لا يثبت فوق ذلك فأما عندنا فيحتمل أن يقال بأنه يقضي لأنه مأمور شرعا بأن يقضي بالعلم ويحتمل أن لا يقضي بمنزلة ما لو صار معلوما له بمعاينة السبب قبل أن يقلد القضاء فيما ثبت مع الشبهات وفيما يندرىء بالشبهات من الحدود التي هي لله تعالى وإن صار معلوما له بعدما قلد القضاء لم يقض به ما لم تشهد الشهود وعلم اليقين يثبت له بمعاينة السبب لا محالة ألا ترى أن الشاهد لو قال أخبر لم يجز للقاضي أن يقضي بقوله وفيما يرجع إلى العلم لا فرق بين قوله أشهد وبين قوله أخبر فعرفنا أن في باب القضاء تعتبر الشرائط سوى العلم بالشيء ليتمكن القاضي من القضاء به ثم المذهب عند علمائنا أن الثابت بالمتواتر من الأخبار علم ضروري كالثابت بالمعاينة وأصحاب الشافعي يقولون الثابت به علم يقين ولكنه مكتسب لا ضروري بمنزلة ما يثبت من العلم بالنبوة عند معرفة المعجزات فإنه علم يقين ولكنه مكتسب لا ضروري وهذا لأن فيما يكون ضروريا لا يتحقق الاختلاف فيما بين الناس وإذا وجدنا الناس مختلفين في ثبوت علم اليقين بالخبر المتواتر عرفنا أنه مكتسب
ولكنا نقول هذا فاسد فإنه لو كان طريق هذا العلم الاكتساب لاختص به من يكون من أهل الاكتساب ورأينا أنه لا يختص هذا العلم بمن يكون من أهل الاكتساب فكل واحد منا في صغره كان يعلم أباه وأمه بالخبر كما يعلمه بعد البلوغ ولو كان طريقه الاكتساب لتمكن المرء من أن يترك هذا الاكتساب فلا يقع له العلم وبالاتفاق العلم الذي يحصل بخبر التواتر لا يتمكن المرء من دفعه بكسب يباشره أو بالامتناع من اكتسابه فعرفنا أنه ثابت ضرورة فأما المعجزة فهناك يحتاج إلى ( أن ) تميز المعجزة من المخرقة وتمييز ما يكون في حد مقدور البشر مما يكون خارجا من ذلك ولا طريق إلى هذا التمييز إلا بالاستدلال فعرفنا أن العلم الثابت به طريقه طريق الاستدلال وقد بينا أنه لا خلاف بين من لهم عقول كاملة في العلم الواقع بخبر المتواتر وإنما الاختلاف ناشىء من نقصان العقل لبعض الناس وترك التأمل وذلك دليل وسواس يعتري بعض الناس كما يكون في المعلوم بالحواس وبالاتفاق لا يعتبر هذا الاختلاف في المعلوم بالحواس ويكون العلم الواقع به ضروريا فكذلك في المعلوم بخبر التواتر ثم اختلف مشايخنا فيما هو متواتر الفرع آحاد الأصل من الأخبار وهو الذي تسميه الفقهاء في حيز التواتر والمشهور من الأخبار فكان أبو بكر الرازي رحمه الله يقول هذا أحد قسمي المتواتر على معنى أنه يثبت به علم اليقين ولكنه علم اكتساب كما قال أصحاب الشافعي في القسم الآخر وكان عيسى بن أبان رحمه الله يقول لا يكون المتواتر إلا ما يوجب العلم ضروريا فأما النوع الثاني فهو مشهور وليس بمتواتر وهو الصحيح عندنا وبيان هذا النوع في كل حديث نقله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدد يتوهم اجتماعهم على الكذب ولكن تلقته العلماء بالقبول والعمل به فباعتبار الأصل هو من الآحاد وباعتبار الفرع هو متواتر وذلك نحو خبر المسح على الخفين وخبر تحريم المتعة بعد الإباحة وخبر تحريم نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها وخبر حرمة التفاضل في الأشياء الستة وما أشبه ذلك أما أبو بكر الرازي كان يقول لما تواتر نقل هذا الخبر إلينا من قوم لا يتوهم اجتماعهم على الكذب فقد أوجب لنا ذلك علم اليقين وانقطع به توهم الاتفاق في الصدر الأول لأن الذين تلقوه بالقبول والعمل به لا يتوهم اتفاقهم على القبول إلا بجامع جمعهم على ذلك وليس ذلك إلا تعين جانب الصدق في الذين كانوا أهلا من رواته ولكن إنما عرفنا هذا بالاستدلال فلهذا سمينا العلم الثابت به مكتسبا وإن كان مقطوعا به بمنزلة العلم بمعرفة الصانع ألا ترى أن النسخ يثبت بمثل هذه الأخبار فإنه يثبت بها الزيادة على كتاب الله تعالى والزيادة على النص نسخ ولا يثبت نسخ ما يوجب علم اليقين إلا بمثل ما يوجب علم اليقين وجه قول عيسى أن ما يكون موجبا علم اليقين فإنه يكفر جاحده كما في المتواتر الذي يوجب العلم ضرورة وبالاتفاق لا يكفر جاحد المشهور من الأخبار فعرفنا أن الثابت به علم طمأنينة القلب لا علم اليقين وهذا لأنه وإن تواتر نقله من الفريق الثاني والثالث فقد بقي فيه شبهة توهم الكذب عادة باعتبار الأصل فإن رواته عدد يسير وعلم اليقين إنما يثبت إذا اتصل بمن هو معصوم عن الكذب على وجه لا يبقى فيه شبهة الانفصال وقد بقي هنا شبهة الانفصال باعتبار الأصل فيمنع ثبوت علم اليقين به يقرره أن العلم الواقع لنا بمثل هذا النقل إنما يكون قبل التأمل في شبهة الانفصال فأما عند التأمل في هذه الشبهة يتمكن نقصان فيه فعرفنا أنه علم طمأنينة فأما العلم الواقع بما هو متواتر بأصله وفرعه فهو يزداد قوة بالتأمل فيه ثم قد بينا أن التفاوت يظهر عند المقابلة فإذا لم يكن وراء القسم الأول حد آخر عرفنا أن الثابت به علم ضرورة ولما كان وراء القسم الثاني حد آخر عرفنا أن الثابت به علم طمأنينة
ولكن مع هذا تجوز الزيادة على النص بهذا النوع من الأخبار لأن العلماء لما تلقته بالقبول والعمل به كان دليلا موجبا فإن الإجماع من العصر الثاني والثالث دليل موجب شرعا فلهذا جوزنا به الزيادة على النص ولكن مع هذا بقي فيه شبهة توهم الانفصال فلا يكفر جاحده وما هذا إلا نظير ما تقدم بيانه فإن العلم بكون المسيح عليه السلام مبعوثا إلى بني إسرائيل ثابت بالنقل المتواتر أصلا وفرعا على وجه لم يبق فيه توهم الشبهة لأحد ثم بنقلهم المتواتر أنه قتل أو صلب لا يثبت العلم لأن ذلك آحاد الأصل متواتر الفرع كما قررنا فإن قيل ( فكان ينبغي ) أن يثبت به طمأنينة القلب كما أثبتم هنا قلنا إنما لم نثبت لأنه اعترض ما هو أقوى منه فيما يرجع إلى العلم وهو إخبار علام الغيوب بأنهم ما قتلوه يقينا والحجج التي تثبت بها طمأنينة القلب إذا اعترض عليها ما هو أقوى لم يبق علم طمأنينة القلب بها ثم ذكر عيسى رحمه الله أن هذا النوع من الأخبار ينقسم إلى ثلاثة أقسام قسم يضلل جاحده ولا يكفر وذلك نحو خبر الرجم وقسم لا يضلل جاحده ولكن يخطأ ويخشى عليه المأثم وذلك نحو خبر المسح بالخف وخبر حرمة التفاضل وقسم لا يخشى على جاحده المأثم ولكن يخطأ في ذلك وهو الأخبار التي اختلف فيها الفقهاء في باب الأحكام وهذا الذي قاله صحيح بناؤه على تلقي العلماء إياه بالقبول ثم العمل بموجبه فإن خبر الرجم اتفق عليه العلماء من الصدر الأول والثاني وإنما خالف فيه الخوارج وخلافهم لا يكون قدحا في الإجماع ولهذا قال يضلل جاحده فأما خبر المسح ففيه شبهة الاختلاف في الصدر الأول فإن عائشة وابن عباس رضي الله عنهم كانا يقولان سلوا هؤلاء الذين يرون المسح هل مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد سورة المائدة والله ما مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد سورة المائدة وقد نقل رجوعهما عن ذلك أيضا وكذلك خبر الصرف فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يجوز التفاضل مستدلا بقوله صلى الله عليه وسلم لا ربا إلا في النسيئة وقد نقل رجوعه عن ذلك فلشبهة الاختلاف في الصدر الأول قلنا بأنه لا يضلل جاحده ولكن يخشى عليه المأثم ولأن باعتبار رجوعهم يثبت الإجماع ( وقد ثبت الإجماع ) على قبوله من الصدر الثاني والثالث ولا يسع مخالفة الإجماع فلهذا يخشى على جاحده المأثم وأما النوع الثالث فقد ظهر فيه الاختلاف في كل قرن فكل من ترجح عنده جانب الصدق فيه بدليل عمل به وكان له أن يخطىء صاحبه ولكن لا يخشى عليه المأثم في ذلك لأنه صار إليه عن اجتهاد والإثم في الخطأ موضوع عن المجتهد على ما نبينه إن شاء الله تعالى وأما الغريب المستنكر فإنه يخشى المأثم على العامل به وذلك نحو خبر القتل في القسامة وخبر القضاء بالشاهد واليمين لأنه مخالف لظاهر القرآن وقد ترك العلماء في القرن الأول والثاني العمل به فبه يقرب من الكذب كما أن المشهور يقرب من الصدق بتلقيهم إياه بالقبول والعمل به فكما يخشى المأثم هناك على ترك العمل به لقربه من الصدق فكذلك يخشى على من يعمل بالغريب المستنكر لقربه من الكذب والثابت بمثله مجرد الظن ومن الظن ما يأثم المرء باتباعه قال تعالى وظننتم ظن السوء وقال تعالى إن بعض الظن إثم وهو نظير من يصير إلى التحري عند اشتباه القبلة فيعمل به مع وجود الدليل ويترك العمل بالدليل ولا شك في تأثيم من يدع العمل بالدليل ويعمل بالظن فهذا مثله والله أعلم ذكر عيسى رحمه الله أنه ليس لما ينعقد به التواتر حد معلوم من حيث العدد وهو الصحيح لأن خبر التواتر يثبت علم اليقين ولا يوجد حد من حيث العدد يثبت به علم اليقين وإذا انتقص منه بفرد لا يثبت علم اليقين
ولكنا نعلم أن بالعدد اليسير لا يثبت ذلك لتوهم المواطأة بينهم وبالجمع العظيم يثبت ذلك لانعدام توهم المواطأة فإنما يبني على هذا أنه متى كان المخبرون بحيث يؤمن تواطؤهم عادة يكون خبرهم متواترا والحدود نوعان منه ما يكون متميز الأطراف والوسط كالمقادير في الحدود الشرعية ومنه ما يكون متميز الأطراف مشكل الوسط كالسير بالأميال والأكل بالأرطال فهذا مما هو متميز الأطراف مشكل الوسط والطريق فيه ما بينا فصل في بيان أن إجماع هذه الأمة موجب للعلم قال رضي الله عنه اعلم أن إجماع هذه الأمة موجب للعلم قطعا كرامة لهم على الدين لا لانقطاع توهم اجتماعهم على الضلال بمعنى معقول فاليهود والنصارى والمجوس أكثر منا عددا وقد وجد منهم الإجماع على الضلالة ولأن الاتفاق قد يتحقق من الخلف على وجه المتابعة للآباء من غير حجة كما أخبر الله تعالى عن الكفرة بقوله تعالى إنا وجدنا آباءنا على أمة وقال تعالى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله فعرفنا أنه إنما جعل اجتماع هذه الأمة حجة شرعا كرامة لهم على الدين فهذا مذهب الفقهاء وأكثر المتكلمين وقال النظام وقوم من الإمامية لا يكون الإجماع حجة موجبة للعلم بحال لأنه ليس فيه إلا اجتماع الأفراد وإذا كان قول كل فرد غير موجب للعلم لكونه غير معصوم عن الخطأ فكذلك أقاويلهم بعدما اجتمعوا لأن توهم الخطأ لا ينعدم بالاجتماع ألا ترى أن كل واحد منهم لما كان إنسانا قبل الاجتماع فبعد الاجتماع هم ناس وكل واحد من القادرين حالة الانفراد لا يصير عاجزا بعد الاجتماع وكل واحد من العميان عند الانفراد لا يصير بصيرا بالاجتماع ولا تصير جملتهم أيضا بهذه الصفة بعد الاجتماع وهذا الكلام ظاهر التناقض والفساد فقد ثبت بالاجتماع ما لا يكون ثابتا عند الانفراد في المحسوسات والمشروعات فإن الأفراد لا يقدرون على حمل خشبة ثقيلة وإذا اجتمعوا قدروا على ذلك واللقمة الواحدة من الطعام والقطرة من الماء لا تكون مشبعة ولا مروية ثم عند الاجتماع تصير مشبعة ومروية وهذا لأن بالاجتماع يحدث ما لم يكن عند الانفراد وهو الدليل الجامع لهم على ما اتفقوا عليه وقد قررنا هذا في الخبر المتواتر ومن أنكر كون الإجماع حجة موجبة للعلم فقد أبطل أصل الدين فإن مدار أصول الدين ومرجع المسلمين إلى إجماعهم فالمنكر لذلك يسعى في هدم أصل الدين وسنقرر هذا في آخر الفصل ثم الدليل على أن الإجماع من هذه الأمة حجة موجبة شرعا وأنهم إذا اجتمعوا على شيء فالحق فيما اجتمعوا عليه قطعا وإذا اختلفوا في شيء فالحق لا يعدوهم أصلا الكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وكلمة خير بمعنى أفعل فيدل على النهاية في الخيرية وذلك دليل ظاهر على أن النهاية في الخيرية فيما يجتمعون عليه ثم فسر ذلك بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وإنما جعلهم خير أمة بهذا والمعروف المطلق ما هو حق عند الله تعالى فأما ما يؤدي إليه اجتهاد المجتهدين فإنه غير معروف مطلقا إذ المجتهد يخطىء ويصيب ولكنه معروف في حقه على معنى أنه يلزمه العمل به ما لم يتبين خطؤه ففي هذا بيان أن المعروف المطلق ما يجتمعون عليه فإن قيل هذا يقتضي كون كل واحد منهم آمرا بالمعروف كما ذكرنا في موجب الجمع المضاف إلى جماعة وبالإجماع اجتهاد كل واحد منهم بانفراده لا يكون موجبا للعلم قطعا قلنا لا بل المراد هنا أن جميع الأمة أو أكثرهم بهذه الصفة ونظيره قوله تعالى وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها وكان ذلك من بعضهم
ويقال في بذلة الكلام بنو هاشم حكماء وأهل الكوفة فقهاء وإنما يراد بعضهم فيتبين بهذا التحقيق أن المراد بيان أن الأكثر من هذه الأمة إذا اجتمعوا على شيء فهو المعروف مطلقا وأنهم إذا اختلفوا في شيء فالمعروف المطلق لا يعدو أقوالهم وقال تعالى ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين الآية فقد جعل الله اتباع غير سبيل المؤمنين بمنزلة مشاقة الرسول في استيجاب النار ثم قول الرسول موجب للعلم قطعا فكذلك ما اجتمع عليه المؤمنون ولا يجوز أن يقال المراد اجتماع الخصلتين لأن في ذكرهما دليلا على أن تأثير أحدهما كتأثير الآخر بمنزلة قوله تعالى والذين لا يدعون مع الله إلها آخر إلى قوله ومن يفعل ذلك يلق أثاما وأيد هذا قوله تعالى ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة ففي هذا تنصيص على أن من اتخذ وليجة من دون المؤمنين فهو بمنزلة من اتخذ وليجة من دون الرسول وقال تعالى وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وفيه تنصيص على أن المرضي عند الله ما هم عليه حقيقة ومعلوم أن الارتضاء مطلقا لا يكون بالخطأ وإن كان المخطىء معذورا وإنما يكون بما هو الصواب فعرفنا أن الحق مطلقا فيما اجتمعوا عليه وقال تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس والوسط العدل المرضي قال تعالى أوسطهم أي أعدلهم وأرضاهم قولا وقال القائل هم وسط يرضى الأنام بحكمهم أي عدل ففي الوصف لهم بالعدالة تنصيص على أن الحق ما يجتمعون عليه ثم جعلهم شهداء على الناس والشاهد مطلقا من يكون قوله حجة ففي هذا بيان أن إجماعهم حجة على الناس وأنه موجب للعلم قطعا ولا معنى لقول من يقول الشهود في الحقوق عند القاضي وإن جعلت شهادتهم حجة فإنها لا تكون موجبة للعلم قطعا وهذا لأن شهادتهم حجة في حق القاضي باعتبار أنه مأمور بالقضاء بالظاهر فإن ما وراءه غيب عنه ولا طريق له إلى معرفته فيكون حجة بحسب ذلك وأما هنا فقد جعل الله تعالى هذه الأمة شهداء على الناس بما هو حق الله تعالى ( على الناس وهو علام الغيوب لا تخفى عليه خافية فإن ما يكون حجة لحق الله تعالى ) على الناس ما يكون موصوفا بأنه حق قطعا كيف وقد جعل الله شهادتهم على الناس كشهادة الرسول عليهم فقال تعالى ويكون الرسول عليكم شهيدا وشهادة الرسول حجة موجبة للعلم قطعا لأنه معصوم عن القول بالباطل فتبين بهذه المقابلة أن شهادة الأمة في حق الناس بهذه الصفة ولا يجوز أن يقال هذا في حكم الآخرة لأنه لا تفصيل في الآية ولأن ما في الآخرة يكون أداء الشهادة في مجلس القضاء والقاضي علام الغيوب عالم بحقائق الأمور فما لم يكونوا عالمين بما هو الحق في الدنيا لا يصلحون للأداء بهذه الصفة في الآخرة في قوله تعالى فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء مع أن الشهادة في الآخرة مذكورة في الآيتين من كتاب الله تعالى شهيدا وفي قوله تعالى ويوم نبعث من كل أمة شهيدا الآية فتبين أن المراد بما تلونا الشهادة بحقوق الله تعالى على الناس في الدنيا
ولا يقال كما وصف الله هذه الأمة بأنهم شهداء فقد وصف به أهل الكتاب قال تعالى يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء وقال تعالى بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء ثم لم يدل ذلك على أن إجماعهم موجب للعلم وهذا لأن الله تعالى إنما جعلهم شهداء بما أخذ الميثاق به عليهم وهو بيان نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من كتابهم للناس كما قال تعالى وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه الآية ولو بينوا كان بيانهم حجة إلا أنهم لما تعنتوا واشتغلوا بالحسد وطلب الرياسة كفروا بذلك وإنما سماهم أهل الكتاب باعتبار ما كانوا عليه من قبل ولذلك جعلهم شهداء على حفظ الكتاب فما لم يبدلوا كان قولهم حجة ولكنهم حرفوا وغيروا ذلك فلهذا لا يكون قولهم حجة فأما هنا فقد جعل الله هذه الأمة شهداء على الناس فعرفنا أن قولهم حجة في إلزام حقوق الله على الناس إلى قيام الساعة ولا يقال فقد ثبت حق الله بما لا يوجب العلم قطعا نحو خبر الواحد والقياس وهذا لأن خبر الواحد حجة باعتبار أنه كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله حجة موجبة للعلم قطعا ولكن امتنع ثبوت العلم به لشبهة في النقل واحتمل ذلك لضرورة فقدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم والقياس لا يكون حجة لإثبات الحكم ابتداء بل بتعدية الحكم الثابت بالنص إلى محل لا نص فيه واحتمل ذلك لضرورة حاجتنا إلى ذلك فأما هنا فقد جعل الله تعالى الأمة شهداء على الناس مطلقا وذلك لا يكون إلا إذا كان الحق مطلقا فيما يشهدون به فإن قيل وصف الله تعالى إياهم بهذا لا يكون دليلا على أنه لا يتوهم اجتماعهم على ما هو ضلالة كما في قوله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ففيه بيان أنه خلقهم للعبادة ثم لا يمنع ذلك توهم اجتماعهم على ترك العبادة قلنا اللام المذكور في قوله تعالى ليكونوا ليكونوا يدل على أنه جعلهم بهذه الصفة كرامة لهم ليكون قولهم حجة على الناس في حق الله كما يقول إنه جعل الناس أحرارا ليكونوا أهلا للملك فإنما يفهم منه أن الأهلية للملك ثابت لهم باعتبار الحرية فهاهنا أيضا يفهم من الآية أن قولهم حجة على الناس باعتبار صفة الوساطة لهم وهكذا كان يقتضي ظاهر قوله تعالى إلا ليعبدون غير أنا لو حملنا على هذا الظاهر خرجت العبادة من أن ينالها ثواب أو عقاب بتركها لأن ذلك يثبت باختيار يكون من العبد عند الإقدام عليه فعرفنا أن المراد من قوله إلا ليعبدون إلا وعليهم العبادة لي وبأن بترك الظاهر في موضع لقيام الدليل لا يمنع العمل بالظاهر فيما سواه وتبين أن ما نحن فيه نظير شهادة الرسول علينا كما ذكره الله معطوفا على هذه الصفة لا نظير ما استشهدوا به
وأما السنة فقد جاءت مستفيضة مشهورة في ذلك فمنها حديث عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من سره بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد ومنها حديث معاذ رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم إخلاص العمل لله تعالى ومناصحة ولاة الأمر ولزوم جماعة المسلمينومنها قوله صلى الله عليه وسلم يد الله مع الجماعة فمن شذ شذ في النار وقال عليه السلام من خالف الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه وقال عليه السلام إن الله لا يجمع أمتي على الضلالة ولما سئل عن الخميرة التي يتعاطاها الناس قال ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح والآثار في هذا الباب كثيرة تبلغ حد التواتر لأن كل واحد منهم إذا روي حديثا في هذا الباب سمعه في جمع ولم ينكر عليه أحد من ذلك الجمع فذلك بمنزلة المتواتر كالإنسان إذا رأى القافلة بعد انصرافها من مكة وسمع من كل فريق واحدا يقول قد حججنا فإنه يثبت له علم اليقين بأنهم حجوا في تلك السنة وشيء من المعقول يشهد به فإن الله تعالى جعل الرسول خاتم النبيين وحكم ببقاء شريعته إلى يوم القيامة وأنه لا نبي بعده وإلى ذلك أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من ناوأهم فلا بد من أن تكون شريعته ظاهرة في الناس إلى قيام الساعة وقد انقطع الوحي بوفاته فعرفنا ضرورة أن طريق بقاء شريعته عصمة الله أمته من أن يجتمعوا على الضلالة فإن في الاجتماع على الضلالة رفع الشريعة وذلك يضاد الموعود من البقاء وإذا ثبت عصمة جميع الأمة من الاجتماع على الضلالة ضاهى ما أجمعوا عليه المسموع من رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك موجب للعلم قطعا فهذا مثله وهذا معنى ما قلنا إن عند الاجتماع يحدث ما لم يكن ثابتا بالأفراد وهو نظير القاضي إذا نفذ قضاء باجتهاد فإنه يلزم ذلك على وجه لا يحتمل النقض وإن كان ذلك فوق الاجتهاد وكان ذلك لصيانة القضاء الذي هو من أسباب الدين فلأن يثبت هنا ما ادعينا صيانة لأصل الذين كان أولى فإن قيل كيف يستقيم هذا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس وقال لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله قلنا في صحة هذا الحديث نظر هو في الظاهر مخالف لكتاب الله الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ومن كان الله وليه فهو ظاهر أبدا ومعنى قوله يخرجهم من الظلمات إلى النور أي من ظلمات الكفر والباطل إلى نور الإيمان والحق فذلك دليل على أن الحق ما يتفقون عليه في كل وقت وقال تعالى هو الذي يصلي عليكم وملائكته الآية ولو ثبت الحديث فالمراد بيان أن أهل الشر يغلبون في آخر الزمان مع بقاء الصالحين المتمسكين بالحق فيهم والمراد بالحديث الآخر بيان الحال بين نفخة الفزع ونفخة البعث فإن قيام الساعة عند نفخة البعث وعند ذلك لم يبق في الأرض من بني آدم أحد حيا ثم الكلام بعد هذا في سبب الإجماع وركنه وأهلية من ينعقد به الإجماع وشرطه وحكمه من الكتاب والسنة أما الكتاب فنحو الإجماع على حرمة الأمهات والبنات سببه قوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأما من حيث السنة فنحو الإجماع على فصل السبب قال رضي الله عنه اعلم بأن سبب الإجماع قد يكون توقيفا أن في اليدين الدية وفي إحداهما نصف الدية والإجماع على أنه لا يجوز بيع الطعام المشتري قبل القبض وما أشبه ذلك فإن سببه السنة المروية في الباب
ومن ذلك ما يكون مستنبطا بالاجتهاد على ما هو المنصوص عليه من الكتاب أو السنة وذلك نحو إجماعهم على توظيف الخراج على أهل السواد فإن عمر رضي الله عنه حين أراد ذلك خالفه بلال مع جماعة من أصحابه حتى تلا عليهم قوله تعالى والذين جاؤوا من بعدهم قال أرى لمن بعدكم في هذا الفيء نصيبا فلو قسمتها بينكم لم يبق لمن بعدكم فيها نصيب فأجمعوا على قوله وسبب إجماعهم هذا الاستنباط ولما اختلفوا في الخليفة بعد رسول الله عليه السلام قال عمر إن رسول الله اختار أبا بكر لأمر دينكم فيكون أرضني به لأمر دنياكم فأجمعوا على خلافته وسبب إجماعهم هذا الاستنباط ومنها ما يكون عن رأي نحو إجماعهم على أجل العنين وإجماعهم على الحد على شارب الخمر على ما روي أن عمر رضي الله عنه لما شاورهم في ذلك قال علي إنه إذا شرب هذي وإذا هذي افترى وحد المفترين في كتاب الله ثمانون جلدة وهكذا قاله ابن عوف وكان علي يقول ما من أحد أقيم عليه حدا فيموت فأجد من ذلك في نفسي شيئا إلا حد الخمر فإنه ثبت بآرائنا فإن قيل كيف يستقيم هذا وإثبات الحد بالرأي لا يكون قلنا لا نقول إثبات أصل الحد كان بالرأي بل بالسنة وهو ما ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالضرب بالجريد والنعال في شرب الخمر إلا أنهم بالتفحص عرفوا مقدار ما ضرب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أن الذين كانوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ أربعون نفرا وضرب كل واحد بنعليه فنقلوا بالرأي من النعال إلى الجلدات استدلالا بحد القذف وأثبتوا المقدار بالنص فأجمعوا أن حد الخمر ثمانون جلدة وكان ابن جرير رحمه الله يقول الإجماع الموجب للعلم قطعا لا يصدر عن خبر الواحد ولا عن قياس لأن خبر الواحد والقياس لا يوجب العلم قطعا فما يصدر عنه كيف يكون موجبا لذلك ولأن الناس يختلفون في القياس هل هو حجة أم لا فكيف يصدر الإجماع عن نفس الخلاف وهذا غلط بين فقد بينا أن إجماع هذه الأمة حجة شرعا باعتبار عينه لا باعتبار دليله فمن يقول بأنه لا يكون إلا صادرا عن دليل موجب للعلم فإنه يجعل الإجماع لغوا وإنما يثبت العلم بذلك الدليل فهو ومن ينكر كون الإجماع حجة أصلا سواء وخبر الواحد والقياس وإن لم يكن موجبا للعلم بنفسه فإذا تأيد بالإجماع فذلك يضاهي ما لو تأيد بآية من كتاب الله أو بالعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم والتقرير منه على ذلك فيصير موجبا للعلم من هذا الطريق قطعا وقد كان في الصدر الأول اتفاق على استعمال القياس وكونه حجة على ما نبينه وإنما أظهر الخلاف بعض أهل الكلام ممن لا نظر له في الفقه وبعض المتأخرين ممن لا علم له بحقيقة الأحكام وأولئك لا يعتد بخلافهم ولا يؤنس بوفاقهم ثم الإجماع الثابت بهذه الأسباب يثبت انتقاله إلينا بالطريق الذي يثبت به انتقال السنة المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك ( تارة ) يكون بالتواتر وتارة بالاشتهار وتارة بالآحاد وذلك نحو ما يروى عن عبيدة السلماني قال ما اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء كاجتماعهم على المحافظة على الأربع قبل الظهر وعلى الإسفار بالفجر وعلى تحريم نكاح الأخت في عدة الأخت وقال ابن مسعود رضي الله عنه في تكبيرات الجنازة كل ذلك قد كان وقد رأيت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يكبرون عليها أربعا ومن الناس من أنكر ثبوت الإجماع بخبر الواحد لأن الإجماع يوجب العلم قطعا وخبر الواحد لا يوجب ذلك وهذا خطأ بين فإن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم موجب للعلم أيضا ثم يجوز أن يثبت ذلك بالنقل بطريق الآحاد على أن يكون موجبا للعمل دون العلم فكذلك الإجماع يجوز أن يثبت بالنقل بطريق الآحاد على أن يكون موجبا العمل وسنقرر هذا في بيان الحكم إن شاء الله تعالى فصل الركن
ركن الإجماع نوعان العزيمة والرخصة فالعزيمة هو اتفاق الكل على الحكم بقول سمع منهم أو مباشرة الفعل فيما يكون من بابه على وجه يكون ذلك موجودا من العام والخاص فيما يستوي الكل في الحاجة إلى معرفته لعموم البلوى فيه كتحريم الزنا والربا وتحريم الأمهات وأشباه ذلك ويشترك فيه جميع علماء العصر وفيما لا يحتاج العام إلى معرفته لعدم البلوى العام بهم فيه كحرمة المرأة على عمتها وخالتها وفرائض الصدقات وما يجب في الزروع والثمار وما أشبه ذلك وهذا لأن ركن الشيء ما يقوم به أصله فإنما يقوم أصل الإجماع في النوعين بهذا وأما الرخصة وهو أن ينتشر القول من بعض علماء أهل العصر ويسكت الباقون عن إظهار الخلاف وعن الرد على القائلين بعد عرض الفتوى عليهم أو صيرورته معلوما لهم بالانتشار والظهور فالإجماع يثبت به عندنا ومن العلماء من يقول بهذا الطريق لا يثبت الإجماع ويحكى عن الشافعي رحمه الله أنه كان يقول إن ظهر القول من أكثر العلماء والساكتون نفر يسير منهم يثبت به الإجماع وإن انتشر القول من واحد أو اثنين والساكتون أكثر علماء العصر لا يثبت به الإجماع وجه قولهم إن السكوت محتمل قد يكون للموافقة وقد يكون للمهابة والتقية مع إضمار الخلاف والمحتمل لا يكون حجة خصوصا فيما يوجب العلم قطعا ألا ترى أن فيما هو مختلف فيه السكوت لا يكون دليلا على شيء لكونه محتملا ويستدلون على صحة هذه القاعدة بما روي أن عمر رضي الله عنه لما شاور الصحابة في مال فضل عنده للمسلمين فأشاروا عليه بتأخير القسمة والإمساك إلى وقت الحاجة وعلي رضي الله عنه في القوم ساكت فقال له ما تقول يا أبا الحسن فقال لم تجعل يقينك شكا وعلمك جهلا أرى أن تقسم ذلك بين المسلمين وروى فيه حديثا فهو لم يجعل سكوته دليل الموافقة لهم حتى سأله واستخار علي رضي الله عنه السكوت مع كون الحق عنده في خلافهم ولما شاور عمر الصحابة في إملاص المغيبة التي بعث بها ففزعت فقالوا إنما أنت مؤدب وما أردت إلا الخير فلا شيء عليك وعلي رضي الله عنه في القوم ساكت فقال ما تقول يا أبا الحسن فقال إن كان هذا جهد رأيهم فقد أخطؤوا وإن قاربوك فقد غشوك أرى عليك الغرة فقال أنت صدقتني فقد استخار السكوت مع إضمار الخلاف ولم يجعل عمر سكوته دليل الموافقة حتى استنطقه ولما بين ابن عباس حجته في مسألة العول للصحابة قالوا له هلا قلت هذا لعمر فقال كان رجلا مهيبا فهبته وفي رواية منعني درته من ذلك وكان عيسى بن أبان يقول ترك النكير لا يكون دليل الموافقة بدليل حديث ذي اليدين فإنه حين قال أقصرت الصلاة أم نسيتها يا رسول الله فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر وعمر وقال أحق ما يقول ذو اليدين ولو كان ترك النكير دليل الموافقة لاكتفى به رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ولما استنطقهم في الصلاة من غير حاجة وكان الكرخي رحمه الله يقول السكوت على النكير فيما يكون مجتهدا فيه لا يكون دليل الموافقة لأنه ليس لأحد المجتهدين أن ينكر على صاحبه باجتهاده وليس عليه أن يبين له ما أدى إليه اجتهاده فالسكوت في مثله لا يكون دليل الموافقة
وجه قولنا إنه لو شرط لانعقاد الإجماع التنصيص من كل واحد منهم على قوله وإظهار الموافقة مع الآخرين قولا أدى إلى أن لا ينعقد الإجماع أبدا لأنه لا يتصور اجتماع أهل العصر كلهم على قول يسمع ذلك منهم إلا نادرا وفي العادة إنما يكون ذلك بانتشار الفتوى من البعض وسكوت الباقين وفي اتفاقنا على كون الإجماع حجة وطريقا لمعرفة الحكم دليل على بطلان قول هذا القائل وهذا لأن المتعذر كالممتنع ثم تعليق الشيء بشرط هو ممتنع يكون نفيا لا صلة فكذا تعليقه بشرط هو متعذر وهذا لأن الله تعالى رفع عنا الحرج كما لم يكلفنا ما ليس في وسعنا وليس في وسع علماء العصر السماع من الذين كانوا قبلهم يقرون فكان ذلك ساقطا عنهم فكذلك يتعذر السماع من جميع علماء العصر والوقوف على قول كل واحد منهم في حكم حادثة حقيقة لما فيه من الحرج البين فينبغي أن يجعل اشتهار الفتوى من البعض والسكوت من الباقين كافيا في انعقاد الإجماع لأن السامعين من العلماء المجتهدين لا يحل لهم السكوت عن إظهار الخلاف إذا كان الحكم عندهم خلاف ما ظهر وسكوتهم محمول على الوجه الذي يحل فبهذا الطريق ينقطع معنى التساوي في الاحتمال ويترجح جانب إظهار الموافقة ومثل هذا السكوت لا يرجح أحد الجانبين فيما يكون مختلفا فيه فيبقى محتملا على ظاهره ولهذا قال الشافعي رحمه الله إنما يثبت الإجماع إذا اشتهر القول من أكثرهم لأن هذا القدر مما يتأتى وإقامة السكوت مقام إظهار الموافقة لدفع الحرج فيتقدر بقدره ولا حرج في اعتبار ظهور القول من الأكثر ولأن الأقل يجعل تبعا للأكثر فإذا كان الأكثر سكوتا يجعل ذلك كسكوت الكل وإذا ظهر القول من الأكثر يجعل كظهوره من الكل ولكنا نقول المعنى الذي لأجله جعل سكوت الأقل بمنزلة إظهار الموافقة أنه لا يحل لهم ترك إظهار الخلاف إذا كان الحكم عندهم خلاف ذلك وهذا المعنى فيما يشتهر من واحد أو اثنين أظهر لأن تمكن الأكثر من إظهار الخلاف يكون أبين فلأن يجعل سكوتهم عن إظهار الخلاف بعد ما اشتهر القول دليل الموافقة كان أولى وأما حديث القسمة فإنما سكت علي رضي الله عنه لأن ما أشاروا به على عمر كان حسنا فإن للإمام أن يؤخر القسمة فيما يفضل عنده من المال ليكون معدا لنائبة تنوب المسلمين ولكن كان القسمة أحسن عند علي لأنه أقرب إلى أداء الأمانة والخروج عما يحمل من العهدة وفي مثل هذا الموضع لا يجب إظهار الخلاف ولكن إذا سئل يجب بيان الأحسن فلهذا سكت علي في الابتداء وحين سأله بين الوجه الأحسن عنده وكذا حديث الإملاص فإن ما أشاروا به من الحكم كان صوابا لأنه لم يوجد من عمر رضي الله عنه مباشرة صنع بها ولا تسبب هو جناية ولكن إلزام الغرة مع هذا يكون أبعد من القيل والقال ويكون أقرب إلى بسط العدل وحسن الرعاية فلهذا سكت في الابتداء ولما استنطقه بين أولى الوجهين عنده يوضحه أن مجرد السكوت عن إظهار الخلاف لا يكون دليل الموافقة عندنا ما بقي مجلس المشاورة ولم يفصل الحكم بعد فإنما يكون هذا حجة أن لو فصل عمر الحكم بقولهم أو ظهر منه توقف في الجواب ويكون علي رضي الله عنه ساكتا بعد ذلك ولم ينقل هذا فإنما يحمل سكوته في الابتداء على أنه لتجربة أفهامهم أو لتعظيم الفتوى الذي يريد إظهاره باجتهاده حتى لا يزدري به أحد من السامعين أو ليروي النظر في الحادثة ويميزه من الأشباه حتى يتبين له ما هو الصواب فيظهره والظاهر أنه لو لم يستنطقه عمر رضي الله عنه لكان هو بين ما يستقر عليه رأيه من الجواب قبل إبرام الحكم وانقضاء مجلس المشاورة
فأما حديث ابن عباس فقد قيل إنه لا يكاد يصح لأن عمر رضي الله عنه كان يقدم ابن عباس رضي الله عنهما وكان يدعوه في مجلس الشورى مع الكبار من الصحابة لما عرف من فطنته وحسن ذهنه وبصيرته وقد أشار عليه بأشياء فقبل ذلك واستحسنه وكان يقول له غص يا غواص شنشنة أعرفها من أخزم يعني أنه شبه العباس في رأيه ودهائه فكيف يستقيم مع هذا أن يقال إنه امتنع من بيان قوله وحجته لعمر مهابة له وإن صح فهذه المهابة إنما كان باعتبار ما عرف من فضل رأي عمر وفقهه فمنعه ذلك من الاستقصاء في المحاجة معه كما يكون من حال الشبان مع ذوي الأسنان من المجتهدين في كل عصر فإنهم يهابون الكبار فلا يستقصون في المحاجة معهم حسب ما يفعلون مع الأقران ومتى كان ( الناس ) في تقية من عمر في إظهار الحق مع قوله عليه الصلاة والسلام أينما دار الحق فعمر معه وكان ألين وأسرع قبولا للحق من غيره حتى كان يشاورهم ويقول لهم لا خير فيكم إذا لم تقولوا لنا ولا خير فينا إذا لم نسمع منكم رحم الله امرأ أهدى إلى أخيه عيوبه فمع طلب البيان منه بهذه الصفة لا يتوهم أن يهابه أحد فلا يظهر عنده حكم الشرع مهابة له وحديث ذي اليدين رضي الله عنه قلنا مجرد السكوت عن النكير لا يكون دليل الموافقة عندنا ولكن مع ترك إظهار ما هو الحق عنده بعد مضي مدة المهلة ولم توجد هذه الصفة في حديث ذي اليدين فإنه كما أظهر مقالته سأل رسول الله أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وكان الكلام في الصلاة يومئذ مباحا فما كان هناك ما يمنعهم من الكلام وأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتعرف ما عندهم من خلاف له أو وفاق وذلك مستقيم قبل أن يحصل المقصود بالسكوت وإن كان يحصل ذلك بسكوتهم عن إظهار الخلاف أن لو قام رسول الله صلى الله عليه وسلم لإتمام الصلاة ولم يستنطقهم وكذلك ما قاله الكرخي رحمه الله فهو خارج على هذا الحرف لأنا لا نجعل مجرد السكوت عن النكير دليل الموافقة بل ترك إظهار ما عنده مما هو مخالف لما انتشر وهذا واجب على كل مجتهد من علماء العصر لا يباح له السكوت عنه بعد ما انتشر قول بخلاف قوله وبلغه ذلك فإنما يحمل السكوت على الوجه الذي يحل له شرعا ولهذا اعتبرنا في ثبوت الإجماع بهذا الطريق أن يسكت بعد عرض الفتوى عليه لأنه ما لم يبلغه قول هو مخالف لما عنده وما لم يسأل عنه لا يلزمه البيان وإنما يكون ذلك بعد عرض الفتوى عليه وبعد مضي مدة المهلة أيضا لأنه يحتاج إلى التروي وإلى رد الحادثة إلى الأشباه ليميز الأشبه بالحادثة من بين الأشباه برأيه ولا يتأتى ذلك إلا بمدة فإذا مضت المدة ولم يظهر خلاف ما بلغه كان ذلك دليلا على الوفاق باعتبار العادة فإن قيل كان ينبغي أن لا تنتهي هذه المدة إلا بموته لأن الإنسان قد يكون متفكرا في شيء مدة عمره فلا يستقر فيه رأيه على شيء وقد يرى رأيا في شيء ثم يظهر له رأي آخر فيرجع عن الأول فعلى هذا مدة التروي لا تنتهي إلا بموته قلنا لا كذلك بل إذا مضى من المدة ما يتمكن فيه من النظر والاجتهاد فعليه إظهار ما تبين له باجتهاده من توقف في الجواب أو خلاف أو وفاق لا يحل له السكوت عن الإظهار إلا عند الموافقة وبعدما ثبت الإجماع بهذا الطريق فليس له أن يرجع عنه برأي يعرض له لأن الإجماع موجب للعلم قطعا بمنزلة النص فكما لا يجوز ترك العمل بالنص باعتبار رأي يعترض له لا يجوز مخالفة الإجماع برأي يعترض له بعدما انعقد الإجماع بدليله
وكذلك إن لم يعرض عليه الفتوى ولكن اشتهر الفتوى في الناس على وجه يعلم أنه بلغ ذلك الساكتين من علماء العصر فإن ذلك يقوم مقام العرض عليهم لأنه يجب عليهم إظهار الخلاف الذي عندهم إن كانوا يعتقدون خلاف ذلك على وجه ينتشر هذا الخلاف منهم كما انتشر القول الأول ليكون الثاني معارضا للأول ولو أظهروا ذلك لانتشر فسكوتهم عن الإظهار الثابت بدليل عدم الانتشار دليل على الموافقة بهذا الطريق أثبتنا كون القرآن معجزا لأن العرب ما عارضوا بمثله ولو فعلوا لانتشر ذلك وعجزهم عن المعارضة بعد التحدي دليل على أنه معجز فإن قيل فقد اشتهر فتوى الناس بجواز المزارعة بعد أبي حنيفة قولا وفعلا مع سكوت أصحاب أبي حنيفة عن النكير ولم يكن ذلك دليل الموافقة قلنا كما انتشر ذلك فقد انتشر أيضا الخلاف من أصحاب أبي حنيفة لمن أجاز المزارعة محاجة ومناظرة وإنما تركوا التشنيع على من يباشر ذلك لأنه ظهر عند الناس نوع رجحان لقول من أجازها فأخذوا بذلك وذلك يمنع القائلين بفسادها من أن يظهروا منع الناس من ذلك لعلمهم أن الناس لا يمتنعون باعتبار ما ظهر لهم بمنزلة القاضي إذا قضى في فصل مجتهد فيه فإنه لا يجب على المجتهد الذي يعتقد خلافه أن يظهر للناس خطأ القاضي لعلمه أن الناس لا يأخذون بقوله ولاعتقاده أن قضاء القاضي بما قضى به نافذ وأن ذلك الجانب ترجح بالقضاء فترك النكير على من يباشر المزارعة بهذه المثابة يحقق ما قلنا إن من عادة المتشاورين من العوام في شيء يهمهم من أمر الدنيا ويتعلق به بعض مصالحهم أن البعض إذا أظهر فيه رأيا وعند البعض خلاف ذلك فإنهم لا يمتنعون من إظهار ما عندهم إلا نادرا ولا يبنى الحكم على النادر فإذا كان هذا في أمر الدنيا مع أن السكوت عن الإظهار يحل فيه شرعا فلأن يكون أمر الدين وما يرجع إلى إظهار حكم الله تعالى بهذه الصفة حتى يكون السكوت فيه دليل الوفاق كان أولى فكذلك العادة من حال من يسمع ما هو مستبعد عنه أن لا يمتنع من إظهار النكير عنده بل يكون ذلك جل همه ألا ترى أنه لو أخبر مخبر أن الخطيب يوم الجمعة لما صعد المنبر رماه إنسان بسهم فقتله وسمع ذلك منه قوم شهدوا الجمعة ولم يعرفوا من ذلك شيئا فإنه لا يكون في همتهم شيء أسبق من إظهار الإنكار عليه وقد بينا أن ما عليه العادة الظاهرة لا يجوز تركه في الأحكام فتبين باعتبار هذه العادة أن السكوت دليل الموافقة ونحن نعلم أنه قد كان عند الصحابة أن إجماعهم حجة موجبة للعلم قطعا فإذا علم الساكت هذا يفترض عليه بيان ما عنده ليتحقق الخلاف ويخرج ما اشتهر من أن يكون حكم الحادثة قطعا والسكوت إن لم يدل على الموافقة فلا إشكال أنه لا يدل على الخلاف ومن هذا الجنس ما إذا اختلفوا في حادثة على أقاويل محصورة فإن المذهب عندنا أن هذا يكون دليل الإجماع منهم على أنه لا قول في هذه الحادثة سوى هذه الأقاويل حتى ليس لأحد أن يحدث فيه قولا آخر برأيه وعند بعضهم هذا من باب السكوت الذي هو محتمل أيضا فكما لا يدل على نفي الخلاف لا يدل على نفي قول آخر في الحادثة فإن ذلك نوع تعيين ولا يثبت بالمحتمل ولكنا نقول قد بينا أنهم إذا اختلفوا على أقاويل فنحن نعلم أن الحق لا يعدو أقاويلهم وهذا بمنزلة التنصيص منهم على أن ما هو الحق حقيقة في هذه الأقاويل وماذا بعد الحق إلا الضلال وكذلك هذا الحكم في اختلاف بين أهل كل عصر إلا على قول بعض مشايخنا فإنهم يقولون هذا في أقاويل الصحابة خاصة لما لهم من الفضل والسابقة ولكن المعنى الذي أشرنا إليه يوجب المساواة وعلى هذا قالوا فيما ظهر من بعض الخلفاء عن الصحابة أنه قال في خطبته على المنبر ولم يظهر من أحد منهم خلاف لذلك فإن ذلك إجماع منهم بهذا الطريق
وقد قال بعض من لا يعبأ بقوله الإجماع الموجب للعلم قطعا لا يكون إلا في مثل ما اتفق عليه الناس من موضع الكعبة وموضع الصفا والمروة وما أشبه ذلك وهذا ضعيف جدا فإنه يقال لهذا القائل بأي طريق عرفت إجماع المسلمين على هذا بطريق سماعك نصا من كل واحد من آحادهم فإن قال نعم ظهر للناس كذبه وإن قال لا ولكن بتنصيص البعض وسكوت الباقين عن إظهار الخلاف فنقول كما ثبت بهذا الطريق الإجماع منهم على هذه الأشياء التي لا يشك فيها أحد فكذلك ثبت الإجماع منهم بهذا الطريق في الأحكام الشرعية فصل الأهلية زعم بعض الناس أن الإجماع الموجب للعلم لا يكون إلا باتفاق فرق الأمة أهل الحق وأهل الضلالة جميعا لأن الحجة إجماع الأمة ومطلق اسم الأمة يتناول الكل فأما المذهب عندنا أن الحجة اتفاق كل عالم مجتهد ممن هو غير منسوب إلى هوى ولا معلن بفسق في كل عصر لأن حكم الإجماع إنما يثبت باعتبار وصف لا يثبت إلا بهذه المعاني وذلك صفة الوساطة كما قال تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا وهو عبارة عن الخيار العدول المرضيين وصفة الشهادة بقوله لتكونوا شهداء على الناس فلا بد من اعتبار الأهلية لأداء الشهادة وصفة الأمر بالمعروف وذلك يشير إلى فرضية الاتباع فيما يأمرون به وينهون عنه وإنما يفترض اتباع العدل المرضي فيما يأمر به وثبوته بطريق الكرامة على الدين والمستحق للكرامات مطلقا من كان بهذه الصفة فأما أهل الأهواء فمن يكفر في هواه فاسم الأمة لا يتناوله مطلقا ولا هو مستحق للكرامة الثابتة للمؤمنين ومن يضلل في هواه إذا كان يدعو الناس إلى ما يعتقده فهو يتعصب لذلك على وجه يخرج به إلى صفة السفه والمجون فيكون متهما في أمر الدين لا معتبر بقوله في إجماع الأمة ولهذا لم يعتبر خلاف الروافض في إمامة أبي بكر ولا خلاف الخوارج في خلافة علي فإن كان لا يدعو الناس إلى هواه ولكنه مشهور به فقد قال بعض مشايخنا فيما يضلل هو فيه لا معتبر بقوله لأنه إنما يضلل لمخالفته نصا موجبا للعلم فكل قول كان بخلاف النص فهو باطل وفيما سوى ذلك يعتبر قوله ولا يثبت الإجماع مع مخالفته لأنه من أهل الشهادة ولهذا كان مقبول الشهادة في الأحكام قال رضي الله عنه والأصح عندي أنه إن كان متهما بالهوى ولكنه غير مظهر له فالجواب هكذا فأما إذا كان مظهرا لهواه فإنه لا يعتد بقوله في الإجماع لأن المعنى الذي لأجله قبلت شهادته لا يوجد هنا فإنها تقبل لانتفاء تهمة الكذب على ما قال محمد رحمه الله قوم عظموا الذنوب حتى جعلوها كفرا لا يتهمون بالكذب في الشهادة وهذا يدل على أنهم لا يؤتمنون في أحكام الشرع ولا يعتبر قولهم فيه فإن الخوارج هم الذين يقولون إن الذنب نفسه كفر وقد أكفروا أكثر الصحابة الذين عليهم مدار أحكام الشرع وإنما عرفناها بنقلهم فكيف يعتمد قول هؤلاء في أحكام الشرع وأدنى ما فيه أنهم لا يتعلمون ذلك إذا كانوا يعتقدون كفر الناقلين ولا معتبر بقول الجهال في الأحكام فأما من كان محقا في اعتقاده ولكنه فاسق في تعاطيه فالعراقيون يقولون لا يعتد بقوله في الإجماع أيضا لأنه ليس بأهل لأداء الشهادة ولأن التوقف في قوله واجب بالنص وذلك ينفي وجوب الاتباع قال رضي الله عنه والأصح عندي أنه إذا كان معلنا لفسقه فكذلك الجواب لأنه لما لم يتحرز من إعلان ما يعتقده باطلا فكذلك لا يتحرز من إعلان قول يعتقد بطلانه باطنا فأما إذا لم يكن مظهرا للفسق فإنه يعتد بقوله في الإجماع وإن علم فسقه حتى ترد شهادته لأنه لا يخرج بهذا من الأهلية للشهادة أصلا ولا من الأهلية للكرامة بسبب الدين ألا ترى أنا نقطع القول لمن يموت مؤمنا مصرا على فسقه أنه لا يخلد في النار فإذا كان هو أهلا للكرامة بالجنة في الآخرة فكذلك في الدنيا باعتبار قوله في الإجماع
فأما كونه عالما مجتهدا فهو معتبر في الحكم الذي يختص بمعرفته والحاجة إليه العلماء وعلى هذا قلنا من يكون متكلما غير عالم بأصول الفقه والأدلة الشرعية في الأحكام لا يعتد بقوله في الإجماع هكذا نقل عن الكرخي وكذلك من يكون محدثا لا بصر له في وجوه الرأي وطرق المقاييس الشرعية لا يعتد بقوله في الإجماع لأن هذا فيما يبني عليه حكم الشرع بمنزلة العامي ولا يعتد بقول العامي في إجماع علماء العصر لأنه لا هداية له في الحكم المحتاج إلى معرفته فهو بمنزلة المجنون حتى لا يعتد بمخالفته ثم قال بعض العلماء الذين هم بالصفة التي قلنا من أهل العصر ما لم يبلغوا حدا لا يتوهم عليهم التواطؤ على الباطل لا يثبت الإجماع الموجب للعلم باتفاقهم ألا ترى أن حكم التواتر لا يثبت بخبرهم ما لم يبلغوا هذا الحد فكذلك حكم الإجماع بقولهم لأن بكل واحد منهما يثبت علم اليقين والأصح عندنا أنهم إذا كانوا جماعة واتفقوا قولا أو فتوى من البعض مع سكوت الباقين فإنه ينعقد الإجماع به وإن لم يبلغوا حد التواتر بخلاف الخبر فإن ذلك محتمل للصدق والكذب فلا بد من مراعاة معنى ينتفي به تهمة الكذب بكثرتهم ألا ترى أن صفة العدالة لا تعتبر هناك وهذا إظهار حكم ابتداء ليس فيه من معنى احتمال تهمة الكذب شيء إنما فيه توهم الخطأ فإذا كانوا جماعة فالأمن عن ذلك ثابت شرعا كرامة لهم بسبب الدين وصفة العدالة على ما قررنا فإن قيل لا يؤمن على هؤلاء إعلان الفسق أو الضلالة أو الردة مثلا بعدما انعقد الإجماع منهم فكيف يؤمن الخطأ باعتبار اجتماعهم وعن هذا الكلام جوابان لمشايخنا رحمهم الله أحدهما أنا لا نجوز هذا على جماعتهم بعدما كان إجماعهم موجبا للعلم في حكم الشرع فإن الله تعالى يعصمهم من ذلك لأن إجماعهم صار بمنزلة النص عن صاحب الشريعة فكما أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان معصوما عن هذا نقطع القول به لأن قوله موجب للعلم فكذلك جماعة العلماء إذا ثبت لهم هذه الدرجة وهو أن قولهم موجب للعلم كرامة بسبب الدين والثاني أنه وإن تحقق هذا منهم فإن الله تعالى يقيم آخرين مقامهم ليكون الحكم ثابتا بإجماعهم لأن الدين محفوظ إلى قيام الساعة على ما قال رسول الله عليه السلام لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله فما يعترض على الأولين لا يؤثر في حكم الإجماع لقيام أمثالهم مقامهم بمنزلة موتهم وقال بعض العلماء الإجماع الموجب للعلم لا يكون إلا بإجماع الصحابة الذين كانوا خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم صحبوه وسمعوا منه علم التنزيل والتأويل وأثنى عليهم في آثار معروفة فهم المختصون بهذه الكرامة وهذا ضعيف عندنا فإن النبي صلى الله عليه وسلم كما أثنى عليهم فقد أثنى على من بعدهم فقال خير الناس قرني الذين أنا فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ففي هذا بيان أن أهل كل عصر يقومون مقامهم في صفة الخيرية إذا كانوا على مثل اعتقادهم والمعاني التي بيناها لإثبات هذا الحكم بها من صفة الوساطة والشهادة والأمر بالمعروف لا يختص بزمان ولا بقوم وثبوت هذا الحكم بالإجماع لتحقيق بقاء حكم الشرع إلى قيام الساعة وذلك لا يتم ما لم يجعل إجماع أهل كل عصر حجة كإجماع الصحابة رضي الله عنهم فإن قيل ف أبو حنيفة رحمه الله قال بخلاف هذا لأنه قال ما جاءنا عن الصحابة اتبعناهم وما جاءنا عن التابعين زاحمناهم قلنا إنما قال ذلك لأنه كان من جملة التابعين فإنه رأى أربعة من الصحابة أنس بن مالك وعبد الله بن أبي أوفى وأبو الطفيل وعبد الله بن حارث بن جزء الزبيدي رضي الله عنهم وقد كان ممن يجتهد في عهد التابعين ويعلم الناس حتى ناظر الشعبي في مسألة النذر بالمعصية فما كان ينعقد إجماعهم بدون قوله فلهذا قال ذلك لا لأنه كان لا يرى إجماع من بعد الصحابة حجة
ومن الناس من يقول الإجماع الذي هو حجة إجماع أهل المدينة خاصة لأنهم أهل حضرة الرسول وقد بين رسول الله عليه السلام خصوصية تلك البقعة في آثار فقال إن الإسلام ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها وقال عليه السلام إن الدجال لا يدخلها وقال عليه السلام من أراد أهلها بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء وقال عليه السلام إن المدينة تنفي الخبث كما ينفي الكير خبث الحديد ولكن ما قررنا من المعاني لا يختص بمكان دون مكان ثم إن كان مراد القائل أهلها الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا لا ينازع فيه أحد وإن كان المراد أهلها في كل عصر فهو قول باطل لأنه ليس في بقعة من البقاع اليوم في دار الإسلام قوم هم أقل علما وأظهر جهلا وأبعد عن أسباب الخير من الذين هم بالمدينة فكيف يستجاز القول بأنه لا إجماع في أحكام الدين إلا إجماعهم والمراد بالآثار حال المدينة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كانت الهجرة فريضة كان المسلمون يجتمعون فيها وأهل الخبث والردة لا يقرون فيها وقد تكون البقعة محروسة وإن كان من يسكنها على غير الحق ألا ترى أن مكة كانت محروسة عام الفيل مع أن أهلها كانوا مشركين يومئذ ومن الناس من يقول لا إجماع إلا لعترة الرسول لأنهم المخصوصون بقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسباب العز قال عليه السلام إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي إن تمسكتم بهما لم تضلوا بعدي وقال تعالى إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا الموجب للعلم باعتبار نصوص ومعاني لا يختص ذلك بأهل البيت والنسب ليس من ذلك في شيء فالتخصيص به يكون زيادة كيف وقد قال تعالى واتبع ولكنا نقول أنواع الكرامة لأهل البيت متفق عليه ولكن حكم الإجماع سبيل من أناب إلي فكل من كان منيبا إلى ربه فهو داخل في هذه الآية وهو مراد بقوله تعالى ويتبع غير سبيل المؤمنين كما ذكرنا من الاستدلال به فصل الشرط زعم بعض الناس أن انقراض العصر شرط لثبوت حكم الإجماع وهو قول الشافعي رحمه الله أيضا لأن قبل انقراض العصر إذا بدا لبعضهم رأي خلاف رأي الجماعة فإن ما ظهر له في الانتهاء بمنزلة الموجود في الابتداء ولو كان موجودا لم ينعقد إجماعهم بدون قوله فكذلك إذا اعترض له ذلك ولا يقع الأمن عن هذا إلا بانقراض العصر على ذلك الإجماع ألا ترى أن أبا بكر رضي الله عنه كان يسوي بين الناس في العطايا وكانوا لا يخالفونه في ذلك ثم فضل علي رضي الله عنه في العطايا في خلافته ولا يظن به مخالفة الجماعة فعرفنا أن بدون انقراض العصر لا يثبت حكم الإجماع وقال علي رضي الله عنه اتفق رأيي ورأي عمر على أن أمهات الأولاد لا يبعن وأنهن أحرار عن دبر من الموالي ثم رأيت أن أرقهن فلو ثبت الإجماع قبل انقراض العصر لما استجاز خلاف الإجماع برأيه وأما عندنا انقراض العصر ليس بشرط لأن الإجماع لما انعقد باعتبار اجتماع معاني الذي قلنا كان الثابت به كالثابت بالنص وكما أن الثابت بالنص لا يختص بوقت دون وقت فكذلك الثابت بالإجماع ولو شرطنا انقراض العصر لم يثبت الإجماع أبدا لأن بعض التابعين في عصر الصحابة كان يزاحمهم في الفتوى فيتوهم أن يبدو له رأي بعد أن لم يبق أحد من الصحابة وهكذا في القرن الثاني والثالث فيؤدي إلى سد باب حكم الإجماع ( أصلا ) وهذا باطل ولكنا نقول بعد ما ثبت الإجماع موجبا للعلم باتفاقهم فليس لأحد أن يظهر خلاف ذلك برأيه لا من أهل ذلك العصر ولا من غيرهم كما لا يكون له أن يخالف النص برأيه وهذا بخلاف رأيه قبل انعقاد الإجماع لأن الدليل الموجب للعلم لم يتقرر هناك فكان قوله معتبرا في منع انعقاد الإجماع
وأما حديث التسوية في العطاء فقد كان مختلفا في الابتداء على ما روي عن عمر رضي الله عنه قال لأبي بكر لا تجعل من لا سابقة له في الإسلام كمن له سابقة فقال أبو بكر هم إنما عملوا لله فأجرهم على الله فتبين أن هذا الفصل كان مختلفا في الابتداء فلهذا مال علي رضي الله عنه إلى التفضيل وحديث أمهات الأولاد فالمروي أن عليا رضي الله عنه قال ثم رأيت أن أرقهن يعني أن لا أعتقهن بموت المولى حتى يكون الوارث أو الوصي هو المعتق لها كما دل عليه ظاهر بعض الآثار المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس المراد جواز بيعهن إذ ليس من ضرورة الرق جواز البيع لا محالة وكان الكرخي رحمه الله يقول شرط الإجماع أن يجتمع علماء العصر كلهم على حكم واحد فأما إذا اجتمع أكثرهم على شيء وخالفهم واحد أو اثنان لم يثبت حكم الإجماع وهذا قول الشافعي رحمه الله أيضا لأن النبي عليه السلام قال أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ولأنه لا معتبر بالقلة والكثرة في المعنى الذي يبتنى عليه حكم الإجماع وبالاتفاق لو كان فريق منهم على قول وفريق مثلهم على قول آخر فإنه لا يثبت حكم الإجماع فكذلك إذا كان أكثرهم على قول ونفر يسير منهم على خلاف ذلك لا يثبت حكم الإجماع قال رضي الله عنه والأصح عندي ما أشار إليه أبو بكر الرازي رحمه الله أن الواحد إذا خالف الجماعة فإن سوغوا له ذلك الاجتهاد لا يثبت حكم الإجماع بدون قوله بمنزلة خلاف ابن عباس للصحابة في زوج وأبوين وامرأة وأبوين أن للأم ثلث جميع المال وإن لم يسوغوا له الاجتهاد وأنكروا ( عليه ) قوله فإنه يثبت حكم الإجماع بدون قوله بمنزلة قول ابن عباس في حل التفاضل في أموال الربا فإن الصحابة رضي الله عنهم لم يسوغوا له هذا الاجتهاد حتى روي أنه رجع إلى قولهم فكان الإجماع ثابتا بدون قوله ولهذا قال محمد رحمه الله في الإملاء لو قضى القاضي بجواز بيع الدرهم بالدرهمين لم ينفذ قضاؤه لأنه مخالف للإجماع والدليل على صحة هذا القول قوله عليه السلام يد الله مع الجماعة فمن شذ شذ في النار وقال عليه السلام عليكم بالسواد الأعظم يعني ما عليه عامة المؤمنين ففي هذا إشارة إلى أن قول الواحد لا يعارض قول الجماعة ولأنا لو شرطنا هذا أدى إلى أن لا ينعقد الإجماع أبدا لأنه لا بد أن يكون في علماء العصر واحد أو اثنان ممن لم يسمع ذلك الفتوى أصلا وممن يرى خلاف ذلك وإنما كان الإجماع حجة باعتبار ظهور وجه الصواب فيه بالاجتماع عليه وإنما يظهر هذا في قول الجماعة لا في قول الواحد ألا ترى أن قول الواحد لا يكون موجبا للعلم وإن لم يكن بمقابلته جماعة يخالفونه وقول الجماعة موجب للعلم إذا لم يكن هناك واحد يخالفهم فكذلك مع وجود هذا الواحد لأن قوله لا يعارض قولهم بخلاف ما إذا كان على كل قول جماعة فهناك المعارضة تتحقق والمراد من قوله عليه السلام بأيهم اقتديتم اهتديتم إذا لم يكن هناك دليل موجبا للعلم بخلاف قول من يهتدي به ألا ترى أنه إذا كان هناك نص بخلاف قول الواحد لم يجز اتباعه ولم يكن هذا الحديث متناولا له وحكي عن أبي حازم القاضي رحمه الله أن الخلفاء الراشدين إذا اتفقوا على شيء فذلك إجماع موجب للعلم ولا يعتد بخلاف من خالفهم في ذلك لقوله عليه السلام عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ ولهذا لم يعتبر خلاف زيد للخلفاء في توريث ذوي الأرحام وأمر المعتصم برد الأموال التي اجتمعت في بيت المال مما أخذت من تركات فيها ذوو الأرحام فأنكر ذلك عليه أبو سعيد البردعي رحمه الله وقال هذا شيء أمضى على قول زيد فقال لا أعتد خلاف زيد في مقابلة قول الخلفاء الراشدين وقد قضيت بذلك فليس لأحد أن يبطله بعدي فصل الحكم
ذكر هشام عن محمد رحمهما الله الفقه أربعة ما في القرآن وما أشبهه وما جاءت به السنة وما أشبهها وما جاء عن الصحابة وما أشبهه وما رآه المسلمون حسنا وما أشبهه ففي هذا بيان أن ما أجمع عليه الصحابة فهو بمنزلة الثابت بالكتاب والسنة في كونه مقطوعا به حتى يكفر جاحده وهذا أقوى ما يكون من الإجماع ففي الصحابة أهل المدينة وعترة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خلاف بين من يعتد بقولهم إن هذا الإجماع حجة موجبة للعلم قطعا فيكفر جاحده كما يكفر جاحد ما ثبت بالكتاب أو بخبر متواتر فإن قيل كيف يستقيم هذا وتوهم الخطأ لم ينعدم بإجماعهم أصلا فإن رأيهم لا يكون فوق رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال تعالى عفا الله عنك لم أذنت لهم وقال تعالى ما كان لنبي أن يكون له أسرى الآية ففي هذا إشارة إلى أنه قد كان وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم الخطأ في بعض ما فعل به برأيه فعرفنا أنه لا يؤمن الخطأ في رأي دون رأيه أصلا قلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معصوما عن التقرير على الخطأ خصوصا في إظهار أحكام الدين ولهذا كان قوله موجبا علم اليقين واتباعه فرض على الأمة قال تعالى وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا وسنقرر هذا الكلام في موضعه ( إن شاء الله تعالى ) فإذا ثبت هذا فيما ثبت بتنصيص رسول الله صلى الله عليه وسلم فكذلك فيما يثبت بإجماع الصحابة فإنه لا يبقى فيه توهم الخطأ بعد إجماعهم حتى يكفر جاحده وقوله وما أشبهه المراد منه أن الصحابة إذا اختلفوا في حادثة على أقاويل فإن ذلك اتفاق منهم على أنه لا قول سوى ما ذكروا فيها وأن الحق لا يعدو أقاويلهم حتى ليس لأحد بعدهم أن يخترع قولا آخر برأيه ولهذا قلنا إن الصحابة لما اختلفوا في مقدار جعل الآبق على أقاويل كان ذلك اتفاقا منهم على أن الحق لا يعدو أقاويلهم فليس لأحد بعدهم أن يخترع فيه قولا آخر برأيه إلا أن هذا الإجماع دون الأول في الحكم لأن ثبوته بطريق الاستدلال وأصله مسكوت عنه فلا يكفر جاحده مثل هذا الإجماع فإن قيل أليس أنكم قلتم فيمن قال لامرأته اختاري فإن اختارت نفسها وقعت تطليقة بائنة وإن اختارت زوجها لم يقع شيء وقد كانت الصحابة فيها على قولين سوى هذا ثم اخترعتم قولا ثالثا برأيكم قلنا ما فعلنا ذلك فإن الكرخي رحمه الله ذكر مذهبنا عن معاذ بن جبل رضي الله عنه فليس ذلك بخروج عن أقاويلهم وفي قوله ما رآه المسلمون حسنا بيان أن إجماع أهل كل عصر حجة ولكن هذا في الحكم دون ما سبق وهو بمنزلة خبر مشهور حتى لا يكفر جاحده ولكن يجوز النسخ به لأن بين من يعتد بقولهم من العلماء اختلافا فيه ودون هذا بدرجة أيضا الإجماع بعد الاختلاف في الحادثة إذا كانت مختلفا فيها في عصر ثم اتفق أهل عصر آخر بعدهم على أحد القولين فقد قال بعض العلماء هذا لا يكون إجماعا وعندنا هو إجماع ولكنه بمنزلة خبر الواحد في كونه موجبا للعمل غير موجب للعلم قال رضي الله عنه وكان شيخنا ( الإمام الحلواني رحمه الله ) يقول هذا على قول محمد رحمه الله يكون إجماعا فأما على قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله لا يكون إجماعا فإن الرواية محفوظة عن محمد رحمه الله أن قضاء القاضي بجواز بيع أم الولد باطل وقد كان هذا مختلفا فيه بين الصحابة ثم اتفق من بعدهم على أنه لا يجوز بيعها فكان هذا قضاء بخلاف الإجماع عند محمد وعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ينفذ قضاء القاضي به لشبهة الاختلاف في الصدر الأول ولا يثبت الإجماع مع وجود الاختلاف في الصدر الأول
قال رضي الله عنه والأوجه عندي أن هذا إجماع عند أصحابنا جميعا للدليل الذي دل على أن إجماع أهل كل عصر إجماع معتبر وإنما ينفذ قضاء القاضي بجواز بيعها لشبهة الاختلاف في أن مثل هذا هل يكون إجماعا فعلى اعتبار هذه الشبهة يكون قضاؤه في مجتهد فيه فلهذا نفذه أبو حنيفة رحمه الله وجه قول الفريق الأول أن الحجة إجماع الأمة والذي كان مخالفا في الصدر الأول من الأمة وبموته لا يبطل قوله فلا يثبت الإجماع بدون قوله ألا ترى أنه لو بقي حيا إلى هذا الوقت لم ينعقد الإجماع بدون قوله فكذلك إذا كان ميتا لأن اعتبار قوله لدليله لا لحياته ولأنه لو ثبت الإجماع بعده لوجب القول بتضليله ولا نظن أحدا يقول هذا لابن عباس رضي الله عنهما في زوج وأبوين وإن أجمعوا بعده على خلاف قوله ولا لابن مسعود رضي الله عنه في تقديم ذوي الأرحام على مولى العتاقة وإن أجمعوا بعده على خلاف قوله وقد قلتم إذا قال لامرأته أنت خلية ونوى ثلاثا ثم وطئها في العدة وقال علمت أنها علي حرام لا يلزمه الحد لأن عمر رضي الله عنه كان يراها تطليقة رجعية وقد أجمعوا بعده على خلاف ذلك ولهذا صح نية الثلاث فيه فدل أن الإجماع لا يثبت بمثل هذا وجه قولنا إن المعتبر إجماع أهل كل عصر لما بينا أن المقصود كون أحكام الشرع محفوظة وأن ثبوت هذا الحكم باعتبار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وذلك يختص به الأحياء من أهل العصر دون من مات قبلهم فكما أن لا يعتبر توهم قول ممن يأتي بعدهم بخلاف قولهم في منع ثبوت حكم الإجماع فكذلك لا يعتبر قول واحد كان قبلهم إذا اجتمعوا في عصرهم على خلافه ويجعل هذا الإجماع بمنزلة التقدير من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لو عرض عليه الفتوى ومعلوم أنه لو عرض عليه فقال الصواب هذا فإنه تثبت الحجة به ولا يضلل القائل بخلافه قبل هذا التنصيص فكذلك هنا لا يضلل القائل بخلافه قبل هذا الإجماع ألا ترى أن أهل قباء كانوا يصلون إلى بيت المقدس بعدما نزلت فرضية التوجه إلى الكعبة حتى أتاهم آت فأخبرهم واستداروا كهيئتهم وجوز رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاتهم لأن ذلك كان قبل العلم بالنص الناسخ وابن عباس رضي الله عنهما كان يقول بإباحة المتعة ثم رجع إلى قول الصحابة ويثبت الإجماع برجوعه لا محالة ولم يكن ذلك موجبا تضليله فيما كان يفتي به قبل هذا فأما ما إذا قال لامرأته أنت خلية فإنما أسقطنا الحد هناك بالوطء لا لأن اتفاق أهل العصر بعد الخلاف ليس بإجماع ولكن للشبهة المتمكنة في هذا الإجماع بسبب اختلاف العلماء فإن الحد يسقط بأدنى شبهة والله أعلم بالحقيقة & باب الكلام في قبول أخبار الآحاد والعمل بها & قال فقهاء الأمصار رحمهم الله خبر الواحد العدل حجة للعمل به في أمر الدين ولا يثبت به علم اليقين وقال بعض من لا يعتد بقوله خبر الواحد لا يكون حجة في الدين أصلا وقال بعض أهل الحديث يثبت بخبر الواحد علم اليقين منهم من اعتبر فيه عدد الشهادة ليكون حجة ومنهم من اعتبر أقصى عدد الشهادة وهو الأربعة